كتاب العتق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتاب العتق الأصل في العتق: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37] [الأحزاب: 37].
قال أهل التفسير: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92] في مواضع القرآن.
«وروى واثلة بن الأسقع قال: أتينا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صاحب لنا أوجب النار بالقتل، فقال: " أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولاء لمن أعتق».
وأجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به.
ولا يصح العتق إلا ممن يصح تصرفه في المال، كما قلنا في الهبة.
فإن أعتق الموقوف عليه العبد الموقوف.. لم يصح عتقه؛ لأنه لا يملكه ملكاً تاماً.
وإن أعتق في مرض موته عبداً له وعليه دين يستغرق تركته.. لم يصح؛ لأن عتقه وصية، والدين مقدم على الوصية.
وإن أعتق عبدا جانياً.. فهو كما لو أعتق عبداً مرهوناً، وقد مضى بيانه.
إذا ثبت هذا: فإن العتق يقع بالصريح من غير نية، وبالكناية مع النية.
و (الصريح): العتق والحرية؛ لأنه ثبت لهما عرف الشرع واللغة.
و (الكناية): مثل قوله: خليتك، وسيبتك، وحبلك على غاربك، ولا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك، وأنت لله، وأنت طالق؛ لأنه يحتمل العتق وغيره، فوقع به العتق مع النية.
فإن قال لأمته: أنت علي كظهر أمي ونوى به العتق.. ففيه وجهان:
أحدهما: تعتق؛ لأنه يوجب تحريم الزوجة، فأشبه الطلاق.
والثاني: لا تعتق؛ لأنه لا يزيل الملك عن الزوجة، فهو كالإيلاء.
وإن قال: فككت رقبتك.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه صريح في العتق، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] [البلد: 13].
والثاني: يحتمل أنه كناية في العتق؛ لأنه يستعمل في العتق وغيره.
مسألة عتق أحد الشريكين نصيبه
وإن كان عبد بين نفسين، فأعتق أحدهما نصيبه فيه، فإن كان معسراً بقيمة باقيه..عتق نصيبه ورق نصيب شريكه.
وإن كان موسراً بقيمة نصيب شريكه، بحيث يملك قيمة نصيب شريكه فاضلاً عن قوت يومه.. سرى عتقه إلى نصيب شريكه، وعتق عليه، وقوم عليه نصيب شريكه.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يسري، وإنما يستحق إعتاق نصيب الشريك.
وإن كان المعتق معسراً.. كان المالك للنصيب مخيرا بين شيئين: بين أن يعتق نصيب نفسه ويكون الولاء بينه وبين شريكه، وبين أن يستسعي العبد في قيمة نصيبه، فإذا أداه..عتق عليه، وكان الولاء بينه وبين شريكه.
وإن كان المعتق موسراً.. كان شريكه مخيراً بين ثلاثة أشياء: بين أن يعتق نصيبه، وبين أن يستسعي العبد في قيمة نصيبه ويكون الولاء بينهما في هذين، وبين أن يضمن شريكه المعتق قيمة نصيبه ويكون جميع الولاء للشريك المعتق، ثم يرجع المعتق في سعاية العبد بما غرمه من قيمته).
وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد: يسري العتق في الحال بكل حال.
وإن كان المعتق موسراً.. غرم قيمة نصيب شريكه.
وإن كان معسراً.. استسعى العبد في قيمة نصيبه.
وقال ربيعة: لا يعتق نصيب الشريك بحال إلا أن يرضى الشريك.
وقال عثمان البتي: لا يعتق نصيب الشريك بحال.
دليلنا: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعتق شركاً له في عبد، فإن كان معه ما يبلغ ثمن العبد.. قوم عليه قيمة عدل، وأعطى شركاءه حصصهم وإلا.. فقد عتق منه ما عتق، ورق منه ما رق».
فرع العبد المسلم بين مسلم وكافر
): وإن كان العبد المسلم مشتركاً بين كافرين، أو بين مسلم وكافر: فأعتق الكافر نصيبه فيه.. عتق نصيبه.
فإن كان موسراً بقيمة نصيب شريكه.. فهل يقوم عليه؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان بناء على أن شراء الكافر للمسلم هل يصح؟
فإن قلنا: لا يصح.. لم يقوم عليه؛ لأن التقويم يوجب الملك.
وإن قلنا: يصح شراؤه.. قوم عليه نصيب شريكه.
ومنهم من قال: يقوم عليه هاهنا قولاً واحداً، وهو المنصوص؛ لأنه تقويم متلف فامستوى فيه المسلم والكافر في الإتلاف.
ولأن المقصود هاهنا تكميل الأحكام لا الملك، بخلاف الشراء.
فرع وقت عتق نصيب الشريك
): ومتى يعتق نصيب الشريك؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يعتق بنفس اللفظ، وهو الصحيح، لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قال: «من أعتق شركاً له في عبد وله مال يبلغ ثمنه.. فهو عتيق».
ولأن قدر القيمة معتبر بحال العتق، فثبت أن العتق قد نفذ في تلك الحال.
والثاني: أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان موسراً.. قوم عليه ولا وكس ولا شطط، ثم يعتق».
و (الوكس): النقصان.
و (الشطط): الزيادة.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعتق شركاً له في عبد.. فعليه خلاصه إن كان له مال» فثبت أنه باق على الرق.
والثالث: أنه مراعى، فإن دفع القيمة.. حكمنا بأنه عتق باللفظ.
وإن لم يدفع القيمة.. حكمنا بأنه لم يعتق؛ لأنا لو أعتقناه باللفظ قبل دفع القيمة.. أضررنا بالشريك، ولو قلنا: إنه باق على الرق.. أضررنا بالعبد في إبقاء أحكام الرق عليه، فثبت أنه موقوف ليزول الضرر عنهما.
فإذا قلنا: إنه يعتق بنفس اللفظ.. صارت أحكامه أحكام الأحرار من حين الإعتاق، فإن مات للعبد من يرثه.. ورثه.
فإن أعسر المعتق بعد ذلك، أو هرب، أو مات، ولم يخلف وفاء.. فقيمة نصيب شريكه في ذمته.
وهل عتق جميعه باللفظ في حالة واحدة؟ فيه وجهان حكاهما الطبري.
أحدهما: أن عتق جميعه وقع في حالة واحدة، لأن الجميع صار كأنه له، فعتق جميعه باللفظ.
والثاني - وهو الأصح -: أن العتق وقع في نصيب المعتق أولا، ثم يسري إلى نصيب شريكه؛ لأنه لا يملك نصيب شريكه، فلم يقع عتقه فيه مباشرة.
وإذا طالب الشريك بقيمة نصيبه.. أجبر المعتق على الدفع.
وإن بذل المعتق القيمة، فامتنع الشريك من أخذها.. قبضها الحاكم له، وليس للعبد المعتق المطالبة بالدفع ولا بالقبض؛ لأن عتقه غير موقوف على ذلك.
وأما إذا قلنا: إن العتق لا يقع إلا بدفع القيمة، فإن طلب الشريك القيمة.. وجب على المعتق دفعها، فإن بذلها المعتق.. وجب على الشريك قبضها، فإن امتنع من قبضها.. قبضها الحاكم له وعتق العبد.
وإن امتنع المعتق والشريك.. فللعبد أن يطالبهما بذلك ليصل إلى حقه من العتق، فإذا لم يطالب العبد.. فللحاكم أن يطالب المعتق بالدفع والشريك بالقبض، فإن امتنعا.. أخذ الحاكم القيمة من المعتق للشريك، وعتق العبد، لما في العتق من حق الله تعالى.
فإن باع الشريك نصيبه من العبد أو وهبه قبل أن يدفع المعتق القيمة إليه.. لم يصح بيعه ولا هبته؛ لأن في ذلك إبطال ما ثبت للعبد من الحرية.
وإن أعتق نصيبه.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي حنيفة وأبي علي بن أبي هريرة -: (أنه يعتق؛ لأن العتق صادف ملكه ويحصل العتق للعبد).
والثاني: لا يعتق، وهو الأصح؛ لأن ذلك يبطل ما ثبت للمعتق من الولاء.
وإن مات للعبد من يرثه قبل دفع القيمة، أو شهد، أو جنى، أو جني عليه.. فحكمه في ذلك حكم العبيد؛ لأنه باق على الرق.
وإن مات العبد قبل دفع القيمة.. فهل للشريك أن يطالب المعتق بالقيمة؟ على هذا القول فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن القيمة وجبت على المعتق بالعتق، فلا تسقط بموت العبد.
والثاني: لا يجب عليه ذلك؛ لأن القيمة إنما وجبت عليه لتكميل أحكام العبد، وليحصل للمعتق الولاء عليه، وهذا لا يوجد في حقه بعد موته.
وعلى القول الأول: له مطالبته بعد موت العبد قولاً واحداً؛ لأنه مات حراً.
فرع استيلاد الجارية من أحد الشريكين
وإن كانت جارية بين اثنين فاستولدها أحدهما.. ثبت لها حرمة الاستيلاد في نصيبه.
فإن كان موسراً بقيمة نصيب شريكه.. قوم عليه.
ومتى يثبت لها حرمة الاستيلاد؟ فيه طريقان حكاهما الطبري في " العدة ".
ومن أصحابنا من قال: هي على الأقوال الثلاثة في العتق.
