البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 287-326

كتاب الصلاة

صفحات 287-326
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب سجود التلاوة

سجود التلاوة مشروع للقارئ والمستمع إليه، لما روي عن ابن عمر: أنه قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ علينا القرآن فإذا مرَّ بسجدةٍ.. كبَّر، وسَجَدَ، وسَجَدْنا معه».
فأما السامع من غير أن يقصد الاستماع: فقال الشافعي في " مختصر البويطي ": (لا أُؤَكِّدُ عليه، كما أُؤَكِّدُ على المستمع، فإن سجد.. فحسنٌ).
وقال أبو حنيفة: (التَّالي، والمستمع، والسامع: سواءٌ).
وبه قال بعض أصحابنا الخراسانيين.
ودليلنا: ما روي عن عثمان: (أنه مرَّ بقاصٍّ، فقرأ ألفاظ سجدة؛ ليسجد عثمان معه، فلم يسجد، وقال: ما استمعنا لها).

وكذلك روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وعمران بن الحصين، ولا يعرف لهم مخالفٌ.
فإن لم يسجد القارئُ.. فهل يسجد المستمع؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو حامد، وأصحابنا البغداديون: يسجد المستمع؛ لأنه قد سُنُّ لهما، فلا يترك أحدهما بترك الآخر.
وقال القفال: لا يسجد؛ لأنه تابع له.
فإن كان القارئ في الصلاة، والمستمع مؤتم به، فلم يسجد القارئ.. لم يسجد المستمع، بلا خلافٍ بين أصحابنا؛ لأن عليه متابعته في أفعال الصلاة.
فإن كان القارئ في الصلاة، والمستمع في غير الصلاة.. قال الطبرانيُّ: لم يسجد المستمع معه.
وقال أبو حنيفة: (يسجد).
دليلنا: أنه غير مؤتمٍّ به، فلا يتبعه في السجود، كالتَّأمين.
وإن كان القارئ في غير الصلاة، والسامع في الصَّلاة.. قال ابن الصبَّاغ: فإنه لا يسجد، ولا ينبغي له أن يستمع القارئ، بل يشتغل بصلاته، فإن استمع.. لم يسجد؛ لأن سببها لم يوجد في الصلاة، ولا يسجد بعد فراغه من الصلاة.
وقال أبو حنيفة: (يسجد إذا فرغ من الصلاة).
وبناه على أصله: أن السامع يلزمه السجود، ولا يمكنه أن يسجد في صلاته، فيسجد إذا فرغ.
وإن استمع المتطهر القراءة من المحدث، فمرَّ بآية سجدةٍ.. لم يسجد المستمع وقال أبو حنيفة: (يسجد).

دليلنا: أن القارئ لم يُسن له السجود، فلم يُسن للمستمع إليه، كالمأموم إذا لم يسجد الإمام.

مسألة سجود التلاوة

وسجود التلاوة سُنَّةٌ، وليس بواجب، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، ومن الفقهاء: مالك، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: (هو واجبٌ على القارئ والمستمع، إلا أنه إذا تكرر في مجلس.. لم تجب إلا الأولى، دون ما بعدها).
دليلنا: ما روي عن زيد بن ثابت: أنه قال: «عرضت والنجم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلم يسجد منا أحدُ».
وروي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قرأ على المنبر سورة فيها سجدة، فنزل، وسجد، وسجد الناس معه، فلما كان في الجُمُعَةِ الثانية.. قرأها، فتهيأ الناس للسجود، فقال: (أيها الناس على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا، إلاَّ أن نشاء).
وهذا بمجمع من الصحابة، ولم ينكر ذلك عليه أحد، فدل على أنه إجماع.
قال ابن الصباغ: فإن لم يسجد في موضع السجود.. لم يسجد بعد ذلك، لأنها تتعلق بسببٍ، فإذا فات.. سقطت.

فإن أخر السجود، وهو في مجلسه، فإن لم يطل الفصل.. سجد، وإن طال الفصل.. لم يسجد بعد ذلك؛ لأنه ليس بأعظم ممَّن ترك ركعة، وذكرها بعد السلام.
وإن سجد للتلاوة في مجلس، ثم أعاد تلك السجدة في ذلك المجلس.. سجد في أصح الوجهين.
وقال أبو حنيفة: (لا يسجد).
دليلنا: أن ما اقتضى السجود في مجلسين.. اقتضاه في مجلسٍ واحد، كالآيتين المختلفتين.

فرع من سجود التلاوة

قال الطبري في " العُدَّة ": إذا قرأ صبي، أو كافرٌ آية سجدةٍ.. لم يسجد المستمع.
وقال أبو حنيفة: (يسجد).
دليلنا: أن كل تلاوةٍ لا تقتضي السجود على التالي، لم تقتض السجود على المستمع، كقراءة المأموم في الصلاة.
قال: وإذا قرأ آية سجدةٍ في الصلاة، فلم يسجد حتى خرج منها.. قضى السجود.
وقال أبو حنيفة: (لا يقضيه).
دليلنا: أنه سجود زائد، مقتضاه كان في صلاة، فلم يسقط بالخروج من الصلاة كسجود السهو.

فرع آية السجدة في الصلاة

]: ولا تكره قراءة السجدة في الصلاة.
وقال مالك: (تكره).

وقال أبو حنيفة، وأحمد: (تكره في السِّرِّيَّة، ولا تكره في الجهريَّة).
دليلنا: ما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد في الظهر، فرأى أصحابه أنه قرأ آية سجدة، فسجد».

مسألة سجدات التلاوة

وسجدات التلاوة أربع عشرة سجدة، في القول الجديد: سجدةٌ في آخر (الأعراف)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206] [الأعراف: 206]. وسجدة في (الرعد)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15] [الرعد: 15].
وسجدة في (النحل)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] [النحل: 50].
وسجدة في (بني إسرائيل)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] [الإسراء: 109]. وسجدة في (مريم)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] [مريم: 58].
وسجدتان في (الحج): سجدة عند قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] [الحج: 18]، وسجدة عند قوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] [الحج: 77].
وسجدة في (تبارك: الفرقان)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] [الفرقان: 60].
وسجدة في (النمل)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] [النمل: 15].
وسجدة في (الم تنزيل) [السجدة]، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] [السجدة: 15].
وسجدة في (حم تنزيل)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] [فصلت: 38].

