كتاب المكاتب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فإن قيل: هلا قلتم: إنه لا يعتق بالأداء قبل أن يؤدي أرش الجناية، كما قلتم في عتق الجاني في أحد القولين؟
قلنا: فالجواب: أن العتق هاهنا وقع بالصفة السابقة للجناية، فلم تكن الجناية مانعة منه، ألا ترى أنه لو قال لعبده: إذا دخلت الدار فأنت حر، ثم جنى، ثم دخل الدار.. فإنه يعتق بالصفة السابقة ولا يمنع منه أرش الجناية المتعلق برقبته؟ فكذلك هذا مثله.
وإن كان ماله لا يفي بديونه، وسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه.. نظرت:
فإن سأله المولى أن يحجر عليه لأجل مال الكتابة.. لم يحجر عليه بسؤاله؛ لأن دينه غير مستقر؛ لأن للعبد أن يسقطه بالعجز.
وإن سأله من له دين معاملة أو عوض قرض أو أرش جناية أن يحجر عليه لأجل ديونهم.. حجر عليه؛ لأنه ليس بأولى من الحر، فإذا جاز الحجر على الحر لما عليه من الدين.. فالمكاتب أولى.
فإذا حجر عليه وكانت ديونهم كلها حالة أو بعضها مؤجلا، وقلنا يحل المؤجل بالحجر.. فنقل المزني: (أن الحاكم إذا أوقف ماله.. أدى إلى سيده وإلى الناس ديونهم شرعا).
يريد: سواء.
واختلف أصحابنا في ذلك: فحمل أبو إسحاق المروزي كلام الشافعي على ظاهره.
وقال: يساوى بين السيد وبين سائر الغرماء ويقسط ماله بينهم على قدر ديونهم؛ لأن الحر إذا حجر عليه.. قسم ماله بين غرمائه على قدر ديونهم، فكذلك المكاتب.
وقال سائر أصحابنا: لا يساوى بينهم، وهو الصحيح، بل يقدم دين المعاملة وبدل القرض على أرش الجناية ومال الكتابة؛ لأن دينهما يختص بما في يده، والمجني عليه والسيد يرجعان إلى الرقبة.
فإن لم يف ماله بدين المعاملة وبدل القرض.. قسم بينهما على قدرهما، وإن بقي من ماله شيء بعدهما.. قدم أرش الجناية على مال
الكتابة؛ لأنه مستقر ودين الكتابة غير مستقر.
وتأولوا كلام الشافعي تأويلين:
أحدهما: أنه أراد: إذا كان ماله يفي بدينه، وإنما حجر عليه الحاكم؛ لأنه خاف إفلاسه، فيسوي بينهم حينئذ في القسمة.
والثاني: أنه أراد: إذا وصى غرماؤه بأن يسوى بينهم في القسمة، فإن مات المكاتب قبل قسمة ماله؛ سقط عنه مال الكتابة؛ لأنها انفسخت بموته، وسقط أرش الجناية؛ لأنه تعلق برقبته وقد فاتت، ولأنه تعلق بماله بحكم الكتابة وقد انفسخت الكتابة، فلم يبق لها محل، ويبقى دين المعاملة وبدل القرض فيتقاصان ما كان في يده، فإن وفى ماله بهما.. فلا كلام، وإن لم يف ماله بهما.. قسط ماله بينهما على قدرهما، وإن بقي من ماله شيء بعدها.. كان لسيده بحكم الملك لا بحكم الكتابة.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي (في " الإبانة "): فيه وجهان:
أحدهما: يقدم دين المعاملة والقرض على أرش الجناية بعد موته؛ لما ذكرناه.
والثاني: يسوى بين الجميع؛ لأنه لا محل للجناية بعد موته إلا بماله.
وأما إذا لم يكن في يد المكاتب مال، فإن اختار أصحاب الديون إنظاره إلى أن يكتسب.. جاز، وإن لم يختاروا إنظاره وأرادوا تعجيزه.. نظرت:
فإن طلب من له دين المعاملة وبدل القرض تعجيزه ورده إلى الرق.. لم يكن لهما ذلك؛ لأنه لا فائدة لهما في ذلك؛ لأن حقهما متعلق بما في يده لا في رقبته، بل الحظ لهما في تركه على الكتابة؛ لجواز أن يكتسب مالا، فيقضي دينهما منه.
وإن أراد المولى تعجيزه ورده إلى الرق لما عليه له من مال الكتابة.. كان له ذلك، فإن عجزه.. انفسخت الكتابة وسقط دين المعاملة وبدل القرض، وتعلق برقبته أرش
الجناية.
فإن اختار السيد تسليمه للبيع.. بيع في الجناية، وإن اختار أن يفديه.. كان له ذلك.
وبكم يفديه؟ على قولين:
أحدهما: بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية.
والثاني: بأرش الجناية بالغا ما بلغ.
وإن أراد المجني عليه تعجيزه.. كان له ذلك، ولكن ليس له أن يفسخ الكتابة بنفسه، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليفسخ الكتابة ويبيعه بأرش الجناية، إلا أن يختار السيد أن يبقيه على الكتابة ويفديه، فله ذلك.
وبكم يفديه؟ على القولين.
قال الشيخ أبو إسحاق - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذا عجزه المجني عليه، فإن كان الأرش يحيط بالثمن.. بيع جميعه وقضي حق المجني عليه، وإن كان الأرش دون الثمن.. بيع منه بقدر ما يقضي به الأرش، وبقي الباقي على الكتابة، فإذا أدى كتابة باقيه.. عتق.
وهل يقوم الباقي على المولى إن كان موسرا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقوم؛ لأنه وجد بسبب العتق قبل التبعيض.
والثاني: يقوم عليه؛ لأن اختياره للإنظار كابتداء العتق.
مسألة الجناية على المكاتب
): وإذا جني على المكاتب، فإن كانت على نفسه.. انفسخت الكتابة.
فإن كان الذي جنى عليه أجنبيا.. وجبت عليه قيمته لسيده، وإن كان الذي جنى عليه سيده.. لم يجب عليه شيء وكان له أخذ كسبه.
فإن قيل: أليس القاتل لا يستحق تركة المقتول؟
قلنا: إنما لا يستحقه بالإرث، وهذا ليس بإرث، وإنما هو لحق الملك.
وإن كانت الجناية على طرفه، فإن كانت الجناية عمدا، وكان الجاني ممن يستحق عليه المكاتب القصاص.. فله أن يستوفي القصاص.
وحكى الربيع قولا آخر: أن للسيد منعه من القصاص.
قال أصحابنا: وهذا لا يعرف للشافعي، بل هو من تخريج الربيع؛ لأن القصاص للتشفي ودرك الغيظ، والمكاتب كغيره في ذلك.
وإن كانت الجناية خطأ أو عمدا على من لا يستحق عليه المكاتب القصاص، أو عفا عن القصاص على مال.. كان الأرش للمكاتب؛ لأنه ككسبه.
وإن كان للمكاتب عبد يملك بيعه فجنى على المكاتب.. كان للمكاتب أن يقتص منه إن كانت الجناية يجب فيها القصاص، وإن كانت خطأ.. لم يثبت له عليه أرش؛ لأن المولى لا يثبت له المال على عبده.
وإن ملك المكاتب والده أو ولده فجنى على المكاتب جناية توجب المال.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: أنه يبيعه؛ لأنه يستفيد بالبيع أرش الجناية، ويخالف غيرهما؛ لأنه لا يستفيد بالبيع شيئا؛ لأنه يملك بيعه من غير جناية.
