البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 455-495

كتاب الصيام

صفحات 455-495
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب الصيام الصوم في اللغة: هو الإمساك والكف عن كل شيء، يقال لمن سكت ولم يتكلم: صائم، قال الله تعالى في قصة مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] [مريم: 26].
يعني: صمتا.
ويقال: صامت الشمس: إذا وقفت للزوال، وصامت الخيل: إذا أمسكت عن السير، قال الشاعر النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة... تحت العجاج وأُخرى تعلك اللجما يعني: خيلا واقفة عن السير، وخيلًا غير واقفة، بل في الحرب.
وأما الصوم في الشرع: فهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع.
وهو من الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع بنقصان.
والأصل في وجوبه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] [البقرة: 183]

ثم بين ما ذلك الصيام؟ فقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185] [البقرة: 185]. وأما السنة: فما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».
وروى طلحة بن عبيد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه في «حديث الأعرابي الذي سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الإسلام... إلى أن قال: فما افترض الله علي من صوم؟ قال: "شهر رمضان».
وهو إجماع لا اختلاف بين الأُمة في وجوبه.
إذا ثبت هذا: فاختلف الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم - لم سمي: رمضان؟ فقال أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -: سمي بذلك؛ لأنه يرمض الذنوب ويحرقها.
وحُكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: إنما سمي بذلك؛ لأنه وافق ابتداء الصوم زمنًا حارًا، فكان يرمض فيه الفصيل.
يعني: يحترق من شدة الحر.

إذا تقرر ما ذكرناه: فروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «لا تقولوا: جاء رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان».
وهذا يقتضي أنه يكره أن يقال: جاء رمضان.
ثم روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا.. غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر».
وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «جاء رمضان الشهر المبارك».
وهذا بخلاف الخبر الأول.

قال أصحابنا: فيحتمل أنه يريد: يكره أن يقال: حاء رمضان من غير قرينة تدل على أنه الشهر، فإن قرنه بقرينة بما يدل على أنه الشهر، من ذكر الصوم، أو الشهر.. لم يكره.
واختلف الناس في أول ما فرض الله تعالى من الصوم: فقيل: (إن أول ما فرض الله تعالى من الصيام صوم عاشوراء) وقيل: لم يكن فرضًا، وإنما كان تطوعًا.
وحُكي عن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما قدم المدينة أمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر»، وهي الأيام التي قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] [البقرة: 183 - 184] ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان) وكان الناس في أول الإسلام إذا صاموا.. يحل لهم الطعام والشراب والجماع من حين تغيب الشمس إلى أن يصلوا العشاء، أو يناموا، فإن صلوا العشاء، أو ناموا قبل ذلك.. حرم عليهم إلى القابلة، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] الآية [البقرة: 187]. وكانوا في أول الإسلام يخير المطيق منهم للصوم: بين أن يصوم، أو يفطر ويفدي عن كل يوم مدا من طعام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] [البقرة: 184].

ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] [البقرة: 185] وروي عن ابن عباس: (أن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] [البقرة: 184] إنما نزلت في الشيخ الهم والشيخة الهمة، فأما الشبان الذين يطيقون الصوم: فكان لازمًا لهم).
والصحيح هو الأول.

مسألة: شروط وجوب الصوم

]: ويتحتم وجوب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل طاهرٍ قادر مقيم.
فأما الكافر: فإن كان أصليا.. فلا خلاف أنه لا يصح منه في حال كفره، ولا خلاف أنه لا يجب عليه القضاء بعد الإسلام، وهل هو مخاطب به في حال كفره، ويأثم بتركه؟ فيه وجهان لأصحابنا، مضى ذكرهما.
وإن كان مرتدًا.. فلا يصح منه في حال الردة، ولكنه يأثم بتركه، وإذا أسلم.. وجب عليه قضاؤه؛ لأنه قد التزم ذلك بالإسلام، فلم يسقط بالردة.
وأما الصبي: فلا يجب عليه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» ولأنه عبادة بدنية،

فلم يجب على الصبي كالصلاة، ولا تدخل عليه العدة، فإنها تجب على الصغيرة؛ لأنها ليست من أفعال البدن، وإنما هي مرور الزمان، فإذا بلغ الصبي حد التمييز، وكان يطيق الصوم وجب على الولي أن يأمره بفعله، فإذا قارب البلوغ.. كان له أن يضربه إذا لم يصم، كما قلنا: في الصلاة، فإذا بلغ.. لم يجب عليه قضاء ما تركه في حال الصغر؛ لأن زمان الصغر يطول، فلو أُو لزم بقضائه.. شق وضاق.
وأما المجنون: فلا يجب عليه فعله في حال جنونه؛ للخبر، فإن أفاق بعد مضي رمضان.. لم يجب عليه قضاء ما فاته في حال الجنون.
وقال مالك، وأحمد رحمة الله عليهما في أحد الروايتين: (يجب عليه قضاؤه) وحكي ذلك عن أبي العباس ابن سريج.
وقيل: لا يصح ذلك عن أبي العباس.
دليلنا: أنه صوم فات في حال يسقط فيه التكليف؛ لنقص، فلم يجب قضاؤه، كما لو فات في حال الصغر.
فقولنا: (لنقص) احتراز من الصوم الفائت في المرض.
وإن زال عقله بالإغماء.. لم يجب عليه قضاؤه في الحال؛ لأنه لا يصح منه، وإن أفاق.. وجب عليه القضاء؛ لأن الإغماء ليس بنقص، ولهذا يجوز على الأنبياء، فهو كالمرض.
والجنون نقص، ولهذا لا يجوز على الأنبياء، فشابه الصغر والكفر.

