البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 47-86

كتاب قتال أهل البغي

صفحات 47-86
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يجب عليه ضمانه، ولهذا: لم يوجب عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - الضمان على الذين قتلوا المرتد قبل استتابته، فلو كانت الاستتابة واجبة.. لوجب ضمانه.
فعلى هذا: لا يأثم إذا قتله قبل الاستتابة.
والثاني: أن الاستتابة واجبة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] [الأنفال: 38].
فأمر الله تَعالَى بمخاطبة الكفار بالانتهاء، ولم يفرق بين الأصلي والمرتد.
ولما رَوَيْنَاهُ عن عمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما - ولأن من لم تبلغه الدعوة.. يجب أن يُدعَى إلى الإسلام قبل القتل، فكذلك المرتد.
وأمَّا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من بدَّل دينه.. فاقتلوه» فمعناه: بعد الاستتابة، بدليل: ما ذكرناه.
وأمَّا قوله: (لو وجبت الاستتابة.. لوجب على قاتله قبل الاستتابة ضمانه)؛ فيبطل بقتل نساء أهل الحرب وذراريهم، فإنه يحرم قتلهم، ولو قتلهم.. لم يجب ضمانهم.
فعلى هذا: إذا قتله قبل الاستتابة.. أَثم لا غير، وفي قدر مدة الاستتابة قولان، سواء قلنا: إنها مستحبة أو واجبة: أحدهما: يستتاب ثلاثة أيام، وبه قال مالك، وأبو حَنِيفَة، وأحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تَعالَى - ووجهه: ما رَوَيْنَاهُ عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - ولأن الاستتابة تراد لزوال الشبهة، فقدر ذلك بثلاث؛ لأنها آخر حد القلة وأول حد الكثرة.
والثاني: يستتاب في الحال، فإن تاب.. وإلا.. قتل.
وهو الذي نصره الشافعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لحديث أم رومان، ولأنه استتابة، فلم يتقدَّر بالثلاث، كاستتابة الحربي، هذا مذهبنا.
وقال عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -: (يستتاب شهرا).

وقال الزهري: يستتاب ثلاث مرات في حالة واحدة.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يستتاب ثلاث مرات في ثلاث جمع، كل جمعة مرة).
وقال الثوري: يستتاب أبدا، ويحبس إلى أن يتوب أو يموت.
ودليلنا عليه: ما مَضَى.

فرع: يستتاب المرتد السكر بعد إفاقته

]: وأمَّا السكران: فإنه لا يستتاب في حال سكره، وإنما يؤخر إلى أن يفيق، ثم يستتاب؛ لأن استتابته في حال إفاقته أرجى لإسلامه، فإن استتيب في حال سكره، فلم يتب وقتل.. جاز؛ ولكن الأحوط أن يترك حتى يفيق.
وإن أسلم في حال سكره.. صح إسلامه.
وقال أبُو علي بن أبي هُرَيرَة: لا يصح إسلامه، وبه قال أبُو حَنِيفَة، والمنصوص هو الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] [النساء: 43].
فخاطبهم في حال السكر، فدلَّ على: أنه مخاطب مكلف، فكل من كان مخاطبا مكلفا.. صح إسلامه، كالصاحي.
وإذا أسلم في حال السكر.. فالمستحب: أن لا يخلى، بل يحبس إلى أن يفيق، فإن أفاق وثبت على إسلامه.. خلِّي، وإن عاد إلى الكفر.. قتل.
فإن ارتد الرجل، ثم جن أو تبرسم.. لم يقتل حتى يفيق من جنونه، ويبرأ من

برسامه؛ لأن المرتد لا يقتل إلا بالردة والمقام عليها باختياره، والمجنون والمبرسم لا يعلم إقامته على الردة باختياره، فلم يقتل.

مسألة: قبول إسلام المرتد ولا يهدر دمه

]: إذا أسلم المرتد صح.. إسلامه ولم يقتل، سواء كانت ردته إلى كفر يتظاهر به أهله كاليهودية والنصرانية وعبادة الأصنام، أو إلى كفر يستتر به أهله، كالزندقة و (الزنديق): هو الذي يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، فمتى قامت بينة: أنه تكلم بما يكفر به.. فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا.. قتل، فإن استتيب، فتاب.. قبلت توبته.
وقال بعض الناس: إذا أسلم المرتد.. لم يحقن دمه بحال، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بدَّل دينه.. فاقتلوه»، وهذا قد بدَّل.
وقال مالك، وأحمد، وإسحاق: (لا تقبل توبة الزنديق، ولا يحقن دمه بذلك)، وهي إحدَى الروايتين عن أبي حَنِيفَة، والرواية الأخرى عنه كمذهبنا.
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: 74] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: 74] الآية [التوبة: 74].
فأثبت الله لهم التوبة بعد الكفر وبعد الإسلام.
ورُوِي: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها.. عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها» وهذا قد قالها.
ورَوَى عبيد الله بن عدي بن الخيار: «أن رجلا سارَّ النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم نَدرِ ما سارَّه به، حتى جهر النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصوته، فإذا هو قد استأذنه في قتل منافق، فقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أليس هو يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بلى، ولا شهادة له، قال: " أليس يشهد أنِّي رسول الله؟ " قال: بلى، ولا شهادة له] فقال: " أليس يصَلَّي؟ " قال: بلى.. ولا صلاة له؛ فقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أُولئِكَ الَّذِينَ نَهانِي الله عن قتلهم».
«ورَوَى المقداد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يا رسول الله - صَلَّى الله عليك وسَلَّم - أرأيت لو أن مشركا لقيني وقطع يدي، ثم لاذ عني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله؟ فقال: " لا "، قال: فقد قالها بعدما قطع يدي؟! فقال: " إنما هو مثلك قبل أن تقتله».
ولأن المنافقين في زمان النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يظهرون الإسلام ويُسِرُّون الكفر، و (كان النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعرفهم بأعيانهم، والآيات تنزل عليه بأسمائهم وكناهم ولا يتعرض لهم).

فرع: كيفية إسلام الكافر والمرتد ونحوهما

]: إسلام الكافر الأصلي والمرتد سواء، وينظر فيه: فإن كان لا تأويل له في كفره، مثل: عَبَدَة الأوثان.. فيكفيه في الإسلام: أن يأتي بالشهادتين؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإذا قالوها.. عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها».
وإن كان متأولا في كفره، بأن يقول: إن محمدا رسول الله، ولكنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب، أو يقول: هو نبي، إلا أنه لم يبعث بعد.. فلا يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين، ويبرأ معهما من كل دين مخالف دين الإسلام؛ لأنه إذا اقتصر على الشهادتين.. احتمل أن يريد ما يعتقده.
وإن ارتد بجحود فرض مُجمَعٍ عليه، كالصلاة، والزكاة؛ أو باستباحة محرم مُجمَعِ

عليه كالخمر، والخنزير، والزنا.. لم يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين، ويقر بوجوب ما جحد وجوبه، وتحريم ما استباحه من ذلك؛ لأنه كذب الله ورسوله بما أخبرا به، فلم يحكم بإسلامه حتى يقر بتصديقهما بذلك.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن صَلَّى الكافرُ الأصلي في دار الحرب.. حكم بإسلامه، وإن صَلَّى في دار الإسلام.. لم يحكم بإسلامه؛ لأن الإنسان في دار الإسلام مطالب بإقامة الصلاة، محمول على فعلها، فإذا فعلها الكافر هناك.. فالظاهر أنه فعلها تقية لا اعتقادا، فلم يحكم بإسلامه، وفي دار الكفر هو غير مطالب بإقامة الصلاة، فإذا فعلها فيه.. فالظاهر أنه فعلها اعتقادا لا تقية.. فحكم بإسلامه).
وهكذا: إن ارتد في دار الحرب، ثم شهد شاهدان: أنه يصلي هناك.. فإنه يحكم بإسلامه؛ لما ذكرناه في الحربي، وإن ارتد في دار الإسلام، ثم شهد شاهدان: أنه يصلي.. فإنه لا يحكم بإسلامه؛ لما ذكرناه في الحربي، ولأن المرتد في دار الحرب لا يمكن معرفة إسلامه إلا بالصلاة؛ لأنه لا يمكنه إظهار الشهادتين، والمرتد في دار الإسلام يمكن معرفة إسلامه بإظهار الشهادتين.
وإن أكره الذمي على الإسلام.. لم يصح إسلامه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256] [البقرة: 256]. وإن أكره الحربي أو المرتد على دين الإسلام.. صح إسلامه؛ لأنه أكره بحق.