ومنهم من قال: إن قلنا في العتق: يسري بنفس اللفظ.. فهاهنا تثبت لها حرمة الاستيلاد بالإحبال.
وإن قلنا في العتق: لا يسري إلا بدفع القيمة.. ففي الإحبال وجهان:
أحدهما: لا تثبت لها حرمة الاستيلاد في نصيب شريكه إلا بدفع القيمة كالإعتاق.
والثاني: تثبت بالإحبال؛ لأنه أقوى من العتق، بدليل: أن العتق لا يصح من السفيه والمجنون، والإحبال يصح منهما.
وأما إذا استولدها الشريكان معاً، مثل: أن كانا معسرين فاستولدها أحدهما، ثم استولدها الثاني.. فإنها تصير أم ولد لهما.
فلو أعتق أحدهما نصيبه منها بعد ما أيسر.. فهل يقوم عليه نصيب شريكه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقوم عليه؛ لأنها تعتق بالإعتاق والثاني: لا يقوم عليه؛ لأن أم الولد لا تملك.
فرع يدخل نصيب الشريك بالملك في التقويم
]: كل موضع قوم على المعتق نصيب شريكه.. فإنه يحكم بدخول ملك نصيب الشريك في ملك المعتق.
ومتى يملكه؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: يملكه ويعتق عليه في حالة واحدة.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: يملكه ثم يعتق عليه، وهكذا إذا اشترى من يعتق عليه.. فإنه يملكه، وفي وقت ملكه الوجهان.
مسألة اختلاف الشريكين في قيمة العبد المعتق
إذا اختلف الشريكان في قيمة العبد المعتق، فادعى الشريك أن قيمته ألفان، وقال المعتق: بل قيمته ألف.. فلا خلاف أن قيمته تعتبر حال الإعتاق؛ لأنه وقت الإتلاف.
فإن كان الاختلاف عقيب الإعتاق أو بعده بزمان ولم تختلف قيمته من حين الإعتاق إلى حين التقويم.. رجع فيه إلى مقومين.
وإن كان العبد قد مات، أو غاب، أو تأخر تقويمه زماناً تختلف فيه قيمته، ولا بينة على قيمته وقت الإعتاق.. فمن القول قوله مع يمينه؟ فيه قولان، واختلف أصحابنا في مأخذ القولين.
فمنهم من قال: أصلهما القولان في وقت السراية.
فإن قلنا: إن السراية وقعت بنفس اللفظ.. فالقول قول المعتق مع يمينه؛ لأنه غارم، فكان القول قوله في قيمة ما أتلفه، كالمتلف.
وإن قلنا: إن السراية لا تقع إلا بدفع القيمة.. فالقول قول الشريك مع يمينه؛ لأن
ملكه ثابت على نصيبه، فلا ينتزع منه إلا بما يقر به، كما لو اختلف الشفيع والمشتري في الثمن.
ومنهم من قال: أصلهما: القولان فيمن اشترى عبدين فتلف أحدهما ووجد بالآخر عيباً، وقلنا: له رده، فاختلفا في قيمة التالف، وفيه قولان:
أحدهما: القول قول المشتري؛ لأنه كالغارم.
فعلى هذا: القول قول المعتق.
والثاني: القول قول البائع؛ لأن ملكه ثابت على الثمن، فلا ينتزع منه إلا بما يقر به.
فعلى هذا: القول قول الشريك.
قال الطبري: وحكى الشيخ أبو حامد عن الربيع: أنه قال: فيها قول آخر: أنهما يتحالفان.
قال: وهذا من تخريج الربيع؛ لأنه ليس بينهما عقد ينفسخ بالتحالف، ولأنا لو حلفناهما.. لاحتجنا إلى الرجوع إلى القيمة، فلا يفيد التحالف شيئاً.
والطريق الأول هو المشهور.
وأن ادعى الشريك زيادة صنعة في العبد تزيد بها قيمته، فإن كان العبد غائباً، أو ميتاً، ولا بينة للشريك، فأنكرها المعتق.. ففيه طريقان:
من أصحابنا من قال: فيه قولان.
أحدهما: القول قول المعتق.
والثاني: القول قول الشريك.
ومنهم من قال: القول قول المعتق قولاً واحداً؛ لأن الأصل عدم الصنعة.
وإن كان العبد حاضراً، فإن كان يحسن الصنعة التي ادعاها الشريك، فإن لم يمض من حين العتق زمان يمكن تعلم تلك الصنعة.. فالقول قول الشريك؛ لأنا علمنا صدقه.
وإن كان قد مضى زمان يمكن فيه تعلم الصنعة.. فعلى الطريقتين.
وإن قال المعتق: كان سارقاً، أو آبقاً، وأنكر الشريك، ولا بينة للمعتق.. فعلى طريقين:
[الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان.
و [الثاني]: منهم من قال: القول قول الشريك قولاً واحداً؛ لأن الأصل عدم ذلك.
فرع وجود دين مستغرق على المعتق
إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد وهو يملك من المال قدر قيمة شريكه إلا أن عليه دينا يستغرق ذلك.. فهل يقوم عليه نصيب شريكه؟ فيه قولان بناءً على أن الدين: هل يمنع وجوب الزكاة؟
فرع تعليق الشريكين على شرط واحد
إذا قال أحد الشريكين في العبد: إذا دخلت الدار الفلانية فأنت حر، ثم قال له الآخر: إذا دخلتها فأنت حر، فدخلها..عتق عليهما، ولم يقوم نصيب أحدهما على الآخر؛ لأنه عتق عليهما في حالة واحدة.
وإن قال أحد الشريكين للآخر: إذا أعتقت نصيبك من العبد فنصيبي منه حر، فأعتق الآخر نصيبه.. عتق نصيبه عليه، وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسراً؛ لأن عتق نصيب المباشر سبق، فاستحقت به السراية، فمنعت وقوع عتق الشريك المعلق عتق نصيبه بصفة.
وإن قال: إذا أعتقت نصيبك.
فنصيبي حر في حال عتق نصيبك، فأعتق الآخر نصيبه.. عتق عليه نصيبه.
وهل يقوم عليه نصيب شريكه الذي علق عتقه؟ فيه وجهان.
أحدهما: يقوم عليه؛ لأن إعتاقه لنصيبه شرط في عتق نصيب شريكه، والشرط يتقدم على المشروط، فكان كالأولى.
والثاني: لا يقوم عليه، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن العتق وقع على النصيبين في وقت واحد.
فرع علق أحدهما عتقه بمدة قبل الموت وجعله الآخرحالاً
فرع: [علق أحدهما عتقه بمدة قبل الموت وجعله الآخر حالاً]:
وإن قال أحد الشريكين في العبد: نصيبي منك حر قبل موتي بشهر، ثم قال الثاني بعده: نصيبي منك حر الآن، ثم مات الأول، فإن كان بين موت القائل الأول وبين قوله أقل من شهر.. لم يعتق عليه نصيبه؛ لأن العتق لا يقع قبل الإعتاق، ويعتق على الثاني نصيبه حين أعتقه، فإن كان موسراً بقيمة نصيب شريكه.. قوم عليه وإن كان معسراً.. لم يقوم عليه.
وإن كان بين قول الثاني وبين موت الأول أكثر من شهر.. لم يعتق على الأول أيضاً نصيبه إن كان الثاني موسراً بقيمة نصيب الأول؛ لأن عتق الثاني مقدم عليه، فيعتق على الثاني نصيبه، ويقوم عليه نصيب الأول.
وإن كان معسراً به.. لم يقوم عليه، وعتق على الأول نصيبه قبل موته بشهر، فيكون الولاء بينهما.
وإن كان بين قول الأول وبين موته شهر من غير زيادة ولا نقصان.. عتق عليه نصيبه لوجود الصفة قبل عتق الثاني، فإن كان موسراً بقيمة نصيب الثاني.. قوم عليه، وكان جميع ولائه له، وإن كان معسراً.. عتق عليه نصيبه قبل موته بشهر، وعتق على الثاني نصيبه بعده حين أعتقه، وكان ولاؤه بينهما.
فرع توكيل أحد الشريكين في عتق نصيبه
وإن كان عبد بين اثنين نصفين، فوكل أحد الشريكين شريكه في عتق نصيبه، فقال الوكيل: نصفك حر... رجع إليه، فإن قال: أردت به نصيبي.. عتق عليه نصيبه، وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسراً به.
وإن قال: أردت به نصيب شريكي.. عتق نصيب شريكه، وقوم نصيب الوكيل على الموكل إن كان الموكل موسراً به.
وإن أطلق، ولم ينو شيئاً.. ففيه وجهان: حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يعتق نصيب الموكل، ويقوم عليه نصيب الوكيل؛ لأنه أمره بالإعتاق.
والثاني: يعتق نصيب الوكيل، ويقوم عليه نصيب الموكل؛ لأن نصيب نفسه لا يحتاج إلى نية، ونصيب الموكل يحتاج إلى النية، ولم ينو.
فرع له شقصان في عبدين فأعتق أحدهما ثم الآخر ولا مال له
قال ابن الحداد: إذا كان لرجل شقصان من عبدين، وقيمتهما سواء، ولا مال له غيرهما، فأعتق أحد الشقصين في صحته.. عتق عليه نصيبه، وقوم عليه نصيب شريكه؛ لأنه موسر بقدر قيمته - وهو: الشقص في العبد الآخر - فإن أعتق الشقص الآخر بعد ذلك في صحته.. عتق نصيبه فيه، ولا يقوم عليه نصيب شريكه فيه؛ لأنه لا مال له.