والثاني: لا يجوز له بيعه؛ لأنه مملوك، فلا يجب له عليه مال.
وما ذكره الأول.. يبطل بالعبد المرهون، إذا جنى على الراهن.
وإن جنى بعض عبيد المكاتب على بعض جناية توجب القصاص.. فله أن يقتص من الجاني؛ لأنه من مصلحة ماله؛ لأنه إذا لم يستوف القصاص.. كان ذلك ذريعة إلى إقدام بعضهم على بعض.
وإن كانت خطأ أو عمدا وعفا عنه على مال.. لم يثبت له المال؛ لأن السيد لا يثبت له المال على عبده.
وبالله التوفيق
باب الكتابة الفاسدة
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تعالى: (ولو كاتب عبده كتابة فاسدة فأدى.. عتق، ورجع عليه السيد بقيمته يوم عتق).
وجملة ذلك: أن العتق المعلق بالصفات على ثلاثة أضرب:
عتق معلق بصفة محضة لا مدخل للعوض فيها.
وعتق معلق بصفة فيها معاوضة والمغلب فيها حكم المعاوضة.
وعتق معلق بصفة فيها معاوضة والمغلب فيها حكم الصفة.
فأما (الضرب الأول: وهو) العتق المعلق بصفة لا عوض فيها، فمثل قوله: إن دخلت الدار فأنت حر، وإن كلمت فلانا فأنت حر، فهذه صفة لازمة من جهة السيد والعبد، فمتى وجدت الصفة.. عتق العبد.
وفي معنى هذا: إذا قال: إن أعطيتني ألفا فأنت حر، فهذا وإن تضمن عطية الألف.. فليس هو على وجه العوض، وإنما العطية صفة في وقوع العتق، فليس للسيد ولا للعبد فسخ هذه الصفة.
وإن أبرأ السيد العبد من الألف.. لم يعتق؛ لأن العتق يقع بوجود الصفة، وهي العطية، والإبراء ليس بعطية.
وإن مات السيد.. بطلت الصفة.
وإن كسب العبد مالا قبل وجود العطية.. كان لسيده.
وإن دفع الألف إلى السيد.. ملكه السيد، وكان للسيد ما بقي في يد العبد، ولا تراجع بين السيد والعبد، هذا هو المذهب.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: حكمه حكم الكتابة الفاسدة؛ لأنه في الحقيقة كتابة على نجم واحد.
وأما الضرب الثاني: وهو العتق المعلق بصفة والمغلب فيه حكم العوض: فهو العتق في الكتابة الصحيحة، وقد مضى بيانه.
وأما الضرب الثالث: وهو العتق المعلق بصفة فيها معاوضة والمغلب فيه حكم الصفة: فهو الكتابة الفاسدة، بأن يكاتب عبده على خمر أو خنزير أو شرط فاسد، فإن المعاوضة فيها يبطل حكمها؛ لفساد العقد، وتبقى الصفة وهذه صفة جائزة من الطرفين.
فإن امتنع العبد من الأداء.. لم يجبر عليه؛ لأنه إذا لم يجبر على الأداء في الكتابة الصحيحة.. فلأن لا يجبر على الأداء في الكتابة الفاسدة أولى.
وللسيد أيضا أن يبطل الصفة؛ لأن السيد إنما دخل في العقد ورضي بالصفة.. ليسلم له العوض الذي شرطه، ولم يسلم له، فكان له الرجوع فيها.
وكيفية الرجوع: هو أن يقول: قد رجعت في الصفة وأبطلتها.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويُشهد على ذلك).
قال أصحابنا: لم يرد بهذا: أن الإشهاد شرط في صحة الرجوع، وإنما هو ليثبت أنه قد رجع فيها وأبطلها.
وللسيد أن يبطل الصفة بنفسه من غير حاكم؛ لأنه مجمع عليه، فهو كفسخ البيع للعيب.
فإن جن المولى، أو أغمي عليه، أو حجر عليه لسفه قبل الأداء.. بطلت الصفة، ولم يعتق العبد بأداء العوض بعد ذلك؛ لأنه عقد جائز، فبطل بالجنون والإغماء، كالوكالة والشركة.
ولو علق عتق عبده على دخول الدار، فجن المولى أو أغمي عليه.. لم تبطل الصفة؛ لأن المولى لا يملك إبطال الصفة المجردة، بل هي لازمة مع بقاء الملك.
هذا هو المنصوص.
وحكى المحاملي: أن الشيخ أبا حامد قال: عندي أن الصفة في الكتابة الفاسدة لا تبطل بجنون المولى، كما لا يبطل العتق المعلق بدخول الدار، وحمل النص على أن السيد إذا قبض في حال جنونه.. لم يعتق العبد؛ لأنه قبض غير صحيح، فلا يقع به العتق.
وإن مات المولى قبل أداء المال إليه.. بطلت الصفة، ولم يعتق العبد بالأداء إلى ورثته.
وقال أبو حنيفة وأحمد: (لا يبطل، وإذا أدى إلى ورثته.. عتق).
دليلنا: أنه عقد جائز من الطرفين لا يؤول إلى اللزوم فبطل بالموت، كالوكالة والشركة.
وإن جن العبد أو أغمي عليه.. لم تبطل الصفة؛ لأن العبد محجور عليه بالرق قبل الجنون، فلا يتجدد له بالجنون الحجر، ولأن العبد لا يملك إبطال الصفة، وإنما له أن يعجز نفسه، فلا ينفسخ بجنونه.
وإن مات العبد قبل الأداء.. بطلت الصفة؛ لأن العتق لا يلحقه بعد الموت.
وإن أدى العبد إلى سيده العوض الذي كاتبه عليه قبل بطلان الصفة بشيء مما ذكرناه.. عتق العبد؛ لأن العقد اشتمل على معاوضة وصفة، فإذا بطلت المعاوضة.. بقيت الصفة، فعتق بها.
وإن أبرأه السيد من المال الذي كاتبه عليه.. لم يعتق؛ لأنه إنما يعتق هاهنا بالصفة، وهي قوله: فإذا أديته فأنت حر، والصفة لا توجد في البراءة، بخلاف الكتابة الصحيحة، فإنه إذا أبرأه من مال الكتابة.. عتق؛ لأن المغلب فيه حكم المعاوضة.
فإذا أبرأه من المال.. صار كأنه أداه وعتق، وإذا عتق العبد في الكتابة الفاسدة بالأداء.. كان له ما كسبه بعد الكتابة.
وإن كاتب جارية، وأتت بولد بعد الكتابة، وقلنا: يتبعها في الكتابة الصحيحة.. تبعها في الكتابة الفاسدة أيضا؛ لأن الفاسدة لما كانت كالصحيحة في العتق بالأداء.. كانت كالصحيحة أيضا في ملك الكسب وفي الولد.
وإن أعتقه السيد قبل الأداء.. لم يتبعه كسبه، ولا يتبع الجارية ولدها؛ لأن الكتابة الفاسدة للسيد فسخها، فجعل عتقه فسخا.
وقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (أن السيد لو أعتقه عن الكفارة.. أجزأه، ولو وقع عتقه بحكم الكتابة.. لمَا أجزأه في الكفارة).
ويرجع العبد على مولاه بالعوض الذي دفعه إليه؛ لأنه دفعه إليه عما عليه له فإذا لم يكن له عليه شيء.. رجع عليه به.
ويرجع المولى على العبد بقيمته من غالب نقد البلد؛ لأنه إنما أزال ملكه عنه بشرط أن يسلم له العوض الذي شرطه، فإذا لم يسلم له وتعذر الرجوع إلى رقبته.. رجع عليه بقيمته، كما لو باع سلعة بشرط فاسد وتلفت السلعة في يد المشتري.
