كتاب العدد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ويخالف الفسخ بالعنة والإعسار؛ لأن هناك سبب الفرقة متحقق، وهاهنا سبب الفرقة غير متحقق.
إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في موضع القولين:
فمنهم من قال: القولان إذا تعذرت النفقة عليها من جهته، فأما إذا لم تتعذر النفقة عليها من جهته، فإن كان له مال حاضر.. فلا يثبت لها الفسخ، قولا واحدا.
ومنهم من قال: القولان في الجميع، وهو المشهور؛ لأن عليها ضررا بفقد الاستمتاع من جهته.
إذا ثبت هذا: فإذا قلنا بقوله القديم.. فإنها تتربص أربع سنين من حين انقطع خبره، ثم تعتد عدة الوفاة؛ لما رويناه عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهل يفتقر ابتداء مدة التربص إلى الحاكم؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق المروزي، واختيار صاحب " المهذب " -: أنها تفتقر إلى ذلك؛ لأنها مدة مجتهد فيها، فافتقرت إلى حكم الحاكم، كمدة العنين.
والثاني: لا تفتقر إلى حكم الحاكم، قال الشيخ أبو حامد: وهو المنصوص في القديم؛ لأنها مدة تعلم بها براءة رحمها، فلم تفتقر إلى الحاكم، كما قلنا في المعتدة إذا انقطع دمها لغير عارض.
وهل يفتقر إلى حكم الحاكم بالفرقة بعد أربع سنين؟ فيه وجهان، حكاهما في " المهذب ".
أحدهما: لا يفتقر إلى حكم الحاكم بالفرقة؛ لأن الحكم بتقدير المدة حكم بالموت بعد انقضائها.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، وابن الصباغ غيره -: أنه يفتقر
إلى حكم الحاكم بالفرقة؛ لأنها فرقة مجتهد فيها، فافتقرت إلى الحاكم، كفرقة العنين.
وإذا انفسخ النكاح بمضي مدة التربص، أو بفسخ الحاكم.. فهل ينفسخ ظاهرا وباطنا، أو ينفسخ في الظاهر دون الباطن؟ قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان، وأكثر أصحابنا حكوهما قولين:
أحدهما: ينفسخ ظاهرا وباطنا؛ لأن هذا فسخ مختلف فيه، فوقع ظاهرا وباطنا، كفسخ النكاح بالعنة، والإعسار بالنفقة.
والثاني: ينفسخ في الظاهر دون الباطن؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جعل للزوج الأول لما رجع أن يأخذ زوجته.
فرع طلاق وظهار وإيلاء المفقود في مدة التربص
إذا طلق المفقود امرأته، أو ظاهر منها، أو آلى منها، فإن كان في مدة التربص، أو بعدها، وقبل حكم الحاكم بالفرقة، وقلنا: لا تقع الفرقة إلا بحكم الحاكم.. وقع طلاقه وظهاره وإيلاؤه، وإن كان بعد مدة التربص وبعد فسخ النكاح، إما بانقضاء مدة التربص، أو بفسخ الحاكم، فإن قلنا بقوله الجديد.. وقع طلاقه وظهاره وإيلاؤه، وإن قلنا بقوله القديم، فإن قلنا: ينفسخ النكاح ظاهرا وباطنا.. لم يقع طلاقه ولا ظهاره ولا إيلاؤه، وإن قلنا: ينفسخ في الظاهر دون الباطن.. وقع طلاقه وظهاره وإيلاؤه.
فرع حكم قضاء الحاكم بالفرقة ينقض بعد تربصها أربع سنين
]: إذا تربصت امرأة المفقود أربع سنين: فإن قلنا بقوله الجديد.. فهي باقية على النكاح الأول، فإن قضى لها حاكم بالفرقة.. فهل يجوز نقض حكمه على هذا القول؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: لا يجوز نقضه؛ لأنه حكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد.
والثاني: يجوز نقضه، وهو المشهور، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره؛ لأنه حكم مخالف للقياس الجلي؛ لأنه لا يجوز أن يكون حيا في حكم ماله، ميتا في حكم زوجته.
فعلى هذا: إن كانت لم تتزوج، ورجع الأول.. أخذها، واستمتع بها، وإن كانت قد تزوجت بآخر، فإن لم يدخل بها الثاني.. فرق بينها وبينه، ولا عدة عليها عنه، ولا شيء عليه لها، وعادت إلى استمتاع الأول، وإن كان قد دخل بها الثاني.. فرق بينها وبين الثاني، ولزمها أن تعتد عنه؛ لأنه وطء في نكاح فاسد، فلزمها الاعتداد عنه، فإذا انقضت عدتها عنه.. ردت إلى الأول.
وإن قلنا بقوله القديم، ورجع الأول بعد الفسخ.. فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: إن قلنا: بفسخ النكاح في الظاهر دون الباطن.. ردت إلى الأول، سواء تزوجت أو لم تتزوج، وإن قلنا: ينفسخ ظاهرا وباطنا.. لم ترد إلى الأول، سواء تزوجت أو لم تتزوج.
ومن أصحابنا من قال: إذا رجع الأول قبل أن تتزوج بآخر.. ردت إلى الأول على القولين، وإن رجع الأول بعد أن تزوجت بآخر.. فهي للثاني على القولين؛ لأنها إذا تزوجت بآخر.. فقد شرعت في المقصود بالفرقة، فهي كالمتيمم إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة، وإذا لم تتزوج بآخر.. فلم تشرع في المقصود، فهي كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة.
والأول هو المشهور.
فرع تربصت وحكم بالفرقة وتزوجت وبان الزوج ميتا قبل الحكم
]: إذا تربصت امرأة المفقود، وحكم الحاكم بالفرقة، واعتدت، ثم تزوجت بآخر، وبان أن الزوج الأول كان قد مات قبل حكم الحاكم بالفرقة.. فإن قلنا بقوله القديم.. فقد وقعت الفرقة ظاهرا وباطنا، وصح نكاح الثاني ظاهرا وباطنا، وإن قلنا بقوله الجديد.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن نكاح الثاني صحيح؛ لأنه بان أنها خالية من الأزواج، وأنه وقع موقعه، فهو كما لو علمت موته بالبينة قبل أن تنكح.
والثاني: لا يصح النكاح الثاني؛ لأن النكاح الثاني عقد في حال لم يؤذن بالعقد فيه، فكان محكوما بفساده، فلا تتعقبه الصحة.
وأصل هذين الوجهين: القولان فيمن كاتب عبده كتابة فاسدة، ثم أوصى برقبته ولم يعلم بفساد الكتابة.
وكذلك: إذا باع مال مورثه قبل أن يعلم بموته، ثم بان أنه كان ميتا وقت البيع.
فرع لا تجب العدة حتى يتيقن الموت
قال الصيمري: لو ركب رجل في البحر، فبلغ امرأته أن المركب الذي كان فيه زوجها غرق.. لم يجب عليها العدة حتى تعلم موته يقينا.
قال: وإن كان هناك امرأتان، لكل واحدة منهن زوج، وكانتا على يقين أن زوج إحداهما مات، ولا يعلم عينه.. فلا يحكم على واحدة منهما بعدة.
فرع طلق امرأته فسألها بعد عن عدتها
وإذا طلق الرجل امرأته، ثم سألها عن عدتها: هل انقضت، أم لا؟ وجب عليها إخباره، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228].
قال الصيمري: وكذلك لو سألها رسول الزوج، أو من تعلم أنه يخبره.
فإن سألها غير الزوج وغير رسوله، أو من تعلم أنه لا يخبره.. فهل يلزمها إخباره؟ فيه قولان، حكاهما الصيمري.
وبالله التوفيق
باب مقام المعتدة والمكان الذي تعتد فيه
إذا طلق الرجل امرأته.. نظرت:
فإن كان الطلاق رجعيا.. وجب عليه نفقتها وإسكانها حيث يختار؛ لأنها في معاني الزوجات، بدليل: أنه يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ويتوارثان، فكانت في معاني الزوجات في النفقة والسكنى، ولأن النفقة والسكنى يجبان في مقابلة الاستمتاع، والزوج متمكن من الاستمتاع بها متى شاء بعد الرجعة، وإنما حرمت عليه لعارض، فهو كما لو أحرم أو أحرمت.
قال أصحابنا: وهو إجماع أيضا.
وإن كان الطلاق بائنا.. وجب على الزوج لها السكنى، وبه قال ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وهو قول فقهاء المدينة، وعلماء الأمصار.
وذهب ابن عباس، وجابر بن عبد الله إلى: أنه لا يجب عليه لها السكنى.
وبه قال أحمد، وإسحاق؛ لما روي: «أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها وكان غائبا بالشام، فأمرها النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم».
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] إلى قوله: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق:1].
فأمر أن لا يخرجن من بيوتهن، وأراد به بيوت أزواجهن، والأمر على الوجوب.
والدليل على أنه أراد: بيوت أزواجهن: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1].