ولا يمنع عتقه في الثاني ثبوت الدين في ذمته؛ لأن قيمة الأول لم تتعلق في رقبة الثاني، وإنما هي في ذمة المعتق.
وإن كان بين اثنين عبد يساوي عشرين ديناراً، فقال رجل لأحدهما: أعتق نصيبك عني على عشرة دنانير، فأعتقه عنه - والسائل لا يملك غير عشرة دنانير - عتق نصيب المعتق عن السائل.
قال ابن الحداد: ويعتق نصيب شريك المعتق عن السائل أيضاً؛ لأنه واجد لقيمة نصيبه - وهي العشرة - ثم يتضارب المعتق وشريكه في العشرة التي للسائل على قدر حقيهما لكل واحد منهما نصفها.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا على القول المشهور: أن نصيب الشريك يعتق بنفس اللفظ.
فأما إذا قلنا: إنه لا يعتق بدفع القيمة.. فإنه يعتق منه بقدر ما يؤدي إليه.
فأما إذا قال السائل: أعتق عني نصيبك من هذا العبد على هذه العشرة، وعينها وأشار إليها، فأعتقه.. عتق عن السائل، ولم يعتق نصيب الشريك؛ لأن العشرة قد ملكها المعتق ولا مال للسائل غيرها.
مسألة عتق بعض العبد عتق لكله
وإن ملك عبداً، فأعتق بعضه.. سرى العتق إلى باقيه؛ لأنه موسر به.
وإن كان عبد بين اثنين نصفين، فقال أحدهما له: إن كان هذا الطائر غراباً، فنصيبي منك حر، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً، فنصيبي منك حر، فطار ولم يعرف.. قال ابن الحداد:
فإن كانا معسرين.. فالعبد باق على ملكهما؛ لأن عتق نصيب أحدهما لم يتعين.
فإن باع أحدهما نصيبه من رجل، وباع الآخر نصيبه من آخر.. فلكل واحد من المشتريين أن يتصرف فيما اشتراه؛ لأن كل واحد منهما قائم مقام من اشترى منه.
وإن باعا نصيبيهما من واحد.. قال ابن الحداد:
عتق على المشتري نصفه؛ لأنه قد تيقن أن نصفه حر، فلا يكون له أن يتصرف في جميعه.
وعلى قياس قول ابن الحداد: إذا اشترى أحدهما نصيب الآخر.. عتق على المشتري نصفه؛ لأنا نتيقن أن أحد النصفين حر بيقين.
وإن كانا موسرين، فإن قلنا: إن العتق يسري باللفظ.. عتق جميعه؛ لأن كل واحد منهما يعترف أن عتق شريكه يسري إلى نصيبه.
ولا يجب لأحدهما على الآخر شيء؛ لأنه لا يقبل قوله على صاحبه في استحقاق حق له عليه.
وإن قلنا: لا يسري إلا بأداء القيمة.. لم يعتق العبد، ولا يجوز لأحدهما بيع نصيبه ولا هبته؛ لأنه قد استحق عتقه، وهل يجوز له عتقه، فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً.. عتق نصيب المعسر؛ لأن قوله يتضمن أن صاحبه حانث في يمينه وأن نصيبه حر، فإن كان موسراً.. سرى العتق في نصيبه، وهذا إذا قلنا: إن السراية تقع باللفظ.
وإن قلنا: لا تقع إلا بدفع القيمة.. لم يعتق نصيب المعسر أيضاً ولكن لا يصح بيعه ولا هبته، وهل يصح عتقه؟ على الوجهين.
فرع علق أحد الشريكين عتق نصيبه على بيع شريكه شقصه
). وإن كان عبد بين اثنين، فقال أحدهما: إن بعت نصيبك من العبد فنصيبي حر، وقال الآخر: إن اشتريت نصيب شريكي فنصيبي حر، ثم اشتري نصيب شريكه.. فقد حنثا جميعاً، وعتق كل واحد منهما نصيبه، ولا يقوم على أحدهما نصيب شريكه؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة.
وإن كان لرجل عبد، فقال: إن بعته فهو حر، وقال الآخر: إن اشتريته فهو حر، فاشتراه منه.. عتق على البائع دون المشتري؛ لأن المشتري عقد الصفة وهو لا يملكه، فلم يصح، والبائع عقد الصفة وهو يملكه.
فإذا وجد الإيجاب والقبول.. فقد وجدت الصفة، وهو يملك عتقه لثبوت الخيار بينهما، فوقع عليه العتق بالصفة.
وإن قال لعبده: إذا بعتك بيعاً فاسداً فأنت حر، فباعه بيعاً فاسداً.. قال الطبري: لم يعتق.
وقال المزني: يعتق.
مسألة شركاء في عبد أعتق اثنان نصيبهما
إذا كان عبد بين ثلاثة أنفس لأحدهم النصف، ولآخر الثلث، ولآخر السدس، فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس نصيبهما في حالة واحدة بأن أعتقا واتفق لفظهما، أو وكلا وكيلاً فأعتق عنهما بكلمة وهما موسران.. قوم عليهما نصيب شريكهما، وكيف يقوم عليهما؟ فيه طريقان، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: يقوم بينهما نصفين.
والثاني يقوم على قدر الملكين، كالقولين في الشفعاء.
وهو قول مالك؛ لأن له فيه روايتين.
ومنهم من قال: يقوم عليهما نصفين قولا واحداً.
وهذه طريقة الشيخ أبي حامد وأكثر أصحابنا؛ لأن إعتاق النصيب إتلاف لرق الباقي، فإذا اشتركا في الإتلاف.. استويا في الضمان وإن اختلفا في سبب الإتلاف، كما لو جرح رجل رجلاً جراحة، وجرحه آخر جراحات ومات.
وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسرا.. قوم نصيب صاحب الثلث على الموسر منهما؛ لأن عتق المعسر لا يسري.
مسألة ادعى أحد الشريكين بعتقهما وأنكره الآخر
إذا قال أحد الشريكين في العبد: أعتقت أنا وأنت العبد في حالة واحدة، وقال الآخر: أما أنا فما أعتقت نصيبي.. كان القول قول المنكر مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإعتاق، فإذا حلف.. ثبت أنه لم يعتق، ويعتق نصيب المقر بإقراره.
وإن كان معسراً... بقي نصيب الحالف رقيقاً.
وإن كان المقر موسراً.. قوم عليه نصيب شريكه، وعتق عليه ويكون ولاء نصيب المقر له، وأما ولاء نصيب المنكر.. فإنه يكون موقوفاً بينهما؛ لأن كل واحد منهما لا يدعيه ويقر به لصاحبه.
فإن مات العبد المعتق قبل موت المنكر وخلف مالاً.. فللمقر أن يأخذ من تركته قدر ما دفع إلى شريكه من القيمة؛ لأنه يستحقه بكل حال، ويوقف الباقي بينهما إلى أن يصطلحا عليه، أو يدعيه أحدهما فيأخذه.
وإن مات العبد بعد موت المنكر.. فليس للمقرر أن يأخذ من تركته قدر ما دفعه من
الثمن ما دام مقيماً على إقراره الأول؛ لأنه يقر بمال المعتق لعصبة المنكر، ويقر أنهم لم يظلموه وإنما ظلمه المنكر.
وإن قال كل واحد منهما: أعتق شريكي نصيبه، وأنكر كل واحد منهما، وهما موسران.. حلف كل واحد منهما أنه لم يعتق نصيبه؛ لأن الأصل عدم الإعتاق، وعتق جميع العبد إذا قلنا: تقع السراية باللفظ؛ لأن كل واحد منهما يقر بعتق نصيبه على شريكه، ويكون الولاء موقوفاً بينهما.
وإن كانا معسرين.. لم يعتق شيء من العبد فإن اشترى أحدهما نصيب شريكه.. عتق عليه ما اشتراه؛ لأنه مقر بحريته.
وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً.. عتق نصيب المعسر إذا قلنا: تقع السراية باللفظ؛ لأنه مقر بعتق نصيبه على صاحبه، ولا يعتق نصيب الموسر؛ لأن عتق المعسر لا يسري.
فأما إذا قلنا: لا يسري العتق إلا بدفع القيمة.. لم يعتق من العبد شيء.
فرع عبد بين ثلاثة فشهد اثنان على الثالث بعتق نصيبه
وإن كان عبد بين ثلاثة رجال، فشهد رجلان منهم على الثالث أنه أعتق نصيبه وأنكر ذلك المشهود عليه، فإن كان المشهود عليه معسراً: قبلت شهادتهما عليه وعتق نصيبه لا غير؛ لأنهما لا يجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما نفعاً ولا يدفعان عنهما بها ضرراَ.
وإن كان موسراً.. لم تقبل شهادتهما عليه؛ لأنهما يجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما نفعاً وهو التقويم عليه.
فإن قلنا: تقع السراية باللفظ.. عتق نصيبهما؛ لأن شهادتهما تضمنت الإقرار به.
وإن قلنا: لا تقع السراية إلا بدفع القيمة.. لم يعتق نصيبهما، ولا يجوز لهما بيعه، وهل يجوز لهما عتقه؟ على وجهين.
وللشاهدين أن يحلفا المنكر أنه لم يعتق نصيبه، لجواز أن يقر.
