البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 399-439

كتاب اللعان

صفحات 399-439
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب اللعان اللعان: مشتق من اللعن، واللعن: هو الطرد والإبعاد، فسمي المتلاعنان بذلك؛ لأن في الخامسة اللعنة، ولما يتعقب اللعان من المآثم والطرد؛ لأنه لا بد أن يكون أحدهما كاذبا، فيكون ملعونا.
والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآية [النور: 6].
و: «لاعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين عويمر العجلاني وامرأته»، و: (بين هلال بن أمية وامرأته).
إذا ثبت هذا: فإن رأى الرجل امرأته تزني، أو أقرت عنده بالزنا، أو أخبره بذلك ثقة، أو استفاض في الناس أن رجلا زنى بها، ثم وجده عندها ولم يكن هناك نسب

يلحقه من هذا الزنا.. فله أن يقذفها بالزنا؛ لأنه إذا رآها.. فقد تحقق زناها، وإذا أقرت عنده، أو أخبره ثقة، أو استفاض في الناس ووجد الرجل عندها.. غلب على ظنه زناها، فجاز له قذفها، ولا يجب عليه قذفها؛ لما روي: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس - تعريضا منه بزناها - فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " طلقها "، فقال: إني أحبها، قال: " أمسكها».

وروى عبد الله بن مسعود: «أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا، فتكلم.. جلدتموه، أو قتل.. قتلتموه، أو سكت.. سكت على غيظ؟! فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اللهم افتح "، فنزلت آية اللعان».
فذكر: أنه يتكلم أو يسكت، ولم ينكر عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فأما إذا لم يظهر على المرأة الزنا ببينة ولا سبب.. حرم عليه قذفها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: 11] [النور: 11].
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قذف محصنة.. أحبط الله عمله ثمانين عاما».

وإن أخبره بزناها من لا يثق بقوله.. حرم عليه قذفها؛ لأنه لا يغلب على الظن إلا قول الثقة.
وإن وجد عندها رجلا، ولم يستفض في الناس أنه زنى بها.. حرم عليه قذفها؛ لجواز أن يكون دخل إليها هاربا، أو لحاجة، أو لطلب الزنا ولم تجبه، فلا يجوز قذفها بأمر محتمل.
وإن استفاض في الناس أن فلانا زنى بها، ولم يجده عندها.. فهل يجوز له أن يقذفها؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: يجوز له قذفها؛ لأن الاستفاضة أقوى من خبر الثقة، والقسامة تثبت بالاستفاضة، فيثبت بها جواز القذف.
والثاني: لا يجوز له قذفها، ولم يذكر في " التعليق "، و " الشامل " غيره؛ لجواز أن يكون أشاع ذلك عدو لهما.

مسألة: قذف المحصن يوجب حد القذف وغير ذلك

]: وإذا قذف الرجل رجلا محصنا، أو امرأة أجنبية منه محصنة.. وجب عليه حد القذف، وحكم بفسقه، وردت شهادته.
فإن أقام القاذف بينة على زنا المقذوف.. سقط عنه الحد، وزال التفسيق، وقبلت شهادته، ووجب على المقذوف حد الزنا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4].
فإن قذف الرجل امرأته.. وجب عليه حد القذف إن كانت محصنة، والتعزيز إن كانت غير محصنة، وحكم بفسقه.
فإن طولب بالحد أو التعزيز.. فله أن يسقط ذلك عن نفسه بإقامة البينة على الزنا،

وله أن يسقط ذلك باللعان، فإن لاعن، وإلا.. أقيم عليه الحد أو التعزير، هذا مذهبنا، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (إذا قذف الرجل امرأته.. لم يجب عليه الحد بقذفها، وإنما يجب عليه اللعان، فإن لاعن، وإلا.. حبس حتى يلاعن).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4].
وهذا عام في الأزواج وغير الأزواج.
وخص الأزواج بأن جعل لعانهم يقوم مقام شهادة أربعة غيرهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] الآية [النور: 6].
وروي عن ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " البينة، أو حد في ظهرك "، فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ به ظهري من الحد.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآية [النور: 6] فدعاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: " أبشر يا هلال؛ فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا ". قال: قد كنت أرجو ذلك من ربي».
وروى سهل بن سعد الساعدي: «أن عويمرا العجلاني أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا لو وجد مع امرأته رجلا.. أيقتله، فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، اذهب فأت بها ". فأتى بها، فتلاعنا».

فيكون المعنى: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، أي: ما أنزل الله في هلال بن أمية وامرأته؛ لأنها عامة.
ويجوز أن تكون الآية نزلت في الجميع.
والمشهور: هو الأول.
وإنما خص الأزواج باللعان بقذف الزوجات؛ لأن الأجنبي لا حاجة به إلى القذف، فغلظ عليه، ولم يقبل منه في إسقاط الحد عنه إلا البينة.
وإذا زنت الزوجة.. فقد أفسدت على الزوج فراشه، وخانته فيما ائتمنها عليه، وألحقته من الغيظ ما لا يلحق بالأجنبي، وربما ألحقت به نسبا ليس منه، فاحتاج إلى قذفها لنفي ذلك النسب عنه، فخفف عنه؛ بأن يجعل لعانه قائما مقام شهادة أربعة.
فإن قدر الزوج على البينة واللعان.. فله أن يسقط الحد عن نفسه بأيهما شاء.
وقال بعض الناس: ليس له أن يلاعن.
دليلنا: أنهما بينتان في إثبات حق، فجاز له إقامة كل واحدة منهما مع القدرة على الأخرى، كالرجلين، والرجل والمرأتين في المال.

فرع: قذف الزوج لا يشترط له الرؤية

]: وسواء قال الزوج: رأيتها تزني، أو قذفها بالزنى ولم يضف ذلك إلى رؤيته، فله أن يلاعن لإسقاط الحد عنه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (ليس له أن يلاعن إلا إن قال: رأيتها تزني؛ لأن آية اللعان نزلت في هلال بن أمية، وكان قد قال: رأيت بعيني، وشهدت بسمعي).

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: 6] الآية [النور: 6]، ولم يفرق بين أن يقول: رأيت بعيني، أو أطلق.
ولأنه معنى يخرج به من القذف المضاف إلى المشاهدة، فصح الخروج به من القذف المطلق، كالبينة.

فرع: انتفاء الولد يثبت باللعان

]: وإن كان هناك ولد يريد نفيه.. لم ينتف بالبينة، وإنما ينتفي باللعان؛ لأن الشهود لا سبيل لهم إلى ذلك.
وإن أراد أن يثبت الزنا بالبينة، ويلاعن لنفي النسب، أو يلاعن لهما.. جاز له ذلك.

مسألة: يسقط حد القذف بعفو المقذوف

]: حد القذف حق للمقذوف، فإن عفا عنه.. سقط، وإن مات قبل أن يستوفيه.. ورث عنه.
وقال أبو حنيفة: (هو حق لله لا حق للمقذوف فيه، وإن عفا عنه.. لم يسقط، وإن مات.. لم يورث عنه).
ووافقنا أنه لا يستوفى إلا بمطالبته.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».
فأضاف العرض إلينا كإضافة الدم والمال، فوجب أن يكون ما في مقابلته للمقذوف، كالدم، والمال.
ولأنه حق على البدن إذا ثبت بالاعتراف.. لم يسقط بالرجوع، فكان للآدمي، كالقصاص.
ففي قولنا: (إذا ثبت بالاعتراف.. لم يسقط بالرجوع) احتراز من حد الزنا والخمر والقطع في السرقة.
إذا ثبت هذا: فقذف زوجته، ثم عفت عما وجب لها من الحد أو التعزيز، ولم

يكن هناك ولد.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأنه يلاعن لإسقاط الحد عنه، وقد سقط عنه بالعفو.
ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن؛ لأنه يستفيد به قطع الفراش والفرقة المؤبدة.
والمذهب الأول؛ لأن الفرقة تمكنه بالطلاق الثلاث.
وإن كان هناك ولد.. فله أن يلاعن لنفيه وإن لم تطالبه بالحد ولم تعف عنه.
فإن كان هناك نسب.. فله أن يلاعن لنفيه عنه، وإن لم يكن هناك نسب.. فليس له أن يلاعن.
ومن أصحابنا من قال: له أن يلاعن؛ لقطع الفراش.
والمذهب الأول؛ لأنه إنما يلاعن لنفي النسب، أو لإسقاط الحد عنه، وليس هناك أحدهما، وقطع الفراش يمكنه بالطلاق الثلاث.