و (الفاحشة) هاهنا: هي أن تبدو على أحمائها، فلو أراد بيوتهن اللاتي يملكن.. لما أجاز إخراجهن للفاحشة.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] والمراد بها: المطلقة البائن؛ لأنه
شرط في وجوب النفقة لها في الحمل، وذلك إنما يعتبر في البائن، فأما الرجعية: فتجب لها النفقة بكل حال.
وأما حديث فاطمة: فإنما نقلها عن بيت زوجها؛ لأنها بذت على أهل زوجها.
والدليل عليه: ما روي عن ميمون بن مهران: أنه قال: (دخلت المدينة، فسألت عن أفقه من فيها، فقيل لي: سعيد بن المسيب، فأتيته فسألته عن المبتوتة، هل يعد لها السكنى؟ فقال: لها السكنى، فقلت له: فحديث فاطمة بنت قيس؟ فقال: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت في لسانها ذرابة، فاستطالت على أحمائها، فنقلها رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيت زوجها).
وروي: أن عائشة كانت تقول لفاطمة: (اتقي الله، ولا تكتمي السبب) أي: لا تكتمي سبب النقل.
إذا ثبت هذا: فإن المسلمة والذمية فيما ذكرناه سواء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] وهذا يعم المسلمة والذمية.
وأما الأمة إذا طلقها زوجها: فالحكم في سكناها في حال عدتها كالحكم في سكناها في حال الزوجية؛ وذلك: أن السيد إذا زوج أمته.. فهو بالخيار: بين أن يمكن الزوج من الاستمتاع بها ليلا ونهارا، وبين أن يمكنه من الاستمتاع بها ليلا، ويستخدمها نهارا.
فإن مكنه من الاستمتاع بها ليلا ونهارا.. فعلى الزوج نفقتها وسكناها، وإن مكنه من الاستمتاع بها بالليل دون النهار.. لم يجب على الزوج نفقتها ولا سكناها، على المذهب.
فعلى هذا: إذا طلقها الزوج، وأرسلها السيد ليلا ونهارا.. وجب على الزوج إسكانها، وإن أرسلها بالليل دون النهار.. لم يجب على الزوج إسكانها، بل إن اختار الزوج إسكانها بالليل ليحصن ماءه فيه.. وجب على السيد إرسالها فيه، كما قلنا: يجب على السيد إرسالها ليلا في حال الزوجية.
إذا تقرر هذا: فنقل المزني في بعض النسخ: ولأهل الذمية أن ينقلوها من بيتها.
قال أصحابنا: هذا غير صحيح، إنما قال الشافعي: (ولأهل الأمة أن ينقلوها)، وإنما صحفه المزني.
وإن وطئ الرجل امرأة بشبهة، فاعتدت عنه، أو نكحها نكاحا فاسدا ووطئها، ففرق بينهما.. لم تجب عليه لها السكنى؛ لأنه لا حرمة بينهما.
وإن مات عن الصغيرة التي في المهد.. فهل تجب لها السكنى؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإنابة "]:
الأصح: أنه تجب لها، كالبالغة.
والثاني: لا تجب لها، وبه قال أبو حنيفة.
مسألة وجوب سكن المطلقة في بيت الزوجية
وإذا طلقت المرأة وهي في مسكن للزوج، بملك، أو إجارة، أو إعارة، وهو مما يصلح لسكنى مثلها.. وجب سكناها فيه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1].
فإن أراد الزوج نقلها عنه إلى غيره، أو طلبت أن تنتقل عنه، أو اتفقا على ذلك من غير عذر.. لم يجز؛ لأن الله نهى الأزواج عن إخراجهن، ونهاهن عن الخروج من بيوتهن، وأراد به: بيوت سكناهن.
إذا ثبت هذا: فإن سكناها معتبر بحالها.
فإن كانت ذات جهاز وجوار، فلا تسعها الدار الصغيرة.. فعلى الزوج إسكانها في دار تسعها.
وإن كانت فقيرة ولا جهاز لها ولا جوار.. فتكفيها الدار الصغيرة؛ لأن الله سبحانه أمر بالسكنى ولم يبين قدره، فينبغي أن يكون الرجوع فيه إلى العرف والعادة، والعرف والعادة تختلف في ذلك باختلاف حالها، فيرجع في ذلك إليه.
ولا تعتبر سكناها في حال الزوجية؛ لأنه قد يسكنها في حال الزوجية بدون سكنى مثلها، وترضى هي بذلك، فلا يلزمها ذلك في العدة، وقد يسكنها في حال الزوجية بدار أكبر من سكنى مثلها ويتطوع بذلك، ولا يلزمه ذلك في العدة.
فإذا تقرر هذا: فإن كانت الدار التي كانت ساكنة فيها وقت الطلاق سكنى مثلها.
وجب سكناها فيه، وإن كانت دون سكنى مثلها، فإن رضيت به.. فلا كلام، وإن لم ترض به.. فعليه أن يسكنها في سكنى مثلها، فإن أمكنه أن يضم إلى الموضع الذي هي فيه ساكنة حجرة بجنبه، وكان ذلك سكنى مثلها.. فعل ذلك، وإن لم يمكنه ذلك.. نقلها إلى سكنى مثلها بأقرب المواضع إلى الدار التي كانت ساكنة فيها.
وإن كانت الدار فوق سكنى مثلها، وأراد الزوج أن يسكن هو فيما زاد على سكنى مثلها.. نظرت:
فإن كان في الدار حجرة، وبين الدار والحجرة باب يغلق ويفتح، والدار أو
الحجرة سكنى مثلها.. فللزوج أن يسكنها في الدار، ويسكن هو في الحجرة، أو يسكنها في الحجرة ويسكن هو في الدار؛ لأنهما كالدارين المتلاصقتين.
وإن لم يكن في الدار حجرة، ولكن للدار علو وسفل، يصلح كل واحد منهما لسكنى مثلها، وبينهما باب.. فللزوج أن يسكنها في أحدهما، ويسكن هو في الآخر، كالدارين المتلاصقتين.
والأولى: أن يسكنها في العلو؛ لئلا يستطلع عليها.
وإن لم يكن للدار علو وسفل، ولكنها دار كبيرة ذات بيوت، كالخانات التي ينفرد كل بيت منها بطريق وغلق، والمرأة ممن يسكن مثلها في مثل هذه البيوت.. فإنها تسكن في بيت منها، وللزوج أن يسكن في بيت منها؛ لأن هذه الدار كالدور والمحلة التي تجمع الدور.
وإن لم تكن الدار كذلك، ولكنها مسكن واحد، فإن لم يكن فيها إلا بيت واحد.. فليس للزوج أن يسكن معها، بل ينتقل عنها، سواء كان معها محرم أو لم يكن؛ لأنه يحرم عليه الاجتماع معها.
وإن كان في الدار بيتان أو ثلاثة أو أكثر، وليس بينها حاجز وغلق، ويكفيها أن تسكن في بيت منها، وأراد الزوج أن يسكن في بيت من هذه الدار، وتسكن هي في الآخر، فإن لم يكن معها محرم لها.. لم يجز للزوج أن يسكن معها؛ لقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يخلون رجل بامرأة ليست له بمحرم، فإن ثالثهما الشيطان» ولا يؤمن أن يخلو بها في مثل ذلك.
وإن كان معها محرم لها، كالأب، والابن، أو امرأة ثقة معها، ولها موضع تستتر
به عن الزوج.. جاز أن يسكن معها؛ لأنه يؤمن أن يخلو بها، وهل يعتبر أن يكون المحرم لها بالغا؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال القاضي أبو الطيب: يعتبر أن يكون بالغا؛ لأن من دون البالغ ليس بمكلف، فلا يلزمه إنكار الفاحشة.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو حامد: لا يعتبر أن يكون بالغا، بل إذا كان مراهقا عاقلا.. جاز؛ لأن الغرض أن لا يخلو الرجل بالمرأة، وذلك لا يوجد مع كون المراهق العاقل معها.
وإن حجز بين البيتين بحاجز من طين، أو خشب، أو قصب.. جاز أن يسكن معها؛ لأنهما يصيران كالدارين المتجاورتين.
مسألة طلقها وهي في مسكنه وأراد بيعه
]: وإذا طلقها الزوج وهي في مسكن للزوج يملكه، فإن أراد بيعه قبل انقضاء عدتها.. نظرت:
فإن كانت عدتها بوضع الحمل أو بالأقراء.. لم يصح بيعه، قولا واحدا؛ لأنها تستحق السكنى في الدار مدة عدتها، ومدة الوضع والأقراء مجهولة، فيصير كما لو باع دارا، واستثنى منفعتها مدة مجهولة.
وإن كانت عدتها بالشهور.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هل يصح البيع؟ فيه قولان، كبيع الدار المستأجرة قبل انقضاء مدة الإجارة، ولم يذكر المسعودي [في " الإبانة "] غير هذا.
