كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
هل دخل في دين من بدل، أو في دين من لم يبدل، كنصارى العرب.. لم تجز مناكحتهم، ولا تحل ذبائحهم؛ لأنه لما أشكل أمرهم.. صاروا كالمجوس.
مسألة نكاح النساء الحربيات والكتابيات
مسألة: [كراهية نكاح النساء الحربيات والكتابيات]:
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا أكره نساء أهل الحرب إلا لئلا تفتن مسلما عن دينه).
وجملة ذلك: أن الحربية من أهل الكتاب يجوز نكاحها اعتبارا بالكتاب دون الدار.
إذا ثبت هذا: فإنه يكره للمسلم نكاح الكتابية بكل حال؛ لأنه لا يؤمن أن تفتنه عن دينه، وإن كانت حربية.. فالكراهية أشد؛ لأنها ربما فتنته عن دينه، ولا يؤمن أن تسبى وهي حامل بولد له أو يكون معها فيسبى، ولأنه إذا أقام معها في دار الحرب كثر سوادهم.
مسألة لا ينكح المسلم أمة كتابية أو وثنية وشرط نكاح المسلمة
ولا يجوز للحر المسلم نكاح الأمة المشركة، سواء كانت وثنية أو كتابية.
وقال أبو حنيفة: (يجوز له نكاح الأمة الكتابية).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] الآية [النساء: 25]، فدل على: أنه لا يجوز نكاح الفتيات غير المؤمنات.
ويجوز للحر المسلم أن ينكح الأمة المسلمة بشرطين:
أحدهما: أن يكون عادما للطول، وهو: مهر حرة.
والثاني: أن يكون خائفا من العنت، وهو: أن يخاف إن لم يتزوج بها أن تحمله شهوته للجماع على الزنا.
وبه قال ابن عباس وجابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ومن التابعين: الحسن، وعطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، والزهري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ومن الفقهاء: مالك، والأوزاعي رحمة الله عليهما.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا لم تكن تحته حرة.. حل له نكاح الأمة وإن لم يخف العنت، سواء كان قادرا على صداق حرة أو غير قادر).
وقال الثوري، وأبو يوسف رحمهما الله: إذا خاف العنت.. حل له نكاح الأمة وإن لم يعدم الطول.
وقال عثمان البتي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يجوز له أن يتزوج الأمة بكل حال، كالحرة.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] [النساء: 25]، فأباح نكاح الأمة بشرط: عدم الطول، وخوف العنت، فلم يجز نكاحها إلا مع وجود هذين الشرطين، فإن وجد مهر حرة مسلمة.. لم يحل له نكاح الأمة؛ للآية.
وإن كان مجبوبا.. لم يحل له نكاح الأمة؛ لأنه لا يخاف الزنا.
وإن كان عادما لطول حرة مسلمة وخائفا للعنت، فأقرضه رجل مهر حرة، أو رضيت الحرة بتأخير الصداق.. حل له نكاح الأمة؛ لأن عليه ضررا في تعلق الدين بذمته.
وإن بذل له رجل هبة الصداق.. حل له نكاح الأمة؛ لأن عليه منة في ذلك وإن وجد طول حرة مسلمة إلا أنه لا يزوج لقصور نسبه، أو لم يزوجه أهل البلد إلا بأكثر من مهر المثل.. فله أن يتزوج أمة؛ لأنه غير قادر على حرة مسلمة، ووجود الشيء بأكثر من ثمن مثله بمنزلة عدمه.
وإن رضيت الحرة بدون مهر مثلها وهو واجد له.. فهل له أن يتزوج أمة؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "].
وإن كان تحته حرة صغيرة لا يقدر على وطئها، أو تحته كبيرة قرناء، أو غائبة لا يصل إليها.. فهل له أن يتزوج أمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن تحته حرة.
والثاني: له ذلك، وهو الأصح؛ لأنه يخاف العنت، ووجود الحرة التي تحته بمنزلة عدمها.
وإن وجد ما يشتري به أمة، أو ما يتزوج به حرة كتابية.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز له نكاح الأمة؛ لأن الله تعالى شرط في نكاح الأمة: أن لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات، والشرط موجود.
والثاني: لا يجوز له، وهو الأصح؛ لأنه لا يخاف العنت.
فرع تزوج بأمة ثم أيسر ونحوه
إذا تزوج الأمة عند عدم الطول وخوف العنت، ثم أيسر أو أمن من العنت، أو تزوج حرة.. لم يبطل نكاح الأمة.
وقال المزني: إذا قدر على طول حرة.. انفسخ نكاح الأمة.
وقال أحمد رحمة الله عليه: (إذا تزوج بحرة.. انفسخ نكاح الأمة).
دليلنا - على المزني -: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] [النور: 32]، فندب إلى نكاح الفقراء رجاء الاستغناء، فلو كان الاستغناء إذا طرأ أوجب فسخ النكاح.. لم يندب إلى النكاح رجاء حصوله، ولأنه أحد شرطي جواز نكاح الأمة، فارتفاعه لا يوجب فسخ نكاحها، كما لو أمن من العنت.
وعلى أحمد رحمة الله عليه: ما روي عن علي، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم: أنها قالا: (إذا تزوج حرة على أمة.. لم ينفسخ نكاح الأمة).
ولا مخالف لهما.
ولأن كل امرأة لو تزوج بها على حرة.. لم ينفسخ نكاحها، فإذا تزوج بها على أمة.. لم ينفسخ نكاحها.
فرع تعدد الإماء والحرائر
وإن تزوج أمة عند عدم الطول وخوف العنت.. لم يجز أن يتزوج أمة أخرى.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يجوز له التزويج بأربع إماء).
دليلنا: أنه إذا تزوج أمة.. فإنه لا يخاف العنت معها، فلم يجز له التزويج بأمة غيرها، كما لو كان تحته حرة.
وإن تزوج أمتين، أو ثلاثا، أو أربعا بعقد واحد.. لم يصح نكاح واحدة منهن.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يصح نكاح الجميع).
دليلنا: أن تزويج الحر للأمة إنما يجوز للحاجة، ولا حاجة به إلى ما زاد على واحدة، فلم يصح.
وإن تزوج من يحل له نكاح الأمة بأمة وحرة، أو حرتين، أو ثلاث بعقد واحد.. بطل نكاح الأمة، وفي نكاح الحرائر قولان، بناء على القولين في تفريق الصفقة.
وإن تزوج بأمة وأربع حرائر بعقد واحد.. قال ابن الحداد: بطل نكاح الجميع قولا واحدا؛ لأن المعسر الخائف للعنت يجوز له نكاح الأمة فإذا تزوج بها وبأربع حرائر.. فقد تزوج بعدد يحرم جمعهن.
ويجوز له إفراد كل واحدة بالعقد، فإذا جمع.. فسد الكل؛ لأن لا مزية لإحداهن على الأخرى، كالجمع بين الأختين.
ولو كان موسرا.. فسد نكاح الأمة، وفي نكاح الحرائر قولان.
وإن تزوج مجوسية ويهودية.. فسد نكاح المجوسية، وفي اليهودية قولان.
فرع تزوج الحر الكافر بالأمة مثله
وهل يجوز للحر الكافر أن يتزوج أمة كافرة؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها لا تحل للمسلم، فلم تحل للكافر، كالمرتدة.
والثاني: يجوز؛ لأنه مساو لها في الدين.
وكذلك الأمة المجوسية والوثنية: هل يجوز نكاحها لأهل دينها؟ فيه وجهان.
فرع نكاح الرقيق المسلم الأمة الكتابية أو المسلمة
وأما العبد المسلم: فهل يحل له نكاح الأمة الكتابية؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما - وهو قول أبي حنيفة -: أنه يحل له نكاحها؛ لأن العبد يساويها في الرق، وإنما نقصت عنه بالدين، فهو بمنزلة الحر مع الحرة الكتابية.
والثاني - وهو المذهب -: أنها لا تحل له.
وبه قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] الآية [النساء: 25]، فشرط فيهن الإيمان، فدل على: أنه لا يجوز نكاح غير المؤمنات.
