البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 179-219

كتاب القراض

صفحات 179-219
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب القراض القراض والمضاربة: اسمان لمعنى واحد، وهو أن يدفع ماله إلى رجل ليتجر به، ويكون الربح بينهما على ما يشترطانه، ورأس المال لرب المال، وأهل الحجاز يسمون هذا العقد: قراضا.
واختلف في اشتقاقه: فقيل: إنه مشتق من القرض، وهو القطع، يقال: قرضت الطريق، أي: قطعتها، وقرض الفأر الثوب، أي: قطعه، فكأن رب المال اقتطع للعامل قطعة من ماله، أو قطع له قطعة من الربح.

وقيل: إنه مشتق من المساواة، ويقال: تقارض الشاعران: إذا ساوى كل واحد منهما الآخر بشعره في المدح أو الذم.
وحكي عن أبي الدرداء: أنه قال: (قارض الناس ما قارضوك، فإن تركتهم لم يتركوك).
يريد: ساوهم.
فالمتقارضان متساويان؛ لأن أحدهما يبذل المال، والآخر يتصرف فيه، ويحتمل أن يكون ذلك لاشتراكهما في الربح.
فالمقارض - بكسر الراء -: هو رب المال، و - بفتحها -: هو العامل.
وأما المضاربة: فاشتقاقها من الضرب بالمال، أو التقليب، وقيل: هو من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم، فالمضارب - بكسر الراء -: هو العامل؛ لأنه هو الذي يضرب في المال، ولم يشتق لرب المال منه اسم.
إذا ثبت هذا: فالقراض جائز، والأصل فيه: إجماع الصحابة، روي ذلك عن

عثمان، وعلي، وابن مسعود، وحكيم بن حزام.
وروى الشافعي: (أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب خرجا في جيش إلى العراق، فتسلفا من أبي موسى الأشعري - وهو عامل لعمر - مالا، فابتاعا به متاعا، وقدما به المدينة، فباعاه وربحا، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أكل الجيش أسلف كما أسلفكما؟ قالا: لا.
فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه.
فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، وقال: يا أمير المؤمنين، لو هلك المال.. ضمناه، فلم لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضا؟ فقال: قد جعلته قراضا، فأخذ منهما رأس المال، ونصف الربح).
فدل على أن القراض كان مستفيضا في الصحابة.
فإن قيل: إذا تسلفا المال من أبي موسى.. فكيف تحتجون بذلك على القراض؟

قلنا: موضع الحجة منه، قول الرجل لعمر: لو جعلته قراضا؟ ولم ينكر عليه عمر ولا غيره القراض.
فإن قيل: فإذا كانا قد تسلفا ذلك من أبي موسى وابتاعا به متاعا.. فقد ملكا المال وربحه.. فكيف ساغ لعمر أن يجعله قراضا، ويأخذ منهما نصف الربح؟ فتأول أصحابنا ذلك ثلاث تأويلات: أحدها - وهو تأويل أبي العباس -: أن أبا موسى كان قد اجتمع عنده مال لبيت المال، وأراد أن ينفذه إلى المدينة، فخاف عليه حرز الطريق، فأقرضهما ذلك المال ليكون في ذمتهما أحوط لبيت المال، وقد ملكا المال وربحه، إلا أن عمر أراد أن ينفع المسلمين، فاستدعاهما، واستطاب أنفسهما في نصف الربح.
وللعامل أن يفعل كفعل أبي موسى إذا خاف على المال.
و (الثاني): من أصحابنا من قال: كان الطريق آمنا، وإنما أقرضهما أبو موسى ليتقرب به إلى قلب عمر، فلما تصرفا في المال وربحا.. كان ذلك الربح كله ملكا للمسلمين، واستحقا أجرة المثل، وبلغت أجرتهما نصف الربح، ولهذا روي عن عمر: أنه قال: (كأني بأبي موسى وهو يقول: ابنا أمير المؤمنين).
و (الثالث): قال أبو إسحاق: كان أبو موسى أقرضها ذلك المال، ثم قارضهما بعد ذلك، فخلطا الربح الذي حصل منه، فاستطاب عمر أنفسهما عن نصف الربح.
والأول أصح؛ لأن الدراهم والدنانير لا يجوز إجارتهما للتجارة، فجوز عقد القراض عليهما، كالنخل لما لم يجز إجارتها لتستغل.. جاز عقد المساقاة عليها، والأرض لما جازت إجارتها لتستغل.. لم تجز عقد المخابرة عليها.

مسألة: القراض في أنواع المال

ويجوز القراض على الدراهم والدنانير، قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم، فأما ما سواهما من الأموال مما له مثل، كالحبوب والأدهان، أو مما لا مثل له، كالثياب والعبيد.. فلا يجوز عقد القراض عليها، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة أهل العلم.
وقال الأوزاعي، وابن أبي ليلي: (يجوز القراض على ذلك كله، فإن كان المال له مثل.. رد العامل مثله، وإن لم يكن له مثل.. رد قيمته).
دليلنا: أن القراض موضوع على أن يأخذ رب المال رأس المال، ويشتركا في الربح، ولا يشارك العامل رب المال في رأس المال، ولا يستبد رب المال برأس المال والربح، والقراض على العروض يفضي إلى ذلك؛ لأنه إذا قارضه على ما له مثل، كأن يقارضه على كر طعام يساوي مائة درهم، فقد يتصرف فيه، فيبلغ المال ألفا، فإذا تفاضلا.. فقد يغلو الطعام، فلا يؤخذ الكر إلا بالألف، فيستبد رب المال في جميع الربح، وقد تكون قيمة الكر يوم القراض ألفا، فيبيعه العامل بألف، ولا يتصرف فيه، ثم يتفاضلان، وقد رخص الطعام، فصار الكر بمائة، فيشتري له العامل الكر بمائة، ويشاركه بتسعمائة، وهى من رأس المال.
وإن قارضه على ما لا مثل له، وتفاضلا.. احتاج أن يرد قيمته، فإن شرطا أن ترد قيمته يوم المفاضلة.. كان باطلا من وجهين: أحدهما: أن قيمته يومئذ مجهولة، والقراض على المجهول لا يجوز.
والثاني: أنه يفضي إلى الفساد الذي ذكرناه في ذوات الأمثال.
وإن اشترطا أن ترد قيمته يوم القراض.. أفضى أيضا إلى الفساد؛ لأنه قد يدفعه وقيمته مائة، فيتركه في يده، فتزيد قيمته، فتبلغ ألفا، ثم يبيع، ويتفاضلان، فيدفع إليه مائة، ويشاركه العامل بالباقي، ويشاركه برأس المال.
وقد يدفعه وقيمته ألف،

فيبقى ذلك في يده، فتنقص قيمته، فتصير مائة، ثم يتصرف ويبيع، فيبلغ المال ألفا، فإذا تفاضلا.
احتاج أن يدفع إليه جميع ذلك، فيستبد رب المال بالربح، وما نافى العقد.. أبطله، بخلاف الدراهم والدنانير، فإنهما وإن كانت قيمتهما تزيد وتنقص، إلا أنهما لا يقومان بغيرهما.
هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ق\ 320]: هل يصح القراض على ذوات الأمثال؟ فيه وجهان.

فرع: صحة المضاربة بمعلوم على النصف

قال الطبري: ولو قال: خذ ما شئت من مالي مضاربة بيننا على النصف، فأخذ الدراهم.. صح تصرفه فيه، ولا يكون قراضا، خلافا لأبي حنيفة.
دليلنا: أن العقد وقع على غير معين ولا معلوم، فهو كما لو قال: على ما ورثت من أبي، وإن أخذ شيئا من العروض، فتصرف فيها.. فهل يصح تصرفه بها؟ فيه وجهان.
قال الطبري: ولو قال: خذ هذه الألف مضاربة على النصف، فأخذه ولم يتكلم.. لم تصح المضاربة، خلافا لأبي حنيفة.
دليلنا: أنه لم يوجد من أحدهما لفظ في عقد المضاربة، وهو من أهله، كما لو لم يتكلم رب المال.

فرع: بطلان القراض بمغشوش

]: ولا يجوز القراض على دراهم ولا دنانير مغشوشة، سواء كان الغش أقل من الذهب والفضة أو أكثر.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الغش أكثر.. لم يصح، وإن كان أقل.. صح).
دليلنا: أنه نقد مغشوش، فلم يصح القراض عليه، كما لو كان الغش أكثر.

