البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 224-263

كتاب النفقات

صفحات 224-263
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسألة منع الموسر النفقة

وإن كان الزوج موسرًا حاضرًا، فطالبته بنفقتها، فمنعها إياها.. لم يثبت لها الفسخ؛ لأنه يمكنها التوصل إلى استيفاء حقها بالحكم.
وفيه وجه آخر حكاه المسعودي [في " الإبانة "]: أنه يثبت لها الفسخ؛ لأن الضرر يلحقها بمنعه النفقة، فهو كالمعسر.
وليس بشيء؛ لأن العسرة عيب.
فإن غاب عنها الزوج، وانقطع خبره، ولا مال له ينفق عليها منه.. فهل يثبت لها الفسخ؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت لها الفسخ، وهو قول القاضي أبي الطيب، واختيار ابن الصباغ؛ لأن تعذر النفقة بانقطاع خبره كتعذرها بالإعسار.
والثاني - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أنه لا يثبت لها الفسخ؛ لأن الفسخ إنما يثبت بالإعسار بالنفقة، ولم يثبت إعساره.

مسألة ثبوت الإعسار يجعلها في خيار

وإذا ثبت إعسار الزوج.. خيرت بين ثلاثة أشياء: بين أن تفسخ النكاح، وبين أن تقيم معه وتمكنه من الاستمتاع به، ويثبت لها في ذمته ما يجب على المعسر من النفقة والأدم والكسوة ونفقة الخادم إلى أن يوسر، وبين أن تقيم على النكاح، ولكن لا يلزمها أن تمكنه من نفسها، بل تخرج من منزله؛ لأن التمكين إنما يجب عليها ببذل النفقة ولا نفقة هناك.
ولا تستحق في ذمته نفقة في وقت انفرادها عنه؛ لأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا تمكين منها له.

وإن اختارت المقام معه، ثم عن لها أن تفسخ النكاح.. كان لها ذلك؛ لأن وجوب النفقة لها يتجدد ساعة بعد ساعة ويومًا بيوم.
فإذا عفت عن الفسخ لوجوب نفقة وقتها، ورضيت به.. تجدد لها الوجوب فيما بعده، فثبت لها الفسخ، بخلاف الصداق إذا أعسر به، فرضيت بالمقام معه.. فإن خيارها يسقط؛ لأنه يجب دفعة واحدة، ولا يتجدد وجوبه.
وإن اختارت الفسخ.. قال الطبري في " العدة ": ففيه قولان: أحدهما - قال: ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره -: أنها لا تفسخ بنفسها، بل ترفع الأمر إلى الحاكم حتى يأمره بالطلاق أو يطلق عليه؛ لأنه موضع اجتهاد واختلاف، فكان إلى الحاكم، كالفسخ بالعنة.
والثاني: أنها تفسخ بنفسها، كالمعتقة تحت عبد.
وهل يؤجل؟ فيه قولان: أحدهما: لا يؤجل؛ لأن الفسخ للإعسار، وقد وجد الإعسار، فثبت الفسخ في الحال، كالعيب في الزوجين.
والثاني: يؤجل ثلاثة أيام؛ لأن المكتسب قد ينقطع كسبه ثم يعود، والثلاث في حد القلة، فوجب إنظاره ثلاثًا، ولكن لا يلزمها المقام معه في هذه الثلاث في منزله؛ لأنه لا يلزمها التمكين من غير نفقة.
فإذا قلنا بهذا: فوجد في اليوم الثالث نفقتها، وتعسرت عليه النفقة في اليوم الرابع.. فهل يجب أن يستأنف له إمهال ثلاثة أيام أخر؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب؛ لأن العجز الأول ارتفع.
والثاني: لا يجب لها؛ لأنها تتضرر بذلك.

فرع إعسار زوج الصغيرة والمجنونة

وإن كانت الزوجة صغيرة أو مجنونة، فأعسر زوجها بالنفقة.. لم يكن لوليها أن يفسخ النكاح؛ لأن ذلك يتعلق بشهوتها واختيارها، والولي لا ينوب عنها في ذلك.
وإن زوج الرجل أمته من رجل، فأعسر الزوج بنفقتها، فإن كانت الأمة معتوهة أو

مجنونة.. قال ابن الحداد: فلا يثبت للسيد فسخ النكاح؛ لأن الخيار إليها، وليست من أهل الخيار، فلا ينوب عنها السيد في الفسخ، كما لو عن الزوج عنها، ويلزم السيد أن ينفق عليها إن كان موسرًا بحكم الملك، وتكون نفقتها في ذمة زوجها إلى أن يوسر، فإذا أيسر.. قال القاضي أبو الطيب: فإنها تطالب زوجها بها، فإذا قبضتها.. أخذها السيد منها؛ لأنها لا تملك المال، وحاجتها قد زالت بإنفاق السيد عليها.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن الأمة إذا كانت لا تملك العين.. فكذلك الدين، فيجب أن يكون ما ثبت من الدين للسيد.
وله المطالبة به دونها.
وأما إذا كانت الأمة عاقلة، وأعسر زوجها بنفقتها.. لم يكن للمولى فسخ النكاح، وإنما الفسخ لها، فإن فسخت النكاح.. فلا كلام، وعادت نفقتها على سيدها، وإن لم تختر الفسخ.. ففيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب: أحدهما: تكون نفقتها على سيدها إلى أن يوسر زوجها، كالمعتوهة.
والثاني: لا تجب نفقتها على السيد، بل يقال لها: إن اخترت النفقة من جهة السيد.. فافسخي النكاح؛ لأنه يمكنها فسخ النكاح، وتخالف المعتوهة، فإنه لا يمكنها فسخ النكاح.

فرع ثبوت النفقة لما مضى من زمن الإعسار

نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان، فإذا مكنت المرأة الزوج من نفسها زمانًا، ولم ينفق عليها.. وجبت لها نفقة ذلك الزمان، سواء فرضها الحاكم أو لم يفرضها، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (تسقط عنه، إلا أن يفرضها الحاكم).
دليلنا: أنه حق يجب مع اليسار والإعسار، فلا يسقط بمضي الزمان، كالدين، وفيه احتراز من نفقة الأقارب.
فإن أعسر الزوج بنفقة ما مضى.. لم يثبت لها الفسخ؛ لأن الفسخ جعل ليرجع إليها ما في مقابلة النفقة، والنفقة للزمان الماضي في مقابلة تمكين قد مضى، فلو

فسخت النكاح لأجلها.. لم يرجع إليها ما في مقابلتها، فهو كما لو أفلس المشتري والمبيع تالف.. فإنه لا يثبت للبائع الرجوع إلى المبيع، ولو أبرأت الزوج عنها.. صحت براءتها؛ لأنه دين معلوم، فصحت البراءة منه، كسائر الديون.

فرع مقاصة المرأة بدينها عن نفقة المعسر

وإذا كان له دين في ذمة امرأته من جنس النفقة، واستحقت النفقة أو الكسوة عليه، وأراد أن يقاصها في ذلك.. نظرت: فإن كانت موسرة.. كان له ذلك؛ لأن عليها قضاء دينها؛ ليسارها ومطالبته إياها، فيكون كالمال الذي في يده، وله التحكم في جعل النفقة فيه.
وإن كانت معسرة.. لم يكن له ذلك؛ لأن من عليه دين لإنسان.. يلزمه قضاؤه من الفاضل عن قوت يومه وليلته، وفي المقاصة بذلك في حال إعسارها التزام قضاء الدين من القوت، فلم يكن له ذلك.

مسألة اختلاف الزوجين في دفع النفقة

إذا تزوج الرجل امرأة، ومكنته من نفسها زمانًا، ثم اختلفا في النفقة، فادعى الزوج: أنه قد أنفق عليها، وقالت: لم ينفق علي، ولا بينة للزوج.. فالقول قول الزوجة مع يمينها، سواء كان الزوج معها أو غائبا عنها، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: (إن كان الزوج غائبًا عنها.. فالقول قولها، وإن كان حاضرًا معها.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الظاهر أنها لا تسلم نفسها إليه إلا بعد أن تتسلم النفقة).
وهكذا قال في (الصداق).
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر».
والزوجة تنكر القبض، فكان القول قولها مع يمينها.
ولأنهما زوجان اختلف في قبض النفقة، فكان القول قولها، كما لو سلمت نفسها والزوج غائب.

وإن سلمت نفسها إليه زمانا، ولم ينفق عليها فيه، أو أنفق عليها فيه نفقة معسر، وادعت: أنه كان موسرًا فيه، وادعى: أنه كان معسرًا، ولا بينة لها على يساره ذلك الوقت، فإن عرف له مال قبل ذلك.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل بقاء المال، وإن لم يعرف له مال.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم اليسار.

