كتاب النفقات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
باب نفقة الزوجات
كتاب النفقات
باب نفقة الزوجات الأصل في وجوب نفقة الزوجات: من الكتاب: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233]. و (المولود له): هو الزوج.
وإنما نص على وجوب نفقة الزوجة حال الولادة؛ ليدل على: أن النفقة تجب لها حال اشتغالها عن الاستمتاع بالنفاس؛ لئلا يتوهم متوهم أنها لا تجب لها.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] [النساء: 3].
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (معناه: أن لا يكثر عيالكم ومن تمونونه).
وقيل: إن أكثر السلف قالوا: معنى (ألا تعولوا) أي: أن لا تجوروا، يقال: عال يعول: إذا جار، وأعال يعيل: إذا كثر عياله، إلا زيد بن أسلم، فإنه قال: معناه: أن لا يكثر عيالكم.
وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يشهد لذلك، حيث قال: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول».
ويدل على وجوب نفقة الزوجات: قَوْله تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34] [النساء: 34]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7] [الطلاق: 7]، ومعنى قوله: ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الطلاق: 7] أي: ضيق عليه.
ومن السنة: ما روى حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: «قلت: يا رسول الله، ما حق الزوجة؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت»
وروى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب الناس، فقال: «اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».
وروى أبو هريرة: «أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: " أنفقه على نفسك "، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على ولدك "، فقال: عندي آخر، فقال: " أنفقه على أهلك "، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على خادمك "، قال: عندي آخر، قال: أنت أعلم به» والمراد بالأهل هاهنا: هي الزوجة، بدليل: ما روى أبو سعيد المقبري: أن أبا هريرة كان إذا روى هذا الحديث.. يقول: (ولدك يقول: أنفق علي، إلى من تكلني؟ وزوجتك تقول: أنفق علي أو طلقني، وخادمك يقول: أنفق علي، وإلا بعني).
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن هند امرأة أبي سفيان جاءت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني وولدي إلا ما آخذه منه سرًا ولا يعلم، فهل علي في ذلك شيء؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» قال أصحابنا: وفي هذا الخبر فوائد:
إحداهن: وجوب نفقة الزوجة.
الثانية: وجوب نفقة الولد.
الثالثة: أن نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الولد؛ لأنه قدم نفقتها على نفقة الولد.
الرابعة: أن نفقة الولد على الكفاية.
الخامسة: أن للزوجة أن تخرج من بيتها لحاجة لا بد لها منها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينكر عليها الخروج.
السادسة: أن للمرأة أن تستفتي العلماء.
السابعة: أن صوت المرأة ليس بعورة.
الثامنة: أن تأكيد الكلام جائز؛ لأنها قالت: إن أبا سفيان رجل.
التاسعة: أنه يجوز أن يذكر الإنسان بما فيه؛ لأنها قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، والشحيح من منع حقًا عليه.
العاشرة: أن الحكم على الغائب جائز؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حكم على أبي سفيان وهو غائب).
وهذا قول أكثر أصحابنا.
قال ابن الصباغ: والأشبه: أن هذا فتيا، وليس بحكم؛ لأنه لم ينقل: أن أبا سفيان كان غائبًا.
الحادية عشرة: أنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسألها البينة، وإنما حكم لها بعلمه.
الثانية عشرة: أن من كان له حق على غيره، فمنعه.. جاز له أخذه من ماله.
الثالثة عشرة: أن له أخذه من ماله وإن كان من غير جنس حقه؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يفصل).
الرابعة عشرة: أنه إذا أخذه وكان من غير جنس حقه.. فله بيعه بنفسه.
الخامسة عشرة: أنها تستحق الخادم على الزوج إذا كانت ممن تخدم؛ لأنه روي: أنها قالت: (إلا ما يدخل علي).
السادسة عشرة: أن للمرأة أن تقبض نفقة ولدها، وتتولى إنفاقها على ولدها، ولأن الزوجة محبوسة على الزوج، وله منعها من التصرف، فكانت نفقتها واجبة عليه، كنفقة العبد على سيده.
مسألة الاقتصار على زوجة
قال الشافعي: (وأحب له أن يقتصر على واحدة وإن أبيح له أكثر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] [النساء: 3].
فاعترض ابن داود على الشافعي، وقال: لِمَ قال الاقتصار على واحدة أفضل،
وقد كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جمع بين زوجات كثيرة، ولا يفعل إلا الأفضل، ولأنه قال: «تناكحوا تكثروا» ؟ فالجواب: أن غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما كان الأفضل في حقه الاقتصار على واحدة؛ خوفًا منه أن لا يعدل، فأما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فإنه كان يؤمن ذلك في حقه.
وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تناكحوا تكثروا» فإنما ندب إلى النكاح لا إلى العدد.
مسألة وجوب النفقة في أحوال كل من الزوجين
إذا تقرر وجوب نفقة الزوجة.. فلا يخلو حال الزوجين من أربعة أقسام: إما أن يكونا بالغين، أو يكون الزوج بالغًا والزوجة صغيرة، أو تكون الزوجة بالغة والزوج صغيرًا، أو يكونا صغيرين.
فإن كانا بالغين، وسلمت الزوجة نفسها إلى الزوج تسليمًا تامًا، بأن تقول: سلمت نفسي إليك، فإن اخترت أن تصير إلي وتستمتع فذلك إليك، وإن اخترت جئت إليك حيث شئت فعلت.. وجبت نفقتها؛ لأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع، فإذا وجد ذلك منها.. فقد وجد منها التمكين منه، فوجب ما في مقابلته، كالبائع إذا سلم المبيع.. وجب على المشتري تسليم الثمن.
فإن سلمت المرأة نفسها إلى الزوج وكان حاضرًا، فلم يتسلمها حتى مضت على ذلك مدة.. وجبت عليه نفقتها في تلك المدة.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب نفقة المدة الماضية، إلا أن يحكم لها الحاكم بها).
دليلنا: عموم الآيات والأخبار التي ذكرناها في وجوب نفقة الزوجة، ولم يشترط حكم الحاكم.
ولأنه مال يجب للزوجة بدل فيه بالزوجية، فلم يفتقر استقراره إلى حكم الحاكم، كالمهر.
وإن سلمت نفسها إلى الزوج تسليمًا غير تام، بأن قالت: سلمت نفسي في هذا البيت دون غيره، أو في هذه القرية دون غيرها.. لم تجب لها نفقة؛ لأنه لم يوجد
التسليم التام، فهو كما لو قال بائع العبد: أسلمه في هذا الموضع دون غيره، أو في هذه القرية دون غيرها.
فإن عقد النكاح ولم تسلم المرأة نفسها، ولا طالب الزوج بها، وسكتا على ذلك حتى مضت على ذلك سنة أو أكثر.. لم تجب لها النفقة؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج عائشة وهي ابنة سبع، ودخل بها وهي ابنة تسع».
ولم ينقل عنه: أنه أنفق عليها إلا من حين دخل بها.
وإن عرض الولي الزوجة على الزوج بغير إذنها وهي بالغة عاقلة، فلم يتسلمها الزوج، ومضى على ذلك مدة.. لم يجب على الزوج النفقة؛ لأنه لا ولاية له عليها في المال.
وإن غاب الزوج عن بلد الزوجة.. نظرت:
فإن غاب عنها بعد أن سلمت نفسها إليه تسليمًا تامًا، وامتنع من تسلمها.. فقد وجبت نفقتها بتسليمها نفسها، ولا يسقط ذلك بغيبته.
وإن غاب عنها قبل أن تسلم نفسها إليه، وأرادت تسليم نفسها إليه.. فإنها إذا أتت حاكم بلدها، فقالت: أنا أسلم نفسي إليه، وأخلي بيني وبينه.. فإن حاكم بلدها يكتب إلى حاكم البلد الذي فيه الزوج، ويعرفه ذلك، فإذا وصل الكتاب إلى المكتوب إليه.. استدعى الزوج، وعرفه ذلك، فإن سار إليها وتسلمها، أو وكل من يتسلمها فتسلمها الوكيل.. وجبت عليه نفقتها من حين تسلمها هو أو وكيله.
وإن أمكنه السير، فلم يسر ولا وكيله.. فإنه إذا مضت عليه مدة لو أراد المسير إليها أمكنه ذلك.. فإن الحاكم يفرض لها النفقة من حين مضي مدة السفر إليها؛ لأنه قد كان يمكنه التسليم، فلم يفعل، فإذا لم يفعل.. صار ممتنعًا من تسلمها، فوجبت عليه النفقة.
