كتاب الطلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فرع: الخلاص لمن علق طلاقها بالثلاث على صفة
وإن علق طلاق امرأته على صفة بحرف لا يقتضي التكرار، مثل أن قال: إن كلمت زيدا فأنت طالق ثلاثا، فأبانها قبل كلامها لزيد، فكلمت زيدا في حال البينونة، ثم تزوجها.. فإن حكم الصفة لا يعود، فإن كلمته بعد النكاح.. لم تطلق.
وهذه حيلة في إبطال تعليق الطلاق الثلاث بصفة، بأن يخالعها بما دون الثلاث، أو بلفظ الخلع - إذا قلنا: إنه فسخ - ثم توجد الصفة في حال البينونة إن كانت الصفة غير وطئها، ثم يتزوجها، فلا يعود حكم الصفة، فأما إذا كانت الصفة وطأها.. فلا نأمره بهذه الحيلة؛ لأنه لا يحل له وطؤها في حال البينونة، فإن خالف ووطئها.. تعلق به حكم الوطء المحرم، وانحلت الصفة.
وكذلك إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فباعه ثم دخل الدار، ثم اشتراه.. فإن حكم الصفة لا يعود.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يعود حكم الصفة - وبه قال مالك وأحمد - لأن عقد الصفة مقدر بالملك، فصار كما لو قال: إن دخلت الدار وأنت زوجتي فأنت طالق، أو قال لعبده: إن دخلت الدار وأنت عبدي فأنت حر.
وهذا غلط؛ لأن اليمين إذا علقت بصفة.. فإنها تتعلق بالصفة التي علق بها اللفظ، ولا تعتبر صفة أخرى لم يتلفظ بها، كما لو قال لها: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، فباع الدار ودخلتها.
وإن كان بحرف يقتضي التكرار، بأن قال لها: كلما دخلت الدار فأنت طالق، فأبانها ودخلت الدار في حال البينونة، ثم تزوجها ودخلت الدار في حال النكاح الثاني.. لم تطلق بدخولها الدار في حال البينونة.
وهل تطلق بدخولها الدار بعد النكاح الثاني؟ على الأقوال الثلاثة في التي قبلها.
وبالله التوفيق
باب الشك في الطلاق واختلاف الزوجين فيه
إذا شك الرجل: هل طلق امرأته أم لا؟ لم يلزمه الطلاق - وهو إجماع - لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق.
وقال الشافعي: (والورع والاحتياط أن يحنث نفسه، فإن كان يعرف من عادته أنه إذا طلق امرأته طلق واحدة أو اثنتين.. راجعها، وإن كان يعرف من عادته أنه يطلق الثلاث.. طلقها ثلاثا، فتحل لغيره بيقين).
وإن تيقن أنه طلق امرأته وشك: هل طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؟ لم يلزمه إلا الأقل، والورع أن يلتزم الأكثر.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأحمد.
وقال مالك وأبو يوسف: (يلزمه الأكثر).
دليلنا: أن ما زاد على القدر الذي يتيقنه.. طلاق مشكوك فيه فلم يلزمه، كما لو شك في أصل الطلاق.
مسألة: طلق إحداهما وجهلها
إذا كان تحته زوجتان، فطلق إحداهما وجهلها.. نظرت: فإن طلق إحداهما بعينها ثم نسيها، أو رأى شخصها في ظلمة أو سمع كلامها فقال لها: أنت طالق، ولم يدر أيتهما هي.. فإنه يتوقف عن وطئهما حتى يتبين عين المطلقة منهما؛ لأنه قد تحقق التحريم في إحداهما، فلم يحل له وطء واحدة منهما قبل البيان، كما لو اختلطت امرأته بأجنبية فلم يعرفها.
ويرجع في البيان إليه؛ لأنه هو المطلق، فكان أعرف بعين من طلقها.