فرع: مكررالردة ثم الإسلام يعزر

فرع: [مكرر الردة ثم الإسلام يعزر]: إذا ارتد ثم أسلم ثم ارتد ثم أسلم، وتكرر ذلك منه.. فإنه يحكم بصحة إسلامه، إلا أنه لا يعزر في الردة الأولى؛ لجواز أن يكون عرضت له شبهة، ويعزر فيما بعدها؛ لأنه لا شبهة له، ووافقنا أبُو حَنِيفَة على صحة إسلامه، إلا أنه قال: (يحبس في الثانية)؛ والحبس نوع من التَّعزِير.

وقال أبُو إسحاق المَروَزِي: إذا تكرر منه الردة.. لم يصح إسلامه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ [النساء: 137] [النساء: 137]، فأخبر: أنه لا يغفر لهم في الثالثة.
ودليلنا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] [الأنفال: 38].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5] [التوبة: 5]، ولم يفرق.
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الإسلام يَجُبُّ ما قبله».
ولم يفرق.
وأمَّا الآية: فلها تأويلان: أحدهما: أن معناها: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به، ثم آمنوا بعيسى ثم كفروا به، ثم آمنوا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم كفروا به.. لم يكن الله ليغفر لهم.
والثاني: أن معناها: إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، وأصروا على الكفر ولم يسلموا، الآية، قال: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: 137] [النساء: 137].

مسألة: الإمام يقتل الحر وفي قتل السيد لمولاه المرتد

مسألة: [الإمام يقتل الحر المرتد، وفي قتل السيد لمولاه المرتد]: إذا ارتد الحر وأقام على الردة.. فإن قتْلَه إلى الإمام؛ لأن قتْلَه حق للمسلمين، وفيهم من يحسن القتل وفيهم من لا يحسن، والإمام نائب عنهم.
فإن قتَله بعضهم بغير إذن الإمام.. فلا قَوْد عليه ولا دية ولا كفارة؛ لأنه مستحق للقتل، فإن رأَى الإمام تعزيره.. فعل؛ لأنه افتأت عليه ذلك.
وإن ارتد العبد.. فهل لسيده أن يقتله؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك، كما له أن يقيم عليه حد الزِّنَا.

والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه لا يتصل بصلاح ملكه، بخلاف حد الزِّنَا.

مسألة: حكم مال المرتد

]: وإن ارتد وله مال.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (يوقف ماله).
وقال في الزكاة: (فيه قولان: أحدهما: أنه موقوف على إسلامه أو قتله.
والثاني: أن ملكه ثابت، فتؤخذ زكاة ماله حولا فحولا).
وقال في التدبير: (إذا دبر المرتد عبدا.. ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن تدبيره صحيح.
والثاني: تدبيره موقوف.
والثالث: أن تدبيره باطل؛ لأن ماله خارج منه).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: في بقاء ملك المرتد على ماله، وفي جواز تصرفه قبل الحجر ثلاثة أقوال.
أحدها: أن ماله باق على ملكه، وتصرفه فيه قبل الحجر عليه صحيح؛ لأن الردة معنى يوجب القتل، فلم يزل بها الملك، ولم يبطل بها تصرفه، كزنى المحصن.
والثاني: وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق -: أن ملكه يزول عن ماله بالردة.
فعلى هذا: لا يصح تصرفه فيه، لما رُوِي: أن أبا بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - قال لوفد بزاخة من أسد وغطفان: (نغنم ما أصبنا منكم، وتردون إلينا ما أصبتم منا)، ولأنه عصم دمه وماله بالإسلام، فلما ملك المسلمون دمه بردته.. وجب أن يملكوا ماله بردته.

والثالث: أن ملكه وتصرفه موقوفان، فإن أسلم.. تبين أن ملكه لم يزل، وتصرفه صحيح، وإن مات على الردة أو قتل عليها.. تبينا أن ملكه زال بالردة، وإن تصرفه باطل؛ لأنه نوع ملك للمرتد، فكان موقوفا، كملكه لبضع زوجته.
ومن أصحابنا من قال: في ملكه قولان لا غير: أحدهما: أنه موقوف.
والثاني: أنه باق.
ومعنى قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لأن ماله خارج منه) أي: في التصرف.
وأمَّا تصرفه قبل الحجر: فعلى الأقوال الثلاثة، على ما مَضَى.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا: إن ملكه زال عن ماله بالردة.. لم يحتج إلى الحجر عليه، وإن قلنا: إن ملكه باق على ماله، أو قلنا: إنه موقوف.. فإن القاضي يحجر عليه في ماله؛ لأنه تعلق بماله حق المسلمين، وهو متهم في إضاعته، فحجر عليه، كالمفلس.
هذا نقل البغداديين.
وقال الخراسانيون: إن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. صار محجورا عليه بنفس

الردة، وإن قلنا: إن ملكه باق.. حجر عليه القاضي، وإن قلنا: إنه موقوف.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه صار محجورا عليه بنفس الردة؛ لأنا لا نحكم له بالإسلام، فينفذ تصرفه: والثاني: يحجر عليه الحاكم؛ لأنا لم نقطع ملكه بالرِّدة بعد.
وإن تصرف المرتد في ماله بعد الحجر، فإن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. لم يصح تصرفه.
وإن قلنا: إن ملكه باق أو موقوف.. ففي تصرفه القولان في تصرف المفلس بعد الحجر؛ لأن تعلق حق المسلمين بماله كتعلق حق الغرماء بمال المفلس بعد الحجر.
وإن زوج المرتد أمته، فإن قلنا: يصح تصرفه.. صح النكاح، وإن قلنا: لا يصح تصرفه.. لم يصح النكاح، وإن قلنا: إن تصرفه موقوف.. لم يصح النكاح أيضا؛ لأن النكاح لا يقع موقوفا عندنا.

فرع: ما لزم على المرتد يؤخذ من ماله

]: وما لزم على المرتد من دين أو أرش جناية، أو نفقة زوجة أو قريب.. فإنه يجب أداؤه من ماله على الأقوال كلها؛ لأنا إن قلنا: إن ملكه باق أو موقوف.. فلا محالة يقضي منه أو من ماله، وإن قلنا أن ملكه زال بالردة.. إلَّا أنه لم يَزُل زوالا مستقرا؛ لأنه يَعود إليه بإسلامه.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخرسانيون: إن قلنا: إن ملكه باق.. أخذت هذه الحقوق من ماله، وإن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول الإصطخري، وهو الأصح عندهم -: أنها لا تؤخذ من ماله؛ لأنه لا ملك له.