مسألة: قذف الزوج لامرأته حال الصحة يوجب الحد واللعان يسقطه

]: إذا قذف الرجل امرأته، ثم جنت، أو قذفها في حال جنونها بزنا إضافة إلى حال الصحة.. فإنه يجب عليه الحد.
وإن قذفها في حال جنونها بزنا إضافة إلى حال جنونها.. فإنه لا يجب عليه الحد بذلك، وإنما يجب عليه بذلك التعزير.
وإن أراد الولي أن يطالب بما وجب لها من الحد أو التعزيز.. لم يكن له ذلك؛ لأن طريقه التشفي من القاذف بإقامة الحد عليه، فلم يكن له ذلك، كالقصاص.
فإن التعن الزوج منها.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وقعت الفرقة).
واختلف أصحابنا فيها على وجهين: [أحدهما]: فمنهم من قال: إن كانت حاملا.. فللزوج أن يلاعن؛ لأن اللعان يحتاج إليه لنفي الولد عنه، وإن كانت حائلا.. لم يكن له أن يلاعن؛ لأن اللعان يراد

لإسقاط الحد عنه، أو لنفي الولد، ولا ولد هاهنا، فيحتاج إلى نفيه، ولا يجب عليه الحد إلا بمطالبتها، ولا مطالبة لها قبل الإفاقة، فلم يكن له أن يلاعن.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: له أن يلاعن، سواء كانت حاملا أو حائلا؛ لأنها إن كانت حاملا.. احتاج إلى اللعان لنفي الولد، وإن كانت حائلا.. احتاج إلى اللعان لإسقاط الحد الواجب عليه في الظاهر، كمن وجب عليه دين إلى أجل.. فله أن يدفعه قبل حلول الأجل.
والأول أصح؛ لأن الشافعي قال: (ليس على الزوج أن يلتعن حتى تطالب المقذوفة بحدها).

فرع: لا يقبل قذف زوجة لها سبع سنين ويعزر

]: وإن قذف زوجته الصغيرة، فإن كانت لا يوطأ مثلها، كابنة سبع سنين فما دونها.. لم يصح قذفه؛ لأن القذف إنما يصح إذا احتمل أن يكون فيه صادقا أو كاذبا، وابنة سبع سنين يعلم يقينا أنها لا توطأ وأنه كاذب.
ويجب عليه التعزير للكذب، وليس له أن يلاعن لإسقاط هذا التعزير؛ لأنا نتحقق كذبه، فلا معنى للعانه.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يقام عليه التعزير إلا بعد بلوغها؛ لأنه لا يصح مطالبتها به، ولا ينوب عنها الولي في المطالبة.
وإن كانت صغيرة يوطأ مثلها، كابنة تسع سنين فما زاد.. صح قذفه؛ لأن ما قاله يحتمل الصدق والكذب، ولا يجب عليه الحد بقذفها؛ لأنها ليست بمحصنة، وإنما يجب عليه التعزير، وهل للزوج أن يلاعن لإسقاط التعزير؟ فيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: ليس له أن يلاعن؛ لأن اللعان يراد لنفي النسب، أو لإسقاط ما وجب عليه من الحد أو التعزير بقذفها، وذلك لا يجب قبل مطالبتها.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: له أن يلاعن لإسقاط ما وجب عليه من التعزير في الظاهر وإن لم يطالب به، كما يجوز له أن يقدم ما وجب عليه من الدين المؤجل قبل حلوله.

وإن كانت له زوجة كتابية، فقذفها.. لم يجب عليه الحد؛ لأنها ليست بمحصنة، ويجب عليه التعزير، وحكمه حكم الحد الذي يجب عليه بقذف المحصنة، ويسقط عنه بإقامة البينة على زناها، أو باللعان؛ لأنه إذا سقط عنه الحد الكامل بذلك.. فلأن يسقط ما هو دونه بذلك أولى.
وإن كانت الزوجة أمة، فقذفها.. لم يجب عليه الحد؛ لأنها ليست بمحصنة ويجب عليه التعزير، وليس للسيد أن يطالبه به؛ لأنه ليس بمال ولا له بدل هو مال، وحق السيد إنما يتعلق بالمال أو بما بدله المال.
فإن طالبته الأمة به.. كان له أن يسقط ذلك بالبينة أو باللعان، كما قلنا في الحد الذي يجب عليه بقذف المحصنة.
وإن عفت الأمة عما وجب لها من التعزير.. سقط؛ لأنه لا حق للسيد فيه.

مسألة: القذف بعد البينة أو الإقرار لا يوجب الحد

]: إذا قامت البينة على امرأة بالزنا، أو أقرت بذلك، ثم قذفها الزوج أو أجنبي بذلك الزنا أو بغيره.. لم يجب عليه حد القذف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4].
وهذه ليست بمحصنة.
ولأن القذف هو ما احتمل الصدق والكذب، فأما ما لا يحتمل إلا أحدهما.. فإنه لا يكون قذفا، ألا ترى أنه لو قذف الصغيرة التي لا يوطأ مثلها في العادة، أو قال: الناس كلهم زناة.. لم يكن قاذفا؛ لأن القذف والحد فيه إنما جعلا لدفع العار عن نسب المقذوفة، وهذه لا عار عليها بهذا القذف؛ لأن زناها قد ثبت، ويجب عليه التعزير؛ لأنه آذاها وسبها، وذلك محرم، فعزر لأجله؟ فإن كان المؤذي لها بذلك أجنبيا.. لم يسقط عنه ببينة ولا بغيرها؛ لأن هذا تعزير أذى، وليس بتعزير قذف.

وإن كان المؤذي لها بذلك زوجها.. فهل له إسقاطه باللعان؟ نقل المزني: (ليس له إسقاطه باللعان).
ونقل الربيع: (أن له إسقاطه باللعان).
واختلف أصحابنا في ذلك: فقال أبو إسحاق: الصحيح ما نقله المزني، وما نقله الربيع خطأ؛ لأن اللعان إنما يراد لتحقيق الزنا، والزنا هاهنا متحقق، فلا فائدة في اللعان، ولأن اللعان إنما يسقط حق المقذوفة، فأما حق الله: فلا يسقط، وهذا التعزير لحق الله، فلم يجز إسقاطه باللعان، كما قلنا فيمن قذف صغيرة لا يوطأ مثلها.
فإن قيل: لو كان هذا التعزير لحق الله.. لما كان يفتقر إلى مطالبتها، كما لو قال: الناس كلهم زناة.. فإن الإمام يعزره من غير مطالبة.
قلنا: إنما افتقر إلى مطالبتها؛ لأنه يتعلق بحق امرأة بعينها.
وقال أبو الحسن القطان، وأبو القاسم الداركي: هي على قولين: أحدهما: لا يلاعن؛ لما ذكرناه.
والثاني: يلاعن؛ لأنه إذا جاز أن يلاعن لدرء التعزير فيمن لم يثبت زناها.. فلأن يلاعن فيمن ثبت زناها أولى.
ومنهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال: (لا يلاعن) إذا كان قد رماها بزنا مضافا إلى ما قبل الزوجية، مثل: أن رماها بالزنا وهما أجنبيان، فأقام عليها البينة بذلك، ثم تزوجها ورماها بذلك الزنا؛ لأنه كان في الأصل لا يجوز له اللعان لأجله، فكذلك في الثاني.
والموضع الذي قال: (له أن يلاعن) إذا رماها بالزنا في حال الزوجية، فحققه

عليها بالبينة، ثم رماها به ثانيا، فله أن يلاعن؛ لأنه كان في الأصل له إسقاط حده باللعان قبل البينة، فكذلك بعد البينة.

فرع: قذف زوجته ولم يبين ولم يلاعن

]: وإن قذف امرأته بالزنا، ولم يقم عليها البينة، ولم يلاعن، فحد، ثم رماها بذلك الزنا.. فإنه لا يجب عليه الحد؛ لأن القذف هو ما احتمل الصدق والكذب، وهذا لا يحتمل إلا الكذب، ولأن الحد إنما يراد لدفع العار عن نسب المقذوفة، وقد دفع عنه، العار بالحد الأول، فلا معنى لإقامة الحد ثانيا.
ويجب عليه التعزير؛ لأنه آذاها بذلك، والأذى بذلك محرم، ولا يلاعن لإسقاط هذا التعزير؛ لأنه تعزير أذى، فهو كالتعزير لأذى الصغيرة التي لا يوطأ مثلها.
وإن قذف أجنبي بزنا، ولم يقم البينة على الزنا، فحد حد القاذف، ثم رماها القاذف بذلك ثانيا.. فإنه لا يجب عليه حد القذف، وإنما يجب عليه التعزير للأذى.
وقال بعض الناس: يجب عليه حد القذف.
دليلنا: ما روي: (أن أبا بكرة شهد هو ورجلان معه على المغيرة بن شعبة بالزنا، فحدهم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ثم قال أبو بكرة للمغيرة: قد كنت زنيت، فهم عمر بجلده، فقال له علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن كنت تريد جلده.. فارجم صاحبك، فتركه عمر).

