البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 571-610

كتاب الصلاة

صفحات 571-610
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

دليلنا: حديث جابر بن سمرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصل بينهما بجلسة»، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وهل يشترط فيهما الطهارة من الحدث والنجس، وستر العورة؟ فيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (لا يشترط ذلك، وأنه مستحب).
وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد؛ لأنه ذكر يتقدم الصلاة، فلم يشترط فيه الطهارة، كالأذان.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يشترط ذلك).
وهو الأصح؛ لأنه ذكر شرط في الصلاة، فاشترطت فيه الطهارة، كتكبيرة الإحرام، وينبغي أن يكون ستر العورة فيهما شرطًا على هذين القولين.

مسألة الألفاظ الواجبة في الخطبة

وأما الألفاظ في الخطبتين: فاتفق أصحابنا على وجوب ثلاثة ألفاظ فيها: حمد الله، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والوصية بتقوى الله تعالى.
وأما القراءة: فالمشهور من مذهب الشافعي: أنها واجبة.
وحكى بعض أصحابنا قولًا آخر: أنها ليست بواجبة بواحدة منهما؛ لأن الشافعي قال في " الإملاء ": (فإن حمد الله، وصلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ووعظ... أجزأه، وقد ضيع حظ نفسه).
وهذا ليس بشيءٍ؛ لأن الشافعي قد نص على وجوبها في " الأم " [1/178].

ووجهه: حديث جابر بن سمرة.
فإذا قلنا بهذا: فاختلف أصحابنا في محلها: فمنهم من قال: القراءة واجبة في كل واحدة من الخطبتين؛ لأن ما كان واجبًا في إحداهما، كان واجبًا فيهما، كسائر الألفاظ.
ومنهم من قال: تجب القراءة في إحدى الخطبتين لا بعينها؛ لأنه روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ في الخطبة».
وذلك لا يقتضي أكثر من مرة.
وحكى في " الإفصاح " وجهًا ثالثًا: أن القراءة لا تجزئ إلا في الأولى، وهذا ليس بمشهور.
وأما الدعاء: فمن أصحابنا من قال: يجب؛ لأن المزني ذكره في أقل ما يجزئ من الخطبة.
ومنهم من قال: هو مستحب؛ لأنه لا يجب في غير الخطبة، فلا يجب فيها، كالتسبيح، وأما الدعاء للسلطان: فلا يستحب؛ لما روي: أنه سُئل عطاء عن ذلك؟ فقال: إنه محدث، وإنما كانت الخطبة تذكيرًا.

فرع الخطبة بالعربية

ويشترط أن يأتي بالخطبة بالعربية؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء بعده كانوا يخطبون بالعربية، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
فإن لم يوجد فيهم من يحسن الخطبة بالعربية... احتمل أن تجزئهم الخطبة بالعجمية، ويجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية، كما قلنا في تكبيرة الإحرام.
ولفظ الوصية ليس بشرط في الخطبة، فلو قرأ آية فيها وصية، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: 1] [النساء:1]... أجزأه؛ لأنها أبلغ من الوصية.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (يجزئه أن يقول: الحمد لله، أو لا إله إلا الله، أو سبحان الله).
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز حتى يأتي بكلام يسمى خطبة في العادة.
وعن مالك روايتان: إحداهما: (أن من سبح أو هلل... أعاد ما لم يصل).
والثانية: (لا يجزئه إلا ما سمته العرب خطبة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] [الجمعة:9].
ولم يبين كيفية الذكر، وكيفيته مأخوذة من فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأتي في خطبته بجميع ما ذكرناه، وروى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب يومًا، فقال: الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونستنصره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله... فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله... فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى»

قال الشافعي: وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب، فقال: ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق، يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا فاعملوا، وكونوا من الله على حذر، ألا واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم - وفي رواية: على أموالكم - فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا... يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره» وروي عن جابر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب يوم الجمعة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته، واشتد غضبه، واحمرت وجنتاه، كأنه منذر جيش: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وأشار بالسبابة والوسطى، ثم قال: إن أفضل الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، من ترك مالًا... فلأهله، ومن ترك دينًا أوضياعًا فإلي [وعلي] » وهذا يدل على وجوب الحمد والوصية.

قال أبو عبيد الهروي في " الغريب ": «خير الهدي هدي محمد»، أي: أحسن الطرائق، يقال: فلان حسن الهدي، أي: حسن المذاهب في الأمور كلها.
وقوله: " ضياعا " قال: فالضياع: العيال.
وقال القتيبي: وهو مصدر ضاع يضيع ضياعًا، أي: من ترك عيالًا عالة، فجاء بالمصدر نائبًا عن الاسم.
كقوله: فمن مات وترك فقيرًا، أي: فقراء، فإذا كسرت الضاد... فهو جمع: ضائع، مثل: جائع وجياع.
وأما الدليل على وجوب الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] [الانشراح:4].
قال أهل التفسير: أي: لا أذكر إلا وتذكر معي.
وأما الدليل على وجوب القراءة: فحديث جابر بن سمرة، وروت أم هشام بنت حارثة، قالت: «حفظت سورة (ق) من في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر».

فرع يستحب في الخطبة

ويستحب أن يرفع صوته بالخطبة؛ لحديث جابر، ولأن القصد بالخطبة الإعلام، فكان رفع الصوت أولى، فإن خطب سرًا بحيث يسمع نفسه لا غير... ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول الشيخ أبي زيد المروزي -: أنه يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، كما لو خطب بالعربية، وهم عجم لا يفقهونه، أو كما لو جهر بالخطبة، وهم صم لا يسمعونه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه أخل بالمقصود، فهو كما لو خطب في نفسه، أو كما لو كتبها في درج، وقرؤوها في أنفسهم، وفهموها، ويخالف إذا خطب بالعربية، وهم عجم أو صم؛ لأنه لم يفرط هناك، وهاهنا قد فرط.

مسألة يسن للخطبة

والسنة: أن يخطب على شيء مرتفع: إما منبرٍ، أو درجةٍ، لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما دخل المدينة... خطب مستندًا إلى جذع في المسجد، ثم صنع له المنبر، فصعده، وخطب عليه، فحن الجذع حتى سمعه أهل المسجد، فنزل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليه، وضمه حتى سكن».
ولأنه أبلغ في الإعلام.
ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب، وهو الموضع الذي يكون على يمين الإمام، إذا توجه إلى القبلة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صنع له منبره هكذا.
ويستحب للإمام إذا دخل المسجد أن يسلم على الناس عند دخوله، فإذا بلغ المنبر... صلى ركعتين تحية المسجد، ثم يصعد المنبر، فإذا بلغ إلى الدرجة التي تلي الدرجة التي يستريح بالقعود عليها التفت إلى الناس، وسلم عليهم.