وثلاث سجدات في المفصَّل: سجدة في آخر (النجم)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62] [النجم: 62].
وسجدة في (الانشقاق)، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] [الانشقاق: 21].
وسجدة في آخر اقرأ، عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19] [العلق: 19].
وقال في القديم: (عزائم السجود إحدى عشرة سجدة).
وأسقط ثلاث سجدات في المفصل، وبه قال مالك، وروي ذلك عن ابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد.
لما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسجد في شيء من المُفَصَّلِ، منذ تحول إلى المدينة».
قال أبو حنيفة: (ليس في الحج إلا سجدة واحدة).
وهي الأولى، وأسقط الثانية.
دليلنا: ما روي عن عمرو بن العاص: أنه قال: «أقرأني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمس عشرة سجدة في القرآن: منها ثلاث في المُفَصَّلِ، وفي الحج: سجدتان».
وروي عن عقبة بن عامر: أنه قال: «قلت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: في (الحج) سجدتان؟ قال: نعم.
من لم يسجدهما.. فلا يقرأهما».
وروي عن عمر: أنه سجد في (الحج) سجدتين، وقال: (فضلت بسجدتين).
وروي عن علي، وابن عمر، وابن عباس: (أنهم سجدوا في (الحج) سجدتين).
وليس في شيء من مواضع السجود خلاف إلا سجدة حم؛ فإن الثوري - قال في إحدى الروايتين عنه- وأبا حنيفة، وأحمد: (إنها عند قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37] [فصلت: 27] ). وروي ذلك عن ابن عباس.
ودليلنا: أن الكلام إنما يتم عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] [فصلت: 38]، فكان ذلك موضع السجود، كما قلنا في السجدة في: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] [النحل: 50]، إنها عند قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50].
ولأن هذا إن كان موضع السجود.. فقد أتى به في موضعه، وإن كان قبلهُ.. فتأخيره لا يضر، وإذا قدَّمَهُ.. لم يقع موقعه.

فرع السجود عند منتهى السجدة

قال الشيخ أبو حامد: وإذا سجد قبل منتهى السجدة.. لم يصحَّ، وإن سجد بعد الزيادة على موضع السجود.. جاز.

فرع سجدة ص

]: وأما السجدة التي في ص: فهي عندنا سجدة شكر، وليست من عزائم السجود.
وقال أبو حنيفة: (هي من عزائم السجود).
وعزائم السجود عنده أربع عشرة سجدة، فأسقط الثانية في (الحج)، وجعل هذه من عزائم السجود، ووافقه أبو العباس بن سريج، على أن سجدة ص من عزائم السجود؛ لما روي «عن عمرو بن العاص: أنه قال: (أقرأني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمس عشرة سجدة في القرآن».
ولا تكون خمس عشرة سجدة، إلا بسجدة ص. ودليلنا: ما روى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا».
وروي عن أبي سعيد الخدري: أنه قال: «خطبنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقرأ على المنبر ص، فلما بلغ السجود.. تشزَّنَّا للسجود.
وروي: تشزَّن الناس للسجود، فقال: إنما هي توبة نبي، ولكن قد استعددتم للسجود.
فنزل، وسجد».
فبين أنها توبة، وليست بسجدةٍ، و (التَّشَزُّنُ): التحرُّفُ، والتهيُّؤُ للشيء.

ومنه ما روي: أن عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سئل أن يحضر مجلس المذاكرة، فقال: (حتى أتشزَّن)، أي: حتى أستعد للاحتجاج.
ومنه: ما روي: (أن أبا سعيد الخدري أتى جنازة، فلما رآه القوم.. تشزَّنوا ليوسعوا له).
وأسمعنيه بعض شيوخي: تيسَّرنا للسجود، و (التيسُّر) أيضًا: التهيٌّؤ، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 7] و ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 10] [الليل: 7 و 10]، أي: سَنُهَيِّؤُهُ.
وأما حديث عمرو: فإنما عدَّها سجدةً، على أنها سجدة شكر، بدليل ما ذكرناه، وسجدة الشكر تسمى: سجدةً.
إذا ثبت أنها سجدةُ شكرٍ: فإن سجدها في غير الصلاة على وجه الشكر.. جاز، وإن فعلها في الصلاة، فإن كان جاهلاً أو ناسيًا.. لم تبطل صلاته، وإن كان عالمًا بأنها ليست من عزائم السجود.. ففيه وجهان: أحدهما: تبطل صلاته؛ لأنها سجدة شكر، فإذا فعلها في الصلاة عالمًا ذاكرًا.. أبطلها، كما لو بلغهُ شيءٌ يُسرُّ به، وهو في الصلاة.
فسجد.
والثاني: لا تبطل صلاتهُ؛ لأنها سجدةٌ متعلقةٌ بالتلاوة، فلم تبطل بها الصلاة، كسائر السجدات.
قال صاحب " الإبانة " [ق 75]: وإذا كان الإمام حنفيًّا، فسجد فيها.. لم يتابعه المأموم، ولكن ينتظره، حتى يفرغ.

فرع شروط سجدة التلاوة

]: ويشترط في صحة سجود التلاوة ما يشترط في الصلاة، من الطهارة، والستارة، واستقبال القبلة؛ لأنها صلاةٌ في الحقيقة.
وقال ابن المسيب: (الحائض تومئ برأسها إلى السجود، وتقول: اللهم لك سجدت).
وروي ذلك عن عثمان.

دليلنا: أن ما نافى الصلاة نافى السجود، كالكفر، فإن قرأ آية سجدةٍ، أو سمع آية سجدةٍ، وهو محدث.. قال الشيخ أبو نصر: توضَّأَ وسجد.
وقال النخعي: يتيمم ويسجد.
دليلنا: أنه قادر على الطهارة بالماء، فلم يجز له التيمم، كالنفل.

مسألة سجود التلاوة في الصلاة

]: فإن كان سجود التلاوة في أثناء الصلاة.. فالمستحب أن يكبر تكبيرة للسجود، ثم يكبر للرفع منه.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يسجد من غير تكبيرة، ويرفع من غير تكبير؛ لأنه ليس بسجود ثابت.
والمذهب الأوَّل؛ لأنَّ التكبير مسنون في كل خفض ورفع، ولا يُسنُّ رفع اليدين في ذلك؛ لأن ذلك ليس بتكبير افتتاح.
ثم يقوم من السجود، فإذا استوى قائمًا.. فالمستحب أن يقرأ شيئًا من الذي بعد السجدة، ثم يركع، فإن لم يقرأ شيئًا، وركع من القيام.. صح، وإن قام من السجود إلى الركوع، ولم ينتصب قبل الركوع.. لم يصح الركوع.
وحكى صاحب " الإبانة " وجهًا آخر: أنه يصح! والمذهب الأول؛ لأنه لم يبتدئ الركوع من قيام.
وإن كان السجود خارج الصلاة.. قال الطبري: فإنه ينوي، ويكبر رافعًا يديه؛ لأنها تكبيرة افتتاح، ثم يكبر تكبيرة ثانية للسجود، لا يرفع فيها يديه.
وقال أبو جعفر الترمذي - من أصحابنا -: يكبر تكبيرة واحدة للسجود لا غير.
والمذهب الأول؛ لأن هذا افتتاح للصلاة، فافتقر إلى التكبير، كسائر الصلوات.
والمستحب أن يقول في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين»؛ لما روت عائشة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول ذلك في سجود القرآن.
ويستحب أن يقول: اللهم اكتب لي عندك بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني، كما قبلتها من عبدك داود؛ لما «روى ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم، كأني أصلي خلف شجرة، فقرأت سجدة، فسجدت، فرأيت الشجرة سجدت لسجودي، فسمعتها وهي ساجدة تقول: اللهم اكتب لي عندك بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني، كما قبلتها من عبدك داود - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: قال ابن عباس: (فرأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ السجدة، فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل عن الشجرة».
وهل يسلم ويتشهد؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هل يفتقر إلى السلام؟ فيه قولان: أحدهما: لا يسلم منه، كما لا يسلم منه في الصلاة.
والثاني: يسلم منه؛ لأنها صلاة افتقرت إلى الإحرام، فافتقرت إلى السلام، كسائر الصلوات.
فإذا قلنا بهذا: فهل يتشهد؟ فيه وجهان: [الأول]: من أصحابنا من قال: يتشهد؛ لأنه سجود يفتقر على الإحرام

والسلام، فافتقر إلى التشهد، كسجود الصلاة.
و [الثاني]: منهم من قال: لا يتشهد.
وهو المذهب؛ لأنه لا قيام فيه.
ومن أصحابنا من قال: في السلام والتشهد ثلاثة أوجه: أحدهما: يفتقر إليهما.
والثاني: لا يفتقر إليهما.
والثالث يفتقر إلى السلام دون التشهد.