ومنهم من قال: لا يصح البيع، قولا واحدا؛ لأنا لو جوزنا هذا البيع.. لكان في معنى من باع عينا واستثنى منفعتها مدة؛ لأن المنفعة هنا للزوج، بدليل: أن المرأة لو ماتت قبل انقضاء عدتها.. لكانت سكنى الدار ترجع إلى الزوج، وليس كذلك الدار المستأجرة، فإن المنفعة فيها للمستأجر، فلا يكون في معنى من باع دارا واستثنى منفعتها مدة.
فرع طلق ثم أفلس وحجرعليه
فرع: [طلق ثم أفلس وحجر عليه]: وإن طلق الرجل زوجته، ثم أفلس وحجر عليه.. كانت المرأة أحق بسكنى الدار من سائر الغرماء؛ لأن حق الزوجة تعلق بعين الدار بالطلاق، وحقوق الغرماء متعلقة بذمة المفلس، فكان حقها أقوى، فقدمت، كما لو رهن عينا من ماله، ثم أفلس.
فإن باع الحاكم الدار لحق الغرماء قبل انقضاء مدة العدة.. فهو كما لو باعها المالك، على ما مضى في التي قبلها.
وإن أفلس الزوج وحجر عليه، ثم طلق زوجته.. فإنها لا تقدم على الغرماء بالمسكن؛ لأن حقها مساوٍ لحقوقهم؛ لأن سبب حقها الزوجية، وذلك موجود قبل الحجر، فتضارب الغرماء في أجرة سكناها مدة العدة.
فإن كانت عدتها بالشهور.. فإنها تضرب معهم بأجرة دار تصلح لسكنى مثلها ثلاثة أشهر، فإن كانت أجرته - مثلا - في ثلاثة أشهر ثلاثمائة درهم.. ضربت معهم بثلاثمائة، وإن كان ماله مثل ثلث ديونه.. فإن الذي يخصها مائة درهم، فتأخذها وتستأجر بها الدار التي كانت ساكنة فيها وقت الطلاق إن أمكنها استئجارها، وإن لم يمكنها استئجارها.. استأجرت دارا تصلح لسكنى مثلها بأقرب المواضع إليها، فإذا استأجرت بالمائة سكنى مثلها شهرا، وانقضت مدة الإجارة.. فلها أن تسكن باقي مدة العدة في أي موضع شاءت؛ لأن الإسكان من جهة الزوج قد تعذر، ويكون باقي أجرة سكناها - وهو المائتان - دينا لها في ذمة الزوج إلى أن يوسر، كسائر ديون الغرماء.
وإن كانت عدتها بالأقراء أو بوضع الحمل، فإن كانت لها عادة فيما تنقضي به عدتها من الأقراء أو الحمل.. فإنها تضارب الغرماء بأجرة مسكن مثلها في مثل تلك المدة التي جرت عادتها بانقضاء عدتها فيها، فإن كانت أجرة مسكن مثلها في زمان عدتها ثلاثمائة، وكان ماله مثل ثلث ديونه.. فإن الذي يخصها مائة، فتأخذها من ماله، وتستأجر بها الدار التي كانت ساكنة بها إن أمكن، وإن تعذر استئجارها.. استأجرت دارا تصلح لمثلها بأقرب المواضع إليها.
وإن لم تنقض عدتها إلا في وقت عادتها.. فإنها لا ترجع على الغرماء بشيء،
ولا يرجعون بشيء مما خصها، بل إذا انقضت المدة التي استأجرت بها الدار مما خصها من مال الزوج.. انتقلت إلى حيث شاءت، وكان باقي أجرة مسكنها دينا لها في ذمة الزوج إلى أن يوسر.
وإن انقضت عدتها بأقل من عادتها، مثل: أن كانت عادتها أن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر، وأجرة مسكن مثلها فيها بثلاثمائة، وماله ثلث ديونه، فخصها مائة، فأخذتها، ثم انقضت عدتها بشهرين، فإذا تبين أن الذي كانت تضرب به مائتان.. فترد ثلث المائة - وهو: ثلاثة وثلاثون درهما وثلث درهم - ويقسم ذلك بينها وبين الغرماء على قدر ديونهم؛ لأنه كمال ظهر للمفلس.
وإن زادت مدة عدتها على قدر عادتها، بأن لم تنقض عدتها إلا لستة أشهر.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها ترجع على الغرماء، فتأخذ مما في أيديهم على قدر ما لو ضربت معهم بستمائة درهم؛ لأنه بان أن الذي يستحق الضرب به هو ذلك، فرجعت عليهم كما يرجعون عليها إذا انقضت عدتها، وكما لو ظهر للمفلس غريم آخر.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنها لا ترجع على الغرماء بشيء؛ لأن الذي استحق الضرب به - وهو ذلك القدر مع تجويز أن يكون لها - أكثر منه، فلم يجز نقض القسمة بأمر كان موجودا حال القسمة.
والثالث: إن كانت عدتها بالأقراء.. لم تضرب معهم بالزيادة؛ لأن الزيادة لا تعلم إلا بقولها، ولا يجوز أن تستحق بقولها حقا على غيرها، وإن كانت عدتها بالحمل.. ضربت بالزيادة؛ لأن الزيادة تعلم بالبينة، فجاز لها الرجوع بالبينة.
وإن لم تكن لها عادة فيما تنقضي به عدتها.. فإنها تضرب مع الغرماء بأجرة مثل مسكنها في أقل مدة تنقضي بها العدة، فإن كانت عدتها بالأقراء.. ضربت بأجرة مثل مسكنها اثنين وثلاثين يوما ولحظتين، وإن كانت عدتها بالحمل.. ضربت بأجرة مثل مسكنها ستة أشهر؛ لأن ذلك يقين، فإن انقضت عدتها بذلك.. فلا كلام، وإن أسقطت ما تنقضي به العدة لأقل من ستة أشهر.. ردت الفضل على الغرماء، كما قلنا
إذا انقضت عدتها في أقل من عادتها التي ضربت بها مع الغرماء.
ولا يأتي في الأقراء أن تنقضي عدتها بأقل من اثنين وثلاثين يوما ولحظتين.
وإن زادت عدتها في الأقراء أو في الحمل على أقل المدة فيهما.. فهل تستحق الرجوع على الغرماء بالزيادة؟ على الأوجه الثلاثة إذا زادت عدتها على قدر عادتها.
فإن قيل: إذا جوزتم لها أن تضرب مع الغرماء بأجرة مسكنها مدة عادتها أو أقل مدة تنقضي بها العدة.. فهلا قلتم: إنها تستحق السكنى في المنزل الذي يملكه الزوج إذا طلقها فيه بعد أن أفلس، وجوزتم بيعه لحق الغرماء في أحد القولين، كالدار المستأجرة؟
قلنا: لا نقول ذلك؛ لأن عدتها قد تزيد على ذلك، فتكون في معنى من باع دارا واستثنى منفعة مجهولة، فلم يصح.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا كانت عدتها بالحمل.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو الأصح -: أنها تضرب بغالب مدة الحمل.
والثاني: بأجرة أقل مدة الحمل.
وإن كانت بالأقراء ولا عادة لها.. ضربت بأجرة أقل مدة تنقضي بها العدة، وإن كان لها عادة.. فوجهان:
الصحيح: تضرب بأجرة عادتها.
والثاني: بأقل مدة تنقضي بها الأقراء.
فرع طلقها في مسكنها
وإن طلقها وهي في مسكن لها.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو إسحاق: يلزمها أن تعتد فيه؛ لأنه مسكن وجبت فيه العدة، ولها أن تطالبه بأجرة المسكن؛ لأن سكناها عليه.
وقال ابن الصباغ: وإن أقامت فيه بإجارة أو إعارة.. جاز.
وإن طلبت أن يسكنها في غيره.. لزمه: لأنه ليس عليها أن تؤاجره ملكها، ولا تعيره.
مسألة سكنى معتدة الوفاة
]: وأما المتوفى عنها زوجها: فهل تجب لها السكنى في مدة عدتها؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تجب لها السكنى، وبه قال علي، وابن عباس، وعائشة، وهو اختيار المزني؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] [البقرة: 234]. فذكر العدة ولم يذكر السكنى، ولو كانت واجبة.. لذكرها.
ولأنها لا تجب لها النفقة بالإجماع، فلم تجب لها السكنى، كما لو وطئها بشبهة.
والثاني: تجب لها السكنى، وبه قال عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأم سلمة، ومن الفقهاء: مالك، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وهو الصحيح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240] [البقرة: 240]. فذكر الله تعالى في هذه الآية أحكاما، منها: أن المتوفى عنها لا تخرج من منزلها.
وأن العدة حول.
وأن لها النفقة والوصية.
فنسخت العدة فيما زاد على أربعة أشهر وعشر بالآية الأولى، ونسخت النفقة بآية الميراث، وبقيت السكنى على ظاهر الآية، بدليل: ما روي «عن فريعة بنت مالك: أنها قالت: أتيت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقلت: يا رسول الله، إن زوجي خرج في طلب عبيد له هربوا، فلما وجدهم.. قتلوه، ولم يترك لي منزلا، أفأنتقل إلى أهلي؟ فقال لها: " نعم "، ثم دعاها قبل أن تخرج من الحجرة، فقال: " اعتدي في البيت الذي أتاك فيه وفاة زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله أربعة أشهر وعشرا».