فرع اختلاف الأمة المزوجة والزوج في الصداق

وإن زوج الرجل أمته من رجل، واختلف الزوج والأمة في الصداق.. فلا يصح اختلافهما فيه؛ لأن الصداق للسيد، فإن اعترف السيد: أنه قبضه منه.. قبل إقراره.
وإن اختلف الزوج والأمة في تسليم نفقتها إليها، وأنكرته، ولا بينة له.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن النفقة حق لها يتعلق بالنكاح، فكان المرجع فيه إليها، كالمطالبة بالعنة والإيلاء.
وإن صدقة السيد أنه قد سلم إليها نفقة مدة ماضية.. فقد قال أكثر أصحابنا: لا يقبل إقرار السيد عليها، وإنما يكون شاهدًا للزوج؛ لأن هذا إقرار من السيد في حقها، فلم يقبل، كما لو أقر عليها بجناية توجب القود.
وقال ابن الصباغ: يقبل إقراره؛ لأن النفقة للمدة الماضية حق للمولى، لا حق للأمة فيها، فقبل إقرار السيد فيها.
وإن أقر السيد عليها: أنها قبضت نفقة يومها الذي هي فيه، أو قبضت نفقة مدة مستقبلة، وأنكرت ذلك.. فإنه لا يقبل إقرار السيد عليها؛ لأن ذلك إقرار عليها بما يضرها، فلم يقبل عليها، كما لو أقر عليها بجناية توجب القود، فإن كان السيد عدلًا.. حلف معه الزوج، وحكم عليها بالقبض.

فرع ادعاؤها التمكين وإنكاره

وإن ادعت الزوجة: أنها مكنت الزوج من نفسها، وأنكر.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التمكين.

وإن طلق امرأته طلقة رجعية وولدت، واتفقا على وقت الطلاق، واختلفا في الولادة: فقال الزوج: ولدت بعد الطلاق، فلا رجعة لي ولا نفقة لك.
وقالت المرأة: بل ولدت قبل الطلاق، فعلي العدة ولك الرجعة، ولي عليك النفقة.. فلا رجعة للزوج؛ لأنه أقر بسقوط حقه منها، وله أن يتزوج بأختها وبأربع سواها، وعلى الزوجة العدة؛ لأنها مقرة بوجوبها عليها، وتحلف المرأة: أنها ولدت قبل أن يطلقها، وتستحق النفقة؛ لأنهما اختلفا في وقت ولادتها، وهي أعلم بها، ولأنهما اختلفا في سقوط نفقتها، والأصل بقاؤها حتى يعلم سقوطها.
وبالله التوفيق.

باب نفقة المعتدة

إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا رجعيًا.. فإنها تستحق على الزوج جميع ما تستحق الزوجة، إلا القسم، إلى أن تنقضي عدتها، وهو إجماع.
وإن كان الطلاق بائنًا.. وجب لها السكنى، حائلًا كانت أو حاملًا.
وأما النفقة: فإن كانت حائلًا.. لم تجب لها، وإن كانت حاملًا.. وجبت.
وقال ابن عباس، وجابر: (لا سكنى للبائن).
وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: (تجب النفقة للبائن، سواء كانت حائلا أو حاملًا).
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6]، فأوجب السكنى للمطلقات بكل حال، وأوجب لهن النفقة بشطر إن كن أولات حمل، فدل على: أنهن إذا لم يكن أولات حمل.. أنه لا نفقة له.
وروي: «أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاثًا وهو غائب بالشام، فحمل إليها وكيله كفًا من شعير، فسخطته، فقال لها: لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا، إنما يتطوع عليك.
فأتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأخبرته بذلك، فقال لها: لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا، واعتدي عند أم شريك».
إذا ثبت هذا: فهل تجب النفقة للحمل، أو للحامل لأجل الحمل؟ فيه قولان: أحدهما: أنها تجب للحمل؛ لأنها تجب عليه بوجوده، ولا تجب عليه بعدمه، فدل على: أنها تجب له.
والثاني: أنها تجب للحامل لأجل الحمل، وهو الأصح؛ لأنه تجب عليه نفقة الزوجة مقدرة، ولو وجبت للحمل.. لتقدرت بقدر كفايته، كنفقة الأقارب، والجنين يكتفي بدون المد.

وإن تزوج الحر أمة، فطلقها طلاقًا بائنًا وهي حامل، فإن قلنا: إن النفقة تجب للحمل.. لم تجب عليه النفقة؛ لأن ولده من الأمة مملوك لسيدها، ونفقة المملوك على سيده.
وإن قلنا: إن النفقة للحامل.. وجب على الزوج نفقتها.
وإن تزوج العبد بحرة أو أمة، فأبانها وهي حامل، فإن قلنا: إن النفقة للحمل.. لم تجب عليه النفقة؛ لأن ولده من الأمة مملوك لسيد الأمة، وولده من الحرة لا تجب عليه نفقته؛ لأن العبد لا تجب عليه نفقة ولده ولا والده.
وإن قلنا: إن النفقة للحامل.. وجبت عليه النفقة.
وإن كان الحمل مجتنًا، وقلنا: إن النفقة للحمل.. فهل تجب على أبيه؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي في كتاب (الجنايات).
قال الشاشي: ويصح إبراء الزوجة عنها على القولين.
وإن طلق امرأته طلاقًا بائنا وهي حامل، فارتدت الزوجة.. فقد قال ابن الحداد: تسقط نفقتها.
فمن أصحابنا من وافقه، وقال: تسقط نفقتها، قولًا واحدًا؛ لأنها تتعلق بمصلحتها وهي المستمتعة بها، فسقطت بردتها.
ومنهم من خالفه، وقال: إذا قلنا: إن النفقة للحامل.. سقطت بردتها، وإن قلنا: إن النفقة للحمل.. فلا تسقط بردتها؛ لأن الحمل محكوم بإسلامه، فلا يسقط حقه بردتها.
وإن أسلمت الزوجة، وتخلف الزوج في الشرك.. فعليه نفقتها إلى أن تنقضي عدتها، حائلا كانت أو حاملًا.
وإن أسلم الزوج، وتخلفت الزوجة في الشرك.. فقد قال ابن الحداد: لا نفقة لها، حائلا كانت أو حاملًا.
فمن أصحابنا من وافقه.

ومنهم من خالفه، وقال: هذا إذا قلنا: إن النفقة للحامل، فأما إذا قلنا: إن النفقة تجب للحمل.. وجب له النفقة؛ لأنه محكوم بإسلامه.
وإن مات الزوج قبل وضع الحمل، وخلف أبًا.. فقد قال أبو إسحاق المروزي: تسقط النفقة، ولا تجب على الجد، كما لو مات الزوج في عدة الرجعية.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا قلنا: إن النفقة تجب للحمل.. وجبت على جده؛ لأنه يجب عليه نفقة ولد ولده.

مسألة كيفية دفع نفقة المطلقة الحامل

وإذا طلق امرأته وهي حامل.. فهل يجب عليه أن يدفع إليها النفقة يومًا فيومًا، أو لا يجب عليه الدفع حتى تضع؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه دفع النفقة حتى تضع، فإذا وضعت الولد.. وجب عليه دفع نفقتها لما مضى من يوم الطلاق؛ لأنه لا يجب عليه الدفع بالشك، والحمل غير متحقق الوجود قبل الوضع، بل يجوز أن يكون ريحًا فتنفش.
والقول الثاني: أنه يجب عليه أن يدفع إليها نفقة يوم فيوم، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6]، فأمرنا بالإنفاق عليهن حتى يضعن حملهن، وهذا يقتضي وجوب الدفع.
ولأن الحمل له أمارات وعلامات، فإذا وجدت.. تعلق الحكم بها في وجوب دفع النفقة، كما تعلق الحكم بها في منع أخذ الحمل الزكاة، وفي جواز رد الجارية المبيعة، وفي منع وطء الجارية المسبية والمشتراة، وفي جواز أخذ الخلفة في الدية.
فإذا قلنا: لا يجب الدفع حتى تضع.. لم تحتج إلى أمارة وعلامة، بل تعتد.
فإذا وضعت ولدًا يجوز أن يكون منه.. لزمه أن يدفع إليها النفقة من حين الطلاق إلى أن وضعت.
فإن ادعت: أنها وضعت، وصدقها.. فلا كلام، وإن كذبها.. فعليها أن تقيم

البينة على الوضع شاهدين، أو شاهدًا وامرأتين، أو أربع نسوة؛ لأنه يمكنها إقامة البينة على ذلك.
وإن قلنا: يجب عليه أن يدفع إليها نفقة كل يوم بيومه، فادعت: أنها حامل، فإن صدقها الزوج.. وجب عليه أن يدفع إليها نفقة كل يوم بيومه، وإن لم يصدقها، فإن شهد أربع نسوة عدول بأنها حامل.. وجب عليه أن يدفع إليها نفقة كل يوم بيومه من وقت الطلاق إلى حين الحكم بقولهن - إنها حامل - دفعة واحدة، ووجب عليه أن يدفع لها نفقة كل يوم بيومه من حين الحكم بقولهن إلى حين الوضع.
ولو سألته أن يحلف لها: ما يعلم أنها حامل.. فالذي يقتضي المذهب: أنه يلزمه أن يحلف؛ لجواز أن يخاف من اليمين، فيقر: أنها حامل، أو ينكل عن اليمين، فترد عليها، فإذا حلفت.. وجب عليه الدفع؛ لأن يمينها مع نكوله كإقراره في أحد القولين، وكبينة تقيمها في القول الآخر، والجميع يجب به الدفع.