وتعتبر قيمة العبد حال العتق؛ لأنها حالة الإتلاف، فإن كان أحد العوضين من غير جنس الآخر.. طالب كل واحد منهما بحقه الذي له عند صاحبه.
وإن كان العوض الذي له دفعه العبد إلى السيد من جنس نقد البلد وعلى صفته.. فالحكم فيه ـ وفي كل دينين من الأثمان أحدهما من جنس الآخر وعلى صفته ـ واحد، وهو: أنه هل يصير أحدهما قصاصا عن الآخر؟ فيه أربعة أقوال:
أحدهما: يسقط أحدهما بالآخر وإن لم يتراضيا ولا رضي أحدهما؛ لأنه لا فائدة في قبض كل واحد منهما لحقه، ولأنه يجب عليه دفعه أو مثله.
والثاني: أنه لا يسقط أحدهما بالآخر إلا بأن يرضى أحدهما بذلك؛ لأنه إذا رضي أحدهما.. فقد رضي أن يقضي الدين الذي عليه من الدين الذي له، وله أن يقضي ما عليه من أي ماله شاء، ولم يكن للآخر الامتناع.
والثالث: أنه لا يسقط أحدهما بالآخر إلا برضاهما جميعا؛ لأنه إبدال ذمة بذمة، فلم تصح إلا برضاهما، كالحوالة.
والرابع: أنه لا يسقط أحدهما بالآخر وإن تراضيا؛ لأنه بيع دين بدين، فلم يصح.
وكل موضع قلنا: يسقط أحدهما بالآخر، فإن كانا متماثلين.. سقط أحدهما بالآخر، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر.. سقط الأقل، وسقط من الأكثر بقدر الأقل، ودفع ما بقي عليه.
قال ابن الصباغ: وإن كان الحقان من غير جنس الأثمان.. فلا يسقط أحدهما بالآخر.
والفرق بينهما: أن ما عدا الأثمان تطلب فيه المغابنة؛ لوجود الاختلاف فيها، وقلما يتساويان، والأثمان به متساوية لا تطلب فيها المغابنة.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن الحقين إذا كانا من ذوات الأمثال.. فهي كالأثمان على الأربعة أقوال.
وإن أخذ المكاتب كتابة فاسدة من سهم الرقاب من الزكاة شيئا، فإن لم يكن فيه وفاء بما كوتب عليه.. استرجع منه.
وإن كان فيه وفاء.. فالمنصوص: (أنه يسترجع منه)؛ لأن بفساد الكتابة خرج عن أن يكون من الرقاب.
ومن أصحابنا من قال: لا يسترجع منه؛ لأنه كالكتابة الصحيحة في العتق والكسب، فكان كالصحيحة في الأخذ من سهم الرقاب.
مسألة يعتق المخبول ونحوه بأداء الكتابة
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو كان العبد مخبولا.. عتق بأداء الكتابة، ولا يرجع أحدهما على الآخر بشيء) وفي هذا ثلاث مسائل:
إحداهن: إذا كاتب عبده وهو عاقل كتابة صحيحة، ثم جن العبد وأدى مال الكتابة في حال جنونه.. فإنه يعتق بالأداء؛ لأن السيد إذا قبض منه.. فقد استوفى منه حقه الذي كاتبه عليه، ولو أخذ حقه من يده.. يعتق العبد بحكم العقد.
الثانية: إذا كاتبه ـ وهو عاقل ـ كتابة فاسدة، ثم جن العبد فأدى المال في حال جنونه.. فيعتق العبد بحكم الصفة، ويثبت بينهما التراجع إلا أن الحاكم هاهنا ينصب وكيلا على العبد يراجع عنه؛ لأن المجنون لا تصح مراجعته.
الثالثة: إذا كاتب عبده المجنون كتابة فاسدة، فأدى العبد المال في حال جنونه.. فنقل المزني: (أنه يعتق بأداء مال الكتابة، ولا يرجع أحدهما على الآخر بشيء).
ونقل الربيع في " الأم " (7/379): (أنه يعتق، ويتراجعان).
واختلف أصحابنا في المسألة على أربع طرق:
فقال أبو العباس: الصحيح: ما نقله الربيع في " الأم " وأنهما يتراجعان؛ لأن السيد لم يسلم له ما شرط من المسمى، وقد وقع العتق، فيتراجعان، ككتابة الصحيح، وما نقله المزني فيه زيادة: (لا).
وقال أبو إسحاق: الصحيح: ما نقله المزني وأنه لا يرجع بشيء؛ لأن العبد إذا كان مجنونا.. فليس هو من أهل العقود ولا من أهل الضمان، فإذا عقد معه العقد.. فلم يلتزم ضمانا بالعقد، وإنما يعتق بوجود الصفة، فلم يثبت بينهما التراجع.
وما نقله الربيع أسقط منه: (لا).
وقال القاضي أبو الطيب: في المسألة قولان، ووجههما: ما ذكرناه لأبي العباس وأبي إسحاق.
وقال الشيخ أبو حامد: يحتمل أن تكون المسألة على اختلاف حالين:
فالذي نقله المزني: (أنه لا يرجع أحدهما بشيء) أراد به: إذا كاتبه وهو مجنون.. فلا يثبت بينهما تراجع؛ لأن المجنون ليس من أهل العقود والضمان.
والذي نقل الربيع: (أنهما يتراجعان) أراد به: إذا كاتبه كتابة فاسدة وهو عاقل، ثم جن وأدى المال في حال جنونه.. فإنه يعتق ويتراجعان؛ لأنه حال العقد من أهل العقد والضمان.
وإن كاتب عبدا صغيرا فأدى إليه ما كاتبه عليه.. عتق، وهل يثبت بينهما التراجع؟ على الطرق الأولى الثلاث في المجنون.
مسألة إبطال السيد المكاتبة إذا جزأها
): وإن كاتب نصف عبده وقلنا: لا يصح.. فللسيد إبطال هذه الصفة والرجوع فيها.
فإن لم يبطلها حتى أدى العبد ما كاتبه عليه.. عتق النصف الذي كاتبه منه بالصفة،
وسرى العتق إلى باقيه؛ لأن النصف الأول عتق برضا السيد واختياره، فسرى العتق إلى باقيه، كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فنصفك حر، فدخل الدار، فإن نصفه يعتق بالصفة والثاني بالسراية.
إذا ثبت هذا: فإن للعبد أن يرجع على السيد بما دفع إليه من العوض، وللسيد أن يرجع على العبد بقيمة نصفه الذي كاتبه عليه؛ لأن السيد لم يرض بزوال ملكه عنه إلا بعوض، ولم يسلم له ذلك، ولا يرجع عليه بقيمة نصفه الذي عتق بالسراية؛ لأن العبد لم يلتزم لسيده بعتق ذلك النصف عوضا.
فرع: مكاتبة الشريك دون إذن شريكه
): وإن كاتب شركا له في عبده من غير إذن شريكه، فالكتابة فاسدة، وللسيد أن يبطل الصفة ويرجع فيها، فإن لم يبطل الصفة حتى أدى إليه العبد ما كاتبه عليه.. نظرت:
فإن أدى إليه ذلك من حصة نصيبه من كسبه، وأدى إلى شريكه حصة نصيبه من كسبه.. عتق نصيب السيد الذي كاتبه بالصفة، ورجع العبد على سيده الذي كاتبه بما دفع إليه من العوض، ورجع المولى عليه بقيمة نصيبه منه.
