البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 96-103

كتاب الوقف

صفحات 96-103
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فإن قلنا: إن الإجازة من الوارث ابتداء عطية منه.. لم يصح، كما لا يجوز أن يقف على نفسه.
وإن قلنا: إنه تنفيذ لما فعله الموصي.. صح.

فرع وقف داره على ابنه وابنته

وإن كان له دار، فوقفها على ابنه وابنته بينهما نصفين، واحتملها الثلث، ولا وارث له غيرهما، فإن أجاز الابن الوقف على أخته.. صح، وكانت الدار وقفًا بينهما نصفين.
وإن أبى أن يجيزه.. قال ابن الحداد: بطل الوقف في نصف الموقوف على الابنة - وهو: ربع الدار - ويبقى الربع موقوفًا على الابنة، والنصف موقوفًا على الابن، ثم يقتسمان الربع الذي بطل فيه الوقف بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
وتصح المسألة من اثني عشر: للابن ثمانية أسهم: ستة منها وقف عليه، وسهمان طلق له، وللابنة أربعة أسهم: ثلاثة وقف عليها، وسهم طلق لها.
فإن كانت له دار وقفها على ابنه وزوجته نصفين بينهما، ولا وارث له غيرهما، وخرجت الدار من ثلثه، فإن أجاز الابن الوقف على الزوجة.. كانت وقفًا بينهما نصفين.
وإن لم يجز.. فقد فضل الزوج الزوجة بثلاثة أسهم من ثمانية من الدار، فيبطل الوقف فيها، ويكون ذلك ملكًا للابن طلقًا، ويبقى أربعة أسهم من ثمانية من الدار وقفًا على الابن، فيصير أربعة أسباع نصيبه وقفًا عليه، وثلاثة أسباع نصيبه طلقًا له، فيجب أن يكون نصيب الزوجة كذلك؛ لأنه سوى بينهما في الوقف، فيكون أربعة أسباع ثمنها وقفًا عليها، وثلاثة أسباع ثمنها طلقًا لها، فنضرب ثمانية في سبعة، فذلك ستة وخمسون، للابن تسعة وأربعون سهمًا: ثمانية وعشرون منها وقف عليه، وأحد وعشرون طلق له.
وللزوجة سبعة أسهم: أربعة وقف عليها، وثلاثة طلق لها.

مسألة وقف على الموالي

وإن وقف على مواليه، أو أوصى لهم: فإن كان له مولى من أعلى، وهو الذي أعتقه وأنعم عليه.. صرف ذلك إليه.

وإن كان له مولى من أسفل، وهو الذي أعتقه الواقف أو الموصي.. صرف ذلك إليه.
وإن كان له مولى من أعلى ومولى من أسفل.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يصرف ذلك إليهما؛ لأن اسم المولى لجميعهما.
والثاني: يصرف ذلك المولى من أعلى؛ لأن جنبته أقوى؛ لأنه الوارث له.
والثالث: لا يصح الوقف؛ لأن اسم المولى في أحدهما لمعنى معين، وفي الآخر لمعنى آخر، فصار من أسماء الأضداد؛ لأن أحدهما منعم، والآخر منعم عليه، ولا يمكن حمله على العموم فيهما؛ لأن العموم إنما يحمل إذا كان من أسماء الأجناس كالمسلمين والمشركين.
وإن كان الموقوف عليه والموصى له منهما مجهولًا.. لم يصح.

مسألة وقف على جماعة فمات أحدهم وله ولد

إذا قال: وقفت هذا على زيد وعمرو وبكر، فمن مات منهم وله ولد، فنصيبه لولده، فإذا انقرضوا، فعلى الفقراء والمساكين.. حمل ذلك على شرطه.
وإن قال: وقفته على زيد وعمرو وبكر، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين، فمن مات منهم وله ولد، فنصيبه لولده، ومن مات ولا ولد له، نقل نصيبه إلى أهل الوقف، أو إلى الفقراء والمساكين.. حمل ذلك على ما شرطه.
وإن قال: وقفته عليهم، فإذا انقرضوا، فعلى الفقراء والمساكين، وأطلق، فمات واحد منهم.. ففيه قولان سواء كان له ولد أو لم يكن: أحدهما - وهو قول أبي علي الطبري -: أن نصيبه يصرف إلى الفقراء

والمساكين؛ لأنه لما جعل الجميع لهم إذا انقرضوا.. وجب أن يكون نصيب كل واحد منهم لهم إذا انقرض.
والثاني- وهو المنصوص في " حرملة " -: (أن نصيبه يكون لمن بقي من الآخرين).
وبه قال مالك.
قال أبو العباس: ولأي معنى صرف إليهما.. يحتمل معنيين: أحدهما: لأنه لا يمكن دفع نصيبه إلى الفقراء والمساكين؛ لأنه جعل انقراض أهل الوقف شرطًا في استحقاق الفقراء، ولم يوجد انقراضهم، فلا يمكن رده إلى الواقف؛ لأن ملكه قد زال عنه فلم يبق إلا صرفه إلى من بقي منهم؛ لأنه أقرب.
والمعنى الثاني: أنه لما قال: وقفته عليهم، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين.. صار كأنه وقفه عليهم وعلى من عاش منهم، وهذا من ضمن كلامه معلوم.

