البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 184-223

كتاب الطلاق

صفحات 184-223
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لها: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت أول جزء من الدار.. طلقت.
فإن قال: أردت به الطلاق في النصف أو في آخره.. لم يقبل في الحكم؛ لأن ذلك يخالف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن قوله يحتمل ذلك.
وإن قال: أنت طالق في غرة شهر رمضان، أو في غرة هلال رمضان، أو في رأس رمضان، أو في أول رمضان.. طلقت في أول جزء من الليلة الأولى من رمضان.
فإن قال: أردت به نصف الشهر أو آخره.. لم يقبل في الحكم، ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن لفظه لا يحتمل ذلك.
وإن قال: أردت بالغرة بعض الثلاث الأولى من الشهر.. لم يقبل في الحكم؛ لأنه يؤخر الطلاق عن أول وقت يقتضيه، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يسمى غررا.
وإن قال: أنت طالق في نهار رمضان.. لم تطلق إلا بأول جزء من اليوم الأول من الشهر؛ لأنه علقه بالنهار.

فرع: قوله أنت طالق في آخر رمضان أو أول آخره وغير ذلك

وإن قال: أنت طالق في آخر رمضان، أو في سلخ رمضان، أو في انقضائه، أو في خروجه.. طلقت بغيبوبة الشمس في آخر يوم منه.
وإن قال: أنت طالق في أول آخر رمضان.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو العباس: تطلق في أول جزء من ليلة السادس عشر؛ لأن أول الشهر هو النصف الأول، وآخره النصف الثاني، فكان أول آخره أول ليلة السادس عشر.

والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا، وهو الأصح -: أنها تطلق بطلوع الفجر من اليوم الأخير من الشهر؛ لأن آخر الشهر هو آخر يوم فيه، فأوله طلوع فجره.
وإن قال: أنت طالق في آخر أول رمضان.. فعلى قول أبي العباس: تطلق بغروب الشمس من اليوم الخامس عشر؛ لأن أول الشهر عنده النصف الأول، وآخر أوله غروب الشمس من اليوم الخامس عشر.
وعلى قول أكثر أصحابنا: يقع الطلاق في آخر الليلة الأولى من الشهر؛ لأنها أول الشهر، هكذا ذكر ابن الصباغ.
وأما الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق - فقالا: تطلق على هذا آخر اليوم الأول من الشهر.
وقول ابن الصباغ: أقيس.
وإن قال: أنت طالق في آخر أول آخر رمضان.. قال الشيخ أبو إسحاق: فعلى قول أبي العباس: تطلق عند طلوع الفجر من هذا اليوم السادس عشر؛ لأن أول آخر الشهر ليلة السادس عشر، وآخرها عند طلوع الفجر من يومها.
وعلى الوجه الثاني: تطلق بغروب الشمس من آخر يوم من الشهر؛ لأن أول آخره إذا طلع الفجر من آخر يوم منه، فكان آخره عند غروب الشمس.
وإن قال: أنت طالق في أول آخر أول رمضان.. قال الشيخ أبو إسحاق: طلقت على قول أبي العباس بطلوع الفجر من اليوم الخامس عشر؛ لأن آخر أوله غروب الشمس من هذا اليوم، فكان أوله طلوع الفجر منه.
وعلى الوجه الثاني: تطلق بطلوع الفجر من أول يوم من الشهر؛ لأن آخر أول الشهر غروب الشمس من أول يومه، فكان أوله طلوع الفجر.
وعندي: أنها تطلق على هذا في أول جزء من الليلة الأولى من الشهر؛ لأن أول الشهر هو أول جزء من الليلة الأولى منه، وآخر أوله آخر جزء من هذه الليلة، فكان أول آخر أوله هو أول جزء من تلك الليلة.

فرع: قوله أنت طالق في شهر قبل ما بعد قبله رمضان

وإن قال: أنت طالق في شهر قبل ما بعد قبله رمضان.. فاختلف أصحابنا: متى تطلق؟ فمنهم من قال: تطلق في أول رجب.
ومنهم من قال: تطلق في أول شعبان، ولم يذكر في " الفروع " غيره؛ لأن الشهر الذي بعد قبل رمضان هو رمضان نفسه، فالشهر الذي قبله شعبان.
ومنهم من قال: تطلق في أول شوال، وهو اختيار القاضي أبي الطيب وابن الصباغ؛ لأنه أول وقت الطلاق في شهر وصفه؛ لأن قبل ما بعد قبله رمضان، ذلك لأنه يقتضي أن قبله رمضان، لأن ما بعد قبل الشهر هو الشهر نفسه، وقبله رمضان.

مسألة: قوله أنت طالق اليوم

إذا قال لامرأته: أنت طالق اليوم.. طلقت في الحال؛ لأنه من اليوم.
وإن قال لها: إذا مضى يوم فأنت طالق، فإن قال ذلك بالليل.. لم تطلق حتى تغيب الشمس من يوم تلك الليلة.
وإن قال ذلك بالنهار.. لم تطلق حتى يمضي باقي يومه، ثم تمضي الليلة التي تستقبلها وتبلغ من اليوم الثاني إلى الوقت الذي عقد فيه الطلاق.
وإن قال: أنت طالق إذا مضى اليوم.. فالذي يقتضي المذهب: أنه إذا قال ذلك في النهار.. طلقت بغروب الشمس من ذلك اليوم؛ لأن اليوم للتعريف.

فرع: قوله أنت طالق في غد وغير ذلك

وإن قال لها: أنت طالق في غد.. طلقت بطلوع الفجر من الغد، سواء قال ذلك ليلا أو نهارا.
وإن قال لها: أنت طالق اليوم إذا جاء غد.. قال أبو العباس: لم تطلق؛ لأنه

لا يجوز أن تطلق اليوم؛ لأنه لم يوجد شرط الطلاق، وهو مجيء الغد، ولا يجوز أن تطلق غدا؛ لأنه إيقاع طلاق في يوم قبله.
وإن قال: أنت طالق اليوم غدا.. رجع إليه: ما أراد بذلك؟ فإن قال: أردت أنها تطلق اليوم طلقة وتكون طالقا غدا بتلك الطلقة.. لم يقع عليها إلا طلقة؛ لأن قوله يحتمل ذلك.
وإن قال: أردت أنها تطلق اليوم طلقة وغدا طلقة.. طلقت طلقتين؛ لأن قوله يحتمل ذلك، وقد أقر على نفسه بما فيه تغليظ عليه.
وإن قال: أردت اليوم نصف طلقة وغدا نصف طلقة أخرى.. طلقت طلقتين؛ لأن كل نصف يسري طلقة.
وإن قال: أردت نصف طلقة في اليوم ونصفها الثاني في غد.. وقع عليها في اليوم طلقة؛ لأنه لا يمكن إيقاع نصف طلقة، فسرى إلى طلقة، وهل تقع عليها طلقة أخرى إذا جاء غد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقع عليها؛ لأن النصف الذي أوقعه في غد قد سرى في اليوم الأول، فلم يتبق ما يقع في غد.
والثاني: تطلق في غد طلقة ثانية؛ لأنه لم يقع عليها في اليوم الأول بإيقاعه إلا نصف طلقة، وإنما الشرع أوجب سرايتها، وقد أوقع عليها في الغد نصف طلقة، فيجب أن تقع وتسري.
وإن قال: لا نية لي.. وقع عليها في اليوم طلقة؛ لأنها يقين، ولا يقع عليها في الغد طلقة أخرى؛ لأنه مشكوك فيها.
وإن قال: أنت طالق اليوم أو غدا.. ففيه وجهان، حكاهما في " المهذب ": أحدهما: لا تطلق إلا غدا؛ لأنه يقين.

والثاني: أنها تطلق اليوم؛ لأنه جعل كل واحد منهما محلا للطلاق، فتعلق بأولهما.

فرع: علق طلاقها بغد أو عتق عبده بعد غد

وإن قال لها: إذا جاء غد فأنت طالق، أو عبدي حر بعد غد.. لم تطلق امرأته إذا جاء غد؛ لأنه أوقع الطلاق غدا أو العتق بعد غد.. كان بالخيار: بين أن يعين الطلاق في امرأته، أو العتق في عبده، كما لو قال لامرأتيه: هذه طالق أو هذه.

فرع: طلقها ثلاثا موزعة كل يوم طلقة أو بعد مضي ثلاثة أيام

إذا قال لامرأته في يوم: أنت طالق ثلاثا، في كل يوم طلقة.. وقع عليها في الحال طلقة، ووقعت عليها الثانية بطلوع الفجر من اليوم الثاني، ووقعت الثالثة بطلوع الفجر من اليوم الثالث؛ لأن ذلك أول وقت يقتضي وقوع الطلاق.
قال ابن الصباغ: وإن قال لها: أنت طالق في مجيء ثلاثة أيام.. وقع عليها الطلاق إذا طلع الفجر من اليوم الثالث.
وإن قال لها: أنت طالق في مضي ثلاثة أيام.. فإنها تطلق إذا مضت ثلاثة أيام.
قال ابن الصباغ: فإن قال ذلك بالليل.. طلقت إذا غربت الشمس من اليوم الثالث.
فإن قال ذلك بالنهار.. طلقت إذا صار إلى مثل ذلك الوقت من اليوم الرابع.

مسألة: علق طلاقها برؤية هلال رمضان

وإن قال لامرأته: إذا رأيت هلال رمضان فأنت طالق، فإذا رآه آخر يوم من شعبان قبل الزوال أو بعده.. لم تطلق حتى تغيب الشمس من ذلك اليوم؛ لأن هلال الشهر ما كان في أوله لا قبله.
وإن لم يره بنفسه وإنما رآه غيره.. طلقت امرأته.