فرع السجود حال السفر

فإن كان القارئ ماشيًا في السفر.. فهل يكفيه الإيماء، أم يحتاج إلى وضع جبهته على الأرض؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة ". ولا يقوم الركوع مقام السجود.
وقال أبو حنيفة: (هو بالخيار، إن شاء.. ركع، وإن شاء سجد).
دليلنا: قوله تعلى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19] [العلق: 19]، ولأنه مستطيع للسجود، فلم ينب عنه الركوع، كسائر السجود.

مسألة سجود الشكر

ومن تجددت عليه نعمة ظاهرة، مثل: أن رزقه الله ولدًا، ومالاً، أو وجد ضالة له، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة، مثل: أن كان محبوسًا، فخلي، أو مريضًا، فشفي، أو هناك عدوٌ، فهزم.. فالمستحب له أن يسجد شكرًا لله، وبه قال أحمد.
وقال مالك: (يكره سجود الشكر).
وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وروي عنه: أنه قال: (لا أعرف سجود الشكر).
دليلنا: قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سجدة ص: «سجدها نبي الله داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا».
وروى عبد الرحمن بن عوف الزهري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد، فأطال السجود، فلما رفع.. قلنا: يا رسول الله، سجدت، فأطلت السجود؟ قال: نعم، أخبرني جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن الله تعالى يقول: من صلى عليَّ مرةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عشرًا فسجدت شكرًا لله».
وروى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرَّ برجل به زمانة، فنزل وسجد شكرًا لله»، و: «مرَّ برجل أعمى، فنزل، وسجد شكرًا لله».
فإن كان هذا خارج الصلاة.. فإنه ينوي، ويكبر للافتتاح، ويرفع يديه، ثم يكبر للسجود، كما قلنا في سجود التلاوة، وإن كان في الصلاة.. لم يسجد؛ لأن سبب السجدة ليس منها.
فإن قرأ سورة ص.. فهل يسجد بها للشكر؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يسجد؛ لأن سببها وجد في الصلاة، وهو التلاوة.
والثاني: لا يسجد؛ لأنها سجدة شكر، وليست بمتعلقة بالتلاوة، وإنما تجدد سببها عند التلاوة، فلم يسجد فيها في الصلاة، كسائر سجود الشكر.

وهل يظهر سجود الشكر، أو يخفيه؟ قال في " الإبانة ": إن كان لتجدد نعمة.. أظهره، وإن كان لدفع بليَّةٍ.. نظرت: فإن رأى فاسقًا، فسجد شكرًا لله حين عصمه من فسقه.. فإنه يظهره، وإن كان رأى مبتلى، فسجد شكرًا لله حين عافاه الله.. فإنه يخفيه، لئلا يراه المُبْتَلَى، فيسخط.

مسألة ما يستحب في الصلاة لأجل التلاوة

]: المستحب للمصلي إذا مرت به آية رحمةٍ: أن يسألها، وإن مرَّت به آية عذاب أن يتعوذ منه، سواء كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا.
وقال أبو حنيفة: (يستحب ذلك في النفل دون الفرض).
دليلنا: ما روي عن حذيفة: أنه قال: «صليت خلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقرأ (البقرة)، فما مرَّت به آية رحمة، إلا سألها، ولا آية عذاب، إلا استعاذ منه، وكذلك سورة: (آل عمران)، و: (النساء)، حتى هممت بأمر سوءٍ، فقيل له: وما هو؟ فقال: أردت أن أقطع الصلاة»، ولأن ما لا يكره في النفل، لا يكره في الفرض، كسائر الأذكار.
وبالله التوفيق

باب ما يفسد الصلاة ويكره فيها

إذا أحدث في الصلاة عامدًا، مثل أن يقصد إلى الحدث، مع علمه أنه في الصلاة، أو أحدث ناسيًا، مثل: أن ينسى أنه في الصلاة، فيقصد إلى الحدث.. فإن طهارته وصلاته تبطلان، وهو إجماع؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة، فينفخ بين أليَتَيْهِ، ويقول: أحدثت، فلا ينصرف، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا».
وهذا قد سمع الصوت، أو وجد الريح.
وإن سبقه الحدث، وهو في الصلاة، مثل: أن يخرج منه الريح، أو الغائط، أو البول بغير اختياره، أو يكره على الحدث.. فإن طهارته تبطل بلا خلاف، وهل تبطل صلاته؟ فيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (لا تبطل صلاته، فيتوضأ ويبني على صلاته).
وروي ذلك عن عمر، وعليٍّ، وابن عمر.
وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وداود، إلا أن أبا حنيفة قال: (إذا غلبه المنيُّ، أو شجه آدمي، فخرج منه الدَّم.. بطلت صلاته).
وقال الثوري: إن كان حدثه من رعافٍ، أو قيءٍ.. توضأ وبنى، وإن كان من بولٍ، أو ريحٍ، أو ضحكٍ.. أعاد الوضوء والصلاة.
ووجه قوله القديم ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قاء أو رعف.. فليتوضأ، وليبن على صلاته، ما لم يتكلم».
وفي روايةٍ: «إذا قاء أحدكم، أو قلس.. فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على ما مضى، ما لم يتكلم».

ولأنه حدث حصل بغير اختياره، فهو كسلس البول.
و [الثاني]: قال في الجديد: (تبطل صلاته).
وبه قال ابن سيرين، وهو الأصح؛ لما روى أبو داود في "سننه": أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قاء أحدكم في صلاته.. فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته».
ولأن هذا الحدث يمنع المضيَّ في الصلاة، فمنع البناء عليها، كحدث العمد، والخبر الأول مرسل.
فإذا قلنا بقوله القديم، وأخرج بقية الحدث، وتوضأ.. كان له أن يبني على صلاته.
واختلف أصحابنا في علته: فمنهم من قال: لأن الحدث لا يؤثر بعد نقض الطهارة.
ومنهم من قال: لأن به حاجة إلى إخراج بقية الأول؛ ليكمل طهارته، ولم يذكر في " المهذب " غير هذا.
فإن أحدث حدثًا آخر، فإن قلنا بالتعليل الأول.. لا تبطل صلاته، وإن قلنا بالثاني.. بطلت.
وإن كشفت الريح الثوب عن عورته، فرده.. لم تبطل صلاته، لأنه معذورٌ في ذلك، فهو كما لو غُصب منه الثوب في الصلاة.
فإن ترك رُكنًا من أركان الصلاة، كالركوع، والسجود عامدًا.. بطلت

صلاته؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للأعرابي حين ترك شيئًا من الأركان: «أعد صلاتك، فإنك لم تصل».
وإن ترك قراءة الفاتحة ناسيًا.. ففيه قولان، مضى ذكرهما.