والثاني: أنها تؤخذ منه؛ لأنا إنما نحكم بزوال ملكه فيما لم يكن تعلق به حق الغير، كما لو استدان، ثم ارتد.. فإن الدين يقضى من ماله.
فإن مات أو قتل على الردة، فإن بقي من ماله بعد قضاء ديونه وأرش جناياته ونفقة زوجاته شيء.. صرف ذلك إلى بيت المال فيئا للمسلمين.
وقال أبُو يوسف، ومحمد: يرث عنه ورثته المسلمون جميع أمواله.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يرث عنه ورثته المسلمون ما اكتسبه في حال الإسلام، وأمَّا ما اكتسبه بعد الردة.. فلا يورث عنه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يرث المسلم الكافر» ولم يفرق.
وإن قتل المرتد رجلا، فإن كان عمدا.. كان الولي بالخيار: بين أن يقتص منه، وبين أن يعفو عنه، فإن اقتص منه.. سقط القتل بالردة، وإن عفا عنه على مال.. تعلقت الدية بماله على طريقة أصحابنا البغداديين.
وعلى طريقة الخراسانيين: على ما مَضَى.
وإن كان القتل خطأ.. قال الشيخُ أبُو حامد: فإن الدية تجب في ماله في ثلاث سنين، ولا تتحملها العاقلة؛ لأنه لا عاقلة له، فإن مات أو قتل قبل الثلاث.. أخذ ولي المقتول الدية في الحال؛ لأن الدين المؤجل يحل بموت من عليه.

فرع: إقرار المرتد بدين ونحوه

فرع: [لا يصح إقرار المرتد بدين ونحوه]: قال المسعودي [في " الإبانة "]: فإن أقر المرتد لرجل بدَيْن أو عين، فإن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. لم يصح إقراره، وإن قلنا: إن ملكه باق.. ففي صحة إقراره القولان في إقرار المفلس، وسواء أقرَّ قبل الحجر أو بعد الحجر.

فرع: اختلاف الورثة أمات كافرا أو مسلما

]: فإن عرف إسلام رجل، فمات وخلف ورثة، فأقر بعضهم: أنه مات كافرا، وأقر بعضهم: أنه مات مسلما.. دفع إلى من أقر: أنه مات مسلما نصيبه؛ لأنه لا محالة

محكوم بإسلامه، ولا يدفع نصيب من أقر: أنه مات كافرا إليه؛ لأنه أقر: أنه لا يستحقه، وماذا يصنع به؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبُو حامد: أحدهما: يوقف إلى أن يتبين الحال فيه؛ لأنه لا يمكن دفعه إليه؛ لأنه أقر: أنه لا يستحقه، ولا يمكن صرفه إلى بيت المال؛ لأنه إنما ينقل إليه مال كافر، وهذا محكوم بإسلامه؛ ولهذا ورثنا بعض ورثته منه.
والثاني: أنه ينقل إلى بيت المال؛ لأنه حق للوارث المقر في الظاهر، وقد أقر به لبيت المال، فقُبِل إقراره فيه.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا أقر مسلم: أن أباه مات كافرا.. سئل عن ذلك، فإن قال: تكلم بكلمة الكفر عند موته.. قبل ولم يرثه، وإن لم يقر بذلك بل أطلق.. ففيه قولان: أحدهما: لا يرثه؛ لأنه أقر: أنه لا يرثه.
والثاني: لا يقبل إقراره؛ لأنه قد يعتقد تكفير أهل البدع.

فرع: ارتد ولحق بدار حرب وأمواله في دار الإسلام

]: إذا ارتد رجل ولحق بدار الحرب، وترك أموالا في دار الإسلام.. فإن الإمام يحفظها؛ لأنه متردد: بين أن يسلم ويرجع إليه ماله، وبين أن يموت على الردة أو يقتل، فيكون فيئا، فإن كان ماله من العروض أو الدراهم أو الدنانير.. حفظها الإمام، وإن كان حيوانا.. فعل الإمام ما رأى فيه الحظ من بيعه وحفظ ثمنه، أو إكرائه وإنفاق كرائه عليه.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إذا لحق بدار الحرب.. كان كما لو مات، فتعتق أم ولده ومدبره، ويحل دينه المؤجل، ويقسم ماله بين ورثته عنده، فإن رجع إلى الإسلام.. لم ينتقض من هذه الأحكام شيء، إلا أن يكون عين ماله قائمة في يد ورثته، فيأخذه منهم).

دليلنا: أن كل حالة لو أسلم فيها.. رد ماله إليه لم يقسم ماله فيها، كما لو كان بدار الإسلام.

مسألة: استرقاق المرتد

مسألة: [لا يجوز استرقاق المرتد]: ولا يجوز استرقاق المرتد، رجلا كان أو امرأة.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إن كان المرتد امرأة ولحقت بدار الحرب.. جاز استرقاقها؛ لأن أم محمد ابن الحنفية كانت من بني حَنِيفَة، وكانوا مرتدين، فملكها عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - واسترقها).
دليلنا: أن الكفر بعد الإيمان يمنع الاسترقاق كالرجل، وأمَّا الخبر: فقد رُوِي: أنها كانت أمة، فسبيت.
وإذا قتل مالكها على الردة كانت فيئا.
وأمَّا ولد المرتد: فإن ولد قبل ردة أبويه أو أحدهما، أو ارتد أبواه وهو حمل.. فإنه محكوم بإسلامه؛ لأنه قد حكم بإسلامه تبعا لأبويه، فلم يزل إسلامه بردة أبويه، بدليل: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الإسلام يعلو ولا يُعلَى».

فإن بلغ هذا الولد، ووصف الإسلام.. فلا كلام، وإن امتنع من أن يصف الإسلام، أو وصف الكفر بعد بلوغه.. حكم بردته، ويقتل.
وقال أبُو العباس: وفيه قول آخر: أنه إذا لم يصف الإسلام بعد بلوغه.. أنه لا يقتل ويترك على كفره؛ لأن الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (ولو قتله قاتل بعد بلوغه وقبل أن يصف الإسلام.. لم يكن على قاتله القود) فلو حكم له بالإسلام بعد بلوغه.. لأوجب على قاتله القود، وهذا خطأ؛ لأنه محكوم له بالإسلام؛ ولهذا لو قتله قاتل قبل أن يبلغ.. وجب عليه القود، وإنما لم يوجب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - القود على من قتله بعد بلوغه وقبل أن يصف الإسلام، لأجل شبهة عرضت، وهو: أنه لم يصف الإسلام، لا لأنه لم يحكم له بالإسلام.
وأمَّا إذا ارتد الأبوان، ثم حملت به الأم في حال ردتهما، ووضعته قبل أن يسلما أو أحدهما، أو تزوج مسلم ذمية وارتد، ثم حملت بولد في حال ردته، ووضعته قبل أن يسلما أو أحدهما.. فإن الولد محكوم بكفره؛ لأنه ولد بين كافرين، وهل يجوز استرقاقه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز سبيه؛ لأن حكم الولد الصغير في الدين حكم أبويه، وإذا لم يجز سبي أبويه.. لم يجز سبيه، كولد المسلمين.
فعلى هذا: يترك حتى يبلغ، فإن لم يصف الإسلام.. قتل.
والثاني: يجوز سبيه؛ لأنه ولد بين كافرين، ولا يجوز إقرارهما على الكفر، فجاز سبيه، كولد الكافرين الحربيين.
فعلى هذا: إذا سبي.. كان الإمام فيه بالخيار: بين القتل، والاسترقاق،