فرع: القراض بغير المال

وإن قارضه على سبيكة.. لم يصح القراض، كما لا يصح القراض على العروض.
وإن قارضه على فلوس.. لم يصح القراض، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف.
وقال محمد: القياس أن لا يجوز إلا أني أجوزه استحسانا.
دليلنا: أن الفلوس ليست بنقد غالب، فلم يصح القراض عليها، كالثياب.
فإن دفع إلى رجل غزلا، وقال: انسجه على أن تبيعه، وتدفع إلي قيمة الغزل، ويكون الباقي بيننا.. لم يصح؛ لأن القراض موضوع على أن يتصرف العامل في رقبة المال وعينه، وهاهنا لم يمكنه من التصرف في رقبة المال وعينه، وإنما يتصرف في منفعته، فلم يصح، ولأنه قد تزيد قيمة الغزل وقد تنقص، فيفضي إلى الفساد الذي ذكرناه في القراض على العروض، فإن نسج العامل الغزل.. كان الثوب ملكا لصاحب الغزل، وعليه للعامل أجرة عمله؛ لأنه عمل ليسلم له المشروط، ولم يسلم له، فاستحق أجره عمله.
وإن دفع إليه شبكة، وقال: اصطد بها، وما رزق الله من صيد كان بيننا.. لم يصح القراض؛ لما ذكرناه: من أن مقتضى القراض أن يتصرف العامل في رقبة رأس المال، وإنما يتصرف هاهنا في منفعته.
فعلى هذا: إذا اصطاد العامل صيدا.. كان الصيد ملكا له؛ لأنه حصل بفعله، وعليه أجرة مثل الشبكة لمالكها؛ لأنه بذلك منفعتها بعوض، ولم يسلم له، فاستحق أجرتها.
وإن دفع إلى رجل بهيمة، وقال: أكرها، وما حصل من ذلك كان بيننا.. لم

يصح القراض؛ لما ذكرناه في الشبكة، فإن أكراها العامل.. كان الكراء لمالك البهيمة، وعلى مالك البهيمة أجرة مثل العامل، والفرق بين الشبكة والبهيمة: أن عمل العامل على البهيمة تابع لعمل البهيمة، فكانت الأجرة لمالكها، والعمل على الشبكة للعامل، والشبكة تبع للعامل.
فإن دفع إليه ثوبا، وقال: بعه، فإذا نض ثمنه فقد قارضتك عليه.. لم يصح القراض، وقال أبو حنيفة: (يصح).
دليلنا: أنه قراض معلق على شرط، فلم يصح، ولأن ما يباع به الثوب من الثمن مجهول، والمجهول لا يصح.
وإن قال: قارضتك على الدين الذي لي على فلان، فاقبضه، وتصرف به.. لم يصح، فإن فعل الأجير ذلك.. كان له أجرة المثل؛ لأنه عمل بعوض، ولم يسلم له العوض، وأما قدر الأجرة: فقال المسعودي [في (الإبانة) ق \ 320]: ينظر فيه: فإن قال: قارضتك عليه لتقبض وتتصرف.. فله أجرة المثل للتقاضي والقبض والتصرف.
وإن قال: إذا قبضت، فقد قارضتك.. فليس له إلا أجرة مثل التصرف.

مسألة: يشترط في القراض معرفة قدر المال

ولا يصح القراض إلا على مال معلوم، فإن قارضه على دراهم جزاف لا يعلمان عددها ووزنها.. لم يصح.
وقال أبو حنيفة: (يصح، فإن اتفقا على قدر رأس المال، وإلا كان القول قول العامل).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الغرر»، وفي القراض على مال لا يعرفان قدره غرر؛ لأنه لا يدري إلى ماذا يرجع رب المال عند المفاضلة.

فرع: تعيين مال القراض

وإن قدم إليه ألف دينار ومائة درهم، وقال: قارضتك على أحدهما.. لم يصح القراض؛ لأن ذلك يمنع صحة العقد، فلم يصح، كما لو باعه أحد العبدين.
وإن دفع إليه كيسين في كل واحد منهما مائة درهم، وقال: قارضتك على أحدهما، وأودعتك الآخر.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنهما متساويان.
والثاني: لا يصح كما لا يصح مثل ذلك في البيع.
وإن كان عنده له دراهم وديعة، فقارضه عليها.. صح، كما لو دفع إليه مالا وقارضه عليه.
وإن كان غصب منه دراهم وقارضه عليها.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه مقبوض من تحت يده، فصح، كالوديعة.
والثاني: لا يصح؛ لأن مال الغصب مضمون عليه، ومال القراض أمانة عنده، وهما متنافيان.
والأول أصح؛ لأن هذا يبطل بمن رهن الغاصب العين المغصوبة، فإذا قلنا: يصح، واشترى العامل به شيئا، وسلم المغصوب إلى البائع.. برئ من الضمان؛ لأنه سلمه بإذن مالكه.

فرع: المقارضة في مال القاصر

فرع: [يجوز للولي المقارضة في مال القاصر]: يجوز لولي الطفل والمجنون، كالأب، والجد، والوصي، والحاكم الأمين من قبله، أن يقارض على مال الصغير؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة».

وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قارض على مال اليتيم)، ولأن عقد القراض يطلب به نماء المال.. فجاز للولي فعله، كالبيع.

مسألة: شرط بيان حصة كل من العامل وصاحب رأس المال من الربح

ولا يصح القراض إلا بشرط أن يبينا الربح؛ لأنه هو المقصود بالقراض.
فإن قارضه على مال، على أن يكون الربح بينهما نصفين.. صح ذلك؛ لـ «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ساقى أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع».
والقراض بمعنى المساقاة، فإن قال: قارضتك على أن يكون الربح بيننا.. ففيه وجهان: (أحدهما): من أصحابنا من قال: لا يصح؛ لأن ذلك مجهول؛ لأنه لا يعلم هل يكون الربح بينهما أثلاثا، أو نصفين فلم يصح.
و [الثاني]: قال أبو العباس: يصح، ويكون الربح بينهما نصفين، وهو الصحيح؛ لأن الإضافة تقتضي التسوية، فهو كما لو قال: هذه الدار لزيد وعمرو.
وإن قال: قارضتك على هذا المال، على أن لي نصف الربح، وسكت عما للعامل.. ففيه وجهان: (أحدهما): قال أبو العباس: لا يصح؛ لأن الربح كله لرب المال، وإنما يملك العامل شيئا منه بالشرط ولم يشرط له شيئا.
و (الثاني): من أصحابنا من قال: يصح، ويكون الربح بينهما نصفين؛ لأن مقتضى القراض أن الربح لهما، فإذا شرط رب المال لنفسه نصف الربح.. كان الباقي للعامل.

والأول أصح؛ لأن المزني نقل عن الشافعي في (المساقاة): (إذا قال: خذ هذا مساقاة، على أن لي النصف.. لم يصح).
وإن قال رب المال: قارضتك على أن لك نصف الربح.. ففيه وجهان: (أحدهما): من أصحابنا من قال: لا يصح؛ لأنه لم يبين ما لنفسه.
و (الثاني): قال أبو العباس: يصح، ويكون الربح بينهما نصفين.
وهو الصحيح؛ لأن الربح كله لرب المال بحق الملك، وإنما العامل يملك شيئا منه بالشرط، فإذا شرط للعامل بعضه.. كان الباقي لرب المال.
فعلى هذا: إذا قال: قارضتك على أن لك ثلث الربح، ولي النصف، وسكت عن السدس.. كان لرب المال ثلثا المال، وللعامل ثلثه.
قال أبو العباس: وإن دفع إليه ألفا، وقال: خذ هذا قراضا على النصف، أو على الثلث، أو على غير ذلك.. صح، وكان ذلك تقديرا لنصيب العامل؛ لأن الظاهر أن الشرط له؛ لأن رب المال يستحقه بالملك، والعامل يستحقه بالشرط، فإن اختلفا، فقال العامل: شرطته لي، وقال رب المال: شرطت ذلك لنفسي.. كان القول قول رب المال مع يمينه؛ لأن الظاهر معه.
وإن قال: قارضتك على أن لك شركة في الربح أو شركا فيه.. لم يصح.
وقال محمد بن الحسن: يكون له نصف الربح.
وقال أصحاب مالك: يكون له مضاربة المثل.
دليلنا: أن ذلك مجهول؛ لأن الشرك يقع على القليل والكثير، فلم يصح، كما لو قال: على أن لك سهما في الربح.

فرع: تعيين مقدار الربح لكل

]: وإن قال: قارضتك على هذا المال، على أن لك ثلث الربح، وما بقي من الربح في من الثلث، ولك الثلثان.. صح، فيكون للعامل سبعة أتساع الربح، ولرب المال تسعاه.
وإن دفع رجل إلى رجلين مالا، وقال: قارضتكما عليه، على أن يكون لي نصف الربح، ولكما النصف.. صح؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين في حكم العقدين، فهو كما لو أن رب المال عقد مع واحد القراض، على أن الربح بينهما نصفين.. لصح، ويكون نصف الربح بين العاملين نصفين؛ لأن الإضافة تقتضي التسوية.
وإن قال: قارضتكما على أن يكون لي نصف الربح، والنصف الآخر لأحدكما منه الثلث، وللآخر الثلثان.. صح، وحمل على ما شرط.
وإن دفع رجلان إلى رجل ألف درهم بينهما نصفين، وشرطا أن له نصف الربح، ولهما نصف الربح بينهما نصفين.. صح ذلك، وإن شرطا أن له نصف الربح، والنصف الآخر لأحدهما ثلثه، وللآخر ثلثاه.. لم يصح؛ لأنهما متساويان في المال، فلا يجوز شرط تفاضلهما فيما بقي لهما من الربح، وإن قالا: قارضناك على أن يكون لك نصف الربح، تستحق ثلثه من نصيب عمرو، وثلثيه من نصيب زيد، ويكون لعمرو ثلثا النصف الآخر، ولزيد ثلثه.. صح ذلك؛ لأن عمرا شرط له ثلث نصيبه، وشرط له زيد ثلثي نصيبه، فصح، وإن قالا: على أن لك نصف الربح، ثلثه من نصيب عمرو، وثلثاه من نصيب زيد، ثم يكون النصف الآخر بين زيد وعمرو نصفين.. لم يصح.
وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: (يصح).