وإن أسلم الكافر في أثناء نهار رمضان.. استحب له إمساك بقية النهار؛ لحرمة الوقت، ولا يجب عليه؛ لأنه أفطر بعذر، وهل يجب عليه قضاء هذا النهار؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه لا يجب عليه)؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الإسلام يجب ما قبله»، ولأنه لم يدرك من الوقت ما يتمكن فيه من فعل الصوم، فهو كمن أدرك من الوقت قدر ركعة، ثم جن.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: يلزمه قضاؤه، وهو قول أحمد، وإسحاق، والماجشون؛ لأنه أدرك جزءًا من الوقت ولا يمكن فعل ذلك الجزء من الصوم إلا بصوم يوم، فوجب أن يقضيه بيوم، كما نقول في المحرم إذا وجب عليه في كفارة نصف مد، وأراد الصوم.. فإنه يصوم عنه يومًا وإن أفاق المجنون في أثناء نهار صوم رمضان.. لم يجب عليه إمساك بقية النهار، وهل يلزمه قضاء هذا اليوم؟ فيه وجهان، كالوجهين اللذين ذكرناهما في الكافر.
والمنصوص: (أنه لا يلزمه).
وقال أبو حنيفة، والثوري: (يلزمه قضاء ما فاته من الشهر).
قال أبو العباس: وقد حكى المزني هذا في المأثور عن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ولا

يصح عنه، وهو يدل أن الحكاية التي حُكيت عن أبي العباس إذا أفاق بعد شهر.. أنه يلزمه قضاؤه، لا تصح عنه.
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
ولأن الجنون لو دام جميع الشهر.. يسقط قضاؤه، فكذلك إذا دام في بعضه.
وإن بلغ الصبي في أثناء شهر رمضان... نظرت: فإن بلغ بالليل.. لزمه صوم ما بقي منه، وإن بلغ في أثناء النهار، وكان مفطرًا أول النهار.. لم يلزمه إمساك ما بقي من النهار، ولكن يستحب له، وهل يجب عليه قضاؤه؟ فيه وجهان، كالوجهين في الكافر والمجنون.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وأما المسعودي [في " الإبانة "ق\ 160]: فقال: إذا أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي في أثناء نهار شهر رمضان، وكان مفطرًا.. فهل يلزمهم إمساك بقية النهار؟ فيه أربعة أوجه: أحدها: لا يلزمهم ذلك؛ لأن من لم يلزمه الصوم في أول النهار.. لم يلزمه في آخره، كالحائض إذا طهرت، والمسافر إذا قدم وقد أكل.
والثاني: يلزمهم إمساك بقية النهار؛ لأنهم صاروا مخاطبين في بعض النهار، فجعل كأنهم خوطبوا في أوله، فيلزمهم التشبه بالصائمين وإن لم يصح صومهم؛ لأنهم لم ينووا الصوم.
والثالث: يلزم الكافر دون المجنون والصبي؛ لأن الكافر غير معذور في كفره، وهما معذوران في إفطارهما.
والرابع: يلزم الكافر والصبي دون المجنون؛ لأن الصبي والكافر كان يصح صومهما إذا أتيا بشرائطه، دون المجنون؛ فلما لم يفعلا في أوله.. لزمهما التشبه بالصائمين في آخره.
وهل يلزمهم قضاء هذا اليوم؟ على هذه الأربعة الأوجه.
وإن بلغ الصبي في أثناء نهار شهر رمضان وهو صائم.. ففيه وجهان:

أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يلزمه الإتمام، ولا يجب عليه القضاء)؛ لأنه صار من أهل الوجوب في أثنائه، فلزمه إتمامه، كما لو دخل في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه.
والثاني: يستحب له الإتمام، ويجب عليه القضاء؛ لأنه لم ينو صوم الفرض من أوله.

مسألة: صوم الحائض والنفساء

]: وأما الحائض والنفساء: فلا يصح صومهما، ولا يجوز لهما أن يمسكا بنية الصوم، فإن فعلتا.. أثمتا؛ لما روى أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا حاضت المرأة.. لم تصم، ولم تصل، وذلك نقصان دينها»، فإذا طهرتا.. وجب عليهما قضاء الصوم؛ لما روي «عن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت في الحيض: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة».
فإن طهرتا في أثناء شهر رمضان.. لم يجب عليهما إمساك بقية النهار.

وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: (يلزمهما إمساك بقية النهار).
دليلنا: أنهما أفطرتا بعذر، فلم يلزمهما إمساك بقية النهار.

مسألة: صوم الشيخ العجوز

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وأما الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة اللذان لا يقدران على الصوم: فيجوز لهما الإفطار).
قال الشيخ أبو حامد: ولم يرد بذلك: أنه لا يمكنهما أن يمسكا يومهما عن الطعام والشراب؛ لأنه ما من أحد إلا ويمكنه هذا، وإنما يريد به: أنهما تلحقهما بذلك المشقة الشديدة، فلكل واحد منهما أن يفطر، وهل يلزمه أن يفدي؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمه، وبه قال مالك، وأبو ثور؛ لأنه يسقط عنه فرض الصوم، فلم تجب عليه الفدية، كالصبي والمجنون.
والثاني: يلزمه، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد رحمة الله عليهم، إلا أن أبا حنيفة قال: (يطعم عن كل يوم نصف صاع من حنطة، أو صاعًا من تمر).
وقال أحمد رحمة الله عليه: (يطعم مدًا من بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير).
وعندنا: يطعم عن كل يوم مدًا من طعام.

ووجهه: أن الناس كانوا مخيرين في أول الإسلام بين أن يصوموا، وبين أن يفطروا ويطعموا عن كل يوم مدًا من طعام، فنسخ ذلك في حق من يطيق الصوم، وبقيت الرخصة في حق من لا يطيقه.
وروي هذا عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وأما المريض: فإن كان مرضًا لا يرجى زواله، وأجهده الصوم.. فهو كالشيخ الذي يجهده الصوم، وإن كان مرضًا يرجى زواله، فٍإن كان مرضًا يسيرًا لا يشق معه الصوم.. لم يجز له الإفطار وقال داود: (يجوز له الإفطار).
دليلنا: أنه لا يخاف المشقة من الصوم، فلم يجز له الإفطار، كالصحيح.
وإن كان يخاف التلف من الصوم، أو زيادة العلة.. جاز له الإفطار، فإذا برئ وجب عليه القضاء.
وقال عطاء، وأحمد: (لا يفطر حتى يغلب).
وقال الشعبي: لا يفطر حتى يخشى أو يغلب.
وقال الأوزاعي: (إذا خشي على نفسه.. جاز له أن يشرب الماء).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] [البقرة: 184]. وقد ثبت أن المسافر يجوز له أن يفطر وإن لم يكن مغلوبًا، فكذلك هذا مثله، فإن أصبح صائمًا، وهو صحيح، ثم مرض.. جاز له أن يفطر؛ لأن العذر موجود.