وإن لم يمكنه المسير لعدم الرفقة أو لخوف الطريق.. لم تجب عليه النفقة حتى يمكنه المسير؛ لأنه غير ممتنع من تسلمها.
وإن كان الزوج بالغًا والزوجة صغيرة.. نظرت:
فإن كانت مراهقة.. نظرت:
فإن كانت تصلح للاستمتاع.. فإن الذي يجب عليه تسليمها وليها، فإن سلمها الولي تسليمًا تامًا.. وجب على الزوج نفقتها، وإن لم يكن لها ولي، أو كان غائبًا أو امتنع من تسليمها، أو سكت عن تسليمها، فسلمت نفسها إلى الزوج.. وجبت النفقة على الزوج؛ لأن التسليم قد حصل، وإن كان ممن لا يصح تسليمه؛ كما لو اشترى سلعة بثمن وسلم الثمن وقبضها المشتري بغير إذن البائع، أو أقبضه إياها غلام البائع.. فإن القبض يصح.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن لا تجب النفقة إلا بعد أن يتسلمها، ولا تجب ببذلها؛ لأن بذلها لا حكم له.
وإن كانت صغيرة لا يتأتى جماعها.. ففيه قولان:
أحدهما: تجب لها النفقة؛ لأن تعذر وطئها عليه ليس بفعلها، فلم تسقط بذلك نفقتها، كما لو مرضت.
والثاني: لا تجب لها النفقة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، واختاره المزني، وهو الصحيح؛ لأن الاستمتاع متعذر عليه، فلم تجب عليه النفقة، كما لو نشزت.
وإن كان الزوج طفلًا صغيرًا والزوجة كبيرة.. ففيه قولان:
أحدهما: لا تجب لها النفقة؛ لأن النفقة إنما تجب بالتمكين والتسليم، وإنما يصح ذلك إذا كان هناك متمكن ومتسلم، والصبي ليس بمتمكن ولا متسلم، فلم تجب لها النفقة، كما لو كان غائبًا.
والثاني: تجب لها النفقة إذا سلمت نفسها، وهو الأصح؛ لأن التمكين والتسليم
التام قد وجد منها، وإنما تعذر من جهته، فوجبت نفقتها، كما لو سلمت نفسها إلى الزوج البالغ، ثم هرب.
وأما إذا كانا صغيرين، فسلمها الولي.. فهل تجب لها النفقة؟ فيه قولان، ووجههما ما ذكرناه في التي قبلها، إلا أن الأصح هاهنا: أن لا تجب لها النفقة؛ لأن الاستمتاع متعذر من جهتها.
فرع المرض ونحوه لا يسقط النفقة بعد التسليم
إذا تسلم الزوج زوجته وهي مريضة، أو تسلمها وهي صحيحة فمرضت عنده، أو تسلمها وهي رتقاء أو قرناء، أو أصابها ذلك بعد أن تسلمها، أو أصاب الزوج مرض أو جنون أو حسيم.. وجبت عليه نفقتها؛ لأن الاستمتاع بها ممكن مع ذلك.
فرع وجوب الضرر يمنع الجماع
]: قال الشافعي: (وإن كان في جماعها شدة ضرر.. منع من جماعها، وأخذ بنفقتها).
وجملة ذلك: أن الرجل إذا كان عظيم الخلق، والزوجة نضوة الخلق، وعليها في جماعه ضرر يخاف منه الإفضاء أو المشقة الشديدة، أو كان بفرجها جرح يضر
بها وطؤه، فإن وافقها الزوج على الضرر الذي يلحقها بوطئه.. لم يجز له وطؤها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] [النساء: 19].
ومن المعروف: أن يمنع من وطئها.
فإن اختار طلاقها، فطلقها.. فلا كلام، وإن لم يختر طلاقها.. وجبت عليه نفقتها؛ لأنها محبوسة عليه، ويمكنه الاستمتاع بها بغير الوطء.
وإن لم يصدقها الزوج، بل ادعى: أنه يمكنه جماعها، فإن ادعت تعذر الوطء لعظم خلقه.. أمر الحاكم نساء ثقات يشاهدن ذلك بينهما بحال الجماع من غير حائل، فإن قلن: إنه يلحقها مشقة شديدة، أو يخاف عليها من ذلك.. منع من وطئها، وإن قلن: إنه لا يلحقها مشقة شديدة، ولا يخاف عليها منه.. أمرت بتمكينه من الوطء.
وإن ادعت تعذر الوطء بجراح في فرجها.. أمر الحاكم نساء ثقات ينظرن إلى فرجها؛ لأن هذا موضع ضرورة، فجوز النظر إلى العورة لذلك.
واختلف أصحابنا في عدد النساء اللاتي ينظرن إليها حال الجماع، أو ينظرن إلى الجرح في فرجها:
فقال أبو إسحاق: تكفي واحدة؛ لأن طريق ذلك الإخبار، والمشقة تلحق بنظر الجماعة منهن، فجاز الاقتصار على واحدة.
ومن أصحابنا من قال: لا يكفي أقل من أربع نسوة في ذلك؛ لأن هذه شهادة ينفرد بها النساء، فلم يقبل فيه أقل من أربع نسوة، كسائر الشهادات.
فرع التمكين في النكاح الفاسد لا يوجب النفقة
وإن سلمت المرأة نفسها إلى الزوج، ومكنته من الاستمتاع بها في نكاح فاسد.. لم تجب لها النفقة؛ لأن التمكين لا يصح مع فساد النكاح، فلم تستحق ما في مقابلته، كما لا يستحق البائع الثمن في البيع الفاسد.
مسألة تسقط النفقة بالنشوز
فإن انتقلت الزوجة من منزل الزوج الذي أسكنها فيه إلى منزل غيره بغير إذنه، أو خرجت من البلد بغير إذنه.. فهي ناشزة، وتسقط بذلك نفقتها، وبه قال كافة أهل العلم، إلا الحكم بن عتيبة؛ فإنه قال: لا تسقط نفقتها بذلك.
دليلنا: أن النفقة تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، وقد سقط التمكين من الاستمتاع، فسقطت نفقتها، كما لو لم تسلم نفسها.
وإن سافرت المرأة بغير إذن زوجها.. سقطت نفقتها؛ لأنها قد منعت استمتاعه بالسفر، وإن سافرت بإذنه.. نظرت:
فإن سافر الزوج معها.. لم تسقط نفقتها؛ لأنها في قبضته وطاعته.
وإن سافرت وحدها، فإن كانت في حاجة الزوج.. وجبت عليه نفقتها؛ لأنها سافرت في شغله ومراده، وإن سافرت لحاجة نفسها.. فقد قال الشافعي في (النفقات): (لها النفقة).
وقال في (النكاح): (لا نفقة لها).
واختلف أصحابنا فيها:
فقال أبو إسحاق: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
فحيث قال: (لها النفقة) أراد: إذا كان الزوج معها.
وحيث قال: (لا نفقة لها) أراد: إذا لم يكن الزوج معها.
ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا نفقة لها، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد؛ لأنها غير ممكنة من نفسها، فلم تجب لها النفقة، كما لو سافرت بغير إذنه.
والثاني: تجب لها النفقة؛ لأنها سافرت بإذنه، فلم تسقط نفقتها، كما لو سافرت في حاجته.
فرع إحرامها بغير إذن يسقط النفقة
وإن أحرمت بالحج أو العمرة بغير إذنه.. سقطت نفقتها؛ لأنه إن كان تطوعًا.. فقد منعت حق الزوج الواجب بالتطوع، وإن كان واجبًا عليها.. فقد منعت حق الزوج وهو على الفور بما هو على التراخي.
وإن أحرمت بإذنه، وخرج الزوج معها.. لم تسقط نفقتها؛ لأنها في قبضته، وإن أحرمت بإذنه، وخرجت وحدها.. ففيه طريقان، مضى ذكرهما في (السفر).
وإن اعتكفت.. فلا يصح عندنا إلا في المسجد، فإن كان بغير إذن الزوج.. سقطت نفقتها؛ لأنها ناشزة بالخروج إلى المسجد بغير إذنه، وإن كان بإذن الزوج، فإن كان الزوج معها في المسجد.. لم تسقط نفقتها؛ لأنها في قبضته وطاعته، وإن لم يكن الزوج معها في المسجد.. فعلى الطريقين في (السفر):
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: لا نفقة لها، قولًا واحدًا.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: فيه قولان.