ولأنها امرأة اعتورها نقصانان، لكل واحد منهما تأثير في المنع من النكاح، فوجب أن لا يحل للعبد المسلم نكاحها، كالأمة المجوسية.
وأما الأمة المسلمة: فيجوز للعبد المسلم تزويجها، ولا يشترط فيه عدم الطول ولا خوف العنت؛ لأنه مساو لها، فهو كالحر إذا تزوج الحرة
وإن كان تحت العبد حرة.. جاز له أن يتزوج أمة.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يجوز).
دليلنا: أن كل من كان له أن يتزوج بامرأة من غير جنسه.. جاز له أن يتزوج عليها امرأة من جنسه، كالحر له أن يتزوج الحرة على الأمة.
مسألة نكاح العبد لمولاته أو الرجل لأمته أو أمة ابنه وعكسه
ولا يصح نكاح العبد لمولاته؛ لتناقض أحكام الملك والنكاح في النفقة والسفر؛ لأن العبد يستحق النفقة على مولاته، والزوجة تستحق النفقة على زوجها، وللمولاة أن تسافر بعبدها إلى أي بلد شاءت، وللزوج أن يسافر بزوجته إلى أي بلد شاء، فلو صححنا نكاحه لمولاته.. لتناقضت أحكامهما في ذلك.
فإن تزوج العبد حرة ثم ملكته.. انفسخ نكاحها منه؛ لأن حكم ملك اليمين أقوى من النكاح، فأسقطه.
ولا يصح نكاح الرجل لأمته؛ لأنه يملك وطأها قبل النكاح، فلا فائدة فيه، ولأن النكاح يوجب للمرأة حقوقا يمنع منها ملك اليمين.
فإن تزوج الرجل أمة ثم ملكها.. انفسخ نكاحها منه؛ لأن ملك اليمين أقوى من النكاح، فأبطله.
ولا يصح أن ينكح الرجل جارية ولده لصلبه، ولا ولد ولده وإن سفل؛ لأن له شبهة في ماله، بدليل: أنه يجب عليه إعفافه، فصارت كجارية نفسه.
وإن تزوج الرجل أمة، ثم ملكها ابنه.. ففيه وجهان:
أحدهما: يبطل نكاح الأب؛ لأن ملكه كملكه في إسقاط الحد وحرمة الاستيلاد، فكان كملكه في إبطال النكاح.
والثاني: لا ينفسخ نكاحه؛ لأنه لا يملكها بملك الابن، فلم يبطل نكاحه بذلك.
فإن كان له ابن من الرضاع.. جاز له أن يتزوج بجاريته؛ لأنه لا شبهة له في ماله.
ويجوز للرجل أن يتزوج بجارية أبيه وأمه؛ لأنه لا يستحق عليها الإعفاف، فإذا ولدت منه.. كان حرا؛ لأن الإنسان لا يملك ابن ابنه.
مسألة نكاح المعتدة
ولا يصح أن ينكح معتدة من غيره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] الآية [البقرة: 235].
وإن ارتابت بالحمل، بأن رأت أمارات الحمل وشكت: هل هو حمل أم لا؟ فإن حدثت لها هذه الريبة قبل انقضاء العدة، ثم انقضت عدتها بالأقراء أو بالشهور والريبة باقية.. لم يصح نكاحها؛ لأنها تشك في خروجها من العدة، والأصل بقاؤها.
وإن انقضت عدتها من غير ريبة، فتزوجت، ثم حدثت لها ريبة بالحمل.. لم تؤثر هذه الريبة؛ لأن النكاح قد صح في الظاهر.
وإن انقضت عدتها بالشهور أو بالأقراء، ثم حدثت لها ريبة بالحمل.. فيكره نكاحها، فإن تزوجها رجل.. فهل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنها مرتابة بالحمل فلم يصح نكاحها، كما لو حدثت بها الريبة قبل انقضاء العدة، ثم انقضت عدتها وهي مرتابة بالحمل.. فإنه لا يصح نكاحها، كذلك هذا مثله.
والثاني: يصح نكاحها، وهو المذهب؛ لأنها ريبة حدثت بعد انقضاء العدة فلم تؤثر، كما لو نكحت بعد انقضاء العدة، ثم حدثت الريبة.
فرع لا تجب عدة على زانية عندنا
وإذا زنت المرأة.. لم يجب عليها العدة، سواء كانت حائلا أو حاملا.
فإن كانت حائلا.. جاز للزاني أو لغيره عقد النكاح عليها.. وإن حملت من الزنا.. فيكره نكاحها قبل وضع الحمل، فإن تزوجها الزاني أو غيره قبل وضع الحمل.. صح، وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وذهب ربيعة، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم إلى: (أن الزانية تلزمها العدة كالموطوءة بشبهة، فإن كانت حائلا.. اعتدت بثلاثة أقراء، وإن كانت حاملا.. اعتدت بوضع الحمل، ولا يصح نكاحها قبل وضع الحمل).
وقال مالك رحمة الله عليه: (إذا تزوج امرأة ولم يعلم أنها زانية، ثم علم أنها حامل من الزنا.. فإنه يفارقها، فإن كان قد وطئها.. لزمه لها مهر المثل).
وقال ربيعة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يفارقها ولا مهر عليه.
وذهب ابن سيرين وأبو يوسف رحمهما الله إلى: أنها إن كانت حائلا.. فلا عدة عليها، فيجوز عقد النكاح عليها، وإن كانت حاملا.. لم يصح عقد النكاح عليها حتى تضع، وهي الرواية الأخرى عن أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] [النساء: 24]، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحرم الحرام الحلال»، والعقد على الزانية كان حلالا قبل الزنا وقبل الحمل، فلا يحرمه الزنا.
وروي: (أن رجلا كان له ابن تزوج امرأة لها ابنة، ففجر الغلام بالصبية، فسألهما عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، فاعترفا، فجلدهما وحرص أن يجمع بينهما بالنكاح، فأبى الغلام)، ولم يراع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه انقضاء العدة، ولم ينكر عليه أحد فدل على: أنه إجماع.
ولأنه وطء لا يلحق به النسب، أو حمل لا يلحق بأحد فلم يمنع صحة النكاح، كما لو يوجد.
مسألة نكاح الشغار
ولا يصح نكاح الشغار - وهو: أن يقول رجل لآخر: زوجتك ابنتي، أو أختي، أو امرأة يلي عليها، على أن تزوجني ابنتك أو أختك ويكون بضع كل واحدة منهما صداقا للأخرى - وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تعالى.
وقال الزهري، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: (يصح، ويجب مهر المثل).
دليلنا: ما روى الشافعي، عن مالك رحمة الله عليهما، عن نافع - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الشغار، والشغار هو: أن يقول الرجل: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك ويكون بضع كل واحدة منهما مهرا للأخرى»، هكذا روي عن ابن عمر.
فإن كان هذا التفسير من ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما.. فهو أعلم بمعنى الخبر، وإن كان من النبي صلى الله وعليه وسلم - وهو الظاهر - لأنه لو كان من ابن عمر.. لحكاه عن نفسه ولم يطلقه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وروى عمران بن الحصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام» ولأنه يحصل في البضع تشريك فلم يصح العقد مع ذلك، كما لو زوج ابنته من رجلين.
وبيان التشريك: أنه جعل البضع ملكا للزوج وابنته؛ لأنه إذا قال: زوجتك ابنتي.. فقد ملك الزوج بضعها، فإذا قال: على أن تزوجني ابنتك ويكون بضع كل واحدة منهما مهرا للأخرى.. فقد شرك ابنة الزوج في ملك بضع هذه المزوجة؛ لأن الشيء إذا جعل صداقا.. اقتضى تمليكه لمن جعل صداقا لها، فصار التشريك حاصلا في البضعين، فلم يصح.
إذا ثبت هذا: فإن الشغار مأخوذ من الرفع، يقال: (شغر الكلب): إذا رفع رجله، فكأن كل واحد منهما رفع رجله لصاحبه عما طلب منه، وقيل: سمي هذا النكاح شغارا؛ لقبحه تشبيها من رفع الكلب رجله ليبول.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، واقتصر على هذا.. فالنكاح صحيح؛ لأنه لم يحصل في البضع تشريك، وإنما حصل الفساد في الصداق، وهو: أنه جعل مهر ابنته أن يزوجه الآخر ابنته، ففسد المهر المسمى، ووجب مهر المثل.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يصح النكاح؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يصح؛ لأنهما لم يسميا صداقا صحيحا، ولكن جعل كل واحد منهما عقد نكاح كل واحدة منهما صداقا للأخرى؛ لأنه أخرج ذلك مخرج الصداق.