ولأنها معتدة عن نكاح صحيح، فوجب لها السكنى، كالمطلقة.
فأما الآية الأولى: فلا حجة فيها؛ لأنه قد ذكر السكنى في الآية المنزلة بعدها.
فإن قيل: فما معنى قولها: (ولم يترك لي منزلا) ؟
قيل: معناه: ولم يترك لي منزلا يملك عينه، أو يملك منفعته بإجارة، وإنما كانت في منزل مستعار.
وإذا رضي المعير بسكناها فيه.. وجب عليها السكنى فيه.
فإن قيل: فلم ينقل أنهم رضوا بسكناها فيه؟
قيل: أمر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها أن تسكن فيه يدل على: أنهم قد رضوا: لأنه لا يجوز أن يأمر بما لا يجوز.
وأما إذن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها بالانتقال عن البيت الذي كانت ساكنة فيه، ثم أمره لها بالاعتداد فيه.. فله تأويلان:
أحدهما: يحتمل أن يكون النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أذن لها بالخروج عنه ساهيا، فذكر، فرجع.
والسهو يجوز على النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما لا يقر عليه.
والثاني: يحتمل أن يكون أفتاها بالفتوى الأولى على ظاهر ذهب إليه، ثم بان له في الباطن خلافه، فرجع إليه، كما روي: أنه «أقطع الأبيض بن حمال ملح مأرب، فقيل له: يا رسول الله، إنه كالماء العد، فقال: " فلا إذن».
فإن قلنا: يجب لها السكنى: فإن مات وهي في مسكن لزوج بملك أو إجارة.. وجب عليها السكنى فيه.
وإن كانت في مسكن مستعار، ورضي المعير بسكناها فيه.. وجب عليها السكنى فيه، وإن لم تكن في مسكن للزوج، وكان للزوج تركة.. استؤجر لها من تركة الزوج مسكن يصلح لسكنى مثلها في أقرب المواضع إلى حيث أسكنها الزوج، ويقدم ذلك على الوصية والميراث.
وإن كان على الميت دين يستغرق تركته.. زاحمتهم بأجرة مسكنها على ما ذكرناه في المطلقة.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإن لم يكن للزوج مسكن.. فعلى السلطان سكناها؛ لما في عدتها من حق الله.
وإن قلنا: لا يجب لها السكنى، فإن تطوع الورثة بإسكانها لتحصين ماء الزوج.. وجب عليها أن تسكن حيث أسكنوها إذا كان يصلح لسكنى مثلها، وإن لم يتطوعوا، ورأى السلطان من المصلحة أن يكتري لها مسكنا من بيت المال، لتحصين ماء الميت.. كان له ذلك؛ لأن ذلك مصلحة، وإذا بذل لها ذلك.. وجب عليها السكنى فيه؛ لأن ذلك يتعلق به حفظ نسب الميت.
وإن لم يتطوع الورثة ولا السلطان بإسكانها.. فلها أن تسكن حيث شاءت.
فرع طلقها بائنا ثم مات في العدة
وإن طلق الرجل امرأته طلاقا بائنا، ثم مات عنها في أثناء العدة.. وجب إسكانها، قولا واحدا؛ لأنها قد استحقت السكنى على الزوج بالطلاق قبل الموت، فلم يسقط ذلك بموته، كالدين.
فإن مات الزوج وهي في دار يملكها الزوج.. كانت أحق بسكناها إلى أن تنقضي عدتها.
فإن أراد الورثة أن يبيعوا هذه الدار قبل انقضاء عدتها.. فهو كما لو أراد الزوج بيعها قبل انقضاء عدتها، وقد مضى ذكره.
وإن أرادوا قسمتها بينهم قسمة يكون فيها نقض بناء وإحداث ما يضيق عليها.. لم يكن لهم ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6].
وإن كانت قسمة لا يحصل بها عليها تضييق، وإنما ميزوا بالقول لكل واحد منهم موضعا من الدار، واقترعوا عليه، أو تراضوا به من غير قرعة.. فهل يصح ما فعلوه؟
إن قلنا: إن القسمة تمييز الحقين.. صح ذلك، ولزم.
وإن قلنا: إن القسمة بيع.. فهو كما لو باعوها، وقد مضى ذكره.
وهكذا: الحكم في المتوفى عنها زوجها إذا قلنا: إنها تستحق السكنى، فمات وهي في دار يملكها الزوج، وأراد ورثته قسمتها بينهم قبل انقضاء عدتها.
مسألة أسكنها دارا ثم أمرها بالانتقال عنها وطلقها فيها
إذا الزوج امرأته في دار، ثم أمرها بالانتقال عنها إلى دار أخرى، فانتقلت وطلقها أو مات عنها.. وجب عليها أن تعتد في الثانية؛ لأنها قد صارت مسكنا لها.
وإن أمرها بالانتقال إلى الثانية، فطلقها أو مات عنها قبل أن تنتقل عن الأولى.. كان عليها أن تعتد في الأولى؛ لأنها مسكنها وقت وجوب العدة، وليس للزوج أن ينقلها إلى الثانية، ولا لها أن تنتقل عنها بأمره الأول.
وإن خرجت من الأولى، فطلقها أو مات عنها وهي بين الأولى والثانية.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنها بالخيار: بين أن ترجع إلى الأولى، فتعتد فيها؛ لأنها لم تحصل في الثانية، وبين أن تمضي إلى الثانية، فتعتد فيها؛ لأنه قد أمرها بالانتقال إليها.
والثاني: لا يجوز لها أن ترجع إلى الأولى، بل يلزمها أن تصير إلى الثانية، وتعتد فيها، وهو الأصح؛ لأنها منهية عن المقام في الأولى، وقد فارقتها مأمورة بالإقامة في الثانية.
إذا ثبت هذا: فإن الاعتبار بانتقالها هو انتقالها ببدنها دون قماشها وخدمها، فمتى انتقلت ببدنها إلى الثانية.. فقد صارت مسكنا لها.
وإن كان متاعها وقماشها في الأولى، فإن نقلت قماشها ومتاعها إلى الثانية، وبقيت في الأولى، فطلقها أو مات عنها.. فمسكنها الأولى.
وقال أبو حنيفة: (الاعتبار ببدنها وقماشها ومتاعها).
دليلنا: أن الاعتبار بالسكنى بالبدن، بدليل: قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: 29] [النور: 29].
فسماها غير مسكونة، وإن كان فيها متاعهم.
إذا ثبت هذا: فإن انتقلت ببدنها إلى الثانية، ثم رجعت إلى الأولى لنقل قماشها أو متاعها، ثم طلقها أو مات عنها وهي في الأولى.. فمسكنها الثانية؛ لأنها قد صارت مسكنا لها لانتقالها إليها ببدنها، وإنما رجعت إلى الأولى لحاجة.
مسألة أذن لها بسفر ثم طلقها
وإن أذن لها في السفر إلى بلد، ثم طلقها أو مات عنها، وهي في مسكنها لم تخرج ببدنها منه.. فعليها أن تعتد فيه، سواء أخرجت قماشها أو لم تخرجه؛ لأن الاعتبار ببدنها.
وإن خرجت من مسكنها، ولم تفارق بنيان البلد، إلا أنها في موضع تجتمع فيه القافلة، ثم يخرجون، ثم طلقها أو مات عنها.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أن عليها أن تعود إلى منزلها، وتعتد فيه؛ لأنها إذا لم تفارق البنيان.. فهي في حكم ما لو لم تفارق منزلها، بدليل: أنه لا يجوز لها الترخص بشيء من رخص المسافر.
والثاني - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أن لها أن تعود إلى منزلها، وتعتد فيه، ولها أن تمضي في سفرها؛ لأن مزايلتها لمنزلها بإذن الزوج يسقط عنها حكم المنزل في الإقامة فيه.
وإن فارقت بنيان البلد، ثم طلقها أو مات عنها قبل أن تصل إلى البلدة الثانية؛ فإن كان قد أمرها بالانتقال إلى البلد الثانية.. ففيه وجهان، كما لو أمرها بالانتقال من إحدى الدارين إلى الأخرى، فطلقها أو مات عنها وهي بينهما:
أحدهما: أنها بالخيار: بين أن ترجع إلى مسكنها في البلد الذي انتقلت عنه، وبين أن تنتقل إلى البلدة الثانية.
والثاني: يلزمها الانتقال إلى البلدة الثانية.
وإن كان السفر إلى البلد الثانية لا للنقلة، ولكن للحاجة، أو لزيارة، أو لنزهة.. فهي بالخيار: بين أن ترجع إلى مسكنها في البلد الذي انتقلت عنه، وبين أن تمضي في سفرها؛ لأنها ربما بلغت موضعا يشق عليها العود منه والانقطاع عن الرفقة، فيجوز لها النفور في السفر.