وليس البيان إلى شهوته - وهو: أن يعين الطلاق فيمن يشتهي منهما - وإنما يرجع إلى نفسه ويتذكر من التي طلقها منهما، ويستدل على ذلك من نفسه فيخبر عنها، ويؤخذ بنفقتهما؛ لأنهما محبوستان عليه.
فإن قال: طلقت هذه.. حكم عليها بالطلاق من حين طلق، ويكون ابتداء عدتها من ذلك الوقت لا من حين عين؛ لأنه أخبر عن عين المطلقة منهما وقت طلاقه.
فإن كذبته المعينة.. لم يفد تكذيبها له.
وإن كذبته الأخرى وادعت: أنها هي المطلقة.. حلف لها؛ لأن الأصل عدم طلاقها.
وإن أقر: أن التي طلقها هي الثانية بعد الأولى.. حكم بطلاقها بإقراره.
فإن قال: طلقت هذه، لا بل هذه.. طلقتا جميعا في الحكم؛ لأنه أقر بطلاق الأولى فقبل منه، ثم رجع عن ذلك وأخبر بطلاق الثانية، فلزمه حكم إقراره الثاني، ولم يقبل رجوعه عن طلاق الأولى.
وإن قال: لم أطلق هذه.. قال الشيخ أبو حامد: حكم عليه بطلاق الأخرى؛ لأنا قد تيقنا أنه طلق إحداهما، فإذا قال: لم أطلق هذه.. كان اعترافا منه بأن التي طلقها هي الأخرى.
فرع: طلق إحداهن بعينها وأشكلت أو بدون تعيين ولا نية
]: وإن كان له ثلاث زوجات، فطلق واحدة بعينها وأشكلت، فقال: طلقت هذه، لا بل هذه، لا بل هذه.
أو: طلقت هذه، بل هذه، بل هذه.. طلقن جميعا؛ لأنه أقر بطلاق الأولى فقبل، ثم رجع عن طلاقها وأقر بطلاق الثانية، ثم رجع عن طلاق الثانية وأقر بطلاق الثالثة.. فلزمه حكم إقراره ولم يقبل رجوعه، كما لو قال: له علي درهم، بل دينار، بل ثوب.
وإن قال: طلقت هذه، بل هذه أو هذه.. طلقت الأولى وواحدة من الأخريين، ويلزمه أن يعين الطلاق في إحدى الأخريين.
وإن قال: طلقت هذه أو هذه، لا بل هذه.. طلقت الثالثة وإحدى الأوليين، ويلزمه التعيين في إحدى الأوليين.
وإن قال: طلقت هذه وهذه، أو هذه.. طلقت الأوليان أو الثالثة، ويلزمه البيان.
وإن قال: طلقت هذه، أو هذه وهذه.. طلقت الأولى أو الأخريان، ويلزمه البيان.
وقال أبو العباس: تطلق الثالثة وإحدى الأوليين؛ لأنه عدل عن لفظ الشك إلى (واو) العطف، فينبغي أن لا يشاركها في الشك، فتكون معطوفة على الجملة.
وإن كن أربعا، فقال: طلقت هذه أو هذه، بل هذه أو هذه.. طلقت إحدى الأوليين وإحدى الأخريين وأخذ ببيانهما.
وإن قال: هذه، ثم قال بعد ذلك: لا أدري أن التي عينتها هي المطلقة أو غيرها.. لزمه الطلاق في التي عينها، ووقف عن وطء الباقيات إلى أن يتبين أن التي طلقها هي التي عين أو غيرها.
وإن قال: التي عينتها ليست المطلقة.. لم يقبل رجوعه عن طلاق المعينة، ولزمه أن يعين واحدة من الباقيات للطلاق؛ لأن هذه يتضمن الإقرار بأن واحدة من الباقيات مطلقة، فلزمه بيانها.
وإن وطئ إحداهن.. لم يكن ذلك تعيينا للطلاق في غير الموطوءة؛ لأن الطلاق لا يقع بالفعل، فكذلك البيان لا يقع بالفعل.