فإن نكل عن اليمين.. حلفا ووجبت عليه قيمة نصيبهما.
فرع رجوع الشاهدين عن قولهما أعتق شقصاً
وإن شهد شاهدان على رجل أنه أعتق شقصاً له من عبد وهو موسر، فقوم عليه نصيب شريكه، ثم رجع الشاهدان.. قال ابن الحداد: رجع المشهود عليه على الشاهدين بقيمة نصيبه، ولا يرجع عليهما بما غرم لشريكه من القيمة.
قال القاضي أبو الطيب: أما نصيب المشهود عليه: فيرجع عليهما بقيمته؛ لأنهما أتلفاه عليه.
وأما ما غرمه من قيمة نصيب شريكه.. فهل يرجع عليهما به؟ فيه قولان، كما لو شهدا عليه بمال في يده؟ أو في ذمته، ثم رجعا.. المشهور: أنه لا يرجع عليهما فأجاب ابن الحداد على المشهور: قال القاضي أبو الطيب: إلا أن الصحيح عندي أنه يرجع عليهما به أيضاً.
مسألة أعتق شقصين أحدهما بعد الآخر في مرض موته
إذا أعتق في مرض موته شقصين له من عبدين له شريك فيهما أحدهما بعد الآخر:
فإن احتمل الثلث عتق الشقصين وتقويم باقيهما.. عتق عليه الشقصان بالمباشرة، وباقي العبدين بالسراية والتقويم.
وإن لم يحتمل الثلث إلا عتق الأول وتقويم باقيه.. قدم تقويم باقي الأول على عتق الثاني.
فإن احتمل الثلث عتق الشقص الأول وتقويم باقيه، والشقص الثاني دون تقويم باقيه.. عتق جميع العبد الأول عليه بالمباشرة والسراية، والشقص الثاني، ولا يقوم باقي الثاني عليه.
وإنما قدمنا تقويم باقي الأول على الشقص الثاني؛ لأنا إن قلنا: إن السراية تقع
باللفظ.. فقد سبق عتق باقي الأول.
وإن قلنا: لا تقع إلا بدفع القيمة.. فقد استحق إعتاق بقيته في الثلث قبل الثاني.
وإن أعتق الشقصين في حالة واحدة.. عتق الشقصان وقوم باقي العبدين عليه إن احتملهما الثلث.
وإن لم يحتمل الثلث إلا عتق الشقصين.. عتق الشقصان لا غير ورق باقي العبدين.
وإن لم يحتمل الثلث إلا عتق أحد الشقصين.. أقرع بينهما.
وإن خرج الشقصان من الثلث وباقي أحد العبدين لا غير.. ففيه وجهان:
قال ابن الحداد: عتق الشقصان، وقسم الباقي بينهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
ومن أصحابنا من قال: يعتق الشقصان، ثم يقرع بينهما فيما بقي من الثلث بعد الشقصين، كما إذا أعتق عبدين.. فخرج أحدهما من الثلث.
والأول أصح.
مسألة يعتبر الثلث في عتق عبد بمرض موته
إذا أعتق عبداً له في مرض موته.. فقد ذكرنا أن قيمته تعتبر من ثلث ماله.
وقال مسروق: تعتبر من رأسماله، كما لو أتلف شيئاً من ماله.
دليلنا: حديث عمران بن الحصين في: «الرجل الذي أعتق ستة أعبد له في مرض موته، فأقرع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة».
وإن أعتق شركاً له في عبد في مرض موته.. عتق نصيبه من ثلث تركته، وقوم عليه نصيب شريكه أن احتمله الثلث.
وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه قال: (لا يقوم عليه نصيب شريكه).
دليلنا: أنه موسر بقيمة نصيب شريكه ولا يتعلق به حق أحد فقوم عليه، كعتق الصحيح.
وإن أوصى بعتق شرك له في عبد، أو بعتق بعض عبد له.. أعتق عليه، ولا يقوم عليه نصيب شريكه، ولا يسري إلى عتق باقي العبد سواء احتمله الثلث أو لم يحتمله؛ لأن ملكه يزول عن ماله إلا عن القدر الذي أوصى به، فصار كالمعسر إذا أعتق شركاً له في عبد.
وإن أوصى بعتق شقص له من عبد وأوصى أن يعتق عليه نصيب شريكه فإن احتمله الثلث أعتق عليه نصيب شريكه ودفعت قيمته إلى شريكه؛ لأن له التصرف في الثلث بما فيه قربة.
قال القاضي أبو الطيب في " المجرد ": عندي أنه إنما تقوم حصة الشريك إذا رضي الشريك بذلك، ولا تقوم إذا لم يرض؛ لأن التقويم لم يجب على الموصي وإنما وجب بالوصية، فجرى ذلك مجرى المعسر إذا أعتق شقصاً له في عبد ثم أيسر، فإنه لا يقوم عليه نصيب شريكه إلا برضاه.
قال ابن الصباغ: وأصحابنا أطلقوا ذلك، وما قالوه له وجه صحيح؛ لأن التقويم لا يجب؛ لأن العتق وقع حال زوال ملك الميت عن المال، فجرى ذلك مجرى المعسر إذا أعتق شقصاً له من عبد.
فأما إذا أوصى بتكميله.. كانت قيمته باقية كالباقية على حكم ملكه، فصار كالموسر إذا أعتق، وهكذا لو قال: إذا مت فنصيبي حر.. عتق نصيبه إن خرج من الثلث ولم يسر إلى نصيب شريكه.
فرع أوصى بعتق شقصين من عبدين
إذا كان له شقصان من عبدين فأوصى بعتقهما بعد موته، وبأن يكمل باقي عتق العبدين من الثلث، فإن احتملهما الثلث.. أعتقا عنه، وإن لم يحتمل الثلث إلا قيمة
باقي أحدهما.. قال ابن الحداد: أقرع بينهما ولا يقسم بينهما؛ لأن الموصي قصد تكميل العتق فيهما، فإذا لم يكن ذلك فيهما.. كان في أحدهما.
وإن كان له ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم، وقيمتهم سواء، فقال: نصف كل واحد منكم حر بعد موتى، ولم تجز الورثة:
قال ابن الحداد: أقرع بينهم، وهو بأن يكتب في رقعة عتق، وفي رقعة رق، ويخرج إحدى الرقعتين على واحد منهم، فإن خرجت عليه رقعة الرق.. رق جميعه وعتق من كل واحد من الآخرين نصفه.
وإن خرجت على الأول رقعة العتق.. عتق نصفه، ثم تعاد القرعة بين الآخرين، فمن خرجت عليه رقعة العتق.. عتق نصفه ورق نصفه وجميع الآخر، فيعتق نصفا عبدين.
قال القاضي أبو الطيب: وهذه لا يختلف فيها أصحابنا، ودل هذا على أن المعتق إذا فرق العتق في شخصين.. لم يجمع في شخص واحد.
فإن كان له عبدان سالم وغانم، وقيمتهما سواء، فقال: إذا مت فنصف سالم حر، وثلث غانم حر، فمات ولا مال له غيرهما، ولم تجز الورثة.. فقد زاد على الثلث سدس أحدهما.
قال ابن الحداد: فيقرع بينهما، فيكتب رقعة عتق وفي رقعة رق، ويخرج إحداهما على أحدهما، فإن خرجت رقعة العتق على أحدهما.. عتق منه ما أعتق لا غير وتمم الثلث من الثاني.
فإن خرجت رقعة العتق على سالم عتق نصفه وعتق من غانم سدسه.
وإن خرجت رقعة العتق على غانم.. عتق ثلثه وعتق من سالم ثلثه؛ لأن ذلك قدر الثلث.
وإن كان له ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم، فقال في مرض موته: أثلاثكم أحرار.. عتق ثلث كل واحد منهم - اتفقت قيمتهم أو اختلفت - ولا يقرع بينهم؛ لأنه عين العتق ولم يزد على الثلث.
وإن قال: ثلثكم حر، أو ثلث هؤلاء حر.. قال القاضي أبو الطيب: فإن الظاهر من هذا الكلام أنه أعتق واحداً منهم لا بعينه فيقرع بينهم، ويعتق واحد منهم ويرق اثنان.
فرع عتق نصيبه عند موته وأوصى بالباقي من ثلثه وكذا شريكه
إذا كان عبد بين شريكين فقال أحدهما: نصيبي من هذا العبد حر بعد موتي، ويستتم عتق باقيه من ثلثي، وقال شريكه: إذا مات شريكي فنصيبي حر من هذا العبد، فمات الأول.. قال ابن الحداد: عتق العبد عليهما، ولم يقوم نصيب أحدهما على الآخر؛ لأن عتق نصيبيهما وقع في حالة واحدة.
وإن قال أحدهما: نصيبي حر بعد موتي، ويستتم عتق نصيب شريكي من ثلثي، وقال الثاني: إذا عتق نصيب شريكي فنصيبي حر، فمات الأول.. قال ابن الحداد: فإن الوصية بالتقويم صحيحة؛ لأن عتق الموصي يتقدم وعتق شريكه يتعقبه، فوجب التقويم عليه.
فرع أعتق أحدهما نصيبه من حمل جاريتهما
وإن كان بين نفسين جارية حامل من نكاح أو زنى، فأعتق أحدهما نصيبه من الحمل: فإن أسقطته حياً.. عتق عليه وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسراً به.