والمن، والفداء، غير أنه إذا استرقه.. لم يجز إقراره على الكفر؛ لأنه انتقل إلى الكفر بعد نزول القرآن.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: فيه قولان، واختلفوا فيهما: منهم من قال: أحدهما: أنه كالكافر الأصلي.
والثاني: أنه كأبويه.
ومنهم من قال: أحدهما: أنه كالأصلي.
والثاني: أنه مسلم؛ لأنه متولد من شخص حرمة الإسلام فيه باقية، وهو مطالب بجميع أحكام الإسلام، إلا أنه ممتنع من أدائها بالردة، والولد لم يوجد منه امتناع بالكفر.
هذا مذهبنا.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إن ولد في دار الحرب.. سبي واسترق، وإن ولد في دار الإسلام.. لم يسب ولم يسترق).
دليلنا: أن الدار لا تأثير لها في إثبات الاسترقاق ومنعه، كما لو ولد بين الحربيين ولد في دار الإسلام، أو ولد بين المسلمين في دار الحرب ولد.

مسألة: قتال المرتدين قبل قتال أهل الحرب

]: وإذا ارتدت طائفة أو امتنعت.. قاتلهم الإمام؛ لأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - قاتل المرتدين، ويبدأ بقتالهم قبل قتال أهل الحرب؛ لما رُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جهز جيش أسامة، ثم مات قبل إنفاذه، فلما ولي أبُو بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -.. أراد إنفاذه، فقالت الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم -: يا خليفة رسول الله! إن العرب قد ارتدت حول المدينة، فلو أخرت هذا الجيش؟ فقال: والله لو انثالت المدينة سباعا.. ما أخرت جيشا جهزه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» -. فموضع الدليل منه: أن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - رأت أن قتال المرتدين أولى من

قتال أهل الحرب، ولم ينكر عليهم أبُو بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - ذلك، وإنما اعتذر إليهم، بأن ذلك الجيش جهزه النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا يؤخر، بدليل: أن أبا بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - بدأ بقتال المرتدين بغير جيش أسامة، ثم رجع إلى قتال غيرهم.
ويتبع في الحرب مدبرهم، ويجاز على جريحهم؛ لأنه إذا وجب ذلك في قتال أهل الحرب.. فلأن يجب في قتال المرتدين ـ وكفرهم أغلظ ـ أولى.
فإن أسر منهم أسير.. استتيب، فإن تاب.. وإلا قتل؛ لأنه لا يجوز إقراره على الكفر.

مسألة: لزوم الضمان على المرتد فيما أتلفه على المسلمين

]: وإن أتلف المرتد على المسلمين نفسا أو مالا، فإن كان في غير منعة، أو كان في منعة إلا أنه أتلفه قبل قيام الحرب أو بعدها.. لزمه الضمان؛ لأنه التزم ذلك بالإسلام، فلم يسقط عنه بالردة.
وإن كان في منعة، وأتلفه في حال قيام الحرب.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أكثرهم: فيه قولان، كأهل البغي: قال الشيخُ أبُو حامد: إلا أن الصحيح في أهل البغي: أنه لا يجب عليهم الضمان، والصحيح في أهل الردة: أنه يجب عليهم الضمان.
وقال الشيخ أبو حامد: إلا أن الصحيح في أهل الردة: أنه لا يجب عليهم الضمان؛ لأن أبا بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - لما قاتل المرتدة وهزمهم، وسألوه الصلح، قال: (تدون قتلانا، وقتلاكم في النار) فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -: لا يدون قتلانا، إن أصحابنا عملوا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا دار بلاغ).

فرجع أبُو بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - إلى قوله، وأجمعت الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - على ذلك.
وقال القاضي أبُو حامد: يجب الضمان على المرتدين، قولا واحدا؛ لأنه لا ينفذ قضاء قاضيهم، وليس لهم تأويل سائغ.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: إن قلنا: لا يجب الضمان على أهل البغي.. لم يجب على المرتدين، وإن قلنا: يجب الضمان على أهل البغي.. ففي المرتدين قولان.
والفرق بينهما: أن المرتد كافر، فهو كالحربي، والباغي مسلم.

مسألة: السحر حق وقد يقتل صاحبه

]: للسحر حقيقة وهو: أن الساحر يوصل إلى بدن المسحور ألما قد يموت منه، أو يغير عقله، ويفرق بين المرء وزوجه.
وقد يكون السحر قولا، كالرقية، وقد يكون فعلا، كالتدخين.
وبه قال أكثر الفقهاء.
وقال أبُو جعفر الإستراباذي من أصحابنا: لا حقيقة للسحر، وإنما هو خيال يخيل إلى المسحور، وهو قول المقدسي من أصحاب داود؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66] [طه: 66]، ولأنه لو كان حقيقة.. لكان في ذلك نقض العادات، فيؤدي إلى إبطال معجزات الأنبياء، - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4] [الفلق: 4].
وهن السواحر.
فلو لم يكن السحر حقيقة.. لما أمرنا بالاستعاذة منه.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102] الآية [البقرة 102]. وقيل: إن سليمان صلوات الله على نبينا وعليه وسلامه، كان جمع كتب السحرة ودفنها تحت مقعدته، حتى لا يعلمها الشياطين الناس.
فقيل: إن الشيطان دفن ذلك تحت سرير سليمان - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فلما مات سليمان، على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
جاء إبليس ـ لعنه الله ـ فقال: إن سليمان كان يسحر.
وأمرهم أن يحفروا ذلك الموضع.. فحفروه، فأخرجوا تلك الكتب فقال بعض الناس: كان بهذا يفعل، وأنكر بعضهم ذلك، فكذب الله من صدق إبليس - لعنه الله - بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102] الآية.
ويدل على أن له حقيقة: ما روت عائشة أم المؤمنين، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكث أياما يخيل إليه أنه يأتي النساء، ولا يأتي.
قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فدخل علي رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما بال الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبَّه؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: فيم؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة بئر كذا وكذا، قال: فأتيت تلك البئر، فإذا هو الذي رأيته، وإذا ماؤها كنقاعة الحناء، فأخرج فحل، فشفاني الله» وفي رواية: «فلما حُلَّ.. كأني أُنْشطت من عقال».

ورُوِي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - أمر بقتل كل ساحر وساحرة).
ورُوِي: (أن حفصة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قتلت جارية لها سحرتها).
و: (باعت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - جارية لها سحرتها).
ورَوَى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما -: «أنه قال: ساقى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأهل خيبر، فكان على ذلك زمان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر الصدِّيق وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما - فبعث بي عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - لأقسم الثمرة بينهم، فسحروني، فتكوعت يدي، فأجلاهم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه» فأخبر: أن يده تكوعت

بسحرهم، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فدلَّ على: أنه إجماع.
وأمَّا ما ذكره من سحرة فرعون: فلا حجة فيه؛ لأنه لم ينقل: أن الساحر يقدر على نفخ الروح في الجمادات، وسحرة فرعون أرادوا أن يقابلوا عصا موسى التي يطرحها فتصير حية، فأخذوا حبالا وعصيا، وطلوا عليها الزئبق وتركوها، فلما طلعت عليه الشمس.. تحرك الزئبق، فخيل إلى موسى أنها تسعى، ليقولوا: قد فعلنا مثل فعله، وليس بصحيح؛ لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله.
وأمَّا قولهم: إن ذلك يؤدي إلى إبطال المعجزات.. فغير صحيح؛ لأن المعجزة هي ما أظهره الله للأنبياء مما يخالف العادة حين ادعاء النبوة وتحدي الناس، وليس كذلك السحرة؛ فإنهم لا يدعون النبوة، وقد منعهم الله من ادعائهم، ولو ادعوها.. لأبطل الله سحرهم الذي يأتون به.
إذا ثبت هذا: فإن تعليم السحر، وتعلمه، وفعله حرام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: 102] الآية [البقرة: 102]. ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس منا من سحر أو سحر له، أو تكهن، أو تكهن له، أو تطير أو تطير له».