وحكى ابن الصباغ: أن أبا حنيفة قال: (لا تطلق إلا أن يراه هو).
دليلنا: أن رؤية الهلال المعهود في الشرع هي العلم بالهلال برؤية نفسه أو برؤية غيره؛ بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته».
ولم يرد به رؤيته بنفسه وإنما أراد علمه به برؤيته أو رؤية غيره، فحمل المطلق على ذلك، كما لو قال لها: إن صليت فأنت طالق.. فإنها تطلق بالصلاة الشرعية، لا بالصلاة اللغوية، وهي الدعاء.
فإن قال: أردت رؤيتي بنفسي.. لم يقبل في الحكم؛ لأن دعواه تخالف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يقبل في الحكم؟ فيه وجهان.
وإن غم عليهم الهلال.. قال أبو إسحاق المروزي: إذا عدوا شعبان ثلاثين يوما.. طلقت بمغيب الشمس من آخر يوم منه؛ لأنه بالضرورة يعلم أن بعد ذلك هلال رمضان؛ لأن الشهر لا يكون واحدا وثلاثين يوما.
قال الشيخ أبو حامد: وإن صح عند الحاكم رؤية الهلال ولم يعلم المطلق، فإن كان شهر شعبان ناقصا.. لم يلزمه حكم الطلاق حتى يعلم بالرؤية.
وإن كان شعبان تاما.. لزمه الطلاق بغروب الشمس من آخر يوم من شعبان؛ لأن الشهر لا يكون أحدا وثلاثين.
ولعل الشيخ أبا حامد أراد به: أنه لا يلزمه حكم الطلاق إذا كان شعبان ناقصا قبل علمه؛ أي: إذا وطئها قبل علمه أنه لا يأثم، وأما الطلاق: فيحكم به عليه بأول جزء من الليلة التي رأى فيها الهلال، ويلزمه المهر إن وطئ بعد ذلك، سواء علم به أو لم يعلم، كما لو علقه بقدوم زيد، فقدم ولم يعلم بقدومه.

فرع: علق الطلاق لرؤية الهلال بنفسه أو أطلق ثم رآه قمرا

وإن قال: إذا رأيت الهلال بنفسي فأنت طالق، أو أطلق ذلك وقال: أردت رؤيته بنفسي، فلم يره حتى صار قمرا.. لم تطلق عليه إلا إذا قيد ذلك ظاهرا وباطنا، ولا يدين فيما بينه وبين الله تعالى إذا رآه لأنه ليس بهلال.
واختلف الناس فيما يصير به قمرا: فمنهم من قال: يصير قمرا إذا استدار، وقال بعضهم: إذا بهر ضوءه.

مسألة: علق طلاقها لمضي سنة

إذا قال لامرأته: إذا مضت سنة فأنت طالق.. اعتبر ذلك من حين حلف.
فإن كان أول الشهر.. اعتبر جميع السنة بالأهلة، فإذا مضى اثنا عشر شهرا تامة أو ناقصة.. طلقت؛ لأن الاعتبار بالسنة الهلالية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 189] [البقرة: 189]. وإن كانت اليمين وقد مضى بعض الشهر، فإن مضى منه خمسة أيام.. اعتد بما بقي من أيام هذا الشهر، وعد بعده أحد عشر شهرا بالأهلة.
فإن كان الشهر الذي حلف فيه تاما.. لم تطلق حتى يمضي بعد الأحد عشر شهرا خمسة أيام؛ لأن الطلاق إذا كان في أثناء الشهر.. لم يمكن اعتباره بالهلال، فاعتبر جميعه بالعدد، بخلاف غيره من الشهور.
وإن قال: أنا أردت سنة بالعدد وهي ثلاثمائة وستون يوما، أو سنة شمسية وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما.. لم يقبل في الحكم؛ لأنه يدعي تأخير الطلاق عن أول وقت يقتضيه، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.

وإن قال: إذا مضت السنة فأنت طالق.. طلقت إذا انقضت سنة التأريخ، وهو: إذا انسلخ شهر ذي الحجة؛ لأن التعريف يقتضي ذلك.
وإن قال: أنا أردت سنة كاملة.. لم يقبل في الحكم؛ لأنه يدعي تأخير الطلاق عن أول وقت يقتضيه، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.

فرع: طلقها ثلاثا كل سنة طلقة

وإن قال لها: أنت طالق ثلاثا، في كل سنة طلقة.. وقع عليها طلقة عقيب إيقاعه؛ لأنه جعل السنة ظرفا لوقوع الطلاق، فإذا وجد أول جزء منها.. وقع الطلاق، كما لو جعل الشهر أو اليوم ظرفا للطلاق.. فإن الطلاق يقع في أوله.
وهل تطلق في أول السنة الثانية والثالثة؟ ينظر فيه: فإن كانت في عدة من هذا الطلاق، بأن طالت عدتها.. طلقت في أول كل سنة منهما طلقة؛ لأن الرجعية يلحقها الطلاق.
وإن كانت زوجة له في هذا النكاح، بأن راجعها بعد الأولى قبل انقضاء عدتها، فمضى عليه سنة من حين اليمين الأولى.. طلقت طلقة ثانية.
وكذلك إذا راجعها بعد الطلقة الثانية، فجاء أول الثالثة وهي زوجة له من هذا النكاح.. وقعت عليها طلقة ثالثة.
وإن جاء أول الثانية أو الثالثة وقد بانت منه ولم يتزوجها.. لم يقع عليها الطلاق؛ لأن البائن لا يلحقها الطلاق.
وإن تزوجها بعد أن بانت منه فجاء أول الثانية أو الثالثة وهي زوجة له من نكاح جديد.. فهل يعود عليها حكم الصفة الأولى؟ فيه قولان، يأتي بيانهما إن شاء الله.
فإن قال: أردت بقولي في أول كل سنة، أي: في كل أول سنة التأريخ وهو دخول المحرم.. لم يقبل في الحكم؛ لأنه يدعي تأخير الطلاق عن أول وقت يقتضيه، ويدين فيما بينه وبين الله؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.

مسألة: قال أنت طالق في الشهر الماضي

وإن قال: أنت طالق في الشهر الماضي.. فإنه يسأل عن ذلك، فإن قال: أردت أني أوقع الطلاق الآن في الشهر الماضي.. فالمنصوص: (أنها تطلق في الحال).
قال الربيع: وفيها قول آخر: (أنها لا تطلق).
واختلف أصحابنا فيه: فقال أبو علي بن خيران: قد نص الشافعي على: (أنه إذا قال لها: إن طرت أو صعدت السماء فأنت طالق.. فإنها لا تطلق)، وهذا تعليق طلاق بصفة محال، كإيقاع الطلاق الآن في زمن ماض.
فجعل الأولى على قولين، وهذه على وجهين: أحدهما: لا تطلق؛ لأنه علق الطلاق على شرط، فلا يقع قبل وجوده، كما لو علقه على دخولها الدار.
والثاني: تطلق في الحال؛ لأنه علقه على شرط مستحيل، فألغي الشرط ووقع الطلاق، كما لو قال لمن لا سنة في طلاقها ولا بدعة: أنت طالق للسنة وللبدعة.
وقال أكثر أصحابنا: إذا قال: أنت طالق في الشهر الماضي، وقال: أردت به إيقاع الطلاق الآن في الشهر الماضي.. أنها تطلق قولا واحدا؛ لما ذكرناه، وما حكاه الربيع.. من تخريجه.
وإذا قال لها: أنت طالق إن طرت أو صعدت إلى السماء.. فعلى وجهين: أحدهما: تطلق؛ لما ذكرناه.
الثاني - وهو المنصوص -: (أنها لا تطلق حتى توجد الصفة).
والفرق بينهما: أن إيقاع الطلاق الآن في زمان ماض مستحيل وجوده في العقل؛ لأن الله تعالى ما أجرى العادة بمثل ذلك وإن كان غير مستحيل في قدرة الله تعالى، والطيران والصعود إلى السماء غير مستحيل وجوده في العقل؛ لأن الله قد أجرى العادة بذلك؛ إذ جعل ذلك للملائكة، وقد أسرى بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد يجعل الله لها إلى ذلك سبيلا.
ولأن إيقاع الطلاق في الزمن الماضي يتضمن وقوعه الآن، فحكم عليه بالطلاق الآن.

وإن قال: أردت بقولي: أنت طالق في الشهر الماضي، أي: كنت طلقتها في الشهر الماضي في نكاح آخر، أو طلقها زوج غيري في الشهر الماضي وأردت الإخبار عنه، فإن صدقته الزوجة على أنه طلقها في الشهر الماضي، أو طلقها زوج غيره في الشهر الماضي، وأنه أراد بقوله هذا الإخبار عن ذلك.. فلا يمين على الزوج ولا طلاق.
وإن صدقته على طلاقه أو طلاق زوجها الأول في الشهر الماضي، وكذبته أنه أراد ذلك.. فالقول قوله مع يمينه: أنه أراد ذلك؛ لأن دعواه لا تخالف الظاهر.
وإن كذبته أن يكون طلقها هو أو غيره في الشهر الماضي.. لم يقبل حتى يقيم البينة على ذلك؛ لأنه يمكنه إقامة البينة على ذلك، فإذا أقام البينة عليه.. حلف أنه أراده، وإن لم يقم البينة.. لم يقبل في الحكم؛ لأن دعواه تخالف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
وإن قال: كنت طلقتها في هذا النكاح في الشهر الماضي، فإن صدقته الزوجة على ذلك.. حكمنا بوقوع الطلاق من ذلك الوقت، وكانت عدتها من ذلك الوقت.
وإن كذبته.. فالقول قوله مع يمينه.
والفرق بينهما: أن في التي قبلها يريد أن يرفع الطلاق من هذا النكاح، فلم يقبل، وهاهنا لا يريد أن يرفعه، وإنما يريد نقله إلى ما قبل هذا، فقبل.
وتجب عليها العدة من الآن؛ لأنها تقر أن هذا ابتداء عدتها، وليس للزوج أن يسترجعها بعد انقضاء عدتها من الشهر الماضي؛ لأنه يقر أن ابتداء عدتها من الشهر الماضي.
وإن قال: لم يكن لي نية.. حكم عليه بوقوع الطلاق في الحال؛ لأن الظاهر أنه أراد تعليق إيقاعه الآن في الشهر الماضي.
وإن مات، أو جن، أو خرس فلم تعقل إشارته قبل البيان.. قال الشافعي في " الأم ": (حكم عليه بوقوع الطلاق في الحال).
وهذا يدل على أن الطلاق ينصرف إلى ذلك.