فرع طلقها بائنا وهي حامل

وإن طلقها طلاقًا بائنًا، فقلن القوابل: إن بها حملًا، فأنفق عليها، فبان أنه لا حمل بها، أو ولدت ولدًا لا يجوز أن يكون منه.. فإن قلنا: إنه يجب عليه أن يدفع إليها نفقة كل يوم بيومه.. كان له أن يرجع عليها بما دفع إليها من النفقة، سواء دفعه بأمر الحاكم أو بغير أمره، وسواء شرط أنه نفقة أو أطلق؛ لأنه دفع إليها النفقة على أنها واجبة عليه، وقد بان أنه لا نفقة عليه لها، فيرجع عليها.
وإن قلنا: إنه لا يجب عليه الدفع إلا بعد الوضع.. نظرت: فإن كان قد دفع إليها بحكم الحاكم.. كان له الرجوع؛ لأن الحاكم أوجب عليه الدفع، وقد بان أنها لم تكن واجبة عليه.
وإن دفعها بغير حكم الحاكم، فإن كان قد شرط أن ذلك عن نفقتها إن كانت حاملًا.. فإنه يرجع عليها؛ لأنه بان أنها ليست بحامل ولا نفقة لها عليه، وإن دفعها من غير شرط.. لم يرجع عليها بشيء؛ لأن الظاهر أنه تطوع بالإنفاق عليها.

مسألة اعتبار العدة بأقصر مدة

قال الشافعي: (وإن كان يملك رجعتها، فلم تقر بثلاث حيض، أو كان حيضها مختلفًا، فيطول ويقصر.. لم أجعل لها إلا الأقصر؛ لأنه اليقين، وأطرح الشك).
واختلف أصحابنا في تأويلها: فقال أبو إسحاق: تأويلها هو: أن يطلق زوجته طلاقًا رجعيًا، فأنفق عليها، وظهر بها حمل في العدة، ووضعت لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق، فإن قلنا: إنه يلحقه.. فعليه نفقتها إلى أن تضع، ولا كلام، وإن قلنا: إنه لا يلحقه، وينتفي عنه بغير لعان.. فإنها لا تكون معتدة به عنه.
ولا نفقة عليه لها مدة حملها، وإنما عدتها منه بالأقراء، وتسأل من أين الحمل؟ فإن قالت: هو من غيره بشبهة أو زنًا.. قلنا لها: أي وقت حملت به؟ فإن قالت: بعد انقضاء عدتي بالأقراء عن الأول.. فعلى الأول نفقتها مدة عدتها بالأقراء لا غير.
وإن قالت: حملت به بعد أن مضى من عدته قرءان.. كان على الزوج نفقتها مدة عدتها في القرأين قبل الحمل، ومدة عدتها بالقرء الثالث بعد الحمل.
وإن قالت: هذا الولد من هذا الزوج وطئني في عدتي، أو راجعني ثم وطئني، فإن أنكرها.. حلف؛ لأن الأصل عدم ذلك، فإذا حلف.. بطل أن تعتد بالحمل منه، وقلنا له: فسر أنت كيف اعتدت منك؟ فإن قال: حملت به قبل أن يمضي لها شيء من الأقراء.. فإنها تعتد بثلاثة أقراء عنه بعد الوضع، ولها عليه نفقة ذلك الوقت.
وإن قال: انقضت عدتها مني بالأقراء، ثم حملت به بعد ذلك.. فقد اعترف: أنها اعتدت عنه بالأقراء، فإن كان حيضها لا يختلف.. فلها نفقة مدة ثلاثة أقراء، وإن كان حيضها يختلف، فتارة تمضي ثلاثة أقراء في سنة، وتارة تمضي في ستة أشهر، وتارة في ثلاثة أشهر، واختلفا في عدتها.. كان لها نفقة ثلاثة أشهر؛ لأنه اليقين.
ومن أصحابنا من قال: تأويلها: أن يطلقها طلاقًا رجعيًا، وأتت بولد لأكثر من

أربع سنين من وقت الطلاق - وقلنا: لا يلحقه - فإن عدتها بالأقراء عنه، فيرجع إليها، كيف الاعتداد منها بالأقراء؟ فإذا ذكرت، فإن كان حيضها لا يختلف.. كانت لها نفقة ثلاثة أقراء، وإن كان يختلف، فيطول ويقصر.. لم يكن لها إلا نفقة الأقصر؛ لأنه اليقين.
ومن أصحابنا من قال: تأويلها: إذا طلقها طلاقًا رجعيًا، وحكمنا لها بالنفقة، وأتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق - وقلنا: لا يلحقه - وكانت تحيض على الحمل، وقلنا: إنه حيض.. فإنها تعتد عنه بالأقراء الموجودة على الحمل، فإن كان حيضها لا يختلف.. فلها نفقة ثلاثة أقراء، وإن كان يختلف.. لم يكن لها إلا نفقة الأقصر؛ لأنه اليقين.
وهذا ضعيف جدًا؛ لأنها على هذا القول يكون لها نفقة الأقراء على الحمل، طالت أو قصرت.
ومنهم من قال: تأويلها: إذا طلقها طلاقًا رجعيًا، فذكرت: أن حيضها ارتفع لغير عارض.. فإنها تتربص على ما مضى.
فإذا زعمت أن حيضها ارتفع بعارض.. فقد اعترفت بحقين؛ حق عليها: وهو العدة والرجعة، فيقبل قولها فيه، وحق لها: وهو النفقة، فلا يقبل قولها فيه، بل يجعل لها نفقة الأقصر؛ لأنه اليقين.
والتأويل الأول أصح.
فأما إذا طلقها طلاقًا رجعيًا، فظهر بها أمارات الحمل، فأنفق عليها، ثم بان أنه لم يكن حملًا، وإنما كان ريحًا فأنفش.. فإنه يسترجع نفقة ما زاد على ثلاثة أقراء، فيقال لها: كم كانت مدة أقرائك؟ فإن أخبرت بذلك.. كان القول قولها مع يمينها.
وإن قالت: لا أعلم في كم انقضت عدتي، إلا أن عادتي في الحيض كذا، وعادتي في الطهر كذا.. حسبنا ذلك، ورجع الزوج بنفقة ما بعد ذلك.
وإن قالت: حيضي يختلف، ولا أعلم قدر الثلاثة الأقراء.. نظرنا إلى أقل ما تذكره من الحيض والطهر، فحسبنا لها ثلاثة أقراء، ورجع عليها بما زاد على ذلك.

وإن قالت: لا أعلم قدر حيضي وطهري.. فحكى ابن الصباغ: أن الشافعي قال: (جعلنا الأقراء ثلاثة أشهر؛ لأن ذلك هو الغالب في النساء، ورجع بالباقي).

فرع لا كسوة للبائن وإن وجبت النفقة

قال أبو إسحاق المروزي: ولا يجب للبائن الكسوة وإن وجبت لها النفقة.

مسألة لا متعة ولا نفقة إلا في نكاح صحيح

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وكل ما وصفنا من متعة أو نفقة أو سكنى.. فليست إلا في نكاح صحيح).
وجملة ذلك: أنه إذا تزوج امرأة تزويجًا فاسدًا، كالنكاح بلا ولي ولا شهود أو في عدتها.. فإنه يفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول.. فإنه لا يتعلق بالنكاح حكم، وإن كان بعد الدخول.. فلها مهر المثل، وعليها العدة، ولا سكنى لها؛ لأن السكنى تجب عن نكاح صحيح، ولا نكاح هاهنا.
وأما النفقة: فإن كانت حائلًا.. فلا نفقة لها؛ لأنه إذا لم تجب النفقة للبائن الحائل في النكاح الصحيح.
فلأن لا تجب لها في النكاح الفاسد أولى.
وإن كانت حاملا؛ فإن قلنا: إن النفقة تجب للحامل.. لم تجب لها هاهنا نفقة؛ لأن النفقة إنما تجب لها عن نكاح صحيح له حرمة، وهذا النكاح لا حرمة له.
وإن قلنا: إن النفقة للحمل.. وجب لها النفقة؛ لأن هذا الولد لاحق به، فهو كما لو حملت منه في نكاح صحيح.
وأما إذا وقع النكاح صحيحًا، ثم انفسخ برضاع أو عيب بعد الدخول.. فإنه يجب عليها العدة.
قال الشيخ أبو إسحاق: وتجب لها السكنى في العدة.
وأما النفقة: فإن كانت حائلًا.. لم تجب، وإن كانت حاملًا.. وجبت؛ لأنها معتدة عن فرقة في حال الحياة، فكان حكمها ما ذكرناه، كالطلاق.
وقال الشيح أبو حامد، وابن الصباغ: حكمها في السكنى والنفقة حكم النكاح الفاسد؛ لأن حكم النكاح الذي ينفسخ بعد الدخول حكم النكاح الذي يقع فاسدًا.