ومعنى قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن كنت تجعل هذا قذفا ثانيا.. فقد تمت الشهادة على المغيرة، وإن كان هو القذف الأول.. فقد حددته فيه.

فرع: قذف امرأته وثبت الحد بلعانه فتنفيه بلعانها

]: قال ابن الصباغ: إذا قذف الرجل امرأته بالزنا، وثبت عليها الحد بلعانه.. نظرت: فإن لاعنته.. فقد عارض لعانه لعانها، فلا يثبت عليها الزنا، ولا يجب عليها الحد، ولا تزول حصانتها، ومتى قذفها هو أو غيره.. وجب عليه حد القذف.
وإن قذفها ولاعنها، ولم تلاعن هي.. فقد وجب عليها الحد، ويسقط إحصانها في حق الزوج، وهل تسقط حصانتها في حق الأجنبي؟ فيه وجهان: أحدهما: تسقط حصانتها؛ لأنه قد ثبت زناها باللعان من الزوج.
والثاني: لا تسقط؛ لأن اللعان حجة تخص الزوج؛ ولهذا لا يسقط عن الأجنبي حد القذف به، فلا يسقط إحصانها به في حقه.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن الزوج إذا قذفها وتلاعنا، ثم قذفها بذلك الزنا الذي تلاعنا عليه.. لم يجب عليه الحد، وإن قذفها بزنا آخر.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه الحد؛ لأن اللعان في حقه كالبينة، ثم بالبينة يبطل إحصانها، فكذلك في اللعان.
والثاني: يجب عليه الحد؛ لأن اللعان لا يسقط إلا ما يجب بالقذف في الزوجية لحاجته إلى القذف، وقد زالت الزوجية، فزالت الحاجة إلى القذف.

وإن تلاعنا، ثم قذفها أجنبي.. حد.
فكل موضع قلنا: (لا يجب على الزوج الحد بقذفها بعد الزوجية) فإنه يجب عليه التعزيز؛ لأنه آذاها، والأذى محرم، وهذا لا خلاف أنه لا يسقط التعزير ولا الحد الذي يجب عليه إذا قذفها بزنا آخر باللعان؛ لأن اللعان إنما يكون بين الزوجين وهما أجنبيان.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا قذفها أجنبي، فإن كان الزوج لاعنها ونفى حملها، وكان الولد حيا.. فعلى الأجنبي الحد، وإن كان لم ينف حملها، أو نفاه، وكان الولد ميتا.. فإنه لا حد على الأجنبي).
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاعن بين هلال بن أمية وامرأته، ففرق بينهما، وقضى بأن لا يدعى الولد للأب، وأنها لا ترمى ولا ولدها، فمن رماها أو ولدها.. فعليه الحد».
ولم يفرق.
وهذا حجة لما قال ابن الصباغ، فإنها أجابته باللعان، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن رماها أو ولدها.. فعليه الحد».
وروي: " وعليه الحد " ولم يفرق بين الزوج وغيره.
وبالله التوفيق.

باب ما يلحق من النسب، وما لا يلحق

وما يجوز نفيه باللعان، وما لا يجوز إذا تزوج الرجل امرأة، وهو ممن يولد لمثله، وأمكن اجتماعهما على الوطء، فأتت بولد لمدة الحمل.. لحقه الولد.
فإن زوج الأب ابنه الصغير امرأة، وأمكن اجتماعهما، وأتت بولد.. نظرت: فإن أتت به قبل أن يستكمل الصبي تسع سنين وستة أشهر من مولده.. لم يلحقه الولد بلا خلاف؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يولد لمثله.
وينتفي عنه بغير لعان؛ لأن اللعان إنما يحتاج إليه لنفي نسب لاحق به، وهذا غير لاحق به.
وإن مات هذا الصبي.. لم تنقض عدتها منه بوضعه؛ لأنه لا يمكن أن يكون منه، فلم تنقض عدتها منه بوضعه، بخلاف ما لو نفى حمل امرأته باللعان؛ فإن عدتها منه تنقضي بوضعه؛ لأنه يمكن أن يكون منه.
وإن أتت به بعد أن كمل للصبي عشر سنين، ومضت مدة الحمل بعد ذلك.. لحقه الولد بلا خلاف؛ لأن ابن العشر قد ينزل الماء الدافق الذي يخلق منه الولد وإن كان نادرا، إلا أن الولد يلحق بالإمكان، وإن خالف الظاهر.
فإن أتت به بعد أن كمل للصبي تسع سنين وستة أشهر، أو سبعة.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يلحق به؛ لأن الشافعي قال: (لو جاءت بحمل وزوجها صبي دون عشر سنين.. لم يلزمه؛ لأن العلم يحيط أنه لا يولد لمثله).
فإن قلنا بهذا: انتفى عنه بغير لعان.
والثاني: أنه يلحقه، وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لأنه لما جاز أن تبلغ المرأة بالحيض لتسع سنين.. فكذلك يجوز أن يبلغ الغلام بالاحتلام لتسع سنين، والنسب يحتاط في إثباته.

فإذا قلنا بهذا: وأتت به بعد أن كمل للصبي عشر سنين، ومضت مدة الحمل، وأراد أن ينفيه باللعان.. لم يكن له ذلك؛ لأنه لا حكم لكلامه؛ لأنه غير بالغ.
فإن قيل: كيف جعلتموه بالغا في حكم لحوق الولد به، ولم تجعلوه بالغا في جواز اللعان؟! فالجواب: أن إثبات النسب يجوز بالإمكان، ولا يجوز نفيه بالإمكان.
فإن أقر بالبلوغ وأراد أن ينفيه باللعان.. كان له ذلك؛ لأنه أقر بالبلوغ في وقت يجوز أن يكون صادقا، فقبل.
هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا أتت به وقد استكمل تسع سنين.. لحق به.
وهل يشترط ستة أشهر وساعة الوطء بعد التسع ليلحقه؟ فيه وجهان.
وإن كان الزوج في سن من يولد له، إلا أنه مجبوب، فأتت امرأته بولد.. فروى المزني: (أنه لا ينتفي عنه إلا باللعان).
وروى الربيع: (أنه ينتفي عنه بغير لعان).
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، واختلفوا في الحالين: فقال أبو إسحاق: الموضع الذي قال: (لا ينتفي عنه إلا باللعان) أراد: إذا كان مقطوع الذكر والأنثيين؛ لأنه إذا قطع ذكره وبقي أنثياه.. ساحق وأنزل، وإن قطع أنثياه وبقي ذكره.. أولج وأنزل.
غير أن أهل الطب قد قالوا: إذا قطع ذكره أو أنثياه.. فلا ينزل إلا ماء رقيقا

لا يخلق منه الولد، ولا اعتبار بقولهم هاهنا؛ لأن الولد يلحق بالإمكان.
والموضع الذي قال: (ينتفي عنه بغير لعان) أراد: إذا قطع ذكره وأنثياه؛ لأنه يتعذر منه الإنزال جملة.
وقال القاضي أبو حامد: هي على اختلاف حالين آخرين: فالموضع الذي قال: (لا ينتفي عنه إلا باللعان) أراد: إذا لم تنسد ثقبة المني التي في أصل الذكر.
والموضع الذي قال: (ينتفي عنه بغير لعان) أراد: إذا انسدت؛ لأن في أصل الذكر ثقبتين: ثقبة للبول، وثقبة للمني، فإذا انسدت ثقبة المني.. تعذر الإنزال، وإذا لم تنسد.. لم يتعذر.
ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين آخرين: فالموضع الذي قال: (لا ينتفي عنه إلا باللعان) أراد به: المجنون إذا وطئ امرأته في حال جنونه؛ لأنه كالعاقل في الوطء.
والموضع الذي قال: (ينتفي عنه بغير لعان) هو المجبوب والخصي.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن من أصحابنا من قال: يلحق به الولد، ولا ينتفي عنه إلا باللعان وإن كان مقطوع الذكر والأنثيين.
والصحيح: قول أبي إسحاق.
هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إن كان مجبوبا.. لحق به الولد، وإن كان خصيا، فإن قال أهل المعرفة: إنه يولد لمثله.. لحقه، وإلا.. فلا.
وإن لم يمكن اجتماعهما على الوطء؛ بأن تزوجها في مجلس القاضي، وطلقها ثلاثا عقيب العقد في المجلس، فأتت بولد لمدة الحمل من يوم النكاح، أو تزوج رجل بالمشرق امرأة بالمغرب، فأتت بولد لستة أشهر من حين العقد.. فإن الولد لا يلحقه، وينتفي عنه بغير لعان، وبه قال مالك وأحمد.