دليلنا: أن هذا شرط ينافي مقتضى العقد؛ لأنهما شرطا أن يأخذ أحد ربي المال من نصيب الآخر من الربح بعضه.. فلم يصح، كما لو شرطا أن يكون النصف الآخر لأحدهما.

فرع: يدفع الربح على المالين المتساويين سواء

إذا دفع إليه ألفا، وقال: ضم إليه ألفا من عندك واعمل عليهما، على أن يكون لي ثلثا الربح ولك ثلثه، أو على أن يكون لك ثلثا الربح ولي ثلثه.. لم يصح؛ لأنه إن شرط لنفسه الأكثر.. لم يصح؛ لأنهما متساويان في المال، وذلك يقتضي تساويهما في الربح، ثم شرط عليه العمل، ونقصه من الربح.. فلم يصح وإن شرط للعامل أكثر.. فسد أيضا لأن الشركة إذا وقعت على المال.. كان الربح مقسطا على قدر المالين، والعمل تابع، والمال هاهنا غير متفاضل، فلا يجوز تفاضلهما في الربح.
فإن دفع إليه ألفين، وقال: ضم إليها ألفا من عندك، فتكون ألفان شركة بيننا، والألف الأخرى قارضتك عليها بنصف الربح.. جاز؛ لأن أكثر ما فيه أن المال الذي للقراض مشاع، وإذا لم تمنعه الإشاعة من التصرف.. صح القراض.

فرع: قارضه بشرط أن يدفع بقدر ماله بضاعة

قال في (الأم) [3/236]: (إذا دفع إليه ألفا قراضا على أن يعمل فيها بالنصف، وشرط عليه أن يدفع إليه ألفا أخرى بضاعة.. لم يصح القراض)؛ لأن معنى البضاعة: أن يعمل عليها لصاحبها بغير عوض له، وهذا لا يلزمه، وإذا لم يلزم العامل ذلك.. لم يستحق العامل ما بذل له من الربح؛ لأنه لم يبذل ذلك إلا بهذا الشرط.
فأما إذا قال: قارضتك على هذه الألف بالنصف، واستعملتك على أن تعمل لي على هذه الألف بضاعة.. صح القراض؛ لأنه لم يجعله شرطا.

فرع: قارضه بشرط ربح نصف المال له

قال أبو العباس: إذا قال: قارضتك على هذه الألف، على أن لك ربح نصفها.. لم يجز القراض.
وقال أبو ثور، وأبو حنيفة: (يصح)، كما لو قال: على أن لك نصف ربحها.
والأول أصح؛ لأنه جعل للعامل ربح بعض المال، فلم يصح، كما لو دفع إليه ألفين، وقارضه عليهما، وجعل للعامل ربح أحدهما، ويخالف إذا جعل له نصف الربح، لأنه لا يؤدي إلى إفراده بربح شيء من المال، وإن قارضه على ما قارض به فلان عامله، فإن علما قدر ما شرط للعامل من الربح.. صح القراض؛ لأنهما أشارا إلى معلوم عندهما، فهو كما لو صرحا بذكره، وإن كانا لا يعلمان ذلك أو أحدهما.. كان القراض فاسدا؛ لأنه قراض على شيء مجهول بينهما.

فرع: اشتراط ربح درهم لأحدهما

]: إذا دفع إليه ألفا قراضا، وشرط العامل أن ينفرد بدرهم من الربح، والباقي من الربح بينهما.. لم يصح؛ لأنه قد لا يربح إلا ذلك الدرهم، ومن مقتضى القراض أن الربح بينهما، وهكذا: لو شرط أن لرب المال درهما من الربح، والباقي بينهما لم يصح؛ لما ذكرناه، وهكذا: لو شرطا على أن للعامل درهما من الربح، والباقي لرب المال.. لم يصح؛ لما ذكرناه.
وأن قارضه على أنه إذا اشترى عبدا أو دابة بصفة كذا وكذا، أخذ رب المال برأس ماله، والباقي بينهما.. لم يصح؛ لأنه قد لا يكون في المال ربح إلا ذلك الموصوف، وهكذا: لو قال: قارضتك على أن أرتفق بمال القراض، بأن يقول: إذا اشتريت دابة ركبتها، وإذا اشتريت دارا سكنتها.. لم يصح القراض؛ لأنه قد لا يكون في المال ربح إلا تلك المنفعة، فلا يجوز أن يختص بها أحدهما.

مسألة: شرط الربح للعامل

إذا دفع إليه ألفا، وقال: قارضتك على هذا، على أن يكون الربح كله لك.. قال أبو العباس: كان قراضا فاسدا، فإذا عمل العامل وربح.. كان الربح كله لرب المال؛ لأنه نماء ماله وللعامل أجرة المثال؛ لأنه عمل على عوض، ولم يسلم له، فكان له أجرة المثل، ووافقنا أبو حنيفة على هذا.
وإن قال: قارضتك على هذا، على أن يكون الربح كله لي.. قال أبو العباس: كان قراضا فاسدا، فإذا عمل العامل وربح.. كان الربح كله لرب المال، واستحق العامل أجرة مثله.
وقال أبو حنيفة: (إذا عمل العامل في هذه.. كان بضاعة، وكان الربح كله لرب المال، ولا أجرة للعامل).
وبه قال بعض أصحابنا.
ودليلنا: أن مقتضى القراض أن يكون الربح بينهما، فإذا شرطه لأحدهما.. فقد شرط ما ينافي مقتضاه، وإذا بطل العقد.. وجب للعامل أجرة المثل، كالأولى.
وإن دفع إليه ألفا، وقال: اعمل عليه والربح كله لك.. قال أبو العباس: كان ذلك قرضا؛ لأنه لم يذكر اسم القراض ولا معناه، وإن قال: اعمل عليه والربح كله لي.. قال أبو العباس: كان ذلك بضاعة، فيكون الربح كله لرب المال، ولا شيء للعامل؛ لأن هذه صفة البضاعة.
قال: والأصل في هذا: أن كل لفظة كانت موضوعة لعقد من العقود خاصة فيه، فإنها إذا أطلقت.. حلمت عليه، وإن عقبت بما ينافي ذلك العقد.. فسد العقد، وكل لفظة كانت محتملة لنوعين من العقود فأكثر، فإذا ذكرت، ثم عقبت بما يقتضيه أحد تلك العقود.. حملت على بيان ذلك العقد، وبيان هذا: أن قوله: قارضتك، لفظة موضوعة لنوع من العقود، وهو العقد الذي يشترك فيه العامل ورب المال في الربح، فإذا أطلقت.. حملت على ذلك، وإن عقبت بما ينافي ذلك، بأن يقول: الربح كله لي أو كله لك فسد القراض، وكذلك قوله: بعتك بلا ثمن، يكون بيعا فاسدا، وقوله: خذ هذا المال واعمل عليه، لفظة مشتركة بين القراض والقرض والبضاعة،

فإذا أطلق.. لم يكن حملها على أحد أنواع العقود المذكورة بأولى من البعض، فإن عقبها بشرط يقتضيه أحد هذه العقود.. حلمت عليه، فإذا قال: اعمل عليه على أن يكون الربح بيننا.. كان قراضا.
وإن قال: اعمل عليه على أن يكون الربح كله لك.. كان قرضا.
وإن قال: اعمل عليه على أن يكون الربح كله لي.. كان بضاعة.
وكذا إذا قال: ملكتك هذا، إن قال بعوض.. كان بيعا، وإن لم يذكر العوض.. كان هبة.
هذا ترتيب الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ق \ 321]: لو قال: قارضتك على أن يكون الربح كله لك.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه قرض، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أنه قراض فاسد.
وإن قال: قارضتك على أن يكون الربح كله لي.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه بضاعة.
والثاني: أنه قراض فاسد.
وإن قال: أبضعتك على أن جميع الربح لك.. ففيه وجهان، وكذا لو قال: بعتك هذا الثوب، ولم يذكر الثمن.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه بيع فاسد.
والثاني: ليس ببيع، ولا مضمون.

فرع: تغيير مقدار ربح العامل

قال في (العدة): لو شرط للعامل نصف الربح، ثم بعد أيام رده إلى ثلث الربح أو ربعه.. لم يجز ما لم يفسخا العقد الأول، ويجددا عقدا آخر، خلافا لأبي حنيفة رحمة الله عليه.

دليلنا: أن عقد المضاربة الصحيحة لا يقبل تغيير المشروط من الربح، فلم يصح، كما لو انفرد به أحدهما.