مسألة صومها بغير إذن الزوج
وإن صامت المرأة بغير إذن الزوج.. نظرت: فإن كان تطوعًا.. فللزوج منعها منه، وله إجبارها على الفطر بالأكل والجماع؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تصومن المرأة التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه»
فإن امتنعت من الوطء ولكنها لم تفارق المنزل.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو علي بن أبي هريرة: هي ناشزة، فتسقط نفقتها؛ لأنها ممتنعة عليه، ولا فرق بين أن تمتنع عليه بالفراش، أو بمفارقة المنزل.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: لا تسقط نفقتها؛ لأنها لم تفارق المنزل، فهي غير ناشزة.
هذا نقل الشيخ أبي حامد.
ومن أصحابنا من قال: إذا منعته الوطء.. سقطت نفقتها، وجهًا واحدًا، وإنما الوجهان إذا صامت ولم تمنعه الوطء.
وإن كان الصوم واجبًا.. نظرت:
فإن كان صوم رمضان.. فليس له منعها منه، ولا تسقط نفقتها به؛ لأنه مستحق بالشرع.
وإن كان قضاء رمضان، فإن لم يضق وقت قضائه.. فله منعها منه، وإن دخلت فيه بغير إذنه، كان كما لو دخلت في صوم التطوع بغير إذنه.
وإن ضاق وقت قضائه، بأن لم يبق من شعبان إلا قدر أيام القضاء.. لم يكن له منعها منه، وإن دخلت فيه بغير إذنه.. لم تسقط نفقتها منه بذلك؛ لأنه لا يجوز لها تأخيره إلى دخول رمضان، فصار مستحقًا للصوم، كأيام رمضان.
وإن كان الصوم عن كفارة.. كان للزوج أن يمنعها منه؛ لأنه على التراخي، وحق الزوج على الفور.
وإن كان الصوم نذرًا، فإن كان في الذمة.. كان له منعها منه؛ لأنه على التراخي، وحق الزوج على الفور، وإن كان متعلقًا بزمان بعينه، فإن كان نذرته بإذن الزوج.. لم يكن له منعها منه؛ لأن زمانه قد استحق عليها صومه بإذن الزوج، وإن دخلت فيه بغير
إذنه.. لم تسقط بذلك نفقتها.
وإن نذرته بغير إذن الزوج بعد النكاح.. كان للزوج منعها من الدخول فيه؛ لأنها فرطت بإيجابه على نفسها بغير إذنه.
وإن نذرت الصوم في زمان بعينه قبل عقد النكاح.. لم يكن للزوج منعها من الدخول فيه، فإن دخلت فيه بغير إذنه.. لم تسقط بذلك نفقتها؛ لأن زمانه قد استحق صومه قبل عقد النكاح.
وكل موضع قلنا: للزوج منعها من الدخول فيه إذا دخلت فيه بغير إذن الزوج.. فهل تسقط نفقتها بذلك؟ فيه وجهان، كما قلنا في صوم التطوع.
فرع منعت نفسها لقضاء الصلوات
وإن منعت نفسها بالصلوات الخمس في أوقاتها.. لم تسقط نفقتها بذلك؛ لأن وقتها مستحق للصلاة، وليس للزوج منعها من الدخول فيها في أول الوقت؛ لأنها قد وجبت في أول وقتها، ولأنه يفوت عليها فضيلة أول الوقت.
وأما قضاء الفائتة: فإن قلنا: إنها تجب على الفور.. لم يكن للزوج منعها منها.
وإن قلنا: إنها لا تجب على الفور.. كان للزوج منعها من الدخول فيها.
وأما الصلاة المنذورة: فهي كالصوم المنذور، على ما مضى.
وأما صلاة التطوع: فإن كانت غير راتبة.. كان للزوج منعها منها؛ لأن حق الزوج واجب، فلا تسقطه بما لا يجب عليها، فإن دخلت فيها بغير إذن الزوج.. احتمل أن يكون في سقوط نفقتها في ذلك وجهان، كما قلنا في صوم التطوع، وإن كانت سنة راتبة.. فقال الشيخ أبو إسحاق: لا تسقط نفقتها بها، كما قلنا في الصلوات الخمس.
مسألة نفقة الزوج الكافر على زوجته المسلمة في عدتها
إذا أسلمت الزوجة، والزوج كافر، فإن كان قبل الدخول.. فلا نفقة لها؛ لأن الفرقة وقعت بينهما، وإن كان بعد الدخول.. فإن النكاح موقوف على إسلام الزوج في عدتها، ولها النفقة عليه مدة عدتها؛ لأنه تعذر الاستمتاع بمعنى من جهة الزوج، وهو
امتناعه من الإسلام، ويمكنه تلافي ذلك، فلم تسقط نفقتها، كما لو غاب عن زوجته.
وحكي عن ابن خيران قول آخر: أن نفقتها تسقط؛ لأن الاستمتاع سقط بمعنى من جهتها، فسقطت به نفقتها، كما لو أحرمت بالحج بغير إذن الزوج والمشهور: هو الأول؛ لأن الحج فرض موسع الوقت، والإسلام فرض مضيق الوقت.. فلم تسقط به نفقتها، كصوم رمضان.
وإن انقضت عدتها قبل أن يسلم الزوج.. بانت، وسقطت نفقتها.
فرع نفقة الزوجة الوثنية من زوجها المسلم
وإن أسلم الزوج والزوجة وثنية أو مجوسية، فإن كان قبل الدخول.. وقعت الفرقة بينهما، ولا نفقة لها، وإن كان بعد الدخول.. وقف النكاح على إسلامها قبل انقضاء عدتها، ولا نفقة لها مدة عدتها ما لم تسلم؛ لأنها منعت الاستمتاع بمعصية؛ وهو إقامتها على الكفر فهي كالناشزة، فإن انقضت عدتها قبل أن تسلم.. فقد بانت باختلاف الدين، ولا نفقة لها، وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها.. وجبت لها النفقة من حين أسلمت؛ لأنهما قد اجتمعا على الزوجية، وهل تجب لها النفقة لما مضى من عدتها في الكفر؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (تجب لها النفقة؛ لأن إسلام الزوج شعث النكاح).
فإذا أسلمت قبل انقضاء عدتها.. زال ذلك التشعث، وصار كما لو لم يتشعث.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يجب لها النفقة لما مضى من عدتها).
وهو الأصح؛ لأن إقامتها على الكفر كنشوزها، ومعلوم أنها لو نشزت وأقامت مدة في النشوز، ثم عادت إلى طاعته.. لم تجب نفقتها مدة إقامتها في النشوز، فكذلك هذا مثله.
فرع ردة أحد الزوجين
وإن كان الزوجان مسلمين، فارتد الزوج بعد الدخول.. وجبت عليه نفقتها مدة عدتها؛ لأن امتناع الاستمتاع بمعنى من جهة الزوج، فلم تسقط نفقتها بذلك، كما لو غاب.
وإن ارتدت الزوجة بعد الدخول.. فأمر النكاح موقوف على إسلامها قبل انقضاء عدتها، ولا تجب لها النفقة مدة عدتها؛ لأنها منعت الاستمتاع بمعصية من جهتها، فهو كما لو نشزت، فإن انقضت عدتها قبل أن تسلم.. فلا كلام، وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها.. وجبت نفقتها من حين أسلمت؛ لأنهما قد اجتمعا على الزوجية، وهل تجب لها النفقة لما مضى من عدتها قبل الإسلام؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما قلنا في المشركة إذا تخلفت عن الإسلام، ثم أسلمت قبل انقضاء عدتها.
ومنهم من قال: لا تجب لها النفقة، قولًا واحدًا؛ لأن في التي قبلها دخلا على الكفر، وإنما الزوج شعث النكاح بإسلامه، وهاهنا دخلا على الإسلام، وإنما شعثت هي النكاح بردتها فقط، فغلظ عليها.
وإن ارتدت الزوجة والزوج غائب، أو غاب بعد ردتها، فرجعت إلى الإسلام والزوج غائب.. وجبت لها النفقة من حين رجعت إلى الإسلام.