فإذا رجعت إلى مسكنها، واعتدت فيه.. فلا كلام.
وإن مضت في سفرها، أو طلقها، أو مات عنها بعد أن بلغت مقصدها، فإن كان سفرها للنقلة في البلد الثانية.. فعليها أن تعتد في البلد الثانية.
وإن كان سفرها للنزهة أو للزيارة، ولم يقدر لها مدة.. فلها أن تقيم ثلاثة أيام، ولا تقيم أكثر من ذلك؛ لأنه
إنما أذن لها في السفر دون الإقامة، والإقامة في الثلاث ليست بإقامة، وما زاد عليها فإقامة، بدليل: أن المسافر إذا نوى الإقامة ثلاثا.. لم تنقطع رخص السفر، فإن أقام أربعا.. انقطعت رخص السفر.
وإن كان سفرها لحاجة أو تجارة.. فقال الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ: لها أن تقيم إلى أن تقضي حاجتها.
وقال الشيخ أبو حامد: لا تقيم أكثر من ثلاثة أيام.
وإن أذن لها في السفر لنزهة أو لزيارة، وأذن لها أن تقيم في البلد الثانية أكثر من ثلاثة أيام.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز لها أن تقيم فيه أكثر من ثلاثة أيام؛ لأنه لم يجعل الثانية مسكنا لها، وإنما أذن لها في المقام فيها، وذلك لا يقتضي أكثر من إقامة السفر.
والثاني: يجوز لها أن تقيم فيها المدة التي أذن لها بالإقامة فيها، وهو الأصح؛ لأنه أذن لها فيها، فهو كما لو أمرها بالانتقال إليها.
إذا ثبت هذا: فقضت حاجتها، أو أقامت المدة التي جوزناها لها، فإن كان الطريق مخوفا لا يمكنها أن تعود إلى البلد الأولى، أو لم تجد رفقة تسافر معها.. لم يلزمها العود إلى الأولى، بل تتم عدتها في البلد الثانية، وإذا كان الطريق آمنا، وأمكنها الرجوع إلى الأولى.. نظرت:
فإن علمت أنها متى عادت إلى الأولى.. أمكنها أن تقضي بعض عدتها في البلد الأولى.. لزمها أن تعود إلى البلد الأولى، وتتم عدتها فيها.
وإن كانت تعلم أن عدتها تنقضي قبل أن تبلغ البلد الأولى.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمها العود إليها؛ لأنه لا فائدة فيه.
والثاني: يلزمها العود إليها، وهو الأصح؛ لأنه غير مأذون لها في الإقامة في البلد الثانية، ولأن ذلك أقرب إلى البلد المأذون لها في الإقامة به.
وهذا الحكم فيه إذا أذن لها في السفر.
قال الشيخ أبو حامد: فأما إذا سافر بها، ثم طلقها: فإنه يجب عليها أن تعود إلى بلدها، وتعتد فيه، ولا يجوز لها النفور في السفر؛ لأنه إنما أذن لها في أن تكون معه
ولا تفارقه، فإذا طلقها.. فقد وقعت الفرقة، وانفرادها في السفر غير مأذون لها فيه، فلزمها الرجوع والاعتداد في بلدها.
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي قال: (ولو أذن لها في زيارة أهلها أو لنزهة.. فعليها أن ترجع؛ لأن الزيارة ليست مقاما).
ولا يختلف أصحابنا أنه إذا أذن لها في السفر لنزهة أو زيارة أهلها، فطلقها بعد أن فارقت البنيان.. فهي بالخيار: بين أن تمضي في سفرها، وبين أن تعود، على ما مضى.
واختلف أصحابنا في تأويل كلام الشافعي:
فقال أبو إسحاق: تأويله: إذا أذن لها في السفر لنزهة، أو زيارة إلى البلد، أو إلى مسافة لا تقصر إليها الصلاة من البلد، ثم طلقها.. فعليها أن ترجع إلى البلد؛ لأنها في حكم المقيمة، بدليل: أنها لا تترخص بشيء من رخص السفر، فهو كما لو طلقها قبل أن تفارق البنيان، بخلاف ما لو أذن لها في السفر كذلك إلى بلد تقصر إليها الصلاة؛ لأن عليها مشقة في العود بعد الخروج عن البلد.
وقال الشيخ أبو حامد: هذا التأويل غير صحيح، والتأويل عندي: أنها لا تقيم بعد الثلاث، وأما الثلاث: فلها أن تقيم فيها، وإنما قصد الشافعي بهذا: أن يفرق بين السفر للنزهة وللزيارة، وبين السفر للإقامة، والإقامة مدة.
مسألة أذن لها بالإحرام ثم طلقها
وإذا أذن الرجل لزوجته أن تحرم بالحج أو العمرة، فأحرمت، ثم طلقها وهي محرمة، قال الشيخ أبو حامد: فإن كان الوقت ضيقا، بحيث إذا أقامت حتى تنقضي العدة، فاتها الحج.. لزمها أن تمضي على حجها، وإن كان الوقت واسعا.. فهي بالخيار: إن شاءت.. مضت في الحج، وإن شاءت.. أقامت حتى تنقضي العدة.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: إذا لم تخش فوات الحج إذا قعدت للعدة.. لزمها أن تقعد للعدة، ثم تحج.
وقال أبو حنيفة: (يجب عليها أن تقيم حتى تقضي عدتها وإن خافت فوات الحج).
دليلنا: أنهما عبادتان استويتا في الوجوب، وتضيق وقت إحداهما، فوجب تقديم السابقة منهما.
وإن طلقها، ثم أحرمت بالحج أو العمرة.. فعليها أن تقيم لقضاء العدة؛ لأن وجوبها أسبق، فإذا انقضت عدتها، فإن كانت قد أحرمت بالعمرة.. فإنها لا تفوت، فتتمها بعد انقضاء العدة، وإن كانت قد أحرمت بالحج، فإن كان الوقت واسعا، بحيث يمكنها أن تمضي وتدركه.. مضت عليه، وإن ضاق الوقت، وفات الحج.. تحللت بعمل عمرة، وقضت الحج من قابل.
قال في " الأم ": (ولو كان أذن لها في الخروج إلى الحج، ثم طلقها قبل أن تحرم.. لم يجز لها أن تحرم، فإن أحرمت.. كان عليها أن تقعد للعدة؛ لأنها وجبت قبل حصول الإحرام، فأشبه إذا لم يأذن).
مسألة مسكن البدوية كأهلها
قال الشافعي: (وتتبوأ البدوية حيث يتبوأ أهلها).
وجملة ذلك: أن البدوية إذا طلقت وهي مقيمة في حيها.. فإنها تعتد في بيتها الذي تسكنه؛ لأنه منزل إقامتها، فهو كمنزل الحضرية، فإن انتقل أهل الحي.. ففيه أربع مسائل:
إحداهن: أن ينتقل جميع أهل الحي إلى موضع آخر.. فإنها تنتقل معهم إلى حيث انتقلوا، وتتم عدتها فيه، كما لو كانت مقيمة في قرية، وانتقل أهل القرية إلى قرية أخرى.. فإنها تنتقل معهم.
الثانية: أن ينتقل بعض أهل الحي، وكان أهلها مع المقيمين، وكان فيمن بقي منعة، فإنه لا يجوز لها أن تنتقل عن موضعها؛ لأنه لا ضرر عليها في الإقامة، فهو كما لو انتقل بعض أهل القرية، وفيمن بقي منعة.. فإنه لا يجوز لها أن تنتقل.
الثالثة: أن ينتقل أهلها، ويبقى بعض أهل الحي وفيهم منعة.. فهي بالخيار: إن شاءت.. أقامت مع من بقي؛ لأن فيهم منعة، وإن شاءت.. انتقلت مع أهلها؛ لأن عليها وحشة وضررا لمفارقة أهلها، فجاز لها الانتقال معهم.
الرابعة: أن يهرب أهلها عن الموضع خوفا من سلطان أو عدو، وغيرهم من أهل الحي مقيمون، فإن كانت تخاف ما يخاف أهلها.. فلها أن ترتحل مع أهلها، وإن كانت لا تخاف.. لم يجز لها الانتقال؛ لأن أهلها لم ينتقلوا هاهنا، وإنما هربوا ومساكنهم باقية، ولا تخاف هي ما يخافون، فلم يكن لها عذر في الانتقال، ويفارق إذا انتقل أهلها بغير الخوف؛ لأنهم قد انتقلوا عن الحي، ولم يبق لهم مسكن يرجى عودتهم إليه، فكان لها الانتقال معهم؛ لأنها تستوحش بمفارقتهم.