مسألة: الصوم في السفر

]: وأما المسافر: فإن كان سفره لا يبلغ ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي.. لم يجز له أن يفطر، وإن كان يبلغ ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي في غير معصية.. جاز له أن يفطر؛ للآية.
وقال بعض الناس: يجوز له الإفطار في السفر الطويل والقصير.
وقال أبو حنيفة: (لا يفطر إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام).
وقد مضى ذكر ذلك في (القصر).
فإن صام المسافر.. صح صومه.
وقال أبو هريرة: (لا يصح صومه).
وبه قال داود وأهل الظاهر، والشيعة.
دليلنا: ما روي: «أن حمزة بن عمرو الأسلمي: قال: يا رسول الله، أصوم في السفر؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن شئت.. فصم، وإن شئت.. فأفطر» وروي «عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن قال: (سافرنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمنا من

صام، ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم».
إذا ثبت هذا: فإن كان ممن لا يجهده الصوم.. فالأفضل أن يصوم، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وروي ذلك: عن أنس، وعثمان بن أبي العاص.
وقال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: (الفطر أفضل)، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، وحكاه الطبري في " العدة " وجهًا لبعض أصحابنا.
والمشهور من المذهب هو الأول.
والدليل عليه: ما روى سلمة بن المحبق: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كانت له حمولة تأوي إلى شبع.. فليصم رمضان حيث أدركه» ولأن من خير بين الصوم والإفطار.. كان الصوم أفضل، كالمتطوع.
وإن كان يجهده الصوم.. فالأفضل أن يفطر؛ لما روى جابر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر

برجل في سفره تحت ظل شجرة يرش عليه الماء، فسأل عنه، فقالوا: صائم، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ليس من البر الصيام في السفر».

فرع: القضاء في رمضان للمسافر

]: فإن صام المسافر في رمضان عن غير رمضان، كالنذر والكفارة والقضاء.. لم يصح صومه، ولم يقع عن رمضان، وبه قال أكثر الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: (يقع عما نواه).
دليلنا: أنه يخير بين الإفطار والصوم، فلم يصح صومه فيه عن غير رمضان، كالمريض.

فرع: السفر بدخول رمضان

]: وإن دخل عليه شهر رمضان، وهو مقيم.. جاز له أن يسافر، ولا يتحتم عليه الصوم.
وقال أبو مجلز: (إذا حضر شهر رمضان.. فلا يسافرن أحد، فإن كان لا بد.. فليصم إذا سافر).

وقال عبيدة السلماني، وسويد بن غفلة: يتحتم عليه الصوم بقية الشهر.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] [البقرة: 184] معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر، ولم يفرق بين أن يسافر في رمضان أو قبله.

فرع: إفطار الصائم في السفر

]: وإن نوى المسافر الصوم، ثم أراد أن يفطر في أثناء النهار.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز له أن يفطر، كالصحيح إذا أصبح صائمًا، ثم مرض.
والثاني - وهو قول الشيخ أبي إسحاق -: أنه لا يجوز له الإفطار في هذا النهار؛ لأنه قد دخل في فرض المقيم، فهو كما لو أحرم المسافر بالصلاة، ونوى الإتمام.. فإنه لا يجوز له قصرها.
وإن أصبح صائمًا في الحضر، ثم سافر.. لم يجز له أن يفطر في هذا النهار، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي.
وقال أحمد، وإسحاق، وداود، والمزني: (يجوز له أن يفطر).
واختاره ابن المنذر؛ ل: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج من المدينة عام الفتح حتى أتى كراع الغميم، فأفطر» دليلنا: أن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا، غلب حكم الحضر، كالصلاة.

وأما الخبر: فإنما أفطر بكراع الغميم في اليوم الثاني؛ لأن بينه وبين المدينة كثيرًا.
ولو نوى الحاضر الصوم قبل الفجر، ثم سافر، ولا يدري هل سافر قبل الفجر، أو بعده؟ قال الصيمري: لم يجز له أن يفطر.
ولو سافر بعد الفجر، وقبل أن ينوي الصوم.. لزمه إمساك ذلك اليوم؛ لأنه سافر بعد أن تعين عليه الصيام، ولا يجزئه عن الصوم؛ لأنه لم ينوه.

فرع: زوال العذر في أثناء الصوم

]: إذا قدم المسافر بلده في أثناء نهار رمضان، وهو مفطر، أو برئ المريض، وقد كان أفطر، أو طهرت الحائض أو النفساء.. لم يلزمهم إمساك بقية النهار.
وقال أبو حنيفة: يلزمهم إمساك بقية النهار) دليلنا: أن من لم يلزمه الإمساك أول النهار، لا في الظاهر ولا في الباطن.. لم يلزمه إمساك بقيته، كما لو دامت هذه الأعذار.
وإن قدم المسافر، أو أقام وهو صائم، أو برئ المريض وهو صائم.. فهل يلزمهما إتمام الصوم؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي على بن أبي هريرة -: أنه لا يلزمهما؛ لأنه أبيح لهما الفطر أول النهار، ظاهرًا أو باطنًا، فأبيح لهما في آخره، كما لو أفطرا.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق، وهو ظاهر النص -: أنه يلزمهما إتمام الصوم؛ لأنه زال سبب الرخصة قبل الترخص، فهو كما لو استفتح الصلاة في السفر، ثم أقام أو اتصل بدار إقامته.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\ 160]: الوجهان إذا قدم، ولم ينو الصوم من

الليل، ولم يفطر.
فأما إذا كان قد نوى الصوم من الليل، وقدم قبل أن يأكل.. لزمه إتمام الصوم، وجهًا واحدًا.

فرع: وطء المسافر المفطر

وإن قدم المسافر وهو مفطر، فوجد امرأته قد طهرت من الحيض في ذلك اليوم.. جاز له وطؤها.
وقال الأوزاعي: (لا يجوز).
دليلنا: أنه أبيح لهما الإفطار، فلا يحرم وطؤها، كما لو كانا مسافرين.

مسألة: صوم الحامل والمرضع

]: وإن خافت الحامل والمرضع على أنفسهما.. أفطرتا، وعليهما القضاء، دون الكفارة، كالمريض.
وإن خافتا على ولديهما.. أفطرتا، وعليهما القضاء، وفي الفدية ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الصحيح -: أن عليهما الكفارة لكل يوم مد من طعام، وبه قال أحمد بن حنبل، إلا أنه يقول: (مد من بر، أو مدان من تمر أو شعير).
والدليل على ما ذكرناه: ما روي عن ابن عباس، وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -

وأرضاهم: أنهما قالا: (الحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما.. أفطرتا، وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا).
ولا يعرف لهما مخالف.
والقول الثاني: تجب الفدية على المرضع دون الحامل، وهي إحدى الروايتين عن مالك؛ لأن الحامل أفطرت لمعنى فيها، فهي كالمريض، بخلاف المرضع.
والثالث - حكاه أبو علي في " الإفصاح "، وليس بمشهور -: أنه لا يجب على واحدة منهما كفارة، وهو قول الزهري، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة؛ لأنه إفطار لعذر، فلم تجب به الكفارة، كإفطار المريض.
وروي عن ابن عباس، وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما -: أنهما قالا: (لا تجب عليهما الكفارة دون القضاء) دليلنا: أنه إفطار بعذر يزول، فوجب فيه القضاء، كالمرض.