فرع: أنت طالق إن شربت دجلة أو علقه على صفة مستحيلة

]: وإن قال لها: أنت طالق إن شربت ماء دجلة، أو حملت الجبال على رأسك.. ففيه قولان: أحدهما: لا يقع عليها الطلاق؛ لأنه علق الطلاق على صفة، فلم يقع قبلها.
والثاني: يقع في الحال؛ لأنه علقه على صفة مستحيلة في العادة، فألغيت الصفة وبقي الطلاق مجردا، وهذا اختيار الشيخ أبي حامد، والأول اختيار ابن الصباغ.

مسألة: علق طلاقها على ما قبل قدوم زيد بشهر

وإن قال لامرأته: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، فقدم زيد بعد هذا بشهر وزيادة.. تبينا أن الطلاق وقع في لحظة قبل شهر من قدومه.
وبه قال زفر.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (يقع الطلاق بقدوم زيد).
دليلنا: أنه أوقع الطلاق في زمان على صفة، فإذا حصلت الصفة.. وقع فيه، كما لو قال: أنت طالق قبل رمضان بشهر.. فإن أبا حنيفة وافقنا على ذلك.
وإن قدم زيد قبل شهر من وقت اليمين.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: أنها كما لو قال: أنت طالق في الشهر الماضي، فيكون على قولين: عند ابن خيران: أنها لا تطلق.
وعند سائر أصحابنا: تطلق في الحال قولا واحدا؛ لأنه إيقاع طلاق قبل عقده.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا، وهو المشهور -: أنها لا تطلق هاهنا قولا واحدا؛ لأنه علق الطلاق على صفة قد كان وجودها ممكنا فوجب اعتبارها، وإيقاع الطلاق في زمان ماض غير ممكن فسقط اعتباره.
فعلى هذا: إذا قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، ثم خالعها الزوج، ثم قدم

زيد.. نظرت: فإن قدم زيد لشهر فما دونه من حين تعليق الطلاق.. تبينا أن الخلع صحيح؛ لأنها لم تطلق بالصفة قبل الخلع.
وإن قدم زيد لأكثر من شهر من حين عقد الطلاق، فإن كان بين ابتداء الخلع والقدوم شهر فما دون.. تبينا أن الخلع لم يصح؛ لأنه إذا كان بينهما أقل من شهر.. بان أن الطلاق بالصفة كان سابقا للخلع.
وإذا كان بينهما شهر لا غير.. بان أنها طلقت بائنا قبل تمام الخلع، فلم يصح.
وإن كان بين ابتداء الخلع والقدوم أكثر من شهر.. تبينا أن الخلع صحيح؛ لأنه بان أن الخلع وقع قبل الطلاق بالصفة.

فرع: علق الطلاق أو العتق بالموت

]: وإن قال لامرأته: أنت طالق قبل موتي.. طلقت في الحال؛ لأن ذلك قبل موته، وهو أول وقت يقتضيه الطلاق، فوقع فيه الطلاق.
وإن قال: أنت طالق قبيل موتي.. قال ابن الحداد: لا يقع الطلاق في الحال، وإنما يقع قبل موته بجزء يسير؛ لأن ذلك تصغير يقتضي الجزء اليسير.
وكذلك إذا قال: أنت طالق قبيل رمضان.. طلقت إذا بقي من شعبان جزء يسير.
وإن قال لها: أنت طالق مع موتي.. لم تطلق؛ لأن تلك حال البينونة، فلا يقع فيها طلاق، كما لو قال لها: أنت طالق مع انقضاء عدتك وكانت رجعية.
وكما لو قال لها: أنت طالق بعد موتي.
وإن قال لعبده: أنت حر مع موتي.. عتق من الثلث، كما يصح أن يقول: أنت حر بعد موتي.
وإن قال لامرأته: أنت طالق قبل موتي بشهر، فإن مات بعد هذا الشهر وزيادة

لحظة.. طلقت في تلك اللحظة قبل الشهر.
وإن مات لأقل من شهر.. لم تطلق؛ لتقدم الشرط على العقد.
وإن مضى شهر بعد هذا ومات على رأس الشهر.. لم تطلق؛ لأن الطلاق إنما يقع بعد الإيقاع لا مع الإيقاع، فلو حكمنا بالطلاق هاهنا.. لوقع معه.

مسألة: علق الطلاق أو العتق ليوم قدوم زيد

إذا قال لامرأته: أنت طالق في اليوم الذي يقدم فيه زيد.. قال الشيخ أبو إسحاق: فإن قدم زيد ليلا.. لم تطلق؛ لأنه لم يوجد الشرط.
وإن قال: أردت باليوم الوقت.. طلقت؛ لأن اليوم قد يستعمل في الوقت، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] [الأنفال: 16].
وإن ماتت المرأة في يوم ثم قدم زيد بعد موتها في ذلك اليوم.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال ابن الحداد: ماتت مطلقة، فلا يرثها إن كان الطلاق بائنا.
وكذلك: إذا علق عتق عبده بذلك، ثم باعه بعد ذلك بيوم، وقدم زيد بعد البيع في ذلك اليوم.. تبينا أن العتق وقع قبل البيع، وأن البيع باطل - وهو اختيار القاضي أبي الطيب - لأن أول اليوم طلوع الفجر، وإنما عرفه بقدوم زيد، فإذا قدم.. تبينا أن الصفة وجدت بطلوع الفجر، كما إذا قال لها: أنت طالق يوم الخميس.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: لا يقع عليها الطلاق، ولا يصح العتق - وبه قال ابن سريج - لأن معنى قوله: يوم قدوم زيد، أي: وقت قدوم زيد، فلا تطلق قبله، كما لو علقه على القدوم من غير ذكر اليوم.

مسألة: علق طلاقها بعدم التزوج عليها

إذا قال لامرأته: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق، فإن قيد ذلك بمدة، فإن لم يتزوج حتى بقي من المدة قدر لا يتسع لعقد النكاح.. طلقت.
وإن أطلق.. اقتضى التأبيد، فإن مات أحدهما قبل أن يتزوج.. طلقت إذا بقي من

حياة الميت ما لا يتسع لعقد النكاح.
فإن كان الطلاق رجعيا.. ورث الباقي منهما.
وإن كان بائنا، فإن ماتت الزوجة.. لم يرثها الزوج، وإن مات الزوج.. فهل ترثه؟ فيه قولان.
وإن قال: إذا لم أتزوج عليك فأنت طالق، فمضى بعد يمينه زمان يمكنه أن يعقد فيه النكاح فلم يعقد.. طلقت عند من قال من أصحابنا إن (إذا) على الفور.
وإن تزوج عليها.. بر في يمينه.
وقال مالك وأحمد: (لا يبر حتى يتزوج عليها من يشبهها في الجمال، ويدخل بها).
دليلنا: أن اليمين معقودة على التزويج بها، وقد وجد ذلك بالعقد وإن كانت ممن لا يشبهها.
هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قال لامرأته: إن لم أتزوج فأنت طالق.. لم تطلق ما لم يوأس من تزويجه.
فلو ماتت قبل أن يتزوج، فإن قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق.. طلقت قبل موتها، وإن أطلق.. لم تطلق.
فإن ماتت في الأولى وكان الطلاق بائنا.. لم يرثها، وإن مات.. فهل ترثه؟ فيه قولان.
وإن قتل فأجهز قتله.. فقد قال القفال مرة: لا ترثه؛ لأنه لم يوجد من جهته عجز.
وقال مرة: ترثه؛ لأنه وجد منه العجز في حال لطيفة قبل خروج الروح.

فرع: قوله إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم

وإن قال لامرأته: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم، فخرج اليوم ولم يطلقها.. ففيه وجهان:

أحدهما - وهو قول أبي العباس -: أنها لا تطلق؛ لأن الصفة توجد بخروج اليوم، فإذا خرج اليوم.. لم يقع الطلاق؛ لأنه قد فات.
والثاني - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أنها تطلق في آخر جزء من اليوم؛ لأن معناه: إن فاتني طلاقك اليوم فأنت طالق، فإذا بقي من اليوم ما لا يمكنه الطلاق فيه.. فقد فاته الطلاق، فوقع الطلاق في ذلك الجزء.

فرع: علق طلاقها أو عتق عبده على صفة

]: وإن قال لعبده: إن لم أبعك اليوم فامرأتي طالق، فأعتقه في اليوم.. طلقت حين أعتقه؛ لأنه قد فاته البيع.
وكذلك إذا مات العبد.
وإن دبره.. لم تطلق قبل خروج اليوم؛ لأن المدبر يصح بيعه.
وإن قال رجل: إن كانت امرأتي في السوق فعبدي حر، ثم قال: إن كان عبدي في السوق فامرأتي طالق، فكانا في السوق.. عتق العبد، ولم تطلق المرأة؛ لأنه بدأ يمين العتق فعتق العبد، فلم توجد الصفة في الطلاق؛ لأنه ليس بعبده بعد عتقه.
وعلى قياس هذا: إذا قال: إن كان عبدي في السوق فامرأتي طالق ثلاثا، وإن كانت امرأتي في السوق فعبدي حر، فكانا في السوق.. طلقت المرأة، ولم يعتق العبد؛ لأنه بدأ بيمين الطلاق، فإذا وقع الطلاق.. فليست امرأته، فلم يعتق العبد بكونها في السوق.
وإن قال لعبده: متى دخلت الدار فأنت حر، ثم قال لامرأته: متى أعتقت عبدي فأنت طالق، ثم دخل العبد الدار.. عتق العبد، ولم تطلق المرأة؛ لأن إيقاع العتق هاهنا سابق لعقد الطلاق بالصفة.
وإن قال لامرأته: متى أعتقت عبدي فأنت طالق، ثم قال لعبده: متى دخلت الدار فأنت حر، ثم دخل العبد الدار.. عتق العبد، وطلقت المرأة؛ لأنه معتق للعبد بالصفة بعد عقد الطلاق بالصفة.
وإن قال لعبده: متى دخلت هذه الدار فأنت حر، ثم قال لامرأته: متى عتق

عبدي.. فأنت طالق، ثم دخل الدار.. عتق العبد، وطلقت المرأة؛ لأن صفة الطلاق وقوع الحرية، وقد وقعت الحرية بعد عقد الطلاق بالصفة.