وقال أبو حنيفة: (إذا كان الزوج ممن يتأتى منه الوطء.. لحقه).
وهكذا: قال في رجل غاب عن امرأته زمانا، فأخبرت: أنه مات، فاعتدت عنه عدة الوفاة، وتزوجت بغيره، فرزق منها أولادا، ثم جاء الزوج الأول، فإن الأولاد كلهم للأول، ولا يلحق أحد منهم الزوج الثاني.
ودليلنا: أنها أتت بولد لا يمكن أن يكون منه، فلم يلحق به، كامرأة الطفل.

مسألة: ولادة المرأة قبل مضي ستة أشهر من وقت العقد

]: وإن تزوج امرأة، وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من حين العقد.. انتفى عنه بغير لعان؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر بالإجماع، فيعلم أنها علقت به قبل حدوث الفراش.
وإن تزوج رجل امرأة ودخل بها، ثم طلقها وهي حامل، فوضعت الحمل، ثم أتت بولد آخر لدون ستة أشهر من حين وضع الحمل.. لحقه الثاني؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يكون بين الحملين أقل من ستة أشهر، فعلمنا أنهما حمل واحد.
وإن أتت بالثاني لستة أشهر فما زاد من وقت وضع الأول.. انتفى عنه الثاني بغير لعان؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أن الولدين من حمل واحد لا يكون بينهما ستة أشهر، فعلمنا أن الولد الثاني علقت به بعد وضع الأول.
وإن طلقها واعتدت بالأقراء، ثم ولدت قبل أن تتزوج.. نظرت: فإن وضعته لستة أشهر فما زاد، أو لأربع سنين من وقت الطلاق، أو لدون ستة أشهر من وقت الطلاق.. لحقه الولد، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، وسواء أقرت بانقضاء عدتها قبل ذلك أو لم تقر.
وقال أبو حنيفة: (إذا أتت به لسنتين من وقت الطلاق.. لحق به، وإن أتت به لما زاد عن سنتين من وقت الطلاق.. لم يلحق به)؛ لأن أكثر الحمل عنده سنتان.
والكلام عليه يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال أبو حنيفة أيضا: (إذا أقرت بانقضاء عدتها قبل ذلك.. لم يلحق الولد به، وانتفى عنه بغير لعان).
وبه قال أبو العباس ابن سريج؛ لأنا حكمنا بانقضاء عدتها بإقرارها وإباحتها للأزواج، فلا ينقض بأمر محتمل.
ودليلنا: أن أكثر الحمل عندنا أربع سنين، وقد ترى الحامل الدم على الحمل، وإذا أمكن إثبات الحمل.. لم يجز نفيه، ولهذا: لو تزوج امرأة وأتت بولد لستة أشهر من وقت العقد.. لحق به وإن لم يعلم الوطء؛ احتياطا لإثبات النسب، فكذلك هذا مثله.
وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق.. نظرت: فإن كان الطلاق بائنا، مثل: أن طلقها طلقة أو طلقتين بعوض أو طلقها ثلاثا أو طلقها قبل الدخول أو فسخ النكاح بعيب.. فإن الولد لا يلحقه، وينتفي عنه بلا لعان.
ونقل المزني: (فهو ينتفي باللعان).
قال أصحابنا: وهذا خطأ في النقل؛ لأن الحمل لا يكون أكثر من أربع سنين.
ومن أصحابنا من اعتذر للمزني، وقال: ويحتمل أن (الألف) من (لا) التزق مع (لام) قوله: (لعان)، فصار قوله: (بلا لعان) باللعان.
وإن كان الطلاق رجعيا.. ففيه قولان: أحدهما: لا يلحقه الولد، وينتفي عنه بغير لعان؛ لأن الرجعية محرمة على الزوج تحريم المبتوتة عندنا، وقد ثبت أن المبتوتة إذا أتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت انقضاء العدة.. لم يلحقه، فكذلك الرجعية.
والثاني: أنه يلحقه الولد، ولا ينتفي عنه إلا باللعان؛ لأن الرجعية في

معنى الزوجات؛ بدليل: أنه يلحقها الطلاق، والإيلاء، والظهار، ويتوارثان، فكانت في حكم الزوجات في حكم لحوق ولدها به؛ لأن النسب يحتاط لإثباته.
فإذا قلنا بهذا: فإلى متى يلحقه الولد؟ فيه وجهان: أحدهما: قال أبو إسحاق: يلحقه أبدا؛ لأنا نظن أن العدة قد انقضت، ولم تكن قد انقضت في الباطن، ويكون قد وطئها في العدة.
والثاني وهو المذهب: أنه يلحقه إذا أتت به لأربع سنين من وقت إقرارها بانقضاء العدة، ولا يلحقه إذا أتت به لأكثر من أربع سنين؛ لأنا إنما ألحقناه به؛ لجواز أن يكون قد وطئها في عدتها، وذلك وطء شبهة، فلحقه الولد الحادث من هذا الوطء.
وأكثر الحمل أربع سنين فإذا أتت به لأكثر من أربع سنين بعد انقضاء عدتها.. تبينا أنه حدث من وطء بعد انقضاء عدتها، وهي أجنبية من بعد انقضاء عدتها، فصارت كالمبتوتة.
وإن لم تقر بانقضاء العدة.. ففيه وجهان: أحدهما: يلحقه الولد أبدا؛ لأنه يحتمل امتداد العدة.
والثاني: أن يحسب ثلاثة أشهر من بعد الطرق، ثم إذا ولدت لأكثر من أربع سنين بعد الثلاثة الأشهر.. لم يلحقه؛ لأن الغالب أن الأقراء تنقضي بثلاثة أشهر.

فرع: طلقها فأتت بعد أربع سنين بولد

]: وإن طلقها، وأتت بولد لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق، وكان الطلاق بائنا أو رجعيا، وقلنا: لا يلحقه ولدها، فادعت الزوجة أنه قد كان نكحها بعد الطلاق

البائن، أو راجعها في الرجعي، وهذا الولد منه، فإن أنكر النكاح أو الرجعة.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم النكاح والرجعة، ويحلف على القطع: أنه ما نكحها، أو أنه ما راجعها؛ لأنه حلف على فعل نفسه.
فإذا حلف.. لم يلزمه لها مهر ولا نفقة، وانتفى الولد عنه بغير لعان.
فإن نكل عن اليمين.. ردت عليها اليمين، فإن حلفت.. ثبت أنها زوجته، فتجب لها النفقة، ويجب لها المهر إن ادعت النكاح.
وأما الولد: فإن اعترف الزوج: أنها ولدته على فراشه.
لحقه نسبه، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن قال: لم تلده، وإنما التقطته أو استعارته.. لم تصدق المرأة أنها ولدته حتى تقيم البينة على ذلك؛ لأنه يمكنها إقامة البينة على ذلك، ويقبل في ذلك رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، فإذا أقامت البينة لها: أنها ولدته على فراشه.. لحقه نسبه، ولا ينتفي عنه إلا باللعان.
وإن عدمت البينة، فإن قلنا: إن الولد يعرض مع الأم على القافة.. عرض معها، فإن ألحقته بهما.. لحق بالزوج، ولم ينتف عنه إلا باللعان.
وإن قلنا: لا يعرض مع الأم، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. فالقول قول الزوج مع يمينه: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه، فإذا حلف.. انتفى عنه بغير لعان، وإن نكل الزوج عن اليمين، فردت على الزوجة، فلم تحلف.. فهل يوقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويحلف؟ فيه وجهان - بناء على القولين في الجالية المرهونة إذا أحبلها الراهن، وادعى المرتهن: أن الراهن أذن له في وطئها، وأنكر المرتهن، ونكلا جميعا عن اليمين -: أحدهما: لا ترد اليمين على الولد؛ لأن اليمين للزوجة، وقد أسقطتها بالنكول.
والثاني: ترد عليه؛ لأنه يثبت بها حق الولد وحق الزوجة، فإذا أسقطت حقها.. بقي حق الولد.
وإن أقر الزوج: أنه راجعها أو تزوجها.. ثبتت الزوجية، وثبتت أحكامها، فإن أقر: أنها أتت بالولد على فراشه.. لحقه، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن أنكر