مسألة: فسخ القراض

مسألة: [القراض يجوز فسخه]: القراض من العقود الجائزة لكل واحد منهما أن يفسخه متى شاء؛ لأنه عقد يتضمن تصرف العامل في رقبة المال بإذن رب المال، فكان جائزا، كالوكالة.
إذا ثبت هذا: فقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يجوز القراض إلى مدة من المدد).
قال أصحابنا: وفي ذلك مسائل: إحداهن: أن يقول: قارضتك إلى سنة، فإذا مضت فلا تبع، ولا تشتر.. فيبطل القراض بهذا الشرط؛ لأن عقد القراض يجوز مطلقا، فبطل بالتوقيت، كالبيع والنكاح، ولأن القصد من القراض أن يتصرف العامل في المال للربح، وقد لا يحصل الربح إلا في البيع بعد السنة.
الثانية: أن يقول: قارضتك سنة على أني لا أمنعك فيها من البيع والشراء.. بطل القراض؛ لأن عقد القراض عقد جائر، فلا يجوز أن يشترط لزومه على رب المال.
الثالثة: إذا قال: قارضتك على هذا سنة، فإذا مضت منعتك من الشراء دون البيع.. فالمذهب أن القراض صحيح؛ لأنه يملك منعه من الشراء متى شاء، فإذا شرط ذلك.. فقد شرط ما يقتضيه العقد، فلم يؤثر.
وحكي عن أبي إسحاق المروزي: أنه قال: يفسد القراض؛ لأنه عقد عقدا، وشرط قطعه، فبطل، كما لو تزوج امرأة على أن يطلقها.
وليس بشيء.
الرابعة: إذا قال: قارضتك سنة وأطلق.
ففيه وجهان، حكاهما أبو علي السنجي: أحدهما: لا يبطل؛ لأن له عزله بعد العقد متى شاء.
والثاني: يبطل، وهو الصحيح؛ لأن تقييده بالسنة يقتضي منعا بعده من البيع والشراء.

مسألة: قارضه وجعل غلامه معه وشرط الربح أثلاثا

قال الشافعي رحمة الله عليه: (ولو قارضه فجعل معه رب المال غلامه، وشرط أن يكون الربح بينه وبين العامل والغلام أثلاثا.. فجائز).
قال أصحابنا: وفي ذلك مسألتان: إحداهما: أن يقول: قارضتك على هذا على أن لك ثلث الربح، ولي ثلث الربح، ولعبدي ثلث الربح، ولم يشترط على عبده شيئا من العمل في المال.. فيصح ذلك وجها واحدا؛ لأن ما شرطه رب المال لعبده هو لرب المال، فكأنه شرط لنفسه ثلثي الربح وللعامل الثلث.
الثانية: أن يشترط لعبده شيئا من الربح، ويشترط أن يعمل العبد مع العامل فاختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: لا يصح؛ لأن عمل العبد كعمل سيده، فإذا لم يجز أن يشترط رب المال على نفسه شيئا من العمل.. فكذلك لا يجوز أن يشترطه على عبده، وحمل هذا القائل كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على أنه أراد: إذا لم يشترط رب المال على عبده شيئا من العمل.
وقال أبو العباس، وأبو إسحاق، وأكثر أصحابنا: يجوز أن يشترط رب المال أن يعمل عبده مع العامل، ولا يبطل القراض بذلك، وهو ظاهر النص هاهنا وقد نص الشافعي رحمة الله عليه في (المساقاة) أيضا: (إذا ساقاه على نخل، وشرط رب المال أن يعمل غلامه مع العامل صح)، ولأن غلامه ماله، فجاز أن يجعل تابعا لماله بخلاف عمل رب المال بنفسه.
قال أبو العباس: فعلى هذا: إذا دفع إليه مالا وحمارا، أو بغلا ليحمل عليه مال القراض، أو كيسا ليجعل فيه مال القراض.. جاز.

فرع: شرط أن يكون ربح المال لصاحبه وعامله وآخر

وإن شرط رب المال لنفسه ثلث الربح، ولزوجته أو لغلامه الحر، أو الأجنبي ثلث الربح، وللعامل الثلث، فإن شرط رب المال على زوجته وغلامه الحر أو الأجنبي

العمل مع العامل.. جاز، كما لو قارض اثنين.
وإن لم يشرط عليهم العمل.. لم يصح؛ لأنه شرط الربح لغير نفسه وغير العامل، وإن قال: قارضتك على هذا، على أن لك نصف الربح، ولي نصف الربح، على أن يعطي هو غلامه أو زوجته من النصف الذي له نصفه.. جاز ذلك؛ لأنه شرط النصف لنفسه، ثم شرط على نفسه شرطا لم يلزمه، فصح، ولم يؤثر في العقد، كما قال الشافعي رحمة الله عليه في من تزوج امرأة وأصدقها ألفا، على أن يعطي هو أباها ألفا.. لا يصح؛ لأنه شرط صداقا لغير الزوجة، ولو أصدقها ألفين على أن تعطي هي أباها ألفا.. صح، وتكون المرأة بالخيار: بين أن تعطي أباها ألفا، أو لا تعطيه.
قال ابن الصباغ: وإن قال رب المال: قارضتك على أن لك ثلثي الربح، على أن تعطي امرأتك نصفه.. فقال القاضي أبو حامد: إن أوجب ذلك عليه.. كان ذلك قراضا فاسدا، وإن لم يوجب ذلك عليه.. صح، كما قال الشافعي رحمة الله عليه فيمن أصدق امرأته ألفين، على أن تعطي هي أباها ألفا: (أن الصداق صحيح، وتكون بالخيار: إن شاءت.. أعطت أباها، وإن شاءت.. لم تعطه).

مسألة: شرط المقارض على العامل البيع من رجل بعينه

إذا قارضه وشرط عليه أن لا يبيع أو لا يشتري إلا من رجل بعينه.. فالمنصوص: (أن القراض لا يصح).
وحكى القاضي أبو الطيب عن الماسرجسي: أنه قال: إذا كان الرجل بيعا تجلب إليه الأمتعة، ولا تنقطع عنه في العادة.. جاز أن يعينه ليبتاع منه.
وليس بشيء؛ لأنه قد لا يبيع منه ذلك الرجل ولا يشتري منه إلا ما يكون فيه الربح، وقد يغيب عنه ذلك الرجل، أو يفلس، أو يموت، وذلك يمنع مقصود عقد القراض، فلم يصح.
وإن قارضه على أن لا يشتري إلا سلعة معينة، أو جنسا لا يعم وجوده في ذلك

الوقت، كالصيد في موضع لا يوجد فيه غالبا.. لم يصح عقد القراض؛ لأن المقصود من القراض طلب الربح، وذلك لا يحصل إلا بأن يمكن العامل من التصرف التام.
قال الشيخ أبو حامد: والتصرف التام يحصل بأن يقول: قارضتك، فابتع ممن شئت، وبع ممن شئت، وابتع ما شئت، أو يقول: اتجر في الجنس الفلاني، وكان مما يعم وجوده في الشتاء والصيف، كالثياب، والطعام.
وقال الشيخ أبو إسحاق المروزي: وهكذا: إذا قارضه على أن يتجر في جنس يعم وجوده في بعض الأوقات دون بعض، كالرطب، والعنب.. فيصح ذلك؛ لأنه يعم وجوده في وقته، فتمكن التجارة فيه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز إلا أن يقول: فإذا انقطع.. فاتجر فيما شئت، أو في جنس يعم وجوده في الشتاء والصيف، وليس بشيء.
فإن قيل: فقد قلتم لا يجوز أن يقارضه إلى مدة والقراض على ما ينقطع قراض إلى مدة؟ قلنا الفرق بينهما: أنه إذا قارضه إلى مدة.. فقد تنقطع المدة وبيده أعيان لا ربح فيها إلا ببيعها، فإذا منعه من بيعها.. تعذر المقصود، وليس كذلك إذا قارضه إلى مدة ما يوجد في وقت دون وقت؛ لأنه يتجر فيه ما دام موجودا، فيبيعه ويشتريه، فإذا انقطع ذلك.. انقطع ابتياعه، وأمكنه بيع ما في يده، فيحصل المقصود.

فرع: قارضه على شيء له غلة

ولو قارضه على أن يشتري مستغلات يكون أصلها موقوفا، وغلتها بينهما، كالنخل، والدواب، والأرض.. لم يصح القراض؛ لأن عقد القراض موضوع على أن يتصرف العامل في رقبة المال، وهذا قد شرط منعه من ذلك، فلم يصح.

فرع: تخيير المقارض العامل بنصف المال لنوع خاص

قال المزني: إذا دفع إليه ألف درهم، وقال: ابتع بها هرويا أو مرويا بالنصف كان فاسدا؛ لأنه لم يبين، ولا خلاف بين أصحابنا أن القراض فاسد، واختلفوا في تعليله: فقال أكثرهم: إنما فسد؛ لأن القراض يقتضي أن يكون العامل مأذونا له في البيع والشراء، وهاهنا إنما أذن له في الابتياع دون البيع.
وقال أبو إسحاق: إنما فسد؛ لأن رب المال لم يبين أن النصف الذي من الربح للعامل، أو لنفسه.
وقال أبو العباس: لا يفسد بذلك؛ لأن الشرط إذا أطلق.. انصرف إلى العامل، وقد مضى ذكره، وإنما فسد.. للمعنى الأول.
ومنهم من قال: إنما فسد؛ لأن الهروي والمروي جنس لا يعم وجوده.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: إنما فسد؛ لأنه لم يعين أحد الجنسين.
والأول أصح؛ لأن ما قاله أبو إسحاق قد مضى فساده، ومن قال: إن الهروي والمروي لا يعم وجوده.. غير صحيح؛ لأن الهروي والمروي لا يعدم وجوده في بلدة، وما قاله ابن أبي هريرة.. غير صحيح؛ لأنه يجوز أن يخيره فيما يشتريه.
إذا ثبت هذا فإن اشترى العامل وربح.. كان الشراء والربح لرب المال، وللعامل أجرة المثل؛ لأنه عمل ذلك بإذنه بعوض، ولم يسلم له.. فاستحق أجرة المثل.
وقال الطبري: وليس للعامل أن يبيعه؛ لأنه لم يؤذن له فيه.

