كتاب اللعان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدهما: له أن يلاعن؛ لأن كل امرأة كان له لعانها بعد انفصال ولدها.. كان له لعانها قبل انفصاله، كالزوجة.
والثاني: ليس له أن يلاعن حتى تضع الولد؛ لأن اللعان هاهنا إنما ثبت لأجل نفي النسب، والنسب لا يتحقق قبل وضع الولد؛ لجواز أن يكون ريحا فينفش، فلم يكن له اللعان قبل الوضع.
وإن تزوج امرأة وماتت، ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية.. وجب عليه حد القذف، فإن طالبه ورثتها بالحد، فإن لم يكن هناك ولد.. لم يلاعن لنفي الحد؛ لأنه قذف غير محتاج إليه، وإن كان هناك نسب ولد يريد نفيه.. كان له أن يلاعن؛ لأنه محتاج إليه لنفي الولد.
فرع: قذفها ثم بتها ثلاثا أو مخالعة فطالبته بحدها
]: وإن قذف زوجته، ثم طلقها طلاقا ثلاثا أو خالعها، ثم طالبته بحدها.. كان له أن يلاعن، سواء كان هناك ولد أو لم يكن؛ لأنه لعان عن قذف كان محتاجا إليه، فهو كما لو لم يطلقها، وهل تحرم عليه على التأبيد؟ فيه وجهان، يأتي ذكرهما.
فرع: قذفها وأقام البينة فسقط عنه الحد
]: وإن قذف زوجته، وأقام عليها أربعة شهود بزناها.. سقط عنه حد القذف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4].
فدل على: أنه إذا أتى بأربعة شهداء.. لم يجلد.
فإن لم يكن هناك ولد يلحقه منها.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأن اللعان لدرء الحد أو لنفي النسب، وليس هناك واحد منهما.
وإن كان هناك ولد يلحقه منها.. فله أن يلاعن لنفيه؛ لأنه لا ينتفي عنه بالبينة، فإن كان ولدا منفصلا.. فله أن يلاعن، وإن كان حملا.. فله أن يصبر باللعان إلى أن تضع، وهل له أن يلاعن لنفيه قبل الوضع؟ على الطريقين في التي قبلها.
وإن قذف زوجته بالزنا، فأقرت به.. لم يجب عليه حد القذف، فإن كان هناك ولد يلحقه منها.. فإنه لا ينتفي عنه بإقرارها بالزنا، وله أن يلاعن لنفيه، فإن كان منفصلا.. فله أن يلاعن لأجله، وإن كان حملا.. فهل له أن يلاعن لنفيه قبل انفصاله؟ أيضا على الطريقين.
وإن تزوج امرأة تزويجا فاسدا، وقذفها.. وجب عليه حد القذف، وليس له أن يلاعن لدرء حد القذف عنه؛ لأن اللعان حكم يختص بالزوجين، وإن كان هناك ولد يلحقه منها.. فله أن يلاعن لنفيه.
وقال أبو حنيفة: (ليس له نفيه باللعان).
دليلنا: أن الولد في النكاح الفاسد كالولد في النكاح الصحيح في ثبوته، فكذلك في نفيه، فإن كان منفصلا.. فله أن يلاعن لنفيه، وإن كان حملا.. فهل له أن يلاعن لنفيه قبل انفصاله؟ على الطريقين في التي قبلها.
مسألة: لا يعد ملك الأمة فراشا إلا بالبينة
إذا ملك الرجل أمة.. فإنها لا تصير فراشا له بنفس الملك؛ لأنه قد يملك الأمة للاستمتاع، وللخدمة، وللتمول، فلم تصر فراشا له بنفس الملك.
قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع.
فإن أقر بوطئها، أو قامت عليه بينة: أنه وطئها.. صارت فراشا له، ومتى أتت بولد لمدة الحمل من وقت الوطء.. لحقه نسبه، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: (لا تصير فراشا ولو وطئها عشرين سنة فأكثر، فإن كل ولد تلده فهو مملوك له، إلا أن يقر بواحد: أنه ابنه، فيثبت نسبه منه، وتصير فراشا له، ويلحقه كل ولد تلده بعد ذلك).
وقال في (الطلاق): (إذا قال الرجل: كل امرأة أتزوجها.. فهي طالق ثلاثا، ثم تزوج امرأة.. فإنها تطلق عقيب العقد، فلو أتت بولد لستة أشهر فصاعدا من حين العقد.. لحقه بالفراش).
وهذا تخليط.
دليلنا: ما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة اختصما إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ابن أمة زمعة، فقال سعد: يا رسول الله، إن أخي عتبة أوصاني إذا قدمت مكة أن أطلب ابن أمة زمعة، وأقبضه، فإنه ابنه، ألم بها في الجاهلية، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن أمة أبي ولد على فراشه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " هو لك يا عبد بن زمعة.
الولد للفراش، وللعاهر الحجر».
فموضع الدليل: أن عبد بن زمعة قال: ولد على فراشه.
فلم ينكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كون الأمة فراشا، بل ألحق بأبيه الولد.
والظاهر أنه ألحقه به وبالنسب الذي ادعى به، ولم يسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، هل ولدت له قبل ذلك، أم لا؟ ولو كان الحكم يختلف بذلك.. لسأل عنه.
وروي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (ما بال رجال يطؤون ولائدهم، ثم يعزلونهن - وروي: ثم يرسلونهن - ما تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها.. إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا).
وروي: (أمسكوهن بعد أو أرسلوهن).
ولا مخالف له في الصحابة، فدل على: أنه إجماع.
ولأنه معنى يثبت به تحريم المصاهرة، فجاز أن يثبت به الفراش، كعقد النكاح.
فرع: أقر بوطء أمته
]: وإن أتت أمته بولد، وأقر: أنه كان يطؤها، إلا أنه كان يعزل عنها.. لحقه الولد؛ لما روى أبو سعيد الخدري: «أن قوما قالوا: يا رسول الله، إنا نصيب السبايا، ونحب الأثمان، أفنعزل عنهن؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن الله إذا قضى خلق نسمة.. خلقها».
ولأن أحكام الوطء تتعلق بالإيلاج دون الإنزال، ولأنه قد يسبق منه من الماء ما لا يحسن به.. فتعلق به.
وإن أقر: أنه كان يطؤها دون الفرج، أو أنه كان يطؤها في دبرها.. فهل يلحقه ولدها؟ فيه وجهان، كما قلنا فيمن وطئ امرأته كذلك وأتت بولد.. هل له نفيه باللعان؟
فرع: صارت فراشا وأتت بولد
]: إذا صارت الأمة فراشا له بإقراره بوطئها، أو بالبينة على وطئها، ثم أتت بولد لمدة الحمل من وقت الوطء، فنفاه، وادعى: أنه استبرأها بعد الوطء، وأن هذا الولد حدث من غيره بعد الاستبراء، فحلف عليه.. فقد قال الشافعي هاهنا: (لا يلحقه).
وقال في المطلقة ثلاثا، إذا أقرت بانقضاء عدتها بالأقراء، ثم أتت بولد يمكن أن يكون منه: (لحقه).
وجعل أبو العباس المسألتين على قولين.
وقال أكثر أصحابنا: يلحقه ولد الزوجة، قولا واحدا، وقد مضى الدليل عليه، ولا يلحقه ولد الأمة، قولا واحدا.
والفرق بينهما: أن ولد الزوجة يلحقه بالإمكان، وولد الأمة لا يلحقه بالإمكان، وإنما يلحقه بالوطء، وإذا استبرأها.. بطل حكم الوطء، وبقي الإمكان، وولدها لا يلحقه بالإمكان.
وإذا أراد نفي ولد أمته عنه.. فالمنصوص: (أن له أن ينفيه بغير لعان).
وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه قال: (أما ترون إلى أبي عبد الله يقول: إن ولد الأمة ينفى باللعان؟!).
واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: أراد أحمد بقوله: (أبي عبد الله) الشافعي، وأنه قال: (ينفي ولده من أمته باللعان).
وجعل المسألة على قولين:
أحدهما: ينفى عنه باللعان؛ لأنه ولد لم يرض به، فكان له نفيه باللعان، كولد زوجته.