وكذلك: لو أسلم الزوج، والزوجة وثنية أو مجوسية، وتخلفت في الشرك، وكان الزوج غائبًا، فأسلمت قبل انقضاء عدتها.. وجبت لها النفقة من حين أسلمت.
ولو نشزت الزوجة من منزلها والزوج غائب، أو غائب بعد نشوزها، فعادت إلى منزلها.. لم تجب نفقتها حتى يكون الزوج حاضرًا فيتسلمها، أو تجيء إلى الحاكم وتقول: أنا أعود إلى طاعته، ثم يكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الزوج، فيستدعيه المكتوب إليه ويقول: إما أن تسير إليها تتسلمها أو توكل من يتسلمها؛ فإن لم يسر، ولم يوكل من يتسلمها، فإن كان ذلك مع قدرته على ذلك، ومضى زمان يمكنه الوصول إليها.. وجبت نفقتها من حينئذ.
والفرق بينهما: أن نفقتها سقطت عنه بالنشوز؛ لخروجها عن قبضته، فلا ترجع نفقتها إلا برجوعها إلى قبضته، وذلك لا يحصل إلا بتسلمه لها، أو بتمكينه من ذلك، وليس كذلك المرتدة والمشركة، فإن نفقتها إنما سقطت بالردة أو بالإقامة على الشرك، فإذا أسلمت.. زال المعنى الذي أوجب سقوطها، فزال سقوطها.
فرع دفع نفقة وثنية ثم أسلم
وإن دفع الوثني إلى امرأته الوثنية، أو المجوسي إلى امرأته المجوسية نفقة شهر بعد الدخول، ثم أسلم الزوج ولم تسلم هي حتى انقضت عدتها، وأراد الرجوع بما دفع إليها من النفقة.. نظرت:
فإن دفعه إليها مطلقًا.. قال الشافعي: (لم يرجع عليها بشيء؛ لأن الظاهر أنه تطوع بدفعها إليها).
وإن قال: هذه نفقة مدة مستقبلة.. كان له الرجوع فيها؛ لأنه بان أنها لا تستحق عليه نفقة.
وقال ابن الصباغ: وهذا يقتضي أن الهبة لا تفتقر إلى لفظ الإيجاب والقبول؛ لأنه جعله تطوعًا مع الإطلاق.
قال: فإن قيل: يحتمل أن يريد أنه أباحه.. فليس بصحيح؛ لأنه لو كان أباحه لشرط أن تكون قد أتلفته حتى يسقط حقه منها.
مسألة زمن استمتاع زوج الأمة ونفقتها فيه
وإذا زوج الرجل أمته.. فليس عليه أن يرسلها مع زوجها ليلًا ونهارًا، وإنما يجب عليه أن يرسلها معه بالليل دون النهار؛ لأن السيد يملك على أمته الاستخدام والاستمتاع، بدليل: أنه يجوز له العقد على كل واحد منهما.
فإذا عقد على أحدهما.. بقي الآخر على ملكه، كما لو أجرها، فإن له أن يستمتع بها في غير وقت الخدمة.
فإن قيل: فما الفرق بينها وبين الحرة، حيث قلنا: لا يجوز أن تعقد الإجارة على نفسها بعد النكاح وإن كان عقد النكاح عليها إنما وقع على الاستمتاع دون الاستخدام؟
قلنا: الفرق بينهما: أن الحرة لا يملك عليها أحد الاستخدام قبل النكاح، فإذا عقد عليها النكاح.. ملك الزوج عليها الاستمتاع المطلق في كل وقت، بخلاف الأمة.
فإن اختار السيد إرسالها لزوجها ليلًا ونهارًا.. وجب على الزوج جميع نفقتها؛ لأنه قد حصل له الاستمتاع التام.
وتعتبر نفقتها بحاله لا بحالها؛ فيجب عليه نفقة الموسر إن كان موسرًا، أو نفقة المعسر إن كان معسرًا.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وليس عليه أن يخدمها؛ لأن الأمة في العرف والعادة تخدم نفسها، فهي كالحرة التي تخدم نفسها).
قال الشيخ أبو حامد: إنما قال الشافعي هذا في العرف والعادة التي كانت في وقته، وأما اليوم: فإن الأمة تخدم؛ لأن الرجل إذا تسرى أمة.. أخدمها.
وإن سلمها السيد بالليل دون النهار.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: يجب عليه نصف نفقتها؛ لأنه لو سلمها إليه ليلًا ونهارًا.. لوجبت عليه جميع نفقتها، فإذا سلمها ليلًا دون النهار.. وجب عليه نصف النفقة.
و [الثاني]-[وهو] المذهب -: أنه لا يجب عليه شيء من نفقتها؛ لأنه لم يتسلمها تسليمًا تامًا، فهو كما لو سلمت الحرة نفسها بالليل دون النهار، أو في بيت دون بيت.
هذا نقل البغداديين.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجهًا ثالثًا: أنه يجب على الزوج جميع نفقتها.
ولا وجه له.
وبالله التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل.
مسألة باب قدر نفقة الزوجات
باب قدر نفقة الزوجات
نفقة الزوجة معتبرة بحال الزوج لا بحال الزوجة؛ فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس، وهي مقدرة غير معتبرة بكفايتها.
وقال مالك: (نفقتها تجب على قدر كفايتها وسعتها، فإن كانت ضعيفة الأكل.. فلها قدر ما تأكل، وإن كانت أكولة.. فلها ما يكفيها).
وقال أبو حنيفة: (إن كانت معسرة.. فلها في الشهر من أربعة دراهم إلى خمسة، وإن كانت موسرة.. فمن سبعة دراهم إلى ثمانية).
قال أصحابه: إنما قال هذا حيث كان الرخص في وقته، وأما في وقتنا: فيزداد على ذلك.
ويعتبرون كفايتها كقول مالك؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] [الطلاق: 7]، وأراد: أن الغني ينفق على حسب حاله، والفقير على حسب حاله.
ولقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233]، وأراد:
المعروف عند الناس، والعرف والعادة عند الناس: أن نفقة الغني والفقير تختلف.
ولأنا لو قلنا: إن نفقتها معتبرة بكفايتها.. لأدى ذلك إلى أن لا تنقطع الخصومة بينهما ولا يصل الحاكم إلى قدر كفايتها، فكانت مقدرة، كدية الجنين؛ قدرت لهذا المعنى.
وأما خبر هند: فهو حجة لنا؛ لأنه قال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
والمعروف عند الناس يختلف بيسار الزوج وإعساره.
ولم يقل: خذي ما يكفيك ويطلق، على أنا نحمله على أنه علم من حالها أن كفايتها لا تزيد على نفقة الموسر، وكان أبو سفيان موسرًا.
إذا ثبت هذا: فإن نفقتها معتبرة بحال الزوج، فإن كان الزوج موسرًا، وهو: الذي يقدر على النفقة بماله أو كسبه.. وجب لها كل يوم مدان، وإن كان معسرًا؛ وهو: الذي لا يقدر على النفقة بماله ولا كسبه.. وجب عليه كل يوم مد، وهو: رطل وثلث؛ لأن أكثر ما أوجب الله تعالى في الكفارات للواحد مدان وهو في كفارة الأذى، وأقل ما أوجب الله تعالى للواحد في الكفارة مد.. فقسنا نفقة الزوجات على الكفارة؛ لأن الله تعالى شبه الكفارة بنفقة الأهل في الجنس بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] [المائدة: 89].
فاعتبرنا الأكثر والأقل بالواجب للواحد في الكفارة.
وأما المتوسط: فإنه يجب عليه كل يوم مد ونصف مد؛ لأنه أعلى حالًا من المعسر، وأدنى حالًا من الموسر، فوجب عليه من نفقة كل واحد منهما نصفها.
فرع وجوب نفقة الزوجة على القن
وإن كان الزوج عبدًا، أو مكاتبًا، أو مدبرًا، أو معتقًا بصفة.. وجبت عليه نفقة زوجته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233]، وهذا مولود
له، ولا يجب عليه إلا نفقة المعسر؛ لأنه أسوأ حالًا من الحر المعسر.
وإن كان نصفه حرًا ونصفه مملوكًا وله زوجة، فإن كان معسرًا بنصفه الحر.. لم يجب عليه إلا نفقة المعسر؛ لأنه أسوأ حالًا من الحر المعسر؛ لأنهما استويا في الإعسار، وانفرد بنقص الرق، وإن كان موسرًا بنصفه الحر.. لم يجب عليه إلا نفقة المعسر.