مسألة طلق ملاح زوجته في السفينة
]: إذا طلق الملاح امرأته وهي معه في السفينة، فإن كان لها مسكن في البر تأوي إليه وقت الإقامة، وإنما تكون في السفينة وقت السفر.. قال الشيخ أبو حامد: فهي مسافرة مع الزوج، فتكون بالخيار: إن شاءت.. رجعت إلى مسكنها في البر، واعتدت فيه، وإن شاءت.. سافرت، فإذا بلغت إلى الموضع الذي قصدته.. أقامت مقام المسافر، ثم رجعت إلى مسكنها في البر، وأكملت عدتها فيه.
وإن لم يكن لها مسكن إلا في السفينة، فإن كان في السفينة بيوت وحواجز يمكنها أن تسكن في بيت منها، بحيث لا يخلو بها أحد، ولا يقع عليها بصر الزوج.. فعليها أن تسكن فيها إلى أن تنقضي عدتها؛ لأنها كالبيوت في الخان، وإن لم يكن فيها بيوت.. نظرت:
فإن كان معها محرم لها، ويمكنه القيام بأمر السفينة.. فعلى الزوج أن يخرج من السفينة حتى تنقضي عدتها في السفينة، كما لو طلقها في دار ليس فيها إلا بيت واحد.
وإن لم يكن معها محرم لها، أو كان معها محرم لها ولكنه لا يمكنه القيام بأمر السفينة.. فعلى الزوج أن يكتري لها موضعا بالقرب من ذلك الموضع تعتد فيه؛ لأن هذا موضع ضرورة.
مسألة يكترى على الزوج لمسكنها
قَالَ الشَّافِعِيُّ: (وَيُكْتَرَى عَلَيْهِ إِذَا غَابَ).
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ فِي غَيْرِ مَسْكَن له، بملك، أو إجارة، أو إعارة.. فعليه أن يكتري لها مسكنا تسكنه، إن كان حاضرا، وتعتد فيه، وإن كان غائبا.. فعلى الحاكم أن يكتري لها مسكنا من مال الزوج تعتد فيه، وإن لم يجد له مالا.. اقترض عليه الحاكم، واكترى لها مسكنا؛ لأن الحاكم يقضي عن الغائب ما لزمه من الحق، وهذا حق لازم عليه.
وإن أذن لها الحاكم أن تقترض عليه، وتكتري به، أو أذن لها أن تكتري بشيء من مالها قرضا عليه.. صح ذلك، وكان ذلك دينا على الزوج ترجع به عليه، إلا أن الحاكم إذا اكترى لها بنفسه.. اكترى لها حيث شاء، وإن اكترت لنفسها بإذن الحاكم.. اكترت حيث شاءت.
وإن اكترت لنفسها مسكنا من غير إذن الحاكم، فإن كانت تقدر على إذن الحاكم.. لم ترجع بذلك على الزوج؛ لأنها تطوعت على الزوج بذلك، وإن لم تقدر على إذن الحاكم.. فهل ترجع؟ فيه وجهان، كالوجهين في الجمال إذا هرب.
فرع تأويل كلام الشافعي في التطوع السكنى
قال الشافعي: (ولا نعلم أحدا بالمدينة فيما مضى اكترى منزلا، وإنما كانوا يتطوعون بإنزال منازلهم).
واختلف أصحابنا في تأويل هذا الكلام:
فمنهم من قال: عطف الشافعي بهذا على التي قبلها، وهو إذا طلقها وهي في غير مسكن له وكان غائبا، فقد ذكرنا: أن الحاكم يكتري لها منزلا تعتد فيه، وهذا إذا لم يجد الحاكم من يتطوع بعارية منزل تعتد فيه، فأما إذا وجد من يتطوع بعارية منزل: لم يكتر لها، كما قلنا في الإمام لا يبذل على الأذان عوضا إذا وجد من يتطوع به.
فعلى هذا: إن بذل لها باذل منزلا تسكنه.. لم يلزمها القبول؛ لأن عليها منة في
ذلك، ولكن يقبل ذلك الزوج أو يقبله الحاكم له إن كان غائبا، إلا إن كانت في منزل مستعار لزوج، فأقرها المعير فيه.. فعليها أن تعتد فيه؛ لأن المنة فيه على الزوج لا عليها.
ومنهم من قال: إنما قال ذلك جوابا على سؤال يتوجه على كلامه، كأنه قال: ويكتري الحاكم عليه، فإن قيل: فإن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكتر لفاطمة بنت قيس منزلا، وإنما أنزلها عند ابن أم مكتوم.. فأجاب عن ذلك بأن أهل المدينة لا يكرون منازلهم.
ومنهم من قال: هذا رد على مالك، وأبي حنيفة، حيث قالا: (لا تكترى دور مكة)، واحتجا: بأن أهل مكة كانوا لا يكرون منازلهم، وإنما يعيرونها، ولو كان الكراء جائزا.. لأكروها، فأراد الشافعي كسر كلامهم، بأن أهل المدينة لا يكرون منازلهم، وإنما يعيرونها.
ومع هذا فقد أجمعنا على جواز إكراء دور المدينة، فكذلك دور مكة.
والأول أصح.
فرع طلقها في غير مسكن له
وإن طلق الرجل امرأته وهي في غير مسكن له، فإن طالبته بأن يكتري لها عقيب الطلاق.. فلها ذلك.
وإن اكترت لنفسها وسكنت بعض مدة العدة، ثم طالبت بالكراء لما مضى.. فقد نص الشافعي على: (أن السكنى تسقط بمضي الزمان).
وقال في المرأة إذا سلمت نفسها إلى الزوج، ولم تطالبه بالنفقة حتى مضت مدة، ثم طالبته: (فلها المطالبة لما مضى وللمستقبل).
واختلف أصحابنا فيهما على طريقين:
فـ[أحدهما]: منهم من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، وجعلهما على قولين.
و [الطريق الثاني]: قال أكثر أصحابنا: بل هما على ظاهرهما، فتكون لها المطالبة بنفقة ما مضى، وليس لها المطالبة بسكنى ما مضى.
والفرق بينهما: أن النفقة في مقابلة الاستمتاع، فإذا سلمت نفسها.. فقد حصل
للزوج التمكين من الاستمتاع، فوجب عليه في مقابلته، والسكنى في العدة تستحقه لحفظ ماء الزوج في بيت الزوج، فإذا سكنت بنفسها، فلم يحصل له حفظ مائه في بيته.. فلم تستحق ما في مقابلته، ولأن النفقة تجب على سبيل المعاوضة، فلم تسقط بمضي الزمان، والسكنى في العدة تجب لحق الله تعالى لا على سبيل المعاوضة، فسقطت بمضي الزمان.
وأما نفقة المطلقة المبتوتة الحامل.. فقد نص الشافعي: (أنها لا تسقط بمضي الزمان).
واختلف أصحابنا فيها:
فقال أكثرهم: لا تسقط، قولا واحدا؛ لأنها إما أن تجب لحملها أو لها، لحرمة الحمل، وليس في مقابلته حق عليها، فجرت مجرى الدين، فلم تسقط بمضي الزمان.
ومنهم من قال: إذا قلنا: إنها تجب للحامل.. كانت كنفقة الزوجة، وإن قلنا: إنها تجب للحمل.. ففيه وجهان:
أحدهما: تسقط بمضي الزمان، كنفقة القرابة.
والثاني: لا تسقط؛ لأن حق الحامل متعلق بها؛ لأنها مصرفها، فلم تجر مجرى نفقة الأقارب.
مسألة إقامة المعتدة في بيت الزوجة
ولا يجوز للمعتدة أن تخرج من مسكنها الذي وجبت عليها فيه العدة من غير عذر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1]، ولحديث «فريعة بنت مالك: أنها قالت: أفأرجع إلى أهلي وأعتد عندهم؟ فقال لها النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اعتدي في البيت الذي أتاك فيه وفاة زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله أربعة أشهر وعشرا».
وإن وجب عليها حق، فإن أمكن استيفاء ذلك منها من غير أن تخرج، مثل: أن كان عليها دين، أو في يدها غصب، أو عارية، أو وديعة تعترف بذلك.. فإن صاحب
الحق يمضي إليها، ويأخذ منها حقه، ولا تكلف الخروج لذلك؛ لأنه لا حاجة بها إلى الخروج.
وإن كان حقا لا يمكن استيفاؤه إلا بإخراجها، كحد القذف، أو القصاص، أو القطع في السرقة، أو اليمين في الدعوى، فإن كانت المرأة (برزة) وهي: التي تخرج في حوائجها، وتلقى الرجال: فإن الحاكم يستدعيها ويستوفي منها الحق، وإن كانت (غير برزة) وهي: التي لا تخرج في حوائجها.. فإن الحاكم يبعث إليها من يستوفي منها الحق في بيتها؛ لما روي: «أن الغامدية لما أتت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واعترفت عنده بالزنا مرارا.. فقال لها: " امضي حتى تضعي، ثم تعودي، فعادت إليه، فأمر برجمها».
وروي: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن ابني كان عسيفا على هذا، وإنه زنى بامرأته، فقال- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " على ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت.. فارجمها ". فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها».
وإنما استدعى النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغامدية، لأنها كانت برزة، ولم يستدع الأخرى لأنها كانت غير برزة.