فرع: إطلاق يد العامل لا يصح في محرم

إذا قارضه، وقال له: اتجر فيما شئت.. لم يجز للعامل أن يشتري الخمر، سواء كان العامل مسلما أو ذميا.

وقال أبو حنيفة: (إذا كان العامل ذميا.. جاز له أن يشتري الخمر ويبيعها؛ لأنها مال عنده، ويشاركه رب المال في الربح وإن كان مسلما).
وبنى ذلك على أصله: أن الملك يدخل في ملك الوكيل، ثم ينتقل إلى ملك الموكل.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله حرم الكلب، وحرم ثمنه، وحرم الخنزير، وحرم ثمنه، وحرم الخمر، وحرم ثمنه».
فإذا اشترى الذمي الخمر، ونقد الثمن فيه.. فهل يضمنه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يضمنه؛ لأن رب المال فوض الاجتهاد إليه، وعنده: إن التجارة في الخمر ونقد الثمن فيه جائز، فلا يكون متعديا.
والثاني - وهو الصحيح -: أنه يكون ضامنا؛ لأنه لا يكون له نقد الثمن مع الحكم ببطلان البيع، فإذا فعل ذلك.. كان ضامنا.
وإن اشترى العامل أم ولد، ولم يعلم بها.. قال المسعودي [في (الإبانة) ق \ 322]: فلا ضمان عليه؛ لأنه لا يعرف أم الولد.
وإن اشترى العامل المسلم خمرا لم يعلم به ونقد الثمن من مال القراض.. فهل يضمن؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في (الإبانة) ]. أحدهما: لا يضمن، كما لا يضمن ما صرفه في ثمن أم الولد.
والثاني: يضمن؛ لأنه كان يمكنه أن يذوقه، فإذا لم يفعل.. ضمنه.

فرع: قارض على التجارة بجنس فلا يغيره

قد ذكرنا: أن رب المال يقول: قارضتك على أن تتجر فيما شئت، أو على أن تتجر في جنس كذا، وهو مما يعم وجوده، فإذا أذن له في جنس.. لم يجز له أن يتجر في غيره؛ لأن تصرفه مقصور على إذن رب المال.

فإذا قال له: اتجر في الثياب والبز.. فهل يجوز على الإطلاق؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في (العدة).
فإذا قلنا: يجوز.. دخل فيه ما يلبس من القطن والإبريسم والكتان والصوف، وهل يدخل فيه الثياب المخيطة؟ فيه وجهان، ذكرهما الطبري في (العدة)، ولا يدخل فيه القطن؛ لأنه لا يقع عليه اسم البز، وهل تدخل فيه الأكسية البرزكانية؟ فيه وجهان: أحدهما: تدخل فيه؛ لأنها تلبس، فهي كالثياب.
والثاني: لا تدخل؛ لأنها لا تدخل في إطلاق اسم البز.
وإن قال: على أن تتجر في الرقيق.. فهل يجوز أن يشتري أشقاصا من الرقيق؟ فيه وجهان، حكاهما في (العدة).
وإن قال: على أن تتجر في الطعام.. لم يدخل فيه الدقيق والشعير والذرة، لأن إطلاق اسم الطعام إنما ينصرف على الحنطة.

مسألة: ما يقوم به العامل في القراض

]: ويتولى العامل من الأعمال في مال القراض ما جرت به العادة للعامل أن يتولاه منه، كالبيع والشراء، وطي الثياب ونشرها، وحمل ما خف من المتاع؛ لأن العادة جرت بأن يتولى ذلك الرفيع والوضيع، فإن استأجر لذلك.. كانت الأجرة من ماله، ولا يلزمه أن يتولى ما لم تجر العادة أن يتولاه العامل، كحمل الأمتعة الثقيلة، بل يستأجر لها من مال القراض من يتولاها، فإن عمل ذلك بنفسه.. فلا أجرة له بذلك؛ لأنه متبرع بذلك، وإن غصب المال أو سرق.. فهل يملك المخاصمة على ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن عقد القراض يقتضي التجارة دون الخصومة.

والثاني: له ذلك؛ لأن عقد القراض يقتضي حفظ المال، وهذا من حفظ المال.

مسألة: مقارضة عامل القراض عاملا آخر

إذا قارض العامل في القراض عاملا آخر.. نظرت: فإن كان ذلك بإذن رب المال، ولم يشرط العامل الأول لنفسه شيئا من الربح، بل شرط الربح بين رب المال والعامل على ما أذن له فيه.. صح القراض، وكان العامل الأول وكيلا لرب المال في عقد القراض، وإن شرط العامل الأول لنفسه شيئا من الربح، بأن شرط أن ربح المال بينهم أثلاث.. لم يصح القراض؛ لأنه شرط الربح لغير رب المال، أو لغير العامل.
فعلى هذا: إذا عمل الثاني.. كان الربح كله لرب المال، وللعامل الثاني أجرة علمه.
وإن قارض العامل الأول عاملا آخر بغير إذن رب المال.. لم يصح القراض؛ لأن رب المال إنما رضي باجتهاد الأول دون اجتهاد غيره.
فعلى هذا: إذا تصرف العامل الثاني في المال.. رد المال إلى بيت المال ولا كلام، وإن حصل في المال ربح.. بنينا على من غصب شيئا، أو أودع شيئا، فتصرف فيه وربح، لمن يكون الربح؟ فيه قولان: (الأول): قال في القديم: (يكون ذلك للمغصوب منه؛ لأنا لو جعلنا ذلك ملكا للغاصب.. كان ذلك ذريعة إلى غصب الأموال والتجارة فيها لتحصيل الأرباح، وأدى إلى خفر الأمانات والودائع، فجعل ذلك لرب المال؛ لحق المال، وليحسم الباب.
و (الثاني): قال في الجديد: (يكون الربح للغاصب).
وهو الصحيح؛ لأنه إن

اشترى بعين مال الغاصب.. فالشراء باطل، فلا يتصور الربح، وإن اشترى بثمن في ذمته، ونقد المال المغصوب في الثمن.. فقد ملك السلعة، ولزمه الثمن في ذمته، فإذا نقد الثمن من المال المغصوب.. فقد تعدى بذلك، ولا تبرأ ذمته من الثمن، فإذا حصل ثمن السلعة.. فقد حصل ثمن ملكه.
واختلف أصحابنا في مأخذ هذين القولين: فمنهم من قال: إنما ذكر الشافعي رحمة الله عليه هذا في القديم؛ لأنه كان يذهب في القديم إلى جواز البيع الموقوف.
وهذه طريقة القفال والخراسانيين من أصحابنا.
وقال أبو العباس، وأبو إسحاق رحمهما الله، وأكثر أصحابنا: لا يعرف للشافعي جواز البيع الموقوف في قديم ولا جديد، وإنما ذهب إلى هذا في القديم للمصلحة، كما ذكرناه.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا هاهنا بقوله القديم وأن الربح للمغصوب منه.. فإن لرب المال هاهنا نصف الربح إذا كان قد قارض الأول على نصف الربح، وأما النصف الثاني: فقال المزني: يكون بين العاملين نصفين، واختلف أصحابنا في ذلك على أربعة أوجه: أحدها: أن الحكم فيها كما قال المزني، وأن العامل الثاني يأخذ ربع الربح، ولا شيء له غير ذلك؛ لأن الأول قارض الثاني على أن ما رزق الله من الربح.. بينهما، والذي رزقهما الله من الربح هو النصف، وأما النصف الآخر: فهو مستحق لرب المال.
والثاني: أن العامل الثاني يستحق ربع الربح، ويأخذ مع ربع الربح نصف أجرة مثله؛ لأنه دخل على أن يأخذ نصف ما رزق الله من ربح، والربح يقع على ما زاد على رأس المال، ولم يحصل له إلا نصف المشروط، فوجب أن يرجع بنصف أجرة مثله.

والثالث: وهو قول المسعودي [في (الإبانة): ق \ 223]: إن قال الأول للثاني: قارضتك أو اعمل لي على أن لك نصف الربح.. استحق هاهنا مع ربع الربح نصف أجرة المثل، كما قال صاحب الوجه الثاني، وإن قال: قارضتك أو اعمل على ما رزق الله تعالى بيننا.. فله ربع الربح من غير شيء معه، كما قال صاحب الوجه الأول.
والرابع: وهو قول ابن الصباغ: أن نصف الربح لا يقسم بين العاملين، بل يكون للعامل الأول؛ لأن المضاربة فاسدة، والشرط لا يثبت مع الفاسد، فيرجع العامل الثاني على العامل الأول بجميع أجرة مثله؛ لأنه غره.
وأما إذا قلنا بالقول الجديد، وأن ربح المال المغصوب للغاصب، وكان العامل الثاني قد اشترى في الذمة، ونقد الثمن من مال القراض وربح.. فلمن يكون الربح؟ قال المزني: يكون الربح هاهنا للعامل الأول، وللعامل الثاني أجرة عمله، واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من خطأ المزني، وقال: يكون الربح هاهنا للعامل الثاني؛ لأنه هو المتصرف هاهنا، فكان الربح له كالغاصب.
ومنهم من وافق المزني، وقال: يكون الربح هاهنا للأول؛ لأن الثاني هاهنا تصرف للأول، فكان الربح له، ويجب للثاني أجرة مثله، بخلاف الغاصب له، فإنه تصرف لنفسه، وأما الضمان: فإن كان المال باقيا.. فللمالك أن يطالب برده من شاء منهما، وإن كان تالفا.. فله أن يطالب به من شاء من العاملين، فإن طالب الأول.. لم يرجع الأول على الثاني؛ لأنه دخل معه على الأمانة، وإن رجع به على الثاني.. فهل يرجع الثاني على الأول؟ فيه قولان.
(الأول): قال في القديم: (يرجع عليه)؛ لأنه غره.
و (الثاني): قال في الجديد: (لا يرجع عليه)؛ لأن التلف حصل بيده.