وقال مالك، وأبو حنيفة: (يكره هذا السلام)؛ لأنه قد سلم عليهم عند دخوله، فلا معنى لإعادته.
دليلنا: ما روى عبد الله بن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسلم على من عند منبره، ثم يصعد، فإذا استقبل الناس بوجهه... سلم، ثم قعد»، ولأن الإمام يستدبرهم إذا صعد، فاستحب له أن يسلم عليهم إذا أقبل؛ ولهذا روي: (أن أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا إذا مروا في طريق يحول بين بعضهم وبعض شجرة فيسلم بعضهم على بعض).
فإذا فرغ الإمام من السلام... جلس، وأذن المؤذن؛ لما روى ابن عمر: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصنع ذلك).
ولأنه قد يتعب في الصعود، فاستحب له الجلوس؛ لترجع إليه نفسه.
والمستحب: أن يكون المؤذن واحدًا، حكاه أبو علي في " الإفصاح "، والمحاملي، وغيرهما؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يؤذن له يوم الجمعة إلا واحد، ثم يقوم؛ لما ذكرناه من حديث جابر.
ويستحب أن يعتمد على عنزة، أو قوس، أو سيف، أو عصى؛ لما روى

الحكم بن حزن: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعتمد على قوس في خطبته»، ولأنه أسكن لجأشه.
قال الشافعي: (فإن لم يكن معه شيء... سكن نفسه: إما بأن يضع يمينه على شماله، أو بأن يرسل يديه ساكنتين، ويخطب خطبتين على ما مضى).
ويستحب أن يكون كلامه مسترسلًا معربًا بلا تمطيط ولا مد، ولا يأتي بالكلام الغريب المستنكر الذي تخفى عليهم أو على بعضهم المعاني فيه؛ لأن القصد بالخطبة الموعظة، ولا يحصل إلا بما ذكرناه.
ويستحب أن يقبل على الناس بوجهه في جميع الخطبة، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا.
وقال أبو حنيفة: (يلتفت يمينًا وشمالًا، كالمؤذن).
دليلنا: ما روى سمرة بن جندب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا خطبنا... استقبلناه بوجوهنا، واستقبلنا بوجهه».
ولا يلتفت، ويفارق الأذان؛ فإن المقصود منه

الإعلام، وذلك يحصل بكلمة، وهاهنا: المقصود السماع، فإذا التفت إلى يمينه... فوت على بعض الناس السماع، فكان أولى الجهات قصد وجهه، فإن خالف، وخطب مستقبل القبلة، مستدبر الناس صح، ولكنه قد خالف السنة.
وحكى الشاشي وجهًا آخر: أنه لا يجزئه، وليس بصحيح.

فرع إن استغلق الكلام

وإن ارتج على الإمام... فقد قال الشافعي في موضع: (ولا يلقن)، وقال في موضع: (يلقن).
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على حالين: فالموضع الذي قال: (لا يلقن) أراد: إذا رجى أن يفتح عليه، مثل: أن كان يردد الكلام في نفسه، والذي قال: (يلقن) أراد: إذا لم يرج انفتاحه.
والدليل على ذلك: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ سورة في الصلاة، فنسى آية، فلما فرغ... قال: "أليس فيكم أُبي؟ "، فقالوا: بلى، يا رسول الله، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هلا رددت علي؟ "، فقال أُبي: ما كان الله ليراني وأنا أرد على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».

وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (إذا استطعمكم الإمام... فأطعموه)، يعني: الفتح عليه.
ويستحب أن يقصر الخطبة، قال الشافعي في القديم: (يخطب بقدر أقل سورة)، ولم يعين، وقد بينه في " الأم " [1/187]، فقال: (أن يأتي بالألفاظ الواجبة التي ذكرناها).
والأصل في ذلك... ما روي: أن عبد الله بن مسعود خطب، وأوجز، فقيل له: لو تنفست في خطبتك، فقال: سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «قصر الخطبة، وتطويل الصلاة، مئنة من فقه الرجل، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة».
قوله: " مئنة "، أي: مادة وقوة ودليل على فضل وكثرة علم.

فرع شرب الماء حال الخطبة

يجوز شرب الماء في حال الخطبة للعطش أو للتبرد.
وقال مالك، وأحمد، والأوزاعي: (لا يجوز).
قال الأوزاعي: (فإن فعل ذلك... بطلت جمعته).
دليلنا: أن الكلام إذا لم يبطلها، فشرب الماء أولى.
قال الشافعي: (فإن قرأ آية فيها سجدة، فنزل، وسجد... لم يكن به بأس)؛ لما روي: (أن عمر فعل ذلك).

فإن تركها... كان أولى؛ لما روي: أن عمر قرأ السجدة في الجمعة الثانية، فتهيأ الناس للسجود، فقال: (أيها الناس، على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا)، ولم يسجد.
فإن نزل، وسجد، وطال الفصل... فهل يبني، أو يستأنف؟ فيه قولان: قال في القديم... (يبني)، وقال في الجديد: (يستأنف).

مسألة ركعتا الجمعة

]: وإذا فرغ من الخطبة... نزل وصلى الجمعة ركعتين، وهو نقل الخلف، عن السلف، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فإن نوى أن يصليها ظهرًا مقصورة... قال في " الفروع ": فهل يجزئه؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الواجب يوم الجمعة.
ويستحب أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة (الجمعة)، وفي الثانية بعد الفاتحة سورة (المنافقون).
قال الشافعي: (فإن قرأ في الأولى سورة (المنافقون)... قرأ في الثانية سورة (الجمعة)، حتى لا تخلو الصلاة من هاتين السورتين).
وقال مالك: (يقرأ في الأولى سورة (الجمعة)، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] [الغاشية:1].
وقال أبو حنيفة: (لا تتعين القراءة المستحبة فيهما، وهما وغيرهما في الفضل سواء).