أنها ولدته، وإنما التقطته أو استعارته.. فعليها إقامة البينة على ما مضى.
هذا إذا كان الاختلاف مع الزوج.
فأما إذا كان الاختلاف مع ورثة الزوج: فإن مات وخلف ابنا، فادعت الزوجة: أن أباه قد كان تزوجها أو راجعها، وهذا الولد منه، فإن أقر الابن بالنكاح أو الرجعة.. ثبتت الزوجية وأحكامها.
وأما الولد: فإن اعترف الابن: أنها ولدته على فراش أبيه.. لحق نسبه بالأب، وليس للابن أن ينفيه باللعان؛ لأن اللعان يختص به الزوج.
وإن قال: لم تلده، وإنما التقطته أو استعارته.. فعليها أن تقيم البينة أنها ولدته؛ لأنها يمكنها إقامة البينة، فإذا أقامت البينة.. ألحق بالأب، وورث مع الابن، وليس له نفيه باللعان، وإن عدمت البينة، فإن قلنا: إن الولد يعرض مع الأم على القافة.. عرض معها، فإن ألحقته بالأب.. ثبت نسبه من الأب، وورث منه.
وإن قلنا: لا يعرض معها، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. فالقول قول الابن مع يمينه: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراش أبيه، فإذا حلف.. لم يثبت نسب الولد من الزوج، ولم يرث مع الابن، وإن نكل عن اليمين.. حلفت الأم: أنها ولدته على فراش الزوج، وثبت نسبه منه، ويرث منه، وإن لم تحلف الزوجة.. فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويحلف؟ على الوجهين اللذين مضى ذكرهما.
وإن أنكر الابن النكاح أو الرجعة، فإن كان معها بينة وأقامتها.. كان الحكم فيه كما لو أقر الابن، وإن لم يكن معها بينة.. فالقول قول الابن مع يمينه، ويحلف الابن: أنه لا يعلم أن أباه نكحها أو راجعها؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره، فحلف على نفي العلم، فإن حلف.. فلا كلام، وإن نكل.. ردت اليمين عليها، فإن

حلفت.. كان الحكم فيه كما لو أقر الابن، أو أقامت البينة، وإن لم تحلف هي.. فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي فيحلف؟ على الوجهين.
وإن خلف الزوج ابنين أو أكثر، فإن أقرا أو أنكرا أو حلفا أو نكلا وردا عليها اليمين فحلفت.. كان الحكم فيها كالحكم مع الواحد، وإن أقر أحدهما وأنكر الآخر، ونكل عن اليمين فحلف.. كان حكمها حكم ما لو أقرا.
وإن أقر أحدهما، وأنكر الآخر، فحلف المنكر.. لم تثبت الزوجية في حق الحالف، ولا يثبت نسب الولد؛ لأن النسب لا يثبت إلا بالإقرار من جميع الورثة، ويلزم المقر بحصته من المهر النفقة، وهل ترث معه الزوجة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ترث؛ لأنه لما لم يثبت النسب باعترافه.. لم يثبت ميراثها باعترافه.
والثاني: ترث معه من حقه نصف الثمن، كما قلنا في الدين.
وإن كان الوارث للزوج أخا، أو ابن أخ، أو عما، فإن أنكر عليها النكاح أو الرجعة، وأقامت البينة.. ثبت النكاح، وثبتت أحكامه.
فإن أنكر أن تكون أتت بولد على فراش الزوج، فإن أقامت على ذلك بينة.. لحق بالزوج، وورث جميع مال الزوج إن كان ذكرا، وإن لم يكن معها بينة فحلف لها.. لم يثبت النكاح ولا يثبت نسب الولد.
وإن نكل عن اليمين، فحلفت.. ثبتت زوجيتها وأحكامها في المهر والنفقة، وأما نسب الولد: فهل يلحق بالزوج؟ إن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة.. ثبت نسبه.
وإن قلنا: إنها كالإقرار.. فهو كما لو أقر.
وإن أقر لها بالنكاح أو الرجعة.. ثبتت الزوجية وأحكامها في المهر والنفقة، وأما نسب الولد: فإن أنكر الأخ أنها ولدته على فراش الزوج.. فعليها إقامة البينة: أنها ولدته على فراشه، وإن لم تقم بينة، وقلنا: لا يعرض الولد على القافة، أو قلنا:

يعرض ولم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. فالقول قول الأخ مع يمينه: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراش الزوج؛ فإن حلف.. لم يثبت نسبه، وإن أقر: أنها ولدته على فراش الزوج.. ثبت نسبه منه، ولا يرث من الزوج؛ لأنا لو ورثناه لحجب الأخ، وخرج عن أن يكون وارثا، فلم يصح إقراره.
وقال أبو العباس: يرث.
واختاره ابن الصباغ، والمذهب الأول.
وأما قدر ميراث الزوجة: فالذي يقتضي المذهب: إن كان مال الزوج في يدها.. لم يأخذ الأخ والعم منه إلا ثلاثة أرباعه؛ لأنه لا يدعي سواه، ويقر لها بالربع وهي لا تدعي إلا الثمن، وتدفع من الربع الذي يبقى في يدها إلى ابنها نصفه؛ لأنها تقر له به.
وإن كان المال في يد الأخ أو العم.. لم تأخذ الزوجة منه إلا الثمن؛ لأنه يقر لها بالربع، وهي لا تدعي إلا الثمن، فلم يكن لها أكثر منه.

فرع: انقضت عدتها وتزوجت بآخر وحملت

]: وإن طلقها الزوج، وانقضت عدتها منه، وتزوجت بآخر، وأتت بولد، فإن وضعته لأربع سنين فما دونها من طلاق الأول، ولدون ستة أشهر من عقد الثاني.. لم يلحق بالثاني، ولحق بالأول على المذهب، ولا ينتفي عنه إلا باللعان.
وعلى قول أبي العباس وابن سريج: لا يلحق بأحدهما.
وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من عقد الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول.. فإن الولد لا يلحق بالثاني وينتفي عنه بغير لعان.
وهل يلحق بالأول؟ ينظر فيه: فإن كان طلاقه بائنا.. لم يلحق به، وانتفى عنه بغير لعان.
وإن كان طلاقه رجعيا.. فهل يلحقه به؟ على قولين، مضى ذكرهما.
وإن أتت به لأربع سنين فما دونها من طلاق الأول، ولستة أشهر فما زاد من نكاح الثاني.. فذكر الشيخ أبو حامد: أن الولد يلحق بالثاني؛ لأن الفراش له.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أن الثاني إذا ادعى: أنه من الأول.. فإن الولد يعرض

معهما على القافة، فإن ألحقته بالأول.. لحقه، وانتفى عن الثاني بغير لعان، وإن ألحقته بالثاني.
لحق به، وانتسب إلى الثاني، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها.. ترك إلى أن يبلغ وقت الانتساب، فإن انتسب إلى الأول.. انتفى عن الثاني بغير لعان، وإن انتسب إلى الثاني.. لم ينتف عنه إلا باللعان.
وإن لم يعرف وقت طلاق الأول ووقت نكاح الثاني.. حلف الثاني: أنه لا يعلم أنها ولدته على فراشه؛ لأن الأصل عدم ولادته على فراشه، فإذا حلف انتفى عنه نسبه بغير لعان، وإن نكل عن اليمين.. حلفت أنها ولدته على فراشه، ولحقه نسبه، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن لم تحلف الزوجة.. فهل توقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي ويحلف؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الجارية المرهونة.

مسألة: وطئت مزوجة بشهبة فتعتد

] إن كانت لرجل زوجة، فوطئها رجل بشبهة.. لزمها أن تعتد منه، فإن أتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما.. عرض الولد على القافة؛ لأن لها مدخلا في إلحاق النسب، ولا يلاعن الزوج لنفيه؛ لأنه يمكن نفيه بغير لعان، ومتى أمكن نفي الولد عنه بغير لعان.. لم يكن له أن يلاعن، كما أن السيد إذا أتت أمته بولد.. لم يكن له نفيه باللعان؛ لأن له طريقا إلى نفيه بغير اللعان، بأن يدعي استبراءها، ويحلف عليه، كذلك هذا مثله.
فإن ألحقته القافة بالواطئ.. انتفى عن الزوج بغير لعان، ولحق الولد بالواطئ، وليس له نفيه باللعان؛ لأن اللعان يختص به الزوج.
وإن ألحقته بالزوج.. انتفى عن الواطئ، ولحق بالزوج، وله نفيه باللعان، فإذا نفاه.. انتفى عنهما، وإن ألحقته القافة بهما، أو نفته عنهما، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها.. ترك إلى أن يبلغ سن الانتساب، ثم يؤمر بالانتساب إلى أحدهما، فإن انتسب إلى الزوج.. لحق به، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن انتسب إلى الواطئ.. لحق به، ولا ينتفي عنه باللعان؛ لأن اللعان يختص به الزوج، والواطئ أجنبي.

