البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 7-46

كتاب الغصب

صفحات 7-46
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الغصب محرم، والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] [النساء: 29].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] [النساء: 10].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] الآية [المائدة: 38].
والسرقة من الغصب.
ومن السنة: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ـ في خطبته في حجة الوداع ـ: «ألا إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا».
ومعنى ذلك: دماء بعضكم على بعض، وأموال بعضكم على بعض.
وروى عبد الله بن السائب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يأخذن أحدكم مال أخيه لاعبا، ولا جادا، فمن أخذ عصا أخيه.. فليردها».
وروى سمرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «على اليد ما أخذت حتى ترده "، وروي: " حتى تؤديه».
وروى يعلى بن مرة الثقفي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أخذ أرضا بغير حقها.. كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر».

وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقها.. طوقه من سبع أرضين يوم القيامة».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال بحلال، أو حرام».
وأجمعت الأمة على تحريم الغصب، قال الصيمري: ومن غصب شيئا، واعتقد إباحته.. كفر بذلك، وإن اعتقد تحريمه.. فسق بفعله، ولم تقبل شهادته.
إذا ثبت هذا: فإن الغصب يصح في الأموال المنقولة، بأن يقبضها كما يقبضها في البيع، وفي العقار، بأن يزيل يد مالكه عنه، ويصير في يده، وبه قال مالك، ومحمد.

وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (لا يصح الغصب في العقار؛ لأنه لا يتأتى فيه النقل).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من غصب شبرا من الأرض.. طوقه من سبع أرضين يوم القيامة».
ولأن ما جاز أن يضمن بالقبض في البيع.. جاز أن يضمن بالغصب، كالمنقول.

مسألة: يرد المغصوب

ومن غصب مال غيره.. وجب عليه رده؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فمن أخذ عصا أخيه.. فليردها».
فإن كان الغاصب من أهل الضمان في حق المغصوب منه.. فإن المغصوب يكون في ضمان الغاصب إلى أن يرده؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على اليد ما أخذت حتى ترد».
وإن لم يكن من أهل الضمان في حق المغصوب منه، بأن يغصب الحربي مال المسلم، أو يغصب العبد مال سيده.. فإنه يكون غاصبا يأثم بذلك، ويجب عليه رده، ولا يكون مضمونا عليه، ولو تلف في يده.. لم يجب عليه ضمانه، كما لو أتلف عليه مالا.
وكيفية الرد الذي يبرأ به الغاصب من الضمان: أن ينظر في المغصوب: فإن كان مما ينقل.. فبأن ينقله المالك، أو وكيله.

وإن كان مما لا ينقل.. فبأن يرفع الغاصب يده عنه، ويعلم الملك أنه قد تخلى عنه، فإذا مضت مدة يمكن فيها القبض... برئ الغاصب من الضمان.
وهكذا: لو لم يعلمه الغاصب، لكن وضع المالك يده على عقاره، ورفع الغاصب يده عنها، ولم يمنع المالك منه.. فإنه يبرأ بذلك.

مسألة: ما غصب وله أجرة

مسألة: [في ما غصب وله أجرة]: ومن غصب عينا لغيره، وهو من أهل الضمان في حقه، وأقامت في يده مدة لمثلها أجرة، فإن كان لمثل تلك العين منفعة تملك بالإجارة، كسكنى الدار، وزراعة الأرض، وخدمة العبد، والجارية، وما أشبه ذلك.. وجب على الغاصب أجرة مثلها لتلك المدة، سواء انتفع بها أو لم ينتفع بها.
وإن كانت المنفعة لا تستباح بالإجارة، كمنفعة وطء الجارية.. لم يجب عليه ضمانها؛ لأن الغصب لا يمنع المالك من المعاوضة على بضعها، وهو عقد النكاح، ويمنعه من إجارتها.
هذا مذهبنا، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه ضمان أجرة المنافع بحال).
دليلنا: أن ما صح أن يملك بالمسمى في العقد الصحيح، وبالمثل في العقد الفاسد، وهو مما يطلب بعقد المغابنة.. ضمن بالغصب، كالأعيان.
فقولنا: (وهو مما يطلب بعقد المغابنة) احتراز من منفعة الاستمتاع.

مسألة: يرد المغصوب وإن نقصت قيمته

وإذا غصب عينا لغيره.. فلا يخلو: إما أن تكون العين باقية بحالها، أو تالفة.
فإن كانت باقية.. فقد ذكرنا: أنه يجب عليه الرد للخبر، فإن نقصت قيمتها من حين الغصب إلى حين الرد لكسادها، لا لنقص حدث فيها.. فإنه لا يجب على

الغاصب ضمان ما نقص من قيمتها، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وكافة العلماء، إلا أبا ثور، فإنه قال: (يجب عليه ردها، ورد ما نقص من قيمتها لرخصها).
دليلنا: أنه رد العين، ولم ينقص منها عين، ولا أثر.. فلم يجب عليه ضمان شيء من قيمتها، كما لو لم تنقص قيمتها في السوق.
وإن كانت العين تالفة.. فلا يخلو: إما أن تكون من غير ذوات الأمثال، أو من ذوات الأمثال.
فإن كانت من غير ذوات الأمثال، وهو مما لا تتساوى أجزاؤه، ولا صفاته، كالثياب، والحيوان، والأخشاب، وما أشبهها.. وجب على الغاصب قيمته، وهو قول كافة العلماء، إلا ما حكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري: أنه قال: يجب عليه مثله من طريق الضرورة؛ لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية، صنعت طعاما، فبعثت به إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأخذني الأفكل، فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ فقال: (إناء مثل الإناء، وطعام مثل الطعام».
و (الأفكل): الرعدة من الغيرة.
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعتق شركا له في عبد.. قوم عليه نصيب شريكه».
فأمر بتقويم نصيب الشريك، وهو متلف بالعتق، ولم يأمره بمثله من عبد.
ولأن الأشياء التي لا تتساوى أجزاؤها، لا يمكن إيجاب المثل فيها لاختلافها،

فكانت القيمة أولى، وأما الخبر: فمحمول على أنه علم أنها ترضى بذلك.
وتجب قيمة المغصوب أكثر ما كانت من حين الغصب إلى أن تلف؛ لأنه غاصب له في جميع تلك المدة، وتجب قيمته من نقد البلد التي تلف فيها المغصوب؛ لأنه موضع الضمان.
إذا ثبت هذا: فلا يخلو الذي لا مثل له: إما أن يكون حيوانا، أو غير حيوان.
فإن كان غير الحيوان.. نظرت: فإن كان ذهبا، أو فضة، فإن كانت فيه صنعة.. نظرت: فإن كانت صنعته مباحة، كالخلاخل، والدمالج، وغير ذلك مما يجوز استعماله، فإن كان نقد البلد من غير جنسه، أو من جنسه ولا يزيد وزن القيمة عليه وجب عليه قيمته، وإن كان نقد البلد من جنسه ويزيد وزن قيمته على وزنه.. ففيه وجهان: أحدهما: يقوم بجنس آخر؛ لأن ضمانه بنقد البلد يؤدي إلى الربا.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه يقوم بنقد البلد؛ لأن الزيادة على وزنه لأجل الصنعة، وللصنعة قيمة، ولهذا لو أتلف متلف الصنعة.. لزمه قيمتها.
وإن كانت صنعة محرمة؛ كأواني الذهب والفضة، فإن قلنا: يجوز اتخاذها.. كانت كالصنعة المباحة، وإن قلنا: لا يجوز اتخاذها.. لم تضمن قيمة الصنعة.
وإن لم يكن فيه صنعة، كالنقرة، والسبيكة.. فاختلف أصحابنا فيها: فقال الشيخ أبو حامد: هي من ذوات الأمثال.

وقال عامة أصحابنا: ليست من ذوات الأمثال؛ لأن أجزاءها تختلف.
فعلى هذا: ينظر فيه: فإن كان نقد البلد من غير جنسها، أو من جنسها، ولا يزيد وزن قيمتها على وزنها.. ضمنها بقيمتها.
وإن كان نقد البلد من جنسها، ويزيد وزن قيمتها على وزنها.. ضمنها بجنس آخر؛ لأن ضمانها بأكثر من وزنها من جنسها رباً.
وأما الدراهم والدنانير التي ليست بمغشوشة: فإنها من ذوات الأمثال؛ لأن أجزاءها متساوية.
وإن خرق له ثوباً، أو كسر له ظرفا.. وجب عليه أرش ما نقص بذلك.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الأرش قليلاً.. فكما قلنا، وإن كان كثيراً.. فمالكه بالخيار: بين أن يسلمه إلى الجاني عليه، ويطالبه بجميع قيمته، وبين أن يمسكه، ويطالبه بالأرش).
دليلنا: أنها جناية على مال أرشها دون قيمتها، فلم يكن له المطالبة بجميع قيمتها، كما لو كان الأرش قليلاً.