دليلنا: ما روي عن عبيد الله بن أبي رافع: أنه قال: «قرأ أبو هريرة في صلاة الجمعة سورة (الجمعة) و (المنافقون)، فقلت له: قرأت سورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما، فقال أبو هريرة: (كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأهما في صلاة الجمعة».
ولأن في الأولى ذكر الجمعة، وفي الثانية ذم المنافقين، وهذا أليق بالموضع، فإن قرأ غيرهما من السور... جاز؛ لما روى سمرة بن جندب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ في الجمعة في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] ». ويستحب أن يجهر بالقراءة فيهما؛ لأنه نقل الخلف عن السلف، وأما ما روي: (أن صلاة النهار عجماء): فإنما روي ذلك عن بعض التابعين، وإن صح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -... فإنه أراد: أكثر صلاة النهار عجماء، بدليل: أن صلاة الصبح يجهر بها، وهي من صلاة النهار.
وبالله التوفيق

باب هيئة الجمعة والتبكير

والغُسل للجمعة سنة، وليس بواجب، وبه قال عامة أهل العلم، وقال الحسن البصري، وداود، وأهل الظاهر: (هو واجب).
دليلنا: قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من توضأ يوم الجمعة... فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغُسل أفضل»: فجعل غُسل يوم الجمعة فضيلة، فدل على أنه لا يجب.
فقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فبها ونعمت»: قال ابن الصباغ: معناه: فبالفريضة أخذ، ونعمت الخلة الفريضة.
وحكى أبو عبيد الهروي، عن الأصمعي: أنه قال: فبالسنة أخذ.
وقال بعضهم: فبالرخصة أخذ.
ومما يدل على ما ذهبنا إليه: ما روي: «أن عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دخل المسجد، وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يخطب على المنبر، فقال أية ساعة هذه؟ فقال عثمان: كنت في السوق، فلم أشعر إلا أن سمعت النداء، فما زدت على أن توضأت وجئت، فقال عمر: والوضوء أيضًا؟! وقد علمت: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمرنا بالغسل».
فأقره عمر على ترك الغسل بحضرة الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولو كان واجبًا... لم يجز تركه.

وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غُسل الجمعة واجب على كل محتلم»: فأراد: وجوب اختيار، لا وجوب إلزام، بدليل ما ذكرناه.
وهل يسن غُسل الجمعة لليوم، أو للصلاة؟ فيه وجهان: المشهور: أنه يسن للصلاة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من جاء منكم إلى الجمعة... فليغتسل».
فعلى هذا: لا يسن لمن لا يأتي الجمعة.
والثاني: يسن لليوم؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم».
فعلقه على اليوم.
فعلى هذا: يسن لمن يحضر الصلاة، ولمن لا يحضرها.
فإن اغتسل للجمعة قبل الفجر... لم يجزئه، وقال الأوزاعي: (يجزئه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم».
فعلقه على اليوم.
وإن اغتسل بعد طلوع الفجر، وراح إلى الجمعة عقيبه... فقد أتى بالأفضل، وإن لم يرح عقيبه أجزأه عندنا.

وقال مالك: (لا يجزئه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من توضأ يوم الجمعة... فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغُسل أفضل».
ولم يفرق بين أن يروح عقيبه، أو لا يروح.

مسألة الغسل من الجنابة يوم الجمعة

]: وإن كان جُنبًا يوم الجمعة، فاغتسل غُسلين: غسلًا عن الجنابة، وغسلًا عن الجمعة... فقد أتى بالأفضل، وإن اغتسل غسلًا واحدًا، ونواه عنهما أجزأه.
وقال مالك: (لا يجزئه).
دليلنا: ما روى نافع: (أن ابن عمر كان يغتسل يوم الجمعة غُسلًا واحدًا عن الجنابة والجمعة)، ولأنهما غسلان ترادفا، فأجزأه عنهما غسل واحد، كما لو كان على المرأة غسل جنابة، وغسل حيض.
وإن اغتسل عن الجنابة، ولم ينو الجمعة... أجزأه عن الجنابة، وهل يجزئه عن الجمعة؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه لم ينوها.
والثاني: يجزئه؛ لأن القصد بالغسل عن الجمعة التنظيف، وقد حصل.
وإن اغتسل، أو نوى الغسل عن الجمعة، ولم ينو عن الجنابة... فهل يجزئه عن الجمعة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئه عن الجمعة؛ لأنه قد نواها، ثم يجب عليه أن يغتسل عن الجنابة.

والثاني: لا يجزئه عن الجمعة؛ لأن المقصود من غُسل الجمعة التنظيف، ولا تنظيف مع بقاء الجنابة.
قال في " الإبانة " [ق\29]: إذا اغتسل بنية الجمعة، وكان يوم عيد... فقد حصل له غسل الجمعة والعيد، وإن اغتسل بنية العيد حصل له غُسل العيد والجمعة؛ لأنهما غُسلا نفل، فتداخلا، بخلاف غسل الجمعة والجنابة.

فرع يستحب مع غسل الجمعة

ويستحب له مع الغُسل يوم الجمعة أن يفعل ستة أشياء: حلق الشعر، وتقليم الأظفار، والسواك، وقطع الروائح الكريهة، ولبس أحسن ثيابه، والتطيب؛ لما روى أبو سعيد، وأبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة، واستن، واستاك، ولبس أحسن ما يجد من الثياب، وخرج، ولم يتخط رقاب الناس، وركع ما شاء الله له أن يركع، وأنصت إذا خرج الإمام... كانت كفارة ما بين تلك الجمعة إلى الجمعة التي قبلها".
قال أبو هريرة: (وزيادة ثلاثة أيام؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] » [الأنعام:160]. وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في يوم الجمعة: "يا معشر المسلمين، إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين، فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب... فلا يضره أن يمسه».

قال الشافعي: (ويستحب ذلك للعبيد والصبيان إذا أرادوا حضور الجمعة).
ويستحب للنساء التنظيف بالغسل والسواك، ويكره لهن لبس الشهرة من الثياب، والطيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى الافتتان بهن.
ويستحب له أن يلبس من الثياب البيض؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البسوا البياض؛ فإنها خير ثيابكم».
ولأن البياض كان أكثر لبس النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، و: «كفن في ثلاثة أثواب بيض»، ولم ينقل: أنه لبس السواد إلا يوم فتح مكة، فـ: «إنه دخل وعلى رأسه عمامة سوداء».