وتجب قيمته يوم الإسقاط؛ لأنه أول حالة يمكن تقويمه فيها.
وإن أسقطته ميتاً من غير ضرب.. لم يجب على المعتق لشريكه شيء؛ لأنه لا يعلم أن العتق صادفه وهو حي.
وإن ضربها ضارب فأسقطته ميتاً.. وجب على الضارب غرة عبد أو أمة؛ لأن الظاهر أنه تلف بالضرب.
قال ابن الحداد: ويجب على المعتق لشريكه نصف عشر قيمة الأم؛ لأنه ضمن نصيب شريكه بالإعتاق، وقيمة نصيبه لو كان مملوكاً نصف عشر قيمة أمه.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه أقل الأمرين من نصف عشر قيمة أمه أو الغرة والأول أصح.
مسألة قال لعبده وهبتك أو ملكتك نفسك
]: قال الطبري في (العدة): لو قال لعبده: وهبتك نفسك، أو ملكتك نفسك.. افتقر إلى القبول ليعتق.
وإن قال لأمته: إذا ولدت ولداً فهو حر، فولدت ولداً حياً.. عتق.
وإن ولدت بعده ولداً آخر.. لم يعتق؛ لأن لفظه لا يقتضي التكرار.
وإن ولدت ولداً ميتاً، ثم ولدت ولداً حياً.. قال ابن الصباغ: فالذي يقتضيه المذهب: أن الثاني لا يعتق.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (يعتق؛ لأن العتق يستحيل في الميت فيعلق بالحي).
ودليلنا: أن شرط العتق وجد بالأول، بدليل: أنه لو علق به عتقها.. لعتقت لولادة الميت فانحلت اليمين به، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر، فباعه ثم دخل.
فرع حلف بعتقه فحنث
وإن كان عبده مقيداً، فحلف سيده بعتقه أن في قيده عشرة أرطال، وحلف بعتقه لا أحله ولا أحد من الناس، فشهد شاهدان أن في قيده خمسة أرطال، فحكم الحاكم بعتقه لحنثه في يمينه أن في قيده عشرة أرطال، فوزن القيد بعد حله، فوجد فيه عشرة أرطال.. فإن العبد يعتق، وهل يجب على الشاهدين شيء؟
قال أبو حنيفة: (يجب على الشاهدين قيمة العبد).
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب عليهما شيء، قال ابن الصباغ: وهو الصحيح.
فبنى أبو حنيفة ذلك على أصله، بأن حكم الحاكم ينفذ في الباطن وإن كان بشهادة الزور، ووجه الآخر: أنه عتق بحل القيد دون ما شهدا به؛ لأنا تحققنا كذبهما.
فرع شهدا بعتق عبد ورجعا ثم شهد آخران بعتق غيره
وإن شهد شاهدان أن رجلاً أوصى بعتق عبد عيناه، وقيمته ثلث تركته، فحكم الحاكم بشهادتهما بعد موت الموصي، ثم رجعا عن الشهادة، وشهد آخران أن الموصي أوصى بعتق عبد آخر عيناه، وقيمته قدر ثلث تركته، وحكم بشهادتهما.. أقرع بين العبدين؛ لأنه قد ثبت أن الميت أوصى بعتقهما، ورجوع الشاهدين لا يقبل في نقض الحكم.
فإن خرجت قرعة العتق على الأول.. عتق ورق الثاني، ووجب على الشاهدين الراجعين قيمة العبد لورثة المعتق؛ لأنه تلف بشهادتهما، وقد أقرا ببطلانها.
وإن خرجت قرعة العتق على الثاني.. عتق ورق الأول، ولم يجب على الشاهدين الراجعين للورثة شيء؛ لأنهما لم يتلفا بشهادتهما شيئاً.
[مسألة أعتق عبداً بعينه ثم أشكل عليه أمر]
إذا كان له أعبد فأعتق واحداً منهم بعينه، ثم أشكل عليه.. أمر بأن يتذكر وينفق عليهم إلى أن يتبين، فإن قال: الذي كنت قد أعتقته هو هذا.. حكم بعتقه من حين العتق.
فإن قال آخر من عبيده: بل أنا الذي كنت أعتقت، فإن صادقه.. حكم بعتقهما، وإن كذبه.. حلف له، وإن نكل عن اليمين.. ردت اليمين على الآخر، فإن حلف.. حكم بعتقه أيضاً.
وإن قال: أعتقت هذا، لا، بل هذا.. حكم بعتقهما؛ لأنه لما أقر للأول.. حكم بعتقه، فإذا رجع عن الأول وأقر للثاني.. لم يقبل رجوعه عن الأول وقبل إقراره للثاني.
فإن مات قبل أن يبين، فإن ذكر الوارث أنه يعرف المعتق منهما.. رجع إليه، فإذا أخبر بعتق واحد.. قبل وحكم بعتقه؛ لأنه قائم مقام مورثه.
وإن اتهمه غيره.. حلف له.
وإن قال الوارث: لا أعرف المعتق منهم.. ففيه قولان:
أحدهما: يقرع بينهم؛ لأن أحدهم ليس بأولى من الآخر.
والثاني: لا يقرع، ولكن يوقف إلى أن يتبين؛ لأن القرعة ربما أعتقت الرقيق وأرقت العتيق.
والصحيح هو الأول.
[فرع أعتق واحداً من جماعة ولم يعينه]
وإن أعتق واحداً منهم لا بعينه.. أمر بأن يعين العتق فيمن شاء منهم، فإن قال: أعتقت هذا، لا، بل هذا.. أعتق الأول دون الثاني؛ لأن ذلك اختيار لا إخبار.
فإن اتهمه الآخر.. لم يحلف له؛ لأنه لو أقر للثاني لم يحكم بعتقه، فلا معنى لتحليفه.
وإن مات قبل أن يبين.. فهل يرجع إلى الوارث؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع إليه، بل يقرع بينهما، كما لا يرجع إليه إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها.
والثاني: يرجع إليه، وهو الأصح؛ لأنه خيار يتعلق بالمال فقام الوارث مقام المورث، كخيار الرد بالعيب والشفعة.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي (في " الإبانة "): هل يرجع إلى الوارث؟ فيه قولان، واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فمنهم من قال: القولان فيه إذا كان المعتق قد عينه بقلبه، فيجوز أن يكون قد أخبر به الوارث.
فأما إذا لم يعينه المعتق بقلبه.. فلا يرجع إلى الوارث قولاً واحداً.
ومنهم من قال: القولان إذا لم يعنيه المعتق بقلبه.
فأما إذا كان قد عينه بقلبه.. فلا يرجع إلى الوارث قولاً واحداً، بل يقرع بينهم.
ومنهم من قال: القولان في الجميع.
فرع اختلاف قول الابن فيمن أعتق الأب في مرض موته
وإن مات رجل وخلف ابناً وثلاثة أعبد قيمتهم سواء، لا مال له غيرهم، فقال الابن: أعتق أبي هذا العبد في مرض موته، وأشار إلى واحد منهم، ثم قال: لا، بل أعتق هذا وهذا بكلمة واحدة، وأشار إلى الأول وإلى آخر معه، ثم قال: لا بل أعتق الثلاثة كلهم بكلمة واحدة.. قال ابن الحداد:
عتق العبد الأول بإقراره الأول من غير قرعة، ثم يقرع بين الأول وبين الثاني الذي أشار إليه معه في الإقرار الثاني لإعتاق الثاني لا لإرقاق الأول، فإن خرجت قرعة العتق على الثاني.. عتقاً، وإن خرجت قرعة العتق على الأول.. لم يعتق الثاني بالإقرار الثاني.
ثم تعاد القرعة بين الثلاثة، فإن خرجت قرعة العتق على الثالث.. عتق أيضاً.
وإن خرجت على الأول.. رق الثالث والثاني إن لم يعتق الثاني بالقرعة الأولى.
وإن خرجت قرعة العتق على الثاني.. عتق ورق الثالث.
فرع ترك ثلاثة بنين وثلاثة أعبد واختلفوا في معتق
وإن مات رجل وخلف ثلاثة بنين وثلاثة أعبد قيمتهم سواء، ولا مال له غيرهم، فقال أحد البنين: أعتق أبي هذا العبد في مرض موته، وقال آخر: بل أعتق أبي هذا وهذا في مرض موته بكلمة واحدة وأشار إلى الذي أشار إليه الأول وإلى آخر معه، وقال الثالث: بل أعتق أبي جميع الثلاثة في مرض موته بكلمة واحدة.
قال ابن الحداد: فإن الأول يعتق ثلثه بإقرار الابن الأول؛ لأنه أقر بعتقه عليه وعلى إخوته.. فقبل إقراره في نصيب نفسه دون نصيب إخوته، ثم يقرع بين العبدين اللذين أشار إليهما الابن الثاني، فأيهما خرجت عليه قرعة العتق.. عتق ثلثه؛ لأنه قدر نصيبه، ثم يقرع بين الأعبد الثلاثة لإقرار الثالث، فأيهم خرجت عليه قرعة العتق.. عتق عليه ثلثه؛ لأنه قدر نصيبه، ولا يقوم على المقر باقي العبد؛ لأن العتق لم يقع بقوله، وإنما هو مخبر عن إعتاق أبيه، والإخبار واجب عليه، فلم يجب عليه التقويم.