مسألة: شرط وجوب الصوم

]: ولا يجب صوم رمضان إلا بدخول الشهر، ودخول الشهر يعلم بأمرين: إما برؤية الهلال، أو باستكمال شعبان ثلاثين يومًا، هذا قول كافة الفقهاء.
وقال بعض الناس: يعلم دخوله بذلك، ويعلم بالحساب والنجوم: أن الهلال قد أهل، فيلزمه، وهذا ليس بصحيح، لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم.. فأكملوا العدة ثلاثين يومًا».
وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة ثلاثين».

وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «من أتى كاهنا أو عرافا، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد».
وهذا يمنع من الرجوع إلى قول المنجمين.

فرع: معرفة خطأ بداية رمضان

]: فإن أصبحوا يوم الثلاثين من شعبان وهم يظنون أنه من شعبان، ثم قامت البينة أنه من شهر رمضان.. لزمهم قضاؤه.

وقال أبو حنيفة: (إذا نووا الصوم.. أجزأهم).
وبناه على أصله: أن النية تصح من النهار، والكلام عليه يأتي.
دليلنا: أنه لم ينوه من الليل، فلم يجزه، وهل يلزمهم إمساك بقية النهار؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمهم؛ لأنه أبيح لهم الفطر، فلم يجب عليهم الإمساك، كالحائض إذا طهرت.
والثاني: يلزمهم، وهو الصحيح، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في التعليق غيره؛ لأنه أبيح لهم الفطر بشرط أنه من شعبان، وقد بان أنه من رمضان.
فإذا قلنا: بهذا: فهل يكون صوما شرعيًا يثابون عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكون صومًا شرعيًا، ولا يثابون عليه؛ لأنه لا يعتد به، فهو كما لو أكل عامدًا، ثم أمسك بقية النهار.
والثاني: يكون صومًا شرعيًا، ويثابون عليه، وهو الصحيح؛ لأن ذلك حصل بغير تفريط، بخلاف من أكل عامدًا، فإنه مفرط.
قال ابن الصباغ: ويجب أن يقال: إن في الإمساك الواجب ثوابًا بكل حال، وإن لم يكن ثواب مثل ثواب الصوم.
قال: وحكى الشيخ أبو حامد، عن أبي إسحاق: أنه إذا لم يأكل، ثم أمسك فإنه يكون صائمًا من حين أمسك.
قال ابن الصباغ: وهذا لا يجيء على مذهب الشافعي؛ لأنه واجب، فلا يصح بنيته من النهار، ولأنه لا يجزئه عن رمضان، ولا يقع نفلًا في رمضان، قال: وينبغي أن يكون ما قاله أبو إسحاق: أنه إمساك شرعي، يثاب عليه خاصة.

[فرع: رؤية الهلال نهارًا]

]: وإن رئي الهلال بالنهار، فهو لليلة المستقبلة، سواء رئي قبل الزوال أو بعده، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.

وقال الثوري، وأبو يوسف: إن رئي قبل الزوال.. فهو لليلة الماضية، وإن رئي بعد الزوال.. فهو لليلة المستقبلة، سواء كان في أول الشهر أو في آخره.
وقال أحمد: (إن كان في أول الشهر، ورئي قبل الزوال.. فهو للماضية، وإن كان رئي بعد الزوال.. فهو للمستقبلة، وإن كان في آخر الشهر، فإن رئي بعد الزوال فهو للمستقبلة وإن رئي في آخر الشهر ورئي قبل الزوال... ففيه روايتان: أحدهما: أنه للماضية.
والثانية: أنه للمستقبلة.
دليلنا: ما روى أبو وائل شقيق بن سلمة: قال) جاءنا كتاب عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ونحن بخانقين: أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا.. فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس).
وروي في هذا الخبر (فإذا رأيتم الهلال أول النهار.. فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان ذوا عدل أنهما رأياه بالأمس).
وقد روي ذلك عن علي، وابن مسعود، وأنس، ولا مخالف لهم في ذلك.

فرع: اختلاف المطالع

]: وإن رأوا الهلال في بلد، ولم يروه في بلد آخر.. نظرت: فإن كانا متقاربين.. وجب الصوم على الجميع، وإن كانا متباعدين.. ففيه وجهان:

أحدهما: وهو قول القاضي أبي الطيب، واختيار الصيمري -: أنه يلزم الجميع الصوم، وهو قول أحمد ابن حنبل، كما لو كان البلدان متقاربين.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، والشيخ أبو إسحاق في" المهذب " غيره -: أنه لا يلزم أهل البلد الذين لم يروه، لما روي «عن كريب: أنه قال: (أرسلتني أم الفضل بنت الحارث من المدينة إلى معاوية بالشام، فقدمت الشام، فقضيت حاجتي بها، واستهل على رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، وذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فإذا قلنا: بهذا: ففي اعتبار القرب والبعد وجهان: أحدهما: وهو قول المسعودي [في الإبانة ق\156] والجويني -: أن البعد مسافة القصر فما زاد، والقرب دون ذلك.
والثاني - حكاه الصيمري -: إن كان إقليما واحدا.. لزم جميع أهله برؤية بعضهم، وإن كانا إقليمين.. لم يلزم أهل أحدهما برؤية أهل الآخر.
وقال ابن الصباغ: إن كانا بلدين لا تختلف المطالع لأجلهما، كبغداد والبصرة.. لزمهم برؤية بعضهم، وإن كانا بلدين تختلف المطالع فيهما، كالعراق

والحجاز، والشام وخراسان، وما أشبه ذلك.. لم يلزم أحدهما برؤية الآخر.
وحكاه عن الشيخ أبي حامد.

فرع: انتقال المسافر الصائم لبلد آخر

]: وإن رأى رجل الهلال في أول رمضان ليلة الجمعة في بلد، فصام ثم سافر إلى بلد بعيد في أثناء الشهر، وأهل ذلك البلد رأوا الهلال ليلة السبت.. قال المسعودي [في الإبانة \ ق]: فحكمه حكم أهل البلد الذي انتقل إليه، وليس له أن يفطر قبلهم؛ لما روي) أن ابن عباس أمر كريبًا أن لا يفطر إلا بإفطار أهل المدينة).