فإن كان السيد الذي كاتبه موسرا بقيمة حصة شريكه منه.. عتق عليه بالسراية، وغرم لشريكه قيمة نصيبه، ولا يرجع السيد على العبد بقيمة ما غرمه لشريكه؛ لأن العبد لم يلتزم لسيده الذي كاتبه عوضا عن عتق نصيب شريكه.
وإن دفع العبد المكاتب جميع كتابته إلى الذي كاتبه.. فهل يعتق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعتق؛ لأن العتق في الكتابة الفاسدة يقع بالصفة، وقد وجدت الصفة، فعتق، كما لو قال لامرأته: إن أعطيتني هذا العبد فأنت طالق، فغصبته وأعطته إياه.
والثاني: لا يعتق، وهو الصحيح؛ لأن قوله: فإذا أديت إلي كذا فأنت حر يقتضي أن يؤدي إليه مما يملك، وما أداه إليه لا يملكه، فهو كما لو لم يؤد إليه، ويخالف العبد في الطلاق؛ لأنه قد عينه، فوزانه من الطلاق أن يقول: إذا أعطيتني عبدا فأنت طالق، فغصبت عبدا وأعطته إياه.. فإنها لا تطلق.
فإذا قلنا: إنه يعتق.. فللشريك الذي لم يكاتب أن يرجع على شريكه بحصة نصيبه مما قبضه من العبد؛ لأنه ملكه، ويرجع المولى على العبد بقيمة نصيبه، ويرجع العبد عليه بما بقي من كسبه.
وإن كان السيد الذي كاتبه موسرا بقيمة نصيب شريكه.. قوم عليه وعتق عليه، ولا يرجع على العبد بما غرمه لشريكه من الكسب والقيمة.
وإن قلنا: إنه لا يعتق.. فللشريك الذي لم يكاتب أن يرجع على شريكه بنصف ما قبضه من كسب العبد، فإن أدى إليه العبد تمام ما كاتبه عليه من نصف كسبه.. عتق وحكم التراجع بينهما والتقويم على ما مضى.
وإن كاتبه بإذن شريكه، فإن قلنا: لا يصح.. فهو كما لو كاتبه بغير إذنه، على ما مضى.
وإن قلنا: إنه يصح، فإن دفع نصف كسبه إلى الذي كاتبه ونصفه إلى الذي لم يكاتبه.. عتق بالأداء ولم يثبت بين السيد والعبد تراجع؛ لأن الكتابة صحيحة.
فإن كان الذي كاتبه موسرا بقيمة نصيب شريكه.. قوم عليه وعتق ولا شيء على المكاتب مما دفعه السيد بالتقويم.
فإن كان معسرا.. لم يقوم عليه.
وإن دفع جميع كسبع إلى الذي كاتبه.. فهل يعتق نصيب الذي كاتبه؟ من أصحابنا من قال: فيه وجهان، كالوجهين في الكتابة الفاسدة.
وقال أكثرهم: لا يعتق وجها واحدا، وهو المذهب؛ لأن الكتابة الصحيحة: المغلب فيها حكم العوض ـ ولم يحصل له دفع العوض ـ والكتابة الفاسدة: المغلب فيها الصفة.
مسألة مكاتبة عبيد بعقد واحد
): إذا كاتب عبيدا له على مال بعقد واحد، فإن قلنا: يصح العقد، بأن أدى كل واحد منهم ما يخصه من مال الكتابة.. عتقوا، وإن أدى واحد منهم ما يخصه.. عتق.
فإن قيل: هلا قلتم: لا يعتق المؤدي قبل أداء أصحابه؛ لأن السيد قال: فإذا أديتم.. فأنتم أحرار، فلا يعتق واحد منهم حتى يؤدوا كلهم، كما لو قال لعبيده: إذا أديتم إلي كذا.. فأنتم أحرار، فإنه لا يعتق واحد منهم إلا بأداء الجميع؟ فالجواب: أن الكتابة إذا كانت صحيحة.. فالمغلب فيها حكم المعاوضة دون الصفة، بدليل: أنه لو أبرأ السيد واحدا منهم.. عتق.
وإن قلنا: إن الكتابة فاسدة فللسيد إبطال الصفة، فإن لم يبطلها حتى أدوا المال الذي كوتبوا عليه.. عتقوا بالصفة، ورجع السيد على كل واحد منهم بقيمته، ورجعوا عليه بالمال الذي دفعوه إليه.
وإن أدى أحدهم ما يخصه من مال الكتابة.. فهل يعتق بالصفة، ويثبت التراجع بينه وبين السيد؟
قال الشافعي في " الإملاء ": (يعتق ويتراجع هو والسيد؛ لأن الكتابة الفاسدة محمولة على الصحيحة في العتق، وفي الصحيحة: إذا أدى بعض العبيد.. عتق ـ فكذلك في الكتابة الفاسدة).
ومن أصحابنا من قال: لا يعتق.
قال أصحابنا: وهو الأقيس؛ لأن العتق بالكتابة الفاسدة يقع بالصفة، والصفة لا توجد بأداء بعضهم.
فرع يؤدي من عتق عن جماعة المكاتبين
). وإن كاتب جماعة عبيد.. فإنه لا يجب أن يؤدي بعضهم عن بعض مال كتابته.
فإن أدى واحد منهم عن صاحبه مال كتابته، فإن كان بعد أن أدى المؤدي كتابة نفسه وعتق.. صح.
فإن كان بغير إذن المؤدي عنه.. لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه متطوع عنه، وإن كان بإذنه.. رجع عليه وكان دينا على المؤدى عنه.
وإن أدى عن غيره قبل أن يؤدي هو عن نفسه كتابة نفسه، فإن لم يعلم المولى أنه يؤدي ذلك عن غيره، كأن اعتقد أنه يؤدي ذلك من كسب المؤدى عنه.. لم يصح الأداء عن المؤدى عنه؛ لأنه إن كان بغير إذن المؤدى عنه.. فهو هبة منه له.
وإن كان بإذنه.. فهو قرض له، والقرض والهبة لا يصحان من مال المكاتب بغير إذن سيده.
وإن كان ذلك بعلم السيد، بأن قال لسيده: هذا من كسبي أؤديه عن صاحبي، فقبضه المولى..فهل يصح ذلك عن المؤدى عنه؟
إن قلنا: تصح هبته بإذن المولى.. صح هاهنا، وإن قلنا: لا تصح هبته بإذن المولى.. لم يصح الأداء عن المؤدى عنه.
فعلى هذا: إن كان قد حل على المؤدى عنه نجم.. قاصه به، وإن لم يحل عليه نجم.. قال ابن الصباغ: فإن شاء قاصه به، وإن شاء طالبه به وأخذه.
وقال غيره من أصحابنا: لا تصح المقاصة إلا باتفاق الدينين بالحلول أو التأجيل.
فعلى هذا: فإنه يأخذه منه ليتصرف فيه إلى أن يحل عليه نجم.
فإن لم يأخذه من السيد حتى أدى المؤدي عن نفسه وعتق.. فهل يقع ذلك عن المؤدى عنه؟
ظاهر ما قاله الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أنه يقع عن المؤدى عنه؛ لأنه إنما منع من الأداء لرقه، وقد زال رقه.. فوقع عن المؤدى عنه.
ومن أصحابنا من قال: لا يقع عنه؛ لأنه وقع الأداء فاسدا.. فلا يصح حتى يبتدئ إذنا صحيحا.
وكل موضع وقع الأداء عن صاحبه: فإن كان بإذن المؤدى عنه.. كان دينا عليه له، وحكمه حكم دين القرض إذا اجتمع مع دين الكتابة، وقد مضى.