والأول هو المشهور.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون مهر كل واحدة منها كذا وكذا.. فيصح النكاحان، ويبطل المهران المسميان، ويجب لهما مهر المثل، سواء اتفق المهران أو اختلفا؛ لأنه لم يحصل في البضعين تشريك، وإنما حصل الفساد في المهر؛ لأنه شرط مع المهر المسمى أن يزوجه ابنته، فهو كما لو قال: زوجتك ابنتي بمائة على أن تبيعني دارك.. فإن النكاح صحيح، والمهر باطل.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تطلق زوجتك، ويكون ذلك صداقا لابنتي.. صح النكاح، ولا يلزم الآخر أن يطلق زوجته، ويجب للمزوجة مهر مثلها؛ لأنه لم يسم لها صداقا صحيحا.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع ابنتك صداقا لابنتي.. صح النكاح الأول، ولم يصح النكاح الثاني؛ لأنه ملكه بضع ابنته في الابتداء من غير تشريك، وشرط عليه شرطا فاسدا وهو التزويج، فلم يؤثر في عقد الأولى، والثانية هي التي حصل التشريك في بضعها.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع ابنتي مهرا لابنتك.. فالعقد على ابنة المخاطب باطل؛ لأن التشريك حصل في بضعها، والعقد على ابنة القابل صحيح؛ لأنه لم يحصل في بضعها تشريك.
وإن قال: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، ويكون بضع كل واحدة منهما ومائة درهم صداقا للأخرى.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن النكاحين صحيحان، ويجب لهما مهر المثل؛ لأن الشغار هو الخالي عن المهر، وهاهنا لم يخل عن المهر.
والثاني - وهو الصحيح -: أن النكاحين باطلان؛ لأن التشريك في البضع موجود مع تسمية المهر، والمفسد هو التشريك.
وإن قال: زوجتك ابنتي وهذا الحائط.. فهل يصح النكاح؟ فيه وجهان، حكاهما في " العدة ".
فرع زوج جاريته أو عبده وجعل رقبتهما صداقا
إذا قال لرجل: زوجتك جاريتي على أن تزوجني ابنتك، وتكون رقبة جاريتي صداقا لابنتك.. قال ابن الصباغ: صح النكاحان؛ لأن رقبة الجارية يصح نقل الملك
فيها، فلا تكون تشريكا فيما يتناوله عقد النكاح، إلا أن المسمى فاسد فيجب مهر المثل.
وإن زوج عبده من امرأة وجعل رقبته صداقا لها.
قال ابن الصباغ: لم يصح الصداق؛ لأن ملك المرأة زوجها يمنع صحة النكاح، ففسد الصداق، وصح النكاح، ووجب لها مهر المثل.
مسألة نكاح المتعة
ولا يصح نكاح المتعة، وهو: أن يتزوج رجل امرأة مدة معلومة أو مجهولة، بأن يقول: زوجني ابنتك شهرا أو أيام الموسم.
وبه قال جميع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وأرضاهم، والتابعين والفقهاء رحمة الله عليهم، إلا ابن جريج، فإنه قال: يصح.
وإليه ذهبت الشيعة، وأجمعوا: أنه لا يتعلق به حكم من أحكام النكاح، مثل الطلاق والظهار والإيلاء والتوارث.
دليلنا: ما روي: أن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه لقي ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وبلغه: أنه يرخص في متعة النساء، فقال: (إنك امرؤ تائه، إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية).
وقوله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: (تائه) أي: مائل عن الحق في هذا القول، يقال: تاهت السفينة عن بلد كذا: إذا مالت عنه.
«وروى الربيع بن سبرة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام الفتح، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " استمتعوا بالنساء " قال: فخرجت أنا وابن عم لي لنستمتع وعلى كل واحد منا بردة، فلقينا امرأة فخطبناها، فكانت ترغب في حالي وترد ابن عمي، فتمتعت بها وكان الشرط بيننا عشرين ليلة، فبت معها ليلة واحدة، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجدته واقفا بين الركن والمقام وهو يقول: " إني كنت أذنت لكم في المتعة، وإن الله تعالى حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده شيء منها.. فليخل سبيلها، ولا يأخذ منها شيئا مما آتاها».
ولأنه عقد معاوضة يصح مطلقا، فلم يصح مؤقتا، كالبيع.
فقولنا: (عقد معاوضة) احتراز من العارية والإباحة.. وقولنا: (يصح مطلقا) احتراز من الإجارة.
ولأنه نكاح لا يتعلق به سائرا أحكام النكاح فلم يصح، كنكاح ذوات المحارم.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (أنه كان يبيحه) ؟
قلنا: قد رجع عنه؛ لأنه قد كان يبيحه وانتشر ذلك عنه، فروي عن سعيد بن جبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: قلت لابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: ما صنعت بنفسك؟ أبحت نكاح المتعة، فسارت به الركبان، وقالوا فيه الشعر، فقال: (وما قالوا) ؟ قلت: قال الشاعر فيه:
أقول للشيخ لما طال محبسه... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
يا صاح هل لك في بيضاء بهكنة... تكون مثواك حتى مصدر الناس
ويروى: يا شيخ.
فخرج ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وكشف عن رأسه، وقال: (من عرفني قد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا ابن عباس، فإن المتعة حرام، كالميتة والدم).
مسألة نكاح المحلل
وأما نكاح المحلل: فإن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا.. فإنها لا تحل له إلا بعد زوج وإصابة، فإذا طلق امرأته وانقضت عدتها منه، ثم تزوجت بآخر بعده.. ففيها ثلاث مسائل:
إحداهن: أن يقول: زوجتك ابنتي إلى أن تطأها، أو إلى أن تحلها للأول، فإذا أحللتها فلا نكاح بينكما، فهذا باطل بلا خلاف؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لعن الله المحلل والمحلل له».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا أدلكم على التيس المستعار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " هو المحلل والمحلل له».
ولأن هذا أفسد من نكاح المتعة؛ لأنه يعقد إلى مدة مجهولة.
المسألة الثانية: أن يقول: زوجتك ابنتي على أنك إن وطئتها طلقتها، أو قال: تزوجتك على أني إذا أحللتك للأول طلقتك، وكان هذا الشرط في نفس العقد.. ففيه قولان:
أحدهما: أن النكاح باطل؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لعن الله المحلل والمحلل له»، ولم يفرق.
والثاني: أن النكاح صحيح والشرط باطل؛ لأن العقد وقع مطلقا من غير تأقيت، وإنما شرط على نفسه الطلاق، فلم يؤثر في النكاح، وإنما يبطل به المهر، كما لو شرط أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى عليها.
المسألة الثالثة: أن تشترط عليه قبل النكاح أنه إذ أحللها للأول طلقها، أو تزوجها ونوى بنفسه ذلك، فعقد النكاح عقدا مطلقا.. فيكره له ذلك، فإن عقد.. كان العقد صحيحا.
وبه قال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وقال مالك، والثوري، والليث، وأحمد، والحسن، والنخعي، وقتادة، رحمة الله عليهم: (لا يصح).
دليلنا: ما روى الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أن امرأة طلقها زوجها ثلاثا، وكان مسكين أعرابي يقعد بباب المسجد، فجاءته امرأة فقالت: هل لك في امرأة تنكحها وتبيت معها ليلة، فإذا أصبحت فارقتها، فقال: نعم - قال: وكان ذلك - فلما تزوجها، قالت له المرأة: إنك إذا أصبحت فإنهم سيقولون لك: طلقها، فلا تفعل، فإني لك كما ترى، واذهب إلى عمر، فلما أصبح أتوه وأتوها، فقالت لهم: أنتم جئتم به فاسألوه، فقالوا له: طلقها، فأبى وذهب إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه فأخبره، فقال له: الزم زوجتك، فإن رابوك بريب فائتني، وبعث إلى المرأة الواسطة فنكل بها، وكان يغدو بعد ذلك ويروح على عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه في حلة، فقال له عمر: الحمد لله - يا ذا الرقعتين - الذي رزقك حلة تغدو بها وتروح).