فإن لم يجد البياض... قال الشافعي: (فعصب اليمن، وهي هذه الأبراد المخططة التي يصبغ غزلها، ثم ينسج).
و (الغزل): العصب، و (الغزال): هو العصاب الذي يبيع الغزل.
ولا يستحب لبس ما صبغ ثوبه، قال الشيخ أبو حامد: لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يلبسها.
ويستحب له أن يرتدي بُردًا، ويعتم؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل ذلك، وروي: أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعلي كرَّم الله وجهه: «العمائم تيجان العرب»، وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الملائكة تكتب أصحاب العمائم يوم الجمعة».
ويستحب للإمام من ذلك أكثر مما يستحب لغيره؛ لأنه يقتدى به.

مسألة التبكير للجمعة

ويستحب التبكير إلى الجمعة؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى... فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة... فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة... فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر».
قال الشيخ أبو حامد: يعني: الصحف التي يكتب فيها فضل التبكير.
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كان يوم الجمعة... كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم، الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طويت الصحف»، ومن أين تعتبر هذه الساعات؟ فيه وجهان: أحدهما: من طلوع الشمس؛ لأن الساعة لا تعلم إلا بعد طلوع الشمس، فأما قبله: فلا.
والثاني: وهو ظاهر قول الشافعي: أنها تعتبر من طلوع الفجر؛ لأنه أول اليوم، وبه يتعلق جواز الغسل، هذا نقل الشيخ أبي حامد وأصحابنا البغداديين.
وقال القفال: ليس المراد هاهنا بالساعات: أعداد ساعات اليوم والليلة التي هي أربع وعشرون ساعة في الليلة واليوم، حتى إن اثنين إذا أتيا على التعاقب في ساعة واحدة، استويا في الأجر.
وإنما معنى الخبر: أن من كان أسبق الاثنين رواحًا... فهو أعظم أجرًا وإن كان بينهما لحظة، وهو عبارة عن ترتيب المجيء، لا غير.

قال الشافعي: (فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] [الجمعة:9].
فأمر الله بالسعي بعد النداء، وهو بعد الزوال... فكيف استحببتم السعي قبل الزوال؟ -قال - فالجواب: أن السعي المأمور به بعد الزوال واجب، وذلك لا يمنع استحباب السعي قبل الزوال).
والمستحب: أن يمشي إلى الجمعة على سجية مشيه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أتيتم الصلاة... فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن أتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة».
ولا يركب من غير عذر؛ لما روى أوس بن أوس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع، ولم يلغ... كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها».
وقوله: (غسل) فيه ثلاث روايات: غسل - بالتخفيف - وروي: غسل - بالتشديد - وروي: عسل - بالعين غير معجمة منقوطة - فمن روى بالتخفيف... فأراد: توضأ واغتسل، ومن روى بالتشديد فأراد: جامع أهله، فاغتسل وغسل غيره، وكذا من روى بالعين... أي: ذاق العُسيلة - وهو الجماع - واغتسل.
وقوله: "بكر"، أي: خرج في الساعة الأولى، وفي "ابتكر" تأويلان: أحدهما: أنه أراد: حضور أول الخطبة، مشتق من: باكورة الثمرة، وهو أولها.
والثاني: أنه أراد: فَعل فِعل المبتكرين، من الصلاة، والقراءة، والطاعة.

فإن كان عاجزًا عن المشي... لم يكره له أن يركب؛ لأنه إذا لم يكره له ترك القيام في الصلاة للعجز فلأن لا يكره ترك المندوب إليه مع العجز أولى.
قال المزني: ومن بلغ باب المسجد... فالمستحب: أن يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويقول: اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وألحح من طلب إليك.

مسألة تخطي الرقاب يوم الجمعة

]: قال الشافعي: (وأكره تخطي رقاب الناس يوم الجمعة قبل دخول الإمام، وبعده، إلا أن يكون إمامًا، فلا يكره؛ لحديث أبي سعيد، وأبي هريرة).
وحكى الطبري: أن القفال قال: إذا كان الرجل محتشمًا أو مخوفًا... لم يكره له أن يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة في الجامع؛ لما ذكرناه من حديث عثمان حين جاء وعمر يخطب، ولما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جيء به حين مرض يهادى بين رجلين، حتى دخل المحراب».
فإن ازدحم الناس، وكان هناك فرجة، فإن علم أنهم إذا قاموا إلى الصلاة، تقدموا إليها... لم يتخط؛ لأنه لا حاجة به إلى ذلك.
وإن كان يعلم أنهم إذا قاموا إلى الصلاة لا يتقدمون إليها... جاز له أن يتخطى إليها؛ لأن به حاجة إلى ذلك، وهكذا: إذا علم أنهم يقومون إليها وإنما يتخطى إليها رجلًا أو رجلين جاز له ذلك؛ لأنه يسير.

فرع اتخاذ موضع لسماع الخطبة

قال الشافعي: (ولا أكره للرجل يوم الجمعة أن يوجه من يأخذ له موضعه، فإذا جاءه الآمر... تنحى له)؛ لما روي: أن ابن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له يوم الجمعة، ليجلس فيه، فإذا جاءه محمد قام الغلام، وجلس فيه محمد.
فإن جلس رجل في موضع... فلا يجوز لغيره أن يقيمه منه؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن يقول: تفسحوا، أو توسعوا».
فإن قام الجالس، وأجلس غيره مكانه... لم يكره له أن يجلس فيه.
وأما القائم منه: فإن تقدم منه إلى موضع أقرب إلى الإمام... لم يكره له ذلك، وإن كان أبعد من الإمام كره له؛ لأنه آثر غيره بالقربة.
فإن وجد ثوبًا مفروشًا لرجل في المسجد... لم يجز له أن يجلس عليه؛ لأنه لا يجوز له أن يرتفق بمال غيره بغير إذنه من غير ضرورة، ولا يدفعه؛ لئلا يلزمه ضمانه.
قال الطبري: ولكن يُنحيه، كما نقول في المصلي إذا كان بين يديه كمشك في أسفله نجاسة، وهو في الصلاة: إن نحاه من غير أن يدفعه... لم يضره، وإن دفعه بطلت صلاته.

ويستحب له إذا نعس ووجد موضعًا لا يتخطى إليه أحد أن يقوم إليه، لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا نعس أحدكم في مجلسه... فليتحول إلى غيره».
ولا يشبك بين أصابعه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن أحدكم في الصلاة ما دام يعمد إليها»، وهذا مكروه في الصلاة، فكره لمن ينتظرها.