وقال المزني: يجب عليه نصف نفقة المعسر؛ لما فيه من الرق، ونصف نفقة الموسر؛ لما فيه من الحرية، فيجب عليه مد ونصف.
والمذهب الأول؛ لأن أحكامه أحكام العبد في الطلاق وعدد المنكوحات، فكان حكمه حكم العبد في النفقة.
مسألة النفقة من قوت البلد
]: ويجب عليه أن يدفع إليها من غالب قوت البلد، فإن كان ببغداد أو بخراسان.. فمن البر، وإن كان بطبرستان.. فمن الأرز، وإن كان بالمدينة وما حواليها.. فمن التمر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233]، والمعروف عند الناس: غالب قوت البلد.
ولأنه طعام يجب على وجه الاتساع والكفاية، فوجب من غالب قوت البلد، كالكفارة.
ويجب أن يدفع إليها الحب، فإن دفع إليها الدقيق أو السويق أو الخبز.. قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: لم يجز.
وذكر صاحب " التهذيب ": أنه يجوز، وجهًا واحدًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] [المائدة: 89]، فجعل الكفارة فرعًا للنفقة ومحمولًا عليها، فلما كان في الكفارة الواجب هو الحب نفسه، ولا يجزئ الدقيق ولا السويق والخبز.. فكذلك النفقة.
وإن أعطاها قيمة الحب.. لم تجبر على قبولها؛ لأن الواجب لها هو الحب، فلا تجبر على أخذ قيمته، كما لو كان لها طعام قرض.
وإن سألته أن يعطيها قيمته.. لم يجبر الزوج على دفع القيمة؛ لأن الواجب عليه
هو الحب، فلا يجبر على دفع قيمته، فإن تراضيا على القيمة.. فهل يصح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه طعام وجب في الذمة بالشرع، فلم يصح أخذ العوض عنه، كالكفارة.
والثاني: يصح، وهو الصحيح؛ لأنه طعام وجب على وجه الرفق، فصح أخذ العوض عنه، كالقرض.
قال الصيمري، والمسعودي [في " الإبانة "]: وتلزمه مؤنة طحنه وخبزه حتى يكون مهيأ؛ لأنه هو العرف.
مسألة ما تستحقه الزوجة من أدم
قال الشافعي: (ومكيله من أدم بلادها زيتًا أو سمنًا).
وجملة ذلك: أنه يجب للزوجة الأدم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233]، ومن المعروف: أن المرأة لا تأكل خبزها إلا بأدم.
وروى عكرمة: أن امرأة سألت ابن عباس، وقالت له: ما الذي لي من مال زوجي؟ فقال: (الخبز والأدم، قالت: أفآخذ من دراهمه شيئًا؟ فقال: أتحبين أن يأخذ من حيلك فيتصدق به؟ قالت: لا، فقال: فكذلك لا تأخذي من دراهمه شيئًا بغير إذنه).
ويرجع في قدره وجنسه إلى العرف، فيجب في كل بلد من غالب أدمها.
قال أصحابنا: فإن كان بالشام.. فالأدم الزيت، وإن كان بالعراق.. فالشيرج، وإن كان بخراسان.. فالسمن.
وإنما أوجب الشافعي الأدهان من بين سائر الآدام؛ لأنها أصلح للأبدان، وأخف مؤنة؛ لأنه لا يحتاج في التأدم بها إلى طبخ.
ويرجع في قدره إلى العرف: فإن كان العرف أنه يؤتدم به على المد أوقية دهن.. وجب لامرأة الموسر كل يوم أوقيتا دهن، ولامرأة المعسر أوقية، ولامرأة المتوسط أوقية ونصف؛ لأنه ليس للأدم أصل يرجع إليه في تقديره، فرجع في تقديره إلى العرف، بخلاف النفقة.
وعندي: أنها إذا كانت في بلد غالب أدم أهلها اللبن، كأهل اليمن.. فإنه يجب أدمها من اللبن.
فرع من النفقة إطعام اللحم
قال الشافعي: (وقيل: وفي كل جمعة رطل لحم، وذلك العرف لمثلها).
وجملة ذلك: أنها إذا كانت في بلد يأتدم أهلها اللحم.. فإنه يجب عليه أن يدفع إليها في كل جمعة لحمًا؛ لأن العرف والعادة: أن الناس يطبخون اللحم في كل جمعة.
قال أصحابنا: وإنما فرض لها الشافعي في كل جمعة رطل لحم؛ لأنه كان بمصر، واللحم فيها يقل، فأما إذا كانت بموضع يكثر فيه اللحم: فإن الحاكم يفرض لها على ما يراه من رطلين أو أكثر، وهذا لامرأة المعسر، فأما امرأة الموسر: فيجب لها من ذلك ضعف ما يجب لامرأة المعسر.
مسألة من النفقة وسائل الزينة
ويجب لها ما تحتاج إليه من الدهن والمشط؛ لأن ذلك تحتاج إليه لزينة شعرها، فوجب عليه كنفقة بدنها، ولأن فيه تنظيفًا، فوجب عليه كما يجب على المكتري كنس الدار المستأجرة.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويجب عليه ما تحتاج إليه من السدر وأجرة الحمام إن كان عادتها دخول الحمام؛ لما ذكرناه في الدهن والمشط.
قال: وأما الخضاب: فإن لم يطلبه الزوج منها.. لم يلزمه، وإن طلبه منها.. لزمه ثمنه.
وأما الطيب: فإن كان يراد لقطع السهوكة.. لزمه؛ لأنه يراد للتنظيف، وإن كان يراد للتلذذ والاستمتاع.. لم يلزمه؛ لأن الاستمتاع حق له، فلا يلزمه.
ولا يلزمه أجرة الحجامة والفصاد، ولا ثمن الأدوية، ولا أجرة الطبيب إن احتاجت إليه؛ لأن ذلك يراد لحفظ بدنها لعارض، فلا يلزمه كما لا يلزم المستأجر إصلاح ما انهدم من الدار المستأجرة، وفيه احتراز من النفقة والكسوة؛ فإن ذلك يحتاج إليه لحفظ البدن على الدوام.
مسألة من النفقة الكسوة
قال الشافعي: (وفرض لها ما يكتسي مثلها في بلدها).
وجملة ذلك: أن كسوة الزوجة تجب على الزوج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233]، ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».
ولأن الكسوة يحتاج إليها لحفظ البدن على الدوام، فوجبت على الزوج، كالنفقة.
إذا ثبت هذا: فإن المرجع في عدد الكسوة وقدرها وجنسها إلى العرف والعادة؛ لأن الشرع ورد بإيجاب الكسوة غير مقدرة، وليس لها أصل ترد إليه، فرجع في عددها وقدرها إلى العرف والعادة، بخلاف النفقة، فإن في الشرع لها أصلًا، وهو الإطعام في الكفارة، فردت النفقة إليها.
فإن قيل: قد ورد الشرع بإيجاب الكسوة في الكفارة، فهلا ردت كسوة الزوجة إلى ذلك؟
فالجواب: أن الكسوة الواجبة في كفارة اليمين ما يقع عليها اسم الكسوة، وأجمعت الأمة على: أنه لا يجب للزوجة من الكسوة ما يقع عليه اسم الكسوة، فإذا منع الإجماع من قياس كسوتها على الكسوة في الكفارة.. فلم يبق هناك أصل ترد إليه، فرجع في ذلك إلى العرف.
وأما عدد الكسوة: فقال الشافعي: (فيجب للمرأة قميص، وسراويل، وخمار أو مقنعة).
قال أصحابنا: ويجب لها شيء تلبسه في رجليها من نعل أو شمشك.
وأما قدرها فإنه يقطع لها ما يكفيها على قدر طولها أو قصرها؛ لأن عليه كفايتها في الكسوة، ولا تحصل كفايتها إلا بقدرها.
وأما جنسها: فإن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (أجعل لامرأة الموسر من لين البصري والكوفي والبغدادي، ولامرأة المعسر من غليظ البصري والكوفي).
قال الشيخ أبو حامد: إنما فرض الشافعي هذه الكسوة على عادة أهل زمانه؛ لأن العرف في وقته على ما ذكر، فأما في وقتنا: فإن الأمر قد اتسع، والعرف والعادة: أن امرأة الموسر تلبس الحرير والخز والكتان، فيدفع إليها مما جرت عادة نساء بلدها بلبسه، وإن كان في الشتاء.. أضاف إلى ذلك جبة محشوة تدفأ بها.