قال الطبري في " العدة ": ولو كاتب جماعة عبيد له وشرطوا عليه أن يكون كل واحد منهم ضامنا عن صاحبه.. كانت الكتابة فاسدة قولا واحدا.
وبالله التوفيق
باب اختلاف المولى والمكاتب
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن اختلف السيد والمكاتب.. تحالفا وترادا).
وجملة ذلك: أن السيد والمكاتب إذا اختلفا.. نظرت:
فإن اختلفا في أصل الكتابة، وادعى العبد على مولاه أنه كاتبه وأنكر السيد، فإن أقام العبد شاهدين ذكرين على الكتابة.. ثبتت الكتابة، ولا يقبل فيه شاهد وامرأتان، ولا شاهد ويمين؛ لأن المقصود إثبات العتق، وذلك لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين.
وإن لم يكن معه بينة.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»، ولأن الأصل عدم الكتابة، فكان القول قول من ينفيها.
وإن اتفقا على الكتابة ولكن اختلفا في قدر المال، بأن قال السيد: كاتبتك على ألفين إلى نجمين، فقال المكاتب: بل كاتبتني على ألف إلى نجمين، أو اختلفا في مقدار الأجل، بأن قال السيد: كاتبتك على ألف في نجمين كل نجم إلى سنة، فقال المكاتب: بل كاتبتني على ألف في نجمين كل نجم إلى سنتين، أو اختلفا في قدر النجوم، بأن قال السيد: كاتبتك على ألف في نجمين كل نجم إلى كذا، وقال المكاتب: بل كاتبتني على ألف في أربعة نجوم، ولا بينة لواحد منهما.. فإنهما يتحالفان على النفي والإثبات، كتحالف المتبايعين في قدر الثمن.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (القول قول المكاتب).
وعن أحمد ثلاث روايات:
إحداهن: كقولنا.
والثانية: كقول أبي حنيفة.
والثالثة: (القول قول السيد).
دليلنا: أنهما اختلفا في عوض العتق القائم بينهما أو في صفته وليس مع أحدهما بينة، فوجب أن يتحالفا كالمتبايعين.
فإذا تحالفا... نظرت:
فإن تحالفا قبل العتق، فإن قلنا: إن المتبايعين إذا تحالفا انفسخ البيع بنفس التحالف.. انفسخت الكتابة بنفس التحالف، ولا يعتق بعد ذلك بالأداء.
وإن قلنا: لا ينفسخ البيع بنفس التحالف، فإن تراضى السيد والمكاتب على أحد العوضين.. لم تنفسخ الكتابة، وإن لم يتراضيا على شيء.. فسخت الكتابة، ومن يتولى فسخها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تنفسخ إلا بالحكم.
والثاني: لكل واحد منهما أن يفسخها، كما قلنا في المتبايعين.
وإن كان التحالف بعد العتق، بأن دفع المكاتب إلى السيد ألفين، فقال العبد: مال الكتابة من ذلك ألف، وألف أودعتكه، وقال السيد: بل الألفان مال الكتابة.. فإنهما يتحالفان ويعتق العبد لاتفاقهما على العتق ولا يرتفع العتق؛ لأنه إذا وقع.. لم يرتفع ولكن يثبت للسيد الرجوع على العبد بقيمته، ويثبت للعبد على السيد الرجوع بما دفع إليه.
والكلام في المقاصة إذا أدى الجميع من نقد البلد على الأقوال الأربعة.
مسألة قبول قول السيد بيمينه على عدم أهليته عند المكاتبة
): وإن قال السيد: كاتبتك وأنا مغلوب على عقلي أو محجور علي، وأنكر العبد، فإن كان قد عرف للسيد جنون أو حجر.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الأصل بقاؤه على الجنون والحجر.
وإن لم يعرف له ذلك.. فالقول قول العبد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الجنون والحجر.
فرع ثبوت المكاتبة بشاهدين
): وإن مات رجل وخلف عبدا وابنين فادعى العبد أن سيده قد كان كاتبه، فإن صادقه الاثنان أو كذباه أو أحدهما، وأقام العبد شاهدين ذكرين على الكتابة.. ثبتت الكتابة.
وإن أنكراه ولا بينة للعبد.. فالقول قول الابنين مع أيمانهما؛ لأن الأصل عدم الكتابة، ويحلف كل واحد منهما يمينا بالله: أنه لا يعلم أن أباه كاتبه؛ لأنهما يمين على نفي فعل الغير.
وإن صدقه أحدهما أن أباه كاتبه وأنكر الآخر، فإن شهد المصدق له على الكتابة وكان عدلا وشهد معه شاهد ذكر.. حكم للعبد بالكتابة في جميعه.
وإن لم يكن المصدق عدلا أو لم يشهد معه غيره.. فالقول قول المنكر مع يمينه: أنه لا يعلم أن أباه كاتبه، فإذا حلف له.. صار نصفه مملوكا للمنكر، ونصفه مكاتبا للمصدق، فإن قيل: أليس لو كاتب أحد الشريكين العبد في نصيبه بغير إذن شريكه.. لم تصح الكتابة، وبإذنه على قولين، فكيف صحت الكتابة هاهنا في نصفه؟
فالجواب: أنه إذا كاتبه في نصيبه ابتداء.. فقد قصد الإضرار بشريكه، فلذلك لم يصح، وهاهنا لم يقصد الإضرار بشريكه، وإنما أخبر أن أباه كاتبه، فقبل خبره.
إذا ثبت هذا: فإن الكسب يكون بين المكاتب وبين المكذب نصفين، فإن اتفقا على المهايأة ويكون لكل واحد منهما كسب يوم، أو على ترك المهايأة ثم يقتسمان ما حصل من كسب.. جاز.
وإن دعا أحدهما إلى المهايأة وامتنع الآخر.. لم يجبر الممتنع منهما.
وقال أبو حنيفة: (يجبر).
دليلنا: أن المهايأة تؤدي إلى تأخير الحق عن حالة استحقاقه.. فلم يجبر الممتنع منهما، كما لو كان له دين حال على رجل... فإنه لا يجبر على تأخيره.
فإذا قسم الكسب بينهما: إما مهايأة أو مناصفة، فإن عجز المكاتب عن حق المصدق من مال الكتابة.. كان للمصدق تعجيزه، فإذا عجزه.. عاد نصفه المكاتب رقيقا له، وأخذ ما بقي في يده من كسبه بعد الكتابة؛ لأن المكذب قد أخذ حقه من الكسب.
فأما ما اكتسبه قبل الكتابة.. فإنه بين الابنين نصفان؛ لأنه كان مملوكا لأبيهما، وانتقل إليهما بالإرث.
فإن اختلفا في شيء من الكسب، فقال المكذب: هذا كسبه قبل الكتابة فهو بيننا، وانتقل إليهما بالإرث.
فإن اختلفا في شيء من الكسب، فقال المكذب: هذا كسبه قبل الكتابة فهو بيننا، وقال المصدق: بل كسبه بعد الكتابة وقد أخذت حقك منه وباقيه لي.. فالقول قول المصدق مع يمينه؛ لأن المكذب يدعي أنه كان موجودا قبل الكتابة، والأصل عدم وجوده في ذلك الوقت، ولأن السيد لو اختلف هو والمكاتب في ذلك.. لكان القول قول المكاتب مع يمينه؛ والمصدق هاهنا قائم مقام المكاتب.