فإذا اعترف رجل: أنه ساحر.. قلنا له: صف سحرك، فإن وصفه وقال: ولا يمكن تعلمه إلا بالكفر، بأن يَترك الصلاة أربعين يوما، أو يعتقد أن الكواكب السبعة هي المدبرة، فيتقرب إليها لتفعل له ما يلتمس منها.. فقد اعترف بالكفر.. فيستتاب، فإن تاب، وإلا.. قتل؛ لأنه مرتد.
وإن قال: يمكن تعلمه من غير كفر، إلا أنه قال: تعلمه مباح.. فهو كافر؛ لأنه استحل محرما مجمعا عليه.
وإن قال: تعلمه محرم، إلا أنِّي قد تعلمته، ولكني لا أستعمله.. فهو فاسق، وليس بكافر، ولا يقتل.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يقتل؛ لأنه زنديق).

وقال أصحاب أبي حَنِيفَة: إن اعتقد أن الشيطان يفعل له ما شاء.. فهو كافر، وإن اعتقد أنه تلبيس وتمويه.. لم يكفر.
دليلنا: أن الكفر بالاعتقاد، وهذا اعتقاده صحيح.
ولأن بكونه يحسن السحر لا يجب عليه شيء، كما لو قال: أنا أحسن السرقة ولا أسرق.. فلا شيء عليه، كذلك هذا مثله.
وبالله التوفيق

باب صول الفحل

إذا قصد رجل رجلا يطلب دمه أو ماله أو حريمه، فإن كان في موضع يلحقه الغوث إذا صاح بالناس.. لم يكن له أن يقاتله ولا يضربه، بل يستغيث بالناس ليخلصوه منه؛ لأنه يمكنه التخلص منه بذلك.
وهكذا: إذا كان بينه وبينه حائل يعلم أنه لا يقدر على الوصول إليه، من نهر، أو حائط، أو حصن.. لم يجز قتاله وضربه؛ لأنه لا يخاف منه.
وإن كان في موضع لا يلحقه الغوث، مثل: أن يكون في برية، أو بلد، فخاف منه إلى أن يلحقه الغوث، أو كان بينهما حصن أو نهر أو حائط، إلا أنه يبلغه رميه أو رمحه.. فله أن يدفعه عن نفسه بأسهل ما يمكنه، فإن اندفع باليد.. لم يضربه بالعصا، وإن لم يندفع إلا بالعصا.. فله أن يضربه بالعصا.
فإن لم يندفع عنه إلا بالضرب بالسيف أو بالرمي بالسهم أو بالحجر.. فله أن يدفعه بذلك وإن أتى على نفسه؛ لما رُوِي: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قاتل دون أهله وماله، فقتل.. فهو شهيد» والشهادة بالقتل لا تكون إلا بقتال جائز.
ورُوِي: أن امرأة خرجت لتحتطب، فتبعها رجل، فراودها عن نفسها، فرمته بفهر فقتلته، فرفع ذلك إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - فقال: (هذا قتيل الحق، والله لا يُودَى أبدا).
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدلَّ على: أنه إجماع.
وهل يجب عليه الدفع؟ ينظر فيه: فإن طلب أخذ ماله.. لم يجب عليه الدفع؛ لأن المال يجوز إباحته.
وإن طلب يزني بحريمه.. وجب عليه دفعه؛ لأنه لا يجوز إباحته بالإباحة.
وإن طلب دما... ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه دفعه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195] [البقرة: 195]. ولأنه لو اضطر إلى الأكل، وعسر به الطعام.. لوجب عليه أكله لإحياء نفسه، فوجب عليه الدفع عن نفسه لإحيائها.

والثاني: لا يجب عليه الدفع؛ لما رُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» ورُوِي: أن عُثمانَ بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - حصر في الدار، ومعه أربعمائة عبد، فجردوا السيوف ليقاتلوا عنه، فقال: (من أغمد سيفه.. فهو حُرّ، فأغمدوا سيوفهم، ودخل عليه الحَسَن والحسين، ابنا علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم - ليدفعا عنه فمنعهما من القتال، وترك القتال حتى قتل)، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدلَّ على: أنه إجماع، ولأن له غرضا في ترك القتال لتحصل له الشهادة، فجاز له التعرض لها.
وفي هذا المعنى ما رُوِي: «أن رجلا قال: يا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرأيت لو انغمست في المشركين، فقتلت صابرا محتسبا، أإلى الجنة؟ قال: " نعم "، فانغمس فيهم، فقاتل حتى قتل».

ويخالف الامتناع من أكل الطعام؛ لأنه ليس له غرض في الامتناع من أكله إلا قتل نفسه بغير الشهادة، فلم يكن له ذلك.
فإن أمكن المقصود أن يهرب ممن قصده.. فقد قال الشافعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (عليه أن يهرب) وقال في موضع آخر: (له أن يهرب، وله أن يقف).
واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق: فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: فيه قولان: [أحدهما]: لا يجب عليه أن يهرب؛ لأن إقامته في هذا الموضع مباح، فلا يلزمه الانصراف عنه.
الثاني: يجب عليه أن يهرب، وليس له أن يقاتله؛ لأنه ليس له أن يدفعه إلا بأسهل ما يمكنه، ويمكنه التخلص منه هاهنا بالهرب.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين.
فحيث قال: (يلزمه أن يهرب)، إذا كان يتحقق أنه ينجو منه بذلك.
وحيث قال: (لا يلزمه)، إذا كان لا يتحقق أنه ينجو منه بذلك.
و [الطريق الثالث]: منهم من قال: يُبنى ذلك على وجوب دفعه عن نفسه، فإن قلنا: يجب عليه الدفع.. لزمه أن يهرب، وإن قلنا: لا يجب عليه الدفع.. لم يلزمه أن يهرب.
فعلى هذا الطريق: يلزمه أن يهرب بحريمه إذا علم أن القاصد يطلب ذلك؛ لأنه يجب عليه أن يدفع عن حريمه.
وإن قصد رجل رجلا، فقاتله، فولَّى القاصد عنه.. لم يكن له اتباعه ورميه، فإن فعل.. لزمه ضمان ما جنى عليه؛ لأنه قد اندفع عنه.
وهكذا: إن دخل اللصوص داره وخرجوا منه.. لم يأخذوا شيئا من ماله، أو قصده قطاع الطريق، ثم انصرفوا عنه.. لم يكن له اتباعهم ولا رميهم؛ لما ذكره.