والثاني: ليس له نفيه باللعان؛ لأنه يمكنه نفيه بدعوى الاستبراء، فلا حاجة به إلى اللعان، وكل موضع ليس به حاجة إلى اللعان.. لم يكن له أن يلاعن، كقذف الأجنبية، ويخالف الزوجة، فإنه لا يمكنه نفي ولدها إلا باللعان.
ومن أصحابنا من قال: ليس له نفيه باللعان، قولا واحدا؛ لما ذكرناه، وقول أحمد: (أبي عبد الله) لم يرد به الشافعي، بل يحتمل أنه أراد به: مالك بن أنس، أو أبا عبد الله سفيان الثوري، فلا يضاف ذلك إلى الشافعي بالشك.
ومنهم من قال: بل أراد أحمد بذلك الشافعي، وإنما لم يرد به: أن الشافعي يقول: إن الرجل ينفي ولد أمته باللعان، وإنما أراد: أن الشافعي يقول: (إذا تزوج الرجل أمة، وأتت بولد.. فإن له أن ينفيه باللعان).
وأحمد يقول: (ليس له نفيه باللعان) فيكون ذلك بيانا لمذهبه.
مسألة: قذفها ولم تطالبه بحد ثم قذفها بآخر
]: إذا قذف زوجته، فلم تطالبه بحدها، ولم يقم عليها البينة، ولا لاعنها، ثم قذفها بزنا آخر، وأراد اللعان.. كفاه لعان واحد؛ لأنه يجب عليه حد واحد في أحد القولين، فكفاه لعان واحد.
ويجب عليه حدان في القول الثاني، إلا أن اللعان يمين، واليمين الواحدة تنفي الحقين لواحد وأكثر.
وإن قذف أربع زوجات له بكلمة واحدة أو كلمات، وأراد اللعان.. لاعن عن كل واحدة منهن لعانا؛ لأن اللعان يمين، والأيمان لجماعة لا تتداخل في الأموال، ففي اللعان أولى.
فعلى هذا: إن قذفهن بكلمة واحدة، وتشاحن في البداية.. أقرع بينهن؛ لأنه لا مزية لبعضهن على بعض، وإن بدأ بلعان واحدة منهن برضا البواقي أو بغير رضاهن.. صح لعانه؛ لأن كل واحدة منهن تصل إلى حقها منه.
وإن قذفهن بكلمات، وطلبت كل منهن الحد في وقت واحد، وأراد اللعان.. بدأ بلعان من قذفها أولا؛ لأن حقها أسبق، ثم بالتي قذفها بعدها، ثم بالتي بعدها إلى أن يلاعن جميعهن.
فإن لاعن أولا من قذفها آخرا.. صح؛ لأن المقذوفة قبلها تصل إلى حقها منه.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قذف أربع نسوة.
فهل يلاعن عنهن مرة واحدة، أو أربع مرات؟ فيه وجهان.
وبالله التوفيق.
باب من يصح لعانه وكيف اللعان وما يوجبه من الأحكام
يصح اللعان من كل زوجين مكلفين، سواء كانا مسلمين أو كافرين، أو أحدهما مسلما والآخر كافرا، وسواء كانا حرين أو مملوكين، أو أحدهما حرا والآخر مملوكا، وسواء كانا محدودين أو غير محدودين، وبه قال ابن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن البصري، وربيعة، ومالك، وأحمد، والليث.
وقال الزهري، والثوري، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة: (لا يصح اللعان إلا بين زوجين حرين مسلمين غير محدودين في قذف، ويصح اللعان بين الفاسقين).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: 6] الآية [النور: 6].
وهذا عام يتناول جميع ما ذكرناه.
ولأنه يمين بالله تعالى، فصح من جميع من ذكرناه، كسائر الأيمان.
يؤيده قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لولا الأيمان.. لكان لي ولها شأن».
ولا يصح اللعان من الصبي والمجنون؛ لأنه قول يوجب الفرقة، فلم يصح منهما، كالطلاق.
مسألة: إشارة الأخرس كنطقه في النكاح وغيره
]: وأما الأخرس: فإن لم يكن له إشارة مفهومة ولا يحسن يكتب.. فلا يصح نكاحه، ولا بيعه، ولا شراؤه، ولا قذفه، ولا لعانه؛ لأنه في معنى المجنون.
وإن كانت له إشارة مفهومة، أو يحسن يكتب.. فحكمه حكم الناطق، ويصح بيعه، وشراؤه، ونكاحه، وطلاقه، وقذفه، ولعانه.
وقال أبو حنيفة: (يصح نكاحه وطلاقه، ولا يصح قذفه ولعانه).
دليلنا: أنه يصح نكاحه وطلاقه، فصح قذفه ولعانه، كالناطق.
ولأنه يصح يمينه في غير اللعان، فصح في اللعان كالناطق.
وأما الزوجة إذا كانت خرساء: فإن كانت لها إشارة مفهومة، أو كانت تحسن تكتب، فقذفها الزوج.. فهي كالناطقة في لعانها.
وإن لم يكن لها إشارة مفهومة، ولا تحسن تكتب، فقذفها الزوج، فإن كانت حائلا.. لم يكن للزوج أن يلاعنها؛ لأنه لا يلاعنها حتى تطالبه بحدها، ولا يصح منها المطالبة، وإن كانت حاملا.. فله أن يلاعنها لينفي عنه النسب.
فرع: نفي الأخرس اللعان بالكلام بعد إثباته بإشارته
]: وإن لاعن الأخرس بالإشارة المفهومة، ثم زال خرسه، فتكلم، فقال: ما قصدت اللعان بما أشرت.. لم يقبل قوله فيما له؛ وهو عود الزوجة، ويقبل فيما عليه، فيطالب بالحد، ويلحقه الولد.
فإن قال: أنا ألاعن لنفي الحد والنسب.. كان له ذلك؛ لأن ذلك إنما لزمه لإقراره: أنه لم يلاعن، فكان له أن يلاعن.
فأما إذا أنكر القذف واللعان معا: لم يقبل قوله في القذف؛ لأنه قد تعلق به حق الغير بحكم الظاهر، فلا يقبل إنكاره له.
فرع: اعتقل لسانه بعد قذفه
]: وإن قذف امرأته، ثم مرض واعتقل لسانه، فإن قال طبيبان عدلان من أطباء المسلمين: إن هذا لا يزول.. كان كالأخرس، وإن قالا: إنه يزول.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح لعانه إلا بالنطق؛ لأن هذا يزول، فهو كالساكت.
والثاني: أنه كالأخرس؛ لما روي: (أن أمامة بنت أبي العاص أصمتت - أي: اعتقل لسانها - فقيل لها: لفلان عليك كذا، ولفلان كذا، فأشارت - أي: نعم - فرفع ذلك إلى الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فرأوا أن ذلك وصية)، ولأنه عاجز عن النطق، فهو كالأخرس.
مسألة: اللعان بالعجمية
كالعربية]: وأي الزوجين كان أعجميا، فإن كان يحسن العربية.. فهل يصح لعانه بالعجمية؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: يصح؛ لأنه يمين، فصح بالعجمية مع القدرة على العربية، كسائر الأيمان.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ غيره -: أنه لا يصح؛ لأن القرآن ورد بألفاظ اللعان، فلا يصح منه بغيرها مع القدرة عليها.
وإن كان لا يحسن العربية.. لاعن بلسانه؛ لأنه ليس بأكبر من أذكار الصلاة، وأذكار الصلاة تصح بالعربية، وبالعجمية إذا لم يحسن العربية.
فإن كان الحاكم يعرف لسانهما.. لم يحتج إلى مترجم، والمستحب: أن يحضر أربعة يحسنون لسانهما.
وإن كان الحاكم لا يعرف لسانهما.. فلا بد أن يحضر من يعرف لسانهما.
واختلف أصحابنا في عددهم:
فمنهم من قال: يكفي اثنان، كالأيمان في غير اللعان، والمستحب: أن يكونوا أربعة.
ومنهم من قال: يبنى على القولين في الإقرار بالزنا، فإن قلنا: يقبل فيه
شاهدان.. أجزأ في الترجمة اثنان، وإن قلنا: لا يثبت إلا بأربعة.. لم يقبل في الترجمة إلا أربعة؛ لأنه قول يثبت به حد الزنا، فأشبه الإقرار.
قال ابن الصباغ: والأول أصح؛ لأن اللعان لا يتضمن الإقرار بالزنا.
فإن أقرت.. فعلى القولين.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (يكفي مترجم واحد).