فرع: قارضه على أن نصف الربح للمال

قال الطبري: فإن دفع العامل المال إلى رب المال، وقال: قارضتك على هذا المال على أن يكون لك نصف الربح الذي شرطته لي.. لم يصح، ويبطل به عقد القراض، خلافا لأبي حنيفة.

فرع: لا يشتري المقارض من مال القراض

]: لا يجوز لرب المال أن يشتري من المال الذي في يد العامل للقراض؛ لأن المال له، فلا يجوز أن يشتري منه، كما لا يجوز أن يشتري من وكيله.
وإن كان لرجل غلامان في القراض مع كل واحد منهما مال منفرد به.. فهل يجوز لكل واحد منهما أن يشتري من الآخر؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في (العدة).
ويجوز للسيد أن يشتري من مكاتبه؛ لأنه معه كالأجنبي، وهل يجوز للسيد أن يشتري من عبده المأذون له؟ ينظر فيه: فإن لم يكن على المأذون له دين.. لم يجز للسيد أن يشتري منه؛ لأن ما في يده ملكه.
وإن كان عليه دين معاملة.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: يصح؛ لأن حقوق الغرماء قد تعلقت بما في يد العبد، فصار كالمستحق لهم، فصار كما لو اشترى منهم.
والثاني: لا يصح؛ لأن تعلق حق الغرماء به لا يخرجه عن ملكه.

مسألة: شراء عامل القراض عبدا

]: وإذا دفع إليه ألف درهم قراضا، فاشترى العامل عبدا بألف درهم للقراض صح، فإن اشترى عبدا آخر بألف للقراض.. لم يصح للقراض؛ لأن رأس المال ألف، وقد استحق تسلميه للأول، فإن اشترى الثاني بعين الألف.. لم يصح؛ لأنه اشترى بمال غيره ما لم يؤذن له فيه، وإن اشترى الثاني بألف في الذمة.. لزم الشراء للعامل، والثمن عليه؛ لأنه اشترى لغيره ما لم يأذن فيه، فلزمه.
قال المسعودي [في (الإبانة) ق \ 223]: فإن أقبض الألف في البيع الثاني.. انفسخ البيع الأول إذا وقع الشراء الأول بعينها.
قلت: ويحتمل أنه أراد: إذا تلفت قبل أن يقبضها البائع الأول.

مسألة: إطلاق يد العامل والإذن له وعدمهما

وإن دفع إلى رجل مالا قراضا.. فلا يخلو: إما أن يطلق رب المال الإذن، أو يقيده.
فإن أطلق.. لم يجز للعامل أن يبيع إلا بنقد البلد، ولا يبتاع إلا بنقد البلد، ولا يبيع إلى أجل، ولا يبتاع إلى أجل؛ لأنه يتصرف في مال غيره بغير إذنه، فاقتضى الإطلاق، وذلك كالوكيل، ولأن المقصود بالقراض طلب الربح فإذا باع أو ابتاع إلى أجل.. كان منافيا للمقصود، ولأنه إذا باع إلى أجل.. أخرج السلعة من يده، وربما لم يحصل له الثمن، فإذا ابتاع إلى أجل.. فإنه ابتاع بفضل.
قال الشيخ أبو حامد: فإن قال له: بع نقدا أو نسيئة، واشتر نقدا أو نسيئة.. جاز له أن يفعل ما شاء من ذلك؛ لأن رب المال قد أذن له في ذلك.
قال في (الأم): (فإن قال له: تصرف كيف شئت، وافعل ما ترى.. كان كالمطلق).
قال الطبري: وإن قال: قارضتك على أن لا تبيع إلا بالنسيئة.. فهل يبطل؟ فيه وجهان:

أحدهما: يصح، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه مأذون فيه.
والثاني: لا يصح؛ لأنه مقارضة على خلاف معهودها، وفيه خطر على المال، فإذا قلنا: يصح.. فهل يصح بيعه بالنقد؟ فيه وجهان:

فرع: صحة شراء المعيب للقراض

وإن اشترى العامل شيئا معيبا.. صح شراؤه للقراض، ولو وكله بشراء سلعة معينة موصوفة.. لم يكن له أن يشتري سلعة معيبة، فإن اشتراها معيبة.. لم يصح، والفرق بينهما: أن القصد بالقراض طلب الربح، وقد يحصل الربح بطلب المعيب، والقصد في شراء السلعة الموصوفة الاقتناء، ولا يقتنى إلا السليم.
وإن اشترى العامل شيئا ظنه سليما، فبان أنه معيب.. فللعامل أن يفعل ما رأى فيه الحظ من الرد والإمساك؛ لأنه قائم مقام رب المال، وإن حضر رب المال والعامل، فإن اتفقا على الرد أو الإمساك.. فلا كلام وإن اختلفا، فدعا أحدها إلى الإمساك والآخر إلى الرد.. نظر الحاكم إلى ما فيه الحظ من ذلك، فقدم قول من دعا إليه؛ لأن المقصود طلب الربح، ولكل واحد منهما حق متعلق به، فقدم ما فيه المصلحة لهما.

مسألة: شراء من يعتق على رب المال بإذنه

]: وإن اشترى العامل من يعتق على رب المال.. نظرت: فإن كان بإذن رب المال.. صح الشراء، وعتق على رب المال، كما لو اشتراه بنفسه، فإن اشتراه بجميع مال القراض.. بطل القراض؛ لأنه اشتراه بإذن رب المال،

وعتق عليه، فهو كما لو أتلفه رب المال، فإن لم يكن في المال ربح.. فلا شيء للعامل؛ لأن العامل في القراض صحيح لا يستحق شيئا إذا لم يكن في المال ربح، وإن كان في المال ربح.. رجع العامل على رب المال بقدر حصته من الربح؛ لأنه أتلف ذلك، فلزمه ضمانه، وإن اشتراه ببعض مال القراض، فإن كان الثمن مثل رأس المال.. انفسخ القراض في رأس المال، ويكون ما بقي من الربح بينهما، وإن كان أقل من رأس المال.. انفسخ العقد، ورد الثمن ويكون ما بقي من رأس المال على القراض والربح بينهما وإن كان الثمن أكثر من رأس المال انفسخ القراض في جميع رأس المال وبعض الربح ويقتسمان ما بقي من الربح، ثم يرجع العامل على رب المال بقدر حصته من الربح الذي حصل في ثمن العبد؛ لأنه تلف في حقه.
هكذا ذكره الشيخ أبو حامد في (التعليق).
وذكر القاضي أبو الطيب في (المجرد): إذا كان الثمن جميع ما بيده، وكان بعضه ربحا، وقلنا: العامل حصته بالظهور، ولم يعلم العامل أن الذي اشتراه له يعتق على رب المال.. لم يعتق في قدر نصيبه، إلا أن يكون له مال آخر، فيقوم عليه.
وإن اشتراه العامل بغير إذن رب المال.. لم يصح الشراء في حق رب المال؛ لأن المقصود بالقراض شراء ما يربح فيه، وهذا لا يوجد في شراء من يعتق على رب المال.
فإن اشترى بعين مال القراض.. لم يصح الشراء في حق العامل أيضا، وإن اشتراه بثمن في الذمة.. صح الشراء في حق العامل.

فرع: شراء زوج المضاربة

وإن كان رب المال امرأة ولها زوج عبد، فاشتراه عاملها في القراض، فإن اشتراه بإذنها.. صح شراؤه للقراض، وينفسخ نكاحها، كما لو اشترته بنفسها، وإن اشتراه بغير إذنها بعين مال القراض.. فهل يصح شراؤه للقراض؟ فيه وجهان:

أحدهما: يصح الشراء، وينفسخ به النكاح، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الربح يحصل بشرائه، فصح، فهو كما لو لم يكن لها زوج، أو كما لو أذنت في شرائه.
والثاني: لا يصح، وهو المنصوص؛ لأن إذنها يقتضي شراء ما لها فيه حظ ومنفعة، وشراء زوجها يضرها؛ لأنه ينفسخ نكاحها، ويسقط به حقها من الكسوة والنفقة، فهو كما لو اشترى لها من يعتق عليها وإن اشتراه بثمن في ذمته فإن قلنا: يصح شراؤه للقراض إن اشتراه بعين مال القراض.. صح أيضا هاهنا.
وإن قلنا هناك: لا يصح للقراض.. فإنه يصح في حق العامل وحده، كما قلنا في العامل إذا اشترى من يعتق على رب المال بغير إذنه، بثمن في ذمته.