مسألة: تزوج أمة أبيه وعلق طلاقها بموته

وإن تزوج رجل أمة أبيه، ثم قال الابن: إذا مات أبي فأنت طالق، فمات الأب ولا دين عليه والابن وارثه.. فهل تطلق؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي العباس، وابن الحداد، والشيخ أبي حامد في درسه -: أنها لا تطلق؛ لأن الأب إذا مات.. ورثها الابن أو ورث بعضها، فينفسخ النكاح، والطلاق لا يقع في حال انفساخ النكاح، كما لو قال: أنت طالق مع موتي.
والثاني - وهو قول الشيخ أبي حامد في درسه ثانية -: أنها تطلق؛ لأن بموت الأب لا يحصل الفسخ، وإنما يملكها بموت الأب، ثم ينفسخ النكاح، فيكون وقوع الطلاق سابقا للانفساخ، فوقع.
فإن كان على الأب دين.. فعلى قول الإصطخري: الدين يمنع انتقال الملك إلى الورثة، فيقع الطلاق.
وعلى المذهب: لا يمنع، فيكون كما لو لم يكن عليه دين.
فإن كانت بحالها، وقال الأب: إذا مت فأنت حرة، فمات الأب ولا دين عليه، فإن كانت تخرج من الثلث.. وقع الطلاق؛ لأنها تعتق بموت الأب، ولا يملكها الابن.
وإن كان على الأب دين.. فإنها لا تعتق، فإذا قلنا: الدين يمنع انتقال الملك.. طلقت، وإذا قلنا: لا يمنع.. كان الطلاق على وجهين.
وإن لم يكن على الأب دين إلا أنها لا تخرج من الثلث.. قال ابن الصباغ: فإن لم يجز الورثة.. عتق منها ما يخرج من الثلث، ورق الباقي، ولم يقع الطلاق على قول ابن الحداد.

وإن أجاز الورثة، فإن قلنا: إن الإجازة ابتداء عطية من الورثة.. لم يقع الطلاق، وإن قلنا: إنه تنفيذ.. وقع الطلاق.
وإن كاتبها الأب ثم مات.. قال ابن الصباغ: لم يقع الطلاق على قول ابن الحداد؛ لأن المكاتبة ينتقل ملكها إلى الورثة، وينفسخ نكاحها.

فرع: علق طلاقها على شرائه لها وعلق سيدها حريتها على بيعها

وإن تزوج حر أمة غيره، فقال: إذا اشتريتك فأنت طالق، وقال سيدها: إن بعتك فأنت حرة، فاشتراها الزوج.. قال ابن الحداد: عتقت وطلقت؛ لأن صفة العتق والطلاق وجدا جميعا.
قال أصحابنا: أما العتق: فيقع بكل حال، وأما الطلاق: فإنما يقع على القول الذي يقول: ينتقل الملك إلى المشتري بالعقد والتفرق، أو على القول الذي يقول: إنه موقوف، فأما على القول الذي يقول: يملكها المشتري بنفس العقد.. فلا تطلق؛ لأن النكاح ينفسخ فلا يصادف الطلاق زوجية.
قال ابن الصباغ: ويجيء هاهنا ما ذكره الشيخ أبو حامد التي قبلها: أن الطلاق يقع؛ لأن الملك يحصل على هذا عقيب الشراء فتوجد الصفة فتطلق، والفسخ يقع بعد الملك، فكان وقوع الطلاق سابقا.
قال ابن الحداد: قال الشافعي: (وإن اشترى امرأته الأمة، فلم يتفرق هو والبائع حتى طلقها ثلاثا، فإن تم الشراء.. فلا طلاق؛ لأنه يستدل على أن طلاقه صادف أمته لا امرأته.
وإن لم يتم الشراء.. عمل بطلاقه وحرمت عليه)، وهذا على القول الذي يقول: (إنه موقوف).

فرع: علق طلاقه على كونه يملك أكثر من مائة أو لا يملك إلا مائة

قال أبو العباس: إذا قال لامرأته: إن كنت أملك أكثر من مائة فأنت طالق، وكان معه خمسون، فإن قال: أردت أني لا أملك زيادة على مائة.. لم يحنث؛ لأنه صادق.
وإن قال: أردت بيميني أني أملك مائة.. حنث.
وإن أطلق.. ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأن هذا يعبر به عن ملك المائة، فإذا كان بخلافه.. حنث.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه علق الطلاق بملكه أكثر من مائة، وليس يملك ذلك، فلم يقع طلاقه.
فأما إذا قال: إن كنت لا أملك إلا مائة فأنت طالق.. فإنه إذا كان يملك أقل من مائة.. فإنه يحنث.
ومن أصحابنا من يحكي فيه وجهين.
والأول أصح؛ لأن (إلا) هاهنا استثناء من النفي فيجب أن يكون إثباتا.

مسألة: علق طلاقها بقدوم فلان

وإن قال: إذا قدم فلان فأنت طالق، فمات فلان قبل أن يقدم، ثم قدم به.. لم تطلق؛ لأنه لم يقدم وإنما قدم به.
وهكذا: إذا أكره فقدم به محمولا.. لم تطلق؛ لأنه لا يقال له: قدم.
وإن أكره حتى قدم بنفسه.. فهل تطلق؟ فيه قولان، كما لو أكل في الصوم مكرها على الأكل.
وإن قدم غير مكره والمحلوف عليه عالم باليمين.. حنث الحالف.
وإن كان غير عالم باليمين، أو كان عالما ثم نسيها عند القدوم.. نظرت: فإن كان القادم ممن لا يقصد الحالف منعه من القدوم، كالسلطان أو الحجيج أو أجنبي لا يمنع من القدوم لأجل يمين الحالف.. طلقت؛ لأن ذلك ليس بيمين، وإنما هو تعليق طلاق بصفة وقد وجدت، فوقع الطلاق، كقوله: إن دخل الحمار الدار أو طلعت الشمس فأنت طالق.

وإن كان القادم ممن يقصد الحالف منعه من القدوم، كقرابة الرجل أو قرابة المرأة أو بعض من يسوؤه طلاقها.. ففيه قولان، كالقولين فيمن حلف لا يفعل شيئا، ففعله ناسيا.
وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: ينبغي أن يقال: إذا كان المحلوف على قدومه ممن يمنعه الحالف من القدوم باليمين.. أن يرجع إلى قصد الحالف، فإن قصد منعه من القدوم.. فهو كما مضى، وإن أراد أن يجعل ذلك صفة.. كان ذلك صفة.
قال الطبري: فلو قدم المحلوف على قدومه وهو مجنون، فإن كان يوم عقد اليمين عاقلا ثم جن بعد ذلك.. لم يقع الطلاق؛ لأنه لا حكم لفعله في ذلك.
وإن كان في ذلك اليوم مجنونا.. وقع الطلاق؛ لأنه يجري مجرى الصفات.

فرع: علق طلاقه بضرب زيد فضربه بعد موته

]: وإن قال لها: إذا ضربت فلانا فأنت طالق، فضربه بعد موته.. فقال أكثر أصحابنا: لم تطلق؛ لأن القصد بالضرب أن يتألم به المضروب، وهذا لا يوجد في ضرب الميت.
هذا هو المشهور.
وقال ابن الصباغ: وهذا يخالف أصلنا؛ لأنا لا نراعي إلا ظاهرا من اللفظ في اليمين دون ما يقصد به في العادة، ألا ترى أنه لو حلف: لا ابتعت هذا، فابتاعه له وكيله.. لم يحنث، وإن كان القصد بالابتياع هو التملك وقد حصل له؟ وحقيقة الضرب موجودة في ضرب الميت وإن لم يألم به، ألا ترى أنه لو ضربه وهو نائم أو سكران فلم يتألم به، وإن ضربه ضربا لا يؤلمه.. لبر في يمينه؟

فرع: علق طلاقها على رؤيتها شخصا فرأته

وإن قال: إن رأيت فلانا فأنت طالق، فرأته حيا أو ميتا.. طلقت؛ لأن رؤيته حاصلة وإن كان ميتا.

قال ابن الصباغ: وإن رأته مكرهة.. فهل تطلق؟ فيه قولان على ما ذكرناه في القدوم.
وإن رأته في مرآة أو رأت ظله في الماء.. لم تطلق؛ لأنها ما رأته، وإنما رأت مثاله.
وإن رأته من وراء زجاج شفاف.. طلقت؛ لأنها رأته حقيقة.

مسألة: علق طلاقها على خروجها بغير إذنه

وإن قال: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، فإن خرجت بغير إذنه.. طلقت.
فإن أذن لها فخرجت.. انحلت اليمين، فإن خرجت بعد ذلك.. لم تطلق.
وكذلك إذا قال: إن خرجت إلا بإذني، أو قال: إن خرجت إلا أن آذن لك، أو حتى آذن لك، أو إلى أن آذن لك.. فالحكم واحد.
وقال أبو حنيفة: (إذا قال: إلا بإذني، أو قال: إن خرجت بغير إذني، فإذا خرجت بإذنه.. لم تنحل اليمين، ومتى خرجت بعد ذلك بغير إذنه.. حنث).
ووافقنا في الألفاظ الثلاثة.
وخالفنا أحمد في الكل.
دليلنا: أن اليمين تقدمت بخروج واحد؛ لأن هذه الحروف لا تقتضي التكرار، فلم يحنث بما بعد الأول؛ لأن قوله لا يقتضي التكرار.
وإن قال: كلما خرجت بغير إذني فأنت طالق، فخرجت بغير إذنه.. طلقت، وإن خرجت بغير إذنه ثانيا.. طلقت الثانية، وإن خرجت بغير إذنه ثالثا.. طلقت الثالثة؛ لأن (كلما) تقتضي التكرار.
وإن قال: إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق، فخرجت إلى غير الحمام بغير إذنه.. طلقت، وإن خرجت قاصدة إلى الحمام ثم عدلت إلى غير

الحمام.. لم تطلق؛ لأن قصدها بالخروج كان إلى الحمام.
وإن قصدت بخروجها الحمام وغيره.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تطلق؛ لأن الصفة خروجها إلى غير الحمام، وهذا الخروج مشترك.
والثاني: تطلق؛ لأنه وجد الخروج إلى غير الحمام بغير الإذن وانضم إليه غيره فطلقت، كما لو قال: إن كلمت زيدا فأنت طالق، فكلمت زيدا وعمرا معا.
وإن أذن لها بالخروج، فخرجت ولم تعلم بالإذن.. لم تطلق؛ لأن الصفة لم توجد؛ لأنه شرط إذا خرجت بغير إذنه وقد وجد الإذن منه وإن لم تعلم به.
هذا هو المشهور.
وحكى الطبري: إذا خرجت على ظن أنها تطلق.. فهل تطلق؟ فيه وجهان، الظاهر: أنها لا تطلق، بناء على القولين في الوكيل إذا تصرف بعد العزل وقبل العلم بالعزل.