مسألة: الشهادة في الصوم

]: وفي الشهادة التي يثبت بها هلال رمضان قولان: [أحدهما]: قال في البويطي: (لا يقبل فيه إلا شهادة عدلين).
وبه قال مالك، والليث.
و [الثاني]: قال في القديم والجديد: (يثبت بشهادة واحد).
وبه قال أحمد بن حنبل، وابن المبارك.
وقال أبو حنيفة: (إن كان غيمًا.. قبل فيه شهادة الواحد، وإن كان صحوًا.. لم يقبل فيه شهادة الواحد ولا الاثنين، وإنما يقبل فيه قول الجماعة إذا انتشر واستفاض).
فإذا قلنا: لا يقبل إلا من اثنين.. فوجهه: ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: أنه قال: صحبنا أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ونقلنا عنهم الأخبار، فكان مما أخبرونا به: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم.. فأكملوا العدة، وإن شهد على رؤيته ذوا عدل.. فصوموا».

وإذا قلنا: يقبل من واحد.. فوجهه: ما روي عن ابن عمر: أنه قال: «تراءى الناس الهلال مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فرأيته، فأخبرته بذلك، فصام، وأمر الناس بالصيام» وروي عن ابن عباس: «أن أعرابيًا جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله.
فقال: نعم، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قم يا بلال، فناد في الناس أن يصوموا غدًا» إذا ثبت هذا: فإن المسعودي قال [الإبانة \ ق، 115]: لا تعتبر العدالة الباطنة في الشهادة على رؤية الهلال، وتشترط فيه العدالة الظاهرة.

فرع: الشهادة لغير رمضان

]: فأما هلال شوال وسائر الشهور: فلا يقبل فيه إلا شهادة شاهدين، قولا ً واحدا، وهو قول كافة العلماء، إلا أبا ثور، فإنه قال) يقبل في هلال شوال عدل واحد).
دليلنا: ما روي عن طاووس: أنه قال: دخلت المدينة وبها ابن عباس وابن عمر، فجاء رجل إلى الوالي، فشهد عنده على هلال شهر رمضان، فأرسل إليهما، فقالا «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصوم بشهادة الواحد، ولا يقبل في الفطر إلا شاهدين» ولأن هذه شهادة يلحق الشاهد فيها التهمة، فكان من شرطها العدد، كسائر الشهادات.

فرع: شهادة غير الذكر

]: إذا قلنا: تقبل شهادة الواحد في هلال شهر رمضان.. فهل يقبل قول العبد والخنثى والمرأة؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: يقبل كما يقبلون في الإخبار عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. والثاني: لا يقبلون، وهو الصحيح؛ لأن طريقه طريق الشهادة، بدليل: أنه لا يقبل من الصبي، ولا من الفرع مع حضور الأصل، وإن كان ذلك مقبولًا في الإخبار.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون على قول أبي إسحاق: لا يفتقر ذلك إلى سماع الحاكم، بل إذا سمع ذلك ممن يثق به.. وجب عليه الصيام.

فرع: عدم رؤية الهلال آخر رمضان

]: إذا شهد شاهد واحد برؤيته هلال رمضان، وقلنا: يقبل، فصاموا، وتغيمت السماء في آخر الشهر، ولم يروا الهلال.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص، وبه قال أبو حنيفة -: (أنهم يفطرون).
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: لا يفطرون؛ لأنه إفطار بشاهد واحد، وهذا لا يصح؛ لأن الصوم قد لزمهم، والفطر ثبت على سبيل التبع له، كما نقول في النسب: لا يقبل فيه شهادة النساء.
ولو شهد أربع نسوة بالولادة.. ثبت النسب تبعًا للولادة.
وإن شهد على هلال رمضان شاهدان، فصاموا، ولم يروا الهلال آخر الشهر، والسماء مصحية.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال ابن الحداد: لا يفطرون؛ لأن عدم الهلال مع الصحو يقين، والحكم بالشاهدين ظن، واليقين يقدم على الظن.
و [الثاني]: المنصوص للشافعي: (أنهم يفطرون)؛ لأن شهادة الاثنين يثبت بها الصوم، فيثبت بها الفطر.

فرع: الصيام بخبر الثقة

]: قال الشافعي: (وإن عقد رجل على أن غدًا عنده من شهر رمضان في يوم شك، وصام ثم بان أنه من رمضان.. أجزأه).
قال أصحابنا: أراد بذلك: إذا أخبره برؤية الهلال من يثق بخبره من رجل أو امرأة أو عبد، فصدقه، وإن لم يقبل الحاكم شهادتهن فنوى الصوم، فصام، ثم بان أنه من

شهر رمضان.. أجزأه؛ لأنه نوى الصوم بضرب من الظن، فأما إذا نوى الصوم جزافًا، وبان أنه من شهر رمضان.. لم يجزئه.
فأما إذا كان عارفًا بحساب المنازل أن غدًا من شهر رمضان، أو أخبره بذلك من هو من أهل المعرفة بذلك، فصدقه، فنوى الصوم.. فهل يجزئه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئه، وهو قول أبي العباس ابن سريج، واختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن ذلك سبب يتعلق به غلبة الظن عنده، فهو كما لو أخبره من يثق بخبره عن مشاهدة.
والثاني: أنه لا يجزئه؛ لأن النجوم والحساب لا مدخل لها في العبادات، فلا يتعلق بها حكم منهما.
إذا ثبت هذا: فهل يلزمه بذلك الصوم؟ قال ابن الصباغ: أما بالحساب: فلا يختلف أصحابنا أنه لا يجب عليه.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في المهذب: أن الوجهين في الحساب بالوجوب.
وأما إذا أخبره برؤية هلال رمضان من يصدقه، ولم يقبل الحاكم شهادته... قال ابن الصباغ: فيبنى ذلك على أنه هل يسلك له مسلك الإخبار، أو مسلك الشهادة؟ فإن قلنا: إنه شهادة.. لم يلزمه حتى يثبت عند الحاكم.
وإن قلنا: يسلك به مسلك الإخبار.. لزمه إذا صدقه وإن لم يثبت عند الحاكم، ويفترق الحال بين الوجوب وبين جواز الدخول، فيكفي في الدخول ما لا يتعلق به الوجوب، ألا ترى أنه إذا سمع مؤذنًا.. جاز له أن يقلده ويصلي، ولا يلزمه ذلك حتى يعلم دخول الوقت، وكذلك الملتقط إذا ذكرت له العلامات في اللقطة.. جاز له الدفع إليه، ولا يجب عليه إلا ببينة.

