كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة تكبيرة الإحرام
وتكبيرة الإحرام واجبة لا تنعقد الصلاة إلا بها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريهما التكبير، وتحليلها التسليم».
قال الصيمري: والإمام يدخل في الصلاة بفرضين وسنتين:
فالفرضان: النية والتكبير، والسنتان: رفع اليدين، والجهر بالتكبير.
والمأموم يدخل بفرضين وسنة؛ لأنه لا يسن له الجهر بالتكبير، بل يسمع نفسه.
قال الشافعي: (ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله الأكبر).
وقال مالك: (لا تنعقد بقوله الله الأكبر).
وقال أبو حنيفة، ومحمد: (تنعقد بكل اسم لله على وجه التعظيم، كقوله: الله العظيم، أو: الله الجليل، وكقوله: الحمد لله، أو: سبحان الله، أو: لا إله إلا الله، فأما الدعاء، كقوله: اللهم اغفر لي وارحمني.. فلا تنعقد به الصلاة).
وقال الزهري: لا تفتقر الصلاة إلى التكبير، بل إذا نوى الصلاة.. انعقدت وإن لم يكبر، كسائر العبادات.
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وتحريمها التكبير».
وكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفتتح الصلاة بقوله: " الله أكبر "، وما روي عنه: أنه عدل إلى غيره، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وقوله: الله الأكبر، هو كقوله: الله أكبر، وفيه زيادة لا تحيل المعنى، فإن قال: الله العظيم الخالق أكبر.. أجزأه، وإن قال: الله أكبر وأجل وأعظم وأعز... أجزأه؛ لأنه أتى بقوله: الله أكبر، وزاد زيادة لا تحيل المعنى، فهو كقوله: الله أكبر كبيرًا.
قال الشافعي: (وإن قال: الله أكبر من كل شي وأعظم، ونوى به التكبير... دخل في الصلاة بقوله: الله أكبر، وكان ما زاد عليه نافلة، وإن قال: الله الكبير، أو الكبير الله.. لم يجزئه؛ لأن ذلك ليس بتكبير).
وإن قال: أكبر الله، أو الأكبر الله.
فالبغداديون من أصحابنا قالوا: فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كما لو قال: عليكم السلام في آخر الصلاة.
والثاني: لا يجوز، كما لو غير الترتيب في الفاتحة.
وقال المسعودي في [" الإبانة " ق\63]: نص الشافعي: (أنه لو قال: الأكبر الله.. لا يجزئه)، ونص: (لو قال: عليكم السلام... أجزأه).
فمن أصحابنا من قال: فيهما قولان.
ومنهم من حملهما على ظاهرهما، فقال في التكبير: لا يجزئه، وفي السلام: يجزئه؛ لأنه يسمى مسلما وإن عكسه، ولا يسمى مكبرا إذا عكسه.
فرع التكبير بالعربية
]: ولا يجوز أن يكبر بالفارسية، مع قدرته على العربية - وبه قال محمد، وأبو يوسف - وكذلك سائر الأذكار فيها مثل التسبيح والتشهد.
وهل يجوز أن يأتي بالشهادتين في غير الصلاة بالفارسية مع قدرته على العربية؟ وهل يحكم بإسلامه بذلك؟ فيه وجهان.
وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يكبر بالفارسية، مع قدرته على العربية).
دليلنا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكبر بالعربية، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
فإن لم يحسن العربية.. فعليه أن يتعلم.
فإن اتسع الوقت للتعلم، فلم يفعل، وكبر بالفارسية.. لم تصح صلاته؛ لأنه ترك الفرض مع القدرة عليه.
فرع تكبير الأخرس ونحوه
فإن كان بلسانه اضطراب، لا يمكنه أن يفصح بالتكبير، أو كان أخرس، أو مقطوع اللسان.. فإنه يجب عليه أن ينوي التكبير، ويحرك لسانه وشفتيه بقدر ما يمكنه، وكذلك في القراءة والأذكار الواجبة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر... فأتوا منه ما استطعتم».
فرع الجهر بالتكبير
]. قال في " الأم " [1/88]: (وأحب للإمام أن يجهر بالتكبير ويبينه، ولا يمططه، وإنما يجهر؛ ليسمع المأموم).
و (التمطيط): هو المد، وذلك مثل أن يقول: أكبار، فيزيد ألفا.. فلا يجوز؛ لأن (الأكبار): جمع كبر، وهو الطبل.
وكذلك إن مد الهمزة التي في قوله: آلله... لا يجزئه؛ لأنه يصير استفهامًا.
ولا يقصره أيضا، بحيث ينقص حروفه.