فرع: غصب الحر والعبد

وأما الحيوان: فضربان: آدمي، وغير آدمي.
فأما الآدمي: فضربان: حر، وعبد.
فأما الحر: فإنه لا يضمن باليد، صغيراً كان أو كبيراً، وإنما يضمن بالجناية، على ما نذكره في (الجنايات) إن شاء الله تعالى.
وأما العبد: فيضمن بالغصب والجناية، فإذا غصب عبداً.. ضمنه، صغيراً كان أو كبيراً؛ لأنه مال، فضمن بالغصب، كسائر الأموال، فإن مات في يده.. وجبت عليه

قيمته بالغة ما بلغت؛ لأنه ليس من ذوات الأمثال، فضمنه بالقيمة، كما لو أعتق شقصا له من عبد وهو موسر بقيمة الباقي.
وإن تلف في يده جزء من أجزائه.. نظرت: فإن لم يكن له أرش مقدر، كالبكارة، والسمن، وما أشبه ذلك.. رده وما نقص من قيمته.
وإن كان له أرش مقدر، كاليد، والرجل، وما أشبههما، فإن ذهب ذلك بغير جناية، بأن ذهبت يده بآفة سماوية.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه يرده ونصف قيمته؛ لأن ما ضمن ببدل مقدر في الإتلاف.. ضمن به بالغصب، كالنفس.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه يرده وما نقص من قيمته بذهاب اليد، أو العين؛ لأن ضمانه باليد ضمان المال، ولهذا لا يجب به القصاص ولا الكفارة إذا مات، فيضمنه بما نقص، كسائر الأموال.
وإن غصب عبداً، فقطع يده، أو قلع عينه.. فقد اجتمع هاهنا الغصب والجناية، فإن قلنا بالوجه الأول.. رد العبد ونصف قيمته، وإن قلنا بالثاني... رد العبد وأكثر الأمرين من نصف القيمة، أو ما نقصت قيمته بذلك؛ لأنه اجتمع فيه الأمران.
وحكى المسعودي [في (الإبانة) ق\ 304] قولا آخر: أن جراحات العبد، وأطرافه كلها مضمونة بما نقص من قيمته.
وليس بمشهور.
وقال مالك: (جميع أطراف العبد والجراحات في بدنه مضمونة بما نقص من قيمته، إلا المنقلة، والمأمومة).
ودليلنا: أن ما ضمن ببدل مقدر من دية الحر.. ضمن بمثل ذلك من قيمة العبد، كالنفس.

وإن غصب عبداً، فقطع يديه.. فإنه يرده، والكلام فيما يجب عليه كما ذكرناه في اليد، إلا أن اليدين تضمنان بجميع القيمة.
وقال أبو حنيفة: (المالك بالخيار: بين أن يسلم العبد إلى الغاصب، ويطالبه بجميع قيمته، وبين أن يمسكه، ولا شيء له).
دليلنا: أنه جنى على ملك غيره جناية مضمونة، فكان له المطالبة بالأرش مع إمساك ملكه، كما لو قطع يداً واحدة.
وإن غصب أم ولد.. ضمنها بالغصب، وكان حكمها حكم غيرها من الجواري.
وقال أبو حنيفة: (لا تضمن باليد).
دليلنا: أنها تضمن بالجناية، فضمنت باليد، كالأمة القنة.

فرع: زيادة قيمة العبد المغصوب

]. وإن غصب عبداً يساوي مائة، فزادت قيمته، فصار يساوي ألفا، ثم قطع يده.. لزمه رده وخمسمائة؛ لأن زيادة السوق مع التلف مضمونة.
وأما غير الآدمي، كالبهيمة إذا غصبها، فإن تلفت في يده، أو أتلفها.. وجبت عليه قيمتها، وإن تلف عضو من أعضائها بيده، أو أتلفه.. وجب عليه رد البهيمة وما نقص من قيمتها.
هذا مذهبنا، وبه قال مالك، إلا أنه قال: (إذا قطع ذنب حمار القاضي... لزمه جميع قيمته).
وقال أبو حنيفة: (إن كانت البهيمة مما لها ظهر بلا لحم، كالبغل، والحمار، أو مما لها لحم بلا ظهر، كالغنم ـ فمثل قولنا ـ وإن كان لها لحم وظهر، كالخيل، والإبل، والبقر.. فإنه إذا غصبها، وقلع عينيها.. ردها ونصف قيمتها، وإن قلع إحدى عينيها.. ردها وربع قيمتها).

دليلنا على مالك: أنه جناية على عضو من بهيمة، فضمن ما نقص من قيمتها، كقطع ذنب حمار الشرطي.
وعلى أبي حنيفة: أنه جناية على عضو بهيمة، فلم يضمنها ببدل مقدر، كما لو قطع يدها أو رجلها.

فرع: غصب ما له مثل فتلف

وإن غصب شيئا له مثل، فتلف في يده، أو أتلفه.. ضمنه بمثله؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] [البقرة: 194]. ولأن المثلية تعلم من طريق المشاهدة، والقيمة تعلم بغلبة الظن والاجتهاد، فقدم إيجاب المثل على القيمة، كما نقدم النص على الاجتهاد.
قال القاضي أبو الطيب: وما له مثل، هو ما جمع ثلاثة أوصاف: أحدها: أن يكون مكيلا، أو موزونا.
الثاني: أن يكون مما يضبط بالصفة.
الثالث: أن يجوز بيع بعضه ببعض، وذلك كالدراهم، والدنانير، والحبوب، والأدهان، والتمر، والزبيب، والملح.
قال الشيخ أبو حامد: والقطن من ذوات الأمثال؛ لأن أجزاءه تتساوى، ولا تختلف في العادة.
قال الصيمري: والغزل، والرصاص، والنحاس، والحديد من ذوات الأمثال، واللبن من ذوات الأمثال، وما طبخ وتعقدت أجزاؤه لا مثل له؛ لأنه لا يجوز بيع بعضه ببعض، وكذلك الجواهر واللؤلؤ لا مثل له؛ لأنه لا يضبط بالصفة، والحيوان والثياب ليست من ذوات الأمثال؛ لأنها ليست بمكيلة، ولا موزونة.

فرع: أتلف مغصوبا نتج مما لا مثل له

]: فإن غصب منه ما له مثل، واتخذ منه ما لا مثل له، وتلف، كالتمر إذا اتخذ منه الخل بالماء، والحنطة إذا جعلها دقيقا، وقلنا: لا يجوز بيع بعضه ببعض.. فقد قال الشيخ أبو إسحاق: لزمه مثل التمر، والحنطة؛ لأنه أقرب إلى المغصوب.
قلت: وينبغي أن يلزمه أكثر الأمرين من مثل الأصل، أو قيمة الخل أو الدقيق؛ لأن كل واحد منهما عين ماله.
وإن غصب منه ما لا مثل له، واتخذ منه ما له مثل، مثل أن يغصب منه رطبا، ويجعله تمراً، فيتلف.. قال الشيخ أبو إسحاق: لزمه مثل التمر؛ لأنه أقرب من قيمة المغصوب.
قلت: وينبغي أن ينظر إلى قيمة الرطب: فإن كانت قيمته أكثر من قيمة التمر.. لزمه أن يدفع مع التمر ما نقص من قيمة الرطب؛ لأنه نقص في يده.
وإن غصب منه ما له مثل، واتخذ منه ما له مثل وتلف، بأن يغصب منه سمسماً، ويتخذ منه شيرجا فتلف.. فهو بالخيار: بين أن يطالبه بأي المثلين شاء؛ لأن كل واحد منهما عين ماله، فإن كانت قيمتهما سواء.. فلا كلام، وإن كانت قيمة الشيرج أكثر، واختار المالك الشيرج.. فلا شيء للغاصب لزيادة قيمته بعمله؛ لأنه تعدى به، وإن كانت قيمة الشيرج أقل، فإن اختار المالك المطالبة بمثل السمسم.. فلا شيء له لنقصان قيمته؛ لأنه قد وصل إلى جميع حقه، وإن اختار المطالبة بمثل الشيرج.. فينبغي أن يكون له المطالبة بما نقصت قيمة الشيرج عن قيمة السمسم؛ لأنه نقص بفعله.

فرع: أتلف مغصوبا له مثل

وإن غصب منه ما له مثل، وأتلفه، ولم يوجد المثل، فإن قال المغصوب منه: أنا أصبر إلى أن يوجد المثل.. كان له ذلك؛ لأن الحق له، وإن قال: لا أصبر.. كان له أن يطالب بالقيمة؛ لأنه إذا لم يجود المثل.. صار كما لو لم يكن له مثل، ومتى تعتبر قيمته؟ فيه أربعة أوجه: أحدها ـ وهو قول أبي إسحاق المروزي ـ: أنها تجب أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف؛ لأنه لما أتلفه، ولم يوجد له مثل.. صار كالذي لا مثل له.
والثاني ـ وهو قول القاضي أبي الطيب ـ: أن قيمته تعتبر حين حكم الحاكم بها؛ لأن الواجب في الذمة هو المثل، بدليل: أنه لو صبر إلى وجود المثل.. لم يجبر على أخذ القيمة، فإذا تعذر المثل.. اعتبرت قيمته وقت الحكم بها.
والثالث ـ وهو قول أبي علي الطبري ـ: أنها تجب أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التقويم؛ لأن الواجب في الذمة هو المثل، فلما تعذر.. اعتبرت قيمته أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التقويم، كما تعتبر قيمة ما لا مثل له أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف.
والرابع ـ وهو قول ابن القاص ـ: أن قيمته تعتبر يوم حكم الحاكم بها، إلا أن يكون المثل مما ينقطع، مثل عصير العنب، فتعتبر قيمته يوم الانقطاع؛ لأن بالانقطاع سقط المثل، ووجبت قيمته، والذي لا ينقطع ـ وإنما يتعذر في موضع دون موضع ـ لا يسقط فيه المثل، فاعتبرت قيمته يوم المحاكمة.
وإن وجد المثل بأكثر من قيمته.. فهل يلزمه شراؤه؟ فيه وجهان، خرجهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: لا يلزمه شراؤه؛ لأن وجود الشيء بأكثر من قيمته بمنزلة المعدوم، كما قلنا في الرقبة في الكفارة.