مسألة: علق طلاقها على مخالفة أمره أو على نهيها له عن منفعة أمه

إذا قال لها: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال لها: لا تكلمي أباك، فكلمته.. لم تطلق؛ لأنها لم تخالف أمره، وإنما خالفت نهيه.
وإن قال لها: متى نهيتيني عن منفعة أمي فأنت طالق، فقالت له: لا تعط أمك مالي.. لم تطلق؛ لأنه لا يجوز له أن يعطي أمه مال زوجته، ولا يجوز للأم أن تنتفع به.

فرع: علق طلاقها على مكالمة رجل

وإن قال لها: إن كلمت زيدا فأنت طالق، فكلمته بحيث يسمع كلامها.. طلقت، سواء سمعها أو لم يسمعها؛ لوجود الصفة.
ولهذا يقال: كلمته فلم يسمع.

وإن كلمته وهو منها على مسافة بعيدة لا يسمع كلامها في العادة.. لم تطلق؛ لأنه لا يقال: كلمته.
وإن كان أصم، فكلمته بحيث يسمع لو كان يسمع.. ففيه وجهان: أحدهما: تطلق؛ لأنها قد كلمته، وإنما لم يسمع لعارض، فهو كما لو لم يسمع لشغل.
والثاني: لا تطلق؛ لأن الاعتبار بما يكون كلاما له، وذلك ليس بكلام له، كما يختلف الكلام في القرب والبعد.
وإن كلمته وهو ميت.. لم تطلق؛ لأن الميت لا يكلم.
فإن قيل: فقد «كلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قتلى بدر وهم في القليب حيث قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يا عتبة! يا شيبة! يا فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ ". فقيل: يا رسول الله، أتكلم الموتى؟! فقال: " اللهم إنهم لأسمع منكم، ولكن لم يؤذن لهم في الجواب».
قلنا: تلك معجزة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن الله رد إليهم أرواحهم حتى سمعوا كلام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإن كان الميت لا يسمع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22] [فاطر: 22]، سمى الكفار بمنزلة من في القبور.
وإن كلمته وهو نائم، أو مغمى عليه.. لم تطلق، كالميت.
وإن كلمته وهي مجنونة.. قال ابن الصباغ: لم يحنث.
وإن كانت سكرانة.. حنث؛ لأن السكران بمنزلة الصاحي في الحكم.
وإن كلمته وهو سكران، فإن كان بحيث يسمع.. حنث، وإن كان بحيث لا يسمع.. لم يحنث.

فرع: علق طلاقها بمكالمتها وعلقت عتق عبدها بمكالمته

وإن قال لها: إن بدأتك بالكلام فأنت طالق، ثم قالت له: إن بدأتك بالكلام فعبدي حر، فكلمها.. لم تطلق ولم يعتق عبده؛ لأن يمينه انحلت بيمينها، ويمينها انحلت بكلامه.
وإن قال لها: إن كلمتك فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق.. طلقت؛ لأنه كلمها باليمين الثانية.
وإن أعاد اليمين الأولى.. طلقت؛ لأنه كلمها.
وإن قال لها: إن كلمتك فأنت طالق فاعلمي ذلك.. طلقت؛ لأنه كلمها بقوله: فاعلمي ذلك.
ومن أصحابنا من قال: إن وصله باليمين.. لم تطلق؛ لأنه من صلة الأول.
والأول أصح.

فرع: علق طلاقها بمكالمة اثنين أو أحدهما حتى قدوم الآخر

وإن قال لها: أنت طالق إن كلمت زيدا وعمرا وبكر مع خالد - برفع بكر - فكلمت زيدا وعمرا.. طلقت؛ لأن اليمين على كلامهما وقد وجد، وقوله: (وبكر مع خالد) لا يتعلق باليمين؛ لأنه ليس بمعطوف على الأولين.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون كلامها لزيد وعمرو في حال كون بكر مع خالد، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: 154] [آل عمران: 154]، فكانت هذه الجملة حالا من الأولى، فكذلك هاهنا.
فإن كلمت زيدا أو عمرا.. لم تطلق؛ لأن صفة الطلاق كلامهما.
فإن قال لها: أنت طالق إن كلمت زيدا وعمرا وخالدا، فكلمت بعضهم.. لم تطلق.

وإن قال: أنت طالق إن كلمت زيدا ولا عمرا ولا خالدا، فكلمت واحدا منهم.. طلقت.
وإن قال لها: إن كلمت زيدا إلى أن يقدم عمرو، أو حتى يقدم عمرو فأنت طالق، فإن كلمت زيدا قبل قدوم عمرو.. طلقت.
وإن كلمته بعد قدوم عمرو.. لم تطلق؛ لأن (حتى) و (إلى) للغاية، والغاية ترجع إلى الكلام لا إلى الطلاق، فيصير كقوله: أنت طالق إن كلمت زيدا إلى أن يشاء عمرو، أو حتى يشاء عمرو.

مسألة: طلقها على مكثها وخروجها من ماء جار أو راكد أو كانت على سلم

إذا كانت في ماء جار، فقال لها: إن أقمت في هذا الماء فأنت طالق، وإن خرجت منه فأنت طالق.. فأكثر أصحابنا قالوا: لا تطلق، سواء أقامت فيه أو خرجت منه؛ لأن الإشارة وقعت إلى الماء الذي هي فيه، فإذا ذهب وجاء غيره.. فلم تقم في الماء الذي تناولته اليمين، ولم تخرج منه.
وقال القفال: عندي أنها على قولين، كما لو قال لها: إن لم تشربي ماء هذا الكوز اليوم فأنت طالق، فانصب ذلك الماء.. فهل تطلق؟ على قولين.
فقال أبو علي السنجي: وهذا يشبه هذا، إلا أن الشرب قد فات من كل وجه، والمقام في ذلك الماء لم يفت بالجريان؛ لأنها لو جرت في ذلك الماء بجريان الماء.. لكان يحنث، فمكثها حتى جاوزها ذلك الماء خروج منه.
ألا ترى أنه لو حول ذلك الماء في الكوز إلى دار، بحيث يمكنها الذهاب إليه للشرب في هذا اليوم، فلم تفعل.. تعلقت به اليمين؛ لأن الماء قائم يمكنها شربه؟ ولو قال لها: إن لم تخرجي من هذا النهر الآن فأنت طالق، فلم تخرج.. طلقت؛ لأن النهر اسم للمكان الذي فيه الماء، والخروج منه ممكن.

وإن كانت في ماء راكد، فقال لها: إن أقمت في هذا الماء فأنت طالق، وإن خرجت منه فأنت طالق.. فالخلاص من الحنث: أن تحمل منه مكرهة عقيب يمينه.
وإن كانت على سلم، فقال لها: إن صعدته فأنت طالق، وإن نزلت منه فأنت طالق، وإن أقمت عليه فأنت طالق.. فالخلاص منه: أن تتحول إلى سلم آخر، أو تنزل منه مكرهة.

فرع: علق طلاقها على ازدراد التمرة أو لفظها وغير ذلك

وإن كان في فيها تمرة، فقال لها: إن أكلتها فأنت طالق، وإن رميتها فأنت طالق، وإن أمسكتها فأنت طالق.. فالخلاص من الحنث: أن تأكل بعضها؛ لأنها إذا فعلت ذلك.. فما أكلتها، ولا رمتها، ولا أمسكتها.
وإن قال لها: إن أكلتها فأنت طالق، وإن لم تأكليها فأنت طالق.. فحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: إذا أكلت بعضها.. لم تطلق، قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنها إذا أكلت بعضها فما أكلتها، فيجب أن يحنث.
والذي قاله ابن الصباغ إنما يتصور الحنث في عدم أكلها إذا ماتت المرأة، أو تلف باقي التمرة قبل موتها، فأما قبل ذلك.. فلا يتصور الحنث في عدم أكلها.
والذي رأيته في " التعليق " عن الشيخ أبي حامد: إذا قال: إذا أكلتيها فأنت طالق، وإن أخرجتيها فأنت طالق، فإذا أكلت بعضها.. لم يحنث؛ لأنها لم تأكلها ولم تخرجها.
وإن قال: إن أكلت هذه التمرة فأنت طالق، فرماها في تمر كثير واختلطت ولم تتميز، وأكل الجميع إلا تمرة واحدة، ولم يعلم أنها المحلوف عليها أو غيرها.. لم تطلق؛ لجواز أن تكون هي المحلوف عليها، والأصل بقاء النكاح وعدم وقوع الطلاق.