فرع المبتوتة بلعان لا نفقة لحملها

وإن قذف امرأته وهي حامل ونفى حملها، فلاعنها.. انفسخ النكاح بينهما، واعتدت بوضع الحمل، ولا نفقة لها في حال عدتها؛ لأن النفقة للحمل في أحد القولين، ولها لأجل الحمل في الثاني - والحمل غير لاحق به - فلم تجب لها النفقة، وهل تجب لها السكنى؟ حكى القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق فيه وجهين: أحدهما: لا تجب لها السكنى؛ لما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في المتلاعنين: أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا، ولا نفقة لها ولا بيت»؛ لأنهما مفترقان بغير طلاق.
والثاني: أن لها السكنى، قال ابن الصباغ: ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره؛ لأنها معتدة عن فرقة في حال الحياة، فهي كالمطلقة.
قال ابن الصباغ: وقد ذكرنا فيما مضى: أن الفسخ الطارئ بمنزلة النكاح الفاسد، وهذا فسخ، وإيجاب السكنى يناقضه، غير أنه يتعلق بقول الزوج، فجرى مجرى قطع النكاح بغير الطلاق، وكما قلنا في الخلع إذا قلنا: إنه فسخ.
وإن لاعنها ولم ينف الحمل.. قال الشيخ أبو إسحاق: وجبت لها النفقة.
وإن أبان زوجته بالثلاث أو بالخلع، وظهر بها حمل فنفاه - وقلنا: يصح لعانه قبل الوضع - فلاعن.. سقطت عنه النفقة، وهل تسقط عنه السكنى؟ إن قلنا: للملاعنة السكنى في التي قبلها.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا في التي قبلها: لا سكنى لها.. قال القاضي أبو الطيب: احتمل هاهنا وجهين: أحدهما: لها السكنى؛ لأنها اعتدت عن الطلاق.
والثاني: لا سكنى لها؛ لأن نفقتها قد سقطت لأجل اللعان فكذلك السكنى.
وإن أكذب الزوج نفسه بعد اللعان.. لحقه نسب الولد، وكان عليه النفقة لها لما مضى وإلى أن تضع.

فإن قيل: فهلا قلتم: إنه لا نفقة لها لما مضى، على القول الذي يقول: إن النفقة للحمل؛ لأن نفقة الأقارب تسقط بمضي الزمان؟ قلنا: إنما نقول ذلك: إذا كان القريب هو المستوفي لنفقته، وهاهنا المستوفى لها هي الزوجة، فصارت كنفقة الزوجة، فلا تسقط بمضي الزمان.

[مسألة المعتدة عن وفاة لا نفقة لها حاملًا أو حائلًا]

وأما المعتدة المتوفى عنها زوجها: فلا يجب لها النفقة، حائلًا كانت أو حاملًا، وبه قال ابن عباس، وجابر، وروي: أنهما قالا: (لا نفقة لها، حسبها الميراث).
وذهب بعض الصحابة إلى: أنها إذا كانت حاملًا.. فلها النفقة.
وقيل: إنه مذهب أحمد.
ودليلنا: أنه لا يخلو: إما أن يقال: هذه النفقة للحامل، أو للحمل.
فبطل أن يقال: إنها للحامل؛ لأنها لا تستحق النفقة إذا كانت حاملًا، وبطل أن يقال: إنها للحمل؛ لأن الميت لا تستحق عليه نفقة الأقارب، فلم تجب.
وهل يجب لها السكنى؟ فيه قولان، مضى بيانهما في (العدة).

مسألة غياب زوجها وهي في مسكنه يوجب لها النفقة

]: إذا غاب الرجل عن امرأته وهي في مسكنه الذي أسكنها فيه، وانقطع عنها خبره.. فإن اختارت المقام على حالتها.. فالنفقة واجبة على الزوج؛ لأنها مسلمة لنفسها، وإن رفعت الأمر إلى الحاكم، وأمرها بالتربص أربع سنين.. فلها النفقة على زوجها هذه الأربع السنين؛ لأن النفقة إنما تسقط بالنشوز أو بالبينونة، ولم يوجد واحد منهما.
فإن حكم الحاكم بالفرقة بينهما بعد أربع سنين واعتدت أربعة أشهر وعشرًا: فإن قلنا بقوله القديم، وأن الفرقة قد وقعت ظاهرًا وباطنًا، أو ظاهرًا.. فإنها كالمعتدة عن الوفاة، فلا يجب لها النفقة فيها، وهل تجب لها السكنى؟ فيه قولان.
فإن رجع زوجها الأول، فإن قلنا: إن الفرقة وقعت ظاهرًا وباطنًا.. فهي أجنبية منه، ولا يجب لها عليه نفقة ولا سكنى.
وإن قلنا: إن الفرقة وقعت في الظاهر دون الباطن.. ردت إليه، ووجبت لها النفقة من حين ردت إليه.
وإن قلنا بقوله الجديد، وأن حكم الحاكم لا ينفذ.. فإنها ما لم تتزوج.. فنفقتها على الأول؛ لأنها محبوسة عليه، وإنما تعتقد هي: أن الفرقة قد وقعت، وهذا الاعتقاد لا يؤثر في سقوط نفقتها.
فإن تزوجت بعد أربعة أشهر وعشر.. سقطت نفقتها عن الأول؛ لأنها كالناشزة عن الأول، فسقطت نفقتها عنه.
وإن دخل الثاني بها، وفرق بينهما.. فعليها أن تعتد عنه، ولا نفقة لها على الأول؛ لأنها معتدة عن الثاني، فإن رجعت إلى منزل الأول بعد انقضاء عدة الثاني، أو قبل أن يدخل بها الثاني.. فهل تستحق النفقة على الأول؟ قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " المختصر ": (لا نفقة لها في حال الزوجية ولا في حال العدة).
وهذا يقتضي: أن لها النفقة بعد انقضاء العدة.
وقال في " الأم ": (لا نفقة لها في حال الزوجية ولا في حال العدة ولا بعدها).

واختلف أصحابنا فيها على طريقين: فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: فيه قولان، وحكاهما الشيخ أبو إسحاق وجهين: أحدهما: يجب لها النفقة من حين عادت إلى منزله؛ لأن النفقة سقطت بنشوزها، وقد زال النشوز، فعادت نفقتها.
والثاني: لا تجب لها النفقة؛ لأن التسليم الأول قد سقط بنشوزها، فلم تعد إلا بتسليم ثان، وليس هاهنا من يتسلمها.
فعلى هذا الطريق: إذا خرجت امرأة الحاضر من منزلها ناشزة، ثم عادت إليه.. فهل تعود نفقتها من غير أن يتسلمها الزوج؟ فيه وجهان، بناءً على هذين القولين.
و [الطريق الثاني]: من أصحابنا من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فالموضع الذي دل عليه مفهوم كلامه: أن النفقة لها.. أراد: إذا تزوجت بالثاني من غير أن يحكم لها الحاكم بالفرقة، فإذا عادت إلى منزل الزوج.. عادت نفقتها؛ لأن نفقتها سقطت بأمر ضعيف؛ وهو نشوزها، فعادت برجوعها.
وحيث قال في " الأم ": (لا نفقة لها).. أراد: إذا حكم لها الحاكم بالفرقة، وتزوجت بآخر؛ لأن نفقتها سقطت بأمر قوي، وهو حكم الحاكم، فلا تعود إلا بأمر قوي، وهو أن يتسلمها الزوج.
فعلى هذا الطريق: إذا نشزت امرأة الحاضر من منزلها وعادت إليه.. وجبت لها النفقة وإن لم يتسلمها الزوج.
وأما وجوب نفقتها على الثاني: فإن قلنا بقوله القديم، وأن التفريق صحيح.. فإنها تستحق عليه النفقة بنفس العقد في قوله القديم، ونفقة كل يوم بيومه في قوله الجديد؛ لأن نكاحه صحيح.
وإن قلنا بقوله الجديد، وأن التفريق غير صحيح.. فإنها لا تستحق عليه النفقة ولا السكنى في حال الزوجية؛ لأنه لا زوجية بينهما.
وإذا فرق بينهما بعد الدخول.. فلا سكنى لها في حال العدة.

وأما النفقة: فإن كانت حائلًا.. لم تجب لها، وإن كانت حاملًا، فإن قلنا: النفقة للحمل.. وجبت، وإن قلنا: للحامل.. لم تجب.

فرع تزوج زوجة المفقود بعد انقضاء عدتها ثم رجع الأول

إذا تربصت امرأة المفقود، وتزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها، فرجع الأول، فإن قلنا بقوله الجديد: لا تقع الفرقة، أو قلنا: تقع الفرقة في الظاهر دون الباطن، فأتت بولد يمكن أن يكون من الثاني، ولا يمكن أن يكون من الأول.. فإن عدتها تنقضي من الثاني بوضعه، وترد إلى الأول بعد وضع الولد.
وإن أتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما، فإن قلنا بقوله القديم، وأن الفرقة تقع ظاهرًا وباطنًا.. فالولد للثاني، وإن قلنا بقوله الجديد، أو قلنا بقوله القديم، وقلنا: إن الفرقة تقع في الظاهر دون الباطن، فإن لم يدعه الأول.. فهو للثاني؛ لأنها قد استبرأت رحمها يقينًا عن الأول.
وإن ادعاه الأول.. سئل عن وجه دعواه، فإن قال: هذا الولد مني؛ لأنها زوجتي، وغبت عنها والزوجية باقية لم تنقطع، فهو ولدي؛ لأنها أتت به على فراشي.. لم يلتفت إلى هذه الدعوى، ولحق بالثاني؛ لأنا قد تيقنا براءة رحمها من ماء الأول، فلا يمكن أن يكون منه.
وإن قال: كنت عدت إليها في الخفية ووطئتها، وهذا الولد مني، وأمكن أن يكون صادقًا.. عرض الولد على القافة، فإذا ألحقوه بأحدهما.. لحقه.
وكل موضع لحق الولد بالثاني.. فليس للزوج الأول أن يمنعها من أن تسقيه اللبأ؛ لأنه لا يعيش إلا بذلك.
فإذا سقته اللبأ، فإن لم توجد له امرأة ترضعه وتكفله.. لم يكن له منعها من ذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى تلفه، وإن وجد له امرأة ترضعه وتكفله.. كان له منعها؛ لأنها متطوعة بإرضاعه، وللزوج منع زوجته من فعل التطوع بالصلاة والصوم، فلأن يمنعها من الرضاع أولى.