والثاني: يلزمه، كما لو لم يقدر على رد العين المغصوبة إلا بأكثر من قيمتها.. فإنه يلزمه تخليصها.
وإذا دفع الغاصب قيمة المثل، ثم وجد المثل بعد ذلك.. فهل له أن يسترد القيمة، ويدفع المثل؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في (الإبانة) ق\ 306]: أحدهما: ليس له؛ لأن ذمته قد برئت منه بدفع القيمة.
والثاني: له ذلك، كما لو ذهبت العين المغصوبة، فدفع قيمتها، ثم قدر على ردها.

مسألة: خروج المغصوب من يد الغاصب

]: وإن غصب من رجل عينا، فخرجت من يده، وتعذر عليه ردها، بأن كان عبداً، فأبق، أو بهيمة، فضلت.. فللمغصوب منه مطالبة الغاصب بقيمتها؛ لأنه حال بينه وبين ماله، فصار كما لو تلفت بيده.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا إجماع، فإذا قبض المغصوب منه القيمة.. ملكها؛ لأنها بدل عين ماله، ومن شرط البدل أن يقوم مقام المبدل، فلما كان المبدل ملكا له.. فكذلك البدل.
هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وحكى سهل: أن القفال قال: لا يملك المغصوب منه القيمة، بل ينتفع بها وهي على ملك الغاصب؛ لأن ملكه لا يزول عن العين المغصوبة، فلا يجمع له ملك البدل والمبدل، والأول هو المشهور.
إذا ثبت هذا: فإن الغاصب لا يملك العين المغصوبة بدفعه لقيمتها، بل إذا رجعت العين المغصوبة.. وجب عليه ردها، واسترجع ما دفع من القيمة.
وقال أبو حنيفة: (إذا دفع الغاصب القيمة.. ملك العين المغصوبة، وزال ملك المغصوب عنها، ثم ينظر فيه: فإن اتفقا على قدر قيمتها، أو قامت بينة بقدر قيمتها.. استقر ملك الغاصب عليها.
وإن اختلفا في قدر قيمتها.. فالقول قول الغاصب مع يمينه في قدرها، فإذا حلف، ودفع القيمة بيمينه، ثم ظهرت العين المغصوبة، فإن كانت قيمتها مثل ما غرم أو أقل.. استقر ملكه عليها، وإن كانت أكثر.. كان المغصوب منه بالخيار: بين أن يقر حكم المعاوضة ويمسك القيمة، وبين أن يفسخ ويسترجع العين المغصوبة، ويرد ما أخذ من القيمة).
دليلنا: أنه غرم ما تعذر عليه رده بخروجه من يده، فوجب أن لا يملك به العين المغصوبة، كما لو غصب منه مدبرا، أو أم ولده، فأبقا.
فقولنا: (بخروجه من يده) احتراز ممن غصب زيتا، فخلطه بزيت له، فغرم له زيته.. فإنه يملك ما بقي في يديه من زيته؛ لأنه لا يمكن تمييزه منه بحال، وممن أعتق شقصا له من عبد وهو موسر؛ لأن نصيب الشريك كالمستهلك، ولأن العين المغصوبة في هذه الحالة لا يصح للمالك بيعها من الغاصب، ولا من غيره، فلم يملكها الغاصب بدفعه لقيمتها، كما لو أتلف لغيره عينا، فدفع قيمتها.. فإنه لا يملكها، ولأن المغصوب منه أخذ البدل لأجل تعذر رد العين، لا لأجل المعاوضة، إذ لو كانت معاوضة.. لثبت فيها خيار المجلس، والثلاث، والشفعة، ولكان إذا لم يرجع المغصوب إلى الغاصب.. أن يرجع الغاصب على المغصوب منه بما دفع إليه، كما لو باع المغصوب منه العين المغصوبة ممن يقدر على انتزاعها من الغاصب.
إذا ثبت هذا: فإن العين إذا رجعت.. أخذها المغصوب منه بزيادتها المتصلة والمنفصلة كما لو كانت باقية في يد الغاصب.
وإن كان لمثلها أجرة.. فله أن يطالبه بأجرتها من حين غصبها إلى أن يأخذ قيمتها، بلا خلاف على المذهب، وهل له مطالبته بأجرتها من حين قبض قيمتها إلى أن قبض العين؟ فيه وجهان:

أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه أخذ القيمة بدلا عن انتفاعه بالعين، فلم يستحق لأجل منفعتها أجرة.
والثاني: له ذلك، وهو الصحيح؛ لأن الأجرة إنما لزمته؛ لأنه حال بينه وبين ملكه بغير حق، وهذا المعنى موجود بعد أخذ القيمة.
ويسترجع الغاصب القيمة التي دفعها إن كانت باقية، وإن كان للقيمة زيادة منفصلة، بأن دفع عن القيمة حيوانا، فنتج في يد المغصوب منه، أو شجرة، فأثمرت.. رجع الغاصب إلى الأصل دون النتاج والثمرة؛ لأنها زيادة متميزة حدثت في ملك المغصوب منه، فملكها، كما نقول في الرد بالعيب، وإن كانت الزيادة متصلة، بأن سمن الحيوان، أو طالت الشجرة.. رجع فيها مع زيادتها، كما قلنا في الرد بالعيب، وإن ظهر على المغصوب منه دين يستغرق ماله.. كان الغاصب أحق بما دفع من القيمة دون الغرماء؛ لأنها عين ماله، وإن تلف ما دفع الغاصب من القيمة في يد المغصوب منه.. رجع الغاصب إلى مثله إن كان له مثل، وإلى قيمته إن لم يكن له مثل.

مسألة: تغيير صفة المغصوب

]. وإن غصب شيئاً، فغيره عن صفته، بأن كان حنطة، فطحنها، أو دقيقاً، فخبزه، أو شاة فذبحها.. فإن ملك المغصوب منه لا يزول عنه، ويلزم الغاصب أن يرده ناقصا وما نقص من قيمته.
ومن أصحابنا من قال: للمغصوب منه أن يترك الدقيق للغاصب، ويطالبه بمثل الحنطة؛ لأنها أقرب إلى حقه من الدقيق.
والأول أصح؛ لأن عين ماله باقية، فلا يملك المطالبة بغيرها، كالشاة إذا ذبحها.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا تغير اسم المغصوب، ومنفعته المقصودة بفعل الغاصب.. ملكه الغاصب، وضمن قيمته للمغصوب منه، وذلك كالحنطة إذا طحنها؛ لأن اسمها

قد زال؛ لأنها لا تصلح للزراعة، ولا للهريس، وهكذا: إذا كان دقيقاً، فخبزه، أو كان المغصوب شاة، فذبحها وشواها، أو نقرة، فطبعها دراهم.. فإنه يملك ذلك كله، إلا أنه يكره له التصرف فيه قبل دفع القيمة إلى مالكه).
وحكى ابن جرير، عن أبي حنيفة: أنه قال: (إذا دخل لص دار رجل، ولصاحب الدار فيه حنطة ورحى، فأخذ اللص من الطعام، وطحنه في الرحى.. فإنه يملك الدقيق، فإن جاء صاحب الطعام، وأراد أخذه منه.. كان له منعه ودفعه، فإذا لم يمتنع صاحب الدار عن اللص إلا بالقتل، فقتله اللص.. فلا شيء عليه).
واحتج بما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زار قوما من الأنصار في دارهم، فقدموا إليه شاة مشوية، فتناول منها لقمة، فجعل يلوكها ولا يسوغها، فقال: (إن هذه الشاة لتخبرني: أنها أخذت بغير حق).
قالوا: نعم يا رسول الله، طلبنا في السوق، فلم نجد، فأخذنا شاة لبعض جيراننا، ونحن نرضيهم عن ثمنها، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (أطعموها الأسرى».
وهذا يدل على: أن حق أصحابها قد انقطع عنها، إذ لم يأمرهم بردها إليهم.
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «على اليد ما أخذت حتى تؤديه».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه».
ولأنه مغصوب، غيره الغاصب بفعل تعدى به، فلم يملكه به، كما لو غصب شاة، وذبحها، ولم يشوها.
وأما الخبر: فتأويله: أن الأسرى كانوا مضطرين، فأمرهم بدفعها إليهم؛ لأن أصحابها كانوا غير موجودين، ويخاف فسادها قبل وصولها إليهم.