وأما المأموم: فلا يستحب له الجهر به؛ لأنه لا يتعبه غيره، بل يأتي بالواجب، وأقله: أن يسمع نفسه، وإن كان أقل من ذلك.. لم يعتد به؛ لأن ذلك ليس بتكبير، بل هو حديث نفس.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (والنساء يسمعن أنفسهن بالتكبير، فإن أمتهن إحداهن.. جهرت بالتكبير؛ لأنه يقتدى بها، وتخفض من صوتها، ليكون دون صوت الرجال)
فرع نقص لفظ التكبير
قال في " الأم " [2/87-88]: (فإن بقي من التكبير حرف، فأتى به وهو منحن للركوع.. لم يكن داخلا في الصلاة المكتوبة، وكان في نافلة).
قال القاضي أبو الطيب: هذا إذا كان جاهلًا بأن ذلك لا يجوز، فأما إذا كان عالما بأن ذلك لا يجوز: فإنها لا تنعقد صلاته بفرض ولا نفل، كما قلنا - فيمن صلى الظهر، يعتقد أن الوقت قد دخل، ولم يكن دخل -: إنها تنعقد له نفلا، وإن صلى الظهر قبل وقتها مع علمه بذلك.. لم تنعقد صلاته.
هذا نقل أصحابنا البغدادين، وقد تقدمت طريقة الخراسانيين.
فرع التكبير والتسليم من الصلاة
التكبير من الصلاة - إلا أنه لا يدخل في الصلاة إلا باستكمال التكبير - وهو أول الصلاة، والتسليم من الصلاة وهو آخرها.
وقال أبو حنيفة: (التكبير ليس من الصلاة، وإنما يدخل به فيها، والتسليم ليس من الصلاة، وإنما يخرج به منها).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التكبير، والقراءة والتسبيح» فدل على: أن التكبير من جملتها.
ولأنه ذكر من شرط صحة كل صلاة، فوجب أن يكون منها، كالقراءة.
فقولنا: (من شرط صحة كل صلاة) احتراز من الخطبة، فإنها شرط في الجمعة لا غير.
فرع تكبير المأموم عقب تكبير الإمام
]: ولا يكبر المأموم، حتى يفرغ الإمام وبه قال مالك، وأبو يوسف.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد: (يكبر مع الإمام، كما يركع مع ركوعه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإذا كبر الإمام.. فكبروا».
فإن سبق المأموم الإمام بالتكبيرة.. فإنه ينوي قطعها، ثم يكبر، وينوي الاقتداء بالإمام.
قال ابن الصباغ: وهذا يتصور عندي، إذا اعتقد أنه قد كبر، ولم يكن قد كبر.
وإن ألحق صلاته بصلاة الإمام من غير أن ينوي القطع.. ففيه قولان، كما نقول في المنفرد إذا ألحق صلاته بصلاة الإمام، ويأتي توجيههما.
وإن أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، نوى بها الافتتاح، وتكبيرة الركوع.. لم تجزئه عن الفرض؛ لأنه أشرك بين الفرض والنفل، وهل تجزئه عن النفل؟ فيه وجهان:
أحدهما: تنعقد نفلا، كما لو أخرج رجل خمسة دراهم، ودفعها إلى المساكين، ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع، فإنها لا تجزئه عن الزكاة، وتقع له تطوعا.
والثاني: لا تنعقد نفلًا، كما لو أحرم بصلاة ونواها عن الفرض والنفل.. فإن صلاته لا تنعقد.
مسألة رفع اليدين
ويستحب أن يرفع يديه في تكبيرة الافتتاح، وعند الركوع، والرفع منه، وبه قال
الأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، ورواه ابن وهب عن مالك.
وقالت الزيدية: لا يرفع يديه في شيء من الصلاة.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: (يرفع يديه في تكبيرة الافتتاح، ولا يرفع في الركوع، ولا في الرفع منه).
دليلنا: ما روى ابن عمر قال: «رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا افتتح الصلاة... رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين».
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (روى هذا اثنا عشر رجلا من الصحابة، ورواه أبو حميد في عشرة من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحدهم: أبو قتادة).
إذا ثبت هذا: فإنه يرفع يديه، حتى تحاذي كفاه منكبيه، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: (يرفعهما، حتى تحاذي الكفان الأذنين).
واحتج بما روى وائل بن حجر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رفع يديه، حتى حاذتا أذنيه».