وإن كانت قيمة العبد الذي أشار إليه الأول مائة، وقيمة الثاني الذي أشار إليه الثاني مع الأول مائتين، وقيمة العبد الثالث ثلاثمائة.. فإن الأول يعتق ثلثه بإقرار الابن الأول؛ لأنه لم يقر أن أباه أعتق إلا ما يساوي مائة، فلزمه ثلثها.
فإذا أقرعنا بين الأول والثاني لإقرار الثاني، فإن خرجت قرعة العتق على الأول.. عتق ثلثه وعتق من الثاني سدسه، وقيمة ذلك ثلاثة وثلاثون وثلث؛ لأنه أقر أن أباه أعتق ما يساوي مائتين، فلزمه ثلثهما.
وإن خرجت قرعة العتق على الثاني.. عتق ثلثه.
فإذا أقرعنا بين الثلاثة لإقرار الثالث، فإن خرجت قرعة العتق على الأول.. عتق ثلثه ثم تعاد القرعة بين الثاني والثالث، فإن خرجت قرعة العتق على الثاني.. عتق سدسه وهو تمام حصته من الثلث.
وإن خرجت على الثالث بعد خروجها على الأول.. عتق تسعه تمام حصته من الثلث.
وإن خرجت قرعة العتق في الابتداء على الثالث.. عتق منه تسعاه.
ولا يجب التقويم على ما مضى في الأول.
فرع اختلاف قول الوارث والشهود في عين المعتق
قال القاضي أبو الطيب: وإن شهد شاهدان أن رجلاً أعتق قبل موته عبداً له عيناه، وقيمته قدر ثلث تركته، وقال الوارث: لا، بل أعتق هذا، وقيمته قدر ثلث تركته، أو كانت الشهادة والإقرار في الوصية.. عتق العبد المشهود له بالشهادة، ثم يقرع بين المشهود له وبين الذي أقر له الوارث لبيان حكم المقر له لإرقاق المشهود له، فإن خرجت قرعة العتق على المشهود له.. رق المقر له؛ لأنه لا يجوز الزيادة على الثلث.
وإن خرجت قرعة العتق على المقر له.. عتق بإقراره وعتق الأول بالشهادة.
فرع اختلاف قول الشهود في عين المعتق
قال في " الأم ": [وإن شهد شاهدان على ميت أنه أعتق هذا العبد عتقاً بتاتاً وهو يخرج من الثلث، وشهد آخران أنه أعتق عبدا آخر عتقاً بتاتاً.. سئل عن الوقت،
فأيهما سبق بالعتق.. عتق ورق الثاني، ولا قرعة.
وإن كانا في وقت واحد ولم يعلم.. أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر).
قال في " الأم ": (وإن شهد شاهدان أنه نجز عتق هذا العبد وهو الثلث، وشهد آخران أنه أعتق هذا العبد في الوصية وهو الثلث.. عتق المنجز ورق المعتق في الوصية؛ لأن المنجز سابق، فقدم).
قال في " الأم ": (وإن شهد شاهدان أنه أعتق هذا العبد في الوصية أو التدبير وشهد آخران أنه أعتق عبدا آخر في الوصية أو التدبير، وكل واحد منهما قدر الثلث.. أعتق واحد منهما بالقرعة).
إذا ثبت هذا: فإن المزني روى في " المختصر ": لو شهد أجنبيان أنه أعتق عبده وصية وهو الثلث، وشهد وارثان أنه أعتق عبداً غيره وصية وهو الثلث.. عتق من كل واحد منهما نصفه.
واختلف أصحابنا في ذلك:
فقال القاضي أبو الطيب: أخطأ المزني في النقل، وقد ذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في المسألة قبلها أنه يقرع بينهما.
وقال بعض أصحابنا: المسألة مفروضة في الوصية بالعتق دون العتق المنجز؛ لأنه قال: (أعتق عبده وصية) وقوله: (عتق من كل واحد منهما نصفه) أراد: أن القياس كان يقتضي ذلك؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر إلا أن السنة وردت بالقرعة، وإنما قصد أن يبين له أنه لا مزية لشهادة الورثة على غيرهم.
ومنهم من قال: بل صورتها أن الشهادتين وقعتا في العتق المنجز؛ لأنه قال: (فإن شهدا أنه أعتق عبده) وقوله: (وصية) أراد: في مرض الموت؛ لأنه حالة الوصية.
والحكم في ذلك أنه يعتق من كل واحد منهما نصفه، ولا يمكن الإقراع بينهما لأنه ربما يكون قد تقدم عتق أحدهما، فخرج عليه سهم الرق، فيكون قد أرق الحر.
وقال ابن القاص: بل تأويل ذلك أنه إذا كان في لفظ الموصي ما يدل على تفريق العتق فيهما.. فيجعل بينهما.
[فرع إن ولدت غلاماً فهو حر أو جارية فأنت حرة]
إذا قال لأمته الحامل: إن كان أول ولد تلدينه غلاماً فهو حر، وإن كانت جارية فأنت حرة، فولدت غلاماً وجارية:
فإن ولدت الغلام أولاً: عتق ورقت الأم والجارية.
وإن ولدت الجارية أولاً.. عتقت الأم بوجود صفة العتق فيها، وعتق الغلام تبعاً لها؛ لأن العتق وقع عليها وهي حامل به فتبعها في العتق.
وإن ولدتهما معاً.. فالذي يقتضي المذهب: أنه لا يعتق أحد منهم؛ لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر.
وإن ولدت أحدهما بعد الآخر ولم يعلم أيهما نزل أول.. قال ابن الحداد: عتق الغلام؛ لأنه حر بكل حال، ورقت الجارية؛ لأنها رقيقة بكل حال.
وأما الأم: فإنه يقرع عليها بسهم عتق وسهم رق، فإن خرج عليها سهم العتق.. عتقت.
وإن خرج عليها سهم الرق.. رقت.
فاعترض عليه بعض أصحابنا، وقال: أخطأ؛ لأن الإقراع لا يكون إلا بين شخصين، فأما شخص واحد يشك في عتقه.. فلا تدخله القرعة.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا الذي قاله هذا القائل ليس بصحيح؛ لأن الإقراع ها هنا بين شخصين وهو الابن والأم؛ لأن سبب العتق وجد في أحدهما؛ لأن ولادة البنت سبب عتقهما، وولادة الابن سبب عتقه، وعلم أنه وجد في أحدهما، ولم يعلم بعينه، فوجب الإقراع بينهما.
فرع علق العتق على الوطء
وإن كان له أربع إماء، فقال: كلما وطئت واحدة منكن.. فواحدة حرة، فوطئ ثلاثاً منهن ولم يطأ الرابعة: قال ابن الحداد: أقرع بين الموطوءة أولاً وبين الرابعة التي لم توطأ، فإن خرجت
قرعة العتق على الرابعة.. عتقت، ثم تعاد القرعة بين الثانية والأولى، فإن خرجت قرعة العتق على الأولى.. عتقت، ثم تعاد القرعة بين الثانية والثالثة.
قال القاضي أبو الطيب: وبيان صحة ما قاله أنه بناه على أصلين:
أحدهما: أن الموطوءة تدخل في لفظ العتق كما يدخل غيرها.
والثاني: أن الوطء اختيار لملك الموطوءة ويعتبر العتق في غيرها.
إذا ثبت هذا الأصلان: فإنه إذا وطئ إحداهن.. فقد وقع العتق على واحدة من الأربع بغير عينها، فلما وطئ الثانية والثالثة.. كان اختياراً لملكهما، وتعين العتق بين الأولى والرابعة، فوجب الإقراع بينهما لتعيين العتق في إحداهما.
فإن قيل: أليس قد وطئ الأولى كما وطئ الثانية والثالثة، فهلا قلتم: إن العتق ينصرف عنها ويتعين في الرابعة بغير قرعة؟
فالجواب: أن الثانية والثالثة وطئهما بعد وقوع العتق على إحداهن والتعيين إليه، فكان وطؤهما اختياراً لملكهما، ووطئ الأولى قبل وقوع العتق، وإنما وقع العتق بعد هذا الوطء.
وأما العتق الواقع بوطء الثانية: فهو شائع بينهما وبين التي لم تعتق بوطء الأولى، وهي إما الأولى وإما الرابعة.
وأما الثالثة: فقد وطئها بعد وقوع العتق بوطء الثانية فكان اختياراً لملكها، وصرف العتق عنها، فتردد العتق الواقع بوطء الثانية بين الثانية والأولى والرابعة.
وأما العتق الواقع بوطء الثالثة: فهو شائع بينها وبين التي لم تعتق بالقرعة الأولى أو الثانية، وهي الأولى أو الثانية أو الرابعة، فيقرع بينهما، فإذا خرجت القرعة على إحداهما.. عتقت، فنكون قد عينا العتق في ثلاث منهن وأرققنا واحدة منهن.
ومن أصحابنا من خالفه في ذلك وقال: الوطء لا يكون اختياراً لملك الموطوءة كما لا يكون رجعة في المطلقة.
ووافقه أن الموطوءة تدخل في لفظ الإعتاق كغيرها.
فعلى هذا: قد عتق بوطء الثلاث ثلاث منهن بغير أعيانهن، فيكتب في ثلاث رقاع عتق، وفي رقعة رابعة رق، ثم يخرج رقعة على إحدى الأربع، فإن خرجت عليها رقعة الرق.. رقت وعتق البواقي.