مسألة قراءة سورة الكهف يوم الجمعة

والمستحب له: أن يقرأ سورة الكهف ليلة الجمعة؛ ويوم الجمعة؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة ويومها... وقي فتنة الدجال».

وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة... غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة».
والمستحب: أن يكثر من الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة الجمعة ويوم الجمعة؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة، فإني أبلغ، وأسمع».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن أقربكم إلي في الجنة أكثركم صلاة علي، فأكثروا من الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر».
قال الشافعي: (يعني: يوم الجمعة وليلتها).

فرع الاحتباء في الخطبة

قال الشيخ أبو نصر في " المعتمد ": ولا يكره الاحتباء في حال الخُطبة، وروي ذلك عن ابن عمر.
قال بعض أصحاب الحديث: يُكره، وروى فيه حديثًا في إسناده مقال.
ودليلنا: أن ذلك لا يمنع من استماع الخطبة، فلم يكره، كالتربع.
قال الشيخ أبو نصر: وليس للشافعي نص فيما يصلى بعد الجمعة، والذي يجيء على المذهب: أنه يصلي بعدها ما يصلي بعد الظهر، فإن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صلى أربعًا؛ لأنه روي عن ابن مسعود: أنه قال: (يصلي بعدها أربعًا).
قلت: وكذلك يصلي قبلها ما يصلي قبل الظهر.

مسألة التنفل قبل الخطبة

ولا ينقطع التنفل، ولا الكلام قبل خروج الإمام بالإجماع، فإذا خرج الإمام... لم

ينقطع التنفل عندنا، حتى يجلس الإمام على المنبر، ولا ينقطع الكلام إلا بابتداء الإمام في الخطبة.
وقال أبو حنيفة: (إذا خرج الإمام... حرم الكلام والتنفل).
دليلنا: ما روي عن ثعلبة بن أبي مالك: أنه قال: (قعود الإمام على المنبر يقطع السبحة - يعني: النافلة - وكلامه يقطع الكلام).
ولأن الصحابة كانوا يتحدثون وعمر على المنبر، فإذا ابتدأ الخطبة... سكتوا.
فإن دخل رجل والإمام يخطب على المنبر... صلى ركعتين تحية المسجد، وبه قال الحسن، ومكحول، وأحمد.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يكره).
دليلنا: ما روى جابر، قال: «جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب، فجلس، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له: "يا سليك، قم، فاركع ركعتين، وتجوز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب... فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما».
وإن دخل والإمام في آخر الخطبة... لم يصل التحية؛ لأنه يفوته أول الصلاة مع

الإمام، وهو فرضٌ، ولأن تحية المسجد تحصل بصلاة الجمعة.
ويجوز الكلام إذا جلس الإمام بين الخطبتين، وإذا نزل من المنبر؛ لما روي في حديث ثعلبة بن أبي مالك: (أن الصحابة كانوا يتحدثون، إذا نزل عمر من المنبر).
ولأنه ليس بحال استماع.
وإذا بدأ الإمام الخطبة... أنصتوا؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أنصت إلى الإمام يوم الجمعة حتى يفرغ من صلاته كفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام».
ولما ذكرناه من حديث أوس بن أوس.
وهل يجب الإنصات، أو يستحب؟ فيه قولان: أحدهما: يجب، وبه قال عثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، واختيار ابن المنذر، ووجهه: ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب... فقد لغوت»، و (اللغو):

الإثم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3] [المؤمنون:3].
وروى جابر: «أن ابن مسعود جلس إلى جنب أبي بن كعب والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب، فكلمه، فلم يجبه، فظن أنه على موجدة، فلما فرغوا... قال: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنك تكلمت والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب، فلا جمعة لك، فأتى ابن مسعود إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأخبره بذلك؟ فقال: "صدق أُبي، وأطع أُبيًا».
والثاني: أنه لا يجب، ولكن يستحب، وهو الصحيح، ووجهه: ما روي: «أن رجلًا دخل والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب، فقال: متى الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الثالثة: "ما أعددت لها؟ "، فقال: حب الله وحب رسوله، فقال: "إنك مع من أحببت».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجه قومًا ليقتلوا رجلًا من اليهود بخيبر، فقدموا والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب، فقال لهم: "أفلحت الوجوه"، فقالوا، ووجهك يا رسول الله، فقال: "ما الذي صنعتم؟ "، فقالوا: قتلناه».
وروي: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلم سُليكا الغطفاني وهو يخطب).
ومن قال بهذا... قال: (اللغو): هو الكلام في الموضع الذي تركه فيه أدب.

وعلى القولين جميعًا: إذا تكلم... لم تبطل جمعته؛ لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يأمر ابن مسعود بإعادة الجمعة).
إذا ثبت هذا: فلا فرق بين أن يكون قريبًا من الإمام يسمع، أو كان بعيدًا لا يسمع، غير أن البعيد بالخيار: إن شاء... أنصت، وإن شاء ذكر الله تعالى؛ لما روي عن عثمان: أنه قال: (إذا خطب الإمام... فأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الخطبة مثل ما للسامع).
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال في " الإبانة " [ق\92]: هل يقرأ البعيد القرآن؟ فيه وجهان.
هذا فيما لا فائدة فيه من الكلام.
فأما إذا علم إنسانًا شيئًا من الخير، أو نهاه عن المنكر، أو رأى أعمى يتردى في بئر، أو رأى عقربًا تدب إليه... لم يحرم كلامه قولًا واحدًا.
وإن سلم رجل والإمام يخطب... كره له ذلك، وهل يرد عليه، ويشمت العاطس؟ يبنى على القولين في الإنصات.
فإن قلنا: إنه مستحب... رد السلام عليه، ولكن يرد السلام عليه واحد؛ لأن الرد فرض على الكفاية، وذلك يحصل بواحد، ويشمت العاطس واحد أيضًا.
وإن قلنا: إن الإنصات واجب، لم يرد السلام، ولم يشمت العاطس؛ لأن المسلم سلم في غير موضعه، فلم يرد عليه، وتشميت العاطس سنة، فلم يترك له الإنصات الواجب.
ومن أصحابنا من قال: يشمت العاطس ولا يرد السلام؛ لأن العاطس غير مفرط، والمسلم مفرط.
ومنهم من قال: يرد السلام ولا يشمت العاطس؛ لأن رد السلام واجب، وتشميت العاطس سنة.
والأول هو المنصوص.