مسألة الكلام حال الصلاة

وإن تكلم في الصلاة.. نظرت: فإن كان بالتسبيح، أو التهليل، أو غير ذلك، من ذكر الله ورسوله.. لم تبطل صلاته؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن».
وإن تكلم بكلام يصلح لخطاب الآدميين.. فهذا على أضربٍ: أحدها: أن يقصد إلى الكلام وهو عالم بأن هذا يبطل الصلاة، وكان ذلك لغير مصلحة الصلاة، غير مجيب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وغير منذرٍ لأعمى، فهذا تبطل الصلاة به، وهو إجماع لا خلاف فيه، والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين»، وقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء».
الضرب الثاني: أن يتكلم عامدًا عالمًا بتحريمه لمصلحة الصلاة، فهذا يبطل الصلاة عندنا، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والأوزاعي: (لا تبطل به الصلاة).

دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء»، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا نابكم شيء في الصلاة.. فليسبح الرِّجال، وليصفق النساء».
فلو كان الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها.. لما عدل عنه إلى التسبيح والتصفيق.
ولأنه خطاب لآدمي غير واجب على وجه العمد، مع العلم بتحريمه، فأبطل الصلاة، كما لو كان لغير مصلحة الصلاة.
الضرب الثالث: كلام الناسي، مثل: أن يعتقد أنه سلم، أو أنه ليس في الصلاة، فتكلم، ولا يطيل الكلام، فهذا لا تبطل به الصلاة عندنا، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: (تبطل به الصلاة، إلا أن يسلم من اثنتين ناسيًا فلا تبطل به الصلاة).
دليلنا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه».
ومعلوم: أنه لم يرد رفع نفس الخطأ والنسيان والاستكراه؛ لأن ذلك لا يرفع، وإنما أراد رفع حكمه.
وروى مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة: أنه قال: «صلَّى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة العصر، فسلم في الركعتين الأوليين، فقام ذو اليدين، وقال: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "كلُّ ذلك لم يكن"، ثم أقبل على القوم، فقال: "أصدق ذو اليدين؟ ". فقالوا: نعم.
فقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فتمم ما بقي من صلاته، وسجد سجدتي السهو وهو جالس بعد السلام», فموضع الدليل من الخبر: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سلَّم من اثنتين ساهيًا، وعنده أنه آخر الصلاة، فلمَّا قال له ذو اليدين: (أقصرت الصلاة، أم نسيت؟).. لم يتذكر سهوه، وقال: «كل ذلك لم يكن»، ثم كلَّم القوم، وقال: «أصدق ذو اليدين؟»، وعنده أنه خارج من الصلاة، فلمَّا قيل له: نعم.. تذكر السهو، فرجع، وبنى على صلاته، وسجد للسهو.
فإن قيل: فلم لم يبطل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة ذي اليدين؟ قلنا: لأنه تكلم وعنده أنه قد خرج من الصلاة، لأن النسخ يومئذ كان جائزًا، ولكن جوِّز أيضًا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سها في صلاته، فلمَّا احتمل الأمران عنده حمل أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الصواب، وقال: "أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ ". فإن قيل: فلِمَ لم يبطل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة القوم الذين أجابوه، وقد كان عندهم أنهم في الصلاة؟ قلنا: قد روى جماعةٌ عن أبي هريرة: أنهم لم يقولوا: نعم، وإنما أومؤوا برؤوسهم، أي: نعم.
وروى جماعةٌ عنه: أنهم قالوا: نعم، فتحمل رواية من روى أنهم قالوا: نعم،

على أنهم رووه على المعنى، وعلى أنه: وإن صحَّ أنهم قالوا: نعم.. فإن صلاتهم لا تبطل بذلك، لأن ذلك جوابٌ للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذلك لا يبطل الصلاة.
والدليل عليه: ما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرَّ على أبيٌّ بن كعبٍ، وهو يصلي في المسجد، فسلَّم عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فالتفت إليه أبيٌّ، ولم يجبه، ثم إن أُبيًّا خفَّف الصلاة، وانصرف إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: السلام عليك يا نبي الله، قال: "وعليك السلام، ما منعك أن تجيبني إذ دعوْتك؟ " فقال: كُنت أُصلي يا رسول الله، قال: ألم تجد فيما أوحي إليَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] [الأنفال: 24]، فقال: بلى يا رسول الله، لا أعود».
فإن قيل: فما معنى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كلُّ ذلك لم يكن».
وقد علم أن أحدهما قد كان؟ فالجواب: أن القصر والنسيان لم يكونا، وإنما كان أحدهما.
وقيل: بل قال ذلك على مبلغ علمه؛ لأنه كان عنده أنه قد خرج من الصلاة، وفرغ

منها، فقال: «كل ذلك لم يكن»، أي: ما قصرت الصلاة ولا نسيت، والسهو يجوز عليه، ولكنه لا يقرُّ عليه.
فإن قيل: أفيجوز للإمام أن يرجع إلى قول المأمومين، كما رجع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى قول المأمومين؟ فاختلف أصحابنا في الجواب عنه: فقال الشيخ أبو حامد: لم يرجع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى قولهم تقليدًا لهم، وإنَّما تذكَّر سهوهُ بقولهم، وبنى صلاته على يقين نفسه، لا بقولهم.
ومنهم من قال: إنَّما رجع إلى قولهم؛ لأنهم كانوا جماعة عظيمة، لا يجوز اجتماعهم على الخطأ.
وهذا قول أبي عليٍّ في " الإفصاح ". قال الشيخ أبو حامد: وحدُّ الكلام اليسير الذي لا تبطل صلاة الناسي به، هو الكلمة والكلمتان والثلاث ونحوها.
قال ابن الصباغ: حدُّ اليسير منه: مثل كلام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لذي اليدين.
فإن كثر كلام الناسي.. ففيه وجهان: [الأول]: من أصحابنا من قال: تبطل صلاته.
وزعم هذا القائل أن هذا مذهب الشافعي؛ لأنه قال: (ومن تكلم في الصلاة ساهيًا، أو ترك شيئًا من صلب الصلاة.. بنى، ما لم يتطاول الفصل).
قال ابن الصباغ: وهو الأصحُّ، ووجهه: أن الفصل إذا طال.. أبطل الصلاة، فكذلك الكلام.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: لا تبطل صلاته.
قال المحاملي: وهو القياس؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفع عن أُمتي الخطأ والنسيان..». ولم يفرق بين القليل والكثير.
وأنه خطاب آدمي على وجه السهو.. فلم يبطل الصلاة، كاليسير، ويفارق القول الفعل، فإن الفعل آكد، أنه ينفذ إحبال المجنون، ولا ينفذ عتقه.