دليلنا: أنهما يثبتان قولا يحكم به الحاكم، فكان العدد شرطا فيه، كسائر الشهادات.
مسألة: يشترط للعان حضور الإمام أو الحاكم
]: ولا يصح اللعان إلا بحضرة الإمام أو الحاكم؛ لأنها يمين، فلم تصح إلا بحضرة الحاكم، كاليمين في سائر الدعاوي.
ولأن من الناس من لا يجيز لعان الذمي والعبد والمحدود، فكان موضع اجتهاد، فافتقر إلى الحاكم، كفسخ النكاح بالعيب.
ولا يصح حتى يستدعي الحاكم اللعان، فيقول للزوج: قل: أشهد بالله؛ لما روي: «أن ركانة بن عبد يزيد قال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما أردت بالبتة؟ "، قال ركانة: والله ما أردت به إلا واحدة، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " والله ما أردت به إلا واحدة؟ "، قال ركانة: والله ما أردت به إلا واحدة».
فلما حلف ركانة من غير أن يستدعيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمين.. لم يكتف
بذلك منه، بل استدعى منه اليمين ثانيا، فدل على: أنها لا تصح من غير استدعاء.
فإن حكم الزوجان رجلا يصلح للحكم يلاعن بينهما، فلاعن بينهما.. فهل يصح ذلك؟ فيه وجهان، يأتي بيانهما في موضعه.
وإن زوج الرجل عبده أمته، فقذف العبد الأمة.. فللسيد أن يلاعن بينهما؛ لأنه يملك إقامة الحد عليهما، فملك اللعان بينهما، كالحاكم.
مسألة: كيفية الملاعنة
]: واللعان: أن يقول الحاكم للزوج أربع مرات: قل: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان من الزنا، ويرفع في نسبها؛ حتى لا تشاركها امرأة له أخرى إن كانت غائبة، وإن كانت حاضرة.. قال: فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان هذه، ويشير إليها، وهل يشترط أن يجمع بين ذكر نسبها وبين الإشارة إليها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط أن يجمع بينهما؛ لأن اللعان مبني على التأكيد والتغليظ، فوجب الجمع بينهما.
والثاني: لا يشترط الجمع بينهما، بل يكفي أن يقول: زوجتي هذه؛ لأن التمييز يحصل بذلك، كما يكفي في النكاح أن يقول الولي: زوجتك هذه، ويقول الزوج: هذه طالق.
فإن كان هناك ولد أو حمل يريد الزوج نفيه عنه باللعان.. قال في كل مرة: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة ابنة فلان من الزنا، وأن هذا الحمل، أو هذا الولد من الزنا، وليس مني.
وإن قال: وأن هذا الولد ليس مني، ولم يقل: وأنه من الزنا.. لم ينتف عنه؛ لأنه يحتمل أن يريد: ليس مني خلقا أو خلقا.
وإن قال: وأن هذا الولد من الزنا، ولم يقل: وليس مني.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول القاضي أبي حامد -: أنه ينتفي عنه؛ لأن ولد الزنا لا يكون منه.
والثاني: لا ينتفي عنه؛ لجواز أن يعتقد أن الوطء في النكاح بلا ولي زنا - على قول الصيرفي - وقد ينكح بلا ولي ويطؤها فيه، وذلك ليس بزنا، فوجب أن يقول: وليس مني؛ لينفي الاحتمال.
وإن قذفها بزنيتين.. ذكرهما في كل مرة.
وإن قذفها برجل بعينه.. ذكره في كل شهادة.
فإذا شهد الزوج بذلك أربع مرات.. فالمستحب: أن يوقفه الحاكم، ويعظه، ويقول له: إني أخاف إن لم تكن صادقا أن تبوء بلعنة الله، اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن الخامسة موجبة عليك العذاب.
ويأمر رجلا يضع يده على فيه، فإن أبى.. قال له الحاكم: قل: وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي فلانة ابنة فلان من الزنا، وأن هذا الولد من زنا، وليس مني، ثم تقوم الزوجة، ويقول لها الحاكم أربع مرات: قولي: أشهد بالله إن زوجي فلان ابن فلان لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، إن كان زوجها غائبا.
قال ابن الصباغ: وإن كان حاضرا.. أشارت إليه، وهل تحتاج إلى نسبه والإشارة إليه؟ على الوجهين.
ولا تحتاج المرأة إلى ذكر الولد في لعانها؛ لأنه لا حق لها فيه.
فإذا شهدت بذلك أربع مرات.. وقفها الحاكم، ووعظها، كما قلنا في الزوج، وقال لها: اتقي الله؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن الخامسة موجبة
عليك الغضب.
ويأمر امرأة تضع يدها على فيها، فإن أبت.. قال لها الخامسة: قولي: وعلي غضب الله إن كان زوجي فلان بن فلان من الصادقين فيما رماني به من الزنا.
والدليل على هذا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: 6] الآية [النور: 6].
وروى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما لاعن بين هلال بن أمية وامرأته.. قال له: " يا هلال، قم فاشهد "، فلما شهد أربعا.. قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اتق الله يا هلال، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإنها موجبة عليك العذاب».
وفي بعض الأخبار: «أنه وضع يده على فيه، فقال هلال: والله، لن يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة.
ولما شهدت المرأة أربعا.. قال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب ". قال: فتلكأت ساعة، ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: والله لا فضحت قومي، فشهدت الخامسة».
فإن أخل أحدهما بأحد هذه الألفاظ الخمسة.. لم يتعلق بلعانه حكم ما علق عليه، سواء حكم به حاكم أو لم يحكم به.
وقال أبو حنيفة: (إذا شهد أحدهما مرتين، وأتى باللعنة في الثالثة، وحكم الحاكم بالفرقة بذلك، ونفى النسب.. فقد أخطأ، ونفذ حكمه).
دليلنا: أن الله تعالى علق الحكم بهذه الألفاظ الخمسة.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاعن بين العجلاني وامرأته، فقال له: " قم فاشهد أربعا "، وذكر اللعن في الخامسة، ثم قال لها: " قومي فاشهدي أربعا "، وذكر الغضب في الخامسة، ثم فرق بينهما.
وإذا علق الحكم على عدد.. لا يتعلق بما دونه، كالشهادة في الزنا.
فرع: تعيين لفظ أشهد في اللعان
فرع: [تعيين لفظ أشهد]: إذا قال أحدهما مكان قوله: أشهد بالله: أحلف بالله، أو أقسم بالله، أو أولي بالله.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الله تعالى نص فيه على لفظ الشهادة، فإذا عدل عنه إلى غيره لم يجزه، كما لو نقص العدد المنصوص عليه.
والثاني: يجزئه؛ لأن اللعان يمين، والحلف والقسم والإيلاء صريح في اليمين، والشهادة كناية فيه، فلما جاز بالكناية.. فلأن يجوز بالصريح أولى.
وإن أبدل الرجل مكان اللعنة الإبعاد، بأن قال في الخامسة: وعلي إبعاد الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي فلانة ابنة فلان من الزنا.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ترك المنصوص عليه.
والثاني: يجوز؛ لأن معنى الجميع واحد.
فإن أبدل اللعنة بالغضب.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ترك المنصوص عليه.
والثاني: يجوز؛ لأن في الغضب معنى اللعن وزيادة؛ لأن اللعنة: هي الإبعاد
والإقصاء، وفي الغضب هذا وأكثر منه، ولأنه قد يكون مبعدا ولا يكون مغضوبا عليه، ولا يكون مغضوبا عليه إلا ويكون مبعدا.
وإن أبدلت المرأة لفظ الغضب بالسخط.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها تركت النص.
والثاني: يجوز؛ لأن معنى الجميع واحد.
وإن أبدلت لفظ الغضب باللعنة.. فقال الشيخ أبو حامد: لا يعتد به بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأنها عدلت عن المنصوص عليه إلى ما أخف منه، على ما مضى.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه يجوز.
وليس بمشهور.
وإن قدم الرجل اللعنة على الأربع الشهادات، أو أتى به في أثنائها، أو قدمت المرأة الغضب على الأربع الشهادات، أو أتت به في أثنائها.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن المقصود التغليظ والتأكيد بهذه الألفاظ، وقد أتى به وإن قدم بعضه على بعض.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه خالف نص القرآن؛ لأنه يقول في الخامسة: وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين، أي: فيما شهدت به، فيجب أن يكون ذلك متأخرا عن الشهادة.