وإن سلم صبي في غير حال الخطبة... فهل يجب الرد عليه؟ فيه وجهان، حكاهما الشاشي، وكذلك إن رد عنهم صبي فهل يسقط عنهم فرض الرد؟ فيه وجهان.

فرع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة

إذا قرأ الإمام في الخطبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56] [الأحزاب:56]... جاز للمستمع أن يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويرفع بها صوته.
وقال مالك، وأحمد، وإسحاق: (يصلي عليه في نفسه، ولا يرفع صوته).
وقال الثوري، وأبو حنيفة: (السكوت أحب إلينا).
واختاره ابن المنذر.
دليلنا: أنه يستحب له أن يسأل الرحمة عند آية الرحمة، ويستعيذ من العذاب عند ذكره، فكذلك هذا مثله.
قال الشيخ أبو نصر في " المعتمد ": وليس للشافعي نص في الإشارة إلى من يتكلم في حال الخطبة، والذي يجيء على مذهبه: أنه لا بأس به.
ويكره الحصب بالحصا والإمام يخطب، وروي عن ابن عمر: (أنه كان يحصب من يتكلم بالحصا، وربما أشار إليه).
وقال طاووس: تكره الإشارة إليه.
دليلنا: أن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أشاروا إلى الرجل الذي سأل عن الساعة والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب، ولم ينكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إشارتهم.

مسألة المسبوق في الجمعة

ومن دخل والإمام في صلاة الجمعة... أحرم خلفه، فإن أدرك معه الركوع من الثانية فقد أدرك معه الجمعة، فإذا سلم الإمام... قام، وأضاف إليها ركعة، وسلم.
وإن أدركه بعد الركوع من الثانية... فقد فاتته الجمعة، وما الذي ينوي؟ فيه وجهان: أحدهما: ينوي الظهر؛ لأنها فرضه.
والثاني: ينوي الجمعة؛ لأن الإمام لم يسلم منها.
هذا مذهبنا، وبه قال ابن عمر، وابن مسعود، وأنس، والأوزاعي، ومالك، والثوري، وأحمد.
وقال عمر بن الخطاب: (لا يكون مدركًا للجمعة، حتى يدرك الخطبة).
وبه قال عطاء، وطاووس، ومجاهد.
وقال أبو حنيفة: (إذا أحرم خلف الإمام في التشهد... فإنه يكون مدركًا للجمعة، وكذا لو أحرم خلف الإمام في سجدتي السهو بعد السلام فإنه يدرك الجمعة).

دليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أدرك ركعة من الجمعة... فليصل إليها أخرى».
منطوقه: دليل على عمر، ودليل خطابه: دليل على أبي حنيفة.
وقد روي في رواية أخرى، عن أبي هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أدرك ركعة من الجمعة... فقد أدركها، ومن أدرك دون الركعة صلاها ظهرًا أربعًا».
فيكون نطق هذا الخبر دليلًا على إبطال قول غيرنا فيها.

فرع أدرك ركعة ونسي سجدة

إذا أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة، فلما جلس للتشهد مع الإمام... ذكر المأموم أنه ترك سجدة فإنه يسجد، ويتابع الإمام في التشهد، فإذا سلم الإمام... أتى بركعةٍ، ويكون مدركًا للجمعة في أصح الوجهين؛ لأنه أتى بالركعة مع الإمام، إلا أنه أتى بسجدة في حكم متابعته، فلم يمنع من إدراكها.
وإن ذكر بعدما سلم الإمام أنه ترك سجدة... أتى بها، وأتمها ظهرًا؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة.
وإن أدرك مع الإمام ركعة، فلما سلم الإمام... قام المأموم، فأتى بركعته، ثم ذكر أنه نسي سجدة، ولم يدر من أي الركعتين تركها فإنه يبني عل أشد الأمرين،

وأنه تركها من الركعة التي أدرك مع الإمام، فيتم الأولى بالثانية، ثم يقوم، ويأتي بثلاث ركعات.
نص عليه الشافعي.
قال ابن الحداد: وإن صلى الإمام الجمعة ثلاث ركعات ساهيًا، فدخل مأموم معه، وأدركه في الثالثة، ولم يعلم أنها ثالثة، فصلاها معه... لم يكن مدركًا للجمعة؛ لأن هذه الركعة ليست من صلب صلاة الإمام، فيقوم المأموم، ويأتي بثلاث ركعاتٍ.
فإن ذكر الإمام أنه ترك سجدة، ولا يعلم موضعها من الثلاث... فإن صلاة الإمام قد تمت، وأما المدرك له في الثالثة: فلا يدرك الجمعة؛ لجواز أن يكون قد ترك الإمام السجدة من الثانية، فتمت بالثالثة.
وإن ذكر الإمام أنه ترك سجدة من الأولى... فإن المدرك له في الثالثة قد أدرك ركعة من الجمعة؛ لأن الأولى للإمام تتم بالثانية، وتكون الثالثة له فعلًا هي الثانية له حكمًا، فيضيف إليها المأموم أخرى.
وإن أدرك الإمام راكعًا في الثانية، ثم رفع رأسه، وشك المأموم، هل أدرك معه الركوع الجائز، أم لا؟ لم يدرك الجمعة، بل عليه أن يصلي الظهر أربعًا؛ لأن الأصل عدم الإدراك.
قال الشيخ أبو نصر: إذا دخل مع الإمام، ولم يدر أجمعة هي، أم ظهر؟ فصلى معه ركعتين... لم يجزه ذلك عن جمعة ولا ظهر، سواء بان أن الإمام صلى الجمعة أو الظهر.
وقال أبو حنيفة: (إذا علق نيته بنية الإمام... أجزأه).
وهذا ليس بصحيح؛ لأن تعيين الصلاة في النية واجب، وهذا لم يعين.