وأما قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فإنما أراد: إذا سلَّم.. بنى على صلاته، ما لم يتطاول الفصل.
الضرب الرابع: أن يقصد إلى الكلام، وهو يجهل أن الكلام يبطل الصلاة، فلا تبطل صلاته بذلك.
وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق,، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، والشعبيُّ.
وقال أبو حنيفة: (تبطل صلاته).
دليلنا: ما روي عن معاوية بن الحكم: «أنه قال: بينا أنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فحدَّقني القوم بأبصارهم، فلمَّا رأيتهم ينكرون عليَّ.. قُلت: واثكل أمَّاه! ما لكم تنظرون إليَّ، فأخذوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يُسكتُونني، فلمَّا علمت أنهم يسكتونني.. سكت، فلمَّا انصرف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من صلاته.. دعاني - بأبي وأمي ما رأيت معلِّمًا أحسن تعليمًا منه، والله ما كهرني، ولا شتمني، ولا ضربني - وقال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الآدميين، إنما هي التكبير، والتسبيح، والقراءة".
وروي: "وتلاوة القرآن».
ولم يأمره بالإعادة.
و (الكهر): الانتهار.
وقد روي في قراءة عبد الله بن مسعود: (وأما السائل فلا تكهر).

فرع سبق الكلام ونحوه في الصلاة

]: وإن سبق لسانه إلى الكلام من غير قصد إليه، أو غلبه الضحك.. لم تبطل صلاته؛ لأنه معذورٌ في ذلك، فلم تبطل به الصلاة، كالناسي.
وإن طال الكلام، وهو جاهل، أو مغلوبٌ.. فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق، كالوجهين في كلام الناسي إذا طال.

فرع الحزن والبكاء في الصلاة

وإن حزن في الصلاة، ففاضت عيناه.. لم تبطل صلاته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] [مريم: 58].
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل».
(والأزيز): غليان صدره، وحركته بالبكاء.
فإن تنحنح، أو أَنَّ، أو تنفس، أو نفخ، فإن تبين منه حرفان، مثل أن يقولك آه، أو واه، أو أف.. بطلت صلاته؛ لأن ذلك يُعدُّ كلامًا.
وإن لم يتبين منه حرفان، مثل أن يقول: فٍ، ومدَّ بها صوته.. لم تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: (إذا نفخ.. بطلت صلاته بكل حالٍ، وإن تأوَّه، أو أَنَّ لمرضٍ.. بطلت صلاته، وإن كان لخوف الله تعالى.. لم تبطل صلاته وإن بان منه حرفان).
دليلنا: ما روي عن عبد الله بن عمرو: أنه قال: «كُسِفَتِ الشمس على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حتى آضت كالتنومة، فصلَّى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة الكسوف، فلمَّا كان في آخر سجدةٍ.. جعل ينفخ، ويبكي، وقال: اللَّهم لم تعدني وأنا فيهم، اللهم لم تعدني هذا ونحن نستغفرك.
فلمَّا قضى صلاته.. قال: والذي نفسي بيده، لقد عرضت علي النار، حتى إني لأطفئها؛ خشية أن تغشاكم».
فلولا أنه نفخ، ورفع صوته.. لما سمع.
ولأنَّ ما بان حرفان.. يعدُّ كلامًا، فبطلت به الصلاة، كما لو كان لمرض.
قال الشيخ أبو حامدٍ: والقهقهة في الصلاة، كالأنين والنفخ، إن تبيَّن منها حرفان.. أبطلت الصلاة، وإن لم يتبيَّن منها حرفان.. لم تبطل الصلاة.

فرع إنذار الأعمى ونحوه

فإن رأى المصلِّي أعمى أو صغيرًا يريد الوقوع في بئر، أو من شاهقٍ، أو رأى حيةً أو عقربًا تدب إليه.. فإنه يجب عليه أن ينذره، فإن أنذره بالقول.. فهل تبطل صلاته بذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تبطل صلاته بذلك؛ لأنه واجب عليه، فلم تبطل به صلاته، كإجابة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. والثاني: تبطل صلاته؛ لأن ذلك ليس بمُتحقَّقٍ؛ لأنه قد لا يقع في البئر والشاهق، ولا تبلغهُ الحيَّةُ والعقربُ.

فرع القراءة في النفس

]: قال القاضي أبو الفتوح بن أبي عمامة في " التحقيق ": إذا قال الإمام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، فقال المأموم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5]، فإن أراد التلاوة.. لم تبطل صلاته، وإن لم يرد التلاوة.. بطلت صلاته، وكذلك إذا قال: استعنَّا بالله، أو: نستعين بالله.
وإن قرأ المصلّي كتابًا بين يديه، فيه شعرٌ، أو غيره من الكلام، في نفسه، ولم ينطق به لسانه.. كره له ذلك، ولم تبطل به صلاته؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تجاوز الله لأُمتي عما حدَّثت به نفوسها، ما لم يتكلّموا به».
وإن قرأ في المصحف في الصلاة.. لم تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة: (تبطل، إلا أن تكون آية قصيرة).
دليلنا: أنه قراءةٌ، فلم تبطل به الصلاة، كالآية القصيرة.

فرع إيجاز الصلاة لحاجة

]: إذا ناب المصلِّي شيءٌ في صلاته.. فله أن يوجز في صلاته، سواء ناب الإمام أو المأموم، مثل: أن يكون مسافرًا، فترحل القافلة، أو يقع الحريق في متاع رجل، وما أشبه ذلك؛ لما روى أنسٌ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إني لأدخل في الصلاة أريد أن أُطيلها، فاستمع بكاء الصبي من روائي، فأتجوَّز في صلاتي؛ لما تجد أمُّهُ في قلبها من بكائه», فأخبر - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه كان يتجوَّز لما ينوبُ الأمَّهات من بكاء أولادهنَّ، فدل على جواز ذلك.
وإن أراد المصلِّي أن يعلم غيره، مثل: أن سها إمامه، فأراد أن يعلمه بسهوه، أو غير ذلك.. فيستحبُّ للرجل أن يسبح، وللمرأة أن (تصفِّق) وهو: أن تضرب ببطن كفِّها الأيمن على ظهر كفِّها الأيسر.

وقيل: تضرب بأصبع يمينها على ظهر كفِّها الأيسر.
وقال مالك: (يسبح الرجل والمرأة).
دليلنا: ما روى أبو داود، عن سهل بن سعدٍ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا نابكم شيء في الصلاة.. فليسبح الرِّجال، وليصفق النساء».
فإن صفَّق الرجل، وسبحت المرأة.. لم تبطل صلاتهما، إلا أنهما خالفا السُّنَّة.
فإن صفَّق الرجل أو المرأة على وجه اللهو، لا الإعلام، قال ابن الصباغ: بطلت صلاتهما؛ لأن اللَّعب ينافي الصلاة.
وإن أفهم غير إمامه بالتسبيح، أو التكبير، أو التهليل، أو القرآن.. لم تبطل صلاته.
قال أبو حنيفة: (إن نبَّه إمامه أو المارَّ بين يديه.. لم تبطل صلاته، وإن نبَّه غيرهما, بطلت صلاته).
دليلنا: ما ذكرناه من الخبر، ولم يفرق.
لأن هذا تنبيه بذكر الله تعالى، فلم تبطل به صلاته، كما لو نبَّه به إمامه.
وإن أراد الإذن لرجل بالدخول، فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46] [الحجر: 46]، فإن لم يقصد بذلك التلاوة.. بطلت صلاته؛ لأنه من كلام الآدميين.
وإن قصد التلاوة والإعلام.. لم تبطل صلاته؛ لأن قراءة القرآن لا تبطل الصلاة.
وحكى الطبري وجهًا آخر في " العُدّة ": أن صلاته تبطل.
قال: وكذلك إذا سبَّح، أو كبَّر، وقصد به الذكر والإعلام.. بطلت صلاته.
وليس بشيءٍ؛ لما ذكرناه من الخبر.
وإن شمَّت المصلِّي عاطسًا، بأن قال له: يرحمُك الله، أو: رحمك الله، وهو عالمٌ بتحريمه.. بطلت صلاته؛ لأن الصحابة أنكرت على معاوية بن الحكم تشميت

العاطس في الصلاة، واقرَّهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك، فلو كان لا يبطل الصلاة، لما كان لإنكارهم معنى.
وروى يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي: أنه قال: (لا تبطل صلاته، لأنه دعاءٌ بالرحمة، فهو كالدعاء لأبويه بالرَّحمة).
والمشهور من المذهب هو الأوَّل؛ لأنه كلامٌ وُضع لمخاطبة الآدمي، فهو كردِّ السلام.