فرع: تأثر المغصوب بالبلل

]. وإن غصب حنطة، فبلها بالماء، أو تركها في موضع ندي، فعفنت.. نظرت: فإن كان قد استقر نقصانها، بأن جففها، وعلم أنها لا تنقص بعد ذلك.. لزمه ردها وأرش ما نقصت عنده؛ لأنها نقصت بفعله.
وإن لم يستقر نقصانها، بأن يزداد كل يوم فالمنصوص في (الأم): (أن للمغصوب منه مثل مكيلتها).
وقال الربيع: فيه قول آخر: (أنه يأخذها، وما نقص من قيمتها).
واختلف أصحابنا فيها على طريقين: فـ ـ[الأول]: قال أبو العباس ابن سريج: يلزم الغاصب مثل مكيلتها من مثلها، قولا واحداً؛ لأن النقص غير مستقر؛ لأنه يتزايد كل يوم.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: يلزم الغاصب مثل مكيلتها من مثلها؛ لما ذكرناه.
والثاني: يرد الطعام المبلول وما نقص من قيمته في الحال، وفيما بعد؛ لأنه وجد عين ماله، فرجع إليه، كالشاة إذا ذبحت.
فأما إذا عفن الطعام في يد الغاصب لطول المكث.. فقال الشيخ أبو حامد: هو كالطعام الذي بله على ما مضى.
وقال القاضي أبو الطيب: يجب على الغاصب رد الطعام الذي غصبه وإن كان عفنا وأرش ما نقص، قولاً واحداً، وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن العفن ليس من فعله، فلا يضمن ما تولد منه، بخلاف البلل، فإن قيل: فالعفن مضمون عليه لوجوده في

يده، كالبلل الذي حصل بفعله، فكان ما تولد منهما سواء في الضمان، ألا ترى أنه لو ابتل بماء المطر، أو بله غيره.. كان كما لو بله بنفسه؟ فالجواب على هذا: أن يقال: النقص الذي حصل بالبلل إذا زاد وكثر.. فإنما حصل متولدا منه، فأما العفن: فإنما يزيد ببقائه، أو بمكثه في يده، كما أن الأول حصل بذلك، لا أن بعضه يولد بعضا، فافترقا.

فرع: خلط الدراهم المغصوبة

وإن غصب من رجل ألف درهم، ومن آخر ألفا أخرى، وخلطهما، ولم يتميزا.. صارا شريكين في ذلك.
وقال أبو حنيفة: (يملكها الغاصب، ويجب عليه لكل واحد منهما مثل دراهمه).
وبناه على أصله في تغيير المغصوب.
دليلنا: أن هذا فعل تغير به المغصوب على وجه التعدي، فلا يملكه، كما لو ذبح الشاة.

[مسألة: نقص المغصوب شيئاً له بدل]

وإن غصب عبدا، فخصاه، وبرئ، فزادت قيمته بذلك، أو لم تنقص قيمته.. لزمه رد العبد ورد قيمته؛ لأن الأنثيين مضمونتان من الحر بالدية، ومن العبد بالقيمة.
وإن غصب جارية سمينة سمنا مفرطا، فخف سمنها في يده، ولم تنقص قيمتها بذلك، أو زادت قيمتها بذلك.. لزمه رد الجارية، ولا يلزمه معها شيء؛ لأن السمن مضمون بما نقص من قيمتها، ولم ينقص منها شيء، بخلاف التي قبلها؛ لأن للأنثيين بدلا مقدرا.

فرع: تغيير صفة المغصوب

إذا غصب من رجل صاعا من زيت أو دهن غيره، فأغلاه على النار، فإن لم ينقص شيء من مكيلته، ولا من قيمته بالإغلاء.. رده، ولا شيء عليه؛ لأنه لم يتلف شيئاً من ماله.
وإن نقص من مكيلته وقيمته، بأن كانت قيمة الصاع قبل الإغلاء أربعة دراهم، فعاد بعد الإغلاء إلى نصف صاع قيمته درهم.. لزمه نصف صاع من مثله؛ لأنه أتلف عليه عينه، ولزمه درهم أرش نقص الباقي؛ لأنه نقص بفعله.
وإن نقصت قيمته دون مكيلته، بأن تغير طعمه، أو ريحه بالإغلاء وهو صاع، إلا أنه صار يساوي درهمين.. لزمه رده ورد درهمين؛ لأن قيمته نقصت بفعله.
وإن نقصت مكيلته دون قيمته، بأن عاد بعد الإغلاء إلى نصف صاع، وقيمته أربعة دراهم كما كانت قبل الإغلاء.. لزمه أن يرد نصف الصاع الذي قد بقي، ونصف صاع من مثله قبل الإغلاء؛ لأنه تلف بفعله.
وحكى المسعودي [في (الإبانة) ق\ 305] وجها آخر: أن النقص ينجبر بزيادة قيمة الباقي.
والأول أصح؛ لأنه زاد بعمل الغاصب، وذلك أثر لا عين له فيه.
وإن غصب صاعا من عصير يساوي أربعة دراهم، فأغلاه بالنار، فإن لم تنقص قيمته، ولا مكيلته.. رده ولا شيء عليه، كما قلنا في الزيت.
وإن نقصت قيمته دون مكيلته، بأن صار يساوي درهمين.. لزمه رده ورد درهمين؛ لأنه نقص بفعله.
وإن عاد إلى نصف صاع، وقيمته أربعة دراهم كقيمته قبل الإغلاء، فإن قلنا: بالوجه الذي حكاه المسعودي في الزيت: أنه يرد ما بقي، ولا شيء عليه.. فهاهنا يرد مثله، وإن قلنا بالأصح بالزيت.. فهاهنا وجهان: أحدهما ـ وهو قول أبي علي الطبري ـ: أنه يلزمه رد ما بقي، ويلزمه نصف صاع عصير، كما قلنا في الزيت.

والثاني ـ وهو قول أبي العباس، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في (التعليق) غيره ـ: أنه يرد ما بقي من العصير، ولا شيء عليه.
والفرق بينهما: أن الزيت لا يخالطه شيء، فإذا نقصت مكيلته.. فقد نقص جزء من عين ماله، وله قيمة، فلزمه رد مثله، وليس كذلك العصير، فإنه لا ينقص بالإغلاء شيء من أجزائه، وإنما يذهب الماء الذي فيه، وذلك لا قيمة له، وأما أجزاؤه: فهي باقية، وإنما انعقدت، ولهذا تزيد حلاوته، فلم يلزمه شيء.

فرع: اغتصب أنواع طعام فطبخها

]: وإن غصب من رجل عسلا، وسمناً، ودقيقاً، فعمله خبيصاً، فإن لم تزد قيمة الجميع، ولم تنقص.. أخذه المغصوب منه، ولا شيء للغاصب؛ لأنه لم يتلف شيئا من ماله، وإن زادت قيمة ذلك.. أخذه المغصوب منه، ولا شيء للغاصب؛ لأنه زاد بأثر لا عين له فيه، فيشارك بها، وإن نقصت قيمته.. أخذه المغصوب منه وما نقص من قيمته؛ لأنه نقص بفعل الغاصب.

فرع: اغتصب فضة فسكها

وإن غصب من رجل نقرة، وضربها دراهم، فإن لم تنقص قيمتها بذلك، ولا وزنها.. ردها، ولا شيء عليه؛ لأنه لم يتلف شيء من ماله.
وإن نقص وزنها، ولم تنقص قيمتها.. لزمه رد ما بقي، ورد قيمة ما نقص، ولا شيء للغاصب بزيادة الباقي؛ لأنه زاد بأثر لا عين له فيه.
وإن نقص من قيمتها ووزنها.. لزمه قيمة ما نقص وزنه، وأرش ما نقص من الباقي؛ لأنه نقص بفعله.

وإن نقص من قيمتها، ولم ينقص وزنها.. لزمه ردها وما نقص من قيمتها؛ لأنه نقص بفعله.
إذا ثبت هذا: فإن أراد الغاصب سبك هذه الدراهم، وإعادتها نقرة كما كانت، وامتنع المغصوب منه من ذلك.. قال ابن الصباغ: فإن كان للغاصب غرض في ذلك بأن كانت أنقص من عيار السلطان، أو سكتها مخالفة لسكة السلطان.. كان للغاصب إعادتها؛ لأن له غرضاً، وهو خوف غضب السلطان؛ لأن الضرب إليه، وإن لم يكن له غرض في ذلك.. لم يكن له المطالبة بذلك.

[مسألة: غصب ثوباً فشقه]

]: وإن غصب من رجل ثوبا، فشقه نصفين، فإن كان من الثياب التي لا تنقص قيمتها بالشق.. رد النصفين، ولا شيء عليه؛ لأن ما فعله لم يحصل به نقص، وإن كان من الثياب التي تنقص قيمتها بالشق.. رد النصفين وأرش ما نقص بالشق؛ لأنهما نقصا بفعله.
فإن تلف أحد النصفين بيده، ونقصت قيمة النصف الباقي، بأن كان الثوب يساوي قبل الشق منه درهم، فصار النصف الباقي يساوي أربعين درهما.. لزمه قيمة التالف، وهو خمسون درهما، وما نقص من قيمة الباقي، وهو عشرة؛ لأنه نقص بجنايته عليه، فإن صارت قيمة هذا النصف الباقي ستين بعد أن كانت أربعين، ثم تلف.. قال الشيخ أبو حامد: لزمه قيمة النصف الأول، وهو خمسون، وأرش ما نقص من قيمة النصف الثاني، وهو عشرة، وقيمته أكثر ما كانت من حين الغصب إلى أن تلف، وهو ستون؛ لأن العشرة الأولى نقصت بجنايته عليه، ثم حدثت زيادة في قيمته، فكانت مضمونة عليه.