مسألة منع المأموم من السجود

إذا زحم المأموم عن السجود... نظرت: فإن أمكنه أن يسجد على ظهر إنسان، أو رأسه، أو رجليه، بحيث إذا سجد عليه

كان كهيئة الساجدين... فإنه يلزمه ذلك، وبه قال أبو حنيفة، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق.
وقال الحسن البصري: هو بالخيار بين أن يسجد على ظهر إنسان، وبين أن يصبر حتى يزول، الزحام، ويسجد على الأرض.
وحكى بعض أصحابنا: أن ذلك قول للشافعي في القديم.
وقال عطاء، والزهري، ومالك: (لا يجوز أن يسجد على ظهر إنسان، بل يصبر حتى يسجد على الأرض).
وإليه أومأ أبو علي الطبري في " الإفصاح ". دليلنا: ما روي عن عمر بن الخطاب: أنه قال: (إذا اشتد الزحام... فليسجد أحدكم على ظهر أخيه.
ولا يعرف له مخالف، ولأن أكثر ما فيه أن موضع سجوده أعلى من موضع قدميه، وقد نص الشافعي على: (أنه لو سجد على شيء أعلى من موضع قدميه جاز) مع أن السجود يجب على حسب قدرته.
وأما إذا لم يتمكن من السجود على ظهر إنسان... انتظر زوال الزحام، فإن زال، وقد صار الإمام قائمًا في الثانية فإن المأموم يسجد على الأرض، ويتابع الإمام؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجاز مثل ذلك بعسفان للعذر، والعذر - هاهنا - موجود.
ويستحب للإمام أن يرتل القراءة في الثانية؛ ليتبعه المزحوم.
قال الشيخ أبو حامد: وكذلك الحكم فيمن فاته السجود مع الإمام بنسيان، أو

سهو، أو مرضٍ، أو عذرٍ، فإنه يقضيه بعد فراغ الإمام منه، ويجزئه ذلك.
فإن فرغ المزحوم من السجود، وأدرك الإمام قائمًا في الثانية... تبعه، ولا كلام.
وإن أدرك الإمام راكعًا في الثانية... فهل يلزمه أن يقرأ، أو يلزمه أن يركع مع الإمام؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه أن يتبعه في الركوع.
قال ابن الصباغ: وهو الصحيح؛ لأن فرض القراءة قد سقط عنه بركوع الإمام، فهو كما لو أدركه راكعًا.
والثاني: يلزمه أن يشتغل بقضاء القراءة؛ لأنه قد أدرك محلها، بخلاف المسبوق.
قال ابن الصباغ: فإذا قلنا بهذا: فإنما يلزمه أن يقرأ ما لم يخف فوت الركوع، فإن خاف فوته قبل فراغه من القراءة... فما الحكم فيه؟ على قولين، كما لو أدركه راكعًا قبل السجود.

[فرع تأخر المسبوق عن الإمام كثيرًا]

]: وإن ركع الإمام في الثانية قبل أن يسجد المزحوم في الأولى... ففيه قولان: أحدهما: لا يشتغل بقضاء ما فاته، وهو السجود، بل يجب عليه أن يتابع الإمام في الركوع، وهو قول مالكٍ، واختيار القفال؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع... فاركعوا».
وهذا قد ركع، فوجب أن يركع معه؛ ولأنه قد أدركه راكعًا، فوجب أن يركع معه، كالمسبوق.
والثاني: يلزمه أن يشتغل بقضاء ما فاته، وهو قول أبي حنيفة، واختيار الشيخ أبي حامدٍ.
ووجهه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا سجد... فاسجدوا».

ومنه دليلان: أحدهما: أنه قال: «ليؤتم به»، والائتمام به: هو أن يفعل كفعله، وقد سجد الإمام، فوجب أن يسجد مثله.
والثاني: أنه قال: «فإذا سجد... فاسجدوا»، فينبغي أن يسجد مثله.
فإذا قلنا: يركع مع الإمام... نظرت.
فإن فعل ذلك، وركع معه، وسجد في الثانية... فبأي الركوعين يحتسب له؟ فيه قولان، ومن أصحابنا من يحكيهما وجهين: أحدهما: يُحتسب له بالركوع الثاني، كالمسبوق.
فعلى هذا: إذا سلم الإمام... قام، وصلى ركعة، وكان مدركًا للجمعة.
والثاني: يحتسب له بالركوع الأول؛ لأنه قد صح له، فلا يبطل بترك ما بعده.
فعلى هذا: يحصل له ركعة ملفقة؛ لأن القيام والقراءة والركوع من الأولى، والسجود من الثانية، وهل يدرك بها الجمعة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكون مدركًا بها، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة؛ لأن أمر الجمعة مبني على الكمال، والكمال أن يدرك منها ركعة كاملة، والملفقة ليست بكاملة، فلم تدرك بها الجمعة.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يدرك بها الجمعة، قال ابن الصباغ: وهو الصحيح: لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أدرك ركعة من الجمعة... فليضف إليها أخرى».
ولم يفرق بين أن تكون كاملة أو ملفقة.
فإذا قلنا بقول أبي إسحاق... أضاف إليها أخرى، وسلم، وإذا قلنا بقول أبي علي بن أبي هريرة فإنه يصلي الظهر أربعًا، وهل يبني على ما فعله مع الإمام؟ فيه

من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالقولين فيمن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة: أحدهما: يبطل ما فعله مع الإمام، فيستأنف الإحرام، ويصلي الظهر أربعًا.
والثاني: يبني عليه، فيأتي بثلاث ركعاتٍ.
ومنهم من قال: يبني على ما فعله مع الإمام، قولًا واحدًا؛ لأن القولين فيمن صلى الظهر قبل صلاة الإمام من غير عذرٍ، وهذا معذور.
وإن خالف ما أمرناه به، واشتغل بقضاء السجود... نظرت: فإن اعتقد أن فرضه الاشتغال بالسجود... لم تبطل صلاته بذلك؛ لأنها زيادة في الصلاة من جنسها ناسيًا، ولا يعتد له بهذا السجود؛ لأنه فعله في غير موضعه.
فإن أدرك الإمام راكعًا، بأن خفف المزحوم سجوده، وطول الإمام ركوعه، فركع معه... فهو كما لو أدركه راكعًا، فركع معه، على ما مضى من التفريع.
وإن فرغ من السجود، وأدرك الإمام وقد رفع رأسه من الركوع فإنه يسجد معه، وتحصل له ركعة ملفقة، وهل يدرك بها الجمعة؟ على الوجهين والتفريع عليهما كما مضى.
وإن كان عالمًا حين سجد أن فرضه المتابعة: فإن لم ينو مفارقة الإمام.. بطلت صلاته؛ لأنه سجد في موضع الركوع عامدًا عالمًا، فنأمره أن يحرم بالجمعة، إن طول الإمام ركوعه: فإن فعل وركع معه، وسجد معه... حصلت له ركعة من الجمعة، ويضيف إليها أخرى بعد سلام الإمام.
وإن وجد الإمام قد رفع رأسه من الركوع أحرم، وبنى الظهر على ذلك، وجهًا واحدًا؛ لأنه أحرم بعد فوات الجمعة.
وإن نوى مفارقة الإمام... فهل تبطل صلاته؟ فيه قولان فيمن فارق الإمام بغير عذرٍ.