فإن أرضعته في موضع منعناها من إرضاعه فيه، فإن أرضعته في بيت زوجها.. فلها النفقة عليه؛ لأنها في قبضته، وإن خرجت من منزله إلى غيره بغير إذنه وأرضعته.. سقطت نفقتها؛ لأنها ناشزة، وإن خرجت إلى غيره بإذن زوجها وأرضعته، فإن كان زوجها معها.. لم تسقط نفقتها، وإن لم يكن معها.. ففيه وجهان، بناءً على القولين في السفر بإذنه.

فرع تربصت زوجة المفقود وفرق الحاكم وتزوجت بعد العدة

وإن تربصت امرأة المفقود، وفرق الحاكم بينهما، وتزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها ودخل بها، ثم مات الثاني، وبان أن زوجها الأول كان حيًا عند نكاحها للثاني، وأن الأول مات بعد ذلك، فإن قلنا بقوله القديم، وأن الحكم بالفرقة صحيح ظاهرًا وباطنًا.. فقد بانت من الأول، ونكاح الثاني صحيح، وقد بانت عنه بموته، واعتدت عنه، فلا تأثير لحياة الأول.
وإن قلنا بقوله الجديد: إن الحكم بالفرقة لا يصح، أو قلنا: تقع الفرقة في الظاهر دون الباطن.. فعلى هذا: نكاح الثاني باطل، وعليها العدة بموت الأول أربعة أشهر وعشرًا، وعليها عدة وطء الشبهة للثاني ثلاثة أقراء، ولا يصح أن تعتد عن أحدهما إلا بعد أن يفرق بينها وبين الثاني، وفيه ثلاث مسائل: إحداهن: أن يعلم موت كل واحد من الزوجين في وقت بعينه، ويعلم عين ذلك الزوج.
الثانية: أن يعلم أن أحدهما مات في وقت بعينه، ولم يعلم وقت موت الآخر.
الثالثة: أن لا يعلم موت كل واحد منهما بعينه.
فأما [المسألة] الأولى، وهو: إذا علم موت كل واحد منهما في وقت بعينه.. ففيه مسألتان:

إحداهما: أن يعلم أن الأول مات في أول شهر رمضان، والثاني مات في أول شهر شوال، فيجب عليها أن تعتد هاهنا عن الأول أربعة أشهر وعشرًا، وابتداؤها من أول شوال بعد زوال فراش الثاني؛ لأنه لا يمكن أن تكون فراشًا للثاني معتدة عن الأول، فإذا انقضت عدتها عن الأول.. اعتدت عن الثاني بثلاثة أقراء؛ لأن عدة الأول أسبق، فقدمت، ولأنها أقوى؛ لأنها وجبت بسبب مباح، والثانية وجبت بسبب محظور.
وإن مات الثاني في أول رمضان، والأول في أول شوال.. فإن الثاني لما مات شرعت في عدته وإن كانت زوجة الأول؛ لأن النكاح يتأبد فراشه، فلا يمكن قطعه لأجل العدة، بخلاف الفراش في النكاح الثاني، فإنه لا يتأبد، فلذلك وجب قطعه للعدة، ولم تصح العدة مع وجوده، فلما مات الأول في أثناء عدة الثاني.. انتقلت إلى عدة الأول؛ لأنها آكد، فإذا أكملت عدة الأول أربعة أشهر وعشرًا.. أكملت عدة الثاني بالأقراء.
المسألة الثانية: أن يعلم أن أحدهما مات في وقت بعينه، ولم يعلم وقت موت الآخر، مثل: أن يعلم أن الثاني مات في أول شوال، ثم جاء الخبر أن الأول حي في بلد كذا، ومات ولم يعلم وقت موته.. فإنه يقال: أقل وقت يمكن أن يصل فيه الخبر من الموضع الذي كان فيه كم هو؟ فإن قيل مثلا: عشرة أيام.. جعل في التقدير كأنه مات قبل مجيء خبره بعشرة أيام، فإن وافق ذلك وقت موت الثاني، بأن كان الخبر ورد لعشر خلون من شوال، وهو وقت موت الثاني.. فقد اتفق موتهما في وقت واحد، فتعتد عن الأول بأربعة أشهر وعشر، وتعتد بعد ذلك عن الثاني بثلاثة أقراء.
وإن تقدم موت الثاني، أو تأخر عنه.. فالحكم فيه على ما ذكرناه في المسألة الأولى.
المسألة الثالثة: أن لا يعلم وقت موت كل واحد منهما بعينه، مثل: أن يعلم أن أحدهما مات في أول شهر رمضان، والآخر مات في أول شوال، ولا يعلم وقت موت

كل واحد منهما أيهما مات أولًا.. فيجب عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من بعد موت الثاني، ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة أقراء؛ ليسقط الفرض عنها بيقين، هذا إذا لم تحبل من الثاني.
فأما إذا حبلت من الثاني، ثم ظهر موت الأول.. فإن الولد لاحق بالثاني؛ لأنها قد اعتدت عن الأول، واستبرأت رحمها منه، وقد مات الأول قبل أن يدعيه، فلم يلحق به، فتعتد بوضع الحمل عن الثاني، فإذا وضعته.. اعتدت عن الأول بأربعة أشهر وعشر، ومتى تبتدئ بها؟ فيه وجهان: أحدهما: من حين انقطاع دم النفاس؛ لأن دم النفاس تابع للحمل من الأول، فهو كمدة الحمل.
والثاني - وهو المذهب -: أن ابتداءها من بعد وضع الحمل؛ لأن هذا عدة عن وفاة، وعدة الوفاة لا يراعى فيه الدم وزواله، ولأن وقت دم النفاس ليس من عدة الثاني، فاحتسب به من عدة الأول.
وبالله التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل.

باب نفقة الأقارب والرقيق والبهائم

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيان أن على الأب أن يقوم بالمؤنة في إصلاح صغار ولده من رضاع ونفقة وكسوة وخدمة دون أمه).
وجملة ذلك: أنه يجب على الأب أن ينفق على ولده.
والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: 31] [الإسراء: 31]، فمنع الله من قتل الأولاد خشية الإملاق، وهو الفقر، فلولا أن نفقة الأولاد عليهم.. لما خافوا الفقر.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6]، فأوجب أجرة رضاع الولد على الأب، فدل على: أن نفقته تجب عليه.
وروى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، عندي دينار؟ فقال: " أنفقه على نفسك "، فقال: عندي آخر؟ فقال: أنفقه على ولدك».
وروي: «أن هندا قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني وولدي إلا ما آخذه منه سرًا ولا يعلم.. فهل علي في ذلك شيء؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ولأن الولد بعض من الأب، فكما يلزمه أن ينفق على نفسه.. فكذلك يلزمه أن ينفق على ولده.
فإن لم يكن هناك أب، أو كان ولكنه معسر، وهناك جد موسر.. وجبت عليه نفقة ولد الولد وإن سفل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (لا تجب نفقة ولد الولد على الجد).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 26] [الأعراف: 26]، فسمى الناس بني آدم، وإنما هو جدهم.

وكذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: 38] [يوسف: 38]، فسماهم آباء، وإنما هم أجداده.
ولأن بينهما قرابة توجب العتق ورد الشهادة، فأوجبت النفقة، كالأبوة، وعكسه الأخوة.
وإن لم يكن هناك أحد من الأجداد من قبل الأب.. وجبت النفقة على الأم، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (لا تجب النفقة على الأم).
وقال أبو يوسف، ومحمد: تجب على الأم، ولكن يرجع بها على الأب إذا أيسر.
دليلنا - على مالك -: أن بينهما قرابة توجب العتق ورد الشهادة، فأوجبت النفقة، كالأبوة.
ولأن النفقة إذا وجبت على الجد، وولادته من طريق الظاهر.. فلأن تجب على الأم - وولادتها من طريق القطع - أولى، فلم ترجع.
وعلى أبي يوسف، ومحمد: أنها نفقة واجبة على من تعين نسبه، فلم يرجع بها، كالجد لا يرجع بما أنفق على الأب.
وقولنا: (على من تعين نسبه) احتراز ممن ولد على فراشين، وأشكل الأب منهما.
فإن لم يكن أم، وهناك أبو أم، أو أم أمّ.. وجبت عليه نفقة ولد الولد وإن سفل، فتجب نفقة الولد على من يقع عليه اسم الأب أو الأم حقيقة أو مجازًا، سواء كان من قبل الأب أو الأم، ويشترك في وجوبها العصبات وذوو الأرحام؛ لأنها تتعلق بالقرابة من جهة الولادة، فاستوى العصبات وذوو الأرحام من جهة الوالدين، كما قلنا في منع الشهادة، والقصاص، والعتق.