ويؤخذ بالبيان، فإن عين الطلاق في غير الموطوءة.. علمنا أنه إنما وطئ زوجته، وإن عين الطلاق في الموطوءة.. وجب عليه لها مهر المثل للوطء بعد الطلاق؛ لأنه وطء شبهة.
وأما إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها، بأن قال: إحداكن طالق، ولم يعين بقلبه واحدة بعينها منهن.. وقع الطلاق على واحدة منهن لا بعينها؛ لأن الطلاق يقع مع الجهالة.
وقال مالك: (يقع على جميعهن).
دليلنا: أنه أضاف الطلاق إلى واحدة.. فلم يقع على الجماعة، كما لو عينها.
إذا ثبت هذا: فإنه يوقف عن وطئهن حتى يعين المطلقة منهن؛ لأنا نتحقق التحريم في واحدة منهن لا بعينها فوقف عن وطئهن، كما لو طلق واحدة بعينها ونسيها.
ويؤخذ بتعيين المطلقة منهن؛ لتتميز المطلقة من غير المطلقة.
وله أن يعين الطلاق فيمن اشتهى منه؛ لأنه أوقع الطلاق على واحدة لا بعينها.. فكان له التعيين فيمن اختار، بخلاف الأولى؛ فإنه أوقع الطلاق على واحدة بعينها وإنما أشكلت، فلذلك قلنا: لا يعينه فيمن اشتهى منهن.
إذا ثبت هذا: فإن قال: طلقت هذه.. تعين فيها الطلاق.
وإن قال: هذه التي لم أطلقها، وكانتا اثنتين.. طلقت الأخرى؛ لأن هذا يتضمن الإقرار بطلاق الأخرى.
وإن قال: طلقت هذه، لا بل هذه.. طلقت الأولى دون الثانية؛ لأن الأولى إذا تعينت للطلاق.. لم يبق ما يقع على الثانية، بخلاف المسألة الأولى؛ فإن ذلك إخبار منه فيمن طلقها بعينها.
فإذا أخبر بطلاق واحدة ثم رجع عنها إلى الثانية.. لزمه حكم إقراره في الثانية، ولم يقبل رجوعه عن الأولى.
وإن وطئ إحداهما.. فهل يكون وطؤه لها بيانا لإمساكها واختيارا للطلاق في الأخرى إذا كانتا اثنتين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يكون تعيينا؛ لأنه وطء فلم تتعين به المطلقة، كما لو طلق واحدة بعينها وجهلها أو نسيها.
والثاني: يكون تعيينا، وهو الأصح؛ لأن هذا اختيار شهوة فوقع بالوطء، كما لو وطئ البائع الجارية المبيعة في حال الخيار.
وقال أحمد بن حنبل: (لا تتعين المطلقة بالقول ولا بالوطء، وإنما تتعين بالقرعة).
دليلنا: أن القرعة لا مدخل لها في الزوجات في أصل الشرع.
إذا ثبت هذا، وعين الطلاق في واحدة.. فمتى وقع عليها الطلاق؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يقع عليها من حين إيقاعه؛ لأن الطلاق لا يجوز أن يكون في الذمة وإن لم تتعين المطلقة، فإذا عينها.. تبينا أن الطلاق وقع من حين الإيقاع.
فعلى هذا: يكون ابتداء عدتها من ذلك الوقت.
والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: أنه وقع عليها من حين التعيين - وبه قال أبو حنيفة وأصحابه - لأن الطلاق لم يوقعه على واحدة منهن، بدليل: أن له أن يختار التعيين فيمن شاء منهن، فلو قلنا: إنه من وقت الإيقاع.. لما خيره في التعيين.
فعلى هذا: يكون ابتداء عدتها من وقت التعيين.
وحكي عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه قال: وقع الطلاق من حين الإيقاع، إلا أن العدة من وقت التعيين، كما نقول فيمن نكح امرأة نكاحا فاسدا ووطئها.