فرع: تلف أحد الخفين بيد الغاصب

وإن كان لرجل زوج خف يساوي عشرة دراهم، وكل واحد منهما يساوي منفردا درهمين، فغصب رجل أحدهما، فأتلفه، أو تلف في يده.. فكم يضمن؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يلزمه إلا درهمان؛ لأنه لم يحصل في يد الغاصب إلا ما قيمته درهمان، فلا يلزمه أكثر منه.
والثاني ـ حكاه القاضي أبو الطيب ـ: لا يلزمه إلا خمسة دراهم؛ لأن الغصب إنما وجد منه في الذي أخذه، وكانت قيمته حين الغصب خمسة دراهم، فنقصت قيمته ثلاثة بإفراده عن صاحبه، وتلف وقيمته درهمان، فلزمه ذلك، فأما الذي لم يغصبه: فلا صنع له فيه.
والثالث ـ وهو قول أبي العباس، وعامة أصحابنا، وهو الصحيح ـ: أنه يلزمه ثمانية دراهم؛ لأن النقص دخل عليهما بتفريقه بينهما، فلزمه ضمان الجميع، كما لو قطع كم قميص لرجل.. فإنه يلزمه ما نقص من قيمة القميص بذلك، وما قال الأولان من أن الغصب لم يوجد إلا بأحد الخفين.. يبطل بمن قطع أصبع رجل، فشلت إلى جنبها أخرى، فإنه يلزمه ضمانهما وإن لم يوجد منه الفعل إلا بإحداهما، وبرجلين بينهما عبد نصفين، فأعتق أحدهما نصيبه منه، وهو موسر، وقيمة نصيب الشريك الذي لم يعتق قبل إعتاق شريكه مائة، وبعد إعتاقه تسعون... فإنه يلزم المعتق مائة.
فإن قيل: أليس العبد لو كان إذا بيع جملة يساوي ثلاثمائة درهم، وإذا بيع كل نصف منه منفردا يساوي مائة، فأعتق أحدهما نصيبه، وهو موسر.. لزمه مائة، ولا يلزمه مائة وخمسون، فيكون النقصان الحادث بإفراد أحد النصفين عن الآخر غير مضمون عليه، فهلا كان في الخف مثله؟

قال القاضي أبو الطيب: فالفرق بينهما: أن مالك نصف العبد لا يملكه إلا ناقص القيمة؛ لأنه لا يملك بيع نصيب شريكه، وليس كذلك الخفان، فإن صاحبهما يملك بيعهما، واستيفاء جميع العشرة من ثمنهما، وإنما النقصان حصل بفعل الغاصب، فإن كانا بحالهما، ودخل سارق إلى حرز مالك الخفين، فسرق أحدهما.. ففي قدر الضمان ما ذكرناه، ولا يختلف أصحابنا: أنه لا يجب عليه القطع؛ لأن ما ضمنه مما زاد على درهمين.. إنما ضمنه في ذمته؛ لأجل التفريق بينهما، وما ضمنه في ذمته.. لا يجب به القطع عليه، كما لو دخل حرز الرجل، وأتلف عليه مالا.

مسألة: استعمال مغصوب له أجرة

وإن غصب ثوباً، فلبسه مدة لمثلها أجرة، فنقصت أجزاؤه باللبس.. لزمه رد الثوب، وما الذي يرد معه؟ فيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: يلزمه أكثر الأمرين من أرش ما نقص من قيمته، أو قدر الأجرة؛ لأن الأجرة تجب لأجل المنفعة، والنقص حصل بالانتفاع، فلم يجب الأمران، كما لو استأجر ثوباً، ولبسه، ونقصت أجزاؤه باللبس.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: يجب عليه أرش ما نقص، والأجرة؛ لأن الأرش وجب لحصول النقصان، بدليل: أنه لو نقص بغير استعمال.. لوجب عليه الأرش، والأجرة وجبت لأجل الاستعمال، بدليل: أن الأجرة تجب إذا قام في يده مدة لمثلها أجرة وإن لم يستعمله، وقد وجد الأمران، فلزمه ضمانهما.

فرع: رتفاع ثمن المتاع المغصوب ثم نقصه

فرع: [ارتفاع ثمن المتاع المغصوب ثم نقصه]: وإن غصب قميصاً قيمته عشرة دراهم، فلبسه وأبلاه حتى صارت قيمته خمسة دراهم، ثم زاد السعر، فصار باللبس يساوي عشرة.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال ابن الحداد: يقوم، وليس بلبيس في هذا الوقت، ثم يقوم لبيساً، فيلزمه ما بين القيمتين.

فعلى هذا: يلزمه أن يدفع مع القميص عشرة؛ لأنه لو كان غير لبيس في هذه الحالة.. لكانت قيمته عشرين، وقيمته الآن عشرة، فلزمه عشرة.
والثاني ـ وهو قول أكثر أصحابنا، قال القاضي أبو الطيب: وهو الصحيح ـ: أنه يلزمه أن يرد مع القميص خمسة لا غير؛ لأن ذلك هو القدر الذي تلف باللبس، وزيادة السعر بعد تلف الأجزاء لا اعتبار بها، كما لو غصب قميصاً قيمته عشرة، فتلف، ثم زاد السعر، فصار القميص يساوي عشرين.. فإنه لا يلزمه إلا عشرة، فكذلك هذا مثله.
وإن غصب قميصا يساوي عشرة، فزاد السعر، فصار يساوي عشرين، فلبسه وأبلاه حتى صار يساوي عشرة.. لزمه رده، ويرد معه عشرة؛ لأن زيادة السعر مضمونة مع التلف.
وإن غصبه، وهو يساوي عشرة، فلبسه وأبلاه حتى صار يساوي خمسة، ثم نقص السعر، فصار جديده يساوي خمسة، ولبيسه يساوي درهمين ونصفا.. لزمه رد ما بقي من القميص، ولزمه أن يرد معه خمسة، وهي قيمة ما تلف في يده، ولا اعتبار بالنقصان الذي حدث بعد تلف الأجزاء.

مسألة: غصب سمينة فهزلت

]: إذا غصب جارية سمينة، ثم هزلت في يده.. ردها، وأرش ما نقص بالهزال في يده بلا خلاف، وقد مضى.
فأما إذا غصب جارية مهزولة، فسمنت في يده، ثم هزلت، أو تعلمت في يده قرآنا، أو علما، أو شعرا، أو صنعة، فزادت قيمتها بذلك، فسمنت، فنقصت قيمتها بذلك.. ردها، ولزمه أرش ما نقصت، وبه قال أحمد.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يجب عليه أرش ما نقصت، إلا أن يطالبه بردها في حال زيادتها، فلا يردها).

دليلنا: أنها زيادة في العين المغصوبة، فضمنها الغاصب، كما لو طالب بردها، فلم يردها، ولأن استدامة الغصب كابتدائه، والغاصب في كل حال مأمور برد العين المغصوبة، فإذا لم يردها.. كان بمنزلة المبتدئ للغصب.
فعلى هذا: إذا غصبها وهي تساوي مائة، فسمنت في يده، وبلغت قيمتها ألفا، ثم هزلت، وعادت قيمتها إلى مائة.. لزمه ردها، ويرد معها تسعمائة؛ لأجل نقص السمن، فإن كانت بحالها، فسمنت، فبلغت قيمتها ألفا، وتعلمت صنعة، فبلغت قيمتها ألفين، ثم هزلت، ونسيت الصنعة، فعادت قيمتها إلى مائة.. فإنه يردها، ويرد معها ألفا وتسعمائة، فإن بلغت بالسمن ألفاً، فهزلت، وعادت قيمتها إلى مائة، ثم تعلمت صنعة، فبلغت ألفا، ثم نسيتها، فعادت إلى مائة.. ردها، وألفا وثمانمائة؛ لأنها نقصت بالهزال تسعمائة، وبنسيان الصنعة تسعمائة.
وإن غصبها وهي تساوي مائة، فزاد السعر، فصارت تساوي ألفا، ثم نقص السعر، فصارت تساوي مائة، ثم سمنت، فصارت تساوي ألفا، ثم هزلت، فصارت تساوي مائة.. لزمه ردها وتسعمائة، وهو قيمة السمن، لا زيادة السوق، فلو ماتت الجارية في هذه الحالة.. لزمه ألف وتسعمائة؛ لأنه أكثر ما كانت قيمتها من حين الغصب إلى حين التلف مع غرم السمن.
وإن غصبها وقيمتها مائة، فزاد السعر، فصارت تساوي ألفا، ثم نقص السعر، فصارت تساوي مائة، ثم ماتت الجارية.. لزمه قيمتها ألف، وهو أكثر ما كانت قيمتها من حين الغصب إلى حين التلف، وإن زادت ونقصت مراراً، ولا تجاوز الزيادة ألفا، ثم ماتت.. لم يلزمه أكثر من ألف؛ لأن ذلك أكثر ما كانت قيمتها.