وعندي: أنها إذا كانت في بلد يكتفي نساء بلدها بلبس الثوب الواحد، كالبلاد التي تلبس نساؤهم الأتاحم والثياب المصبغة.. وجبت كسوتها من ذلك، ويجب لها معه نطاق وخمار، ويجب لامرأة الموسر من مرتفع ذلك، ولامرأة المعسر من خشن ذلك، ولامرأة المتوسط مما بينهما.
وإن كانت في بلد لا تختلف كسوة أهلها في زمان الحر والبرد.. لم يجب لها الجبة المحشوة للشتاء؛ لأن ذلك هو العرف والعادة في حق أهل بلدها، فلم يجب لها أكثر منه.
وكذلك: إن كانت في بلد يلبس غالب نسائهم الأدم.. لم يجب عليه أن
يكسوها إلا الأدم؛ لأن ذلك عرف بلادهم؛ لأن الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وإن كانت بدوية.. فمما يأكل أهل البادية، ومن الكسوة بقدر ما يكتسون، لا وقت في ذلك إلا قدر ما يرى في العرف).
مسألة ما يلزم الزوجة من الفرش ونحوه
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولامرأته فراش ووسادة من غليظ متاع البصرة).
وجملة ذلك: أنه يجب لها عليه فراش؛ لأنها تحتاج إلى ذلك كما تحتاج إلى الكسوة، فيجب لامرأة الموسر مضربة محشوة بالقطن ووسادة.
وإن كان في الشتاء.. وجب لها لحاف أو قطيفة للدفء.
وإن كان في الصيف.. وجب لها ملحفة، وهل يجب لها فراش تقعد عليه بالنهار غير الفراش الذي تنام عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب لها غير الفراش الذي تنام عليه؛ لأنها تكتفي بذلك.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يجب لها فراش تقعد عليه بالنهار غير الفراش الذي تنام عليه، وذلك لبد أو كساء أو زلية أو حصير؛ لأن العرف في امرأة الموسر، أنها تقعد بالنهار على غير الفراش الذي تنام عليه.
مسألة من النفقة المسكن
ويجب لها مسكن؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] [النساء: 19]، ومن المعروف: أن يسكنها بمسكن.
ولأنها تحتاج إليه للاستتار عن العيون عند التصرف
والاستمتاع، ويقيها من الحر والبرد، فوجب عليه كالكسوة.
ويعتبر ذلك بيساره وإعساره وتوسطه.
مسألة من النفقة إخدام من تخدم
فإن كانت المرأة ممن لا تخدم نفسها؛ لمرض بها، أو كانت من ذوي الأقدار، قال ابن الصباغ: فإن كانت لا تخدم نفسها في بيت أبيها.. وجب على الزوج أن يقيم لها من يخدمها.
وقال داود: (لا يجب عليه لها خادم).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] [النساء: 19]، ومن المعاشرة بالمعروف: أن يقيم لها من يخدمها.
ولأن الزوج لما وجبت عليه نفقة الزوجة.. وجب عليه إخدامها، كالأب لما وجب عليه نفقة الابن.. وجب عليه أجرة من يخدمه، وهو من يحضنه.
إذا ثبت هذا: فإنه لا يلزمه لها إلا خادم واحد، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (إذا كانت تخدم في بيت أبيها بخادمين أو أكثر، أو كانت تحتاج إلى أكثر من خادم.. وجب عليه لها ذلك).
ودليلنا: أن الزوج إنما يلزمه أن يقيم لها من يخدمها بنفسها دون مالها، وما من امرأة إلا ويكفيها خادم واحد، فلم يجب لها أكثر منه.
فرع خادم المرأة امرأة أو محرم
ولا يكون الخادم لها إلا امرأة، أو رجلًا من ذوي محارمها؛ لأنها تحتاج إلى نظر الخادم، وقد يخلو بها، فلم يجز أن يكون رجلًا أجنبيًا، وهل تجبر المرأة على أن يكون من اليهود أو النصارى؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجبر على خدمتهم؛ لأنهم يصلحون للخدمة.
والثاني: لا تجبر على خدمتهم؛ لأن النفس تعاف من استخدامهم.
فإن أخدمها خادمًا يملكه، أو اكترى لها من يخدمها، أو كان لها خادم واتفقا على: أن يخدمها وينفق عليه، أو خدمها الزوج بنفسه ورضيت الزوجة بذلك.. جاز؛ لأن المقصود خدمتها، وذلك يحصل بجميع ذلك.
وإن أراد الزوج أن يقيم لها خادمًا، واختارت المرأة أن يقيم لها خادمًا غيره.. ففيه وجهان، حكاهما القاضي أبو الطيب:
أحدهما: يقدم اختيار الزوجة؛ لأن الخدمة حق لها، وربما كان من تختاره أقوم بخدمتها.
والثاني: يقدم اختيار الزوج؛ لأن الخدمة حق عليه لها، فقدمت جهة اختياره، كالنفقة، ولأنه قد يتهم من تختاره الزوجة، فقدم اختيار الزوج.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وإن كان لها خادم، وأراد الزوج إبداله بغيره؛ فإن كان بالخادم عيب أو كان سارقًا.. فله ذلك، وإلا.. فلا.
وإن أراد الزوج أن يخدمها بنفسه، وامتنعت من ذلك.. فهل تجبر؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجبر عليه، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي، والشيخ أبي حامد؛ لأن المقصود إخدامها، فكان له إخدامها بغيره أو بنفسه، كما يجوز أن يوصل إليها النفقة بوكيله أو بنفسه.
والثاني: لا تجبر على قبول خدمته؛ لأنها تحتشم أن تستخدمه في جميع حوائجها، ولأن عليها عارًا في ذلك وغضاضة، فلم تجبر عليه.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إن كانت خدمة مما لا تحتشم منه في مثلها،
مثل: كنس البيت، والطبخ، ونحوه.. أجبرت على قبول ذلك منه، وإن كانت خدمة تحتشم منه في مثلها، كحمل الماء معها إلى المستحم ونحوها.. لم تجبر على قبول ذلك منه، بل يجب عليه أن يأتيها بخادم يتولى ذلك لها.
فرع نفقة خادم المرأة
]: وأما نفقة من يخدمها: فإن أخدمها بمملوك له.. فعليه نفقة مملوكه وكسوته على الكفاية، لحق الملك لا لخدمتها.
وإن استأجرت من يخدمها.. فله أن يستأجره بالقليل والكثير.
وإن وجد من يتطوع بخدمتها من غير عوض.. جاز؛ لأن حقها الخدمة، وقد حصل ذلك.
وإن كان لها خادم مملوك لها واتفقا على أن يخدمها.. وجب على الزوج نفقة خادمها وكسوته وزكاة فطره، وتكون نفقته مقدرة، وقد أوهم المزني أن في وجوب نفقة خادمها قولين.
قال أصحابنا: وليس بشيء.
إذا ثبت هذا: فإنه يجب لخادم امرأة الموسر والمتوسط ثلثا ما يجب لها من النفقة، فيجب لخادم امرأة الموسر كل يوم مد وثلث، ولخادم امرأة المتوسط كل يوم مد؛ لأن العرف: أن نفقة خادم امرأة الموسر أكثر من نفقة خادم امرأة المعسر، وأما نفقة خادم امرأة المعسر: فيجب له كل يوم مد؛ لأن البدن لا يقوم بما دون ذلك، ويجب ذلك من غالب قوت البلد؛ لأن البدن لا يقوم بغير قوت البلد، ويجب له الأدم؛ لأن العرف: أن الطعام لا يؤكل إلا بأدم، وهل يكون من مثل أدمها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب من مثل أدمها، كما يجب الطعام من مثل طعامها.
والثاني: لا يجب له من مثل أدمها؛ لأن العرف: أن أدم الخادم دون أدم المخدوم، فلم يسو بينهما كما لا يساوى بينهما في قدر النفقة.
فعلى هذا: يكون أدمها من الزيت الجيد، ويكون أدم خادمها من الزيت الذي دونه، ولا يعدل بأدم الخادم عن جنس غالب أدم البلد؛ لأن البدن لا يقوم به، وهل يجب لخادمها اللحم؟
إن قلنا: يجب له الأدم من مثل إدامها.. وجب له اللحم.