ولم ينكر أحد على عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، فدل على: أنه إجماع.
فرع النكاح بشرط الخيار أو غيره
وإن تزوج امرأة بشرط الخيار.. بطل العقد؛ لأنه لا مدخل للخيار فيه فأبطله.
فإن شرط في العقد أن لا يطأها ليلا.. بطل الشرط؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمنون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا».
فإن كان هذا الشرط من قبل الزوج.. لم يبطل العقد؛ لأن ذلك حق له، وإن كان الشرط من جهة المرأة.. بطل العقد؛ لأن ذلك حق عليها.
مسألة التعريض أو التصريح للمعتدات أو للزوجات
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (قال الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235] [البقرة: 235]:
وجملة ذلك: أن المعتدات على ثلاثة أضرب: رجعية، وبائن لا تحل لزوجها، وبائن تحل لزوجها.
فأما: (الرجعية): فلا يجوز لغير زوجها التعريض بخطبتها ولا التصريح؛ لأنها في معنى الزوجات ولا يؤمن أن يحملها بغضها للزوج الأول أن تخبر بانقضاء عدتها قبل انقضائها؛ لتتزوج بغيره.
وأما (المعتدة البائن التي لا تحل لزوجها)، فهي: التي مات عنها زوجها، أو بانت منه باللعان، أو بالرضاع، أو بالطلاق الثلاث، فيجوز لغير زوجها التعريض بخطبتها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235] [البقرة: 234 - 235]
، فكان الظاهر: أن النساء اللاتي أجاز التعريض بخطبتهن هن من تقدم ذكرهن.
«وروت فاطمة بنت قيس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قالت، طلقني زوجي أبو حفص بن عمرو بالشام ثلاثا، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته بذلك، فقال: " إذا حللت.. فآذنيني»، وروي: أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: " لا تفوتينا بنفسك "، وروي: أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرسل إليها: " لا تسبقيني بنفسك ". هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يجوز له التعريض بخطبة البائن بالثلاث؟ فيه قولان.
والمشهور هو الأول؛ لحديث فاطمة بنت قيس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
ويحرم التصريح بخطبتها؛ لأن الله تعالى لما أباح التعريض بالخطبة.. دل على: أنه لا يجوز التصريح بها.
ولأن التعريض يحتمل النكاح وغيره، والتصريح لا يحتمل غير النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح أن تخبر بانقضاء عدتها قبل انقضائها.
وأما (البائن التي تحل لزوجها)، فهي: التي طلقها زوجها طلقة أو طلقتين، بعوض أو فسخ أحدهما النكاح بعيب، فيجوز لزوجها التعريض بخطبتها والتصريح؛ لأنها تحل له في العدة.
وأما غير زوجها: فلا يحل له التصريح بخطبتها، كالبائن بالثلاث، وهل يجوز له التعريض بخطبتها؟ فيه قولان:
أحدهما: يجوز له التعريض بخطبتها؛ لأنها معتدة بائن عن زوجها، فهي كالبائن بالوفاة أو بالثلاث.
والثاني: لا يجوز له؛ لأنها تحل لزوجها في حال العدة، فهي كالرجعية.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وكل معتدة حل للزوج التعريض بخطبتها.. حل لها التعريض بإجابته، وكل من لا يحل له التعريض بخطبتها والتصريح.. لم يحل لها إجابته بتعريض ولا بتصريح؛ لأنه لا يحل له ما يحرم عليها، ولا يحل لها ما يحرم عليه فتساويا).
إذا ثبت هذا: فـ (التصريح): ما لا يحتمل غير النكاح، مثل أن يقول: أنا أريد أن أتزوجك، أو: إذا انقضت عدتك تزوجتك.
و (التعريض): كل كلام احتمل النكاح وغيره، مثل أن يقول: رب راغب فيك، رب حريص عليك، رب متطلع إليك، وأنت جميلة، أنت فائقة، أنت مرغوب فيك، " لا تسبقيني بنفسك "، كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. وروي: أن رجلا مات، فتبعت امرأته جنازته، فقال لها رجل: لا تسبقيني بنفسك، فقالت له: سبقك غيرك.
فإن قال: أنا راغب فيك، أو حريص عليك، أو أنا متطلع إليك، أو إذا حللت فآذنيني.. كان ذلك كله تعريضا؛ لأنه يمكن أن يريد به: أنا راغب فيك، أو أنا متطلع إليك، أو إذا حللت فآذنيني لأشير عليك بمن تتزوجين؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يرد بقوله لفاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: " فآذنيني " و: " لا تسبقيني بنفسك ": الخطبة لنفسه، وإنما أراد: فآذنيني لأشير عليك بمن تتزوجين.
وكذلك لو قال: رب راغب في نكاحك، وأبهم الخاطب.. كان تعريضا
وكذلك لو قال: إن الله ليسوق إليك خيرا، أو رزقا.. كان ذلك تعريضا.
هذا مذهبنا
وقال داود لا تحل له الخطبة سرا، وإنما تحل له علانية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] الآية " (البقرة: 235)
وهذا ليس بصحيح؛ لأنه تعالى لم يرد بالسر ضد الجهر، وإنما أراد:
لا يعرض للمعتدة بالجماع ولا يصرح به، مثل أن يقول: عندي جماع يصلح من جومعه، وما أشبهه، وسمي الجماع سرًا؛ لأنه يفعل سرًا.
قال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة القوم أنني... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي
كذبت لقد أصبى على المرء عرسه... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
ولا يكره للرجل التعريض لزوجته بالجماع ولا التصريح به؛ لأنه لا يكره له جماعها، فلأن لا يكره له ذكره أولى.
والآية وردت في المعتدات.
فإن عرض بخطبة امرأة لا يحل له التعريض بخطبتها، أو صرح بخطبتها، ثم انقضت عدتها وتزوجها.. صح نكاحها.
وقال مالك رحمة الله عليه: (يبينها بطلقة واحدة).
دليلنا: أن النكاح حادث بعد المعصية، فلا تؤثر المعصية فيه، كما لو قال: لا أتزوجها إلا بعد أن أراها متجردة، فتجردت له ثم نكحها، أو قالت: لا أرضى نكاحه حتى يتجرد لي أو حتى يجامعني، فتجرد لها أو جامعها ثم تزوجها.
مسألة لا يخطب على خطبة أخيه
وإذا خطب رجل امرأة فصرح له بالإجابة، بأن كان الولي أبا أو جدًا وهي بكر، أو كانت ثيبا فأذنت في تزويجها منه.. لم يجز لغيره أن يخطبها إلا أن يأذن له الخاطب الأول؛ لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب الأول، أو يأذن له فيخطب»، ولأن في ذلك إضرارًا بالأول؛ لأنها ربما مالت إلى الثاني وتركت الأول.
قال في " الأم ": (وإن قالت امرأة لوليها: زوجني ممن شئت، أو ممن ترى حل لكل أحد خطبتها)؛ لأنها لم تأذن في تزويجها من رجل بعينه فتضر به خطبة الثاني.
وإن خطب رجل امرأة فصرحت له بالرد، أو سكتت عنه ولم تصرح برد ولا إجابة.. حل لكل أحد خطبتها؛ لما «روت فاطمة بنت قيس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: طلقني زوجي أبو حفص بن عمر وهو غائب بالشام ثلاثًا، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته بذلك، فأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم وقال: " إذا حللت.. فآذنيني "، فلما انقضت عدتي أتيته فأخبرته وقلت له: إن معاوية وأبا جهم ـ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ـ خطباني، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أما معاوية: فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم: فلا يضع العصا عن عاتقه، ولكن أدلك على من هو خير لك منهما ". قلت: من يا رسول الله؟ قال " أسامة بن زيد "، قلت: أسامة؟ ! قال: " نعم أسامة "، فكرهت نكاحه، فقال: " انكحي أسامة "، فنكحته فكان منه خير كثير واغتبطت به».