مسألة: ما يجب على عامل القراض وما لا يجوز له فعله

مسألة: [ما يجب على العامل تجاه مال القراض وما لا يجوز له فعله]: وإذا قارضه على مال؛ ليتجر به في الحضر.. فقد ذكرنا: أنه يتولى بنفسه ما جرت العادة أن يتولاه العامل بنفسه، ولا يستحق لذلك عوضا، وليس عليه أن يتولى من الأعمال ما لم تجر عادة العامل أن يتولاه بنفسه، مثل: النداء على المتاع، وحمله إلى الخانات، وله أن يستأجر من يعمل ذلك من مال القراض.
ولا يستحق أن ينفق على نفسه من مال القراض، ولا يكتسي منه بلا خلاف؛ لأنه إنما يستحق الجزء المشروط له من الربح دون غيره.
ولا يسافر بالمال من غير إذن رب المال.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يجوز إذا كان الطريق آمنا).
دليلنا: أن السفر فيه تغرير بالمال؛ لأنه يعرض فيه الخوف والفساد، فلم يملكه العامل من غير إذن رب المال، كما لو كان الطريق مخوفا.
وإن أذن له رب المال أن يسافر بالمال.. جاز له أن يسافر به؛ لأن المنع منه لحقه، وقد رضي به، وإذا سافر به.. فعليه أن يتولى من الأعمال ما جرت العادة أن يتولاه العامل في السفر، مثل: حفظ المتاع، والنوم عليه، وليس عليه أن يتولى من

الأعمال ما لم تجر العادة أن يتولاه العامل، مثل: رفع الأحمال، وحطها، وما أشبه ذلك، بل يستأجر من مال القراض من يتولاها.
وهل تجب للعامل النفقة في السفر من مال القراض، مثل: المأكول، والمشروب، وما يحتاج إليه من المركوب والملبوس؟ نقل المزني في (المختصر) [3/62]: (أن له النفقة بالمعروف)، وقال في (البويطي): (ليس له ذلك إلا بإذن رب المال).
وقال المزني في (الجامع الكبير): حفظت عن الشافعي: (أن القراض لا يصح حتى يشرط العامل لنفسه نفقة معلومة في كل يوم، وثمن ما يلبسه للعمل).
واختلف أصحابنا في ذلك على طريقين.
فـ (الأول): قال بعض أصحابنا: لا يستحق العامل ذلك، قولا واحدا، لأن ذلك إنفاق على نفسه، فلم يستحقه العامل في السفر، كما لو كان في الحضر، وتأولوا ما نقله المزني في (المختصر): على النفقة على الأعمال التي لا يتولاها العامل بنفسه.
و (الطريق الثاني): منهم من قال: في المسألة قولان: أحدهما: لا يستحق ذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن ينفرد العامل بجميع الربح، لأنه قد يحتاج إلى جميع الربح للنفقة.
والثاني: يستحق ذلك، وهو قول مالك؛ لأن سفره لأجل المال، فكانت نفقته فيه، ولأنا لو قلنا: إنه ينفق على نفسه من ماله.. لأدى إلى أن لا يحصل له شيء من الربح؛ لأنه قد ينفق جميع نصيبه من الربح، وربما لا يربح، فيغرم النفقة.
فإذا قلنا: لا نفقة له.. فلا كلام، وإذا قلنا: يستحق النفقة.. فالذي يقتضي المذهب: أنه لا يستحق النفقة.. إلا في الربح؛ لأن مقتضى القراض رد رأس المال.
وكم يستحق من النفقة؟ فيه وجهان:

أحدهما: جميع النفقة؛ لأن يسافر لأجل المال، فكانت جميع نفقته فيه.
والثاني: أنه يستحق ما زاد لأجل السفر على نفقة الحضر؛ لأن ذلك هو القدر الذي لزمه لأجل السفر.
وهل يفتقر إلى تقدير النفقة؟ فيه قولان: (الأول): قال في (البويطي): (يفتقر إلى تقدير النفقة في عقد القراض)؛ لأنه جزء يستحقه العامل من مال القراض، فكان مقدرا، كحصته من الربح.
والثاني: لا يفتقر، وهو الأصح؛ لأن الأسفار تختلف، فيقل الإنفاق فيها ويكثر، وذلك لا يمكن تقديره، بخلاف حصة العامل من الربح، قال أبو العباس، وأبو إسحاق: يضعف التقدير جدا.

فرع: سافر مقارضا وبمال له فالنفقة محصصة

]: فإن سافر العامل في مال القراض، وبمال له.. كانت النفقة محصصة على المالين.
قال أبو علي في (الإفصاح): وإنما تحصص النفقة على المالين إذا كان ماله مما يقصد له السفر، فأما إذا كان يسيرا: فلا حكم له، وتكون النفقة والمؤن كلها في مال القراض، وكذلك: إن سافر بمال له ومالين منفردين لمقارضين له.. كانت نفقته محصصة على قدر الأموال فيها؛ لأن سفره لأجلها، فقسمت نفقته عليها.
وإن دفع إليه مالا قراضا، وأذن له في السفر فيه إلى بلد، فلقيه رب المال في تلك البلد التي سافر إليها، وقد نض المال، فأخذه رب المال، وأراد العامل الرجوع إلى بلده.. فهل يجب على رب المال نفقة الرجوع؟ فيه قولان: أحدهما: يجب له ذلك؛ لأنه استحق نفقة ذهابه ورجوعه بمقتضى القراض، فلم تسقط نفقة رجوعه باسترجاع المال.

والثاني: لا يستحق؛ لأن عقد القراض قد انفسخ، فلا يستحق بعد ذلك نفقة، كما لو مات العامل، فإنه لا يستحق الكفن في مال القراض.

فرع: موت المقارض والعامل في السفر

يمنعه النفقة]: ذكر الطبري: لو مات رب المال والعامل في السفر.. فليس له أن ينفق من مال المقارضة ذاهبا ولا راجعا في أحد الوجهين، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن المال قد صار للورثة، فافتقر إلى إذنهم.

مسألة: وقت استحقاق العامل الربح

]: إذا قارضه قراضا صحيحا، وحصل في المال ربح.. فمتى يملك العامل ما شرط له حصة من الربح؟ فيه قولان: أحدهما: وهو قول مالك، والمزني: (أنه لا يملكه إلا بالمقاسمة)؛ لأن العامل لو ملك شيئا من المال قبل القسمة.. لكان شريكا لرب المال، حتى لو تلف شيء من المال.. لكن محسوبا من المالين، فلما كان التالف محسوبا من الربح.. دل على: أنه لم يملك شيئا من المال.
والثاني: أنه يملك حصته من الربح بالظهور، وهو قول أبي حنيفة.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الأصح؛ لأن العامل إنما يملك فسخ القراض بالمطالبة بحقه من الربح، ومن ملك مطالبة شريكه بقسمة ما بينهما.. دل على: أنه يملك حصته بالظهور، كالمال بين الشريكين.

مسألة: لا يقسم الربح إلا برضا المتعاقدين

فإن طلب أحد المتقارضين قسمة الربح بينهما مع بقاء عقد القراض، وامتنع الآخر.. لم يجبر الممتنع؛ لأن لكل واحد منهما غرضا في الامتناع؛ لأن رب المال يقول: الربح وقاية لرأس المال، والعامل يقول: لا آمن أن أخسر، فأحتاج إلى رد

ما أخذته، فإن اتفقا على قسمة الربح مع بقاء عقد القراض.. صح؛ لأن الحق لهما، فإن حصل بعد ذلك في المال خسران، وكان للعامل نصف الربح، وقد أخذه.. كان على العامل أقل الأمرين من نصف الخسران، أو رد جميع ما أخذ؛ لأن الربح والخسران حصلا في عقد واحد، فجبر أحدهما بالآخر.

فرع: اقتسما الربح قبل نهاية المضاربة

]: إذا دفع إليه ألفا، فاتجر بها، فصارت ألفين، فاقتسما الربح بينهما وتفاصلا، ثم تلف الأصل في يد العامل من غير تفريط.. فلا شيء عليه.
وقال أبو حنيفة: (عليه أن يرد ما أخذ من الربح).
دليلنا: أنهما اقتسما الفضل والأصل حاصل، فصحت القسمة، وترك أصل المال في يده أمانة، فهو كما لو استرده، ثم دفعه إليه، فتلف.