فرع: وجوب الصوم برؤية الهلال لمن ردت شهادته

]: وإن رأى إنسان هلال شهر رمضان وحده، ولم يقبل الحاكم شهادته.. وجب عليه أن يصوم، وإن جامع فيه.. وجبت عليه الكفارة، وبه قال عامة الفقهاء.

وقال أبو ثور، والحسن، وعطاء، وإسحاق: (لا يلزمه الصوم).
وقال أبو حنيفة (يلزمه الصوم، ولكن إن جامع فيه.. لم تلزمه الكفارة).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صوموا لرؤيته».
وهذا قد رأى، ولأنه عنده من شهر رمضان بيقين فلزمه الصوم، وإن جامع فيه.. وجبت عليه الكفارة، كما لو قبل الحاكم شهادته.
وإن رأى هلال شوال وحده.. أفطر، ولكنه يستخفي بذلك؛ لئلا يعرض نفسه للتهمة وعقوبة السلطان.
وقال مالك، وأحمد: (لا يجوز له أن يفطر).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وأفطروا لرؤيته».
وهذا قد رأى، ولأنه قد تيقن أنه من شوال، فحل له الأكل، كما لو قامت البينة.

مسألة: صوم الأسير

]: قال الشافعي (وإن اشتبهت الشهور على أسير، فتحرى شهر رمضان، فوافقه أو ما بعده.. أجزأه).
وجملة ذلك: أنه إذا كان أسيرًا في بلاد الشرك، ولم يعلم دخول شهر رمضان، أو كان محبوسًا في مطمورة في بلاد الإسلام، ولم يعلم دخول شهر رمضان، لزمه أن يتحرى؛ لأن عليه فرض الصيام، فلزمه أن يتحرى له.
فإذا غلب على ظنه عن أمارة تقوم بنفسه في بعض الأهلة أنه شهر رمضان، فصامه... نظرت:

فإن بان له أن الشهر الذي صامه كان شهر رمضان.. أجزأه، وبه قال عامة الفقهاء، إلا الحسن بن صالح بن يحيى الكوفي، فإنه قال: عليه الإعادة.
دليلنا: أنه أدى العبادة بالاجتهاد، فإذا وافق الفرض.
أجزأه، كالقبلة.
وإن وافق شهرًا بعد رمضان.. أجزأه؛ لأن بذهاب الشهر قد استقر في ذمته، فأكثر ما فيه: أنه أتى بالقضاء بينية الأداء.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في الإبانة \ ق\ 158]: إذا وافق شهرًا بعد شهر رمضان.. صح، وهل يكون قضاء أم أداء؟ فيه قولان.
فإن وافق صوم شهر شوال.. لم يصح صوم يوم الفطر، فإن كان الشهران تامين.. لزمه أن يقضي صوم يوم الفطر، وكذلك إن كانا ناقصين، وإن كان شهر رمضان ناقصًا وشوال تامًا.. لم يلزمه قضاء يوم الفطر، وإن كان شهر رمضان تامًا، وشوال ناقصًا.. كان عليه أن يقضي يومين، يومًا ليوم الفطر، ويومًا لنقصان الهلال.
وإن كان الشهر الذي صامه ذا الحجة.. فإن يوم النحر لا يصح صومه، وكذلك: لا يصح صوم أيام التشريق، على الصحيح من المذهب.
فإن كان هو ورمضان تامين أو ناقصين.. كان عليه أن يقضي صوم أربعة أيام، وإن كان شهر رمضان تامًا وذو الحجة تامًا.. لم يقض إلا صوم خمسة أيام، وإن كان شهر رمضان ناقصًا، وذو الحجة تامًا.. لم يقض إلا صوم ثلاثة أيام.
وإن كان الشهر الذي صامه يصح صوم جميعه، كسائر الشهور، فإن كان شهر رمضان والشهر الذي صامه تامين أو ناقصين.
فلا شيء عليه، وإن كان الشهر الذي صامه ناقصا وشهر رمضان تاما.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: يقضي يوما آخر، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] [البقرة: 184]. فأوجب على من لم يصم رمضان مثل عدة أيامه.
والثاني: لا يلزمه أن يقضي صوم يوم آخر؛ لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين، تامًا كان أو ناقصًا ولهذا يجزئه في نذر صوم شهر.

وذكر ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد ذكر على هذا: إذا صام شهر شوال، وكان هو ورمضان ناقصين.
أنه يلزمه قضاء يومين؛ لأنه يلزمه أن يقصي شهرًا بالهلال، أو ثلاثين يوماُ، ولم أجد في التعليق عنه إلا ما ذكرته أولًا.
هذا ترتيب أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في الإبانة \ ق\158]: إن كان شهر رمضان تامًا، والشهر الذي صامه بعده ناقصًا: فإن قلنا: إن الصوم بعد رمضان يقع قضاء.. لزمه صوم يوم آخر، وإن قلنا: إنه أداء.. أجزأه؛ لأن شهر رمضان لو كان هو الناقص.. أجزأه.
وإن وافق صومه شهرًا قبل شهر رمضان نظرت: فإن بان له هذا قبل شهر رمضان.
وجب عليه أن يصوم شهر رمضان.
وإن بان له ذلك في أثناء رمضان.. لزمه أن يصوم ما بقي منه، والكلام فيما فات منه على ما يأتي إذا فات جميعه.
وإن بان ذلك بعد فوات شهر رمضان.
فقد قال الشافعي: (لا يجزئه حتى يوافق شهر رمضان، أو ما بعده)، ثم قال (ولو قال قائل: يجزئه.
كان مذهبًا) فقال أبو إسحاق: لا يجزئه، قولا واحدًا، وقول الشافعي: (ولو قال قائل: يجزئه.
كان مذهبًا) لم يخبر عن نفسه، وإنما أخبر به عن غيره.
وقال سائر أصحابنا، فيه قولان: أحدهما: يجزئه؛ لأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة، أو تجب في السنة مرة، فإذا أداها قبل وقتها بالاجتهاد.. أجزأه، كالوقوف بعرفة، وفيه احتراز من الصلاة.