مسألة نفقة الأب واجبة على الابن

]: وتجب نفقة الأب على الولد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] [الإسراء: 23]، وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: 8] [العنكبوت: 8]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] [لقمان: 15]، ومن الإحسان والمعروف: أن ينفق عليه.
وروى ابن المنكدر: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا وعيالًا، ولأبي مال وعيال، ويريد أن يأخذ من مالي؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنت ومالك لأبيك» وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن أولادكم هبة من الله لكم، يهب لمن يشاء إناثًا، ويهب لمن يشاء الذكور، فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها» وروت أيضًا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه».
وروى جابر: «أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، إن أبي يأخذ مالي فينفقه، فقال الأب: إنما أنفقته يا رسول الله على إحدى عماته أو إحدى خالاته، فهبط جبريل، وقال: يا رسول الله، سل الأب عن شعر قاله، فسأله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فقال الأب: إن الله - وله الحمد - يزيدنا بك بيانًا يا رسول الله كل يوم، والله: لقد قلت هذا الشعر في نفسي، فلم تسمعه أذناي، ثم أنشأ يقول: غذوتك مولودًا وعلتك يافعًا... تعل بما أجني إليك وتنهل إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت... لسقمك إلا ساهرًا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي... طرقت به منه فعيناي تهمل فلما بلغت السن والغاية التي... إليها مدى ما فيك كنت أؤمل جعلت جوابي غلظة وفظاظة... كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي... فعلت كما الجار المجاور يفعل قال جابر: فقبض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتلابيب الابن، وقال: " أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك " ثلاثًا».

فرع النفقة على الوالدة

]: ويجب على الولد نفقة الأم.
وقال مالك: (لا يجب).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] [الإسراء: 23]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: 8] [العنكبوت: 8]، وقَوْله تَعَالَى:

﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] [لقمان: 15]، ومن الإحسان والمعروف: أن ينفق عليها.
وروي: «أن رجلًا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، من أبر؟ فقال: " أمك "، قال: ثم من؟ قال: " أمك " إلى أن قال في الرابعة: أباك» ومن البر: أن ينفق عليها.
ولأنها تعتق عليه إذا ملكها، ولا يجب عليها القصاص بجنايتها عليه، ولا تقبل شهادته لها، فوجبت لها النفقة عليه، كالأب.
ويجب على الولد نفقة الأجداد والجدات وإن علوا من قبل الأب والأم.
وقال مالك: (لا يجب عليه).
دليلنا: أن بينهما قرابة توجب العتق ورد الشهادة، فأوجبت النفقة، كالأبوة.

فرع النفقة على القرابة المسلمين وغيرهم

نفقة القرابة تجب مع اتفاق الدين ومع اختلافه، فإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا.. لم يمنع ذلك من وجوب النفقة؛ لأنه حق يتعلق بالولادة، فوجب مع اتفاق الدين واختلافه، كالعتق بالملك.
ولا تجب النفقة لغير الوالدين والمولودين من القرابة، كالأخ وابن الأخ والعم وابن العم.
وقال أبو حنيفة: (تجب لكل ذي رحم محرم، فتجب عليه نفقة الأخ وأولاده، والعم والعمة، والخال والخالة.
ولا تجب عليه نفقة أولاد العم، ولا أولاد العمة، ولا أولاد الخال، ولا أولاد الخالة).

وقال أحمد: (تجب عليه نفقة كل من كان وارثًا، كالأخ وابن الأخ، والعم وابن العم، ولا تجب عليه نفقة ابنة الأخ، والعمة، وابن العمة، وابنة العم).
وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (تجب عليه نفقة كل قريب معروف النسب منه).
دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، معي دينار؟ فقال: " أنفقه على نفسك "، قال: معي آخر؟ قال: " أنفقه على ولدك "، قال: عندي آخر؟ قال: " أنفقه على أهلك "، قال: معي آخر؟ قال: " أنفقه على خادمك "، قال: معي آخر؟ قال: أنت أعلم به» ولم يأمره أن ينفقه على أقاربه، فدل على: أنه لا يجب عليه نفقة أقاربه.
فإن قيل: فلم يذكر الوالد، ومع هذا فنقته واجبة؟ قلنا: قد نص على نفقة الولد فنبه بذلك على نفقة الوالد؛ لأنه أكمل وآكد حرمة من الولد.
ولأن من سوى الوالدين والمولودين من القرابة لا يلحق بهم في الحرمة، فلم يلحق بهم بوجوب نفقتهم.
ولأنها قرابة لا تستحق بها النفقة مع اختلاف الدين، فلم تستحق بها النفقة مع اتفاق

الدين، كابن العم مع أبي حنيفة، وكغير الوارث مع أحمد.
وعكسه قرابة الوالدين والمولودين..

مسألة النفقة على القريب مواساة

ولا يستحق القريب النفقة على قريبه حتى يكون المنفق منهما موسرًا بنفقة قريبه، وهو أن يفضل عن قوت نفسه وقوت زوجته في يومه وليلته؛ لما روى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كان أحدكم فقيرًا.. فليبدأ بنفسه، فإن فضل.. فعلى عياله، فإن فضل.. فعلى قرابته» وإنما قدمت نفقة الزوجة على نفقة القريب؛ لأنها تجب لحاجته إليها، ونفقة القريب مواساة، فقدمت نفقتها عليه، كما تقدم نفقة نفسه، ولأن نفقة الزوجة تجب بحكم المعاوضة، فقدمت على نفقة القريب كما يقدم الدين.
وإن كان مكتسبًا، فاكتسب ما ينفق على نفسه وزوجته، وفضل عن قوت يومه وليلته فضل.. لزمه أن ينفق على قرابته؛ لأن الكسب في الإنفاق يجري مجرى الغنى بالمال، ولهذا روي: «أن رجلين سألا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يعطيهما من الصدقة، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أعطيكما بعد أن أعلمكما أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» فجعل الاكتساب بمنزلة الغنى بالمال.
وإن كان للمنفق عقار.. وجب أن يبيعه للإنفاق على قرابته.
وقال أبو حنيفة: (لا يباع).

دليلنا: أن نفقة القريب تجب فيما فضل عن قوت المنفق في يومه وليلته، والعقار يفضل عن قوت يومه وليلته، فوجب أن يبيعه للإنفاق على القريب، كالأثاث.
ولا يستحق القريب النفقة على قريبه حتى يكون المنفق عليه معسرًا غير قادر على الكسب؛ لصغر، أو جنون، أو زمانة، أو كبر، فإن كان له مال يكفيه.. لم تجب نفقته على قريبه؛ لأن إيجاب نفقة القريب على قريبه مواساة، والغني بماله لا يستحق المواساة.
وإن كان له كسب، وهو قادر على أن يكتسب ما يكفيه.. لم تجب له نفقة على قريبه؛ لأن الكسب في باب الإنفاق يجري مجرى الغنى بالمال.
وإن كان صحيحًا، إلا أنه غير مكتسب، فإن كان من الوالدين.. ففيه قولان: أحدهما: تجب نفقته على الولد الموسر، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد؛ لأنه محتاج إلى الإنفاق، فأشبه الزمن.
والثاني: لا تجب نفقته على الولد؛ لأنه قادر على الاكتساب، فأشبه المكتسب.
وإن كان الولد بالغًا صحيحًا محتاجًا غير مكتسب.. ففيه طريقان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالوالدين.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: لا تجب نفقته، قولًا واحدًا؛ لأن حرمة الوالد آكد، فاستحق مع الصحة، والولد أضعف حرمة، فلم يستحق مع الصحة.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا بلغت الابنة.. لم تسقط نفقتها حتى تتزوج؛ لأنه لا يمكنها الاكتساب، فهي كالصغيرة).
ودليلنا: أن كل معنى أسقط نفقة الابن.. أسقط نفقة الابنة، كاليسار.
وما ذكره.. فلا يصح؛ لأنها يمكنها الغزل والخدمة.

مسألة من يقدم في نفقة القريب

وإن كان هناك قريب يستحق النفقة، واجتمع قريبان موسران، فإن كان هناك ولد صغير فقير، وله أبوان موسران.. كانت نفقته على الأب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6].
فجعل أجرة الرضاع على الأب.
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهند امرأة أبي سفيان: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ولأنهما تساويا في الولادة، وانفرد الأب بالتعصيب، فقدم على الأم.
فإن اجتمع الأب والجد وهما موسران، أو اجتمعت الأم وأمها، أو الأم وأم الأب وهما موسرتان.. قدم الأب على الجد، وقدمت الأم على أمها وأم الأب؛ لأنها أقرب.
وإن اجتمعت الأم والجد أبو الأب وهما موسران.. كانت النفقة على الجد دون الأم، وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (ينفقان عليه على قدر ميراثهما، فيكون على الأم ثلث النفقة، وعلى الجد الثلثان).
دليلنا: أنه اجتمع عصبة مع ذات رحم ينفق كل واحد منهما على الانفراد، فقدم العصبة، كالأب إذا اجتمع مع الأم.
فإن اجتمع الجد أبو الأب وإن علا مع الجد أبي الأم وهما موسران.. وجبت النفقة على الجد أبي الأب؛ لأن الجد يقدم على الأم، فلأن يقدم على أبي الأم أولى.
وإن اجتمعت أم الأم وأبو الأم وهما موسران.. كانت النفقة عليهما نصفين؛ لأنهما متساويان في الدرجة، ولا مزية لأحدهما على الآخر في التعصيب، فاستويا في الإنفاق.
وإن اجتمعت أم الأم وأم الأب وهما موسرتان.. ففيه وجهان:

أحدهما: تجب النفقة عليهما نصفين، وهو الأصح؛ لأنهما متساويتان في الدرجة، ولا مزية لإحداهما على الأخرى بالتعصيب.
والثاني: تجب النفقة على أم الأب؛ لأنها تدلي بعصبة، ولأن الأب لو اجتمع هو والأم.. لقدم الأب في إيجاب النفقة، فقدم من يدلي به على من يدلي بها.
وهكذا الوجهان إذا اجتمعت أم الأب وأبو الأم.
فإن اجتمعت الأم وأم الأب وهما موسرتان.. قال الشيخ أبو حامد: فإن قلنا: إن أم الأم وأم الأب إذا اجتمعتا تقدم أم الأب؛ لأنها تدلي بعصبة.. قدمت هاهنا أم الأب على الأم؛ لأنها كالعصبة.
وإن قلنا هناك: إنهما سواء.. قدمت الأم على أم الأب؛ لأنها أقرب منها.