فرع: نقص مال المضاربة ثم زاد فكيف يقتسمان الربح

إن دفع رجل إلى رجل مائة درهم قراضا، فاتجر العامل فيها، فخسر عشرة وبقي في يده تسعون درهما، فأخذ رب المال عشرة منها، ثم اتجر العامل بالثمانين، فبلغت مائة وخمسين درها.. فإن رأس المال يكون هاهنا تسعة وثمانين درهما إلا تُسع درهم، وما زاد على ذلك ربح يقتسمانه على ما شرطاه بينهما؛ لأن رأس المال كان مائة، فلما خسر عشرة.. بقي في يد العامل تسعون.
ولو أخذ رب المال جميع التسعين.. انفسخ القراض فيها وفي العشرة التي خسرها العامل، فلما أخذ رب المال عشرة لا غير.. انفسخ القراض فيها وفي قسطها من الخسران، والعشرة المأخوذة هي تُسع التسعين، وقسطها من الخسران درهم وتسع درهم؛ لأنك إذا قسمت العشرة على تسعين أصاب كل عشرة درهم وتُسع درهم، فاحتجت أن تسقط ما خص العشرة المأخوذة وما خصها من الخسران من رأس المال،

وهو مائة، فيبقى تسعة وثمانون درهما إلا تُسع درهم، ويكون الباقي من المائة هو رأس المال، وما زاد على ذلك ربح.
فإن كانت بحالها وخسر العامل من المائة عشرين درهما، ثم أخذ رب المال من الباقي عشرين درهما، ثم اتجر العامل فيما بقي، وهو ستون، فبلغ مائة وخمسين.. فإن رأس المال هاهنا يكون خمسة وسبعين، وما زاد فهو ربح؛ لأنه لما خسر عشرين وبقي ثمانون، فأخذ رب المال عشرين منها، وذلك ربعها، فسقطت هي وما قابلها من الخسران من رأس المال، والذي قابلها من الخسران خمسة؛ لأن العشرين - التي هي خسران - مقسومة على الثمانين.. فكأنه أخذ من المائة خمسة وعشرين، وتبقى خمسة وسبعون، هي رأس المال.
وإن كانت هي بحالها، غير أن العامل خسر من المائة عشرين، ثم أخذ رب المال من الثمانين أربعين، ثم اتجر العامل فبلغت ستين.. فإن رأس المال يكون خمسين؛ لأنه لما أخذ من الثمانين نصفها.. انفسخ القراض فيها وفيما يخصها من الخسران، وهو عشرة، فكأنه أخذ خمسين من مائة.
وهكذا: لو خسر العامل من المائة عشرة، وبقي في يده تسعون، فأخذ رب المال منها خمسة وأربعين، ثم اتجر العامل وربح.. فإن رأس المال يكون خمسين، وما زاد فهو ربح؛ لأنه لما أخذ من التسعين نصفها.. انفسخ فيها القراض وفيما يخصها من الخسران، وهو خمسة، فكأنه أخذ خمسين من مائة، فلما اتجر العامل وربح.. كان رأس المال ما بقي بعد المأخوذ.

فرع: أخذ المقارض نصف رأس المال واتجار العامل بالباقي

فرع: [أخذ المقارض نصف رأس المال بعد الربح ثم اتجر العامل بالباقي]: فإن دفع إليه مائة درهم قراضا، على أن الربح بينهما نصفان، فاتجر العامل فيها فبلغت مائة وستين درهما منها، فأخذ رب المال ثمانين درهما منها، ثم اتجر العامل في الباقي، فخسر حتى بلغت عشرين.. فإن العامل يرد العشرين التي بقيت في يده إلى

رب المال، ويأخذ من رب المال خمسة عشر درهما من الثمانين التي قبضها، وإنما كان كذلك؛ لأن المال لما بلغ مائة وستين درهما، فإن خمسة أثمان المال - وهو مائة هو رأس المال، وثلاثة أثمانه - وهو ستون - ربح، فلما أخذ رب المال الثمانين من المالين.. كان خمسة أثمانه - وهو خمسون درهما - من رأس المال، وثلاثة أثمانه - وهو ثلاثون - من الربح.. لا يجبر به الخسران؛ لأن المأخوذ قد انفسخت فيه المضاربة، فكان للعامل نصف ذلك الربح، وهو خمسة عشر.
وأن كانت بحالها، فاتجر العامل في المائة، فبلغت مائة وخمسين درهما، ثم أخذ رب المال خمسين درهما منها، وبقي في يد العامل مائة، فاتجر فيها، فعادت إلى خمسين.. فإن العامل يرد الخمسين التي في يده إلى رب المال، ويأخذ من الخمسين التي أخذها رب المال سدسها؛ لأن ثلثي الخمسين المأخوذة رأس المال، وثلثها ربح، وللعامل نصف الربح.
وإن ربح العامل في المائة عشرين، فأخذ رب المال منها ستين، ثم اتجر العامل في الستين الباقية، فخسر، فعادت إلى أربعين أو أقل.. فإنه يرد ما بقي في يده إلى رب المال، ويأخذ من رب المال نصف سدس الستين، وهو خمسة؛ للمعنى الذي ذكرناه.

فرع: قارضه على ألف وأضافه ألفا أخرى والربح بينهما

وإن دفع إليه ألفا قراضا، على أن الربح بينهما نصفان، ثم دفع إليه ألفا قراضا، على أن يضمها إلى الأولى، ويعمل عليهما، ويكون الربح بينهما نصفين.. قال الشافعي: (فإن قارضه على الثانية قبل أن يتصرف في الأولى.. صح القراض فيهما، وإن قارضه على الثانية بعد أن تصرف في الأولى.. لم يصح القراض على الثانية).
ووجهه: أنه عقد معه قراضين على كل واحد من الألفين قراضا، ومن شأن العقدين أن لا يبنى أحدهما على الآخر في الربح والخسران، فإذا كان قد تصرف في الأولى.. فربما حصل فيه ربح أو خسران، فإذا ضم الثانية إليها.. جبر الخسران في الأولى بالثانية، فلم يصح، وإذا لم يكن تصرف في الأولى.. فإنه لا يفضي إلى أن

يجبر خسران إحداهما في الأخرى، بل إن حصل خسران.. فهو فيهما، وإن حصل ربح.. فهو فيهما، وإن تصرف في الأولى ونضت.. فقال القاضي أبو الطيب في (المجرد): جاز ضم الثانية إليها؛ لأنه قد أمن المعنى الذي ذكرناه، وصار كأنه لم يتصرف في الأولى.

فرع: شراء عامل القراض من يعتق عليه

وإن اشترى العامل من يعتق عليه، كابنه وأبيه، بمال القراض بغير إذن رب المال.. نظرت: فإن لم يكن في المال ربح حال ما اشتراه.. صح شراؤه؛ لأنه لا ضرر على رب المال بذلك؛ لأنه يمكن بيعه، فإن ظهر في المال ربح فلا كلام، وإن كان في المال ربح قبل أن يبتاع العبد، فإن قلنا: إن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة.. لم يعتق الأب ولا شيء منه؛ لأن العامل لا يملك منه شيئا، فإن اقتسما الربح، وحصل في نصيب العامل.. عتق عليه، وإن حصل في نصيب رب المال لم يعتق عليه، وإن حصل بينهما.. عتق على العامل نصيبه منه، وقوم عليه نصيب رب المال فيه إن كان العامل موسرا بقيمة نصيب رب المال.
وإن قلنا: إن العامل يملك حصته من الربح بالظهور.. فهل يعتق عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعتق عليه؛ لأن ملكه عليه غير تام قبل القسمة؛ لأن الربح قبل القسمة وقاية لرأس المال، وإنما يتم ملكه بالقسمة.
فعلى هذا: حكمه حكم ما ذكرناه إذا قلنا: لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة.
والوجه الثاني: يعتق عليه؛ لأنه ملكه، فعتق عليه، كما لو اشترى العامل من يعتق على رب المال بإذنه.
فعلى هذا: إن كان العامل يملك من الربح بقدر قيمته.. عتق عليه جميعه، ولا كلام، وإن كان لا يملك من الربح إلا بقدر بعض قيمته.. عتق عليه ذلك القدر، وقوم

عليه نصيب رب المال فيه إن كان العامل موسرا به، وإن لم يكن له مال آخر.. عتق منه بقدر نصيب العامل لا غير.
وأما إذا اشتراه وفي المال ربح حين الشراء: فإن قلنا: إن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالمقاسمة، أو قلنا: إنه يملك حصته من الربح بالظهور، وقلنا - بأحد الوجهين في المسألة قبلها - على هذا القول: إنه لا يعتق عليه.. صح شراؤه هاهنا؛ لأنه لا ضرر على رب المال بذلك.
وإن قلنا: يملك حصته من المال بالظهور، وقلنا - بأحد الوجهين في المسألة قبلها - على هذا القول: إنه يعتق عليه حصته منه.. فهل يصح الشراء هاهنا؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يصح؛ لأنهما شريكان في المال، وأحد الشريكين إذا اشترى من يعتق عليه.. صح شراؤه.
فعلى هذا: إن كان العامل يملك من الربح قدر قيمته يوم الشراء.. عتق عليه، وإن كان لا يملك من الربح إلا أقل من قيمته، فإن كان موسرا بقيمة الباقي.. عتق عليه، وإن كان معسرا بقيمة باقيه.. عتق عليه بقيمة قدر ما ملك من الربح من رقبته، ورق الباقي.
والوجه الثاني: لا يصح الشراء؛ لأن ذلك يؤدي إلى تنجز حق العامل قبل رب المال، ولأنه إذا عتق بعضه، ولم يكن موسرا بقيمة الباقي.. نقصت قيمة الباقي، واستضر رب المال بذلك، والعامل لا يملك تصرف تصرفا فيه ضرر على رب المال.

مسألة: يد عامل القراض يد أمانة

والعامل أمين على مال القراض، لا يضمن شيئا منه إلا بالتعدي؛ لأن رب المال ائتمنه عليه، فهو كالمودع.

جارٍ التحميل