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولم تكن فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أذنت في نكاحها من معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ولا من أبي الجهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وإنما كانت تستشير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومعلوم أن الرجلين إذا خطبا امرأة.. خطبها أحدهما بعد الآخر، فلم ينكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الآخر منهما، ثم خطبها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لثالث بعدهما، فدل على جوازه).
وإن خطب رجل امرأة إلى وليها، وكان ممن يخيرها، فعرض له بالإجابة ولم يصرح، مثل أن يقول: أنا أستشير في ذلك، أو أنت مرغوب فيك، أو يشترط شرائط للعقد، مثل: تقديم المهر وغيره.. فهل يحرم على غيره خطبتها؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (يحرم على غيره خطبتها).
وبه قال مالك، وأبو
حنيفة رحمة الله عليهما لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه» ولم يفصل.
ولأن فيه إفسادًا لما يقارب بينهما.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يحرم على غيره خطبتها)، وهو الصحيح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب فاطمة بنت قيس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لأسامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعد أن أخبرته: أن معاوية وأبا الجهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - خطباها، ولم يسألها: هل ركنت إلى أحدهما أو رضيت به أم لا؟ فدل على: أن الحُكم لا يختلف بذلك.
ولأن الظاهر من حالها: أنها ما جاءت تستشيره إلا وقد رضيت بذلك وركنت إليه.
قال الصيمري: فإن خطب رجل خمس نسوة جملة واحدة، فأذن في إنكاحه.. لم يحل لأحد غيره خطبة واحدة منهن حتى يترك أو يعقد على أربع، فتحل خطبة الخامسة.
وإن خطب كل واحدة وحدها، فأذنت كل واحدة في إنكاحه.. لم يجز لغيره خطبة الأربع الأولات، وتحل خطبة الخامسة لغيره.
إذا ثبت هذا: فإن خطب رجل امرأة في الحال التي قلنا: لا تحل له خطبتها فيه، وتزوجها.. صح ذلك.
وقال داود: (لا يصح)، وحكاه ابن الصباغ عن مالك رحمة الله عليه.
دليلنا: أن المحرم إنما يفسد العقد إذا قارنه، فأما إذا تقدم عليه.. لم يفسده، كما لو قالت امرأة: لا أتزوج فلانًا حتى أراه متجردًا أو حتى يجامعني، فتجرد لها أو جامعها، ثم تزوج بها.
إذا تقرر هذا: فذكر أصحابنا في حديث فاطمة بنت قيس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فوائد، وقد اختلفت الروايات فيه:
فروي: «أن زوجها طلقها بالشام، فجاءها وكيله بشعير، فسخطت به، فقال لها: ما لك علينا شيء، فأتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تستفتيه، فقال لها: " لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا».
فإحدى فوائد الخبر: أنه دل على جواز الطلاق.
والثانية: أنه يدل على جواز الطلاق الثلاث.
الثالثة: أن طلاق الغائب يقع.
الرابعة: أنه يجوز للمرأة أن تستفتى؛ لـ (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينكر عليها).
الخامسة: أن كلامها ليس بعورة.
السادسة: أنه يجوز للمعتدة أن تخرج من منزلها لحاجة.
السابعة: أنه لا نفقة للمبتوتة الحائل، خلافًا لأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
الثامنة: أن للحامل المبتوتة النفقة.
التاسعة: أنه يدل على جواز نقل المعتدة عن بيت زوجها.
وأختلف لأي معنى نقلها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
فقال ابن المسيب: كانت بذيئة، فكانت تستطيل على أحمائها.
وقالت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: (كان بيت زوجها وحشًا، فخيف عليها فيه).
وأي التأويلين صح.. ففي الخبر دليل على جواز النقل لأجله.
العاشرة: يدل على جواز التعريض بخطبة المعتدة.
الحادية عشرة: أنه يجوز للرجل أن يعرض للمعتدة بالخطبة لغيره؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عرض لها بالخطبة لأسامة بن زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، لا لنفسه).
الثانية عشرة: أنه يجوز للمرأة أن تستشير الرجال؛ لأنها جاءت تستشير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
الثالثة عشرة: يدل على جواز وصف الإنسان بما فيه وإن كان يكره ذلك؛ للحاجة إليه؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصف معاوية وأبا جهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بما فيهما)، وإن كانا يكرهان ذلك.
الرابعة عشرة: أنه يجوز أن يعبر بالأغلب على الشيء، ويذكر العموم والمراد به الخصوص؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أما معاوية: فصعلوك لا مال له».
ومعلوم أنه لا يخلو أن يملك شيئًا من المال وإن قل، كثيابه وما أشبهها، وإنما أراد: أنه لا يملك ما يتعارفه الناس مالا.
وكذلك: «قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أبي الجهم: " إنه لا يضع عصاه عن عاتقه».
وإن كان لا يخلو أن يضعها في بعض أوقاته.
و (الصعلوك): الفقير، قال الشاعر:
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى... وكلا سقاياه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بغيا على ذي قرابة... غنانا وما أزرى بأحسابنا الفقر
وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يضع عصاه عن عاتقه»: ففيه تأويلان:
أحدهما: أنه كان كثير الأسفار، قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقر بها النوى... كما قر عينا بالإياب المسافر
فعلى هذا: يكون فيه دليل على جواز السفر بغير إذن زوجته، هذه الخامسة عشرة
والثاني: أنه أراد أنه كان كثير الضرب لزوجته، ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ترفع عصاك عن أهلك» أي: في التأديب بالكلام أو بالضرب، هذه السادسة عشرة.
فعلى هذا: التأويل يدل على جواز ضرب الزوج لزوجته؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يخرجه مخرج النكير.
وقال بعضهم: بل أراد أنه كثير الجماع، وكذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ترفع عصاك عن أهلك» أراد به الكناية عن الجماع، فيكون في هذا دلالة على جواز الكناية بالجماع، هذه السابعة عشرة.
وهذا غلط في التأويل لأنه ليس من الكلام ما يدل على أنه أراد هذا؟
قال الصيمري: ولو قيل: إنه أراد بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذا: كثرة الجماع، أي: أنه كثير التزويج.. لكان أشبه.
الثامنة عشرة: يدل على جواز خطبة الرجل لغيره؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطبها لأسامة».
التاسعة عشرة: أنه يجوز للرجل أن يخطب امرأة قد خطبها غيره إذا لم تتقدم إجابة للأول.
العشرون: أنه يجوز للمستشار أن يشير على المستشير بما لم يسأله عنه؛ لأنها لم تستشره في أسامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
الحادية والعشرون: أنه يجوز للمستشار أن يشير بما يرى فيه المصلحة للمستشير وإن كره المستشير.
الثانية والعشرون: أنه لا يجب على المستشير المصير إلى ما أشار به المشير؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يقل لها: يجب عليك المصير إلى ما أشرت به، وإنما أعاد ذلك عليها على سبيل المشورة.
الثالثة والعشرون: أن الخير لا يختص بالنسب؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " أدلك على من هو خير لك منهما "، ونسبهما خير من نسبه.
الرابعة والعشرون: أن الكفاءة ليست بشرط في النكاح؛ لأنها قرشية وأسامة مولى.
الخامسة والعشرون: أنه يجوز أن تخطب المرأة إلى نفسها وإن كان لها أولياء.
وبالله التوفيق
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب
إذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيبًا.. ثبت له الخيار في فسخ النكاح.
والعيوب التي يثبت لأجلها الخيار في النكاح خمسة، ثلاثة يشترك فيها الزوجان، وينفرد كل واحد منهما باثنين.
فأما الثلاثة التي يشتركان فيها: فالجنون، والجذام، والبرص.
وينفرد الرجل بالجب والعنة، وتنفرد المرأة بالرتق والقرن.
فـ (الرتق): أن يكون فرج المرأة مسدودًا يمنع من دخول الذكر.
و (القرن): - قيل ـ هو عظم يكون في فرج المرأة يمنع من الوطء.
والمحققون يقولون: هو لحم ينبت في الفرج، يمنع من دخول الذكر، وإنما يصيب المرأة ذلك إذا ولدت.