وإن خرجت عليها رقعة العتق.. عتقت، ثم تخرج رقعة أخرى على أخرى، فإن خرجت رقعة الرق.. رقت وعتق الأخريان إلى أن يستوفى عتق ثلاث.
ومن أصحابنا من قال: الموطوءة لا تدخل في لفظ العتق، والوطء اختيار منه لملك الموطوءة.
فعلى هذا: إذا وطئ الأولى.. لم تدخل هي في العتق، وتعتق واحدة إما الثانية أو الثالثة أو الرابعة، لكنه وطئ الثانية والثالثة، فكان ذلك اختياراً لملكهما فتعتق الرابعة.
وتعتق الأولى بوطء الثانية؛ لأن الرابعة قد عتقت، والثالثة قد اختار تملكها بوطئها، فلم يبق إلا الأولى.
ويعتق بوطء الثالثة الثانية؛ لأن الرابعة قد عتقت بوطء الأولى، والأولى قد عتقت بوطء الثانية، والثالثة هي الموطوءة لا تدخل في العتق، فلم يبق إلا الثانية.
قال القاضي أبو الطيب: والأول أصح؛ لأن قوله: (كلما وطئت واحدة منكن) عام في جميعهن، والوطء اختيار للملك، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في البائع إذا وطئ الأمة المعيبة في مدة الخيار.. كان اختياراً للفسخ.
[فرع تعليق العتق بدخول دار أولاً وآخراً]
قال أبو العباس: لو قال: أول عبد يدخل الدار فهو حر، فدخل عبد الدار.. احتمل أن يعتق في الحال، وهو الأصح؛ لأنه أول، واحتمل أن لا يعتق حتى يدخل آخر؛ لأنه لا يقال له أول حتى يكون له آخر.
وإن قال: آخر عبد يدخل الدار فهو حر.. لم يحكم عليه بعتق عبد حتى يموت
فيحكم بعتق آخر من دخل من عبيده الدار؛ لأنه لا يعلم ذلك إلا بموته.
وإن قال: أول عبد يدخل الدار فهو حر، فدخل اثنان معاً، ثم دخل الثالث بعدهما.. لم يعتق أحدهم؛ لأن الاثنين لما دخلا معاً لم يكن أحدهما أولاً، واللفظ اقتضى واحداً، والثالث ليس بأول إلا إن قال: أول عبد يدخل الدار وحده فهو حر.. فيعتق الثالث.
وإن قال: أي أمة ابتعتها وتسريتها فهي حرة، فاشترى أمة وتسراها.. لم تعتق لأنه عقد الصفة قبل الملك.
مسألة ملك الأصول أو الفروع
إذا ملك الإنسان أباه، أو أمه، أو جده، أو جدته من قبل الأب أو الأم وإن علوا، أو ملك ولده أو ولد ولده وإن سفلوا، من البنين أو البنات.. عتق عليه بالملك.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وعامة أهل العلم.
وقال داود: [لا يعتق عليه بالملك أحد من والد ولا ولد ولا غيرهم).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] [الأنبياء: 26]، وهذا يدل على أن الولد لا يكون مملوكاً.
وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: 90] ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 91] ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92] ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93] [مريم: 90 - 93]. فدل على أن الولادة والعبودية لا يجتمعان له.
وإن ملك من سوى الوالدين له، أو المولودين من سائر القرابة.. لم يعتق عليه.
وقال مالك: (يعتق عليه الإخوة والأخوات).
وقال أبو حنيفة وأحمد: (يعتق عليه بالملك كل ذي رحم محرم).
دليلنا: أن من جاز للمكاتب بيعه إذا ملكه.. لم يعتق على الحر إذا ملكه، كالعصبات.
فرع ولد الزنا لا يعتق
وإن ولدت المرأة ولداً من الزنى وملكه الزاني بها.. لم يعتق عليه.
وقال أبو حنيفة: (يعتق عليه).
دليلنا: أنها ولادة لا يتعلق بها ثبوت النسب، فلا يتعلق بها وجوب الإعتاق، كما لو ولدته لأكثر من أربع سنين من حين الزنى.
فرع يعتق شقص من ذكر بالملك
وإن ملك شقصاً ممن يعتق عليه بالملك.. عتق عليه ذلك الشقص كما لو ملك جميعه، وهل يقوم الباقي عليه ويعتق؟ ينظر فيه:
فإن كان معسراً.. لم يقوم عليه ولم يعتق عليه؛ لأن التقويم والسراية لإزالة الضرر عن الشريك، وفي التقويم على المعسر إضرار بالمعسر.
وإن كان موسراً.. نظرت:
فإن ملك ذلك الشقص باختياره، بأن اتباعه أو اتهبه أو أوصي به له فقبله.. قوم عليه الباقي وعتق عليه.
وإن ملكه بغير اختياره، بأن ورثه.. لم يقوم عليه الباقي ولم يعتق عليه؛ لأن اختياره لملك الشقص اختيار للتقويم عليه والعتق.
فرع الوصية والهبة بمن يعتق عليه
وإذا وصى له بمن يعتق عليه، أو وهب له، أو قدر على شرائه.. فالمستحب له أن يقبل الوصية والهبة ويشتريه ليعتق عليه، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه».
ومعناه: فيعتقه بالشراء كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الناس غاديان: فبائع نفسه فموبقها، ومشتريها فمعتقها».
ولا يجب عليه ذلك، وهو قول كافة العلماء.
وقال بعض الناس إذا أوصي له بأبيه أو وهب له.. وجب عليه القبول، ليخلصه من ذل الرق.
دليلنا: أنه اجتلاب ملك فلم يجب عليه قبوله، كما لو وصى له بغير أبيه، ولأنه لا يجب عليه شراء أبيه، فلم يجب عليه قبول الوصية والهبة فيه.
فرع قبول الولي الوصية والهبة
وإن وصى للمولى عليه بمن يعتق عليه بالملك أو وهب له، فإن كان المولى عليه معسراً.. وجب على الولي أن يقبل له الوصية والهبة؛ لأنه يحصل للمولى عليه بذلك الثواب والولاء من غير ضرر عليه.
وإن كان المولى عليه موسراً، فإن كان الموصى به له يلزم المولى عليه نفقته.. لم يجز للولي قبوله؛ لأن النفقة تلزم المولى عليه.
وإن كان المولى عليه لا تلزمه نفقته.. وجب على الولي أن يقبل له الوصية والهبة؛ لأنه لا ضرر على المولى عليه.
وإن وصى له ببعضه: فإن كان المولى عليه معسراً.. لزم الولي قبوله؛ لأنه لا يقوم على المولى عليه ولا تلزمه نفقته.
وإن كان موسراً: فإن كان الموصى به زمناً يلزمه نفقته.. لم يجز للولي قبوله؛ لأنه يدخل الضرر على المولى عليه بوجوب النفقة عليه.
وإن كان الموصى به صحيحاً مكتسباً.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يجوز للولي قبوله؛ لأنه يلزم المولى عليه الضرر بالتقويم.
والثاني: يلزم الولي قبوله، ولا يقوم على المولى عليه ولا يسري؛ لأنه يدخل في ملكه بغير اختياره، فهو كما لو ملك بعضه بالإرث.
فرع وصى بجارية لزوجها فماتا وله ابن
إذا وصى رجل بجارية لزوجها، فمات الموصي، ثم مات الموصى له قبل قبول الوصية، وللموصى له ابن من هذه الجارية يرثه.. فالابن بالخيار: بين أن يقبل الوصية وبين أن يردها.
فإن ردها.. بقيت الأمة على ملك ورثة الموصي.
إن قبل الابن الوصية واحتملها الثلث.. صح ذلك ودخلت في ملك الزوج أولاً، ثم انتقلت إلى ابنه ميراثاً وعتقت عليه.
وإن لم يحتمل الثلث إلا بعضها ولم تجز الورثة باقيها.. صحت الوصية فيما احتمل الثلث منها، ودخل في ملك الزوج بقبول الابن، ثم ينتقل بعد ذلك إلى ملك ابنها بالإرث عن أبيه، ويعتق عليه ذلك.
فإن كان الابن معسراً.. لم يسر العتق إلى باقيها.
وإن كان موسراً.. فهل يقوم عليه باقيها ويسري العتق إليه؟ فيه وجهان:
(أحدهما): قال ابن الحداد: يقوم عليه ويعتق؛ لأنه اجتلب ملك بعضها بقبول الوصية فيقوم عليه باقيها، كما لو أوصى له ببعض أمة فقبلها.
والثاني: من أصحابنا من قال: لا تقوم عليه؛ لأنه ملك بعضها بالإرث عن أبيه، فهو كما لو ورث بعض أمة من غير الوصية.
قال القاضي أبو الطيب: والأول أصح؛ لأن له صنعاً في ملك بعضها، وهو قبوله.
قال: ونظيرها: إذا باع بعض أمة له بثوب وقبض الثوب ومات بائع بعض الأمة وورثه رجل هو ابن الأمة فوجد الابن بالثوب عيباً فرده.. رجع إليه بعض أمه.
وهل يقوم عليه باقيها إن كان موسراً؟ على الوجهين، الصحيح: أنه يقوم عليه.
فرع استولد أمة ثم ملكها عتق ابنه منها
إذا تزوج رجل أمة لغيره فأولد منها ابناً، ثم ملكها.. عتق عليه ابنه وانفسخ النكاح.