مسألة: فيما يستحب في وقت اللعان
]: وإن أراد الحاكم أن يلاعن بينهما.. فالمستحب: أن يغلظ اللعان بإحضار جماعة من الرجال، وأقلهم أربعة؛ لأن الزنا يثبت بشهادتهم.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحب التغليظ بذلك).
دليلنا: أن من روى اللعان عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثة: سهل بن سعد، وابن عمر، وابن عباس.
وكل هؤلاء أحداث لا يحضرون المجالس إلا تبعا لغيرهم.
وقد روي عن سهل: أنه قال: (حضرته وكان لي خمس عشرة سنة وحضرته مع الناس).
ولأن الله تعالى قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] [النور: 2].
واللعان سبب للحد، فلما كان حضور الناس مشروعا في المسبب - وهو: الحد - فكذلك في السبب - وهو: اللعان - لأنه إذا لم يلاعن.. حد، وإذا لاعن.. حدت إن لم تلاعن.
والمستحب: أن يغلظ الحاكم اللعان بالوقت، وهو: أن يجعله بعد العصر.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: ويكون ذلك يوم الجمعة؛ لأنه أفضل الأزمنة.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحب ذلك).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106] [المائدة: 106]. قال أهل التفسير: هو بعد صلاة العصر، فدل على: أن للزمان تأثيرا في اليمين.
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: رجل حلف بعد صلاة العصر يمينا فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل حلف على يمين بعد صلاة العصر لقد أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء، فإن الله تعالى يقول: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمله يداك».
ويستحب أن يشهد الرجل وهو قائم؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «قم يا هلال فاشهد»، ولأنه أبلغ في الردع.
فإن لم يقدر على القيام.. لاعن وهو جالس أو مضطجع؛ لأنه ليس بأكبر من الصلاة، والصلاة يجوز فيها ترك القيام للعجز عنه.. فاللعان بذلك أولى.
وتكون المرأة قاعدة حال لعان الزوج؛ لأنه لا حاجة إلى قيامها حال لعان الزوج، فإذا أرادت أن تشهد.. قامت؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمرأة: «قومي فاشهدي».
فرع: فيما يستحب بمكان اللعان
]: ويغلظ عليهما بالمكان، كما يغلظ بالزمان، وهل يستحب، أو يجب؟ فيه قولان:
أحدهما: يستحب، كما قلنا بالتغليظ بالزمان.
والثاني: يجب؛ لأن الله ذكر اللعان ولم يبين موضعه، فلما لاعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما في المسجد على المنبر.. علم أن ذلك بيان لما أجمله الله في كتابه.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال القفال: هل يجب التغليظ بالزمان؟ فيه قولان، كالمكان.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: هل يجب التغليظ بحضور الجماعة؟ فيه قولان، كالمكان.
والمشهور هو الأول.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحب التغليظ بالمكان ولا يجب).
دليلنا: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاعن بينهما على المنبر).
فثبت أن للمكان تأثيرا في اللعان.
إذا ثبت هذا: فإن المكان - الذي قلنا: يستحب اللعان فيه، أو يجب - هو أن يلاعنها في أشرف موضع في البلد الذي فيه اللعان.
فإن كان بمكة.. لاعن بينهما بين الركن والمقام؛ لما روي: (أن عبد الرحمن بن عوف مر بقوم وهم يحلفون رجلا بين الركن والمقام، فقال: أعلى دم؟ فقالوا: لا، قال: أفعلى عظيم من المال؟ فقالوا: لا، فقال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام).
وروي: (بهذا البيت).
يقال: تهاون بالشي: إذا استخف بحرمته.
وإن كان بالمدينة.. لاعن بينهما في مسجد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أشرف البقاع بها، وهل يكون على المنبر؟ اختلفت الرواة فيه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
فروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف عند منبري هذا بيمين آثمة، ولو بسواك من رطب.. وجبت له النار».
وروى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على منبري هذا بيمين آثمة.. تبوأ مقعده من النار».
واختلف فيها نص الشافعي:
فقال في موضع: (يلاعن على المنبر).
وقال في موضع آخر: (يلاعن عند المنبر).
واختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق: هي على اختلاف حالين:
فإن كان الخلق في المسجد كثيرا؛ بحيث لو لاعن تحت المنبر لم يبلغهم.. فإنه يلاعن على المنبر.
والموضع الذي قال: (عند المنبر) أراد: إذا كان الخلق في المسجد قليلا يبلغهم لعانه إذا كان تحت المنبر.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يلاعن على المنبر بحال؛ لأن الصعود على المنبر علو وشرف، واللعان للردع والنكال، وليس في موضع العلو والشرف.
وحمل الخبر والنص في قوله: (على المنبر) على أنه أراد به: عند المنبر؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لو جاز أن يقال: لا يكون على المنبر؛ لأنه علو وشرف.. لوجب أن يقال: إنه لا يلاعن أيضا عند المنبر؛ لهذا المعنى.
وإن كان اللعان في بيت المقدس.. لاعن بينهما عند الصخرة؛ لأنه أشرف البقاع به.
وإن كانت في غير ذلك من البلاد.. لاعن بينهما في جوامعها.
قال ابن الصباغ: ولا يختص بذلك المنبر؛ لأنه لا مزية لبعض المنابر على بعض، ويخالف المدينة؛ فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة».
وإن كانت المرأة حائضا.. لم يحل لها دخول المسجد؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض».
وتكون قائمة على باب المسجد، فإذا شهد الزوج.. بعث إليها الحاكم جماعة لتشهد على باب المسجد، وإن قام إليها.. فلا بأس بذلك.
فرع: ملاعنة الكافرين
]: وإن كان اللعان بين زوجين كافرين لهما دين.. لاعن بينهما في الموضع الذي يعظمونه؛ فإن كانا يهوديين.. لاعن بينهما في الكنيسة، وإن كانا نصرانيين.. لاعن بينهما في البيعة، وإن كانا مجوسيين.. لاعن بينهما في بيت النار؛ لأنهم يعظمون هذه المواضع كما يعظم المسلمون المساجد.
واللعان يراد للردع، وقد يرتدع الإنسان في الموضع الشريف عنده عن المعصية؛ لهيبة الموضع وخوف تعجيل العقوبة، وهذه المواضع شريفة عندهم، فكانت موضع لعانهم، كالمساجد للمسلمين.
فإن قيل: فإذا حضر الحاكم معهما في هذه المواضع.. فقد شاركهما بالمعصية في تعظيمها؟!
فالجواب: أن المعصية إنما تحصل بتعظيم هذه المواضع، والحاكم لا يعظمها، وإنما يدخلها ليلاعن بينهما، ولا معصية في دخولها.
وإن كانا مشركين لا دين لهما، كعبدة الأوثان، والزنادقة، وتحاكما إلينا.. فإن الحاكم يلاعن بينهما حيث كان جالسا للحكم، إما في داره، أو في مجلسه.
وإن كان في المسجد.. لاعن بينهما؛ لأنهما لا يعتقدان شرف موضع، بل البقاع عندهم سواء.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: يدخل المسجد ويلاعن بينهما فيه؛ رجاء أن يلحقه شؤمه؛ فإن اليمين الغموس تذر الديار بلاقع.
وإن كانت الذمية تحت مسلم، ولاعن بينهما.. فإن المسلم يلاعن في المسجد، ويوجه الحاكم المرأة إلى الموضع الذي تعظمه، فتلاعن فيه.
قال الشافعي: (فإن سألت المشركة أن تحضر في المسجد.. حضرت، إلا أنها لا تدخل المسجد الحرام).
وقال الشيخ أبو حامد: أراد بذلك: أن الذمية إذا كانت تحت مسلم، وأرادت أن تلاعن زوجها في المسجد.. جاز لها ذلك في جميع المساجد إلا المسجد الحرام.
وإنما يكون ذلك إذا رضي الزوج به، فأما إذا طلب الزوج أن تلاعن هي في الموضع الذي تعظمه.. كان له ذلك.
وقال القاضي أبو الطيب: بل أراد الشافعي: إذا كانا كافرين، وأرادت المرأة أن تلاعنه في المسجد.. كان لها؛ لأن التغليظ عليه بالمكان الذي يعظمه حق لها، فإذا رضيت بإسقاطه.. كان لها ذلك.