وإن أدى إلى المصدق نصف مال الكتابة.. عتق نصفه، وكان نصفه مملوكا للمنكر، ولا يقوم نصيب المنكر على المصدق وإن كان موسرا؛ لأن التقويم إنما يكون على من باشر العتق أو وجد منه سبب العتق، والمصدق لم يباشر العتق ولا وجد منه سببه وإنما أخبر بكتابة أبيه، ولمن يكون ولاء هذا النصف؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون بين الاثنين نصفين؛ لأنه عتق بسبب كان من أبيهما، ويثبت له عليه الولاء، فانتقل إليهما.
والثاني: يكون للابن المصدق وحده؛ لأن المنكر أسقط حقه من الولاء بإنكاره فهو كما لو شهد شاهد لأبيهما بدين على رجل فحلف أحدهما معه دون الثاني فإن للحالف نصف الدين.
مسألة ادعاء المكاتب دفع مال الكتابة أو الإبراء
): وإن ادعى المكاتب أنه دفع مال الكتابة إلى السيد، أو ادعى أن سيده أبرأه من مال الكتابة، فأنكر السيد القبض، أو البراءة، أو قال المكاتب: وضعت عني النجم الأول، فقال السيد: بل وضعت النجم الأخير، فإن كان مع المكاتب بينة بما ادعاه.. حكم له بما ادعاه؛ لأن البينة أقوى من اليمين ويقبل في ذلك شاهدان، وشاهد وامرأتان، وشاهد ويمين؛ لأنه بينة على المال.
وإن لم يكن مع المكاتب بينة.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم ما ادعاه المكاتب واشتغال ذمته بمال الكتابة.
فرع كاتبه على دنانير وأبرأه من دراهم
): وإن كاتبه على ألف دينار، فأبرأه عن ألف درهم.. لم تصح البراءة؛ لأنه أبرأه عما لا يستحقه عليه، فصار وجود هذا الإبراء كعدمه.
فإن قال السيد: أردت عن قيمة ألف درهم من الدنانير التي عليه.. صح وبرئت ذمته عن قيمة ألف درهم من الدنانير؛ لأنه فسر إبراءه بما يحتمله، فقبل منه.
فإن اختلفا، فقال المكاتب: أبرأتني من ألف درهم وأردت عن قيمتها من الدنانير، وقال السيد: لم أرد ذلك.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأنه أعلم بما أراد.
فإن نكل عن اليمين.. حلف المكاتب أنه أراد ذلك.
وإن اختلف المكاتب وورثة السيد فيما أراد السيد من ذلك.. حلف الورثة أنهم لا يعلمون أن مورثهم أراد ذلك.
مسألة علق إقراره بالقبض بالمشيئة
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو قال: قد استوفيت آخر كتابتك إن شاء الله أو إن شاء فلان.. لم يجز؛ لأنه استثناء).
وجملة ذلك: أن السيد إذا قال: فقد استوفيت آخر نجومك أو جميع مال الكتابة إن
شاء الله أو إن شاء فلان.. لم يكن إقرارا؛ لأن الاستثناء يمنع الإقرار كما يمنع الطلاق والعتاق؛ لأنه يحتمل أن يريد بذلك: سأستوفي إن شاء الله؛ لأن الاستثناء يدخل في الأفعال المستقبلة دون الماضية.
وإن قال: قبضت مال الكتابة إن شاء زيد.. لم يصح الإقرار؛ لأنه علقه بشرط، والقبض لا يصح تعليقه بشرط، وقول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن شاء الله أو إن شاء فلان).. لم يجز؛ لأنه استثناء يرجع إلى مشيئة الله تعالى، وأما مشيئة فلان فهي صفة.
وإن قال السيد: استوفيت، أو قال المكاتب: أليس قد استوفيت أو وفيتك، فقال السيد: بلى، ثم اختلفا فادعى المكاتب أنه استوفى جميع مال الكتابة، وقال السيد: بل استوفيت البعض.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الاستيفاء لا يقتضي الجميع.
وإن قال السيد: استوفيت آخر كتابتك.. فليس هذا إقرارا باستيفاء جميع مال الكتابة؛ لأنه يحتمل ذلك، ويحتمل أنه يريد: استوفيت آخر ما حل عليك دون ما قبله، فيرجع في تفسير ذلك إلى السيد، فإن ادعى المكاتب أنه أراد بذلك جميع مال الكتابة، وقال السيد: بل أردت النجم الأخير دون ما قبله.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأنه أعلم بما أراد.
مسألة يوقف ولد المكاتبة حتى يعرف وقت ولادته
): وإن كان مع المكاتبة ولد، فقالت: ولدته بعد الكتابة فهو موقوف معي ـ إذا قلنا: ولدها موقوف معها ـ وقال السيد: بل ولدته قبل الكتابة فهو ملك لي.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن هذا اختلاف في وقت الكتابة، فالسيد يقول: كان العقد بعد الولادة، والمكاتبة تقول: بل كان العقد قبل الولادة، ولو اختلفا في أصل العقد.. لكان القول قول السيد فكذلك إذا اختلفا في وقته.
فرع شراء المكاتب زوجته الأمة
): وإن كاتب رجل عبدا له ثم زوجه بأمته، ثم باع السيد الأمة من المكاتب.. فإن النكاح ينفسخ.
وقال أبو حنيفة: (لا ينفسخ؛ لأنه لا يملكها، بدليل: أنه إذا اشترى أمة.. لم يملك وطأها).
دليلنا: أن المكاتب يملك ما اشتراه، بدليل: أنه إذا اشترى شقصًا من دار، ثم اشترى السيد شقصًا فيه.. ثبت للمكاتب الشفعة فيما اشتراه مولاه، فانفسخ نكاحه، كالحر إذا ملك زوجته.
وأما منع المكاتب من وطئها: فلا يدل على أنه لا يملكها، بدليل: أن الراهن يمنع من وطء أمته المرهونة وإن كان مالكها.
إذا ثبت هذا: فإن أتت هذه الجارية بولد، فاختلف السيد والمكاتب فيه، فقال السيد: أتت به قبل أن أبيعها منك فهو ملك لي، وقال المكاتب: بل أتت به بعد ما اشتريتها فهو ملك لي.. فالقول قول المكاتب مع يمينه؛ لأنهما اختلفا في ملكه، ويد المكاتب عليه، فكان القول قوله، كسائر الأملاك.
ويفارق المكاتبة، فإنها لا تدعي ملك ولدها.
مسألة إقرار السيد استيفاء ما على أحد مكاتبته
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو قال السيد: قد استوفيت ما على أحد مكاتبي.. أقرع بينهما).
وجملة ذلك: أنه إذا كاتب عبدين له بعقدين أو بعقد ـ وقلنا: إنه يصح ـ ثم أقر السيد أن أحدهما قد أدى إليه جميع مال الكتابة، أو أنه قد أبرأه من جميع مال الكتابة،
وقال: لا أعلم عينه منهما.. فما دام حيا لا يقرع بينهما، ولكن يقال له: تذكر الذي أدى منهما أو الذي أبرأته منهما؛ لأن ذلك أقوى من القرعة، فإن تذكر وقال: هذا الذي أدى إلي مال الكتابة، أو هذا الذي أبرأته.. حكم بعتقه.
فإن صدق الآخر السيد أنه لم يؤد أو أنه لم يبرئه.. كان باقيا على كتابته.
وإن قال الآخر: أنا الذي أدى مال كتابته، أو أنا الذي أبرأته، فإن صدقه السيد.. حكم بعتقه أيضا مع الأول، وإن كذبه ولا بينة للثاني.. فالقول قول السيد مع يمينه: أنه لم يؤد إليه أو أنه لم يبرئه؛ لأن الأصل بقاء المال في ذمته.