فرع: قوله زوجتي طالق وله زوجات ولم يعينها
إذا كان له زوجات، فقال: زوجتي طالق، ولم يعين واحدة بقلبه.. وقع الطلاق على واحدة منهن لا بعينها.
وبه قال عامة العلماء.
وقال أحمد: (يقع الطلاق على جميعهن).
وحكي ذلك عن ابن عباس.
دليلنا: أنه أوقع الطلاق على واحدة، فلا يقع على جميعهن، كما لو قال: إحدى نسائي طالق.
إذا ثبت هذا: فإنه يرجع في البيان إليه على ما مضى.
مسألة: طلق إحداهما بعينها ونسيها أو إحداهما لا بعينها وحصول موت
وإن طلق إحدى امرأتيه ثلاثا وجهلها أو نسيها، أو طلق إحداهما لا بعينها، وماتت إحداهما قبل أن يعين المطلقة.. لم يتعين الطلاق في الأخرى، بل له أن يعين الطلاق في إحداهما بعد الموت.
وقال أبو حنيفة: (يتعين الطلاق في الباقية).
دليلنا: أنه يملك تعيين الطلاق قبل موتها.. فملكة بعد الموت، كما لو كانتا باقيتين.
إذا ثبت هذا: فإنه يوقف له من مال الميتة منهما ميراث زوج، وهو: النصف مع عدم الولد وولد الولد، أو الربع مع وجود الولد أو ولد الولد؛ لأنا نعلم أن إحداهما زوجته يرث منها والأخرى أجنبية لا يرث منها، فلم يجز أن يدفع إلى ورثة كل واحدة منهما إلا ما يتيقن أنهم يستحقونه، ونحن لا نعلم أنهم يستحقون قدر ميراث الزوج منهما فوقف.
فيقال له: بين المطلقة منهما.
فإن كان قد طلق واحدة منهما بعينها ثم جهلها أو نسيها، ثم قال: التي كنت طلقتها فلانة وهي الميتة.. دفع ما عزل له من تركة الميتة إلى باقي ورثتها.
وإن قال: التي طلقتها هي الباقية.. دفع إليه ما عزل له من تركة الميتة.
وإن ماتتا قبل التعيين.. عزل من تركة كل واحدة منهما ميراث زوج، ثم يقال له: عين المطلقة منهما، فإن قال: التي طلقتها فلانة.. دفع ما عزل له من تركتها إلى باقي ورثتها؛ لأنه أقر أنه لا يرثها، ودفع إليه ما عزل له من تركة الأخرى؛ لأنه أخبر: أنها زوجته.
فإن كذبه ورثتها فقالوا: بل هي التي كنت طلقتها.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء نكاحها وعدم طلاقه لها إلى الموت.
فإن حلف.. فلا كلام، وإن نكل عن اليمين، فحلف ورثتها: أنها هي التي طلقها.. سقط ميراثه عن الأولى بإقراره، وعن الثانية بنكوله وأيمان ورثتها.
وإن كان قد أطلق إحداهما لا بعينها فعين الطلاق في إحداهما.. دفع ما عزل له من تركة المعينة للطلاق إلى باقي ورثتها، ودفع ما عزل له من تركة الأخرى إلى الزوج.
فإن كذبه ورثتها.. فلا يمين على الزوج؛ لأن هذا اختيار شهوة.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا طلق إحداهما لا بعينها.. فهل له أن يعينها بعد موتها؟ فيه وجهان، بناء على أن الطلاق يقع من وقت التعيين أو من وقت الإيقاع؟
فإن قلنا: يقع وقت الإيقاع.. كان له.
وإن قلنا: يقع وقت التعيين.. لم يكن له.
فإن مات الزوج وهما باقيتان قبل أن يعين الطلاق في إحداهما، فإن قال وارث الزوج: لا أعلم المطلقة منهما.. وقف من مال الزوج ميراث زوجة - وهو: الربع مع عدم الولد وولد الولد، والثمن مع وجود أحدهما - لأنا نتيقن أن إحداهما وارثته
بيقين، فلا يدفع إلى باقي ورثته إلا ما يتيقن استحقاقهم له، ويوقف ذلك بين الزوجين إلى أن يصطلحا عليه.