ولا بد أن يشترط رضاه في لعانها في المسجد أيضا؛ لأن التغليظ عليها بالمكان حق له أيضا.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (يجوز للمشرك أن يدخل كل المساجد).
وقال مالك: (لا يجوز للمشرك دخول مسجد من المساجد بحال).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] [التوبة: 28].
فنطق الآية دليل على أبي حنيفة، ودليل خطابها دليل على مالك.
مسألة: من يبدأ الحاكم بملاعنته
؟]: ويبدأ بلعان الزوج، فإذا التعنت المرأة قبل لعان الزوج، أو قبل أن يكمل لعانه.. لم يعتد بلعانها.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يعتد به).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] [النور: 6].
فبدأ بلعان الزوج، ثم قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 8] [النور: 8].
و (العذاب): هو الحد عليها، وإنما يجب ذلك عليها بلعان الزوج؛ لأن اللعان عندنا يمين، وعند أبي حنيفة شهادة، وأيهما كان.. فقد أتت بلعانها قبل وقته، فلم يعتد به، ألا ترى أن رجلا لو ادعى على رجل حقا، فقال المدعى عليه: والله، ما لك عندي شيء.. لم يعتد بها؟ وهكذا: لو شهد له بذلك شاهدان قبل أن يسألا الشهادة.. لم يعتد بهذه الشهادة، فكذلك هذا مثله.
فإن حكم حاكم بتقديم لعانها.. فحكى الشيخ أبو حامد: أن الشافعي قال: (نقض حكمه).
مسألة: الأحكام التي تتعلق باللعان
]: وإذا لاعن الرجل امرأته.. تعلق بلعانه ستة أحكام: أحدها: سقوط حد القذف عنه، وبه قال عمر وعثمان وابن مسعود وعثمان البتي.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب على الزوج حد القذف لزوجته، ولا يكون لعانه مسقطا لذلك).
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " البينة، وإلا.. حد في ظهرك "، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد، فنزلت آية اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] [النور: 6].
فسري عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: " أبشر يا هلال، قد جعل الله لك فرجا ومخرجا "، فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي تعالى».
فرع: القذف برجل معين
]: وإن قذفها بالزنا برجل بعينه.. فقد وجب عليه حدان: حد لها، وحد للمقذوف.
فإذا التعن، وذكر الزاني في اللعان.. سقط عنه الحدان.
وقال أبو حنيفة: (إذا قذفها برجل بعينه.. وجب له عليه حد القذف، ولم يجب لها عليه حد، وإنما يجب عليه لها اللعان، فإن طلبت الزوجة اللعان، فلاعنها.. حد بعد ذلك للأجنبي، وإن طلب الأجنبي أن يحد له أولا.. حد له، ولا يلاعن زوجته)؛ لأن المحدود لا يلاعن عنده، فخالف في ثلاثة مواضع:
أحدها: أنه لا يجب على الزوج حد القذف بقذف زوجته.
الثاني: أن المحدود بالقذف لا يلاعن، وقد مضى الدليل عليه في ذلك.
الثالث: أنه إذا قذف زوجته برجل معين، وسماه في اللعان.. سقط عنه ما وجب عليه له من حد القذف عندنا، وعنده لا يسقط.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: 6] الآية [النور: 6].
فجعل الله تعالى موجب القذف للزوجة اللعان، ولم يفرق بين أن يقذفها برجل معين أو غير معين.
ولأن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، ولاعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما، ولم
يوجب النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - على هلال بقذفه لشريك بن سحماء شيئا، فدل على أنه سقط باللعان.
فإن قالوا: كان شريك بن سحماء يهوديا، فلا يجب الحد بقذفه؟
قلنا: وإن كان يهوديا، فإنه يجب التعزير بقذفه، والحد والتعزير في الوجوب والسقوط واحد.
وإن لاعنها، ولم يذكر الزاني بها في اللعان.. ففيه قولان:
أحدهما: يسقط عنه حد القذف؛ لأن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، ولم ينقل أنه ذكره في اللعان، ولم يوجه النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلى شريك أن له التعزير عند هلال، فدل على: أن ذلك يسقط باللعان، ولأنه رماهما بزنا واحد، فإذا ثبت صدقه في جهتها.. ثبت في جهته؛ لأنه لا يتبعض.
والثاني: لا يسقط عنه، وهو الأصح؛ لأنه حد يسقط باللعان، فكان من شرط سقوطه ذكره في اللعان، كحد المرأة.
وأما الخبر: فإنما لم يعزره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن الظاهر أنه قد بلغ شريك بن سحماء.
فعلى هذا: إذا أراد أن يسقط حده.. أعاد اللعان، وذكر الزوجة والزاني بها.
وإن رماها بالزنا برجل بعينه، ولم يقم عليهما البينة، ولم يلاعن، فجاءا وطلبا أن يحد لهما.. فكم يحد لهما؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يحد لهما حدين.
والثاني: يحد لهما حدا واحدا، كما قلنا فيمن قال لرجلين: زنيتما.
ومنهم من قال: يحد لهما حدا واحدا، قولا واحدا؛ لأنه رماهما بزنا واحد، بخلاف ما لو قال لاثنين: زنيتما.. فإنه قذف كل واحد منهما بزنا.
فأما إذا جاءت الزوجة وحدها، فطالبت بحدها، فحد لها، ثم جاء الرجل
المرمي، فطالب بحده، فإن قلنا في التي قبلها: يجب لكل واحد منهما حد.. فإنه يحد له ثانيا، وإن قلنا: يجب لهما حد واحد.. لم يحد له؛ لأنه قد استوفى منه.
وإن عفت المرأة عن حدها، وطالب المقذوف بحده.. حد له؛ لأنهما حقان لآدميين، فلم يسقط حق أحدهما حق الآخر، كالديون.
وإن اعترفت المرأة: أن الرجل المرمي بها زنى بها.. سقط عن الزوج حد القذف لها، ووجب عليها حد القذف للرجل؛ لأنها قذفته.
وكذلك يجب على الزوج حد القذف له أيضا؛ لأنه قذفه.
الحكم الثاني المتعلق بلعان الزوج: أنه يجب على الزوجة حد الزنا بلعان الزوج.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعثمان البتي: (لا يجب عليها الحد).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآية [النور: 6].
فموضع الدليل منها قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: 8] [النور: 8].
و (العذاب) هاهنا: هو الحد.
ولأن لعان الزوج كالبينة في سقوط حد قذفها عنه، فكان كالبينة في إيجاب حد الزنا عليها.
ولها أن تسقط ما وجب عليها من حد الزنا بلعان الزوج بلعانها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: 8] الآية [النور: 8].
وإن كان الزوج قد قذفها برجل بعينه، وذكره في اللعان.. لم يجب على المقذوف حد الزنا بذلك؛ لأنه لا يصح منه إسقاط ذلك باللعان، فلم يجب عليه حد القذف باللعان.
الحكم الثالث: إن كان هناك حمل أو ولد منفصل، ونفاه الزوج باللعان.. انتفى عنه، ولحق بالمرأة.
وقال عثمان البتي: لا ينتفي عنه.
دليلنا: ما «روى ابن عباس: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاعن بين هلال بن أمية وامرأته، وفرق بينهما، وقضى: أن لا يدعى الولد لأب، وأنها لا ترمى ولا ولدها، فمن رماها أو ولدها.. فعليه الحد».
فإن لم يذكر الزوج الولد في اللعان، وأراد نفيه.. أعاد اللعان وذكره؛ لأنه لم ينفه باللعان الأول، فإن عارضته المرأة باللعان.. فإنها لا تذكر الولد في لعانها؛ لأنه لا سبيل لها إلى إثبات النسب ولا إلى نفيه.
قال الطبري: وكل موضع كان المقصود من اللعان نفي الولد لا غير، هل تعارضه المرأة باللعان؟ فيه وجهان.
الحكم الرابع: إذا لاعنها وهي زوجة له.. وقعت الفرقة بينهما بفراغه من اللعان.
وقال عثمان البتي: لا يقع باللعان فرقة.