فإن ملك الأمة، ثم أوصى بهذه الجارية زوجها لابن لها من غيره، فإن رد الموصى له الوصية.. ملكها ابنها منه إرثاً عن أبيه، وعتقت عليه.
وإن قبلها الموصى له وخرجت من الثلث.. عتقت عليه؛ لأنها أمه.
وإن لم يكن له مال غيرها ولم يجز ابنها الوصية فيها.. عتق ثلثها على ابنها الموصى له، وعتق ثلثاها على ابنها الوارث.
وإن أجاز ابنها الوصية فيما زاد على الثلث، فإن قلنا، إن الإجازة ابتداء عطية من الوارث.. لم تصح الإجازة؛ لأنه ليس له أن يهب أمه.
وإن قلنا: الإجازة تنفيذ لما فعله الموصي.. صحت الإجازة، وعتق جميعها على الابن الموصى له.
فرع أوصى بأمته لابنها من غيره وله ابن منها
وإن كان لرجل أمة وله ابن من غيرها، ولها ابن من غيره، فأوصى بها لابنها ولا مال له غيرها، فمات الموصي، فأعتق ابنه ثلثيها، ثم قبل ابنها الوصية فيها، فإن
قلنا: إن الموصى له يملك الوصية بالقبول.. سرى إعتاق الوارث إلى ثلثها الموصى به.
وإن قلنا: تبين بالقبول أنه ملك بموت الموصي.. فقد قال ابن الحداد: لا يقوم نصيب الابن الوارث على ابن الأمة الموصى له وإن كان عتقه سابقاً لعتق الوارث.
ومن أصحابنا من خالفه وقال: يقوم ما زاد على الثلث على الابن الموصى له إن كان موسراً؛ لأن عتق نصيب الموصى له سابق لعتق نصيب الوارث، فيقوم عليه، ولأن ابن الحداد قال: إذا أوصى بها لابنها الذي ليس منه ولأجنبي، فقبل الأجنبي الوصية في نصفها وأعتقه، ثم قبل ابنها الوصية.. تبينا أنه عتق على ابنها نصفها حين موت الموصي، ووجب تقويم نصف الأجنبي عليه؛ لأن عتق نصيب ابنها سابق لعتق نصيب الأجنبي، فكذا هذا مثله.
ومنهم من صوب قول ابن الحداد، وقال: لا يقوم على ابنها نصيب الوارث الذي أعتقه؛ لأن ملك الوارث آكد من ملك الموصى له؛ لأنه ينتقل إلى الوارث من غير قبول.
فإذا أعتق ذلك.. صح واستقر، والموصى له لا يملك إلا بالقبول.
وإذا قلنا: إنه تبين بالقبول أنه ملك بالموت.. ففي ذلك خلاف بين أهل العلم، فلم يجز إبطال الأقوى بالأضعف.
وليس كذلك إذا كانت الوصية للأجنبي ولابنها؛ لأن سبب ملكهما واحد، وهو الوصية والقبول، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فجعلنا الحكم للسابق.
فرع أوصى له بما يعتق عليه
وإن وصى لرجل بمن يعتق عليه، فمات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول وله وارثان، فقبل أحدهما ورد الآخر.. فإن نصيب القابل يدخل في ملك الموصى له ويعتق عليه، وهل يقوم الباقي على القابل؟
قال ابن الحداد: إن كان القابل قد ورث عن الموصى له قدر قيمة الباقي.. قوم عليه الباقي.
وإن ورث عنه أقل من قيمة الباقي.. قوم عليه من باقي العبد بقدر ما ورث عن الموصى له.
وإن لم يرث عن الموصى له شيئاً.. لم يقوم عليه وإن كان موسراً من غير ميراثه عنه؛ لأن التقويم لزم على المتوفى لعتقه عنه في نصيب أحد الوارثين، فتعلق بما ورث عنه وقدم على الميراث، ولم يتعلق بنصيب الوارث الآخر؛ لأن العتق لم يثبت على الموصى له في نصيبه.
قال القاضي أبو الطيب: ويجيء في مثل هذا ما قال بعض أصحابنا: أنه لا يقوم عليه؛ لأنه دخل في ملك القابل بالإرث.
والأول أصح.
فرع اشترى الأمة الحامل زوجها وابنها الحر
إذا كان لرجل أمة ولها ابن حر من غيره، فزوجها مالكها من رجل وحملت من الزوج، فاشتراها زوجها وابنها الحر من مولاها وهي حامل صفقة واحدة.. فإن نصيب الابن من الجارية يعتق عليه؛ لأنه ملك بعض أمه، ويتبعه نصف حملها، فإن كان الابن معسراً.. لم يقوم عليه نصيب الزوج.
وإن كان موسراً.. قوم عليه نصيب الزوج من الجارية.
وأما نصيب الزوج من الحمل: فإنه يعتق عليه؛ لأنه ملك بعض ولده، ولا يقوم نصيب أحدهما بالحمل على صاحبه بحال؛ لأن عتق نصيبهما وقع عليهما في حالة واحدة.
فإن لم يشترياها ولكن أوصى بها مولاها لهما، فإن قبلا الوصية في حالة واحدة، بأن اتفق لفظهما في القبول أو وكلا وكيلا فقبل لهما بكلمة واحدة.. فهو كما لو اشترياها صفقة واحدة.
وإن قبل الوصية أحدهما بعد الآخر.. بنى على وقت ملك الموصى له، فإن قلنا: يتبين بالقبول أنه ملك بالموت.. فهو كما لو قبلا الوصية في حالة واحدة.
وإن قلنا: يملك الموصى له بالقبول.. نظرت:
إن قبل الزوج أولاً.. عتق عليه نصف الحمل؛ لأنه ملك بعض ولده، وقوم عليه النصف الآخر للموصى له إن كان موسراً، ثم إذا قبل الابن بعده.. عتق عليه نصف الأمة؛ لأنها أمه، ويقوم عليه نصفها للزوج إن كان الابن موسراً فيتقاصان فيما استويا فيه من القيمة ويترادان بالفضل.
وإن قبل الابن أولاً.. عتق عليه نصف الأمة، وتبعها نصف الحمل، وقوم عليه نصف الأمة ونصف الحمل للزوج.
فرع أسر المسلم أباه الحربي
وإذا أسر المسلم أباه الحربي وانفرد بأسره.. قال ابن الحداد: لم يعتق عليه؛ لأن الإمام فيه بالخيار: بين قتله ومفاداته والمن عليه، فلو أعتقناه.. لأبطلنا خيار الإمام فيه، ولأن الغانم لا يملك شيئا إلا أن يختار تملكه، ولم يوجد من الابن الاختيار لتملكه.
فإن اختار الإمام استرقاقه، واختار الابن تملكه.. عتق على الابن أربعة أخماسه، ويكون خمسه لأهل الخمس.
فإذا كان الابن معسراً.. رق خمسه.
وإن كان موسراً.. قوم عليه الخمس وعتق عليه.
وإن لم يختر الابن تملكه.. كانت أربعة أخماسه مرصدة لمصالح المسلمين، وخمسه لأهل الخمس.
وإن سبى أمه وابنه الصغير واختار تملكهما.. عتق عليه أربعة أخماسهما، وقوم عليه خمسهما لأهل الخمس إن كان موسراً؛ لأنه لا خيار للإمام فيهما.
وإن لم يختر تملكهما.. كانت أربعة أخماسهما لمصالح المسلمين، وخمسهما لأهل الخمس.
فرع قال لأحد عبديه أحدكم حر على ألف
إذا قال رجل لعبدين له: أحدكما حر على ألف، فقال كل واحد منهما: قد قبلت.. عتق أحدهما لا بعينه.
وله أن يعين أيهما شاء، ولا يقرع بينهما ما دام حياً.
فإن مات قبل البيان ولا وارث له.. أقرع بينهما.. وإن كان له وارث.. فهل يقوم مقامه في البيان؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي أبو الطيب.
أحدهما: يقوم مقامه في البيان كسائر حقوقه.
والثاني: يقرع بينهما كما أقرع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لتعيين العتق في العبيد الستة.
فإذا أقرع بينهما وخرجت القرعة لأحدهما.. عتق.
قال ابن الحداد: ولزم العبد قيمته لمولاه، ولا تلزمه الألف؛ لأنه زال ملكه عنه بعوض مجهول ولا يمكنه الرجوع إلى العبد، فيرجع عليه بقيمته.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر: أنه يرجع عليه بالألف.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا هو القول القديم في الصداق إذا تلف في يد الزوج قبل القبض، أو تلف عوض الخلع في يد الزوجة قبل القبض.
والأول أصح.
فرع اختلف إخوة في ملك جارية وولدها
ولو كانت جارية وولدها في يد ثلاثة رجال إخوة، فقال أحدهم: هذه أم ولدي وهذا ولدها مني.
وقال آخر: هذه أم ولد أبينا وولدها أخونا.
وقال الثالث: هذه أمتي وولدها عبدي، ولا بينة لوحد منهم.. قال ابن الحداد: فإنه يعتق ثلث الجارية وثلث ولدها بإقرار من قال: هي أم ولد أبينا.
ويعتق ثلث ثان من الولد بإقرار من قال: الجارية أم ولدي وولدها مني، ويصير ثلث الجارية أم ولد له، ويسري إلى ثلث الجارية وثلث ولدها، فيلزم الذي أقر بكونها أم ولد له ثلث قيمتها وثلث قيمة ولدها إن