مسألة أكل المصلي

وإن أكل المصلِّي، أو شرب عامدًا عالما بالتحريم.. بطلت صلاته، وحكي عن سعيد بن جبير: أنه شرب الماء في صلاة النفل.
وقال طاووس: لا بأس بشرب الماء في النافلة.
دليلنا: أن الأكل والشرب أعظم أثرًا في العبادة من الكلام، فلمَّا ثبت أن الكلام على وجه العمد يبطل الصلاة.. فلأن تبطل الصلاة بالأكل والشرب على وجه العمد أولى.
وإن كان بين أسنانه طعامٌ، فنزل الريقٌ به إلى جوفه.. لم تبطل صلاته بذلك؛ لأن الاحتراز منه لا يمكن، ولهذا لا يبطل به الصوم.
وإن ترك في فمه سُكَّرةً، ولم ينزل منها إلى جوفه شيءٌ.. لم تبطل صلاته؛ لأن ذلك لا يبطل الصوم، وإن نزل منها شيءٌ إلى جوفه.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو حامد: لا تبطل صلاته بذلك لأنه لم يبتلعه باختياره، ولا ازدرده، وإنما جرى ذلك مع ريقه، فأشبه الريق.

وقال صاحب " الإبانة ": تبطل صلاته؛ لأنه يبطل بذلك صومه؛ ولأن الصوم شرط في الصلاة.
وإن أكل ناسيًا أو جاهلاً، ولم يطل الأكل.. لم تبطل صلاته، كما لا يبطل الصوم بذلك.
وإن كان كثيرًا, فهل تبطل الصلاة به؟ فيه وجهان، حكاهما صاحب " الإبانة ".

مسألة العمل اليسير في الصلاة

]: وإن عمل في الصلاة عملاً ليس منها.. فلا يخلو: إما أن يكون من جنس أفعالها، أو من غير جنس أفعالها: فإن كان من جنس أفعالها، مثل: أن يركع، أو يسجد في غير موضعه، فإن كان عامدًا عالمًا بتحريمه.. بطلت صلاته؛ لأنه متلاعب في الصلاة، وإن كان ناسيًا.. لم تبطل صلاته، سواء كان قللاً أو كثيرًا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلَّى الظهر خمس ركعات ساهيًا.
وإن فعل ذلك جاهلاً.. لم تبطل صلاته؛ لأنه معذور، فلم تبطل به صلاته، كالناسي.
وإن قام في الرابعة من الظهر قبل السلام، وأحرم بالعصر، فإن كان عامدًا عالمًا بتحريمه.. صحَّ إحرامه بالعصر؛ لأن بقيامه عمدًا قبل السلام، بطل ظُهرهُ، فصحَّ شروعه في العصر، وإن قام ناسيًا أو جاهلاً.. لم يبطل الظهر، ولم يصحَّ إحرامًه بالعصر.
وإن قرأ فاتحة الكتاب في الركعة مرتين عامدًا.. ففيه وجهان: أحدهما: تبطل صلاته؛ لأنه زاد ركنًا في الصلاة عامدًا، فبطلت به الصلاة، كما لو زاد ركوعًا، أو سجودًا.
والثاني: لا تبطل صلاته، وهو المنصوص في صلاة المريض؛ لأنه زيادة ذكر، فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين.

وإن عمل في الصلاة عملاً ليس من جنسها.. نظرت: فإن كان قليلاً، مثل: دفع المارِّ بين يديه، وفتح الباب، وخلع النعل، وإصلاح الرداء عليه، والحمل، أو الوضع، أو الإشارة، وما أشبه ذلك.. لم تبطل صلاته؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر المصلِّي بدفع المارِّ بين يديه»، و: «خلع نعليه في الصلاة»، و: «حمل ابنة ابنته، وهي أمامةُ بنت أبي العاص، وهو يصلي، فكان إذا سجد.. وضعها, وإذا قام.. رفعها»، و: «سلم عليه الأنصار وهو يصلي، فردَّ عليهم بالإشارة»، وهو إجماع لا خلاف فيه.
ولأن المصلِّي لا يخلو من عمل قليلٍ، فعُفي عنه.
وإن عمل عملاً كثيرًا متواليًا.. بطلت صلاته، لأنه لا حاجة به إليه، فأبطل الصلاة، كالكلام، ولا فرق في العمل الكثير، بين أن يفعله عامدًا عالمًا بتحريمه، أو ناسيًا، أو جاهلاً؛ فإنه يبطل الصلاة.
والفرق بينه وبين القول: أن الفعل أقوى من القول، ولهذا ينفذ إحبال المجنون؛ لكونه فعلاً، ولا ينفذ إعتاقه؛ لكونه قولاً.
فإن قيل: فلم قلتم: إن الفعل أقوى من القول، وقد قلتم: إنه يجوز للمصلي أن يفعل فعلاً قليلاً قاصدًا له، ولا تبطل به صلاته، ولا يجوز أن يتكلم بالكلام اليسير قاصدًا إليه؟ فالجواب: أنا إنما قلنا: الكثير أقوى في إبطال الصلاة من القول؛ لأنه لا حاجة

به إلى الفعل الكثير المتوالي، وبالمصلي حاجةٌ إلى القليل من الفعل، ولا حاجة به إلى الكلام القليل، فلذلك أبطل عمده الصلاة.
فإن عمل في الصلاة عملاً كثيرًا متفرقًا.. لم تبطل به صلاته؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة، فكان إذا قام.. رفعها، وإذا سجد.. وضعها».
ولم تبطل الصلاة بذلك، لتفرُّقه، ولأن الكثير إذا تفرَّق.. فكلُّ جزءٍ منه قليل بنفسه.
واختلف أصحابنا في حدِّ العمل القليل والكثير: فقال الشيخ أبو حامد: المرجع في ذلك إلى العُرف والعادة، إلا أن الشافعيَّ نصَّ على: (أن الفعلة الواحدة عملٌ قليلٌ، والثلاث فعلاتٌ).
قال أصحابنا: وفي الخطوتين والضربتين إذا توالتا.. وجهان: أحدهما: لا تبطلان الصلاة؛ لـ «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلع نعليه».
وهذان فعلان.
والثاني: تبطلان الصلاة؛ لأنهما عمل متكرِّرٌ، فهما كالثلاث.
وقال القفَّال: الكثير ما لو نظر إليه الناظر.. تصور عنده أنه ليس في الصلاة، وما دون ذلك يكون قليلاً.
ومن أصحابنا مَنْ قال: حدُّ القليل: كل عمل لا يحتاج فيه إلى اليدين، مثل: حكَّ الجربان، والكثير: ما يحتاج فيه إلى اليدين، مثل: كور العمامة.
وهذا ليس بصحيح.