فرع: علق طلاقها على إخباره بعدد ما أكلت تمرا وغير ذلك

وإن أكلت تمرا كثيرا، وقال: إن لم تخبريني بعدد ما أكلت فأنت طالق، أو قال: إن لم تخبريني بعدد حب هذه الرمانة قبل كسرها فأنت طالق.. فالخلاص من أن يحنث: أن تقول في الأولى: أكلت واحدة، أكلت اثنتين، أكلت ثلاثا، فلا تزال تعدد واحدة بعد واحدة حتى يتيقن أن عدد الذي أكلته قد دخل فيما أخبرته به.
وكذلك تقول: عدد حب هذه الرمانة واحدة اثنتان، فتعدد واحدة بعد واحدة حتى يعلم أن عدد حبها قد دخل فيما أخبرت به.
وإن أكلا تمرا واختلط النوى، فقال لها: إن لم تميزي نوى ما أكلت، أو ما أكل كل واحد منها فأنت طالق، فميزت كل نواة وحدها.. لم تطلق؛ لأنها ميزت.
وإن اتهمها بسرقة شيء، فقال لها: أنت طالق إن لم تصدقيني أنك سرقت، فقالت: سرقت وما سرقت.. لم تطلق؛ لأنها صدقته في أحد الخبرين.
وإن قال لها: إن سرقت مني شيئا فأنت طالق، فسلم إليه دراهم أو غيرها، فأخذت من ذلك شيئا.. لم تطلق؛ لأن ذلك ليس بسرقة؛ بدليل: أنها لا تقطع.

مسألة: علق طلاقهن على من يبشره بقدوم زيد

إذا كان له زوجات، فقال لهن: من بشرتني بقدوم زيد فهي طالق، فقالت له واحدة منهن: قد قدم، وكانت صادقة.. طلقت لوجود الصفة.
فإن أخبرته الثانية بقدومه.. لم تطلق؛ لأن البشارة: ما دخل بها السرور، وقد حصل ذلك بقول الأولى.
وإن كانت الأولى كاذبة.. لم تطلق؛ لأنه لا بشارة في الكذب.
وإن قال لهن: من أخبرتني بقدوم زيد.. فهي طالق، فقالت له واحدة منهن: قد قدم.. طلقت، صادقة كانت أو كاذبة؛ لأن الخبر ما دخله الصدق أو الكذب.
فإن

أخبرته بقدومه بعدها ثانية وثالثة ورابعة.. طلقن؛ لأنه علق الطلاق بإخبارهن إياه بقدوم زيد، والخبر قد تكرر منهن فوقع الطلاق به.
هذا نقل الشيخ أبي حامد والبغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قال: أيتكن أخبرتني بقدوم زيد فهي طالق، فأخبرته واحدة منهن، ولم يكن قادما.. لم تطلق.
وإن قال: أيتكن أخبرتني بأن زيدا قد قدم فهي طالق، فإذا أخبرته واحدة منهن بقدومه.. طلقت وإن لم يكن قادما؛ لأنه علق الطلاق بالإخبار، وقد وجد.
وإن قال: أيتكن بشرتني بقدوم زيد فهي طالق.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالإخبار على ما ذكره.
والثاني: أنه كما ذكره البغداديون.

مسألة: علق طلاقها على مشيئتها

وإن قال لها: أنت طالق إن شئت، فإن قالت في الحال: شئت وكانت صادقة.. وقع الطلاق ظاهرا وباطنا؛ لوجود الصفة.
وإن كانت كاذبة.. وقع الطلاق في الظاهر، وهل يقع في الباطن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقع؛ لأن قولها (شئت): إخبار عن مشيئتها بقلبها واختيارها للطلاق، فإذا لم تشأ ذلك بقلبها.. لم يقع في الباطن.
والثاني: يقع في الباطن؛ لأن الصفة قولها: (شئت) وقد وجدت، فوقع الطلاق ظاهرا وباطنا، كما لو علق الطلاق على دخولها الدار فدخلت.
وإن قالت: شئت إن شئت.. لم يقع الطلاق، سواء شاء الزوج أو لم يشأ؛ لأنه علق الطلاق على مشيئتها ولم توجد منها المشيئة، وإنما وجد منها تعليق المشيئة بمشيئته، فهو كما لو قالت: شئت إذا طلعت الشمس.

فرع: علق طلاقها على مشيئة زيد أو مشيئتهما معا

وإن قال: أنت طالق إن شاء زيد، فإن قال زيد على الفور: شئت.. وقع الطلاق.
وإن لم يشأ على الفور.. لم يقع الطلاق.
وإن قال: أنت طالق إن شئت وزيد، فإن قالا في الحال: شئنا.. وقع الطلاق.
وإن شاء أحدهما دون الآخر.. لم يقع الطلاق؛ لأنه علق الطلاق بمشيئتهما، وذلك لا يوجد بمشيئة أحدهما.
وإن قالت: شئت إن شاء زيد، فقدم زيد: شئت.. لم تطلق؛ لأنها لم توجد منها المشيئة، وإنما وجد منها تعليق المشيئة.

فرع: علق طلاقها على مشيئتها فشاءت مجنونة أو صغيرة وغير ذلك

وإن علق الطلاق على مشيئتها، فشاءت وهي مجنونة.. لم تطلق؛ لأن المجنونة لا مشيئة لها.
وإن شاءت وهي سكرانة.. فهي كما لو طلق السكران.
وإن شاءت وهي صغيرة.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال ابن الحداد: لا تطلق؛ لأن ذلك خبر عن مشيئتها واختيارها للطلاق، والصغيرة لا يقبل خبرها.
والثاني: تطلق؛ لأن الصفة قولها: (شئت) وقد وجد ذلك منها، فهو كما لو علق الطلاق على دخولها الدار فدخلت.
ولأن لها مشيئة، ولهذا يرجع إلى اختيارها لأحد الأبوين.
وإن كانت خرساء، فأشارت إلى المشيئة.. وقع الطلاق، كما إذا أشار الأخرس إلى الطلاق.
وإن كانت ناطقة وقت اليمين فخرست فأشارت.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يقع الطلاق؛ لأن مشيئتها كانت بالنطق.

والثاني: يقع اعتبارا بحالها وقت المشيئة.
وإن قال: أنت طالق إن شاء الحمار.. فهو كما لو قال: أنت طالق إن طرت أو صعدت السماء.

فرع: علق طلاقها على محبتها وغيره أو إذا لم يجر غريمه على الشوك

وإن قال لها: أنت طالق إن كنت تحبينني، أو إن كنت تبغيضيني، أو إن كنت معتقدة لكذا، أو محبة لكذا.. رجع في ذلك إليها؛ لأنه لا يعلم إلا من جهتها.
قال الصيمري: وإن قال لغريمه: امرأتي طالق إن لم أجرك على الشوك ولا نية له.. فقد قيل: إذا ماطله مطالا بعد مطال.. بر في يمينه.

فرع: طلق لرضا إنسان

وإن قال: أنت طالق لفلان، أو لرضا فلان، ولا نية له.. طلقت في الحال؛ لأن معناه: لأجل فلان ولكي يرضى فلان، فصار كقوله لعبده: أنت حر لوجه الله، أو لرضا الله تعالى.
وإن قال: أردت أن رضا فلان شرط في وقوع الطلاق.. فهل يقبل في الحكم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل؛ لأنه يعدل بالكلام عن ظاهره، فلم يقبل، كما لو قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إذا دخلت الدار.
فعلى هذا: يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
والثاني: يقبل في الحكم؛ لأن قوله: (لفلان، أو لرضا فلان) يحتمل التعليل والشرط، فإذا أخبر أنه أراد أحدهما.. قبل.

مسألة: علق طلاقها على مكالمتها أو دخول دارها مستعملا حروف عطف

وإن قال لها: إن كلمتك أو دخلت دارك فأنت طالق، فإن كلمها أو دخل دارها.. طلقت.
وإن قال لها: إن كلمتك ودخلت دارك فأنت طالق.. لم تطلق إلا بالدخول والكلام، سواء تقدم الدخول أو الكلام؛ لأن (الواو) تقتضي الجمع دون الترتيب.
وإن قال: إن كلمتك فدخلت دارك فأنت طالق.. لم تطلق حتى يكلمها ويدخل دارها ويكون دخوله الدار عقيب كلامها؛ لأن حكم (الفاء) في العطف الترتيب والتعقيب.
وإن قال لها: أنت طالق إن كلمتك ثم دخلت دارك.. لم تطلق حتى يكلمها ويدخل دارها بعد كلامها بمدة، سواء طالت المدة أو لم تطل؛ لأن (ثم) تقتضي الترتيب والمهلة.
وإن قال: إن كلمتك وإن دخلت دارك فأنت طالق.. طلقت بكل واحدة منهما طلقة؛ لأنه كرر حرف الشرط، فكان لكل واحد منهما جزاء.

فرع: قوله أنت طالق لو دخلت الدار

قال ابن الصباغ: إذا قال لها: أنت طالق لو دخلت الدار.. فقد قال بعض أصحابنا: يقع الطلاق؛ لأن (لو) تقتضي الجواب؛ لأن معناه: لو دخلت الدار لكان كذا وكذا، فلما قطع الجواب.. وقع الطلاق، كأنه أراد أن يجعله يمينا، فلم يجعله، فصار واقعا.
وحكي عن أبي يوسف: أنه قال: يكون بمنزلة قوله: إن دخلت الدار.

فرع: علق طلاق زوجتيه بدخول الدار أو بأكل رغيف

فرع: [علق طلاق زوجتيه بدخولهما دارين وغير ذلك أو إحداهما بأكل رغيف أجزاء]: وإن قال لامرأتين له: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان، فإن دخلت كل واحدة منهما الدارين.. طلقتا.
وإن دخلت إحداهما إحدى الدارين، والأخرى الدار الأخرى.. ففيه وجهان: أحدهما: تطلقان؛ لأنهما دخلتا الدارين.
والثاني: لا تطلق واحدة منهما؛ لأنه يقتضي دخول كل واحدة منهما الدارين.
وإن قال لهما: أنتما طالقان إن ركبتما هاتين الدابتين، فركبت كل واحدة منهما دابة.. فعلى الوجهين في الأولى.
وإن قال: إن أكلتما هذين الرغيفين فأنتما طالقان، فأكلت كل واحدة منهما رغيفا.. قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان، كالدارين.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يقع الطلاق هاهنا وجها واحدا؛ لأن اليمين واحدة، واليمين لا تنعقد على أن تأكل كل واحدة منهما الرغيفين، بخلاف دخول الدارين.
وإن قال لها: أنت طالق إن أكلت هذا الرغيف، وأنت طالق إن أكلت نصفه، وأنت طالق إن أكلت ربعه، فإن أكلت جميع الرغيف.. طلقت ثلاثا.
قال الصيمري: وإن أكلت نصفه.. طلقت ثلاثا.
ولم يذكر توجيهه! فيحتمل أنه أراد لأنه وجد بأكل نصفه ثلاث صفات: أكل نصفه وأكل ربعيه، إلا أن حرف (إن) لا يقتضي التكرار.
ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق إن أكلت ربعه فأكلت نصفه.. لم تطلق إلا واحدة، وينبغي أن لا تطلق إلا طلقتين؛ لأنه وجد صفتان، وهو أكل ربعه وأكل نصفه.