وإن قال وارث الزوج: أنا أعرف المطلقة منهما.. فهل يرجع إلى بيانه؟ فيه قولان، قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من قال: هما وجهان:
أحدهما: يرجع إلى بيان الوارث؛ لأنه يقوم مقام الزوج في الملك والرد بالعيب، وفي استحقاقه النسب بالإقرار، فقام مقامه في تعيين المطلقة.
فعلى هذا: إذا قال: المطلقة فلانة.. دفع ما عزل من تركة الزوج إلى الأخرى، وإن كذبته المطلقة.. حلف لها.
والثاني: لا يقوم مقامه؛ لأن في ذلك إسقاط حق وارث معه في الظاهر بقوله.
واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فقال أبو إسحاق: القولان فيمن طلق إحداهما بعينها، وفيمن طلق إحداهما لا بعينها.
ومنهم من قال: القولان فيمن طلق إحداهما بعينها ثم جهلها أو نسيها، فأما إذا طلق إحداهما لا بعينها: فلا يقوم مقام المورث قولا واحدا؛ لأنه يمكنه التوصل إلى العلم بالمطلقة منهما إذا وقع الطلاق بواحدة بعينها بسماع من الزوج، فإذا طلق واحدة منهما لا بعينها.. فتعيين المطلقة إلى شهوة الزوج، فلا يقوم وارثه مقامه، كما لو أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه، فمات قبل أن يختار.
فإن كانت بحالها وماتت واحدة منهما، ثم مات الزوج قبل البيان، وبقيت الأخرى.. عزل من تركة الزوج ميراث زوجة؛ لجواز أن تكون الباقية هي الزوجة، وعزل من تركة الميتة قبله ميراث زوج؛ لجواز أن تكون الميتة هي الزوجة.
فإن قال وارث الزوج: الميتة قبل الزوج هي المطلقة.. قبل قوله؛ لأن في ذلك إضرارا عليه من جهة أنه لا يرث من الميتة، وترث معه الباقية.
وإن قال: بل الميتة قبل الزوج هي الزوجة، والباقية هي المطلقة، فإن صدقته الباقية وورثة الأولى.. ورث ميراث الزوج من الأولى، ولم ترث معه الباقية.
وإن كذبوه.. فهل يقبل قول الوارث؟ فيه قولان، وقد مضى توجيههما.
والذي يقتضي المذهب: أن يكون في موضع القولين وجهان كالتي قبلها:
فـ[أحدهما]: إذا قلنا: لا يقبل قول وارث الزوج.. كان ما عزل من تركة الميتة قبل الزوج موقوفا حتى يصطلح عليه وارثها ووارث الزوج، وما عزل من تركة الزوج موقوفا حتى يصطلح عليه وارث الزوج والزوجة الباقية.
و [الثاني]: إذا قلنا: يقوم مقام الزوج، فإن كان الزوج قد أوقع الطلاق في إحداهما بعينها ثم نسيها أو جهلها.. فإن وارث الزوج يحلف لورثة الميتة: ما يعلم أنه طلقها؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره، فحلف على نفي علمه، ويحلف للباقية: أنه طلقها؛ لأنه يحلف على الإثبات.. فكانت يمينه على القطع.
وإن كان الزوج طلق إحداهما لا بعينها، وقلنا: يقبل قول وارث الزوج فيها.. فلا يمين على وارث الزوج، كما لا يمين على الزوج في ذلك.
فرع: أشكل عليه طلاق إحداهما لصفة تقديما أو تأخيرا
وإن قال: يا حفصة، إن كان أول ولد تلدينه ذكرا فعمرة طالق، وإن كان أنثى فأنت طالق، فولدت حفصة ذكرا وأنثى أحدهما بعد الآخر وأشكل المتقدم منهما.. علمنا أن إحداهما قد طلقت بعينها وهي مجهولة، فيرجع إلى بيانه، كما لو أشرفت إحداهما من موضع فقال: هذه طالق ولم يعرفها.. فإنه يرجع إلى بيانه.