فرع قتل الأسودين

]: يجوز قتل الحية والعقرب في الصلاة، ولا يكره، وقال النخعي: يكره.

دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقتل الأسودين: الحيَّة، والعقرب، في الصلاة».

مسألة مكروهات الصلاة

]: ويكره أن يترك شيئًا من سنن الصلاة، ويكره أن يلتفت في الصلاة، من غير حاجة؛ لما روي عن عائشة: أنها قالت: «سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التفات الرجل في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا التفت العبد في صلاته، يقول الله تعالى: عبدي، إلى من تلتفت؟! أنا خيرٌ ممَّنْ تلتفت إليه».
وروى أبو ذرٍّ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يزال الله مُقبلاً على عبده في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت.. صرف وجهه عنه».

فإن التفت يمينًا، أو شمالاً لحاجة.
لم يكره؛ لما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يلتفت يمينًا وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره»، ولا تبطل به الصلاة؛ للخبر، ولأنه عملٌ قليلٌ.
وإن استدبر القبلة.. بطلت صلاته؛ لأنه ترك شرطًا من شروط الصلاة.
ويكره أن يرفع بصره إلى السماء، لما روى أنسٌ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة»، حتى اشتد قوله في ذلك: «لينتهن عن ذلك، أو لتخطفنَّ أبصارهم».
ويكره أن ينظر في صلاته إلى شيء يُلهيه من ثوب أو غيره؛ لما روي عن عائشة: أنها قالت: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي وعليه خميصةٌ ذات أعلام، فلما فرغ.. قال: ألهتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي الجهم، فليبعها، وأتوني بأنبجانيَّةٍ».
فإن فعل ذلك.. لم تبطل صلاته؛ لأنه لم ينقل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعاد الصلاة.

ويكره الاختصار في الصلاة؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يصلي الرجل مختصرًا».
قال أبو داود: وهو أن يضع الرجل يده على خاصرته في الصلاة.
وقيل: إنها راحة أهل النار.
وقيل: (الاختصار): هو أن يأخذ الرجل بيده عصًا، يتكئ عليها في الصلاة، وهي المِخْصَرَةُ.
وقيل: الاختصار المنهيُّ عنه: هو أن يقرأ الرجل من آخر السورة آية، أو اثنتين، ولا يقرأ السورة بكاملها.
ويكره أن يكف شعره، وثوبه في الصلاة؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال «أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يسجد على سبعة أعظم، ونُهي أن يكفَّ شعرهُ وثوبه في الصلاة».
ويكره أن يمسح المصلّي الحصى في الصلاة؛ لما روى أبو ذر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرَّحمة تواجهه.. فلا يمسح الحصى».
وروى مُعيقيبٌ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تمسح الحصى، وأنت تُصلي، فإن كنت لا بُدَّ فاعلاً.. فواحدةٌ تسوية الحصى».

فرع عد الآيات

]: قال الشافعي: (وإذا عدَّ الآيات في الصلاة عقدًا، ولم يتلفظ به.. لم تبطل صلاته، وتركه أحبُّ إليَّ).
وبه قال أبو حنيفة، ومحمد.
وقال مالك: (لا بأس به).
وبه قال الثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وابن أبي ليلى، والنخعي.
وقال أبو يوسف: لا بأس به في التطوع.
دليلنا: أن هذا ليس من عمل الصلاة، فكان تركه أولى، كمسح الوجه، ولأنه يشغل قلبه، ويمنعه من الخشوع.
ويكره التثاؤب في الصلاة؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة.. ليرد ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ها.. ضحك الشيطان منه».
ويكره البصاق في المسجد، في الصلاة، وفي غير الصلاة، لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن المسجد لينزوي من النخامة، كما تنزوي الجلدة من النار».

قال أبو عبيد: و (الانزواء): الاجتماع، والتقبض.
وروى أبو سعيد الخدري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُحب العراجين، فدخل يومًا المسجد وبيده عرجون، فرأى نخامات في قبلة المسجد، فحكَّهنَّ، وقال: أيحب أحدكم أن يستقبله الرجل يبزق في وجهه؟! إن أحدكم إذا كان في الصلاة.. فإنه يستقبل ربه بوجهه، والملك عن يمينه، فلا يبزق بين يديه، ولا عن يمينه، وليبزق في نعله اليسرى».
فإن بدره بادرةٌ، فليأخذ بثوبه، وليحك بعضه ببعض.
فإن خالف، وبزق في المسجد.. دفنه؛ لما روى أنس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارته دفنه».
وإن كان المصلِّي في غير المسجد، وأراد أن يبزق.. فإنه لا يبصق بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن يبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى، فإن بدرته بادرة.. بصق في ثوبه، وحكَّ بعضه ببعضٍ؛ لما ذكرناه في الخبر.
والله ولي التوفيق.

باب سجود السَّهو

إذا شكَّ المصلِّي، وهو في الصلاة: هل صلَّى ركعةً، أو ركعتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا؟ فإنه يأخذ بالأقل، ويبني على صلاته، ويسجد للسهو.
وبه قال مالك، وربيعة، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعليٍّ، وابن مسعود.
وقال الشعبي، وشريح، وعطاء والأوزاعي: (تبطل صلاته).
وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس.
وقال الحسن البصري: يذهب على وهمه، ويسجد للسهو.
وبه قال أبو هريرة، وأنس.
وقال أبو حنيفة: (إن لحقه ذلك أوَّل دفعة.. بطلت صلاته، وإن تكرر ذلك منه.. اجتهد، وعمل على ما يؤديه اجتهاده إليه، فإن لم يؤده اجتهاده إلى شيء.. عمل على اليقين).
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا شك أحدكم في صلاته.. فليلق الشَّكَّ، وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام.. سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة.. كانت الرَّكعة نافلة له والسَّجدتان، وإن كانت صلاته ناقصة.. كانت الرَّكعة تمامًا لصلاته، والسَّجدتان تُرغِمان أنف الشيطان».