والثاني: لا يجزئه، وهو الصحيح، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] [البقرة: 158]. وهذا قد شهده، ولم يصمه، وإنما صام قبله.
ولأنه تعين له يقين الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فهو كما لو صلى قبل الوقت بالاجتهاد، وفيه احتراز من الحج.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق158]: وأصل القولين فيها: القولان إذا وافق ما بعد شهر رمضان: فإن قلنا: يقع قضاء.. لم يجزه؛ لأن القضاء لا معنى له قبل الأداء.
وإن قلنا: أداء؟ أجزأه؛ لأنا نجعل شهر رمضان منقولا إلى ما أداه إليه اجتهاده.
هذا إذا غلب على ظنه دخول الشهر بأمارة.
فإن لم يغلب على ظنه دخوله بأمارة.. قال ابن الصباغ: حكي أن الشيخ أبا حامد قال: يلزمه أن يصوم على سبيل التخمين، ويقضي، كالمصلي إذا لم تغلب على ظنه القبلة.. فإنه لا يلزمه أن يصلي.

مسألة: وجوب النية

]: ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام، واجبًا كان أو تطوعًا، إلا بالنية، وبه قال عامة العلماء.
وقال عطاء، ومجاهد، وزفر بن الهذيل: إذا كان الصوم متعينًا، مثل: أن يكون صحيحًا مقيمًا في رمضان.. لم يفتقر إلى النية.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى».
ولم يرد: أن صور الأعمال لا توجد إلا بالنية، وإنما أراد به: لا حكم للأعمال إلا بالنية.

إذا ثبت هذا: فإنه يجب أن ينوي لكل يوم نية.
وقال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه: (إذا نوى صوم جميع الشهر في أول ليلة منه.. أجزأه لجميعه).
دليلنا: أن صوم كل يوم عبادة منفردة لا تفسد بفساد ما قبله، ولا بفساد ما بعده، فلم يكفه نية واحدة، كالصلوات، وفيه احتراز من ركعات الصلاة، فإن الصلاة بمجموعها عبادة واحدة، وكل ركعة تفسد بفساد ما قبلها وما بعدها من الركعات، ومن أركان الحج أيضا.

فرع: تبييت النية

]: ولا يصح صوم شهر رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنية من الليل، وروي ذلك عن ابن عمر وحفصة بنت عمر، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (صوم شهر رمضان والنذر المعين يصح بنية من النهار قبل الزوال).
دليلنا: ما روت حفصة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من لم يبيت الصيام من الليل.. فلا صيام له " وروي: "من لم يبت الصيام»، يعني: من لم يقطع.
ذكره الهروي.

وروي: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر.. فلا صيام له "، يعني: من لم ينو الصيام.
وروي: "من لم يؤرض الصيام»، ومعناه: يمهده، وسميت الأرض: أرضًا؛ لتمهيدها، وروي: "يفرضه".
وهل يجوز بنيته مع طلوع الفجر؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئ؛ لأنه عبادة، فجاز بنية تقارن ابتداءه، كالصلاة، وإنما رخص في تقديمها، للمشقة.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا -: أنه لا يصح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر.. فلا صيام له»، ولأنا لو قلنا: يجوز بنية مع طلوع

الفجر.. لأدى إلى أن يعرى جزء من الصوم عن النية؛ لأنه لا يعرف الفجر إلا بطلوعه.
قال ابن الصباغ: ولأن من أصحابنا من أوجب إمساك جزء من الليل؛ ليكمل له صوم النهار، فوجب تقديم النية على ذلك.
إذا ثبت هذا: فالمذهب: أن جميع الليل وقت لنية الصوم.
وقال بعض أصحابنا: يجب أن ينوي في النصف الأخير منه، كما نقول في أذان الصبح.
وهذا ليس بشيء؛ لحديث حفصة.
فإن نوى في أول الليل، ثم جامع، أو أكل، أو شرب، أو انتبه من نومه.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: إذا نوى، ثم نام، ولم ينتبه إلى آخر الليل.. لم يلزمه تجديد النية، وإن انتبه، أو جامع، أو أكل، أو شرب.. لزمه تجديد النية؛ لأن ذلك ينافي النية.
و [الثاني]: قال سائر أصحابنا: لا يلزمه تجديد النية، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] [البقرة: 187]. ولو كان ذلك يمنع صحة النية... لم يجز الأكل والشرب إلى طلوع الفجر.
وقيل: إن أبا إسحاق لم يصح منه هذا، ولم يذكره في شرحه.
وقيل: إنه رجع عنه.
وإن أصبح شاكًا في النية، أو تيقن النية، وشك: هل نوى قبل الفجر، أو بعده؟ قال الصيمري: لم يجزه.
ولو نوى ثم شك: أطلع الفجر، أم لا؟ أجزأه.

مسألة: تعيين النية

]: ولا يصح صوم شهر رمضان إلا بتعيين النية، وهو أن ينوي أنه صائم غدًا من شهر رمضان، وهل يفتقر إلى نية الفرض، أو الواجب؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: يفتقر إلى ذلك؛ لأنه قد يقع نفلًا في حق الصبي.
و [الثاني]: قال أبو علي بن أبي هريرة: لا يفتقر إلى ذلك؛ لأن صوم شهر رمضان لا يكون في حق البالغ إلا فرضًا.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يفتقر إلى التعيين).
فإن كان حاضرًا في رمضان، فنوى أن يصوم غدًا عن نذر، أو كفارة، أو نافلة.. جاز عن رمضان، وإن نوى أن يصوم مطلقا.. أجزأه عن شهر رمضان أيضا، وإن كان مسافرا، فإن نوى الصوم عن النافلة، أو مطلقا.. أجزأه عن شهر رمضان، وإن نوى أن يصوم عن نذر، أو كفارة.. أجزأه عنهما، وكان عليه أن يقضي عن شهر رمضان.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى».
وهذا لم ينو، ولأن الصوم عبادة يفتقر قضاؤها إلى تعيين النية، فافتقر أداؤها إلى تعيينها، كالصلاة، وعكسه الحج، فإنه لا يفتقر أداؤه ولا قضاؤه إلى تعيين النية.

فرع: نية الصيام لفرض مجهول

]: قال الصيمري: إذا علم أن عليه صوما واجبا لم يعرفه من شهر رمضان أو نذر، فنوى صوما واجبا.. أجزأه، كمن نسي صلاة من خمس صلوات لم يعرف عينها.. فإنه يصلي الخمس، ولو نوى: أنه يصوم غدا إن شاء زيد، أو عمرو، أو إن نشطت.. لم يجزه.
ولو قال: ما كنت صحيحا أو مقيما.. أجزأه.
ولو قال: أصوم غدًا إن شاء الله.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها - وهو قول القاضي أبي الطيب -: أنه يصح؛ لأن الأمور بمشيئة الله تعالى.