فرع نفقة الزمن على الابن أو الأب

وإن كان الرجل فقيرًا زمنًا، وله ابن وأب موسران.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تجب نفقته على الأب؛ لأن وجوب النفقة على الأب منصوص عليها في القرآن، ووجوب النفقة على الابن مجتهد فيها.
والثاني: أن نفقته على الابن؛ لأنه أقوى تعصيبًا من الأب.
والثالث: تجب نفقته عليهما؛ لأنهما متساويان في الدرجة منه والتعصيب.
فإذا قلنا بهذا: فهل تجب عليهما نصفين، أو تعتبر بميراثهما منه؟ فيه وجهان، الأصح: أنها عليهما نصفان.
وإن اجتمع ابن وجد.. فمن أصحابنا من قال: هو كما لو اجتمع الابن والأب.
ومنهم من قال: يجب على الابن، وجهًا واحدًا؛ لأنه أقرب.
وإن كان فقيرا زمنًا، وله ابنان موسران أو ابنتان موسرتان.. وجبت نفقته بينهما نصفين؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
وإن كان له ابن موسر وابنة موسرة.. فقال أصحابنا البغداديون: تجب جميع النفقة

على الابن؛ لأنهما متساويان في الدرجة وللابن مزية بالتعصيب، فقدم في وجوب النفقة عليه، كالأب إذا اجتمع مع الأم.
وقال الخراسانيون من أصحابنا: تجب النفقة عليهما.
وكيف تجب عليهما؟ فيه وجهان: أحدهما - قال المسعودي [في " الإبانة "]: وهو الأصح -: تجب عليهما نصفين، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: تجب عليهما على قدر ميراثهما؛ فيجب على الابن ثلثا النفقة، وعلى الابنة ثلثها، وبه قال أحمد.
إذا ثبت هذا: فذكر ابن الصباغ: إذا كان له ابن ذكر وخنثى مشكل موسران.. فإن النفقة على الابن؛ لأن الخنثى يجوز أن تكون أنثى، فلا تجب عليه النفقة، فإن بان أن الخنثى رجل.. رجع عليه الابن بنصف ما أنفق؛ لأنه بان أنه كان مستحقًا عليه.
وهذا على طريقة أصحابنا البغداديين.
فأما على طريقة الخراسانيين: فكم يجب على الخنثى؟ فيه وجهان: أحدهما: النصف، وهو الأصح.
فعلى هذا: لا فرق بين أن يبين أنه رجل أو امرأة.
والثاني: يجب عليه بقدر ميراثه.
فعلى هذا: يجب عليه ثلث نفقته، وعلى الذكر النصف، ويبقى السدس من النفقة، فإن قال أحدهما: أدفع هذا السدس لأرجع به على من بان أنه عليه.. جاز فإن لم يدفعه أحدهما برضاه.. دفعاه بينهما نصفين.
فإذا بان حال الخنثى.. رجع على من بان أنه غير مستحق عليه بما دفع منه.
قال ابن الصباغ: وإذا كان له بنت وخنثى مشكل.. ففيه وجهان: أحدهما: تجب النفقة على الخنثى؛ لجواز أن تكون رجلًا، فإذا أنفق، ثم بان أنه رجل.. لم يرجع على أخته بشيء، وإن بان أنه أنثى.. رجعت على أختها بنصف ما أنفقت.

والثاني: أن النفقة بينهما نصفان - قال -: وهو الأقيس؛ لأنا لا نعلم كونه رجلًا، فإن بان أنه ذكر.. رجعت عليه البنت بما أنفقت، وإن بان أنه أنثى.. لم ترجع عليها أختها بشيء.
وهذا على طريقة أصحابنا البغداديين.
فأما على طريقة الخراسانيين.. فعلى أصح الوجهين: تجب النفقة عليهما نصفين، ولا يرجع الخنثى بما أنفق على أخته بشيء، سواء بان أنه رجل أو امرأة.
وعلى الوجه الذي يقول: (تجب النفقة بينهما على قدر ميراثهما) يجب على كل واحد منهما ثلث النفقة، ويبقى الثلث، فإن اختار أحدهما أن يدفعه ليرجع به على من بان عليه.. جاز، وإن لم يختر أحدهما دفعه.. دفعاه بينهما، فيدفع كل واحد منهما نصف النفقة، فإن بان أن الخنثى امرأة.. لم ترجع إحداهما على الأخرى بشيء، فإن بان رجلًا.. رجعت عليه المرأة بثلث ما دفعت.

فرع وجوب نفقة الأب على ذكر وخنثيين

وإن كان له ثلاثة أولاد، ذكر وخنثيان.. فعلى طريقة أصحابنا البغداديين: تجب النفقة على الذكر، فإن بان الخنثيان امرأتين.. لم يرجع عليهما بشيء، وإن بانا رجلين.. رجع على كل واحد منهما بثلث ما أنفق، وإن بان أحدهما رجلًا والآخر امرأة.. رجع على الرجل بنصف ما أنفق.
وعلى طريقة الخراسانيين: تجب النفقة على الجميع، وكيف تجب عليهم؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو الأصح عندهم -: تجب بينهم بالسوية.
فعلى هذا: لا تراجع بينهم بحال.
والثاني: تجب عليهم على قدر مواريثهم.
فعلى هذا: يجب على الرجل ثلث النفقة، وعلى كل واحد من الخنثيين خمس النفقة؛ لأن ذلك هو اليقين.

قال القاضي أبو الفتوح: ويبقى من النفقة ربعها، تفرض عليهم.
وهذا غلط، بل يبقى من النفقة أربعة أسهم من خمسة عشر سهماً، فإن قال أحدهم: أدفعها على أن أرجع بها على من بانت عليه عنده، ودفعها.. كان له الرجوع على من بانت عنده.
وإن لم يرض أحدهم بدفعها.. قسمت عليهم أثلاثاً، فتقسم النفقة على خمسة وأربعين سهماً، فيدفع الذكر منها تسعة عشر سهماً، ويدفع كل خنثى منهما ثلاثة عشر سهماً، فإن بانا امرأتين.. رجعا على الذكر بتمام النصف، فترجع عليه كل واحدة منهما بسهم وثلاثة أرباع سهم مما دفعت، وإن بانا رجلين.. رجع الذكر على كل واحد منهما بسهمين، وهو تمام الثلث، وإن بان أحدهما ذكراً والآخر امرأة.. رجعت المرأة على الذي بان رجلاً بأربعة أسهم، ورجع الذكر عليه بسهم.

فرع نفقة الأب تجب على بنت وخنثيين

إذا كان لرجل بنت وولدان خنثيان مشكلان.. فعلى طريقة أصحابنا البغداديين في النفقة وجهان: أحدهما: أن جميع النفقة على الخنثيين، فإن بانا رجلين.. فلا رجوع لهما، وإن بانا امرأتين.. رجعت كل واحدة منهما على أختها التي لم تنفق معها بثلث ما أنفقت، وإن بان أحدهما رجلاً والآخر امرأة.. رجعت التي بانت امرأة على الذي بان رجلاً بجميع ما أنفقت.
والوجه الثاني: أن النفقة تجب عليهم أثلاثاً، فإن بانا امرأتين.. فلا تراجع، وإن بانا رجلين.. رجعت البنت بما أنفقت عليهما نصفين، وإن بان أحدهما رجلاً والآخر امرأة.. رجع المرأتان على الذي بان رجلاً بجميع ما أنفقاه.
وعلى طريقة الخراسانيين: يكون في النفقة أيضاً وجهان:

أحدهما: وهو الأصح عندهم -: أن النفقة تجب على الجميع بالسوية.
فعلى هذا: لا تراجع بينهم بحال.
والثاني: تجب عليهم على قدر مواريثهم.
فعلى هذا: يجب على البنت خمس النفقة، وهي أربعة أسهم من عشرين، وعلى كل واحد من الخنثيين ربع النفقة، وهو خمسة من عشرين؛ لأن هذا هو اليقين، وتبقى ستة أسهم، إن دفعها أحدهم ليرجع بها على من بانت عنده.. جاز، وإلا.. قسمت عليهم أثلاثاً بينهم.
فإن بانا امرأتين.. رجع كل واحد من الخنثيين على البنت بثلث سهم، وإن بانا رجلين.. رجعت البنت على كل واحد منهما بسهم، وإن بان أحدهما رجلاً والآخر امرأة.. رجعت البنت الأصلية عليه بسهم، ورجعت عليه البنت الخنثى بسهمين.
والمشهور: طريقة أصحابنا البغداديين.