وقال أبو حنيفة: (لا تقع الفرقة باللعان، وإنما يفرق الحاكم بينهما إذا فرغ الزوج من اللعان، فلو طلقها الزوج بعد اللعان وقبل أن يفرق الحاكم بينهما.. وقع الطلاق؛ لما «روى ابن عمر: (أن رجلا لاعن امرأته في زمان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ففرق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما».
وفي «رواية ابن عباس: (أن هلال بن أمية لاعن امرأته، ففرق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما».
فلو وقعت الفرقة بينهما باللعان.. لما افتقر إلى الفرقة بينهما.
وروي: «أن العجلاني لما لاعن زوجته عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. قال: إن أمسكتها.. فقد كذبت عليها، هي طالق ثلاثا، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا سبيل لك عليها» ولم ينكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قوله: (إن أمسكتها)، ولا طلاقه).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا».
فأخبر أن المتلاعنين لا يجتمعان، وأن الفرقة وقعت بينهما باللعان.
ولأنها فرقة متجردة عن عوض لا تنفرد به المرأة، فوجب أن يقع بقول الزوج وحده، كالطلاق.
فقولنا: (متجردة عن عوض) احتراز من الخلع.
وقولنا: (لا تنفرد به المرأة) احتراز من الفسخ بالعنة والإعسار بالنفقة.
وأما الجواب عن رواية ابن عمر، وابن عباس: فهذه قضية في عين لا يمكن ادعاء العموم فيها، فيحتمل أنه أراد: فرق بينهما في الزوجية، ويحتمل أنه فرق بين أبدانهما.
وخبرنا: هو قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ظاهر لا احتمال فيه.
وأما الجواب عن خبر العجلاني: فإن معنى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا سبيل لك عليها "، أي: إلى الإمساك والطلاق؛ لأنها قد بانت منه باللعان؛ لأن العجلاني ظن أن الفرقة لم تقع باللعان، فلذلك طلقها؛ ولهذا لما قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا سبيل لك عليها ".. قال: أين مالي؟ أي: إذا لم يكن لي إمساكها ولا طلاقها.. فأين الذي أعطيتها؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن كنت صادقا.. فبما استحللت من فرجها " - يعني: أنك دخلت بها - وإن كنت كاذبا.. فأبعد "، يعني: أنك دخلت بها، وكذبت عليها.
الحكم الخامس: أن الفرقة باللعان فسخ، ويقع به التحريم مؤبدا.
وقال مالك، وربيعة، وداود: (لا يقع زوال الفراش والتحريم إلا بلعانهما جميعا).
وقال أبو حنيفة، ومحمد: (الفرقة الواقعة باللعان طلقة ثانية، ولا يتأبد التحريم).
دليلنا: قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا».
فموضع الدليل منه على مالك: أن هذا يقتضي في حال تلاعنهما، كما يقال: متضاربان، في حال تضاربهما، فأما بعد فراغهما من اللعان.. فإنما يقال: كانا متلاعنين، وهذا لا يكون إلا على ما قلناه.
وموضع الدليل منه على أبي حنيفة: قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " لا يجتمعان أبدا ". وهذا نص.
وفي «رواية ابن عباس: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاعن بين هلال بن أمية وامرأته، وفرق بينهما، وقضى: أن لا بيت لها ولا قوت؛ من أجل أنهما يفترقان لا عن طلاق ولا عن وفاة».
وإذا ثبت أنه ليس بطلاق ولا عن وفاة.. كان فسخا.
فرع: قذف الزوجة المبانة ونفي الولد بلعان
فرع: [في قذف الزوجة المبانة ونفي الولد بلعان]: وإن تزوج امرأة وأبانها، ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية، وكان هناك نسب، فلاعن لنفيه، أو تزوج امرأة تزويجا فاسدا، وأتت بولد منه يمكن أن يكون منه، فلاعن لنفيه.. فهل تحرم عليه المرأة على التأبيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تحرم؛ لأن التحريم يتعلق بفرقة اللعان، ولم يقع بهذا اللعان فرقة، فلم يقع به تحريم مؤبد.
والثاني: تحرم على التأبيد، وهو الأصح؛ لأن كل سبب أوجب تحريما مؤبدا إذا صادف الزوجية.. أوجبه وإن لم يصادف زوجية، كالرضاع.
فقولنا: (تحريما مؤبدا) احتراز من الطلاق.
ولأن اللعان قد صح فتعلقت به أحكامه، وهذا من أحكامه.
وإن تزوجها وقذفها، ولم يكن هناك نسب نفاه باللعان، فلاعنها لإسقاط الحد، ثم بان أن النكاح كان فاسدا.. قال القاضي أبو الطيب: لم تحرم، وجها واحدا؛ لأنا تبينا أن اللعان كان فاسدا؛ لأن اللعان لا يثبت في النكاح الفاسد إلا لنفي الولد، فإذا لم يكن هناك ولد.. تبينا أن اللعان كان فاسدا، فلم يتعلق به التحريم.
فرع: اشتراها بعد تزوجها وأتت بولد
]: وإن تزوج الرجل أمة، ثم اشتراها وأقر بوطئها بعد الشراء، ثم أتت بولد، فإن أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء، ولستة أشهر فصاعدا من وقت النكاح.. لحقه الولد من جهة النكاح، فإن أراد نفيه باللعان.. كان له نفيه، وإذا نفاه باللعان.. انتفى عنه، وهل يحرم عليه وطء الأمة على التأبيد، أو يحل له وطؤها بملك اليمين؟ فيه وجهان:
[الأول]: قال ابن الحداد: لا يحرم عليه على التأبيد.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: يحرم عليه على التأبيد.
وهو الأصح.
ووجههما: ما ذكرناه في التي قبلها.
وإن أتت به لستة أشهر فما زاد من وقت الوطء بعد الشراء.. لحقه الولد.
فإن ادعى: أنه استبرأها بعد الوطء بحيضة، ولم يطأها بعده.. فالمنصوص: (أنه يحلف على ذلك، وينتفي عنه من غير لعان).
وقال أبو العباس: وفيه قول آخر: أنه يلاعن لنفيه.
وليس بصحيح.
وإن لم يدع الاستبراء، ولكن قال: هذا الولد ليس مني.. ففيه قولان، حكاهما القاضي أبو الطيب.
أحدهما: أنه يلاعن لنفيه، كما يلاعن لنفي الولد من النكاح.
والثاني وهو المشهور: أنه لا يلاعن لنفيه؛ لأنه يمكنه نفيه بدعوى الاستبراء، ويحلف عليه.
فإذا قلنا: يلاعن، فلاعن لنفيه.. فهل يحرم عليه وطء الأمة على التأبيد؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
الحكم السادس المتعلق بلعان الزوج: أنه يسقط إحصانها في حق الزوج، فإن قذفها الزوج.. لم يجب عليه الحد بقذفها؛ لأن اللعان في حقه كالبينة، وإن قذفها أجنبي.. فهل يسقط إحصانها في حقه؟ فيه وجهان.
فإن عارضته باللعان.. قال ابن الصباغ: عاد إحصانها في حق الجميع، وقد مضى ذلك.
مسألة: في إكذابه نفسه يعود عليه الحد ويلحق به النسب
]: وإذا لاعن الزوج، ثم أكذب نفسه.. عاد كل حق عليه؛ وهو: وجوب حد القذف عليه، ولحوق النسب الذي نفاه به، وعادت حصانتها في حقه.
ولا يعود كل حق له؛ وهو: عود الزوجية، وارتفاع التحريم على التأبيد.
وبه قال عمر، وعثمان، وابن مسعود، والأوزاعي، ومالك، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومحمد: (يرتفع التحريم المؤبد إذا أكذب نفسه، أو إذا حد في قذف).
ووافقنا: أن الزوجية لا تعود، وإنما يجوز له ابتداء عقد النكاح عليها.
وقال سعيد بن المسيب: إذا أكذب نفسه عادت الزوجية.
دليلنا: ما روى ابن عباس، وابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا».
وهذا نص، ولم يفرق.
وروي «عن سهل بن سعد الساعدي: أنه قال: (فرق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين المتلاعنين، ثم جرت السنة أن لا يجتمعا أبدا».
وهذا يقتضي سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وإن نفى باللعان نسب ولد، فمات الولد، ثم أكذب الزوج نفسه.. لحقه نسب الولد الميت سواء خلف الميت ولدا أو لم يخلف، وسواء كان موسرا أو معسرا.