وإن قلنا: لا يجب له من مثل أدمها، وإنما يجب له دون أدمها.. لم يجب له اللحم؛ لأنه أعلى الإدام، بدليل: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم»
ولا يجب له الدهن والمشط والسدر؛ لأن ذلك يراد للزينة، والخادم لا يراد للزينة.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويجب لخادمها قميص ومقنعة وخف).
وإنما لم يوجب له السراويل؛ لأن السراويل تراد للزينة وستر العورة، والخادم ليس في موضع الزينة، وعورة الأمة دون عورة الحرة.
وأوجب لها الخف؛ لأنها تحتاج إليه عند الخروج لقضاء الحاجات.
وإن كان في الشتاء.. وجبت له جبة صوف أو كساء؛ ليدفأ به من البرد.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولخادمها فروة، ووسادة، وما أشبههما، من عباءة، أو كساء).
قال أصحابنا: أما الفراش: فلا يجب لخادمها، وإنما يجب له وسادة.
ويجب لخادم امرأة الموسر كساء، ولخادم امرأة المعسر عباءة؛ لأن ذلك هو العرف في حقهم.
وإن مات خادمها.. فهل يجب عليه كفنه ومؤنة تجهيزه؟ فيه وجهان، كما قلنا في كفن الزوجة ومؤنة تجهيزها.
وإن خدمت المرأة نفسها.. لم تجب لها أجرة؛ لأن المقصود بإخدامها ترفيهها، فإذا حملت المشقة على نفسها.. لم تستحق الأجرة، كالعامل في القراض إذا تولى من العمل ماله أن يستأجره عليه من مال القراض.
فرع خدمة من لا تخدم
]: فإن كانت ممن لا يخدم، بأن كانت تخدم نفسها في بيت أبيها، وهي صحيحة تقدر على خدمة نفسها.. لم يجب على الزوج أن يقيم لها خادمًا؛ لأن العرف في حقها: أن تخدم نفسها.
مسألة وقت وجوب نفقة الزوجة
ومتى تجب نفقة الزوجة؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (تجب جميعها بالعقد، ولكن لا يجب عليه تسليم الجميع).
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه مال يجب للزوجة بالزوجية، فوجب بالعقد، كالمهر، ولأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع، فلما ملك الاستمتاع بها بالعقد.. وجب أن تملك عليه بالعقد ما في مقابلته، وهو النفقة، كالثمن والمثمن.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا تجب بالعقد، وإنما تجب يومًا بيوم)، وهو الأصح؛ لأنها لو وجبت بالعقد.. لوجب عليه تسليم جميعها إذا سلمت نفسها، كما يجب على المستأجر تسليم جميع الأجرة إذا قبض العين المستأجرة، فلما لم يجب عليه تسليم جميعها.. ثبت أن الجميع لم يجب.
وقول الأول: (إنها وجبت في مقابلة ملك الاستمتاع) غير صحيح، وإنما وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع.
فإذا قلنا بقوله القديم.. صح أن يضمن عن الزوج نفقة زمان مستقبل، ولكن
لا يضمن عنه إلا نفقة المعسر وإن كان موسرًا؛ لأن ذلك هو الواجب عليه بيقين.
وإن قلنا بقوله الجديد.. لم يصح أن يضمن عليه إلا نفقة اليوم بعد طلوع الفجر.
وأما وجوب التسليم: فلا خلاف أنه لا يجب عليه إلا تسليم نفقة يوم بيوم؛ لأنها إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، وذلك لا يوجد إلا بوجود التمكين في اليوم.
فإذا جاء أول اليوم، وهي ممكنة له من نفسها.. وجب عليه تسليم نفقة اليوم في أوله؛ لأن الذي يجب لها هو الحب، والحب يحتاج إلى طحن وعجن وخبز، ويحتاج إلى الغداء والعشاء، فلو قلنا: لا يجب عليه تسليم ذلك إلا في وقت الغداء والعشاء.. أضر بها الجوع إلى وقت فراغه.
قال الشيخ أبو حامد: فإن سلم لها خبزًا فارغًا، فأخذته وأكلته.. كان ذلك قبضًا فاسدًا؛ لأن الذي تستحقه عليه الحب، فيكون لها مطالبته بالحب، وله مطالبتها بقيمة الخبز.
فرع ما دفع لها نفقة لا يسترجع
فإن دفع إليها نفقة يوم، ثم مات أحدهما، أو بانت منه بالطلاق قبل انقضاء اليوم.. لم يسترجع منها؛ لأنه دفع إليها ما وجب لها عليه، فلم يتغير بما طرأ بعده، كما لو دفع الزكاة إلى فقير، فمات أو استغنى.
وإن دفع إليها نفقة شهر مستقبل، فمات أحدهما، أو بانت منه في أثناء الشهر.. استرجع منها نفقة ما بعد اليوم الذي مات أحدهما فيه أو بانت فيه، وبه قال أحمد، ومحمد.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (لا يسترجع منها؛ لأنها ملكته بالقبض).
ودليلنا: أنه دفع ذلك إليها عما سيجب لها بالزوجية في المستقبل، فإذا بان أنه لم يجب لها شيء.. استرجع منها، كما لو قدم زكاة ماله قبل الحول إلى فقير، فاستغنى الفقير من غير ما دفع إليه أو مات.
فرع دفع الكسوة فتلفت
]: وإن دفع إليها الكسوة، أو النعل، أو الشمشك، فبليت.. نظرت:
فإن بليت في الوقت الذي يبلى فيه مثلها.. لزمه أن يدفع إليها بدله؛ لأن ذلك وقت الحاجة إليه.
وإن بليت قبل الوقت الذي يبلى فيه مثلها، مثل: أن يقال: مثل هذا يبقى ستة أشهر، فأبلته بأربعة أشهر أو دونها.. لم يلزمه أن يدفع إليها بدله؛ لأنه قد دفع إليها ما تستحقه عليه، فإذا بلي قبل ذلك.. لم يلزمه إبداله، كما لو سرقت كسوتها أو احترقت، وكما لو دفع إليها نفقة يوم، فأكلتها قبل اليوم.
وإن مضى الزمان الذي تبلى مثل تلك الكسوة في مثل ذلك الزمان بالاستعمال المعتاد، ولم تبل تلك الكسوة، بل يمكن لباسها.. فهل يلزمه أن يكسوها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ لأنها غير محتاجة إلى الكسوة.
والثاني: يلزمه أن يكسوها.
قال الشيخان: وهو الأصح؛ لأن الاعتبار في الكسوة بالمدة لا بالبلى، ألا ترى أن كسوتها إذا بليت قبل وقت بلائها.. لم يلزمه إبدالها؟! فإذا بقيت بعد وقت بلائها.. لزمه إبدالها.
ولأنه لو دفع إليها نفقة يوم، فلم تأكلها حتى جاء اليوم الثاني.. لزمه النفقة لليوم الثاني وإن كانت مستغنية فيه بنفقة اليوم الأول، فكذلك في الكسوة مثله.
وإن دفع إليها كسوة مدة، فمات أحدهما، أو بانت منه قبل انقضائها، والكسوة لم تبل.. فهل تسترجع من وارثها، أو منها؟ فيه وجهان:
أحدهما: تسترجع منها، كما لو دفع إليها نفقة شهر، فمات أحدهما، أو بانت قبل انقضائه.. فإنه يسترجع منها نفقة ما بعد يوم الموت والبينونة.
والثاني: لا تسترجع؛ لأنه دفع الكسوة إليها بعد وجوبها عليه، فلم تسترجع منها، كما لو دفع إليها نفقة يوم، فمات أحدهما، أو بانت قبل انقضائه، ويخالف إذا
دفع إليها نفقة الشهر.. فإنها لا تستحق عليه نفقة ما بعد يوم الموت والبينونة، فلذلك استرجعت منها.
فرع أخذت الكسوة وأرادت بيعها
قال ابن الحداد: إذا دفع إلى امرأته كسوة، فأرادت بيعها.. لم يكن لها ذلك؛ لأنها لا تملكها، ألا ترى أن له أن يأخذها منها ويبدلها بغيرها؟ ولو دفع إليها طعامًا، فباعته.. كان لها ذلك، واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من وافق ابن الحداد، وقال: لا يصح لها بيع ما يدفع إليها من الكسوة؛ لأنها تستحق عليه الانتفاع بالكسوة، وهو استتارها بها، فلا تملكها بالقبض، كالمسكن.