مسألة: نفي الحمل والطعن مع وجود الولد

]: نقل المزني ثلاث مسائل: إحداهن: إذا قال لامرأته: هذا الحمل ليس مني، ولست بزانية، ولم أصبها.. قيل له: قد تخطئ ولا يكون حملا، فيكون صادقا، وهي غير زانية، فلا حد ولا لعان.
فمتى استيقنا أنه حمل.. قلنا: قد يحتمل أن تأخذ نطفتك وتستدخلها لتحمل منك، فتكون صادقا بأنك لم تصبها، وهي صادقة بأنه ولدك.
وإن قذفت.. لاعنت.
الثانية: لو نفى ولدها، وقال: لا ألاعنها ولا أقذفها.. لم يلاعنها، ولزمه الولد.
وإن قذفها.. لاعنها؛ لأنه إذا لاعنها بغير قذف.. فإنما يدعي: أنها لم تلد، وقد حكمنا أنها ولدته، وإنما أوجب الله اللعان بالقذف، فلا يجب بغيره.
الثالثة: لو قال: لم تزن، ولكنها غصبت.. لم ينتف عنه إلا باللعان.
قال أصحابنا: وفي هذه ست مسائل: إحداهن: إذا ظهر بها حمل، أو ولدت، فقذفها بالزنا برجل بعينه.. فله أن يلاعن لنفيه؛ لحديث هلال بن أمية، فإنه قذف امرأته بشريك بن سحماء، فـ: (لاعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما).
الثانية: إذا قذفها بالزنا مطلقا، ولم يعين الزاني بها.. فله أن يلاعن لنفيه؛ لأن عويمرا العجلاني قذف امرأته بالزنا، ولم يعين الزاني بها، و: (لاعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما).
الثالثة: أن يقول: هذا الولد ليس مني، وإنما وطئك فلان بشبهة، وهذا الولد منه، والشبهة منكما، فليس له أن ينفيه باللعان؛ لأنه يمكنه نفيه بغير لعان، فيعرض

الولد على القافة، فإن ألحقته بالزوج.. لحقه وانتفى عنه باللعان، وإن ألحقته بالواطئ بالشبهة.. لحقه ولا ينتفي عنه باللعان، ويكون الحكم فيه كما لو وطئها رجل بشبهة، وقد مضى.
الرابعة: أن يقول: هذا الولد ليس مني وما وطئتها، وهي ما زنت.. فإن لم يقذف أحدا.
وقوله: (ما وطئتها) لا ينفي أن يكون منه؛ لجواز أن يكون وطئها فيما دون الفرج، فسبق الماء إلى فرجها، أو احتملت منيه بصوفة.
ولا يلتفت إلى قول أهل الطب: أن المني إذا برد لا تحبل المرأة منه.
ويحتمل أيضا أن يكون قوله: (ما وطئتها) أي: بل وطئها غيري بشبهة، وهذا الولد منه.
وإذا احتمل هذين الأمرين.. لم يكن له نفيه باللعان إلا أن يقذفها، فيلاعن.
الخامسة: أن يقول: وطئك فلان بشبهة، وأنت عالمة بأنه زنا، وهذا الولد منه.. فليس له أن ينفيه باللعان في هذه الحال؛ لأنه يمكنه نفيه بغير لعان؛ بأن يعرض على القافة؛ لأن النسب تعتبر فيه الشبهة في حق الأب، فإن ألحقته القافة بالواطئ بالشبهة.. لحق به، ولا ينتفي عنه باللعان، وإن ألحقته بالزوج.. فله نفيه باللعان.
السادسة: إذا قال: غصبت على الزنا، أو وطئك فلان وأنت مكرهة، وهذا الولد منه.. فقد قذف الزاني بها.
فإن كان معينا.. وجب له عليه حد القذف، وأما المرأة: فلا يحد لها؛ لأنه لم يقذفها بزنا، وهل يعزر لها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعزر لها؛ لأنه لم يسفهها؛ لأنه لا عار عليها، ولا جاءت بمحرم.

الثاني: يعزر لها؛ لأنه آذاها بحصول ماء حرام في رحمها، وبذلك يلحق العار بنسبها.
وهل له أن يلاعن لنفي الولد الحادث من هذا الوطء؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلاعن؛ لأنه قذف أحد الواطئين، فلم يكن له العان لنفي الولد، كما لو قذفها دونه.
والثاني: له نفيه باللعان، وهو الأصح؛ لأنه نسب يلحقه من غير رضاه، لا يمكن نفيه بغير اللعان، فجاز له نفيه باللعان، كما لو قذفهما معا.
فعلى هذا: يذكر في اللعان زنا الرجل وأن الولد ليس مني، ولا يذكرها بالزنا.

مسألة: تزوج فجاءه ولد بعد ستة أشهر فلا يحق قذفها ولا نفي ولدها

]: إذا تزوج امرأة ووطئها، وأتت بولد لستة أشهر فما زاد من وقت الوطء، ولم يشاركه أحد في وطئها بشبهة، ولم يرها تزني، ولا استفاض في الناس زناها، وكان الولد لا يشبه غيره.. لم يحل له قذفها ولا نفي ولدها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4].
وهذه محصنة.
ولما روي «عن أبي هريرة: أنه قال: لما نزلت آية اللعان.. قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم.. فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته.
وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه.. احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين».

ومعنى قوله: " ينظر إليه " يعلم أنه منه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاف أن يبادر الناس إلى نفي الأنساب بالشك.. فغلظ الحال فيه.
وأما إذا طهرت امرأته من الحيض، ولم يطأها، ورأى رجلا يزني بها، وأتت بولد لستة أشهر فصاعدا من وقت الزنا.. لزمه قذفها بالزنا ونفي النسب عنه؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم.. فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته».
فإذا حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم.. حرم ذلك على الرجل أيضا.
ولأنه لما حرم عليه نفي نسب يتيقنه منه.. حرم عليه استلحاق نسب يتيقن أنه ليس منه.
وإن لم يطأها ولم يعلم بزناها.. وجب عليه نفيه باللعان؛ لما ذكرناه.
ولا يجوز له أن يقذفها؛ لجواز أن يكون من وطء شبهة، أو من زوج قبله.
وإن لم يرها زنت، ولا سمع بذلك، ولكنها أتت بولد أسود، وهما أبيضان، أو أتت بولد أبيض، وهما أسودان، أو أتت بولد يشبه رجلا ترمى به، ولم يعلم أن الرجل الذي ترمى به وطئها.. فهل يجوز له نفيه باللعان؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز له نفيه باللعان؛ لما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاعن بين هلال بن أمية وبين امرأته، ثم قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن جاءت به أصيهب، أثيبج حمش الساقين.. فهو لزوجها، وإن جاءت به أورق، جعدا، جماليا، خدلج الساقين، سابغ الأليتين.. فهو للذي رميت به " فجاءت به أورق، جعدا جماليا، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لولا الأيمان.. لكان لي ولها شأن».
فدل على أن للشبه حكما.

والثاني: لا يجوز له نفيه؛ لأن هذا الشبه يجوز أن يكون عرق نزعه في آبائه وأجداده؛ ولهذا روي «أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، إن امرأتي أتت بولد أسود؟! فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " ألك إبل؟ "، قال: نعم، قال: " ما ألوانها؟ "، قال: حمر، قال: " هل فيها من أورق؟ "، قال: إن فيها لورقا، فقال: " أنى ترى ذلك؟ "، قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: " وهذا، عسى أن يكون نزعه عرق».
ويخالف قصة هلال بن أمية؛ لأنه كان أخبره: أنه كان شاهده يزني بها.
والوجهان إذا لم يشاهد ذلك.
إذا ثبت هذا: فمعنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أصيهب " تصغير أصهب، وقوله: " أثيبج " تصغير أثبج، وهو الناتئ الثبج.
والثبج: ما بين الكاهل ووسط الظهر، وقوله: " حمش الساقين " يعني دقيقهما، وقوله: " أورق " يعني: الأورق الذي لونه بين السواد والغبرة، ومنه قيل للرماد: أورق، وللحمامة: ورقاء؛ لأن لونهما كذلك، وقوله: " خدلج الساقين " يعني: عظيم الساقين.
وقد روي: " جزل الساقين ". وأما قوله: " جماليا ": قال أبو عبيد: فإنهم يقولون جماليا - بفتح الجيم - يذهبون به إلى الجمال، وليس هو من الجمال في شيء؛ لأنه لو أراد ذلك.. لقال: جميلا، ولكنه جماليا - بضم الجيم - يعني: عظيم الخلق، شبه خلقه بخلق الجمل، فيقال للناقة العظيمة: جمالية؛ لأن خلقها يشبه خلق الجمل.
قال الأعشى:

جمالية تغتلي بالرداف... إذا كذب الآثمات الهجيرا وقوله: " سابغ الأليتين " يعني: عظيم الأليتين.