مسألة وقف مسجدا لفئ

ة]: إذا وقف مسجدًا على الشفعوية.. فهل يمكن غيرهم من الصلاة فيه؟ حكى الطبري فيه قولين.
وإن وقف مسجدًا في محلة فخربت المحلة، أو وقف دارا فخربت وتعطلت منافعها.. لم يبطل الوقف فيهما.
وقال أحمد: (إذا خربت المحلة.. جاز نقض المسجد وصرف آلته إلى بناء مسجد آخر، وإذا خربت الدار.. جاز بيعها، وصرف ثمنها إلى بناء دار أخرى).
وقال محمد: يبطل الوقف فيهما، ويكونان ملكًا للواقف.

دلينا: أن ما زال الملك فيه لحق الله.. لا يبطل باختلال الانتفاع به، كما لو أعتق عبدًا ثم زمن، ولأنه قد يصلي فيه أفراد الناس، وقد تعمر المحلة وتعمر الدار.

[فرع وقف نخلة فيبست أو مسجدًا فتلف منه شيء]

وإن وقف نخلة فانقلعت أو يبست، أو وقف مسجدًا فانكسرت خشبة منه.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بيعها، لما ذكرناه في المسجد.
والثاني: يجوز بيعها؛ لأن منفعتها بطلت، فكان بيعها أولى من تركها.
فإذا قلنا بهذا: فهل يجب صرف ثمنها في شراء مثلها لتكون وقفًا مثلها، أو يكون ملكًا للموقوف عليه، ويصرف في سائر مصالح المسجد؟ فيه طريقان، كما قلنا في قيمة الوقف إذا تلف.
قال أبو علي السنجي: وكل ما اشتري للمسجد من الحصير والخشب والآجر والطين.
لا يجوز بيع شيء منه؛ لأن ذلك كله في حكم المسجد، فهو كجزء من أجزائه.
فإن أشرفت على الهلاك ولا يحتاج المسجد إليها، كالحصيرة البالية والأخشاب العفنة.. فهل يجوز بيعها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنا لو قلنا: لا يجوز بيعها.. لهلكت.
والثاني: لا يجوز، قال: وهو الأصح؛ لأنها في حكم المسجد.
قال الطبري: وما أشرف على الهلاك من أستار الكعبة، ولم يبق فيه جمال ولا منفعة.. فهل يجوز بيعه؟ يحتمل أن يكون على هذين الوجهين.
قال: والصحيح في الكل: لا يجوز بيعه.

فرع وقف على ثغر فبطل

وإن وقف أرضًا على ثغر، فبطل الثغر وتعذر القتال فيه.. حفظ انتفاع الوقف.
وهو: غلته - ولا يصرف إلى غيره، لجواز أن يعود الثغر كما كان.

مسألة احتياج الوقف إلى نفقة

وإذا احتاج الوقف إلى نفقة، بأن كان حيوانًا أو أرضًا تحتاج إلى العمارة: فإن شرط الواقف أن نفقة ذلك من غلة الوقف.. أنفق عليها من غلتها، وما بقي صرف إلى أهل الوقف.
قال ابن الصباغ: وإن شرط الواقف أن تكون نفقتها من ماله.. حمل على ذلك.
وإن أطلق ذلك.. أنفق عليه من غلته؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا بذلك.
فإن بطلت منفعته، بأن كان عبدًا فزمن: فإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الله تعالى.. أنفق عليه من بيت المال، كالحر المعسر.
وإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الموقوف عليه.. كانت نفقته عليه.
وإن قلنا بالقول المخرج: إن ملك الواقف باق عليه.. وجبت نفقته عليه.

مسألة النظر في الوقف

وأما النظر في الوقف: فإن جعل الواقف النظر فيه لنفسه أو لغيره.. حمل على ذلك؛ لما ذكرناه من أخبار الصحابة.