ودليلنا: ما روي: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لما قدم العراق المرة الأولى، جاءه أبو ثور، والكرابيسي - وكانا شيخي العراق - فأرادا أن يستعلما ما عنده، فقالا له:
تكلم، فقال: تكلما، فقالا: ما تقول في رجلين اصطدما، ومع كل واحد منهما بيضة، فانكسرت البيضتان؟ فقال: (هذا سهل، على كل واحد منهما نصف قيمة بيضة صاحبه.
ولكن ما تقولان في رفع اليدين عند الافتتاح؟) فقالا: يرفع اليدين إلى المنكبين؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رفع يديه حذو منكبيه».
فقال: (ما تقولان فيما روى وائل بن حجر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رفع يديه حتى حاذتا أذنيه» ؟. فقالا: نرفع اليدين إلى الأذنين، فقال: (فما تقولان فيما روى وائل بن حجر في خبر آخر: فرجعت إليهم - يعني: الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم؟) فقالا: لا نعلم.
فقال الشافعي: (أما رواية ابن عمر: فأراد أنه رفع الكف إلى المنكب، وأما رواية وائل بن حجر: فأراد أنه رفع أطراف الأصابع إلى أذنيه، وأما روايته الأخرى: أنه رجع إليهم وهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم: فإنما كان رجع إليهم في الشتاء، وكانت عليهم برانس وثياب الصوف الثقال، فلم يمكنهم أن يرفعوا أيدهم إلى المناكب؛ لثقل ما عليهم، فرفعوا إلى صدورهم).
فاستعمل الأخبار الثلاثة.
ومتى يرفع يديه؟
حكى أصحابنا البغداديون فيه وجهين:
أحدهما - وهو ظاهر قول الشافعي -: أنه لا يقدم رفع يديه على التكبير؛ لأن الرفع من هيئات الصلاة، والتكبير أول الصلاة، فلا تتقدم هيئته عليه، بل يرفع يديه عند ابتداء التكبير، فيفرغ من الرفع قبل فراغه من التكبير، فيتركهما مرفوعتين، حتى يفرغ من التكبير، ثم يرسلهما.
فإن ترك يديه مرفوعتين بعد التكبير.. قال الشافعي: (لم يضره ذلك، ولا آمره به).
والثاني: وهو قول الشيخ أبي إسحاق المروزي، وأبي علي الطبري، أنه يبتدئ
بالرفع مع ابتداء التكبير، ويفرغ منه مع فراغه من التكبير.
وليس بشيء؛ لأن من سنة التكبير: أن يأتي به مبنيا مرتلا، ولا يمكنه أن يأتي به على هذه الصفة في حال الرفع؛ لأن الرفع يحصل في وقت يسير لا يتمكن فيه من بيان التكبير وترتيله.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\63] فيه وجهين آخرين.
أحدهما: أنه يرفع يديه من غير تكبير، ثم يرسلهما بتكبير.
واستدل بأن أبا حميد الساعدي روى ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
والثاني: يرفع يديه، ثم يكبر وهما مرفوعتان، ثم يرسلهما بعد التكبير، واستدل بأن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - روى ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فرع في رفع اليدين
قال الشافعي في " الأم " [1/90]: (ويرفع يديه في كل فريضة ونافلة، ولا فرق في ذلك بين الإمام والمأموم، ولا فرق بين أن يصلي قائما أو قاعدا).
قال الشافعي: (فإن ترك رفع اليدين، حيث أمر به.. كرهت ذلك، ولا إعادة عليه، ولا سجود).
وقال في " الأم ": (وينشر أصابع يديه للتكبير)؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا كبر في الصلاة.. نشر أصابعه».
فإن نسي الرفع حتى فرغ من التكبير... لم يسن له الإتيان به؛ لأن محله فات وإن ذكره في أثناء التكبير.. أتى به؛ لأن محله باق.
وإن كان بيديه علة لا يمكنه رفعهما إلى المنكبين.. رفعهما إلى حيث أمكنه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر.. فأتوا منه ما استطعتم».
وإن كانتا قائمتين لا يمكنه رفعهما إلى المنكبين إلا بأن يعلوا على المنكبين.. رفعهما إلى أعلى المنكبين.
وكذلك إن كان يمكنه الرفع إلى ما دون المنكبين، ويمكنه الرفع إلى أعلى المنكبين ولا يمكنه الرفع إلى المنكبين.. فإنه يرفعهما إلى أعلى المنكبين؛ لأنه يأتي بزيادة هو مغلوب عليها.
وإن كانت إحدى يديه صحيحة، والأخرى عليلة.. رفع الصحيحة إلى المنكبين، ورفع العليلة إلى حيث أمكنه؛ لما مضى.
مسألة موضع اليدين عقب التكبير
فإذا فرغ من التكبير، وحط يديه... فالمستحب: أن يقبض بكفه اليمنى كوعه الأيسر مع الرسغ وبعض الساعد، ويضعهما تحت صدره، وفوق سرته.