هذا مذهبنا، وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور رحمة الله عليهم.
وقال علي، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (لا ينفسخ النكاح بالعيب).
وإليه صار النخعي، والثوري، وأبو حنيفة - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - إلا أنه قال: (إذا وجدت المرأة زوجها مجبوبًا أو عنينًا.. كان لها الخيار، فإن اختارت الفراق.. فرق الحاكم بينهما بطلقة).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج امرأة من غفار، فلما خلا بها.. رأى في كشحها بياضًا، فقال لها: " ضمي إليك ثيابك والحقي بأهلك "، وفي رواية أخرى: " ضمي إليك ثيابك والحقي بأهلك؛ فقد لبستم علي "، أو قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " دلستم علي ". وفي رواية: (فرد نكاحها».
وهذا صريح في الفسخ، و (الكشح): الجنب.
ولأن المجنون منهما يخاف منه على الآخر وعلى الولد، والجب، والعنة، والرتق، والقرن يتعذر معها مقصود الوطء.
والجذام، والبرص تعاف النفوس من مباشرة من هو به.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (ويخاف منهما العدوى إلى الآخر وإلى النسل).
فإن قيل: فقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا عدوى ولا هامة ولا صفر».
«وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا يعدى شيء شيئًا " فقال أعرابي: يا رسول الله، إن النقبة قد تكون بمشفر البعير أو بذنبة في الإبل العظيمة فتجرب كلها! فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فما أجرب الأول؟!»، وهذا ينفي العدوى؟
قال أصحابنا: قد وردت أيضًا أخبار بالعدوى، فمنها:
قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يوردن ذو عاهة على مصح».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تديموا النظر إلى المجذومين، فمن كلمه منكم.. فليكن بينه وبينه قيد رمح».
وروي: «أن رجلا جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليبايعه، فأخرج يده فإذا هي جذماء، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ضم يدك، فقد بايعتك»، وكان من عادته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مصافحة من بايعه، فامتنع عن مصافحته لأجل الجذام.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فر من المجذوم فرارك من الأسد».
وإنما نفى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العدوى التي يعتقدها الملاحدة وهي: أنهم يعتقدون أن الأدواء تعدي بأنفسها وطباعها، وليس هذا بشيء؛ وإنما العدوى التي نريدها أن نقول: إن الله أجرى العادة بأن يخلق الداء عند ملاقاة الجسم الذي فيه الداء، كما أنه أجرى العادة أن يخلق الأبيض بين الأبيضين، والأسود بين الأسودين وإن كان في قدرته أن يخلق الأبيض من الأسودين، لا أن هذه الأدواء تعدي بنفسها.
وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا هامة ولا صفر» فإن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إذا قتل الإنسان ولم يؤخذ بثأره.. خرج من رأسه طائر يصرخ ويقول: اسقوني من دم قاتلي.
هكذا حكاه ابن الصباغ.
وأما (الصفر): فإن أهل الجاهلية كانوا يقولون: في الجوف دابة تسمى الصفر، إذا تحركت.. جاع الإنسان، وهي أعدى من الجرب عند العرب.
وقيل: بل هو تأخير حرمة المحرم إلى صفر، فأبطل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كل ذلك.
مسألة وجد امرأته خنثى أو غير ذلك وعكسه
وإن وجد الرجل امرأته ولها فرج الرجال وفرج النساء، إلا أنها لا تبول إلا من فرج النساء، أو وجدت المرأة زوجها كذلك، إلا أنه لا يبول إلا من الذكر.. فهل يثبت الخيار لمن وجد صاحبه كذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: يثبت له الخيار في فسخ النكاح؛ لأن النفس تعاف ذلك.
والثاني: لا يثبت له الخيار؛ لأنه لا يتعذر معه الاستمتاع.
وإن وجدت المرأة زوجها خصيا - وهو: مسلول الخصيتين والذكر باقٍ - ففيه قولان:
أحدهما: يثبت لها الخيار؛ لأن النفس تعاف من مباشرته.
والثاني: لا يثبت لها الخيار؛ لأنه يقدر على الاستمتاع بها، ويقال: إنه أكثر جماعا؛ لقلة مائه.
ولا يثبت الخيار في فسخ النكاح بغير هذه العيوب.
فإذا وجد الرجل امرأته عمياء، أو مقطوعة اليدين أو الرجلين، أو شوهاء، أو وجدت المرأة زوجها كذلك.. لم يثبت به الخيار.
وقال زاهر السرخسي: إذا وجد الرجل امرأته بخراء أو عذيوطا - وهي: التي تبدي الغائط عند جماعها - ثبت له الخيار في فسخ النكاح.
وهذا خلاف النص؛ لأنه لا يتعذر معه الاستمتاع.
إذا ثبت هذا: فإن الجنون يثبت لأجله الخيار، سواء كان مطبقا أو غير مطبق.
فإن مرض أحدهما فزال عقله.. لم يثبت لأجله الخيار؛ لأن ذلك إغماء، والإغماء ليس بنقص، ولهذا: يجوز الإغماء على الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -
وسلامه، ولا يجوز عليهم الجنون.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن زال المرض وبقي زوال العقل.. فهو جنون).
وسواء كان زمان الإفاقة أكثر أو زمان الجنون أو استويا، هذا قول عامة أصحابنا.
وقال الصيمري: إن كان زمن الإفاقة أكثر.. فهل يثبت لأجله الخيار؟ فيه وجهان.
والأول أصح.
وأما (الجذام) فهو: داء يأكل اللحم ويتناثر منه.
و (البرص): بياض يكون في البدن، وعلامته أن يعصر المكان.. فلا يحمر.
وسواء كان الجذام أو البرص قليلا أو كثيرا؛ لأن النفس تعاف منه.
فإن كان الجذام أو البرص ظاهرا.. فلا كلام.
وإن كان خفيا، فادعى الآخر على من هو به: أنه جذام أو برص فأنكر من هو به أنه ذلك، فإن أقام المدعي شاهدين ذكرين مسلمين ثقتين من أهل المعرفة بذلك أنه جذام أو برص.. ثبت له الخيار.
وإن لم يقم بينة.. فالقول قول من هو به مع يمينه: ما هو جذام أو برص؛ لأن الأصل عدمه.
فإن أصاب الزوج زوجته رتقاء، فإن كان يتمكن معه من إدخال الذكر.. لم يثبت له الخيار.
وإن كان لا يتمكن معه من إدخال الذكر.. ثبت له الخيار؛ لأنه تعذر عليه وطؤها.
فإن أراد الزوج أن يشق ذلك الموضع ليتمكن من إدخال الذكر، فامتنعت المرأة من ذلك.. لم تجبر عليه؛ لأن ذلك جناية عليها.
فإن شقت ذلك بنفسها، أو مكنته من شقه، فشقه قبل أن يفسخ النكاح.. لم يثبت له الفسخ؛ لأن المانع له قد زال.
وفيه وجه آخر - حكاه الصيمري -: أنه لا يسقط حقه من الفسخ.
وإن وجدها مفضاة - وهو: أن يزول الحاجز بين السبيلين، أو الحاجز بين مدخل الذكر ومخرج البول - لم يثبت له الخيار؛ لأنه يقدر على وطئها.
وإن أصابها عقيما لا تلد، أو أصابته عقيما لا يولد له.. لم يثبت به الخيار؛ لأن ذلك لا يقطع به ولا يمنع كمال الاستمتاع.
وإن وجدته مجبوبا - وهو: الذي قطع جميع ذكره - ثبت لها الخيار.
وإن قطع بعضه وبقي البعض، فإن كان الباقي مما لا يمكن الجماع به.. فلها الخيار؛ لأن وجود الباقي بمنزلة عدمه.
وإن كان الباقي مما يمكن الجماع به.. لم يثبت لها الخيار؛ لأن معظم الاستمتاع غير متعذر عليها من جهته، كما لو لم يكن له إلا ذكر قصير.