وإن لم نجعله إلى أحد: فإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الله.. كان النظر فيه إلى الحاكم.
وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الموقوف عليه.. كان النظر فيه إليه.
وإن قلنا بالقول المخرج: إنه باق على ملك الواقف.. كان النظر فيه إليه.
فإن جعل الواقف النظر فيه إلى اثنين من أهل الوقف، ولم يوجد في أهل الوقف من يصلح للنظر إلا واحد.. ضم إليه الحاكم واحدًا؛ لأن الواقف لم يرض إلا بنظر اثنين.

[مسألة وقف على أولاده أرضًا بأيديهم]

إذا وقف على أولاده أرضًا وهي في أيديهم، فاختلفوا فيها: فقال الذكور: جعلها للذكر مثل حظ الأنثيين، وقال الإناث: بل جعل الذكور فيها والإناث سواء.
أو قال أهل البطن الأول: هي على الترتيب، وقال أهل البطن الثاني: هي على التشريك بيننا وبينكم: فإن كان هناك بينة.. عمل بها، وإن لم تكن هناك بينة، فإن كان الواقف حيًا.. رجع إليه في بيانه؛ لأنه ثبت بقوله، فرجع إليه.
وإن كان ميتًا.. حلفوا، وجعلت بينهم بالسوية؛ لأنه لا مزية لقول بعضهم على بعض، فتحالفوا، كما لو اختلف اثنان في ملك دار.

فرع أرض بعضها وقف والآخر طلق

إذا كان هناك أرض بعضها وقف وبعضها طلق، فأراد أهل الطلق أن يقاسموا أهل الوقف، والأرض مما يحتمل القسمة، فإن قلنا: إن القسمة بيع.. لم تصح القسمة؛ لأن الوقف لا يصح بيعه، وإن قلنا: إنها فرز النصيبين، ولم يكن فيها رد.. صحت القسمة، وإن كان فيها رد.. نظرت: فإن كان صاحب الطلق يرد على أهل الوقف.. لم يصح؛ لأنه يعطي عوضًا عن شيء يأخذه من الوقف، وذلك لا يجوز.

وإن كان أهل الوقف يردون على صاحب الطلق.. صح؛ لأنهم يميزون الوقف، ويبذلون العوض عن شيء يملكونه من حق الشريك، وذلك جائز.
وأما قسمة الوقف بين أربابه: فقال سليم وابن الصباغ: لا يصح قولا واحدًا؛ لأنا وإن قلنا إن القسمة فرز النصيبين، إلا أنه يتعلق بها حق البطن الثاني، فلا يجوز لأهل البطن الأعلى التصرف بحقوقه، ولأن ذلك تغيير للوقف، وهو لا يجوز تغييره.

مسألة أشياء كانت في الجاهلية

ذكر أصحابنا في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة: 103] [المائدة: 103] وهذه أشياء كان يفعلها أهل الجاهلية، فورد الشرع بإبطالها.
فأما (السائبة): فإن الناقة كانت إذا ولدت عشرة بطون كلها إناث متوالية سيبوها إكرامًا لها، فلا تركب ولا يجز وبرها، ولا يشرب من لبنها أحد إلا أن يطرقهم ضيف ولا لبن عندهم فيحلبونها له، فإذا ماتت: أكلها الرجال دون النساء، وكانوا يستحلون أكل الميتة.
وقد سمى الفقهاء العبد يعتق بشرط أن لا ولاء عليه سائبة.
وأما (البحيرة): فهو ولد السائبة بعد أن تسيب، ويكون حكمه حكم أمه.
وإنما سمي بحيرة؛ لأنهم كانوا يشقون أذنه ليعلم أنه ولد السائبة.
و (البحر): الشق.
ومنه سمي البحر بحرًا؛ لأن الله تعالى جعله مشقوقًا في الأرض شقًا.
وقيل (البحيرة): الناقة إذا ولدت خمسة بطون، فتشق أذنها وتسيب.
والأول أصح.
وأما (الوصيلة): فهي الناقة أو الشاة إذا ولدت سبعة بطون، في ست أنثيان أنثيان، وفي السابعة ذكر وأنثى؛ لأنها وصلت الذكر بالأنثى، فيسيبونها ولا يشرب من لبنها إلا الرجال دون النساء.
وأما (الحام): فقيل: هو الفحل إذا نتج منه عشرة بطون، قيل: قد حمى ظهره، وسيب.

وقيل: هو الفحل الذي نتج ولد ولده، فيسيب ولا ينتفع به، وكانوا يعتقدون ذلك قربة.
قال الشافعي: (وهذا تأويل ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء بإطلاق الحبس، وهو الحبس الذي كانت تفعله الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ولا يعلم أن أحدًا منهم حبس داره أو أرضه).
والله أعلم وبالله التوفيق

جارٍ التحميل