مسألة: صائل يمكن دفعه بالعصا فضربه بالسيف

]: وإذا قصده رجل وأمكنه دفعه بالعصا، فضربه بالسيف، أو أمكنه دفعه بقطع عضو منه، فقتله.. وجب عليه الضمان؛ لأنه جنى عليه بغير حق، فهو كما لو جنى عليه قبل أن يقصده.
فإن أخذ رجل ماله.. فله أن يقاتله حتى يخلي ماله وإن أتى على نفسه، فلو طرح ماله وهرب.. فليس له أن يتبعه، فيضربه.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: فإن اتبعه وقطع يده، وعلم أن قطع السرقة كان قد وجب عليه.. لم يضمن؛ لأن تلك اليد بعينها مستحقة في الإتلاف، بخلاف ما لو وجب عليه جلد الزِّنَا، فجلده غير الإمام.. فإنه يضمن؛ لأن الجلد مجتهد في كيفية إقامته، والمواضع التي تجلد من البدن، وشدة الضرب.

فرع: قطع رجل يد صائل ونحوها

]: فإن قصده رجل، فقطع المقصود يد القاصد، أو رجله، أو أثخنه بالجراح، فصار بحيث لا يمكنه قتله وقتاله.. لم يجز للمقصود أن يجيز عليه ولا يتبعه؛ لأنه قد صار لا يخاف منه، فإن قصده، فقطع يده، فولى القاصد، ثم اتبعه المقصود، فقطع يده الأخرى، فإن اندمل الجرحان.. لم يجب على المقصود ضمان اليد الأولى، ويجب عليه ضمان الثانية بالقصاص أو الدية؛ لأن الأولى مقطوعة بحق، والثانية بغير حق؛ وإن مات من الجراحتين.. لم يجب على المقصود قصاص في النفس؛ لأنه مات من جراحتين: إحداهما مباحة، والأخرى محظورة، فهو كما لو مات من قطع السرقة وجناية أخرى، وللولي أن يقتص من اليد الثانية، وإن عفا عنها.. كان له نصف الدية.
فإن قصده، فقطع يده فولَّى عنه، ثم قطع رجله، ثم قصده القاصد ثانيا، فقطع

يده الأخرى، فإن اندملت الجراحات.. وجب عليه ضمان الرجل بالقصاص أو الدية، ولا يجب عليه ضمان قطع اليدين؛ وإن مات من الجراحات.. لم يجب عليه قصاص في النفس؛ لأنه مات من ثلاث جراحات بعضها لا يوجب القصاص، وللولي أن يقتص من رجل المقصود، فإن عفا عن القصاص فيها.. لم يجب له إلا ثلث الدية؛ لأنه مات من ثلاث جراحات: فالأولى مباحة، والثانية محظورة، والثالثة مباحة، فقسمت الدية عليها.
فإن قصده، فقطع يده، فلم يندفع عنه، فقطع يده الثانية، فولى القاصد، ثم تبعه المقصود، فقطع رجله، ومات من الجراحات.. لم يجب عليه القصاص في النفس، لما مَضَى، وللولي أن يقتص من الرجل، وإن عفا عنها.. وجب له نصف الدية.
والفرق بينها وبين التي قبلها: أن الجراحتين المباحتين متواليتان، فكانتا كالجناية الواحدة، وفي الأولى: لما ولى بعد الجراحة الأولى.. استقر حكمها، فلما جرحه بعد أن ولى عنه جراحة ثانية وقعت محظورة.. فاستقر حكمها، فلما جرحه الثالثة في حال قصده.. استقر حكمها، فقسطت الدية عليها.
وإن قصده، فقطع يده، فولى عنه، ثم تبعه فقتله.. كان لوليه القصاص في النفس؛ لأنه لما ولى عنه.. لم يكن له قتله.
قال الطبري في " العُدة ": ولورثة المقصود أن يرجعوا في تركة القاصدة بنصف الدية؛ لأن القصاص سقط عنه بهلاكه.
قلت: والذي يقتضي المذهب: أنهم لا يرجعون بشيء، كما لو اقتص منه بقطع يده، ثم قتله.
ولأن النفس لا تنقص بنقصان اليد؛ ولهذا: لو قتل رجل له يدان رجلا ليس له إلا يد.. قتل به، ولا شيء لورثة القاتل.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وسواء كان القاصد صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا، ذكرا أو أنثى.. فله أن يدفعه عن نفسه؛ لأنه إنما جوز له ذلك؛ لأنه يخافه على نفسه، وهذا المعنى موجود في جميع هؤلاء).

فرع: عض يد رجل فندرت سنه

]: وإن عض رجل يد رجل، وانتزع المعضوض يده، فندرت ثنية العاض أو انكسرت.. فلا شيء على المعضوض، وبه قال أكثر أهل العلم، إلا ابن أبي ليلى، فإنه قال: يجب عليه الضمان.
دليلنا: ما «رَوَى يعلى بن أمية، أنه خرج مع النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة، وكان له أجير، فخاصم رجلا، فعض أحدهما يد صاحبه، فانتزع يده من فم العاض، فذهبت ثنيته، فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأخبره بذلك، فأهدر ثنيته، وقال: " أيدع يده في فيك تعضها كأنها فِي فيْ فحل».
ورُوِي: (أن رجلا خاصم رجلا، فعض يده، فانتزع يده من فيه، فانكسرت ثنيته، فرفع إلى أبي بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأهدرها).
ولأن حرمة النفس آكد من حرمة السن.
ثم ثبت أنه لو قصد قتله فلم يمكنه دفعه عن

نفسه إلا بقتله، فقتله.. لم يلزمه ضمانه، فلأن لا يلزمه ضمان السن أولى.
فإن لم يمكنه أن ينتزع يده إلا بأن يفك لحييه.. فله أن يفك لحييه، فإن لم يمكنه ذلك إلا بان يبعج جوفه.. كان له ذلك.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن عض رجل قفا رجل.. فإنه ينزع ذلك من فيه، فإن لم يمكنه.. فله أن يضربه برأسه مصعدا أو منحدرا، فإن لم يتخلص منه.. فله أن يضرب فكه بيديه، فإن لم يتخلص منه.. فله أن يبعج بطنه، فإن قتله.. فلا شيء عليه).
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: لو وجأه بسكين فقتله.. فنص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه يضمن)، فأخطأ بعض أصحابنا وأجرى ذلك على ظاهره، وقال: يضمن الطاعن وإن لم يمكنه الدفع إلا به؛ لأن القاصد قصده بغير سلاح، فليس له دفعه بالسلاح.
والمذهب الأول: أنه لا ضمان عليه؛ لأنه لا يمكنه تخليص نفسه منه إلا بذلك، والنص محمول عليه إذا أمكنه دفعه بغير القتل، فقتله.

فرع: تجارحا فالقول قول كل واحد مع يمينه ويضمناه

وإن تجارح رجلان، وادعى كل واحد منهما، أن الآخر قصده وجرحه دفعا عن نفسه، وأنكر الآخر.. فالقول قول كل واحد منهما مع يمينه: أنه ما قصد صاحبه؛ لأن الأصل عدم القصد، ويجب على كل واحد منهما ضمان جراحته.