فإذا قلنا: تبطل... كان الحكم فيه حكم ما لو لم ينو مفارقته، على ما ذكرناه.
وإن قلنا: لا تبطل... فإن كان الإمام راكعًا أمرناه بالإحرام بالجمعة، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع... أتمها ظهرًا، وهل يبني على إحرامه، أو يستأنفه؟ على الطريقين المذكورين أولًا.
وإن قلنا: إن فرضه الاشتغال بالسجود... نظرت: فإن فعل ذلك، وسجد، وقام، وأدرك الإمام راكعًا... فهل يلزمه متابعته في الركوع، أو يشتغل بقضاء ما فاته من القراءة في الثانية؟ فيه وجهان: الصحيح: يلزمه متابعته في الركوع، فإذا سجد معه في الثانية... حصلت له الجمعة؛ لأنه قد أدرك الأولى، بعضها فعلًا، وبعضها حُكمًا، وأدرك معظم الثانية.
وإن أدركه وقد رفع رأسه من الركوع، أو ساجدًا في الثانية، أو جالسًا... فهل يتبعه، أو يشتغل بقضاء ما فاته من القراءة والركوع؟ اختلف أصحابنا فيه: فمن أصحابنا من قال: يشتغل بقضاء ما فاته؛ لأن الاشتغال بالقضاء على هذا أولى من المتابعة.
ومنهم من قال: يلزمه متابعته، وهو الأصح؛ لأن هذه الركعة لم يدرك منها شيئًا يحتسب له به، بخلاف الأولى.
فعلى هذا: لا يحتسب له بما فعله مع إمامه من الثانية، وهل يكون مدركًا للجمعة بالركعة الأولى؟ فيه وجهان، لا لأجل التلفيق، ولكن لأنه فعل بعضها مع الإمام، وانفرد بفعل بعضها، فأشبه التلفيق.
فإذا قلنا: يكون مدركًا بها للجمعة... أضاف إليها بعد سلام الإمام أخرى.
وإن قلنا: لا يدرك بها... فهل يبني عليها بثلاث ركعاتٍ، أو يلزمه استئناف الإحرام للظهر؟ فيه طريقان، مضى ذكرهما.
وإن سلم الإمام قبل أن يسجد المزحوم السجدتين في الأولى... لم يدرك الجمعة،

وجهًا واحدًا، ويلزمه الظهر أربعًا، وهل يبني على ما قد فعله، أو يلزمه استئناف الإحرام؟ فيه طريقان.
فإن خالف ما أمرناه به، وتابع الإمام في الركوع في الثانية: فإن اعتقد أن فرضه المتابعة... لم تبطل صلاته؛ لأنه زاد فيها من جنسها ساهيًا، فإذا سجد مع الإمام اعتد له به إلى الأولى، وكانت ركعة ملفقة، وهل يدرك بها الجمعة؟ على الوجهين، والتفريع عليهما ما مضى.
وإن اعتقد أن فرضه القضاء... فقد بطلت صلاته؛ لأنه ركع في موضع السجود عامدًا عالمًا، فيلزمه أن يبتدئ بالإحرام بالجمعة مع الإمام، إن كان راكعًا، فإن سجد معه فقد أدرك ركعة تامة منها، ويدرك بها الجمعة.
وإن أدركه، وقد رفع رأسه من الركوع... أحرم معه، ويتمها ظهرًا أربعًا، وجهًا واحدًا.
وإن زحم عن السجود في الأولى، ولم يتخلص من الزحام حتى سجد الإمام في الثانية قبل أن يسجد المزحوم... فإنه يسجد معه، قولًا واحدًا، وقد أدرك ركعة ملفقة، فهل يدرك بها الجمعة؟ على الوجهين.
وإن زحم عن السجود في الأولى، فزال الزحام، وسجد، وأدرك الإمام قائمًا في الثانية، وقرأ معه، وركع، ثم زحم عن السجود، فسجد، وأدركه قبل السلام... فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو حامد: يدرك الجمعة، وجهًا واحدًا.
وقال الشيخ أبو إسحاق، والقاضي أبو الطيب: هل يدرك الجمعة؟ على وجهين؛ لأنه أدرك بعضها فعلًا، وبعضها حكمًا.

قال ابن الصباغ: وهذا ضعيف؛ لأنه أدرك جميع الصلاة، بعضها فعلًا، وبعضها حكمًا، فثبت له حكم الجماعة.
وإن دخل رجل مع الإمام في الركوع في الثانية، فأدركه في الركوع، ثم زحم عن السجود، ثم زال الزحام، ثم سجد، وتبع الإمام في التشهد قبل السلام... فهل يدرك الجمعة بهذه الركعة؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ، وهذا يوافق ما ذكره القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق في الأولى.
فإن سلم الإمام قبل أن يسجد المزحوم... لم يدرك الجمعة، وجهًا واحدًا، وهل يبني الظهر على ما فعله، أو يلزمه استئناف الإحرام؟ على ما ذكرناه من الطريقين.
وإن أحرم مع الإمام، فزحم عن الركوع، فلم يزل الزحام حتى ركع الإمام في الثانية... فإنه يركع معه، وهل تكون ركعة ملفقة؟ فيه وجهان: [الأول]: قال القاضي أبو الطيب: تكون ملفقة، كما قلنا فيمن زحم عن السجود، وهل يدرك بها الجمعة؟ على الوجهين.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو حامد: لا تكون ملفقة، ويدرك الجمعة، وجهًا واحدًا.
قال ابن الصباغ: وهذا أشبه؛ لأنه لو أدرك الركوع في الثانية... كان مدركًا للجمعة، فما زاد على ذلك من الركعة الأولى، لا يمنعه من إدراك الجمعة.

فرع سهو المأموم في الجمعة

إذا ركع مع الإمام في الأولى، فسهى المأموم حتى ركع الإمام في الثانية: فحكى الشيخ أبو حامد في " التعليق ": أن الشافعي قال: (يشتغل بالركوع قبل أن يشتغل بالسجود)؛ لأنه مفرط في السهو، فلم يعذر في الانفراد.

جارٍ التحميل