مسألة: جامع بعد طهر ثم قذفها فله أن يلاعن

]: إذا طهرت امرأة من الحيض، وجامعها في ذلك الطهر، ثم قذفها بزنا في ذلك الطهر.. فله أن يلاعن لإسقاط الحد بلا خلاف، وله أن يلاعن لنفي النسب الحادث في ذلك الطهر، وبه قال عطاء، وأبو حنيفة.
وقال مالك: (ليس له أن يلاعن لنفي النسب منه).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] الآية [النور: 6].
ولم يفرق بين أن يكون وطئها أو لم يطأها.
ولأنه رماها بزنا، وأتت بولد يمكن أن يكون منه، فكان له نفيه باللعان، كما لو لم يطأها فيه.

فرع: عزل وحملت

]: إذا كان يجامع امرأته ويعزل عنها - وهو: أنه إذا أراد الإنزال نزع وأنزل الماء بعد النزع - فأتت بولد لمدة الحمل.. لحقه، ولا يجوز له نفيه؛ لما روي: أنه «قيل للنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: إنا نصيب السبايا، ونحب الأثمان، أفنعزل عنهن؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " إن الله إذا قضى خلق نسمة.. خلقها»، و: «لا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة..» ولأن كل حكم تعلق بالوطء.. فإنه

يتعلق بالإيلاج دون الإنزال، كالغسل، والمهر، والعدة، وغير ذلك، فكذلك ثبوت النسب، ولأنه ربما سبق من الماء ما لا يحس به، فتعلق به، فلم يجز له نفيه.
وإن كان يطؤها فيما دون الفرج، وأتت بولد.. فهل يجوز له نفيه باللعان؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له نفيه؛ لأنه قد يسبق منه الماء إلى فرجها، فتحمل منه، كما لو وطئ البكر، فحملت.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يجوز له نفيه؛ لأن كل حكم تعلق بالوطء.. فإنه لا يتعلق بالوطء فيما دون الفرج، كالغسل، والمهر، والعدة، فكذلك ثبوت النسب.
وإن كان يطؤها في الدبر، وأتت بولد.. فهل يجوز له نفيه باللعان؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له نفيه؛ لأنه قد يسبق الماء إلى فرجها، فتعلق به.
والثاني: يجوز له نفيه؛ لأنه وطئها في موضع لا تحبل منه بحال، فهو كما لو وطئها في سرتها وأنزل.

مسألة: قذف امرأته الحامل وادعى زناها لاعنها

]: إذا قذف زوجته وهي حامل، وادعى أنها حملت من الزنا.. فله أن يلاعن لنفي الحمل قبل وضعه.
وقال أبو حنيفة: (ليس له أن يلاعن قبل وضع الحمل لأجل نفي الحمل، فإن لاعن.. بانت، ووقعت الفرقة، فإذا وضعت.. لم ينتف النسب، ولحقه، ولم يكن له أن يلاعن بعد ذلك لنفي النسب).
دليلنا: حديث هلال بن أمية: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لاعن بينهما على الحمل قبل وضعه).

ولأن كل سبب جاز اللعان لأجله بعد انفصال الولد.. جاز اللعان لأجله قبل انفصال الولد، كزوال الفراش.
إذا ثبت هذا: فله أن يؤخر اللعان إلى أن تضع إذا لم يتيقن الحمل؛ لجواز أن يكون ريحا فتنفش، أو غلظا، فكان له التأخير ليلاعن على يقين.
وإن رآها حاملا ولم ينف الحمل، فلما ولدت أراد النفي.. قيل له: قد علمتها حاملا، فلم لم تنفه؟ أكنت قد أقررت بالولد؟ فإن قال: لم أقر به، وإنما لم أنفه؛ لأني لم أتحققها حاملا، بل جوزت أنه ريح أو غلظ.. حلف على ذلك؛ لأنه يحتمل ما يدعيه، وكان له نفيه باللعان.
وإن قال: قد علمتها حاملا لا محالة، ولكني أخرت لعلها تسقطه، أو يموت بعد الولادة، أو تموت هي.. لحقه الولد، ولم يكن له نفيه باللعان؛ لأنه ترك النفي لغير عذر.
وإن كان الولد منفصلا.. فله نفيه.
وخيار النفي عندنا على الفور.
وقال أبو حنيفة: (القياس: أن يكون على الفور، غير أنه إن أخر ذلك اليوم أو اليومين... كان له ذلك استحسانا).
وقال أبو يوسف، ومحمد: له أن يؤخر ذلك مدة النفاس.
وهي أربعون يوما عندهم.
وقال عطاء، ومجاهد: له النفي أبدا، إلا أن يقر به.
دليلنا: أنه خيار لدفع ضرر متحقق، فإذا لم يتأبد.. كان على الفور، كخيار الرد بالعيب.
وقولنا: (لدفع ضرر متحقق) احتراز من الحمل؛ فإن الخيار فيه إلى أن تضع؛ لأنه غير متحقق.
وقولنا: (إذا لم يتأبد) احتراز من الخيار في القصاص.

إذا ثبت هذا: فهل تتقدر مدة الخيار فيه بثلاثة أيام؟ فيه قولان: أحدهما: تتقدر بثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن إلحاقه بنفسه نسبا ليس منه محرم عليه، ونفيه نسبا ثابتا منه محرم عليه.
وإذا كان كذلك، وولدت امرأته ولدا.. فلا بد أن يتأمله؛ هل يشبهه، أو يشبه الزاني؟! وهل هو منه أو من غيره؟! ويفكر في ذلك، وذلك لا يمكنه في الحال، فقدر ثلاثة أيام؛ لأنها قريبة، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: 64] [هود: 64].
ثم فسر القريب بالثلاث، فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] [هود: 65].
والثاني: لا تتقدر بالثلاث، بل هو على الفور، وهو الأصح؛ لأنه خيار لدفع ضرر متحقق غير مؤبد، فكان على الفور، كخيار الرد بالعيب.
فإذا قلنا بهذا: فمعنى قولنا: (على الفور) على ما جرت العادة به، فإن كان حاضرا.. فلسنا نريد أنه يعدو إلى الحاكم حين يسمع بالولادة بكل حال، بل له التأخير بعذر؛ وذلك: أن له أن يؤخر إلى أن يلبس ثوبه، وإن كان ممن يركب.. فحتى تسرج له دابته، وإن كان جائعا.. فحتى يأكل، وإن كان ظمآنا.. فحتى يشرب الماء، وإن حضرت صلاة.. فحتى يصلي، وإن كان ماله غير محرز.. فله أن يؤخر إلى أن يحرز ماله، وما أشبه ذلك، ثم يذهب إلى الحاكم، ويعرفه أنه قد نفى الولد، ويريد أن يلاعن، ثم يستدعي الحاكم المرأة.

فرع: ادعاؤه نفي علمه بالولادة

]: وإن ادعى: أنه لم يعلم أنها ولدت، فإن لم يمكن أن يكون صادقا في ذلك، مثل: أن يكون في دار واحدة أو محلة واحدة.. لم يقبل قوله؛ لأن الظاهر أنه لا يخفى عليه ذلك، وإن كان كل واحد منهما في جانب من البلد، أو كل واحد منهما في محلة.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.

وإن قال: علمت بولادتها، ولم أعلم أن لي النفي، أو علمت أن لي النفي، ولكن لم أكن أعلم أنه على الفور.. نظرت: فإن كان ممن يعرف شيئا من الفقه، أو ممن يخالط الفقهاء.. لم يصدق؛ لأن مثل هذا لا يخفى عليه.
وإن كان قريب العهد بالإسلام، أو ممن تقدم إسلامه، إلا أنه ممن نشأ في بادية بعيدة لا يعرف من الحكم مثل هذا.. قبل قوله؛ لأن الظاهر أنه يخفى عليه مثل ذلك.
وإن كان من العامة الذين قد يسمعون العلماء وقد لا يسمعونهم.. فهل يقبل قوله؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الأمة إذا أعتقت تحت عبد، وادعت: أنها لم تعلم أن لها الخيار: أحدهما: لا يقبل قوله، كما لا يقبل قوله إذا ادعى: أنه لا يعلم أن له رد المبيع بالعيب.
والثاني: يقبل قوله؛ لأن هذا لا يعرفه إلا العلماء أو من يخالطهم.