فرع: غصب هزيلة فسمنت

وإن غصبها وقيمتها مائة، فسمنت في يده حتى بلغت قيمتها ألفا، ثم هزلت، فعادت قيمتها إلى مائة، ثم سمنت، فعادت قيمتها إلى ألف.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو قول أبي علي بن أبي هريرة ـ: أنه يردها، ولا شيء عليه؛ لأنه زال

ما أوجب الضمان، فهو كما لو جنى على عين، فابيضت، ثم زال البياض.
والثاني ـ وهو قول أبي سعيد الإصطخري، وهو الصحيح ـ: أنه يردها، ويرد معها تسعمائة؛ لأن السمن الثاني غير الأول، فلا يسقط به عنه ما وجب عليه بنقصانها بذهاب الأول، كما لو غصبها وهي مهزولة تساوي مائة، فسمنت حتى بلغت ألفا، ثم هزلت حتى عادت إلى مائة، ثم تعلمت صنعة، فعادت قيمتها ألفا.. فإنه لا يسقط عنه ما نقصت بالهزال.
وإن غصبها وقيمتها مائة، فسمنت في يده وبلغت قيمتها ألفا، ثم هزلت، وعادت قيمتها إلى مائة، ثم سمنت، فعادت إلى ألف، ثم هزلت، فعادت إلى مائة.. فعلى الوجه الأول: يردها، ويرد معها تسعمائة لا غير، وعلى الوجه الثاني: يردها، ويرد معها ألفا وثمانمائة.
قال القاضي أبو الطيب: وهذان الوجهان مأخوذان من القولين فيمن قلع سن من قد ثغر، ثم عادت، ففي أحد القولين لا يلزمه الأرش، وفي الثاني يلزمه.
وإن غصب جارية قيمتها مائة، فتعلمت في يده سورة من القرآن، أو شعراً، أو صنعة، فبلغت قيمتها ألفاً، ثم نسيت ذلك، فعادت قيمتها إلى مائة، ثم تعلمت ما كانت نسيته، فعادت قيمتها ألفا.. فقد قال الشيخ أبو حامد: هي كالسمن، فتكون على الوجهين.
وقال ابن القاص، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ: يسقط عنه الضمان، وجها واحداً؛ لأن القول في السمن الثاني: أنه غير الأول، له وجه، وأما القرآن المحفوظ ثانياً، أو الشعر، أو الصنعة.. فهو الأول؛ لأنها تعود إلى العلم الذي كانت تعلمه أولا.

فرع: ضمان الحامل المغتصبة

وإن غصب جارية حاملاً.. ضمنها، وضمن ولدها، وكذلك إن غصبها حائلا، فحملت في يده، ثم تلف الولد في يده.. ضمنه، وبه قال أحمد.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يضمن الولد).
دليلنا: أن كل سبب يضمن به الولد إذا كان منفصلا.. جاز أن يضمن به إذا كان متصلا، كالإحرام، ولأن الولد نماء ليس له، حصل في يده من أصل مضمون متعد به، فلزمه ضمانه، كولد الصيد في يد المحرم.
إذا ثبت هذا: فإن ألقت الأم الولد حياً، ثم مات.. لزمه قيمته أكثر ما كانت من حين الوضع إلى أن مات، وإن ألقته ميتاً.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو ظاهر النص ـ: أنه يجب عليه قيمته يوم الوضع لو كان حياً؛ لأنه ضمنه باليد قبل ظهوره، فضمنه بتلفه، كأمه.
والثاني ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: أنه لا يجب عليه ضمانه؛ لأنه إنما يقوم عليه عند الحيلولة بينه وبين مالكه، وهو حال الوضع، ولا قيمة له في تلك الحال، فلم يجب عليه الضمان.

فرع: يضمن نقص المغتصب

]: وإن غصب جارية ناهدة الثديين، فسقط ثدياها في يده، فنقصت قيمتها بذلك، أو غصب غلاما أمرد، فنبتت لحيته، أو كانت لحيته سوداء، فابيضت، فنقصت قيمته بذلك.. ضمن أرش النقص؛ لأنه نقص بسبب كان بيده، فلزمه ضمانه.

مسألة: ضمان غاصب العبد

]: وإن غصب من رجل عبداً، فجنى حر على هذا العبد.. نظرت: فإن قتله.. وجبت قيمته للمغصوب منه، وله أن يرجع بها على الغاصب، أو على الجاني، غير أنه إن رجع على الجاني.. رجع عليه بقيمته يوم جنى عليه، وإن رجع بها على الغاصب.. رجع عليه بقيمته أكثر ما كانت من يوم غصبه إلى أن قتل، فإن رجع على الجاني.. لم يرجع الجاني على الغاصب، وإن رجع على الغاصب.. رجع الغاصب على الجاني بقيمته يوم الجناية؛ لأن التلف حصل بفعله، فاستقر الضمان عليه.
وإن قطع الجاني يده.. وجب على الغاصب أكثر الأمرين من نصف قيمته، أو ما نقص بالقطع؛ لأن الجناية عليه، وهو في ضمانه كجنايته عليه، فاجتمع عليه ضمان اليد، والجناية، وأما الجاني: فلا يجب إليه إلا نصف قيمته يوم الجناية؛ لأنه لم يوجد منه غير الجناية من غير غصب، وللمالك أن يرجع على أيهما شاء، فإن اختار الرجوع على الجاني، وكانت نصف قيمته أكثر مما نقص بالجناية.. رجع عليه بنصف قيمته، ولا يرجع الجاني ولا المالك على الغاصب بشيء، وإن كان نصف القيمة أقل مما نقص بالجناية.. رجع المالك على الغاصب بما زاد على نصف قيمته، وإن اختار المالك الرجوع على الغاصب.. رجع الغاصب على الجاني بقدر نصف قيمة العبد؛ لأنه أتلفه، فاستقر الضمان عليه.

فرع: جناية عبد على عبد

مغصوبمغصوب]: وإن جنى على العبد المغصوب عبد لآخر.. نظرت: فإن قتله عمداً.. فالمالك بالخيار: بين أن يقتص من العبد القاتل، وبين أن يعفو.
فإن اقتص منه.. فقد استوفى حقه، ولا يرجع على الغاصب بشيء.
وإن عفا على مال، أو كانت الجناية خطأ.. فله أن يطالب الغاصب؛ لأنه ضمنه

باليد، وله أن يطالب بحقه من رقبة العبد القاتل، غير أنه إن طالب الغاصب.. فله أن يطالبه بقيمة عبده أكثر ما كانت من حين غصبه إلى أن قتل، وإن طالب بحقه من رقبة القاتل.. فبأن يطالب سيده بأقل الأمرين من قيمة المقتول، أو قيمة القاتل، على الصحيح من القولين؛ لأنه لا يستحق عليه أكثر من ذلك.
فإن طالب الغاصب بقيمة عبده، فإن كانت قيمة القاتل أكثر من قيمة المقتول، أو مثلها.. فللغاصب أن يطالب بذلك من قيمة القاتل، وإن كانت قيمة المقتول أكثر.. لم يطالب الغاصب سيد القاتل إلا بقدر قيمة القاتل، على الصحيح من القولين.
وإن اختار مالك العبد مطالبة سيد القاتل، فإن كانت قيمة المقتول أقل من قيمة القاتل، وأخذ المالك قيمة عبده.. فقد استوفى حقه، ولا يرجع المغصوب منه ولا سيد القاتل على الغاصب بشيء، وإن كانت قيمة المقتول أكثر من قيمة القاتل.. لم يرجع عليه المغصوب منه إلا بقدر قيمة القاتل، على الصحيح من القولين، ثم يستوفي المغصوب منه تمام قيمة عبده من الغاصب؛ لأنه ضمنه باليد.

مسألة: ضمان جناية العبد المغصوب

]: وإن غصب عبدا، فجنى العبد وهو في يد الغاصب على حر، أو عبد.. نظرت: فإن قتله عمداً.. فولي المجني عليه بالخيار: بين أن يقتص، وبين أن يعفو على مال، فإن قتله.. كان للمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بقيمة عبده أكثر ما كانت من حين الغصب إلى أن قتل؛ لأنه تلف بسبب كان في يده، فلزمه ضمانه، وإن عفا عنه على مال.. تعلق ذلك برقبته، وكان على الغاصب أن يفديه بأقل الأمرين من أرش الجناية، أو قيمة العبد القاتل؛ لأن تعلق الأرش برقبته نقصان حدث في العبد بيده، فضمنه؛ لأنه ضامن للعبد ولنقصانه.

وإن جنى على ما دون النفس، بأن قطع يد غيره، فإن كانت عمداً، واختار المجني عليه القصاص، فاقتص منه.. وجب على الغاصب ضمان اليد.
قال الشيخ أبو إسحاق: وفي قدر ما يضمنه وجهان: أحدهما: أرش الجناية.
والثاني: ما نقص من قيمته بذلك.
وقال ابن الصباغ: يجب عليه ما نقص من قيمته بذلك، ولا يجب عليه الأرش، وجهاً واحداً؛ لأن اليد ذهبت بسبب غير مضمون، فأشبه إذا سقطت بأكلة.
وإن عفا عنه على مال، أو كانت الجناية خطأ.. كان على الغاصب أقل الأمرين من قيمة العبد المغصوب، أو أرش الجناية.