وإن أتلفت كسوتها.. لزمها قيمتها له، ولزمه أن يكسوها.
ومنهم من خطأ ابن الحداد، وقال: تملك الكسوة إذا قبضتها، ويصح بيعها لها؛ لأنه يجب عليه دفع الكسوة إليها، فإذا قبضتها.. ملكتها وصح بيعها لها، كالنفقة، ويخالف المسكن، فإنه لا يلزمه أن يسلم إليها المسكن، وإنما له أن يسكن معها.
وقال أبو الحسن الماوردي: إن أرادت بيعها بما دونها في الجمال.. لم يجز؛ لأن للزوج حظًا في جمالها، وعليه ضرر في نقصان جمالها، وإن أرادت بيعها بمثلها أو أعلى منها.. كان لها ذلك؛ لأنها ملكتها، ولا ضرر على الزوج في ذلك.
قال ابن الصباغ: وعندي: أنه لو أراد أن يكتري لها ثيابًا تلبسها.. لم يلزمها أن تجيب إلى ذلك، ولو أراد أن يكتري لها مسكنًا.. لزمها الإجابة إلى ذلك.
هذا نقل أصحابنا البغداديين: أن الذي يستحق عليه دفع النفقة والكسوة، ولم يذكر أحد منهم: أنه يجب عليه أن يملكها ذلك.
وأما المسعودي: فقال [في " الإبانة "]: يجب عليه أن يملكها الحب، فلو رضيت أن يملكها الخبز.. فالظاهر أنه يصح، وفيه وجه آخر: أنه لا يصح؛ لأنه إبدال قبل القبض، وأيضًا فإنه بيع الحب بالخبز، وذلك ربًا.
وأما الكسوة: فتجب عليه على طريق الكفاية، ولا يجب عليه التمليك، فلو سرقت أو احترقت في الحال وجب عليه الإبدال.
وفيه وجه آخر: أنه يجب عليه التمليك؛ تخريجًا من النفقة.
فرع أرادت تغيير صنف النفقة
وإن دفع إليها نفقتها، وأرادت بيعها أو إبدالها بغيرها.. لم تمنع منها.
ومن أصحابنا من قال: إن أرادت إبدالها بما تستضر بأكله.. كان للزوج منعها؛ لأن عليه ضررًا في الاستمتاع؛ لمرضها.
والمذهب الأول؛ لأن الضرر بأكلها لغيرها لا يتحقق، فإن تحقق الضرر بذلك.. منعت منه؛ لئلا تقتل نفسها، كما لو أرادت قتل نفسها.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وليس على الزوج أن يضحي عن امرأته؛ لأنه لا يجب عليه أن يضحي عن نفسه، فلأن لا يجب عليه أن يضحي عنها أولى).
والله أعلم.
باب الإعسار بالنفقة واختلاف الزوجين فيها
إذا كان الزوج موسرًا، فصار معسرًا.. فإنه ينفق على زوجته نفقة المعسر، ولا يثبت لها الخيار في فسخ النكاح؛ لأن بدنها يقوم بنفقة المعسر.
وإن أعسر بنفقة المعسر.. كانت بالخيار: بين أن تصبر، وبين أن تفسخ النكاح، وبه قال عمر، وعلي، وأبو هريرة، وابن المسيب، والحسن البصري،
وحماد بن أبي سليمان، وربيعة، ومالك، وأحمد.
وقال عطاء، والزهري، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يثبت لها الفسخ، بل يرفع يده عنها لتكتسب).
وحكاه المسعودي [في " الإبانة "] قولًا آخر لنا، وليس بمشهور.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] [البقرة: 229]، فخير الله تعالى الزوج بين الإمساك بالمعروف - وهو: أن يمسكها وينفق عليها - وبين التسريح بإحسان، فإذا تعذر عليه الإمساك بمعروف.
تعين عليه التسريح.
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أعسر الزوج بنفقة زوجته.. يفرق بينهما».
ولأنه روي ذلك عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، ولا مخالف لهم في الصحابة، فدل على: أنه إجماع.
ولأنه إذا ثبت الخيار في فسخ النكاح لامرأة العنين والمجبوب، والذي يدخل عليها من الضرر بذلك: هو فقد اللذة بالاستمتاع، ونفسها تقوم مع فقده.. فلأن يثبت لها الفسخ لفقد النفقة - ونفسها لا تقوم مع فقدها - أولى.
وإن أعسر بالأدم.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يثبت لها الخيار في فسخ النكاح؛ لأن الخبز بلا أدم يضر بها، ولا تصبر عليه.
والثاني - ولم يذكر الشيخان غيره -: أنه لا يثبت لها الخيار؛ لأن النفس تقوم بالطعام من غير أدم.
وإن أعسر بالكسوة.. ثبت لها الخيار؛ لأن البدن لا يقوم بغير الكسوة، كما لا يقوم بغير القوت.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: من أصحابنا من قال: هو كالطعام على قولين.
ومنهم من قال: لا يثبت لها الخيار، قولًا واحدًا.
وإن أعسر بنفقة الخادم.. لم يثبت لها الخيار؛ لأن النفس تقوم من غير خادم.
وإن أعسر بالسكنى.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق.
أحدهما: يثبت لها الخيار، ولم يذكر ابن الصباغ غيره؛ لأنه يقيها من الحر والبرد، فهو كالكسوة، ولأن البدن لا يقوم إلا به، فهو كالقوت.
والثاني: لا يثبت لها الخيار؛ لأنها لا تعدم موضعًا تسكن فيه.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: المسكن على طريقين، كالكسوة.
مسألة وجود نفقة يوم بيوم لا يثبت لها خيار الفسخ
وإن كان لا يجد إلا نفقة يوم بيوم.. لم يثبت لها الخيار في الفسخ؛ لأنه قادر على الواجب عليه.
وإن كان لا يجد في أول النهار إلا ما يغديها، ويجد في آخره ما يعيشها.. فهل يثبت لها الفسخ؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: يثبت لها الفسخ؛ لأن نفقة اليوم لا تتبعض.
والثاني: لا يثبت لها الفسخ؛ لأنها تصل إلى كفايتها.
وإن كان يجد نفقة يوم، ولا يجد نفقة يوم.. ثبت لها الفسخ؛ لأنها لا يمكنها الصبر على ذلك، فهو كما لو لم يجد كل يوم إلا نصف مد.
فرع يعمل في الأسبوع ما يكفيه ويستقرض
قال الشيخ أبو إسحاق: وإن كان نساجًا ينسج في كل أسبوع ثوبًا تكفيه أجرته إلى الأسبوع.. لم يثبت لها الفسخ؛ لأنه يمكنه أن يستقرض لهذه الأيام ما يقضيه، فلا تنقطع به النفقة.
وإن كانت نفقته بالعمل، فعجز عنه بمرض، فإن كان مرضًا يرجى زواله باليوم واليومين والثلاثة.. لم يثبت لها الفسخ؛ لأنه يمكنه أن يقترض نفقة هذه الأيام، وإن كان زمانه يطول.. ثبت لها الفسخ؛ لأنه يلحقها الضرر.
قال: وإن كان له مال غائب، فإن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.. لم يجز لها الفسخ، وإن كان على مسافة تقصر فيها الصلاة.. ثبت لها الفسخ؛ لما ذكرناه في المرض.
وإن كان له دين على موسر.. لم يثبت لها الفسخ، وإن كان على معسر.. ثبت لها الفسخ؛ لأن يسار الغريم كيساره، وإعساره كإعساره في تيسر النفقة وإعسارها.
فرع علمها بإعساره في النفقة لا يمنعها من الفسخ
]: فإن علمت المرأة بإعسار الزوج بالنفقة، فتزوجته.. ثبت لها الفسخ؛ لأنه قد يكتسب بعد العقد أو يقترض أو يتهب، فلما جاز أن يتغير حاله.. لم يلزمها حكم علمها به.
وإن تزوجته على علم منها بإعساره بالمهر.. فهل يثبت لها الفسخ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت لها الفسخ، كالنفقة.
والثاني: لا يثبت لها الفسخ؛ لأنها رضيت بتأخيره؛ لأنه معسر به، بخلاف النفقة؛ فإنها تجب بعد العقد.