مسألة السهو في الصلاة

]: قال الشافعي: (ومن سلَّم، أو تكلَّم ساهيًا، أو نسي شيئًا من صُلب صلاته.. بنى، ما لم يتطاول الفصل).
وهذا كما قال: إذا نسي شيئًا من أركان الصلاة.. نظرت: فإن نسي النية، أو تكبيرة الافتتاح.. لم تنعقد صلاته.
وإن نسي قراءة الفاتحة.. ففيه قولان، مضى ذكرهما.
وإن نسي غير ذلك من الأركان، كالركوع والسجود، وذكره بعد السلام، فإن ذكره قبل أن يتطاول الفصل بعد السلام.. بنى على صلاته، سواءٌ تكلَّم، أو لم يتكلَّم، خرج من المسجد، أو لم يخرج.
وإن ذكر ذلك بعد السلام، وتطاول الفصل.. استأنف الصلاة.
واختلف أصحابنا في حدِّ التطاول: فقال أبو إسحاق: هو أن يمضي قدر ركعةٍ

تامَّةٍ.
نص عليه الشافعي في " البويطيِّ ". وقال أبو عليّ بن أبي هريرة: هو أن يمضي قدرُ الصلاة التي هو فيها؛ لأن آخر الصلاة يُبنى على أولها، وما زاد على ذلك لا يُبنى عليه.
وقال أبو عليٍّ الطبري: يُرجعُ فيه إلى العُرفِ والعادةِ.
وهو ظاهرُ النَّصِّ؛ لأنه ليس له حد في الشرع، فرُجع فيه إلى العرف والعادة.
وما قاله أبو عليِّ بن أبي هريرة ليس بشيءٍ؛ لأنه يؤدي إلى اختلاف حدِّ التطاول، لاختلاف عدد ركعات الصلوات.
وإن شكَّ بعد السلام: هل صلَّى ثلاثًا، أو أربعًا؟ فنقل أصحابنا البغداديون أنه لا يلزمه شيءٌ؛ لأن الظاهر أنه أداها تامة، ولأنا لو اعتبرنا الشك الطارئ بعد الفراغ منها.. لشق ذلك، وضاق.
وحكى أصحابنا الخراسانيون في ذلك قولين: أحدهما: هذا.
والثاني: حكمه حكم الشك الطارئ عليه في أثناء الصلاة.

مسألة ما تركه المصلي أو شك في تركه

إذا قام من الركعة الأولى إلى الثانية، ثم تيقَّن أنه ترك سجدةً من الأولى، أو شكَّ في تركها.. لم تُحسب له بما فعل من الثانية، حتى يتمِّ الأولى.
وقال مالك: (إذا قام إلى الثانية، ثم ذكر أنه ترك سجدة من الأولى، فإن ذكر ذلك بعد أن اطمأن في الركوع في الثانية، أو بعدما سجد فيها.. لم يعد إلى إتمام الأولى، بل تبطل الأولى، وتصحُّ الثانية).
وقال أحمد: (إن ذكر بعد القراءة في الثانية.. حصلت له الثانية، وبطلت الأولى، وإن كان قبل القراءة الثانية.. سجد لتمام الأولى).
كقولنا.
دليلنا: أن ما فعله من الأولى.. قد صحَّ، فلا يبطل بترك ما بعده، كما إذا ذكر

ذلك قبل الركوع عند مالك، وقبل القراءة عند أحمد.
إذا ثبت هذا: نظرت: فإن سجد في الأولى السجدة الأولى، وترك الجلوس بين السجدتين، والسجدة الثانية، فذكر ذلك، وهو قائم في الثانية.. فإنه يلزمه أن يجلس، ثم يسجد.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الجلوس؛ لأن الجلوس يراد للفصل بين السجدتين، وقد قام القيام مقام الجلوس في الفصل.
والمذهب الأوَّل؛ لأن الجلوس بين السجدتين فرضٌ، فلا يقوم القيام مقامه، كما لو قصد إلى القيام بين السجدتين للفصل.
وإن كان قد جلس بعد السجدة الأولى للفصل، ثم قام، ولم يسجد الثانية، فمن قال من أصحابنا: لا يلزمه الجلوس في الأولى.. فها هنا أولى ألا يلزمه، ومن قال في الأولى: يلزمه الجلوس.. اختلفوا ها هنا على وجهين: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق - أنه يلزمه أن يجلس، قال: ولست أقول: إن الجلسة الأولى قد بطلت، ولكن ليكون السجود عقيب الجلوس.
والثاني: لا يلزمه، وهو الصحيح؛ لأن المتروك هو السجود، فلا يلزمه إعادة ما قبله، كما لو ترك الجلسة.. فإنه لا تلزمه إعادة السجدة قبلها.
قال ابن الصباغ: ولأن أبا إسحاق قد سلَّم أنه إذا ترك أربع سجدات من أربع ركعات.. فإنه تحصل له ركعتان، ونحن نعلم أن السجدة التي في الثانية وقعت من قيام.
وإن سجد في الأولى سجدة، فظن أنها الثانية، وجلس عقيبها معتقدًا أنها جلسة الاستراحة، ثم قام إلى الثانية، وذكر ذلك في القيام، فمن قال: إن القيام يقوم مقام الجلسة بين السجدتين، ولا يوجب عليه الجلوس.. فها هنا قال: لا يلزمه الجلوس أيضًا.
ومن قال بقول أبي إسحاق: إنه يحتاج إلى الجلوس في التي قبلها؛ ليقع السجود عقيبه.. فإنه يقول ها هنا: يجب عليه الجلوس أيضًا.

ومن قال بالمذهب في الأولى.. اختلفوا ها هنا على وجهين: أحدهما- وهو قول أبي العباس -: يلزمه أن يجلس؛ لأن الأولى فعلها على وجه النفل، فلا تقع عن الفرض.
والثاني - وهو قول عامة أصحابنا، وهو الأصحُّ - أنه يلزمه أن يجلس؛ لأن الواجب عليه أن يجلس بعد السجدة الأولى، وقد فعله، ولا يضره اعتقاده أنها عن جلسة الاستراحة، كما لو جلس في التشهد يعتقد أنه الأول، ثم بان أنه الأخير.. فإنه يعتد به، وهذان الوجهان يشبهان الوجهين في التجديد: هل يرفع الحدث أم لا؟ وإن ذكر أنه ترك سجدة من الأولى، بعدما سجد في الثانية السجدة الأولى، فإن قلنا: إن القيام يقوم مقام الجلوس بين السجدتين.. فقد تمَّت الركعة الأولى بهذه السجدة، سواءٌ جلس عقيب السجدة الأولى في الركعة الأولى أو لم يجلس في الركعة الأولى.
وإن قلنا بقول أبي إسحاق في الأولى، وأنه لا بدَّ من الجلسة لتكون السجدة عقيبها.. لم تتم الركعة الأولى بهذه السجدة؛ لأنها لم تقع عقيب الجلوس.
وإن قلنا بالمذهب.. نظرت: فإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى في الركعة الأولى.. تمَّت له الركعة الأولى بهذه السجدة، وإن كان لم يجلس بعد السجدة الأولى.. لم تتم الركعة الأولى بهذه السجدة.
وإن ذكر أنه ترك السجدة الثانية من الأولى، بعدما أتى بسجدتين وجلسةٍ بينهما في الثانية.. فقد تمت الركعة الأولى بلا خلافٍ بين أصحابنا.
وبماذا تمت؟ على قول أبي إسحاق: تمت بالسجدة الثانية، سواء جلس عقيب السجدة الأولى في الأولى، أو لم يجلس.
وعلى قول أكثر أصحابنا: إن كان لم يجلس بعد السجدة في الأولى.. فإنها تمت بالسجدة الثانية من الركعة الثانية، وإن كان قد جلس بعد السجدة في الأولى.. فإنها تمت بالسجدة الأولى من الركعة الثانية.
ومن قال: إن القيام يقوم مقام الجلوس في الفصل.. فإنها تمت بالسجدة الأولى من الركعة الثانية بكل حال.

جارٍ التحميل