وإن بذت المرأة على أهل زوجها.. أخرجت عنهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1].
قال ابن عباس: (الفاحشة المبينة: أن تبذو على أهل بيت زوجها).
وقال ابن مسعود: (الفاحشة هاهنا: الزنا).
دليلنا: ما روي عن عائشة، وابن المسيب: «أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نقل فاطمة بنت قيس؛ لأنها استطالت على أحمائها».
وإن بذا عليها أهل زوجها.. نقلوا عنها؛ لأن الضرر جاء من قبلهم.
وإن كان المسكن لها، فسكن معها أهل زوجها، واستطالت عليهم بلسانها.. فليس عليها أن تنتقل عنهم؛ لأن الملك والسكنى لها، لا حق للزوج فيه.
وإن سكنت في مسكن للزوج، بإجارة، أو إعارة، فانقضت مدة الإجارة قبل انقضاء عدتها، وامتنع أهله أن يؤاجروه، أو طلبوا أجرة أكثر من أجرة المثل.. فلا يجب على الزوج أن يستأجره بأكثر من أجرة المثل.
أو امتنع المعير من إعارته ومن إجارته بأجرة المثل.. جاز نقلها منه؛ لأن هذا موضع ضرورة.
وكذلك: إذا انهدم المسكن الذي طلقت فيه، أو خيف انهدامه، أو خافت فيه من اللصوص، أو الحريق، أو غير ذلك.. جاز نقلها منه؛ لأنه إذا جاز نقلها لأجل البذاء على أحمائها.. فلأن يجوز نقلها لهذه الأعذار أولى.
ولا يجوز نقلها من هذه المواضع، إلا إلى مسكن يصلح لسكناها بأقرب المواضع
إليها إذا قدر عليه الزوج، كما قلنا في الزكاة إذا لم توجد الأصناف في البلد.. فإنها تنقل إلى تلك الأصناف بأقرب البلاد إلى الموضع الذي وجبت تفريقها فيه، ولا فرق في ذلك بين المطلقة وبين المتوفى عنها زوجها.
ويجوز إخراجها للضرورة ليلا ونهارا.
وإن أرادت الخروج لحاجة، كشراء القطن وبيع الغزل وغير ذلك مما يقوم غيرها مقامها فيه، فإن أرادت الخروج لذلك ليلا.. لم يجز، سواء كانت متوفى عنها زوجها أو مطلقة مبتوتة؛ لما روي عن مجاهد: أنه قال: «استشهد رجال يوم أحد، فتأيم أزواجهم وكن متجاورات، فأتين النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقلن: يا رسول الله، إنا نستوحش في بيوتنا بالليل فنبيت عند إحدانا، فإذا أصبحنا.. تفرقنا إلى بيوتنا، فقال- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اجتمعن وتحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم.. فلتؤب كل امرأة منكن إلى بيتها».
فإذا ثبت هذا: في المتوفى عنها زوجها.. فالمبتوتة مثلها.
وإذا أرادت الخروج لذلك نهارا، فإن كانت متوفى عنها زوجها.. جاز؛ لحديث مجاهد، وإن كانت في عدة الطلاق، فإن كان الطلاق رجعيا.. فإنها في حكم الزوجات، فإن أذن لها الزوج بالخروج.. جاز لها الخروج، وإن لم يأذن لها.. لم يجز لها الخروج.
وإن كان الطلاق بائنا.. ففيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (لا يجوز لها الخروج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] ).
و [الثاني]: قال في الجديد: (يستحب لها أن لا تخرج لذلك، فإن خرجت له.. جاز).
وهو الأصح؛ لما روي عن «جابر قال: طلقت خالتي ثلاثا، فخرجت تجد نخلا لها، فزجرها بعض الناس، فأتت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأخبرته بذلك، فقال لها النبي: " اخرجي فجدي نخلك، فلعلك أن تصدقي أو تفعلي خيرا».
وجداد النخل إنما يكون بالنهار، ونخيل المدينة حولها.
ولأن عدة المتوفى عنها أغلظ، فإذا جاز لها الخروج لذلك نهارا.. فالبائن بذلك أولى.
وبالله التوفيق
باب الإحداد
(الإحداد): هو ترك الزينة والطيب معا.
يقال: أحدت المرأة تحد إحدادا، وحدت تحد حدادا.
والإحداد صفة للمعتدة، وهو أمر قديم وأقر عليه الإسلام.
والمعتدات ثلاث:
معتدة يجب عليها الإحداد قولا واحدا.
ومعتدة لا يجب عليها الإحداد قولا واحدا.
ومعتدة اختلف فيها قول الشافعي.
فأما المعتدة التي يجب عليها الإحداد قولا واحدا: فهي المتوفى عنها زوجها، وهو قول كافة العلماء، إلا الحسن البصري، فإنه قال: لا يجب عليها الإحداد.
دليلنا: ما روي عن زينب بنت أبي سلمة: أنها قالت: دخلت على أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب فيه خلوق، فأخذت منه ودلكته بعارضيها، وقالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا».
قالت زينب: ودخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله بن جحش، فدعت بطيب، فمست منه، وقالت: والله ما لي إلى الطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا».
وقالت زينب بنت أبي سلمة: وسمعت أمي - أم سلمة - تقول: «جاءت امرأة إلى النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينيها، أفنكحلها؟ فقال النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا " مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: " لا، إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة في رأس الحول».
فقيل لزينب: ما ترمي بالبعرة؟ فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا، ولبست شر ثيابها، ومكثت حولا، ثم تخرج في رأس الحول، فتؤتى بدابة - حمار أو شاة - فتفتض [به]، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم ترمي بالبعرة.
و (الحفش) هو: البيت الصغير.
و (القبص): [التناول] بأطراف الأصابع، و (القبض): [الأخذ] بالكف.
وأما رمي البعرة.. فلها تأويلات:
إحداها: أنها كانت تقول: قد مكثت في ذمام الزوج حولا، والآن فقد خرجت من ذمامه وحرمته كما خرجت هذه البعرة من يدي.
والثاني: أن ما كنت فيه من الغم والشقاء وترك الزينة أهون علي في حقه من رمي هذه البعرة.
والثالث: أني خرجت من الأذى كما خرجت هذه البعرة من يدي.
وقد روي: أنهن كن يقلن ذلك.
وأما المعتدة التي لا إحداد عليها قولا واحدا.. فهي المطلقة الرجعية؛ لأنها في معاني الزوجات، والزوجة لا إحداد عليها.
وكذلك: إذا نكح الرجل امرأة نكاحا فاسدا، أو وطئها ثم فرق بينهما أو مات عنها، أو وطئ رجل امرأة بشبهة.. فإنه يجب عليها عدة الطلاق، ولا يجب عليها الإحداد.
وكذلك أم الولد إذا مات عنها سيدها.. فإنه لا يجب عليها الإحداد؛ لقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا».
وهذا ليس بزوج.
ولأن الإحداد إنما يجب على المعتدة التي فارقها زوجها بغير اختياره، فيجب عليها أن تظهر الحزن عليه والتمسك بذمامه، وهذا المعنى لا يوجد في المنكوحة نكاحا فاسدا، ولا في الموطوءة بشبهة.
وأما المعتدة التي اختلف فيها قول الشافعي.. فهي المطلقة البائن، وفيها قولان:
[الأول]: قال في القديم: (يجب عليها الإحداد).
وبه قال ابن المسيب، وأبو حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد؛ لأنها معتدة بائن عن نكاح صحيح، فلزمها الإحداد، كالمتوفى عنها زوجها.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يجب عليها الإحداد).
وبه قال عطاء، وربيعة ومالك، والرواية الأخرى عن أحمد؛ لأنها معتدة عن طلاق، فلم يجب عليها الإحداد، كالرجعية.
أو نقول: إنها معتدة تتنوع عدتها ثلاثة أنواع، فلم يلزمها الإحداد، كالرجعية، وفيه احتراز من المتوفى عنها زوجها؛ فإن عدتها تتنوع نوعين لا غير.
وأما التي انفسخ نكاحها باللعان، أو العنة، أو العيب، أو الخلع.. فهل يجب عليها الإحداد؟ فيه طريقان:
[الطريق الأول]: قال أكثر أصحابنا: فيه قولان، كالمطلقة البائن.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: لا يجب عليها الإحداد، قولا واحدا، كالموطوءة بشبهة.
قال الشيخ أبو حامد: وإذا قلنا بقوله الجديد، وأن الإحداد لا يجب على البائن.. فإنه يستحب لها الإحداد.
قال الصيمري: هل يستحب الإحداد للرجعية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يستحب لها؛ لأنها لا تحفش نفسها؛ فربما لا يرغب زوجها في رجعتها.
والثاني: يستحب لها الإحداد، كالبائن.
مسألة وجوب الإحداد على الأمة
ويجب الإحداد على الأمة، وهو إجماع لا خلاف فيه، إلا ما يحكى عن أبي حنيفة، قال أصحابنا: ولا يصح عنه.