فرع: قال إن كان هذا الطائر غرابا فنسائي طوالق فطار ولم يعرف
فرع: [رأى طائرا فعلق الطلاق أو العتق على أنه غراب أم لا فطار ولم يعرف]: وإن رأى رجل طائرا، فقال: إن كان هذا الطائر غرابا فنسائي طوالق، وإن كان غير غراب فإمائي حرائر، فطار الطائر ولم يعرف: هل هو غراب أو غير غراب.. فقد علمنا أنه حنث في الطلاق أو العتق؛ لأنه لا يخلو: إما أن يكون غرابا أو غير غراب،
فيوقف عن وطء الجميع وعن التصرف؛ لأنا نتحقق التحريم: إما في الزوجات، وإما في الإماء وإن جهلنا عين المحرم منهما، فوقف عن الجميع تغليبا للتحريم، ويؤخذ بالبيان؛ لأنه هو الحالف ويجوز أن يكون عنده علم، فإن أقر: أن عنده علما وامتنع من البيان.. حبس وعزر إلى أن يبين، وعليه نفقة الجميع إلى أن يبين؛ لأنهن في حبسه.
فإن قال: كان الطائر غرابا.. طلقن النساء، سواء صدقنه أو كذبنه.
فإن صدقته الإماء على أنه كان غراب.. فلا يمين عليه، وإن قلن: ما كان غرابا.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء الملك عليهن.
فإن طلبن يمينه فحلف لهن.. لم يعتقن، وإن كذبنه ولم يطلبن إحلافه.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحلفه الحاكم؛ لما في العتق من حق الله تعالى.
والثاني: لا يحلفه؛ لأن العتق يسقط بتصديقهن أن الطائر كان غرابا، فسقطت يمينه بترك مطالبتهن.
وإن نكل فحلفن.. عتق بأيمانهن ونكوله، وطلقن النساء بإقراره السابق.
وإن قال ابتداء: كان الطائر غير غراب.. عتقن الإماء، صدقنه أو كذبنه.
فإن صدقنه النساء أنه لم يكن غرابا.. فلا كلام.
وإن قلن النساء: بل كان غرابا.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فإن حلف.. بقين على الزوجية، وإن نكل فحلفن.. طلقن بنكوله وأيمانهن، وعتقن الإماء بإقراره.
وإن قال: لا أعلم: هل كان غرابا أو غير غراب؟ فإن صدقته النساء والإماء أنه لا يعلم.. بقين على الوقف، وإن كذبنه وقلن: بل هو يعلم.. حلف لهن: أنه لا يعلم، وبقين على الوقف.
وإن نكل عن اليمين.. حلف من ادعى منهن: أنه يعلم أنه حنث في يمينه فيه، وكان كما لو أقر.
فإن مات قبل البيان.. فهل يرجع إلى الورثة؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو
إسحاق وابن الصباغ، ويشبه أن يكونا مأخوذين من القولين في التي قبلها:
أحدهما: يرجع إليهما في البيان؛ لأن الورثة يقومون مقامه في الملك والرد بالعيب، فكذلك في بيان المطلقات والمعتقات.
والثاني: لا يرجع إليهم في البيان؛ لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط بعض الورثة بقول البعض.
وعندي: أن الوجهين إنما هما إذا قال الورثة: كان الطائر غرابا ليطلق النساء ولا يعتق الإماء.
فأما إذا قلنا: كان الطائر غير غراب.. فإنه يقبل قوله وجها واحدا؛ لأنه أقر بما فيه تغليظ عليه من جهتهن:
أحدهما: أن الإماء يعتقن عليه.
والثاني: أن الزوجات يرثن معه.