والثاني - وهو قول الصيمري -: أنه لا يصح؛ لأن قوله: إن شاء الله، يبطل حكم ما اتصل به، كما إذا علق البيع والنكاح والطلاق على مشيئة الله تعالى.
والثالث - وهو قول ابن الصباغ -: إن قصد بذلك الشك في فعله.. لم يصح، وإن قصد أن فعل ذلك موقوف على مشيئة الله، وتمكينه، وتوفيقه.. صح صومه؛ لأن ذلك لا يرفع النية.

فرع: تحديد النية بيوم وسنة

]: إذا قال: أصوم غدا سنة ثلاثين، فكانت سنة إحدى وثلاثين.. فذكر القاضي أبو الطيب في " المجرد ": أنه لا تصح نيته.
قال: وإن نوى أن يصوم غدا في هذه السنة يظنها سنة ثلاثين، فكانت سنة إحدى وثلاثين.. صحت نيته.
ولو نوى أن يصوم غدا يظنه يوم الاثنين، فكان يوم الثلاثاء.. قال القاضي أبو الطيب: أجزأه.
قال ابن الصباغ: ولا فرق عندي في هذه المسائل، وتعيينه العدد، كتعيينه السنة، وينبغي أن يجزئه في الكل.

فرع: نية الحائض

]: قال الجويني: ولو نوت المرأة الصوم بالليل، وهي حائض، فانقطع دمها قبل طلوع الفجر.. أجزأتها تلك النية.
وحكى الشاشي فيها وجها آخر: أنه لا يصح.

فرع: تعيين النية مع الشك

]: وإن نوى ليلة الثلاثين من شعبان، فقال: أصوم غدا من شهر رمضان أو تطوع، فإن كان من شهر رمضان.. لم تصح، لأنه لم يخلص النية لرمضان، ولأن الأصل أنه من شعبان.

وإن قال: إن كان غدا من شهر رمضان.. فأنا صائم عن رمضان، وإن لم يكن من شهر رمضان.. فأنا صائم عن تطوع، فكان من شهر رمضان لم يصح، لأن الأصل أنه من شعبان.
وإن قال ليلة الثلاثين من شهر رمضان: إن كان غدا من رمضان.. فأنا صائم عن شهر رمضان، وإن لم يكن من شهر رمضان.. فأنا مفطر، فكان من شهر رمضان صح صومه، لأن الأصل أنه من شهر رمضان.
وإن قال: إن كان غدا من شهر رمضان.. فأنا صائم عن رمضان أو مفطر، فإن كان من رمضان.. لم يصح صومه، لأنه لم يخلص النية للصوم.
وإن كان عليه قضاء يوم من شهر رمضان، فقال في بعض الأيام: أصوم غدا عن قضاء شهر رمضان أو تطوعا.. لم يصح عن القضاء، ووقع تطوعا.
وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو يوسف: يقع عن القضاء، لأن التطوع لا يفتقر إلى تعيين النية.
دليلنا: أن زمان القضاء يصلح للتطوع، فإذا سقطت نية الفرض بالتشريك.. بقيت نية التطوع، فوقع.

فرع: نية الخروج من الصوم

]: وإن نوى الصائم الخروج من الصوم.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يبطل؛ لأنها عبادة تجب الكفارة بجنسها، فلا تبطل بنية الخروج منها، كالحج، وفيه احتراز من الصلاة.
والثاني: يبطل، وهو الأظهر؛ لأنها عبادة تفتقر إلى تعيين النية، فتبطل منه بنية الخروج منها، كالصلاة، وفيه احتراز من الحج، ولأن الحج لا يخرج منه بما يفسده، والصوم يخرج منه بما يفسده، ومعنى ذلك: أنه إذا أكل في الصوم عامدا، ثم جامع فيه لم تجب عليه الكفارة.
وكذلك: إذا جامع في الصوم عامدا، ثم جامع فيه ثانيا.. لم يتعلق بالثاني

كفارة، والحج إذا جامع فيه وفسد، ثم قتل فيه صيدا، أو جامع ثانيا.. وجبت عليه الكفارة.
أما المضي في فاسدهما: فإنه يجب عليه في الحج والصوم.
فإذا قلنا: بهذا: فنوى في خلال نهار صوم النذر نقله إلى صوم الكفارة.. لم ينتقل إلى الكفارة، ويبطل صوم النذر، وهل ينتقل إلى التطوع؟ فيه قولان، حكاهما المسعودي [في الإبانة ق\157] بناء على ما لو نوى في حال الصلاة أنه نقلها لصلاة أخرى.. فلا تنتقل إليها، وهل تبطل، أم تبقى نافلة؟ قولان.
قال أصحابنا البغداديون: يبطل الصوم والصلاة، ولا يقعان نافلة.

مسألة: النية في التطوع

]: ولا يصح صوم التطوع إلا بالنية، لما ذكرناه في الفرض، ولكن يصح بنية من النهار، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وروي ذلك عن أبي طلحة من الصحابة.
وقال مالك، والمزني، وداود: (لا يصح بنية من النهار).
وروي ذلك عن ابن عمر في الصحابة، وجابر بن زيد من التابعين.
دليلنا: ما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدخل علي، فيقول: "هل من طعام؟ "، فأقول: لا، فيقول: "إني صائم"، وفي بعض الأخبار: أنه قال: "هل من غداء؟ "، فقلت: لا، فقال: "إني إذن صائم».
ولنا من الخبر أدلة: منها: أنه إنما طلب الطعام، لأنه كان مفطرا، فلما لم يجد.. صام.
والثاني: أن الظاهر من قوله: "إني صائم" إنما صام؛ لفقد الطعام.
والثالث: قوله: "إني إذا صائم"، وهذه اللفظة في لسان العرب موضوعة لاستئناف الشيء وابتدائه في المستقبل.
إذا ثبت هذا: فهل يجوز بنية بعد الزوال؟ فيه قولان: أحدهما: يصح؛ لأنه جزء من النهار، فصحت نية التطوع فيه، كما قبل الزوال.
والثاني: لا يصح، وهو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن النية لم تصحب معظم النهار، فلم يصح، كما لو نوى مع غروب الشمس.
وإذا نوى صوم التطوع من النهار.. فهل يكون صائمًا من أول النهار، ويثاب عليه، أو من وقت النية لا غير.
فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق، واختيار المسعودي [في " الإبانة "ق\ 157]-: أنه يكون صائمًا من وقت النية لا غير؛ لأن ما قبل النية لم يوجد فيه القصد إلى القربة، فلم يثب عليه.
والثاني - وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ -: أنه يكون صائما من أول

جارٍ التحميل