والدليل على أن الإحداد يجب على الأمة: قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا امرأة على زوجها؛ فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا».
وهذا عام للحرة والأمة.
ولأنها معتدة عن وفاة الزوج، فلزمها الإحداد، كالحرة.
ويجب الإحداد عن موت كل زوج، حرا كان أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا؛ لعموم الأخبار.
فرع العدة لوفاة زوج الصغيرة
وإذا مات زوج الصغيرة.. لزمها العدة والإحداد، وعلى الولي أن يجنبها ما تجتنبه المعتدة المحدة.
وقال أبو حنيفة: (عليها العدة، ولا يجب عليها الإحداد).
دليلنا: ما روت أم سلمة: «أن امرأة أتت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال: " لا - مرتين أو ثلاثا - إنما هي أربعة أشهر وعشر».
ولم يسأل النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، هل هي صغيرة، أو كبيرة، ولو كان الحكم يختلف بذلك.. لسأل عنها، بل الظاهر أنها كانت صغيرة؛ لأنها قالت: أفنكحلها، والبالغة لا تكحل وإنما تكحل نفسها.
ولأنها معتدة عن وفاة، فوجب عليها الإحداد، كالبالغة.
فإن قيل: الإحداد عبادة بدنية، فكيف يجب على الصغيرة؟
قلنا: الخطاب يتوجه على الولي، كما إذا أحرم الولي بالصغيرة، فإن الطيب يحرم على الصغيرة.
فرع تطالب الذمية بالعدة والإحداد
]: وأما الذمية: فإن كان زوجها مسلما، فمات عنها.. وجبت عليها العدة والإحداد، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (تجب عليها العدة، ولا يجب عليها الإحداد؛ لقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا».
فاشترط في الإحداد إيمان المرأة، فدل على: أنه لا يجب على من لا تؤمن بالله واليوم الآخر).
ودليلنا: قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر من الثياب، ولا الممشق، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل».
وهذا عام في المسلمة والكافرة.
ولأنها معتدة عن وفاة، فلزمها الإحداد كالمسلمة.
وأما الخبر: فدليل خطابه يدل على: أنه لا إحداد على الكافرة، وهم لا يقولون بدليل الخطاب.
ولأن في الخبر تنبيها على أن الإحداد يجب على الذمية؛ لأن الإحداد إنما وجب على المعتدة تغليظا عليها، فإذا وجب التغليظ على المؤمنة في العدة.. فلأن يجب على الكافرة أولى، ومتى اجتمع دليل وتنبيه.. قدم التنبيه؛ لأنه أقوى.
وأما إذا كان زوج الذمية ذميا، ومات عنها.. وجب عليها العدة والإحداد.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليها العدة ولا الإحداد).
ودليلنا: أنها بائن عن وفاة زوجها، فلزمها العدة والإحداد، كالمسلمة.
مسألة موضع الإحداد
قال الشافعي رحمة الله عليه: (وإنما الإحداد في البدن).
وجملة ذلك: أن (الإحداد): هو الامتناع من كل ما إذا فعلته المرأة.. امتدت الأعين إليها واشتهتها الأنفس، فمن ذلك: الكحل، فإن كان الكحل أسود - وهو الإثمد - فلا يجوز أن تستعمله في عينها؛ لما روت أم سلمة في «المرأة التي أتت النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال: " لا».
وروت أم سلمة أيضا: «أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في المتوفى عنها زوجها: " لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر من الثياب، ولا الممشق، ولا الحلي، ولا تكتحل، ولا تختضب».
وقال الماسرجسي: إذا كانت المرأة سوداء.. لم يحرم عليها الاكتحال بالإثمد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: لا يحرم على نساء العرب الاكتحال بالإثمد؛ لأن
أعينهن سود؛ فلا يظهر لونه، وإنما يحرم ذلك على نساء العجم؛ لأنه يحصل به التزين.
والأول أصح؛ لأنه يحصل به التزيين في الجميع.
ويجوز أن تستعمل الإثمد في سائر بدنها إلا في الحاجب؛ فإنه لا تحصل به الزينة في غير الحاجب، وتحصل به الزينة في الحاجب.
ويجوز لها أن تكتحل بالكحل الأبيض، كالتوتياء، ويسمى: الكحل الفارسي؛ لأنه يزيد العين مرها وقبحا، ولا يحصل به زينة.
ويحرم عليها أن تطلي على عينها الصبر؛ لما روت أم سلمة، قالت: «دخل رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علي حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا، فقال: " ما هذا يا أم سلمة؟ "، فقلت: يا رسول الله، إنما هو صبر ليس فيه طيب، فقال: " إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وانزعيه بالنهار»، ولأنه يصفر العين، فتحصل به زينة وجمال.
فإن احتاجت إلى الاكتحال بالصبر أو الإثمد.. اكتحلت به بالليل، ومسحته بالنهار؛ لحديث أم سلمة.
قال الشيخ أبو حامد: قال الشافعي: (وكذلك الدمام) - وهو شيء تصفر به
المرأة عينها، كالصبر والزعفران، يقال: (دمت المرأة): إذا صفرت عينها - فلا يجوز لها ذلك؛ لأنه تحصل به زينة وجمال.
فرع فيما تجتنبه المحتدة
ويحرم على المرأة المحتدة أن تختضب بالحناء والورس والزعفران في شيء من بدنها؛ لقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولا تختضب»، ولأن في ذلك زينة وجمالا.
ويحرم عليها أن تبيض وجهها بالخضاب الذي تبيض به وجوه العرائس؛ لأن الزينة تحصل به.
ويحرم عليها أن تنقش وجهها ويديها؛ لأن في ذلك زينة.
قال ابن الصباغ: ويحرم عليها أن تحف حاجبها؛ لأنه زينة، ويحرم عليها ترجيل الشعر؛ لأنه يحسنها، ويدعو إلى مباشرتها.
مسألة يحظر استعمال الطيب للمعتدة
مسألة: [يحظر استعمال الطيب]: ويحرم عليها أن تستعمل الطيب في بدنها وثيابها؛ لما روت أم عطية: أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام، إلا على زوج، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا، ولا تكتحل، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تمس طيبا إلا عند طهرها من محيضها نبذة من قسط وأظفار»، ولأن الطيب يحرك الشهوة، ويدعو إلى مباشرتها.
وأما الغالية: فقال الشيخ أبو حامد: إن كان لها ريح.. لم يجز لها استعمالها في شيء من بدنها، لأنه طيب، وإن لم يبق لها ريح.. جاز لها استعمالها في جميع بدنها؛ لأنه لا تحصل به زينة.
وقال ابن الصباغ: لا يجوز لها استعمالها وإن لم يبق لها ريح؛ لأنها تسود، فهي كالخضاب.
ولا يجوز لها أن تأكل شيئا فيه طيب ظاهر؛ لأنه يحرم عليها استعمال الطيب، فحرم عليها أكله، كالمحرم.
وأما الأدهان: فإن كانت مطيبة، كدهن الورد، والبنفسج، والياسمين، وما أشبهها.. حرم عليها استعمالها في جميع بدنها؛ لما فيه من الطيب، وإن كانت غير مطيبة، كالشريج، والزيت، والزبد، والسمن.. فيجوز لها استعماله في غير الرأس؛ لأنه لا يحصل به تزيين، ولا يجوز لها استعماله في الرأس؛ لأنه يرجل الشعر ويزينه.
وإن كانت للمرأة لحية.. حرم عليها استعمال الدهن فيها؛ لأن اللحية وإن كانت تقبح المرأة إلا أن أقبحها إذا لم تدهن.
ويجوز لها أن تغسل شعرها وبدنها بالسدر والخطمي؛ لما روت أم سلمة: أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: «امتشطي "، قلت: بأي شيء أمتشط؟ قال: " بالسدر»، ولأن ذلك تنظيف من غير زينة.
ويجوز لها أن تقلم الأظفار، وتحلق العانة؛ لأن ذلك يراد للتنظيف لا للزينة.
ولا يحرم عليها كنس البيت، وتزيينه بالفرش؛ لأن ذلك لا يدعو إلى مباشرتها.
قال الصيمري: ولها أن تشم النيلوفر.
والبنفسج لا يختلف فيه، وفي الريحان
الفارسي قولان، كالمحرمة.
ولها أن تجلس والطيب يقلب بقربها، وعند رجل يتبخر.
مسألة المعتدة لا تلبس الحلي
ولا يجوز لها لبس الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ.
وحكى ابن المنذر عن عطاء: أنه قال: يحرم عليها حلي الذهب دون الفضة.
وهذا ليس بصحيح؛ لقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولا الحلي».
ولم يفرق.
ولأن الزينة تحصل بالفضة، فحرم عليها لبسها، كالذهب.
قال الصيمري: ويحرم عليها لبس الدمالج والخواتم من العاج والذبل؛ لأن لها بريقا.
وتمنع من حلق الصفر في أصابعها.