فرع: جناية عبد مغصوب أو مودع بقدر قيمته

فإن جنى العبد المغصوب في يد الغاصب على رجل جناية أرشها قدر قيمته، أو أكثر منها، ثم مات العبد في يد الغاصب.. فللمغصوب منه أن يرجع على الغاصب بقيمه عبده، فإذا أخذها.. فللمجني عليه أن يطالب السيد بأرش جنايته؛ لأنها كانت متعلقة برقبة العبد، والقيمة بدل عن الرقبة، فإذا أخذ ولي الجناية الأرش من السيد.. قال ابن الحداد: فللسيد أن يرجع بذلك على الغاصب؛ لأن الأرش الذي أخذه المجني عليه من السيد استحقه بسبب كان في يد الغاصب، فكان من ضمانه.
ولو كان العبد وديعة عند رجل، فجنى على آخر جناية تستغرق قيمته، ثم إن المودع قتل العبد.. فللسيد أن يرجع على المودع بقيمة عبده، فإذا أخذها.. فللمجني عليه أن يطالب السيد بأرش جنايته؛ لأن القيمة بدل الرقبة، فإذا أخذ المجني عليه الأرش من السيد.. لم يكن للسيد أن يرجع بذلك على المودع؛ لأن العبد جنى، وهو غير مضمون عليه، بخلاف الأولى.

وإن جنى العبد وهو يد سيده على رجل جناية تستغرق قيمته، ثم غصبه غاصب، فجنى على آخر جناية تستغرق قيمته، فاسترد العبد من الغاصب، وطلب المجني عليهما الفداء، فسلم العبد للبيع، وبيع.. فإن ثمنه يقسم بين المجني عليهما نصفين؛ لتساوي حقيهما، وللسيد أن يرجع على الغاصب بالنصف الذي أخذه المجني عليه في يد الغاصب؛ لأنه انتزع من السيد بسبب كان في يد الغاصب، فلزمه ضمانه، فإذا أخذه السيد من الغاصب.. قال ابن الحداد: فللمجني عليه الأول أن يأخذه من السيد دون المجني عليه الثاني.
قال القاضي أبو الطيب: ووجهه: أن حق المجني عليه الأول تعلق بجميع الرقبة، وحق المجني عليه ثانياً لم يتعلق إلا بالنصف.
قال ابن الصباغ: وما ذكره القاضي لا معنى له؛ لأن حق الثاني تعلق أيضاً بجميع الرقبة، ألا ترى أن الأول لو أبرأه.. لاستحق الثاني جميع القيمة؟ قال: وإنما وجه ذلك عندي: أن الذي يأخذه السيد من الغاصب إنما هو عوض عما أخذه منه المجني عليه الثاني، فلا يتعلق به حقه، ويتعلق به حق الأول؛ لأنه بدل عن قيمة الجاني لا يزاحم فيه.
وإذا أخذه الأول من السيد.. لم يكن للسيد أن يرجع به على الغاصب؛ لأن استحقاقه بجناية كانت في يده لا في يد الغاصب، وهكذا: لو مات العبد في يد الغاصب.. وجبت عليه قيمته، وتقسم القيمة بين المجني عليهما، ويرجع المغصوب منه على الغاصب بنصف القيمة التي أخذها منه المجني عليه الثاني، ويكون ذلك للمجني عليه الأول دون الثاني، ولا يرجع السيد بذلك على الغاصب؛ لما ذكرناه.
ولو جنى العبد المغصوب في يد الغاصب على رجل، ثم قتل هذا العبد عبداً آخر عمداً.. فلسيد العبد المغصوب أن يقتص من العبد الذي قتل عبده، وليس للمجني عليه أن يمنعه من ذلك، كما قلنا في العبد المرهون إذا قتل، فإن عفا على مال، أو كانت الجناية خطأ.. تعلق حق المجني عليه بقيمة العبد؛ لأنها قائمة مقامه، فإذا أخذ

المجني عليه أرشه من القيمة.. كان لسيد المغصوب أن يرجع بذلك على الغاصب؛ لما ذكرناه، وإن أراد السيد أن يعفو على غير مال، فإن قلنا: إن موجب قتل العمد القود لا غير.. كان له ذلك، وإن قلنا: إن موجبه أحد الأمرين من القود أو المال.. سقط القصاص، ولم يسقط المال؛ لأن حق المجني عليه تعلق به.

فرع: قتل العبد المغصوب الغاصب

]: وإن غصب رجل عبداً، فوثب العبد على الغاصب، فقتله، ثم هرب إلى سيده، فإن كانت الجناية عمداً.. قال الصيمري: فإن عفا ورثة الغاصب عن القصاص والدية.. سقط الضمان عن الغاصب في المال، وإن قتلوه.. فعليهم قيمة العبد وكأنهم لم يسلموه، وكذلك لو طالبوا بالدية من رقبته.
وإن قتل العبد المغصوب سيده وهو في يد الغاصب.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال الشيخ أبو حامد: للورثة أن يقتصوا منه، فإذا قتلوه.. استحقوا قيمته على الغاصب.. وبه قال أبو حنيفة؛ لأن جناية العبد المغصوب على الغاصب.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: تكون الجناية هدراً؛ لأن ملك السيد ثابت عليه حال الجناية، فكانت جنايته عليه هدراً، كما قبل الغصب.

[مسألة: غصب مالاً واتجر بذمته]

وإن غصب من رجل دراهم أو دنانير، فاتجر في ذمته، ونقد الدراهم والدنانير، وربح.. ففيه قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (يكون الربح للمغصوب منه؛ لأنه نماء ماله، فهو كثمرة الشجرة، ولأنا لو جعلنا ذلك ملكا للغاصب.. لأدى ذلك إلى ارتفاق الغاصب بمال المغصوب منه بغير إذنه، فجعل ذلك ملكا للمغصوب منه بغير إذنه؛ لينحسم الباب).
و [الثاني]: قال في الجديد: (هو ملك للغاصب؛ لأن ذلك ليس بمتولد من مال المغصوب منه، وإنما هو نماء ملك الغاصب، فهو كما لو غصب من رجل أرضا، وزرع فيها زرعاً).

[مسألة: غصب عبداً فاصطاد]

وإن غصب من رجل عبدا، فاصطاد العبد صيدا في يد الغاصب.. كان الصيد ملكاً للمغصوب منه؛ لأن يد العبد كيد مولاه.
قال الصيمري: ولا يضمن الغاصب الصيد إلا أن يحول بين العبد وبين الصيد، وهل يجب على الغاصب أجرة العبد في المدة التي اصطاد فيها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه أجرته؛ لأنه حال بين سيده وبين منافعه.
والثاني: لا يجب عليه؛ لأن المنافع في هذه المدة صارت للمولى.
وإن أكره الغاصب العبد على الاصطياد، فاصطاد.. فهل يكون الصيد ملكا لمولى العبد؟ فيه وجهان حكاهما الصيمري.

فرع: غصب آلة الصيد يوجب أجرتها

]: وإن غصب من رجل شبكته، أو شركه، أو سفينة، أو قوساً، فاصطاد بها.. فالصيد للغاصب؛ لأنه لا صنع للآلة، ويجب على الغاصب أجرة الآلة؛ لأنه حال بين مالكها وبينها.

وإن غصب منه جارحة معلمة، فأرسلها على صيد، فأخذته.. ففيه وجهان: أحدهما: أن الصيد للغاصب؛ لأنه هو المرسل للجارحة، فكان الصيد له، كما قلنا في الشبكة.
فعلى هذا: يجب عليه أجرة الجارحة إن كان يجوز استئجارها، كالفهد.
والثاني: أن الصيد للمغصوب منه؛ لأن للجارحة فعلا في أخذ الصيد، فكان الصيد لمالكها، كالعبد، بخلاف الشبكة، فإنه لا فعل لها في أخذ الصيد.
فعلى هذا: هل يجب للمغصوب منه أجرة الجارحة مدة اصطيادها؟ على الوجهين في العبد.

[مسألة: غصب أرضا أو بذراً، فالنتاج للمغصوب منه]

]: إذا غصب من رجل بذراً، فبذره في أرضه، أو بأرض المغصوب منه.. فجميع ما خرج منه ملك للمغصوب منه.
وحكى المسعودي [في (الإبانة) ق\ 313] وجهاً آخر: أنه للغاصب، وعليه مثل البذر.
والأول أصح؛ لأن هذا عين مال المغصوب منه، فهو كالعبد الصغير إذا كبر، وهكذا الوجهان إذا غصب بيضاً، فصار فراخاً.. فالصحيح: أنه للمغصوب منه؛ لما ذكرناه، فإن نقص الزرع عن البذر، أو قيمة الفراخ عن قيمة البيض.. فعلى الغاصب ضمان النقص؛ لأنه نقص حدث في يده، فضمنه.

[فرع: غصب عصيراً فانقلب حمراً]

ً]: وإن غصب من رجل عصيراً، فصار في يده خمراً.. لزمه ضمان العصير بمثله؛ لأنه تلف بيده بانقلابه خمراً، فإن انقلب الخمر بيده خلا.. لزمه رد الخل على المغصوب منه.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه رده، بل قد ملكه بالانقلاب بيده).
دليلنا: أن الخل عين مال المغصوب منه، وإنما تغيرت صفته، فهو كالودي إذا صار نخلا.
إذا ثبت هذا: فهل يلزمه مع رد الخل ضمان العصير؟ فيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: يلزمه أن يرد مع الخل مثل العصير؛ لأنه قد لزمه ذلك بانقلابه خمراً، وإنما رجع الملك فيه إلى المغصوب منه بمعنى آخر، فلا يسقط عن الغاصب ما وجب عليه بانقلابه خمراً، كما قلنا في الجارية إذا سمنت في يد الغاصب، ثم هزلت، ثم سمنت.
و [الثاني]: منهم من قال: لا يجب عليه مثل العصير، وهو الصحيح؛ لأنه عين ماله وإنما تغيرت أوصافه.
فعلى هذا: إن كانت قيمة الخل مثل قيمة العصير، أو أكثر.. فلا شيء عليه، وإن كانت قيمة الخل أقل من قيمة العصير.. لزم الغاصب ما بين القيمتين؛ لأن ذلك نقص بفعل حصل في يده.