وقال أبو حنيفة: (إن خلف الميت ولدا ذكرا، أو أنثى.. صح رجوعه، ويثبت نسب الولد منه، وإن لم يخلف الميت ولدا.. لم يصح رجوعه؛ لأنه متهم في الرجوع ليرث).
دليلنا: أنه اعترف بنسب كان نفاه باللعان، فلحقه، كما لو كان المنفي حيا، أو كما لو خلف ولدا.
فرع: في قذفها واعترافها بعد اللعان
]: وإن قذف الرجل امرأته بالزنا، فاعترفت بزناها.. نظرت:
فإن أقرت به بعد لعان الزوج.. فإن إقرارها بالزنا لا ينفع؛ لأن جميع أحكام اللعان قد تعلقت بلعان الزوج، ولا يكون لها إسقاط ما وجب عليها من حد الزنا بلعانها؛ لأنها قد أقرت بالزنا.
وإن أقرت بالزنا قبل أن يلاعن الزوج.. وجب عليها حد الزنا، ولا يجب على الزوج لها حد القذف.
وإن لم يكن هناك نسب.. فليس للزوج أن يلاعن؛ لأن اللعان لدرء حد القذف أو لنفي النسب، وليس هناك واحد منهما.
وإن كان هناك نسب.. فللزوج أن يلاعن لنفيه، فإذا لاعن لنفيه.. فهل تقع الفرقة المؤبدة بينه وبين الزوجة؟ على الوجهين فيمن لاعنها البينونة، وقد مضى ذكرهما.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إن كان هناك نسب.. لحقه، وليس له نفيه باللعان، ولا يجب عليها حد الزنا).
وهذا بناء على أصلين:
أحدهما: أن حد الزنا لا يثبت عنده بالإقرار به مرة، وإنما يثبت عنده إذا أقربه أربع مرات في أربع مجالس.
والثاني: أن النسب لا ينتفي عنده إلا بلعانهما وحكم الحاكم، واللعان لا يصح منها؛ لأنها اعترفت بالزنا، فلا تلاعن على ما اعترفت به، ولا يصح أن يحكم الحاكم بنفيه عنه.
وحكي عن أبي حنيفة: أنه قال: (إن كانت المرأة عفيفة وكذبته.. كان له أن ينفي عنه ولدها، وإن كانت فاجرة وصدقته.. لم يكن له أن ينفي ولدها).
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآية [النور: 6].
ولم يفرق بين أن تقر الزوجة أو لا تقر.
ولأنه محتاج إلى القذف، وتحقيقه باللعان لنفي النسب، فكان له ذلك، كما لو لم تقر الزوجة.
مسألة: قذفها ثم مات قبل الملاعنة
]: إذا قذف الرجل زوجته، فمات الزوج قبل أن يلاعن، أو قبل أن يكمل اللعان.. فقد سقط عنه الحد بموته؛ لأنه اختص ببدنه وقد مات، ورثته الزوجة؛ لأن الفرقة لا تقع إلا بلعانه، ولم يوجد.
وإن كان هناك ولد أراد نفيه.. لم ينتف عنه وورثه؛ لأنه مات قبل أن ينفيه.
فإن أراد باقي الورثة أن يلاعنوا لنفيه.. لم يكن لهم ذلك؛ لأنه مشارك لهم في الظاهر بالميراث، فإن قلنا: لهم أن ينفوه.. كان له أن ينفيهم، وهذا متناقض.
وليس للمرأة أن تلاعن؛ لأنها إنما تلاعن لدرء الحد عنها، والحد إنما يجب عليها بلعان الزوج، ولم يوجد.
وإن مات الزوج بعد لعانه وقبل لعانها.. كان لها أن تلاعن لإسقاط الحد عنها؛ لأن ذلك قد وجب عليها بلعانه، فكان لها إسقاطه، كما لو كان حيا.
وإن قذف زوجته، فماتت الزوجة قبل أن يلاعن الزوج، أو قبل أن يكمل لعانه.. ورثها الزوج؛ لأنها ماتت وهي زوجته، فورثها.
فإن كان هناك ولد منها يريد نفيه.. كان له أن يلاعن لنفيه؛ لأن الحاجة داعية إلى اللعان لنفيه عنه.
وإن لم يكن هناك ولد منها يريد نفيه، فإن كان لها وارث، فطالبه بحد القذف.. كان له أن يلاعن لدرء الحد عنه؛ لأن الحاجة داعية إلى درء الحد عنه بذلك.
فإن كان لم يأت بشيء من ألفاظ اللعان في حياتها.. استأنف اللعان، وإن كان قد أتى بشيء من ألفاظ اللعان في حياتها.. قال الشيخ أبو حامد: فإن تطاول الزمان.. استأنف اللعان، وإن لم يتطاول الزمان.. بنى على اللعان الأول، وتممه.
وإن لم يكن لها وارث غير الزوج، فإن كان ابن عم لها أو مولى.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأنه لا حاجة به إلى اللعان.
ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن ليسقط الحد عن نفسه.
والأول أصح.
وإن لم يكن لها وارث من غير المسلمين.. كان له أن يلاعن ليسقط الحد عن نفسه.
فإن قيل: هو من المسلمين، وهو وارثها؟
فالجواب: أن حد القذف يجب لبعض الورثة، ولا يسقط بسقوط بعضه، ولهذا: لو عفا بعض الورثة عن حقه منه.. ثبت الجميع لمن لم يعف.
وإذا لاعن بعد موتها.. فإن ميراثه لا يسقط عنها بذلك؛ لأن الفرقة لم تقع به.
فرع: قذفها ونفى ولدها فمات ابنها قبل ملاعنتها
]: وإن قذف امرأته وانتفى من ولدها، فمات الولد قبل أن يلاعن الأب لنفيه، أو قبل أن يكمل اللعان.. فله أن يلاعن بعد موته.
وقال أبو حنيفة: (ليس له أن يلاعن لنفي الولد بعد موته؛ لأنه لا حاجة به إلى نفيه بعد الموت).
دليلنا: أن الحاجة تدعو إلى نفيه بعد موته، كما تدعو إلى نفيه في حياته؛ لأنه يلحقه نسبه بعد موته، كما يلحقه في حياته؛ لأنه يقال: هذا قبر ابن فلان، كما يقال في حياته: هذا ابن فلان، فكان له نفي النسب الفاسد عنه؛ لئلا يعير به، ولأنه قد يكون غائبا، فتأتي امرأته بولد، ويبلغ ذلك الولد، ويولد له ولد، ثم يموت، ويقدم الغائب، فيحتاج إلى نفي أولاد ذلك الولد، كما كان يحتاج إلى نفي الولد في حياته، ولا ينتفي عنه أولاد الولد إلا بنفي الولد.
وإن أتت امرأته بولدين توأمين، فقال: ما هما مني، وأراد نفيهما باللعان، فمات أحدهما قبل اللعان أو قبل إكماله.. فله أن ينفيهما معا باللعان، فإن نفى أحدهما، وأقر بالآخر، أو ترك نفيه.. لحقاه؛ لأنهما من حمل واحد، فإذا أقر بأحدهما.. لحقه نسبه ونسب الآخر.
وقال أبو حنيفة: (ليس له أن يلاعن بعد موت أحدهما؛ لأن الميت عنده لا ينفى باللعان، ولا يجوز له أن ينفي الحي؛ لأنهما من حمل واحد).
وبنى هذا على أصله: أن الميت لا ينفى باللعان، وقد مضى الدليل عليه.
وإذا نفى نسب الولد الميت باللعان.. لم يرثه؛ لأنا تبينا أنه ليس بولد له، فلم يرثه.
مسألة: قذفها وباشر اللعان ولم يتمه
]: وإن قذف زوجته، وابتدأ باللعان، ثم امتنع من إتمامه.. حد لها حد القذف؛ لأن الحد وجب عليه لها بالقذف، وإنما يسقط عنه باللعان، فإذا لم يكمله.. وجب عليه الحد، كما لو أقام عليها بالزنا بينة غير كاملة.
وإن قذفها، ولم يلاعن، فجلد بعض الحد، فقال: أنا ألاعن.. كان له ذلك، فإذا لاعن.. سقط عنه بقية الحد؛ لأن اللعان حجة في حق الزوج لإسقاط الحد عنه، كما أن البينة حجة لإسقاط الحد عن الأجنبي.