إذا ثبت هذا: فإن قال الوارث: لا أعلم: هل كان غرابا أو غير غراب، أو قال الوارث: كان الطائر غرابا ولم يصدقنه النساء والإماء، وقلنا: لا يقبل قوله.. فإنه يقرع بين النساء والإماء؛ لتمييز العتق لا لتمييز العتق لا لتمييز الطلاق، فتجعل الزوجات جزءا والإماء جزءا، ويضرب عليهن بسهم حنث وسهم بر، فإن خرج سهم الحنث على الإماء.. عتقن ولم تطلق النساء، وإن خرج سهم الحنث على النساء.. لم يطلقن ولا تعتق الإماء.
وقال أبو ثور: (يطلقن النساء كما تعتق الإماء).
وهذا خطأ؛ لأن القرعة لا مدخل لها في الطلاق، ولهذا: لو طلق إحدى امرأتيه ومات قبل أن يعين.. لم يقرع بينهما.
ولو أعتق عبديه في مرض موته ولم يحتملهما الثلث.. أقرع بينهما.
فإن خرجت قرعة الحنث على الإماء.. حكم بعتقهن من رأس المال إن كان قال ذلك في الصحة، ومن الثلث إن قاله في المرض الذي مات فيه.
ولا يحكم بطلاق النساء، بل تكون عليهن عدة الوفاة.
ويكون للزوجات الميراث، إلا أن يكن قد ادعين الطلاق وكان الطلاق مما لا يرثن معه لو ثبت.. فلا يرثن؛ لأنهن أقررن أنهن لسن بوارثات.
وإن خرجت قرعة الحنث على الزوجات.. فقد ذكرنا: أنهن لا يطلقن.
قال الشافعي: (والورع لهن أن يدعن الميراث؛ لأن الظاهر بخروج الحنث عليهن أنه طلقهن، إلا أن القرعة ليس لها مدخل في الطلاق، فكذلك لم يحكم بوقوعه.
فإن طلبن الميراث.. كان لهن).
وأراد به: إذا لم يتقدم منهن الدعوى في الحنث في الطلاق، على ما مضى.
وهل تزول الشبهة في ملك الإماء، ويكون الملك ثابتا عليهن ظاهرا وباطنا بخروج قرعة الحنث على النساء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تزول الشبهة؛ لأن القرعة لما لم تؤثر في الجنبة التي خرجت عليها.. لم تؤثر في الجنبة الأخرى.
فعلى هذا: يكون ملك الورثة ثابتا على الإماء مع الشبهة.
والثاني: تزول الشبهة بذلك، كما إذا خرجت قرعة الحنث عليهن.
ولأن القرعة إنما تؤثر في جنبة النساء؛ لأنه لا مدخل لها فيهن في أصل الشرع، ولها مدخل في الإماء في أصل الشرع في العتق.
فعلى هذا: يكون ملك الورثة ثابتا على الإماء بلا شبهة.
وعلى الوجهين ينفذ تصرف الورثة فيهن بالبيع والاستمتاع وغيره، إلا أن في الأول يصح تصرفه مع الشك، وعلى الثاني من غير شك.
فرع: علق الطلاق أو العتق على أن الطائر غراب أو حمام فطار ولم يعرف
وإن قال: إن كان هذا الطائر غرابا فنساؤه طوالق، وإن كان حماما فإماؤه حرائر، فطار ولم يعرف.. لم يحكم عليه بطلاق ولا عتق؛ لجواز أن لا يكون غرابا ولا حماما.
فإن ادعى النساء: أنه كان غرابا، وادعى الإماء: أنه كان حماما، ولا بينة.. حلف: أنه ليس بغراب يمينا، وأنه ليس بحمام يمينا؛ لأن الأصل بقاء النكاح والملك.