مسألة: يضمن الغاصب النقص ولا شيء له في الزيادة

]. وإن غصب من رجل ثوبا، فقصره، أو قطنا، فغزله، أو غزلا، فنسجه، أو ذهبا، فصاغه حليا.. لزمه رد ذلك على حالته؛ لأنه عين مال المغصوب منه، فإن نقصت قيمته بذلك.. لزم الغاصب ضمان ما نقص؛ لأنها نقصت بفعله، وإن زادت

قيمتها بفعله.. فلا شيء للغاصب بفعله؛ لأنها زادت بأثر لا عين له فيها.
وأن غصب منه خشبة، فشقها ألواحاً.. لزمه رد الألواح؛ لأنها عين مال المغصوب منه، فإن نقصت عن قيمة الخشبة.. لزمه ضمان النقصان، وإن زادت.. فلا شيء له؛ لما ذكرناه، وإن سمر الألواح أبواباً، فإن لم يدخل الغاصب فيها شيئا من ماله، بأن سمرها ببعضها.. فإنه يردها مسمرة وأرش نقصها إن نقصت، ولا شيء له إن زادت، وإن سمرها الغاصب بمسامير من ماله.. فإن اختار قلع مساميره.. كان له ذلك؛ لأنها عين ماله، ولكن يضمن ما نقص من قيمتها بعد قلع المسامير؛ لأن المغصوب منه قد ملكها حال كونها أبوابا، فإذا أزالها عن ذلك.. لزمه الضمان، كما لو غصب غزلا، فنسجه تكة، ثم نقضها.
فعلى هذا: إن كانت قيمة الأبواب وهي مسمرة مائة.. قيل: فكم قيمة الأبواب منها؟ وكم قيمة المسامير؟ فإن قيل: قيمة الأبواب تسعون، وقيمة المسامير عشرة.. نظرت: فإن نقصت الأبواب بعد تفصيلها عن التسعين.. ضمن ما نقصت عنها.
فإن بذل الغاصب المسامير للمغصوب منه... فهل يجبر على قبولها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجبر؛ لأنها عين مال الغاصب، فلا يجبر المغصوب على قبول هبته، كسائر أمواله.
والثاني: يجبر على قبولها، وهو المنصوص؛ لأنها متصلة بماله، فلزمه قبولها، كقصارة الثوب.

فرع: يطالب الغاصب بإزالة التزاويق

وإن غصب من رجل داراً، فزوقها الغاصب بزاووق من عنده، أو جصصها بجص من عنده، فإن طالب مالك الدار الغاصب بقلع ذلك.. لزم الغاصب قلعه؛ لأن الغاصب شغل ملك المغصوب بملكه، فلزمه إزالته، فإذا قلعه.. نظرت:

فإن كانت قيمة الدار قبل التزويق كقيمتها بعد قلع التزاويق.. لم يلزم الغاصب شيء؛ لأنها لم تنقص بالقلع.. وإن كانت قيمة الدار نقصت بالحك، فصارت قيمتها بعد الحك أقل من قيمتها قبل التزويق.. لزم الغاصب ما بين القيمتين؛ لأنه نقص بفعله.
وإن طلب الغاصب قلع تزاويقه.. فقد قال البغداديون من أصحابنا: له قلعه، سواء كان لتزاويقه قيمة بعد القلع أو لم يكن؛ لأنه عين ماله، فكان له أخذه.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ق\313]: إن كان له عين.. فله قلعه، وإن لم يكن له عين.. فليس له قلعة، فإذا قلعه.. نظرت: فإن نقصت قيمة الدار بعد القلع عن قيمتها قبل التزاويق.. لزم الغاصب ما بينهما؛ لأنه نقص بفعله.
وإن وهب الغاصب الزاووق والجص لمالك الدار.. فهل يجبر على قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: يجبر على قبوله؛ لأن ذلك غير متميز عن ماله، فهو كقصارة الثوب.
والثاني: لا يجبر؛ لأنها أعيان ماله، فلا يجبر على قبولها، كالقماش في الدار.

فرع: يضمن الغاصب والمستعير

قيمة المغصوب عند الكسرقيمة المغصوب عند الكسر]: وإن غصب من رجل جوهرة زجاج تساوي درهماً، فاتخذ منها قدحاً يساوي عشرة دراهم، فانكسر القدح، فرده إلى مالكه مكسوراً، وقيمته درهم.. لزمه مع رده تسعة دراهم، وإن أعاره قدحاً يساوي عشرة، ثم انكسر مرة ثانية، فرجعت قيمته إلى درهم، ثم صنعه قدحاً يساوي عشرة.. فقال صاحب (التلخيص): يرد القدح، ويرد معه ثمانية عشر درهماً.

قال الطبري: إن كانت الصنعة الثانية غير الصنعة الأولى.. فلا يختلف أصحابنا في أنه يرده وثمانية عشر درهماً؛ لأن الضمان استقر عليه بالكسر الأول، فإذا أعاره.. فهو مال آخر للمغصوب منه في يده، فلا ينجبر به ذلك النقص، وإن أعاد مثل ذلك القدح في القدر والصنعة، ورده صحيحاً.. فهل يغرم معه شيئاً؟ فيه وجهان، كما قلنا في السمن في الجارية.

مسألة: اختلاط زيت بمثله أو بأجود منه

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن كان زيتاً، فخلطه بمثله، أو خير منه، فإن شاء.. أعطاه من هذا مكيلته، وإن شاء.. أعطاه مثل زيته).
وجملة ذلك: أنه إذا غصب منه زيتاً، أو غيره من ذوات الأمثال، فخلطه بجنسه من ماله.. نظرت: فإن خلطه بأجود منه، بأن غصب منه صاعاً من زيت يساوي درهمين، فخلطه بصاع له من زيت يساوي أربعة دراهم، فإن بذل الغاصب للمغصوب منه صاعاً منه.. أجبر المغصوب منه على قبوله؛ لأنه دفع إليه بعض ما غصبه منه وشيئاً من جنسه، وهو خير مما غصب منه، فأجبر على قبوله، وإن طلب المغصوب منه صاعاً منه، وامتنع الغاصب.. فقد نص الشافعي هاهنا: (أن الخيار إلى الغاصب)، ونص في (التفليس): (إذا اشترى منه صاعاً من زيت، وخلطه بأجود منه من جنسه.. على قولين: أحدهما: أنهما يكونان شريكين، وهذا خلاف نصه في (الغصب).
والثاني: أنه يضرب مع الغرماء بالثمن.
فجعله على هذا كالمستهلك، كما قال في (الغصب).
واختلف أصحابنا فيها: فمنهم من نقل جواب القولين إلى الغصب، وقال: في الغصب أيضاً قولان: أحدهما: أنه يصير كالمستهلك؛ لأنه تعذر عليه الوصول إلى ماله.

فعلى هذا: يعطيه الغاصب مثل زيته من غير هذا المختلط.
والثاني: يصيران شريكين في هذا المختلط؛ لأن عين ماله اختلط بجنسه، فصارا شريكين، كما لو اشتريا صاعين بينهما.
فعلى هذا: يباع الزيتان، ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما، فيكون للغاصب ثلثا الثمن، وللمغصوب منه الثلث، فإن طلب المغصوب منه أن يأخذ من هذا الزيت المختلط ثلثي صاع، وهو ما قيمته منه قيمة صاعه.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه يأخذ بعض صاع عن صاع، وذلك رباً.
والثاني: يجوز؛ لأنه يأخذ بعض حقه، ويترك البعض باختياره، وليس ذلك برباً؛ لأن الربا في المعاوضات، وليس ذلك بمعاوضة.
ومنهم من قال: يصير في الغصب كالمستهلك، قولاً واحداً، وفرقوا بينه وبين التفليس؛ لأن في التفليس لا يمكن الغريم الرجوع إلى كمال حقه إذا ضارب مع الغرماء، فجعل شريكاً، وهاهنا يمكنه أن يرجع في بدله، وهو كمال حقه.
وإن خلطه بمثله، بأن غصب منه صاعاً من زيت يساوي درهمين، فخلطه بصاع له من زيت يساوي درهمين، فإن بذل الغاصب صاعاً منه.. أجبر المغصوب منه على قبوله؛ لأن بعضه عين ماله، وبعضه مال الغاصب، وهو مثله، فأجبر على قبوله، وإن طلب المغصوب منه صاعاً منه، وامتنع الغاصب من ذلك، بل أراد أن يعطيه صاعاً من غيره.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو العباس، وأبو إسحاق: يجبر الغاصب على أن يدفع إليه صاعاً منه؛ لأن فيه بعض عين ماله، فلا يلزمه الانتقال إلى بدله، كما لو غصب منه صاعاً، وتلف بعضه.
ومنهم من قال: لا يجبر الغاصب على دفع صاع منه، وهو المنصوص هاهنا في (الأم) [3/226]؛ لأن عين مال المغصوب منه غير متميز من مال الغاصب، فصار كالمستهلك.
وإن خلطه بأردأ منه، بأن غصب منه صاعاً يساوي أربعة دراهم، فخلطه بصاع

جارٍ التحميل