فإذا حلف له السيد.. بقي على كتابته، وإن نكل السيد.. حلف المكاتب وعتق أيضا.
وإن مات المولى قبل أن يبين.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " المختصر ": (يقرع بينهما) وقال في موضع آخر: (لا يقرع بينهما) فحصل فيها قولان:
أحدهما: يقرع بينهما، فمن خرج له سهم الحرية.. عتق؛ لأن الحرية تعينت لأحدهما وأشكل عينه ولا يمكن التمييز إلا بالقرعة.
قال المحاملي: فعلى هذا: إن ادعى الآخر على الورثة أنه هو الذي أدى مال كتابته أو أبرأه السيد.. حلف الورثة: أنهم لا يعلمون أنه قد أدى مال كتابته، أو أن مورثهم أبرأه.
والقول الثاني: أنه لا يقرع بينهما؛ لأنه لا يؤمن أن يخرج سهم الحرية للذي لم يؤد فيرق المعتق، ولكن يرجع إلى بيان الوارث، فيقال للوارث: أتعلم الذي أدى أو أبرئ؟ فإن قال: نعم.. قيل له: عينه، فإذا عين أحدهما.. حكم بعتقه.
فإن قال الآخر: بل أنا الذي أدى مال كتابته أو أبرأه السيد.. حلف الوارث أنه لا يعلم أنه الذي أدى أو أبرئ.. وبقي على الكتابة.
وإن قال الوارث: لا أعلم عين المؤدي أو المبرأ، فإن صدقه المكاتبان أنه لا يعلم.. بقيا على الكتابة، وإن كذباه وادعيا علمه بالمؤدي منهما أو بالمبرأ.. حلف لكل واحد منهما يمينا وبقيا على الكتابة.
قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: ويؤدي كل واحد منهما جميع مال كتابته؛ لأنه لم يثبت أداء أحدهما.
قال: وعندي: أنهما إذا قالا: نؤدي ما على أحدنا إن كانت كتابتهما سواء، أو كانت كتابة أحدهما أكثر من الآخر فقالا: نؤدي كتابة أكثرنا كتابة لنعتق.. كان لهما ذلك؛ لأنهما إذا أديا ذلك.. فقد أديا جميع ما عليهما بيقين.
مسألة مكاتبة ثلاثة بعقد على مائة
): وإن كاتب رجل ثلاثة أعبد له على مائة درهم بعقد واحد، وقيمة أحدهم مائة وقيمة كل واحد من الآخرين خمسون، فإن قلنا: إن الكتابة باطلة.. فلا كلام.
وإن قلنا: إنها صحيحة.. قسمت المائة المسماة عليهم على قدر قيمتهم، فيكون على من قيمته مائة: خمسون، وعلى كل واحد من الآخرين: خمسة وعشرون.
فعلى هذا: إن أدى العبيد الثلاثة مائة من أيديهم إلى السيد، ثم اختلفوا، فقال كل واحد من العبدين اللذين قيمتهما مائة: أديناها أثلاثا بيننا، فأديت أنت ثلاثة وثلاثين وثلثا وبقي عليك باقي كتابتك فلم تعتق، وأدى كل واحد منا ثلاثة وثلاثين وثلثا، وعلى كل واحد منا خمسة وعشرون.. فقد عتقنا نحن، وبقي ما زاد لكل واحد منا وديعة عند السيد، أو أدينا ذلك عنك بإذنك فهو دين عليك لنا.
وقال من كثرت قيمته: بل أديناها على قدر ما علينا من مال الكتابة، فأديت أنا خمسين وعتقت، وأدى كل واحد منكما خمسة وعشرين وعتق:
فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (القول قول من قلت قيمته).
وقال في موضع من " الأم ": (إذا أدوا ستين دينارا، ثم اختلفوا، فقال من قلت قيمته: أديناها على العدد أثلاثا، وقال من كثرت قيمته: أديناها على قدر ما علينا من مال الكتابة.. فالقول قول من كثرت قيمته).
واختلف أصحابنا فيها على طريقين:
فمنهم من قال: فيها قولان:
أحدهما: القول قول قلت قيمته، وهو الأصح؛ لأن أيديهم على المال، فالظاهر أن أملاكهم متساوية فيه.
والثاني: أن القول قول من كثرت قيمته؛ لأن الظاهر من حال من عليه دين أنه لا يؤدي أكثر مما عليه، ومن قلت قيمته يدعي أنه أدى أكثر مما عليه، وهذا مخالف للظاهر.
ومنهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
فالموضع الذي قال: (القول قول من قلت قيمته) أراد به: إذا أدوا أقل مما عليهم من مال الكتابة، مثل: أن يؤدوا ستين وعليهم مائة؛ لأن من قلت قيمته.. لم يؤد أكثر مما عليه، فلا تخالف دعواه الظاهر، ويد كل واحد منهم على ثلث المال، فكان القول قوله.
والموضع الذي قال: (القول قول من كثرت قيمته) أراد به: أدوا جميع مال الكتابة؛ لأن من قلت قيمته هاهنا.. يدعي أنه أدى أكثر مما عليه، فكانت دعواه تخالف الظاهر، فلم تقبل.
مسألة ادعاء المكاتب تأدية الكتابة لسيديه
): وإن كان عبد بين رجلين نصفين فكاتباه كتابة صحيحة، ثم ادعى المكاتب أنه أدى إليهما مال الكتابة.. ففيه ثلاث مسائل:
إحداهن: إذا كاتباه على ألف، فادعى المكاتب أنه أدى إلى كل واحد منهما خمسمائة، فإن صدقاه.. عتق، وإن كذباه ولا بينة للمكاتب.. حلف له كل واحد منهما يمينا وبقي على الكتابة، وإن صدقه أحدهما وكذبه الآخر.. عتق نصيب المصدق.
ولا تقبل شهادة المصدق على المنكر؛ لأنه يدفع بهذه الشهادة عن نفسه غرما، فإن لم يكن مع المكاتب بينة.. حلف له المنكر: أنه لم يقبض منه نصيبه من الكتابة،
وبقي نصيبه على الكتابة، ويكون المنكر بالخيار: بين أن يطالب المكاتب بخمسمائة؛ لأنه قد ثبت أنه ما قبض شيئا منها، وبين أن يرجع على شريكه المصدق بمائتين وخمسين ـ وهو نصف ما قبض ـ لأن كسب المكاتب مشترك بين سيديه، فلا يجوز أن يخص أحدهما بشيء منه، ويرجع على المكاتب بمائتين وخمسين؛ لأنه لم يثبت أنه قبض منه شيئا من الكتابة.
فإذا حصل للمنكر الخمسمائة، إما من المكاتب وإما من المكاتب ومن المصدق.. عتق نصيبه، ولا يرجع المكاتب على المصدق بما أخذه منه المنكر، وكذلك لا يرجع المصدق على المكاتب بما أخذه منه المنكر؛ لأن كل واحد منهما يقر أن الذي ظلمه هو المنكر، فلا يرجع على غير من ظلمه.
فإن قيل: فالمكذب منكر لقبض المصدق نصيبه.. فكيف يرجع عليه؟
قلنا: إقرار المصدق يوجب له الرجوع عليه، وإنكاره لا يمنعه من الرجوع؛ لجواز أن يكون المصدق قبض بغير علم المنكر.
فإن عجز المكاتب عما لزمه أداؤه إلى المنكر.. كان له تعجيزه فإذا عجزه.. عاد نصفه رقيقا له، ونصفه قد عتق بإقرار المصدق، ويكون ما بقي في يد المكاتب من الكسب بينه وبين المنكر نصفين.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يقوم نصيب المنكر هاهنا على المصدق؛ لأن التقويم لحظ العبد لتكميل أحكامه، والعبد يزعم أنه حر، وإنما استرق المنكر نصفه ظلما).