فرع وجود عيب في كلا الزوجين حال العقد ولم يعلم أو طرأ بعده
وإن وجد كل واحد من الزوجين بصاحبه عيبا، فإن كان العيبان من جنسين، بأن كان أحدهما أجذم والآخر أبرص.. ثبت لكل واحد منهما الخيار؛ لأن نفس الإنسان تعاف من داء غيره.
وإن كانا من جنس واحد، بأن وجد كل واحد منهما صاحبه أجذم أو أبرص.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يثبت لواحد منهما الخيار؛ لأنهما متساويان في النقص، فهو كما لو تزوج عبد امرأة فكانت أمة.
والثاني: يثبت لكل واحد منهما الخيار؛ لأن نفس الإنسان تعاف من عيب غيره وإن كان به مثله.
وإن أصاب الرجل امرأته رتقاء أو قرناء، وأصابته عنينا أو مجبوبا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يثبت لكل واحد منهما الخيار؛ لوجود النقص الذي يثبت لأجله الخيار.
والثاني: لا خيار لواحد منهما؛ لأن الرتق والقرن يمنع الاستمتاع، والمجبوب والعنين لا يمكنه الاستمتاع، فلم يثبت الخيار.
هذا الكلام في العيوب الموجودة حال العقد التي لم يعلم بها الآخر.
فأما إذا حدث شيء من هذه العيوب بأحد الزوجين بعد العقد.. نظرت: فإن كان ذلك بالزوج - ويتصور فيه حدوث العيوب كلها إلا العنة، فإنه لا يتصور أن يكون غير عنين عنها، ثم يكون عنينا عنها - فإذا حدث فيه أحد العيوب الأربعة.. ثبت للزوجة الخيار؛ لأن كل عيب يثبت لأجله الخيار إذا كان موجودا حال العقد.. يثبت لأجله الخيار إذا حدث بعد العقد، كالإعسار بالنفقة والمهر.
وإن كان ذلك حادثا في الزوجة.. فإنه يتصور أن يحدث لها جميع العيوب الخمسة، فإذا حدث بها شيء منها.. فهل يثبت للزوج فسخ النكاح؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (لا يثبت له الفسخ) - وبه قال مالك رحمة الله عليه - لأنها لم تدلس عليه؛ ولأنه يمكنه التخلص من ذلك بالطلاق.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يثبت له الخيار في الفسخ)، وهو الصحيح؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رد نكاح الغفارية لما وجد في كشحها بياضا) ولو كان الحكم يختلف.. لسألها: هل حدث ذلك بها قبل العقد أو بعده؟ ولأن كل عيب يثبت لأجله الفسخ إذا كان موجودا حال العقد.. ثبت لأجله الفسخ إذا حدث، كالعيب بالزوج.
وقول الأول: (يمكنه أن يطلق): يبطل بالعيب الموجود حال العقد، فإنه يمكنه أن يطلق، ثم مع هذا يثبت له الفسخ.
فرع علمه بالعيب حال العقد يسقط خياره
قال في (الإملاء): (إذا علم بالعيب حال العقد.. فلا خيار له؛ لأنه عيب رضي به، فلم يكن له الفسخ لأجله، كما لو اشترى شيئا معيبا مع العلم بعيبه).
فإن أصاب أحد الزوجين بالآخر عيبا فرضي به.. سقط حقه من الفسخ لأجله.
فإن وجد عيبا غيره بعد ذلك.. ثبت له الفسخ لأجله؛ لأنه لم يرض به.
وإن زاد العيب الذي رآه ورضي به.. نظرت: فإن حدث في موضع آخر، بأن رأى البرص أو الجذام في موضع من البدن فرضي به، ثم حدث البرص في موضع آخر من البدن.. كان له الخيار في الفسخ؛ لأن هذا غير الذي رضي به.
وإن اتسع ذلك الموضع الذي رضي به.. لم يثبت له الخيار لأجله؛ لأن رضاه به رضى بما تولد منه.
مسألة العيب الذي يفسخ العقد به فخياره على الفور
]: وكل موضع قلنا: لأحد الزوجين أن يفسخ النكاح بالعيب.. فإن ذلك الخيار يثبت له على الفور لا على التراخي؛ لأنه خيار عيب لا يحتاج إلى نظر وتأمل فكان على الفور، كما لو اشترى عينا فوجد بها عيبا.
فقولنا: (خيار عيب) احتراز من خيار الأب في رجوعه بهبته لابنه، ومن خيار الولي: في القصاص، أو العفو.
وقولنا: (لا يحتاج فيه إلى نظرٍ وتأملٍ) احتراز من المعتقة تحت عبدٍ، إذا قلنا: يثبت له الخيار على التراخي.
ولسنا نريد أن الفسخ يكون على الفور، وإنما نريد به أن المطالبة بالفسخ تكون على الفور، وهو: أن أحد الزوجين إذا علم بالآخر عيبا.. فإنه يرفع ذلك إلى الحاكم، فيستدعي الحاكم الآخر ويسأله، فإن أقر به أو كان ظاهرا.. فسخ النكاح بينهما، وإن أنكر أو كان خفيا.. فعلي المدعي أن يقيم البينة، فإذا أقام البينة.. فسخ النكاح بينهما، ولا يثبت هذا الفسخ إلا بالحاكم؛ لأنه مختلف فيه فلم يثبت إلا بالحاكم، كفسخ النكاح للإعسار بالنفقة والمهر.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يجوز لأحد الزوجين أن يتولى الفسخ بنفسه بحال.
وقال ابن الصباغ: إذا رفعت الأمر إلى الحاكم.. فالحاكم أولى به، وهو بالخيار: فإن شاء.. فسخ بنفسه، وإن شاء.. أمرها بالفسخ.
وقال القفال: إذا رفعت الأمر إلى الحاكم وأثبتت العيب عنده.. خيرت: بين أن تفسخ بنفسها، وبين أن يفسخ الحاكم بمسألتها.
مسألة فسخ النكاح بالعيب وحكم المهر
وإذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيبا ففسخ النكاح.. نظرت: فإن كان الفسخ قبل الدخول.. سقط جميع المهر؛ لأن المرأة إن كانت هي التي فسخت.. فالفرقة جاءت من جهتها، وإن كان الزوج هو الذي فسخ.. فإنما فسخ لمعنى من جهتها، وهو
تدليسها بالعيب، فصار كما لو فسخته بنفسها.
وإن كان الفسخ بعد الدخول، فإن كان الفسخ لعيب كان موجودا حال العقد.. فالمشهور من المذهب: أنه يلزم الزوج مهر المثل، سواء كان العيب بالزوج أو بالزوجة؛ لأن الفسخ مستند إلى العيب الموجود حال العقد، فصار كما لو كان النكاح فاسدا.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] قولا آخر مخرجا أنه: يجب المسمى؛ لأن الفسخ رفع للعقد في الحال لا من أصله.
وليس بشيء.
وإن كان الفسخ لعيب حدث بعد العقد بالزوج، أو بالزوجة على القول الجديد.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يجب لها المسمى؛ لأنه قد وجب لها المسمى بالعقد، فلا يتغير بما يحدث بعده من العيب.
والثاني: يجب لها مهر المثل؛ لأنه لما فسخ العقد.. ارتفع من أصله، فصار كما لو وطئها بشبهة.
والثالث - وهو المنصوص -: (إن حدث العيب قبل الوطء.. وجب لها مهر المثل.
وإن حدث العيب بعد الوطء.. وجب لها المسمى؛ لأنه إذا حدث قبل الوطء.. فقد حدث قبل استقرار المسمى، فإذا فسخ العقد.. ارتفع من أصله، فصار كما لو وطئها بشبهة.
وإذا حدث العيب بعد الوطء.. فقد حدث بعد استقرار المسمى بالدخول، فلا يتغير بما طرأ بعده).
فرع العلم بالعيب بعد الوطء ورجوع الزوج بالمهر
وإن تزوج رجل امرأة وبها عيب، فلم يعلم به حتى وطئها، ثم علم به وفسخ النكاح.. فقد قلنا: إنه يجب لها عليه مهر المثل، وهل للزوج أن يرجع به على الولي؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (يرجع به عليه) - وبه قال مالك رحمة الله عليه - لما روي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه قال: (أيما رجل تزوج بامرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها.. فلها الصداق، وذلك لزوجها غرم على وليها).