فرع وجوب نفقة البنت أو ابنها على أبيها

وإن كان له بنت وابن بنت موسران.. فحكى الشيخ أبو إسحاق فيه قولين، وحكاهما ابن الصباغ عن القاضي أبي حامد وجهين: أحدهما: تجب النفقة على البنت؛ لأنهما يستويان في عدم التعصيب، والبنت أقرب، فكانت أولى بالإيجاب عليها.
والثاني: تجب على ابن البنت؛ لأنه أقدر على النفقة بالذكورية.
وإن كان له بنت ابن وابن بنت.. ففيه ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ: أحدها: تجب النفقة على بنت الابن؛ لأنها تدلي بعصبة، وقد تكون عصبة من أخيها.
والثاني: تجب النفقة على ابن البنت؛ لأنه أقوى على النفقة بالذكورية.
والثالث: تجب النفقة عليهما بالسوية؛ لأنهما متساويان في الدرجة وعدم التعصيب.

وإن كان له أم وبنت موسرتان.. كانت النفقة على البنت.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (يكون على الأم ربع النفقة، والباقي على البنت).
دليلنا: أن البنت قد تكون عصبة مع أخيها، بخلاف الأم.

فرع النفقة على القريب الموسر

]: وإن كان له قريبان موسران، أحدهما أبعد من الآخر، فحضر الأبعد، وغاب الأقرب.. قال المسعودي [في " الإبانة "]: وجب على الحاضر أن ينفق، فإذا حضر الأقرب.. فهل يرجع عليه بما أنفق؟ فيه وجهان، الأصح: أن له أن يرجع عليه بما أنفق، وهذا إذا لم يوجد للغائب مال ينفق عليه منه، فإن كان له مال حاضر.. أنفق عليه منه، وإن لم يكن له مال وأمكن أن يقترض الحاكم عليه من بيت المال أو من إنسان.. اقترض عليه، ووجب عليه القضاء إذا حضر، وإن لم يمكن ذلك.. كان على الحاضر أن ينفق.
فإن بان أن الغائب كان معسراً أو ميتاً وقت النفقة.. لم يرجع عليه بشيء، بل تكون نفقته على الحاضر.
وهكذا: إذا كان له ابنان موسران، فحضر أحدهما وغاب الآخر.. كان على الحاضر نصف النفقة، فإن كان للغائب مال.. أنفق منه نصف النفقة، وإن لم يكن له مال، وأمكن أن يقترض عليه من بيت المال أو من إنسان من الرعية.. اقترض عليه الحاكم، فإن لم يمكن ذلك.. قال ابن الصباغ: لزم الحاضر أن يقترض؛ لأن نفقته عليه إذا انفرد.

مسألة النفقة على القريب المعسر

وإن كان من تجب عليه النفقة له قريبان معسران، فإن فضل عن قوت يومه وليلته ما يكفيهما.. لزمه أن ينفق عليهما، وإن لم يفضل عن قوته من نفقته إلا ما يكفي أحدهما،

بأن كان له أبوان معسران، ولا يجد إلا نفقة أحدهما.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تقدم الأم؛ لما روي: «أن رجلاً قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يا رسول الله، من أبر؟ قال: " أمك "، قال: ثم من؟ قال: " أمك " إلى أن قال في الرابعة: " ثم أباك»، ولأن الأم عورة ليس لها بطش، والأب ليس بعورة، فكان تقديم الأم أولى.
والثاني: أن الأب يقدم؛ لأنهما متساويان في الولادة، وانفرد الأب بالتعصيب، فكان أولى، كما لو تقدم بدرجة؛ لأنهما لو كانا موسرين وهو معسر.. لكانت نفقته على الأب، فوجب أن يقدم الأب في تقديم نفقته، كما يقدم في وجوب نفقة الابن عليه.
والثالث: أنهما سواء، فيقسط ذلك بينهما؛ لاستوائهما في الولادة والإدلاء.

فرع النفقة على الأب والابن المعسرين

وإن كان له أب وابن معسران، ولا يقدر إلا على نفقة أحدهما.. فاختلف أصحابنا.
فقال الشيخ أبو حامد: إن كان الابن طفلاً.. فهو أولى بالتقديم؛ لأنه ناقص الخلقة والأحكام، والأب إما أن يكون زمناً أو مجنوناً، فيكون ناقص الخلقة أو ناقص الأحكام دون الخلقة.
وإن تساويا، بأن يكون الابن بالغاً زمناً فيكون ناقص الخلقة دون الأحكام، أو مراهقاً صحيحاً فيكون ناقص الخلقة، والأب زمن أو مجنون.. ففيه وجهان:

أحدهما: أن الابن أحق بالتقديم؛ لأن وجوب نفقة الابن ثبتت بنص الكتاب، ووجوب نفقة الأب على الابن مجتهد فيها.
والثاني: يقدم الأب؛ لأن حرمته آكد من حرمة الابن، بدليل: أن الأب لا يقاد من ابنه، والابن يقاد بالأب.
وقال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان من غير تفصيل: أحدهما: الابن أولى.
والثاني: الأب أولى.
وقال القاضي أبو الطيب: فيه ثلاثة أوجه من غير تفصيل: أحدها: الابن أولى.
والثاني: الأب أولى.
والثالث: هما سواء، فيقسم ذلك بينهما؛ لاستوائهما في الدرجة.

فرع نفقة الأب والجد المعسرين

]: وإن كان له أب وجد معسران، ولا يقدر إلا على نفقة أحدهما.. ففيه وجهان: أحدهما: يقدم الأب؛ لأنه أقرب، ولأنه يقدم في وجوب النفقة عليه، فقدم في وجوب النفقة له.
والثاني: أنهما سواء، فيقسم بينهما؛ لأن الأب لا يمنع وجوب نفقة الجد، بدليل: أنه لو قدر على نفقتهما.. لوجب عليه نفقتهما، فإذا لم يمنع الأب وجوب نفقة الجد وضاق ما في يده عنهما.. قسم بينهما، كالدينين.
وهكذا: إذا اجتمع ابن وابن ابن، أو أم وأم أم، ولم يقدر إلا على نفقة أحدهما.. فعلى الوجهين.

مسألة النفقة على القريب غير مقدرة

إذا وجبت عليه نفقة القريب.. فإنها تجب غير مقدرة، بل يجب له ما يكفيه؛ لأنها تجب للحاجة، فتقدرت بالكفاية.
وإن احتاج القريب إلى من يخدمه.. وجبت عليه نفقة خادمه، وإن كانت له زوجة.. وجبت عليه نفقتها؛ لأن ذلك من تمام الكفاية.
وتجب عليه الكسوة؛ لأن كل من وجبت عليه نفقة شخص.. وجبت عليه كسوته، كالزوجة.
وإن احتاج إلى مسكن.. وجب عليه سكناه؛ لأن عليه كفايته، وذلك من كفايته.
وإن مضت مدة ولم ينفق فيها على قريبه.. سقطت بمضي الزمان؛ لأنها تجب للحاجة، وقد زالت الحاجة.

فرع هروب الزوج والقريب من النفقة يجعل أمرها في يد الحكام

]: وإن وجبت عليه نفقة زوجته أو قريبه، فامتنع من إخراجها أو هرب.. فإن الحاكم ينظر في ماله: فإن كان فيه من جنس النفقة.. دفع إليه النفقة منه.
وإن كان من غير جنس النفقة، فإن كان مما يحول، كالدراهم، والدنانير.. اشترى الحاكم منها الطعام والأدم، وصرفه إلى من وجبت له نفقته.
وإن وجد له متاعاً.. باعه عليه، واشترى بثمنه ما يجب عليه من ذلك.
وإن لم يجد له إلا العقار.. باعه عليه.
وقال أبو حنيفة: (لا يباع عليه المتاع والعقار إلا في موضع واحد، وهو: إذا جاء رجل إلى الحاكم، وقال: إن لفلان الغائب عندي سلعة أو عقاراً، وهذه زوجته لم ينفق عليها.. فإن الحاكم يبيع عليه السلعة والعقار، وينفق على زوجته من ثمن ذلك).

دليلنا: أن ما جاز بيع الناض فيه بغير إذن من عليه الحق.. جاز بيع المتاع والعقار فيه بغير إذنه، كنفقة الزوجة.

مسألة إعفاف من تجب له النفقة

إذا وجبت على الولد نفقة الأب أو الجد من قبل الأب أو من قبل الأم، واحتاج الأب أو الجد إلى الإعفاف بزوجة أو جارية.. وجب على الولد أن يعفه بذلك إذا قدر على ذلك.
قال ابن خيران: وفيها قول آخر: أنه لا يجب عليه ذلك.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه قريب، فلم يستحق الإعفاف، كالابن.
والأول أصح؛ لأنه معنى يحتاج إليه ويستضر بفقده، فلزمه، كالنفقة، والكسوة، ويخالف الابن، فإن الأب آكد حرمة منه، فوجب له ما لا يجب له.
وإن كان الوالد معسراً صحيحاً غير مكتسب، فإن قلنا: تجب نفقته على الولد.. وجب عليه إعفافه، وإن قلنا: لا تجب نفقته عليه.. ففي إعفافه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه إعفافه؛ لأنه لا تجب عليه نفقته، فلم يجب عليه إعفافه، كالموسر.
والثاني: يجب عليه إعفافه؛ لأن نفقته يمكن إيجابها في بيت المال، بخلاف الإعفاف.
وإذا وجب على الولد الإعفاف.. فهو بالخيار: بين أن يملكه جارية يحل له وطؤها، أو يدفع له مالاً يشتري به جارية، أو يشتريها له بإذنه، أو يدفع إليه مالاً ليتزوج به، أو يتزوج له بإذنه.

جارٍ التحميل