المسألة الثانية: إذا قال المكاتب لأحد الشريكين: دفعت إليك جميع الألف لتأخذ نصفها لك وتدفع إلى شريكك نصفها، فقال الذي ادعى عليه المكاتب: لم تدفع إلي جميع الألف، وإنما دفعت إلي نصف الألف وإلى شريكي نصف الألف، فقال الشريك: ما دفع إلي شيئا.. فيعتق نصيب الذي أقر أنه قبض نصف الألف، ويحلف للمكاتب: أنه ما قبض منه إلا خمسمائة، ولا تقبل شهادته على شريكه؛ لأن المكاتب لا يدعي عليه أنه قبض، ولأنه يدفع بهذه الشهادة عن نفسه غرما، ولا يمين
على الشريك الذي لم يدع عليه المكاتب، للمكاتب؛ لأنه لا يدعي أنه أقبضه شيئا، فبقي نصيبه على الكتابة: ويكون بالخيار: بين أن يرجع على المكاتب بخمسمائة، وبين أن يرجع عليه بمائتين وخمسين وعلى شريكه المقر بمائتين وخمسين؛ لأن الخمس المائة التي أقر بقبضها من كسب العبد وكسبه بينهما.
قال ابن الصباغ: وللمصدق أن يحلف المنكر: أنه لم يقبض من المكاتب خمسمائة؛ لجواز أن يخاف، فيقر، فيسقط رجوعه عليه.
فإذا رجع المنكر على المكاتب أو على المصدق.. لم يرجع أحدهما على الآخر بذلك؛ لأن المصدق يعترف: أن المنكر ظالم له، فلا يرجع على غير من ظلمه، والمكاتب ما ثبت أنه دفع إلى المصدق شيئا، فيرجع عليه.
فإذا حصل للمنكر خمسمائة من المكاتب أو منهما.. عتق نصيبه.
وإن عجز المكاتب عما لزمه أداؤه إلى المنكر.. كان له تعجيزه، فإذا عجزه.. عاد نصفه رقيقا له، ونصفه قد عتق على المصدق.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويقوم على المقر نصيب المنكر؛ لأن المكاتب يقول: أنا أستحق التقويم؛ لأن نصفي مملوك).
ومن أصحابنا من نقل جواب الأولى إلى هذه وجواب هذه إلى الأولى، وجعل فيهما قولين، وليس بشيء.
المسألة الثالثة: إذا قال المكاتب لأحد الشريكين: قد دفعت إليك الألف كلها لتأخذ نصفها وتدفع إلى شريكك نصفها، فقال هذا الذي ادعى عليه المكاتب: نعم، قد قبضت الألف ودفعت إلى شريكي نصفها، فقال الشريك: ما دفعت إلي شيئا.. عتق نصيب المقر؛ لأنه أقر أنه استوفى مال كتابته، فإن لم تكن بينة على المنكر.. فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف.. بقي حقه مكاتبا، ويكون بالخيار.. بين أن يطالب المكاتب بخمسمائة؛ لأن حقه في الأصل عليه، وبين أن يطالب المقر بخمسمائة؛ لأنه أقر بقبضها.
فإذا أخذ حقه من أيهما كان.. عتق نصيبه، ثم ينظر:
فإن رجع المنكر على المكاتب بخمسمائة.. كان للمكاتب الرجوع على المقر بخمسمائة، سواء صدقه على الدفع إلى شريكه أو كذبه؛ لأنه يقول: كان من الواجب عليك أن تدفع إليه وتشهد ليكون دفعا مبرئا، فإذا لم تشهد.. فقد فرطت.
وإن رجع المنكر على المقر.. لم يرجع المقر على المكاتب؛ لأنه يقر أن شريكه ظلمه، فلا يرجع على غير من ظلمه.
وإن عجز المكاتب عن الأداء.. قال أصحابنا: وهذا بعيد؛ لأن له أن يأخذ من المقر خمسمائة ويؤديها في مال الكتابة، ولكنه إن لم يختر ذلك.. لم يجبره المنكر على مطالبة المقر، وللمنكر أن يعجزه، فإذا عجزه.. عاد نصفه رقيقا له، ويرجع المنكر على المقر بخمسمائة، وهو نصف ما أقر بقبضه؛ لأنه من كسب المكاتب.
قال عامة أصحابنا: ويقوم نصيب المنكر على المقر.
وقال القاضي أبو الطيب: إن كان المكاتب لم يصدق المقر في دفع خمسمائة إلى المنكر.. قوم عليه؛ لأنه يقر أن نصفه مملوك، وإن صدقه أنه دفع إليه خمسمائة.. لم يقوم عليه؛ لأنه يعترف أنه حر وأن أحكامه كملت، وأن المنكر مسترق لنصفه ظلما.
فرع تزويج السيد ابنته من مكاتبه
): إذا زوج الرجل ابنته من مكاتبه برضاها.. صح النكاح، وإنما اعتبر رضاها؛ لأنه ليس بكفء لها.
فإن مات السيد قبل أن يعتق المكاتب، فإن كانت غير وارثة لأبيها، بأن كانت قاتلة أو ذمية.. فإن النكاح بحاله، وإن ورثت أباها.. انفسخ نكاحها.
وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا ينفسخ النكاح).
دليلنا: أن المكاتب عبد قبل الأداء وقد ملكت شيئا منه.. فانفسخ نكاحها، كما لو كان زوجها غير مكاتب، فملكته أو ملكت شيئا منه.
فرع تدفع الكتابة لورثة السيد أو للوصي
): وإن كاتب الرجل عبدا له ومات السيد قبل أن يؤدي المكاتب، فإن كان وارث السيد واحدا رشيدا.. دفع المكاتب المال إليه، وإن كان وارثه اثنين رشيدين.. لم يعتق المكاتب حتى يدفع إلى كل واحد منهما نصيبه.
وإن ورث السيد من ليس برشيد.. لم يعتق المكاتب حتى يدفع مال الكتابة إلى الناظر في أمر الوارث، من جد أو وصي أو حاكم أو أمين الحاكم.
وإن أوصى السيد بمال الكتابة لرجل معين أو لقوم معينين.. قال المحاملي: جاز للمكاتب أن يدفع مال الكتابة للموصى له المعين، ويجوز أن يدفعه إلى وصي الميت أو إلى وارثه؛ لأن للوارث والوصي أن يتوليا إيصال الوصايا إلى مستحقيها.
وإن وصى به المولى لقوم موصوفين غير معينين، كالفقراء والمساكين.. لم يبرأ المكاتب بدفعه إليهم، بل يدفعه إلى الوصي ليتولى تفرقته.
وإن أوصى المولى أن يقضى دينه من مال الكتابة، فإن كان الدين لرجل معين.. فالأولى أن يدفعه إليه.
وإن دفعه إلى الوصي أو إلى الوارث.. جاز.
وإن لم يوص به، بل كان عليه دين يحيط بماله.. فلا يجوز للمكاتب أن يدفع إليه المال إلا بحضرة الوارث والوصي.
فإن دفعه إلى أحدهما.. لم يبرأ؛ لأن لكل واحد منهما فيه حقا، فحق الوارث: أن يأخذه ويقضي الدين من عنده، وللوصي حق، وهو: منع الورثة من التصرف في التركة حتى يقضي الدين.
والله أعلم بالصواب، وبالله التوفيق