ولو قذفها أجنبي، فحد بعض الحد، ثم قال: أنا أقيم البينة، وأقامها.. سقط عنه باقي الحد، كذلك هذا مثله.
وإن قذفها الزوج ولاعن، فامتنعت من اللعان، فحدت بعض الحد، ثم قالت: أنا ألاعن.. كان لها ذلك، فإذا لاعنت.. سقط عنها بقية الحد؛ لأن ما أسقط جميع الحد.. أسقط بعضه، كالبينة.
فرع: قذفها فحد، ثم تزوجها
]: وإن قذف رجل امرأة أجنبية بالزنا، فحد لها، ثم تزوجها، ثم قذفها.. نظرت:
فإن قذفها بذلك الزنا الأول.. لم يجب عليه الحد بقذفها؛ لأنه قد حد فيه.
وإن قذفها بزنا آخر أضافه إلى ما قبل الزوجية.. وجب عليه الحد، فإن لم يكن هناك ولد.. لم يلاعن لدرء الحد؛ لأنه قذف غير محتاج إليه، وإن كان هناك ولد.. كان له أن يلاعن لنفيه.
وإن قذفها بزنا آخر أضافه إلى حال الزوجية.. وجب عليه الحد، وله أن يلاعن، سواء كان هناك ولد أو لم يكن.
وأما إذا لم يقم عليه الحد بقذفه لها قبل الزوجية، ولم يقم عليها البينة، ثم قذفها بعد أن تزوجها.. قال القاضي أبو الطيب: فإن قذفها بذلك الزنا الأول.. وجب عليه حد واحد ويتداخل، كما إذا زنى، ثم زنى قبل أن يقام عليه الحد للزنا الأول.. فإنه يجب عليه حد واحد، فإن قذفها بزنا آخر منسوب إلى حال الزوجية.. وجب عليه حدان؛ لأنهما يختلفان؛ لأن أحدهما يسقط باللعان، والآخر لا يسقط باللعان، فلم يتداخلا، فيقام عليه الحد للقذف الأول، وأما الثاني: فإن لاعنها لأجله، وإلا.. حد له أيضا.
وإن قذفها وهي زوجة، فلم يحد لها، ولم تعف حتى فارقها، ثم قذفها بعد الفراق بذلك الزنا، أو بزنا آخر أضافه إلى حال الزوجية.. قال ابن الحداد: وجب عليه حد آخر للقذف الثاني، ولا يتداخلان؛ لأن الأول يسقط باللعان، والثاني لا يسقط باللعان، فلم يتداخلا، فإن التعن للأول.. حد للثاني، وإن لم يلتعن للأول.. حد للأول، وحد للثاني بعد أن يبرأ ظهره من ألم الأول.
فرع: قذفها ثم أعتق فطالبته بالحد
]: وإن قذف العبد امرأته، ثم أعتق وطالبته بحد قذفها.. فله أن يلاعن، وإن لم يلاعن.. حد حد العبد؛ اعتبارا بحال الوجوب عليه.
وهكذا: لو قذف زوجته الأمة، ثم أعتقت، فطالبته بالتعزيز، فلاعن ولم تلاعن هي.. حدت هي حد الأمة؛ اعتبارا بحال الوجوب.
وهكذا: إن قذف زوجته وهي بكر، ولم تلاعن حتى طلقها، ونكحت زوجا غيره، وأصابها الثاني، وطالبت الأول بحد القذف، فلاعنها ولم تلاعن هي.. وجب عليها حد البكر لا حد المحصنة؛ اعتبارا بحال الوجوب عليها.
وإن تزوج رجل امرأة بكرا، فقذفها بالزنا، ثم فارقها قبل أن تطالبه بحد القذف، وتزوجت بآخر، ثم قذفها الثاني بالزنا.. كان لها مطالبتهما بحد القذف،
فإذا طالبتهما.. كان لكل واحد منهما درء الحد عن نفسه باللعان؛ لأن كل واحد منهما قذفها وهي زوجته، فإن عارضتهما باللعان.. لم يجب على أحدهما حد، وإن لاعنها، ونكلت عن جوابهما باللعان.. نظرت:
فإن قذفها الأول وهي بكر، وقذفها الثاني وهي محصنة.. وجب عليها للأول حد بكر، وهو: جلد مائة، وتغريب عام، ووجب عليها للثاني حد محصنة، وهو: الرجم.
وعلى هذا يحمل ما روي «عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه جلد امرأة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»
وإن كانت بكرا في حال قذفهما لها.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال ابن الحداد: يجب عليها حدان؛ فتجلد للأول، ثم تترك حتى يبرأ ظهرها، ثم تجلد للثاني؛ لأن اللعان بينة يختص بها الزوج، فلا يتعدى إلى غيره، فيجب الأول بلعان الأول، والثاني بلعان الثاني.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: يجب عليها حد واحد، كما إذا ثبت عليها ذلك بالبينة.
فرع: قذفها بعد الردة والعدة ثم لاعنها
]: إذا تزوج امرأة ودخل بها، ثم ارتدا، وقذفها في حال الردة والعدة، ولاعنها لدرء الحد.. قال ابن الحداد: ينظر فيه:
فإن رجع إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها.. تبينا أن القذف واللعان صادفا الزوجية، وصح اللعان.
وإن لم يرجع إلى الإسلام حتى انقضت عدتها.. تبينا أن القذف واللعان صادقا البينونة، ولم يصح اللعان، كما قلنا فيمن طلق امرأته ثلاثا في حال الردة.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح اللعان؛ لأنه يمين، فلم يصح أن تكون موقوفة؛ لأنه لا يصح تعلقها بالشرط، فلم يصح وقفها، بخلاف الطلاق.
قال القاضي أبو الطيب: والأول أصح.
مسألة: ادعت أن زوجها قذفها فأنكر فأقامت بينة
]: إذا ادعت المرأة على زوجها: أنه قذفها بالزنا، فأنكر، فأقامت بينة: أنه قذفها، فإن قال: أنا ألاعن.. جاز له ذلك.
واختلف أصحابنا لم جاز له أن يلاعن؟
فمنهم من قال: إنما جاز له أن يلاعن؛ لأنه لم يكذب البينة؛ لأنها شهدت عليه: أنه قذفها، وهو يقول: ما قذفت؛ لأني قلت لها: يا زانية، وليس ذلك بقذف، بل هو صدق، و (القذف): ما تردد بين الصدق والكذب.
فأما إذا قال: ما قلت لها: يا زانية، وشهدت البينة: أنه قال ذلك.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأنه مكذب لها.
ومنهم من قال: له أن يلاعن؛ لأنه لا يكذب نفسه، وأما البينة: فهو مكذب لها؛ لأن البينة تشهد: أنه قذف، وهو يقول: ما قذفت، وما رماها به.. فهو حرام إلى أن يحقق باللعان، وإنما لا يجوز له أن يلاعن، أن لو قال: ما زنت، ثم قال: ألاعن.. لم يكن له ذلك؛ لأنه قد كذب نفسه، وهذا التعليل هو المنصوص للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
فرع: اختلفا بوقت اللعان قبل الزواج أو بعده
]: وإن اختلف الزوجان: فقالت الزوجة: قذفتني قبل أن تتزوج بي، فلي عليك حد لا يسقط باللعان، وقال الزوج: بل قذفتك بعد أن تزوجت بك، ولي إسقاط الحد باللعان.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأنهما لو اختلفا في أصل القذف.. كان القول قوله مع يمينه، فكذلك إذا اختلفا في وقته.
وهكذا إن قال: قذفتك قبل وقوع الفرقة.
وقالت: بل قذفتني بعد وقوع الفرقة، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لما ذكرناه.
وإن قالت: قذفتني وأنا أجنبية منك ولا نكاح بيننا، وقال: بل قذفتك وأنت زوجتي.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم النكاح بينهما، إلا إن أقام الزوج بينة على النكاح.. فيكون القول قوله مع يمينه على وقت القذف.
وهكذا لو قذف رجل أجنبية فقال: قذفتك وأنت مرتدة، وقالت: ما كنت مرتدة.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الأصل عدم الردة، فإن أقام بينة على ردتها.. فالقول قوله مع يمينه: أنه قذفها في حال ردتها؛ لأنهما لو اختلفا في أصل القذف.. لكان القول قوله، فكذلك إذا اختلفا في وقته.
والله أعلم