فرع: تأخر الملاعن لمرض أو حبس

]: وإن كان الزوج مريضا أو محبوسا لا يقدر على الحضور إلى عند الحاكم، فإن كان يقدر على أن ينفذ إلى الحاكم رجلا لينفذ إليه من يستوفي عليه اللعان في موضعه، فلم يفعل.. سقط حقه من النفي، وإن كان لا يقدر على ذلك.. فإنه يشهد على نفسه: أنه مقيم على حقه من النفي، فإن لم يشهد مع الإمكان.. سقط حقه من النفي، وإن لم يقدر على الإشهاد.. لم يسقط حقه.

وإن كان غائبا، فبلغه الخبر: أنها ولدت، وصدق الخبر، فإن كان الطريق آمنا يمكنه سلوكه، فاشتغل بالخروج عقيب علمه.. لم يسقط خياره، وإن لم يقدر على المسير، مثل أن لم يجد رفقة يسير معهم، أو وجد رفقة ولكن الطريق مخوف.. فإنه يشهد على نفسه: أنه مقيم على النفي، فإن لم يشهد مع القدرة عليه.. سقط حقه من النفي.
وإن قال: قد بلغني أنها ولدت، ولم أصدق، فإن كان قد سمع ذلك بالاستفاضة من جماعة لا يجوز عليهم الكذب.. لم يعذر في ذلك، وإن سمع ذلك بخبر واحد أو اثنين.. قال الشيخ أبو حامد في " التعليق ": عذر في ذلك، وكان له النفي؛ لأن الإنسان قد لا يصدق الواحد والاثنين؛ لأنه يجوز عليهم الكذب.

فرع: إجابة النافي للولد بآمين ونحوها

]: وإن هنأه رجل بالولد، فقال: بارك الله لك في ولدك، أو جعله الله ولد صالحا.. نظرت فيه: فإن قال: آمين، أو استجاب الله دعاك.. سقط حقه من النفي؛ لأن معنى قوله: (آمين) اللهم استجب دعاءه، وذلك يتضمن الإقرار به.
وإن قال: بارك الله عليك، أو أحسن الله جزاءك، أو رزقك الله مثله.. لم يسقط حقه من النفي.
وقال أبو حنيفة: (يسقط).
دليلنا: أن ذلك لا يتضمن الإقرار به؛ لأن الظاهر أنه أراد رد الدعاء عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] [النساء: 86].

مسألة: قذف امرأته ونفى ولدا باللعان فجاءت بآخر

إذا قذف امرأته ونفى نسب ولدها باللعان، ثم أتت بولد آخر.. فلا يخلو: إما أن يكون لاعن على نفي ولد منفصل، أو لاعن على نفي حمل.
فإن لاعن على نفي ولد منفصل، ثم أتت بعد اللعان بولد آخر.. نظرت:

فإن كان بين الحمل الأول والثاني دون ستة أشهر.. فإنهما حمل واحد، فيكون له نفي الثاني باللعان، فإن نفاه باللعان.. انتفى باللعان الثاني، وقد انتفى الأول باللعان الأول، وإن أقر بالثاني، أو أخر نفيه من غير عذر.. لحقه نسبه؛ لأنه أقر بثبوت نسبه، أو ترك نفيه من غير عذر، فإذا لحقه الثاني.. لحقه الأول أيضا؛ لأنا قد حكمنا بأنهما من حمل واحد، ولا يجوز أن يكون بعض الحمل منه وبعضه ليس منه، فجعل ما نفاه لما أقر به، ولم يجعل ما أقر به تابعا لما نفاه؛ لأن النسب يحتاط لإثباته، ولا يحتاط لنفيه.
وإن كان بين الولد الأول والثاني ستة أشهر فما زاد.. فإن الشيخ أبا إسحاق قال: ينتفي عنه الثاني بغير لعان؛ لأنها علقت به بعد زوال الفراش.
وقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: يلحقه الثاني؛ لأنه يحتمل أن يكون أصابها بعد وضعها الأول، ثم قذفها الأول وهي حامل منه بالإصابة بعد الوضع، فوجب أن يلحقه.
ويكون له نفيه باللعان، فإن نفاه عنه باللعان.. انتفى عنه، وإن أقر به، أو ترك نفيه من غير عذر.. لحقه الثاني، ولا يلحقه الأول؛ لأنا حكمنا أنهما من حملين، فلا يلحقه أحدهما تبعا للآخر، بخلاف الأول.
وإن لاعنها على حمل، فوضعت ولدا، ثم أتت بولد آخر.. فإن كان ما بين وضع الولدين ما دون ستة أشهر أو ستة أشهر.. انتفى الولدان كلاهما باللعان الأول؛ لأنا نقطع على أنهما من حمل واحد، وأنه كان موجودا وقت اللعان، وإن كان بينهما ستة أشهر فما زاد.. انتفى الثاني عنه بغير لعان؛ لأنا نقطع أنهما من حملين، وأن هذا الولد علقت به بعد وضع الأول، وقد بانت منه باللعان.

فرع: قذف امرأة أتت بتوأمين فلاعن لنفيهما

]: وإن تزوج امرأة، فأتت بولدين توأمين، فإن قذف أمهما ونفى نسبهما.. كان له أن يلاعن لنفيهما، وإن أقر بنسب أحدهما، وانتفى عن الآخر.. لحقه الولدان؛ لأنهما حمل واحد، فلا يجوز له أن يكون أحدهما منه، والآخر من غيره.

وإن أتت منه بولد، فنفاه باللعان، فمات الزوج، ثم أتت بولد آخر لدون ستة أشهر من ولادة الأول.. لحقه الولدان؛ لأنهما حمل واحد، فلا ينتفي عنه الثاني بغير لعان، فلحقه، فإذا لحقه الثاني.. لحقه الأول؛ لأنهما من حمل واحد، فلا يتبعض حكمهما.

مسألة: تزوج امرأة فقذفها

]: وإن تزوج امرأة، وقال لها: زنيت قبل أن أتزوجك.. وجب عليه حد القذف، وهل له أن يسقطه باللعان؟ ينظر فيه: فإن لم يكن هناك نسب يلحقه من هذا الزنا.. لم يكن له أن يلاعن، وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما.
وقال أبو حنيفة: (له أن يلاعن).
دليلنا: أنه قذف غير محتاج إليه، فلم يجز له اللعان لأجله، كقذف الأجنبي.
وإن كان هناك ولد، وادعى: أنه من هذا الزنا.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، واختيار أبي علي الطبري، والقاضي أبي الطيب -: أن له أن يلاعن لأجله.
قال: لأن به حاجة إلى هذا القذف لنفي هذا الولد، كما لو أضاف الزنا إلى حال الزوجية.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد -: ليس له أن يلاعن لأجله؛ لأنه لا حاجة به إلى أن يقذفها بزنا يضيفه إلى ما قبل النكاح، بل كان يمكنه أن يقذفها بزنا مطلق، وأن الحمل ليس منه، بل هو من زنا.

فرع: طلقها طلاقا رجعيا فقذفها

]: وإن طلق امرأته طلاقا رجعيا، فقذفها بزنا أضافه إلى ما قبل الطلاق في الزوجية، أو إلى ما بعد الطلاق في العدة.. كان له أن يلاعن؛ لأنها في معنى الزوجات بالظهار، والإيلاء، والميراث، فكانت في معنى الزوجات بالقذف واللعان.

فرع: أبان زوجته أو فسخ نكاحها ثم قذفها

]: وإن تزوج امرأة فأبانها بالثلاث، أو خالعها، أو فسخ نكاحها بعيب، ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية، فإن لم يكن هناك نسب يلحقه منها.. لم يكن له أن يلاعن، وإن كان هناك نسب يلحقه منها.. كان له أن يلاعن.
وقال عثمان البتي: له أن يلاعن بكل حال.
وقال أبو حنيفة: (ليس له أن يلاعن بكل حال).
دليلنا: أنه إذا لم هناك نسب يلحقه منها.. فلا حاجة به إلى قذفها، فلم يكن له اللعان لأجله، كقذف الأجنبي، فإذا كان هناك نسب يلحقه منها.. فهناك به حاجة إلى قذفها لنفي النسب عنه، فهو كقذف الزوجة.
إذا ثبت هذا: فإن كان الولد منفصلا.. لاعن لأجله، وإن كان حملا.. فله أن يؤخر إلى أن تضع، وهل له أن يلاعن قبل أن تضع؟ روى المزني في " المختصر ": (أن له أن يلاعن).
وروى في " الجامع الكبير ": (أنه لا يلاعن).
واختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق: لا يلاعن، قولا واحدا، وحيث قال: (يلاعن) أراد: إذا انفصل.
وقد قال الشافعي في " الأم ": (لا يلاعن حتى ينفصل).
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان - وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق -:

جارٍ التحميل