مسألة: تعين القتل على من رأى شخصا يزني بحريمه

]: وإن وجد رجلا يزني بامرأته، أو بأمته ولم يمكنه دفعه إلا بقتله.. فله أن يقتله، بكرا كان الزاني أو محصنا؛ لأنه إذا جاز له قتله إذا لم يندفع عن ماله إلا بقتله.. فلأن يجوز له في حريمه أولى.
وإن اندفع عنها بغير القتل، فقتله.. نظرت: فإن كان الزاني بكرا.. وجب على القاتل القصاص.
وإن كان الزاني محصنا.. لم يجب عليه القصاص فيما بينه وبين الله تَعالَى؛ لأنه مستحق للقتل، فهو كالمرتد، وأمَّا في الظاهر: فإنه يجب عليه القصاص إلا أن يصادقه الولي أنه زنَى وهو محصن، أو أقام البينة على زناه وإحصانه؛ لما رَوَى أبُو هُرَيرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن سعدا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - قال: يا رسول الله، أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا، أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " نعم».
وفي رواية: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " كفى بالسيف شاهدا ". وقال: " لولا أن يتتابع فيه الغيران والسكران ". ثم قال: " أمهله حتى تأتي بأربعة شهداء» فأراد

أن يقول: شاهدا، فأمسك، وأمره أن لا يقتله حتى يأتي بأربعة شهداء، فدلَّ على: أنه لا يجوز قتله قبل ذلك.
ورَوي: (أن رجلا قتل رجلا بالشام، وادعى: أنه وجده مع امرأته، فرفع إلى معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فأشكل عليه الحكم في ذلك، فكتب إلى أبي موسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ليسأل عنه عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه - فسأله عنه، فقال عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -: ما هذا شيء كان بأرضنا، عزمت عليك لتخبرني به، فقال: كتب إلي معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يسألني أن أسألك عنه، فقال عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -: أنا أبُو حسن، إن جاء بأربعة شهداء، وإلا.. فليعط برمته).
ولا مخالف له، فدلَّ على: أنه إجماع.

مسألة: صيال البهائم

]: إذا صال على الرجل فحل من البهائم، فخافه على نفسه، ولم يمكنه دفعه عن نفسه إلا بقتله، فقتله.. فلا يجب عليه ضمانه، وبه قال ربيعة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، رحمة الله عليهم.

وقال أبُو حَنِيفَة: (يجوز له قتله، ولكن يجب عليه ضمانه).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 91] [التوبة: 91]، وهذا محسن بقتله البهيمة.
ولأنه لو قصده آدمي، ولم يمكنه دفعه إلا بقتله، فقتله.. لم يجب عليه ضمانه، فلأن لا يجب عليه ضمان البهيمة أولى.

مسألة: الاطلاع إلى عورة يسقط الضمان

]: وإن اطلع رجل أجنبي على بيت رجل من شق أو جحر، فنظر إلى حريمه.. فله أن يرمي عينه بما يفقؤها من حصاة أو شيء خفيف، فإذا فقأها.. فلا ضمان عليه.
وقال أبُو حَنِيفَة: (ليس له أن يرميه بذلك، فإن فعل وفقأ عينه.. لزمه الضمان).
دليلنا: ما رَوَى أبُو هُرَيرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو أن امرأ اطلع عليك، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه.. فلا جناح عليك».
ورَوَى سهل بن سعد الساعدي: «أن رجلا اطلع من جحر في حجرة النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكان في يد النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مدرى يحك به رأسه، فقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لو علمت أنك تنظر.. لطعنت بها عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر».

وهل له أن يرميه قبل أن ينهاه عن النظر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له، كما لا يجوز له قتل من يقصده إذا اندفع بغير القتل.
والثاني: يجوز له؛ للخبر.

فرع: النظر لمن يحل له النظر

]: قال المسعودي [" في الإبانة "]: ولو كان للناظر زوجة في الدار ينظر إليها أو محرم.. فليس لصاحب الدار فقؤ عينه، فإن فعل.. ضمن؛ لأن للناظر شبهة في النظر.
قال: وإن كان لصاحب الدار حرم في الدار مستترات.. فهل له فقؤ عيني الناظر إليهن؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك، فإن فعل.. ضمن؛ لأنه لا أذى على صاحب الدار بنظر إلى الحرام المستترات.
والثاني: له فقؤ عين الناظر إليهن؛ لأن الإنسان يتأذى بنظر غيره إلى حرمه وإن كن مستترات.
وإن كان الناظر امرأة.. قال المسعودي [في " الإبانة "]: فلصاحب الدار فقؤ عينها؛ لأن الإنسان قد يستر حريمه عن نظر الرجال والنساء.
وإن كان المطلع أعمى.. لم يكن له رميه؛ لأنه لا ينظر.
وإن كان المطلع على داره ذا رحم محرم لحريمه، فإن كان حريمه مستترات.. لم

يكن له رميه؛ لأنه غير ممنوع من نظرهن، وإن كن متجردات.. فله رميه؛ لأنه ممنوع من نظرهن متجردات.
وسواء وقف الناظر في ملك نفسه، أو في ملك صاحب الدار، أو في قارعة الطريق، وجعل ينظر.. فله رميه؛ لأن الأذى يحصل بنظره، وذلك يحصل منه، ولا اعتبار بالموضع الذي هو واقف فيه.
فإن أخطأ الناظر النظر إلى حريم رجل.. لم يكن له رميه مع العلم بحاله؛ لأن الرمي عقوبة على قصد الاطلاع والنظر، ولم يوجد منه ذلك، فإن رماه حين اطلع، فأصاب عينه، ثم قال المطلع: لم أقصد الاطلاع والنظر، وقال الرامي: بل قصدت ذلك.. فالقول قول الرامي مع يمينه؛ لأن الظاهر ممن اطلع في دار غيره أنه قصد النظر.
فإن نظر إلى حريمه من باب مفتوح أو كوة واسعة، فإن نظر وهو على اجتيازه.. لم يكن لصاحب الدار رميه؛ لأن المفرط هو صاحب الدار بفتح الباب وتوسيع الكوة، وإن وقف وجعل ينظر.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز له رميه؛ لأنه مفرط في الاطلاع والنظر، فهو كما لو قصد إلى النظر من حجر.
والثاني: لا يجوز له رميه؛ لأن صاحب الدار فرط في فتح الباب وتوسعة الكوة.
ولو لم يكن في الدار المنظور فيها حريم لصاحب الدار، ففقأ عين من ينظر فيها.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "].
أحدهما ـ وهو قول البغداديين من أصحابنا ـ: أنه يضمن؛ لأن الإنسان إنما يستضر بنظر غيره إلى حريمه، وإلى حريم غيره.
الثاني: لا يضمن؛ لأن الرجل قد يستتر أيضا عن أبصار الناس، كما يستر

فإن كان حريم رجل في الطريق، فنظر غيره إليهن.. لم يكن لصاحب الحريم رميه؛ لأن الموضع الذي فيه الحريم مباح يملك كل واحد النظر إليه، فلم يستحق إتلاف عضو الناظر إليه.

فرع: يرمى المطلع على حريم بشيء خفيف

]: وإذا اطلع رجل على داره، ونظر حريمه.. فليس له رمي عينه إلا بشيء خفيف يفقأ عينه، فإن رمى عينه بشيء خفيف، ففقأها وسرى إلى نفسه.. لم يجب عليه الضمان؛ لأنه مات من جناية مباحة، إن رماه بشيء ثقيل، فهشم وجهة وسرى إلى نفسه.. لزمه الضمان؛ لأنه ليس له رميه بما يودي إلى إتلاف نفسه.
إن رمى غير عينه، فأصابه.. وجب عليه الضمان؛ لأن المتعدي هي العين، فلم يجز له إتلاف غيرها.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: إلا أن يكون الناظر بعيدا، فرمى عينه وقصدها، فأصابت موضعا آخر، فحينئذ لا يضمن.
فإن اطلع رجل على حريم غيره في داره، فقبل أن يرميه صاحب الدار، انصرف المطلع.. لم يكن لصاحب الدار أن يتبعه ويرميه؛ لأنه إنما يجوز ليصرفه، فإذا انصرف.. لم يكن له رميه بعد ذلك.
فإن رمى المطلع على داره، فلم ينصرف.. استغاث عليه بالناس، فإن انصرف عنه بالغوث.. فلا كلام، وإن لم ينصرف بذلك.. كان له أن يصرفه بما يصرف به من قصد نفسه أو ماله، حتى لو لم ينصرف إلا بقتله، فقتله.. فلا شيء عليه؛ لأنه تلف بدفع جائز.