فرع: علق الطلاق على دخولها لمكانين

قال ابن الصباغ: إذا قال: إن دخلت الدار، وإن دخلت هذه الأخرى فأنت طالق.. لم تطلق إلا بدخولهما؛ لأنه علق الطلاق بدخولهما.
وإن قال: أنت طالق إن دخلت هذه الدار، وإن دخلت الأخرى.. طلقت بدخول كل واحدة منهما، ويفارق الأولى؛ لأنه جعل الطلاق جوابا لدخولهما.

مسألة: علق طلاقها على شرط من شرط

]: إذا قال: أنت طالق إن كلمت زيدا إن كلمت عمرا إن ضربت بكرا.. لم تطلق حتى تضرب بكرا أولا، ثم تكلم عمرا، ثم تكلم زيدا؛ لأن الشرط دخل على الشرط.. فتعلق الأول بالثاني، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34] [هود: 34]، وتقديره: إن كان الله يريد أن يغويكم.. فلا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم.
وإن قال: إن أكلت إن دخلت الدار فأنت طالق، أو أنت طالق إن أكلت متى دخلت الدار، أو متى أكلت متى دخلت الدار.. لم تطلق حتى تدخل الدار أولا، ثم تأكل؛ لما ذكرناه.
وكذلك إذا قال لها: أنت طالق إن ركبت، إن لبست.. لم تطلق حتى تلبس ثم تركب.
وإن قال لها: أنت طالق إذا قمت إذا قعدت.. لم تطلق حتى تقعد أولا ثم تقوم.
وإن قال: أنت طالق إن أعطيتك إن وعدتك إن سألتني.. لم تطلق حتى تسأله، ثم يعدها، ثم يعطيها.

فرع: علق الطلاق بأن دخلت الدار أو بما يفيد التعليل

وإن قال لها: أنت طالق أن دخلت الدار، أو أن كلمتني - بفتح الهمزة - فالذي ذكر الشيخ أبو حامد: إن لم يكن الحالف من أهل الإعراب.. كان ذلك بمنزلة قوله - بكسر الهمزة - وإن كان من أهل الإعراب.. وقع الطلاق في الحال؛ لأن (أن) المفتوحة

ليست للشرط، وإنما هي للتعليل، كأنه قال: أنت طالق لأنك دخلت الدار، أو لأنك كلمتني.
وقال القاضي أبو الطيب: يقع الطلاق في الحال، إلا إن كان الحالف من غير أهل الإعراب وقال: أردت به الشرط.. فيقبل؛ لأن الظاهر أنه إذا لم يكن من أهل الإعراب: أنه لا يفرق بين المفتوحة والمكسورة.
قال ابن الصباغ: وهذا أولى؛ لأنه قبل أن يتبين لنا مراده.. يجب حمل لفظه على مقتضاه في اللغة، فلا يكون لعدم معرفته بالكلام تصرف عما يقتضيه بغير قصده.

فرع: علق طلاقها بقوله إن دخلت الدار أنت طالق أو وأنت طالق

قال أبو العباس: وإن قال: إن دخلت الدار أنت طالق بحذف الفاء.. لم تطلق حتى تدخل الدار.
وقال محمد بن الحسن: يقع الطلاق في الحال.
دليلنا: أن الشرط يثبت بقوله: (إن دخلت الدار)، ولهذا: لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار.. ثبت الشرط وإن لم يأت بالفاء.
وإن قال: إن دخلت الدار وأنت طالق.. سئل، فإن قال: أردت الطلاق في الحال.. قبل قوله من غير يمين؛ لأنه أقر بما هو أغلظ عليه.
وإن قال: أردت بدخولها الدار وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق غيرها، وهو أني أردت أن أقول: إن دخلت الدار وأنت طالق فامرأتي الأخرى طالق، أو عبدي حر، ثم سكت عن طلاق الأخرى، وعن عتق العبد.. قبل قوله مع يمينه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
وإن قال: أردت أن أقول: إن دخلت الدار فأنت طالق، وأقمت (الواو) مقام (الفاء).. قبل قوله مع يمينه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.

مسألة: قال لامرأته وأجنبية إحداكما طالق أو ذكر اسما مشتركا بينهما

وإن قال لامرأته وأجنبية: إحداكما طالق.. سئل عن ذلك، فإن قال: أردت به الزوجة.. قبل.
وإن قال: أردت به الأجنبية، وقالت الزوجة: بل أردتني.. فالقول قوله مع يمينه: أنه ما أرادها وإنما أراد الأجنبية؛ لأن الطلاق إنما يقع على امرأته؛ بأن يشير إليها أو يصفها، وقوله: (إحداكما) ليس بإشارة إليها ولا بصفة لها، فلم يقع عليها الطلاق.
وإن كانت له زوجة اسمها زينب، وجارة اسمها زينب، فقال: زينب طالق، وقال: أردت الجارة، وقالت زوجته: بل أردتني.. فهل يقبل قوله في الحكم مع يمينه؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال القاضي أبو الطيب: يقبل قوله مع يمينه، كما لو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق.
وقال أكثر أصحابنا: لا يقبل؛ لأن هذا الاسم يتناول زوجته وجارته تناولا واحدا، فإذا أوقع الطلاق على من هذا اسمها.. كان منصرفا في الظاهر إلى زوجته.
ويخالف قوله: (إحداكما)؛ لأنه لا يتناول زوجته والأجنبية تناولا واحدا، وإنما يتناول إحداهما دون الأخرى، فإذا أخبر: أنه أراد به الأجنبية دون زوجته.. قبل منه؛ لأن دعواه لا تخالف الظاهر.

مسألة: نادى زينب فأجابته عمرة فقال أنت طالقة وأشار إلى عمرة

مسألة: [نادى زينب فأجابته عمرة فقال: أنت طالقة أو قال: يا زينب أنت طالقة وأشار إلى عمرة]: وإن كان له زوجتان - زينب وعمرة - فقال: يا زينب، فأجابته عمرة، فقال: أنت طالق.. سئل عن ذلك، فإن قال: علمت أن التي أجابتني عمرة، ولكني لم أرد طلاقها، وإنا أردت طلاق زينب.. طلقت زينب ظاهرا وباطنا؛ لأنه اعترف أنه طلقها، وطلقت عمرة بالظاهر؛ لأنه خاطبها بالطلاق، فالظاهر أنه أراد طلاقها، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن ما قاله يحتمل ذلك.

وإن قال: ما علمت أن التي أجابتني عمرة، بل ظننتها زينب وإياها طلقت.. قال الشيخ أبو حامد: فالحكم فيها كالأولى، وهو: أن زينب تطلق ظاهرا وباطنا؛ لاعترافه بذلك.
وتطلق عمرة في الظاهر دون الباطن؛ لأنه واجهها بالخطاب بالطلاق.
وإن قال: طلقت التي أجابتني ولكن ظننتها زينب.. طلقت عمرة ولم تطلق زينب؛ لأنه أشار بالطلاق إلى عمرة وإن ظنها زينب، فهو كما لو قال لأجنبية: أنت طالق، وقال: ظننتها زوجتي.. لم تطلق زوجته؛ لأن الطلاق انصرف بالإشارة إلى التي أشار إليها دون التي ظنها.
وإن قال: أردت عمرة، وإنما ناديت زينب لآمرها بحاجة.. طلقت عمرة؛ لأنه خاطبها بالطلاق، ولا تطلق زينب؛ لأن النداء لا يدل على الطلاق.
وإن قال: يا زينب أنت طالق وأشار إلى عمرة.. سئل عن ذلك، فإن قال: قد علمت أن التي أشرت إليها هي عمرة، ولكني لم أردها بالطلاق، وإنما أردت طلاق زينب.. طلقت زينب ظاهرا وباطنا؛ لاعترافه بذلك، وطلقت عمرة في الظاهر؛ لإشارته بالطلاق إليها، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الحال يحتمل ما يدعيه.
وإن قال: لم أعلم أن هذه التي أشرت إليها عمرة، بل ظننتها زينب، ولم أرد بالطلاق إلا هذه التي أشرت إليها.. طلقت عمرة، ولا تطلق زينب؛ لأنه قد أشار بالطلاق إليها ولم يرد به غيرها، واعتقاده أن هذه المشار إليها زينب لا يضر، كما لو قال لأجنبية: أنت طالق وقال: ظننتها زوجتي.. فإن زوجته لا تطلق.

فرع: علق طلاقهما بقوله كلما ولدت إحداكما ولدا

]. وإن كان له زوجتان - زينب وعمرة - فقال: كلما ولدت إحداكما ولدا فأنتما طالقان، فولدت زينب يوم الخميس ولدا، ثم ولدت عمرة يوم الجمعة ولدا، ثم ولدت زينب يوم السبت ولدا، ثم ولدت عمرة يوم الأحد ولدا.. فإن زينب لما ولدت يوم الخميس.. وقع على كل واحدة منهما طلقة، فلما ولدت عمرة يوم الجمعة

وقع على كل واحدة منهما طلقة ثانية، فلما ولدت زينب يوم السبت.. وقع على عمرة طلقة ثالثة ولم يقع على زينب بذلك طلاق؛ لأن عدتها انقضت بوضعه - إلا على الحكاية التي حكاها ابن خيران - فلما ولدت عمرة يوم الأحد.. انقضت عدتها به.