ولأن الولي هو الذي أتلف على الزوج المهر؛ لأنه أدخله في العقد حتى لزمه مهر المثل، فوجب أن يلزمه الضمان، كالشهود إذا شهدوا عليه بقتل أو غيره ثم رجعوا.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يرجع به عليه).
وبه قال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، وهو قول أبي حنيفة، وهو الأصح؛ لأنه ضمن ما استوفى بدله، وهو الوطء فلا يرجع به على غيره، كما لو كان المبيع معيبا فأتلفه.
فإذا قلنا بهذا.. فلا تفريع عليه.
وإذا قلنا بالأول: فإن كان الولي ممن يجوز له النظر إلى وليته، كالأب والجد والأخ والعم.. رجع الزوج عليه، سواء علم الولي بالعيب أو لم يعلم؛ لأنه فرط بترك الاستعلام بالعيب، ولأن الظاهر أنه يعلم ذلك.
وإن كان الولي ممن لا يجوز له النظر إليها، كابن العم، والمولى المعتق، والحاكم، فإن علم الولي بعيبها.. رجع عليه الزوج، وإن لم يعلم الولي بالعيب.. لم يرجع عليه الزوج، ويرجع الزوج على المرأة؛ لأنها هي التي غرته.
فإن ادعى الزوج على الولي: أنه يعلم بالعيب فأنكر، فإن أقام الزوج بينة على
إقرار الولي بعلمه بالعيب.. رجع عليه.
وإن لم يقم عليه بينة.. حلف الولي: أنه لم يعلم بالعيب، ورجع على الزوجة.
وإن كان لها جماعة أولياء في درجة واحدة ووجد من جميعهم الغرور ممن يجوز لهم النظر إليها.. رجع الزوج عليهم إذا علموا.
فإن كان بعضهم عالما بالعيب وبعضهم جاهلا به.. ففيه وجهان، حكاهما الطبري في (العدة):
أحدهما: يرجع على العالم؛ لأنه هو الذي غره.
والثاني: يرجع على الجميع؛ لأن ضمان الأموال لا يختلف بالخطأ والعمد.
هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا كان الولي غير محرم لها.. فهل يرجع عليه الزوج؟ فيه قولان.
وكل موضع قلنا: يرجع الزوج على الولي.. فإنه يرجع عليه بجميع مهر المثل.
وكل موضع قلنا: يرجع الزوج على الزوجة.. فبكم يرجع عليها؟ فيه قولان، ومنهم من قال: هما وجهان:
أحدهما: لا يرجع عليها بجميع مهر المثل، وإنما يبقي قدرا يمكن أن يكون صداقا؛ لئلا يعرى الوطء عن بدل.
والثاني: يرجع عليها بالجميع؛ لأنه قد حصل لها بدل الوطء وهو المهر، وإنما يرجع إليه بسبب آخر، فهو كما لو وهبته منه.
والأول أصح.
وحكي المسعودي [في " الإبانة "]: أن القولين في الولي أيضا.
والمشهور: أنه يرجع عليه بالجميع قولا واحدا.
فرع العلم بالعيب بعد الطلاق لغير المدخول بها
قال في (الأم): (إذا تزوج امرأة ثم طلقها قبل الدخول، وعلم بعد ذلك أنه كان بها عيب يثبت به خيار الفسخ.. لزمه نصف المهر؛ لأنه رضي بإزالة الملك والتزام نصف الصداق بالطلاق، فلم يرجع إليه).
مسألة امتناع الولي أو وليته من تزويجها ممن به عيب
وإن دعت المرأة وليها إلى تزويجها بمجنون.. كان له الامتناع من ذلك؛ لأن عليه عارا بكون وليته تحت مجنون؛ لأنه لا يشهد ولا يحضر الجمعة والجماعة.
وإن دعا الولي وليته إلى تزويجها بمجنون.. فلها أن تمتنع؛ لأن عليها ضررا به وعارا.
وإن دعت المرأة وليها أن يزوجها بمجبوب أو خصي أو عنين.. فليس له أن يمتنع؛ لأنه لا عار عليه في ذلك.
وإن دعاها الولي إلى أن يزوجها بأحدهم.. فلها أن تمتنع؛ لأن عليها نقصا من جهة الاستمتاع.
وإن دعت المرأة وليها إلى أن يزوجها بمجذوم أو أبرص.. فهل له أن يمتنع؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له أن يمتنع؛ لأن الخيار إنما يثبت لها في النكاح؛ لأن النفس تعاف من مباشرتهما، وذلك نقص عليها دون الولي، فهو كالمجبوب والخصي.
والثاني: له أن يمتنع؛ لأن على الولي عارا في ذلك، وربما أعداها أو أعدى ولدها فيلتحق العار بأهل نسبها.
وإن دعاها الولي إلى تزويجها بمجذوم أو أبرص.. كان لها أن تمتنع؛ لأن عليها في ذلك عارا ونقصا.
وإن تزوجت امرأة برجل سليم لا عيب فيه، ثم حدث به عيب يثبت لأجله الخيار،
فإن فسخت النكاح.. لم يعترض عليها وليها بذلك.
وإن اختارت المقام معه على ذلك.. جاز، ولا اعتراض للولي عليها بذلك؛ لأن حق الولي إنما هو في ابتداء العقد دون استدامته.
ولهذا: لو دعت الحرة وليها إلى تزويجها بعبد.. لم يلزمه إجابتها، ولو أعتقت تحت عبد واختارت المقام معه.. لم يجبرها الولي على الفسخ.
مسألة معنى العنين وحكمه
العنين: هو الرجل العاجز عن الجماع، وربما يشتهي الجماع ولا يناله.
واشتقاقه من عَنَّ الشيءُ: إذا اعترض؛ لأن ذكره يعن، أي: يعترض عن يمين الفرج وشماله، فلا يقصده.
وقيل: اشتق من عنان الدابة، أي: أنه يشبهه في اللين.
إذا ثبت هذا: فالعنة في الرجل عيب يثبت الخيار لزوجته في فسخ النكاح لأجلها على ما نبينه.
وبه قال عامة أهل العلم.
وقال الحكم بن عتيبة، وداود، وأهل الظاهر: (ليست بعيب).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] [البقرة: 229]، فخير الله الأزواج: بين أن يمسكوا النساء بمعروف، أو يسرحوهن بإحسان.
والإمساك بمعروف لا يكون بغير وطء؛ لأنه هو المقصود بالنكاح، فإذا تعذر عليه الإمساك بمعروف من هذا الوجه.. تعين عليه التسريح بإحسان؛ لأن من خير بين شيئين إذا تعذر عليه أحدهما.. تعين عليه الآخر.
وعن عمر وعلى وابن مسعود والمغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أنهم قالوا: (يؤجل العنين سنة، فإن جامعها، وإلا.. فرق بينهما)، ولا مخالف لهم في الصحابة.
فدل على: أنه إجماع.
ولأن الله تعالى أوجب على المولي أن يفيء أو يطلق؛ لما يلحقها من الضرر بامتناعه من الوطء، والضرر الذي يلحق امرأة العنين أعظم من امرأة المولي؛ لأن المولي ربما وطئها.
فإذا ثبت الفسخ لامرأة المولي.. فلأن يثبت لامرأة العنين أولى.
إذا ثبت هذا: فإن المرأة إذا جاءت إلى الحاكم وادعت على زوجها: أنه عنين أو أنه عاجز عن وطئها.. استدعاه الحاكم وسأله، فإن أقر: أنه عنين أو أنه عاجز عن وطئها.. ثبت أنه عنين.
وإن أنكر وقال: لست بعنين، فإن كان مع المرأة بينة بإقراره: أنه عنين وأقامتها.. ثبت أنه عنين.
وإن لم يكن معها بينة.. فالقول قوله مع يمينه: أنه ليس بعنين، فإذا حلف.. سقطت دعواها.
وإذا ثبت أنه قادر على وطئها وامتنع.. فهل يجبره الحاكم على وطئها مرة ليتقرر مهرها؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "].
وإن نكل عن اليمين.. حلفت: أنه عنين، ولا يقضى عليه بنكوله من غير يمين.