مسألة: دخل دارا فأمره صاحبها بالخروج

]: فإن دخل رجل دار غيره بغير إذنه.. أمره صاحب الدار بالخروج، فإن لم يخرج.. خوفه بالله تَعالَى، فإن لم يخرج.. استغاث عليه بالناس، فإن لم يخرج بالغوث.. فله أن يدفعه باليد، فإن لم يخرج.. فله ضربه، فإن لم يخرج إلا بضرب يودي إلى قتله، فقتله.. فلا شيء عليه، كما قلنا فيمن قصد نفسه أو ماله، وبأي عضو يبدأ بضربه؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "]: أحدهما: يبدأ بضرب رجله؛ لأنها هي الجانية، فبدأ بإتلافها، كما يبدأ بإتلاف عين الناظر؛ لأنها هي الجانية.
والثاني: له أن يبدأ بأي عضو أمكنه من بدنه؛ لأنه دخل بجميع بدنه، فجميع بدنه في تحريم الدخول سواء.
فإن دخل رجل داره، فقتله، فادعى القاتل: أنه قتله للدفاع عن داره، وأنكر ولي المقتول ذلك.. لم يقبل قول القاتل من غير بينة؛ لأن القتل متحقق، وما يدعيه خلاف الظاهر، وإن أقام بينة: أنه دخل داره مقبلا عليه بسلاح شاهر.. لم يضمن؛ لأن الظاهر أنه قصد قتله، وإن أقام بينة: أنه دخل داره بسلاح غير شاهر.. ضمنه بالقود أو الدية؛ لأن القتل متحقق، وليس هاهنا ما يدفعه.

فرع: إزالة المنكر تبيح اقتحام البيوت وقتالهم

قال المسعودي [في " الإبانة "]: ولو أعلم بخمر في بيت رجل أو طنبور، أو علم بشربه أو ضربه.. فله أن يهجم على صاحب البيت بيته، ويريق الخمر، ويفصل

الطنبور، ويمنعه من شرب الخمر والضرب، فإن لم ينته أهل الدار.. فله قتالهم، وإن أتى القتال عليهم.. فهو مثاب على ذلك.

مسألة: ضمان ما تتلف البهائم

وإن أفسدت ماشيته زرعا لغيره.. نظرت: فإن لم يكن عليها يد لمالكها ولا لغيره.. فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: إن أتلفت ذلك نهارا.. لم يجب على مالكها الضمان، وإن أتلفته ليلا.. وجب على مالكها الضمان، لما «رَوَى البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (كانت لي ناقة ضارية، فدخلت حائطا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن على أهل الحوائط حفظها نهارا، وعلى أهل المواشي حفظها ليلا، وإن عليهم ضمان ما تتلفه مواشيهم ليلا».
ومن أصحابنا من قال: إن كان في بلد لها مرعى في موات حول البلد.. لم يجب على مالك الماشية حفظها بالنهار، بل على أهل الزرع حفظ الزرع نهارا، وإن كان في بلد يكون الرعي في حريم السواقي وحوالي الزرع، ويعلم صاحب الماشية أنه متى

أطلق ماشيته دخلت زرع غيره وأفسدته.. فعليه حفظ ماشيته نهارا.
وأمَّا بالليل: فإن كان في بلد ليس لبساتينها ومزارعها حيطان.. فإنه يجب على مالك الماشية حفظ ماشيته ليلا.
وإن كان في بلد لبساتينها ومزارعها حيطان.. فعلى صاحب البستان والزرع إغلاق باب بستانه ومزرعته، فإن لم يغلقه.. فلا ضمان على رب الماشية فيما أتلفته من ذلك ليلا، إلا أن يكون صاحب البستان قد أغلق الباب، ولكن الماشية اقتحمت فدخلت، فيجب على مالكها الضمان.
وتأول هذا القائل الخبر على: أنه كان للمدينة مراع حولها ولا حيطان على بساتينها.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: يعتبر عرف البلد؛ فلو جرت عادة أهل البلد: أن لا يرسلوا النعم نهارا إلا مع راع يحفظها، وأن لا يحفظ أصحاب الزرع زرعهم نهارا، فأفسدت نعم رجل زرعا نهارا.. ضمن مالكها.
والأول هو المشهور؛ لأن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يفرق، ولأن العادة جرت: أن أرباب الزرع يحفظون زروعهم نهارا، فإذا أتلفت الماشية نهارا.. نسب التفريط إلى صاحب الزرع.
وجرت العادة: أن أرباب الماشية يحفظونها ليلا، فإذا أتلفت زرعا بالليل.. كان التفريط من أصحاب الماشية، فكان عليهم الضمان.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا يجب على رب الماشية ضمان ما تتلفه ماشيته، نهارا كان أو ليلا، إذا لم يكن معها).
ودليلنا عليه: ما مَضَى.
وإن أغلق الباب على ماشيته بالليل، فانهدم الحائط، وخرجت الماشية من غير علم صاحبها، وأتلفت على غيره زرعا أو مالا.. لم يجب على مالكها ضمانه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «العجماء جبار» و (العجماء): الدابة.
و (جبار): هَدَر.
ولأنه

غير مفرط بذلك، فلم يلزمه الضمان.
فأما إذا كانت يد صاحب الماشية عليها، أو يد غيره عليها.
إما أجيرا عليها، أو مستأجرا لها، أو مستعيرا لها، أو مودعة عنده، أو مغصوبة عنده، فأتلفت شيئا بيدها أو رجلها أو نابها.. فضمان ذلك على من كانت يده عليها، سواء كان ذلك ليلا أو نهارا، وسواء كان راكبا لها أو سائقا أو قائدا، أو كان راكبا لدابة وسائقا لغيرها، أو كان معه قطار يقوده أو يسوقه.. فعليه ضمان ما يتلفه الجميع؛ لأن يده على الجميع.
ووافقنا أبُو حَنِيفَة إذا كان سائقا لها، فأما إذا كان راكبها أو قائدها.. فقال: (عليه ضمان ما تتلفه، بيدها أو بفيها، فأما ما تتلفه برجلها أو بذنبها.. فلا يلزمه ضمانه).
دليلنا: أن يده ثابتة عليها، فكانت جنايتها كجنايته، فوجب عليه ضمانه كما يجب ضمان ما أتلف بنفسه، أو ما أتلفت بيدها أو بفيها عند أبي حَنِيفَة.

فرع: ضمان ما تتلفه الدابة

على سائقها وقائدها]: وإن كان مع الدابة قائد وسائق.. كان ضمان ما أتلفت عليهما بالسوية؛ لأن يدهما عليها، وإن كان عليها راكب وسائق.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصبَّاغ: أحدهما: أن الضمان عليهما؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد.. ضمن ما أتلفت، فإذا اجتمعا.. استويا في الضمان، كالسائق والقائد.
والثاني: أن الضمان على الراكب وحده؛ لأن يده أقوى عليها، وهو أقوى تصرفا بها.
قال: والأول أقيس.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: ولو كان في يده دابة، فهربت غالبة له، فأتلفت

جارٍ التحميل