فرع: اختلفا في عتق على طائر أنه غراب أم لا فطار ولم يعرف
فرع: [اختلفا في عتق على طائر أنه غراب أم لا أو غراب أو حمام وطار ولم يعرف]:
وإن رأى رجلان طائرا، فقال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابا فعبدي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فعبدي حر، فطار ولم يعرف.. علمنا أن أحدهما قد حنث في يمينه ولكن لا نعلمه بعينه.. فلا يحكم على أحدهما بالعتق؛ لأن كل واحد منهما يشك: هل زال ملكه عن عبده أم لا؟ والأصل بقاء ملكه.
فإن ملك أحدهما عبد الآخر بهبة أو ببيع أو إرث.. عتق عليه؛ لأن إمساكه لعبده إقرار منه بحرية عبد الآخر، وإنما لم يقبل إقراره على صاحبه؛ لأنه يقر بما لا يملكه، فإذا ملكه بعد ذلك.. لزمه حكم إقراره الأول، كما لو شهد رجل على رجل: أنه أعتق عبده، فلم تقبل شهادته عليه، ثم ملكه الشاهد بعد ذلك.. فإنه يعتق عليه بإقراره الأول.
وإن قال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابا فعبدي حر، وقال الآخر: إن كان حماما فعبدي حر، فطار الطائر ولم يعرف.. لم يحكم على أحدهما بعتق عبده.
فإن ملك أحدهما عبد الآخر بعد ذلك.. لم يعتق عليه؛ لجواز أن يكون ذلك الطائر ليس بغراب ولا حمام.
مسألة: ادعت طلاقها وأنكره أو أنكر عدده
وإن ادعت المرأة على زوجها: أنه طلقها فأنكر، أو ادعت عليه: أنه طلقها ثلاثا فقال: بل طلقتها واحدة أو اثنتين ولا بينة.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
«البينة على المدعي، واليمين على من أنكر».
ولأن الأصل عدم الطلاق وعدم ما زاد على ما أقر به الزوج.
فرع: خيرها فاختارت أو قال: أنت طالق وكررها ثم اختلفا
وإن خيرها الزوج، فقالت: قد اخترت، وقال: ما اخترت.. فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدم الاختيار.
والذي يقتضي المذهب: أنه يحلف: ما يعلم أنها اختارت؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره.
وإن ادعت: أنها نوت الطلاق، وقال الزوج: ما نويت.. ففيه وجهان:
أحدهما: القول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل عدم النية.
والثاني: القول قولها مع يمينها؛ لأنهما اختلفا في نيتها، ولا يعلم ذلك إلا من جهتها، فقبل قولها مع يمينها، كما لو علق الطلاق على حيضها.
وإن قال: أنت طالق أنت طالق، وادعى: أنه أراد التأكيد، وادعت: أنه أراد الاستئناف.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بإرادته.
وإن قال أردت الاستئناف، وقالت: بل أردت التأكيد.. لزمه حكم الاستئناف؛ لأنه أقر بالطلاق فلزمه، ولا يمين عليه؛ لأنه لو رجع.. لم يقبل رجوعه، فلا معنى لعرض اليمين عليه.
فرع: عبد طلق زوجته ثنتين وأعتق وأشكل السابق أو اختلفا
إذا تزوج العبد امرأة فطلقها طلقتين وأعتق، فإن كان العتق قبل استيفاء الطلقتين.. فله أن يطلق الثالثة، وله أن يسترجعها.
وإن كان طلاق الاثنتين قبل العتق.. لم يجز له استرجاعها، ولا يملك الثالثة.
وإن أشكل السابق منهما.. لم يكن له استرجاعها، ولا يملك الثالثة عليها؛ لأنه
يشك في وقت الطلاق أنه في رقه أو في حريته، والأصل فيه الرق.
وإن اختلفا، فقالت الزوجة: كان الطلاق سابقا، وقال الزوج: كان العتق سابقا.. فهو كما لو ادعى الزوج بعد انقضاء عدتها: أنه كان راجعها قبل انقضاء عدتها، وقالت: لم تراجعني إلا بعد انقضاء عدتي.
ويأتي بيانه.
وبالله التوفيق