مسألة: علق على وقوع الطلاق طلاقا قبله بالثلاث أو ما يسمى بطلاق التنافي

إذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقي، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها: أنت طالق.. فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يقع عليها الطلاق الذي باشر إيقاعه - وحكاه القاضي أبو الطيب عن شريح وابن القاص، وهو اختيار ابن الصباغ - لأنه زوج مكلف أوقع الطلاق مختارا فوجب أن يقع، ولا يقع الثلاث قبله؛ لأن وقوعها يوجب ارتفاع الطلاق المباشر، ولا يصح رفع طلاق واقع.
ولأنه لو قال لها: إذا انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم ارتد أو أحدهما، أو اشتراها.. لوقع الفسخ ولم تطلق الثلاث قبله، كذلك هذا مثله.
وقال أبو عبد الله - ختن الإسماعيلي -: تقع الطلقة التي باشر إيقاعها، ويقع تمام الثلاث من الثلاث المعلقة بالصفة، وبه قال أصحاب أبي حنيفة.
وقال أكثر أصحابنا: لا يقع عليها الطلاق المباشر ولا الطلاق بالصفة، بل هذا حيلة لمن أراد أن لا يقع على امرأته الطلاق بعد ذلك.
وبه قال المزني، والشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق، والقفال، وابن الحداد، والقاضي أبو الطيب، والمحاملي، والصيدلاني.
وهو الأصح؛ لأنه لو وقع الطلاق الذي باشر إيقاعه.. وقع قبله الثلاث بالصفة، ولو وقع الثلاث قبله.. لم يقع الطلاق المباشر، وما أدى إثباته إلى إسقاطه.. سقط إثباته؛ قياسا على ما قاله الشافعي فيمن زوج عبده بحرة بألف في الذمة وضمنها السيد عنه، ثم باع السيد منها زوجها بالألف قبل الدخول: (أن البيع لا يصح)؛ لأن إثبات البيع يؤدي إلى إسقاطه فسقط إثباته؛ لأنها إذا ملكت

زوجها.. انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح.. سقط المهر؛ لأن الفسخ من جهتها، وإذا سقط المهر.. سقط الثمن، وإذا سقط الثمن.. بطل البيع.
وأما الجواب عما ذكره الأول: فمنتقض بالثلاث المعلقة بالصفة؛ فإنه قد أوقعها وهو زوج مكلف مختار، ولم تقع.
وأما الفسخ: فإنما وقع؛ لأن إثباته لا يؤدي إلى إسقاطه، بخلاف الطلاق.
إذا ثبت هذا: فقد ذكر أصحابنا في طلاق التنافي مسائل: إحداهن: المسألة التي مضت.
والثانية - ذكرها المزني في " المنثور " -: إذا قال لها: إذا طلقتك طلاقا أملك به عليك الرجعة فأنت طالق قبله ثلاثا، فإن طلق المدخول بها طلقة أو طلقتين بغير عوض.. لم يقع عليها طلاق؛ لأنه لو وقع عليها ذلك.. لملك عليها الرجعة، ولو ملك عليها الرجعة.. لوقع الثلاث قبله، ولو وقع الثلاث قبله.. لم يقع ما بعده.
وإن أوقع عليها الثلاث أو ما دون الثلاث بعوض، أو كانت غير مدخول بها.. وقع عليها الطلاق المباشر؛ لأنه لا يملك به الرجعة عليها، فلا يوجد صفة الثلاث قبله.
الثالثة: إذا قال لها: إذا طلقتك ثلاثا فأنت طالق قبله ثلاثا، فإن طلقها ثلاثا.. لم يقع؛ لما ذكرناه.
وإن طلقها واحدة أو اثنتين.. وقع ذلك.
الرابعة: إذا قال لها: أنت طالق اليوم ثلاثا إن طلقتك غدا، فإن طلقها غدا.. لم يقع عليها طلاق.
وإن طلقها بعد غد.. وقع عليها ما أوقعه.
الخامسة: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة قبل طلقة.. فهل يقع عليها طلقة؟ فيه وجهان مضى ذكرهما.
السادسة: رجل قال لامرأته: إن لم أحج في هذه السنة فأنت طالق ثلاثا، ثم قال لها قبل أن يحنث: إن حنثت في هذه اليمين فأنت طالق ثلاثا قبل حنثي.. قال القاضي

أبو الطيب: وهذه تعرف بالعمانية؛ لأنها وقعت في عمان وكتبوها إلى بغداد، واختلف فيها القائلون بأن طلاق التنافي لا يقع.
فمنهم من قال: لا تنحل اليمين الأولى، فإن لم يحج في سنته.. طلقت؛ لأن عقد اليمين قد صح فلم يرتفع.
ومنهم من قال: تنحل اليمين الأولى، قال القاضي أبو الطيب: وأفتيت بذلك وبه أعمل؛ لأنه يعد هذا القول كقوله قبله، فلو وقع الطلاق بالحنث.. لوقع الثلاث قبلها، ولو وقع الثلاث قبلها.. لم يقع الطلاق بالحنث.
والقول الأول أن عقد اليمين إذا صح.. لم يرتفع لا يصح؛ لأنه يجوز أن يعلق الطلاق بصفة ثم يسقط حكمه بصفة أخرى، بأن يقول: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ثلاثا، ثم يقول لزوجته: أنت طالق الآن.
السابعة: إذا قال لزوجته: متى دخلت جاريتي الدار وأنت زوجتي فهي حرة، ومتى عتقت فأنت طالق ثلاثا قبل عتقها بثلاثة أيام، فمضت ثلاثة أيام، ثم دخلت الأمة الدار.. لم تعتق الأمة ولم تطلق الزوجة؛ لأنا لو أعتقناها لوجدت الصفة بالطلاق الثلاث قبله؛ لأنها عتقت وقد قال لها: إذا عتقت فأنت طالق قبله ثلاثا بثلاثة أيام، وإذا وقع الطلاق الثلاث قبله.. لم تكن له زوجة في حال دخولها الدار، وإذا لم توجد صفة الزوجية.. لم تعتق، وإذا لم تعتق.. لم يقع الطلاق.
الثامنة: قال ابن الحداد: إذا كان عبد بين شريكين، فقال أحدهما للآخر: متى أعتقت نصيبك منه فنصيبي منه حر قبل عتقك إياه بثلاثة أيام - وهما موسران - فأمهل المقول له ثلاثا فأكثر، ثم أعتق نصيبه.. لم يعمل عتقه؛ لأنه لو عمل.. لدل على وقوع عتق صاحبه قبله، ولو وقع عتق صاحبه قبل عتقه.. لما وقع عتقه، وإذا لم يقع عتقه.. لم توجد الصفة في وقوع عتق الذي خاطبه.

قال القاضي أبو الطيب: لا يحتاج إلى قوله بثلاث، بل يكفي قوله قبل عتقك، ولا يحتاج إلى يسار المقول له، وإنما يحتاج إلى يسار القائل وحده، فإذا أعتق المقول له نصيبه.. لم يعتق؛ لأنه لو عتق نصيبه.. لعتق نصيب القائل قبله، ولو عتق نصيب القائل.. لسرى إلى نصيب المقول له؛ لأنه موسر، وإذا سرى إلى نصيبه.. لم يصح إعتاقه لنصيبه، فكأن إثبات عتق نصيبه يؤدي إلى إسقاطه، فسقط حكم إثباته.

مسألة: علق طلاقه على صفة ثم أبان زوجته ثم تزوجها ثم وجدت الصفة

إذا علق طلاق امرأته على صفة فبانت منه قبل وجود الصفة، ثم تزوجها، ثم وجدت الصفة في النكاح الثاني.. فهل يعود حكم الصفة وتطلق؟ فيه قولان.
قال في القديم: (إن أبانها بدون الثلاث.. عاد حكم الصفة قولا واحدا، وإن أبانها بالثلاث.. فهل يعود حكم الصفة؟ فيه قولان).
وقال في الجديد: (إن أبانها بالثلاث ثم تزوجها.. فإن حكم الصفة لا يعود قولا واحدا، وإن أبانها بدون الثلاث.. فهل يعود حكم الصفة؟ فيه قولان).
فالقديم أقرب إلى عود الصفة، فحصل في المسألتين ثلاثة أقوال: أحدها: لا يعود حكم الصفة، سواء بانت بالثلاث أو بما دونها - وهو اختيار المزني وأبي إسحاق المروزي - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا طلاق قبل نكاح» فلو قلنا: يعود حكم الصفة.. لكان هذا طلاقا قبل نكاح؛ لأنه عقد قبل هذا النكاح، فلم نحكم

بوقوعه، كما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم تزوجها، ثم دخلت الدار.
والثاني: يعود حكم الصفة، سواء بانت بالثلاث أو بما دونها، وبه قال أحمد.
وقال الشيخ أبو إسحاق والمحاملي: وهو الأصح؛ لأن عقد الطلاق والصفة وجدا في ملك، فهو كما لو لم يتخللهما بينونة.
والثالث: أنه إن بانت بما دون الثلاث ثم تزوجها.. عاد حكم الصفة، وإن بانت بالثلاث ثم تزوجها.. لم يعد حكم الصفة -- وبه قال مالك وأبو حنيفة - لأنها إذا بانت بما دون الثلاث.. فإن أحد النكاحين يبنى على الآخر في عدد الطلاق، فكذلك في حكم الصفة.
وإذا بانت بالثلاث.. فإن أحدهما لا يبنى على الآخر في عدد الطلاق، فكذلك في حكم الصفة.

فرع: علق عتق عبده على صفة فباعه ثم اشتراه ثم وجدت الصفة

وإن قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فباعه ثم اشتراه ثم دخل الدار.. ففيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: حكمه حكم الزوجة إذا بانت بما دون الثلاث؛ لأنه يمكنه أن يشتريه بعد أن باعه، كما يمكنه أن يتزوج البائن بما دون الثلاث قبل زوج.
فعلى هذا: يعود حكم الصفة على القول القديم قولا واحدا.
وعلى القول الجديد: هل يعود حكم الصفة؟ على قولين.
و [الثاني]: منهم من قال: حكمه حكم الزوجة إذا بانت بالثلاث؛ لأن علائق الملك قد زالت بالبيع، كما زالت بالبينونة بالثلاث.
فعلى هذا: لا يعود حكم الصفة على القول الجديد قولا واحدا، وعلى القول القديم هي على قولين.

جارٍ التحميل