وحكى أبو إسحاق في " الشرح ": أن الشافعي قال في " الأم ": (القصد تسكين يديه، فإن أرسل يديه، ولم يعبث بهما.. فلا بأس).
وروي ذلك عن ابن الزبير.
وقال الليث: (إن أعيا في الصلاة.. فعله، وإلا.. لم يفعله).
وقال الأوزاعي: (من شاء.. فعل، ومن شاء.. ترك).
وقال أبو إسحاق في " الشرح ": إذا وضع يديه إحداهما على الأخرى.. جعلهما تحت سرته.
وهو مذهب أبي حنيفة، وإسحاق بن راهويه.
دليلنا: ما روي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] [الكوثر: 2] قال: (وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت النحر).
وهذا لا يقوله إلا لغة، أو توقيفا.
وروى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أمرنا معاشر الأنبياء أن نؤخر السحور، ونعجل الفطر، ونأخذ بأيماننا على شمائلنا في الصلاة».
«وروى وائل بن حجر: (أنه رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك) ».
فرع موضع نظر المصلي
ويتسحب أن يكون نظره في جميع صلاته إلى موضع سجوده، وبه قال أبو حنيفة والثوري.
وقال مالك: (ينظر أمام قبلته).
وقال شريك بن عبد الله: ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي القعود على حجره.
دليلنا: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا استفتح الصلاة... لم ينظر إلا إلى موضع سجوده».
ولأنه أبلغ في الخشوع، فكان أولى.
مسألة دعاء الإفتتاح
]: وأول ما يأتي به من الذكر - في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام - دعاء الاستفتاح في الفريضة والنافلة.
وقال مالك: (لا يأتي به، بل يبتدئ بالقراءة).
والذي استحبه الشافعي أن يقول: ما روى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا استفتح الصلاة.. قال: " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ورب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين».
وأما المنقول في الخبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وأنا أول المسلمين» ولكن لا يقوله غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه كان أول المسلمين من هذه الأمة.
ثم يقول: «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهديني لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها إنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، إنا بك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك».
فقوله: «والخير بيديك، والشر ليس إليك» يقتضي: أن الخير من فعل الله، والشر ليس من فعله، ولم يفرق أحد من الأئمة بينهما؛ لأن أصحاب الحديث يقولون: الخير والشر من فعل الله، والمعتزلة يقولون: هما من فعل العبد.
إلا أن للخير تأويلين:
أحدهما - ذكره المزني -: وهو أن معنى: " والشر ليس إليك " أي: لا يضاف إليك وإن كنت خلقته؛ لأنه لا يضاف إليه إلا الحسن من أفعاله، فيقال: يا خالق النور والشمس والقمر، ولا يقال: يا خالق القردة والخنازير وإن كان خالقها، كذا لا يضاف إليه الشر وإن كان خالقه.
والتأويل الثاني - ذكره ابن خزيمة - أنه أراد أن الشر لا يُتقرب به إليك، وإنما يتقرب إليك بالخير.
قال ابن الصباغ: فإن كان منفردًا.. أتى بجميع ذلك.
وإن كان إماما.. أتى به، إلا أن يكون في ذلك مشقة على المأمومين.
قال الطبري في " العدة ": والمستحب أن يقول: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا)، وجهت وجهي..إلى آخره.
وقال أبو حنيفة: (يستحب أن يقول عقيب التكبيرة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك).
روته عائشة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم يقرأ.
وقد استحب جماعة من أصحابنا أن يجمع بين هذا.
وبين ما رواه الشافعي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وهو مذهب أبي يوسف.
مسألة استحباب التعوذ
ثم يتعوذ قبل القراءة، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقال النخعي، وابن سرين: يتعوذ بعد القراءة.
وبه قال أبو هريرة.
وقال مالك: (لا يتعوذ إلا في قيام رمضان بعد القراءة).
وقال الثوري: يتعوذ قبل القراءة، ولكن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم.
وقال الحسن بن صالح: يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم).
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتعوذ قبل القراءة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
فإن كان في صلاة يسر بها.. أسر بالتعوذ.
وإن كان في صلاة يجهر بها.. فقال الشافعي في " الأم " [1/93]: (كان أبو هريرة يجهر به، وابن عمر يسر به.
وأيهما فعل.. جاز) وظاهر هذا: أنهما سواء.
وقال في " الإملاء ": (السنة: أن يجهر به.).
فقال الشيخ أبو حامد: فيه قولان.
أحدهما: أنه مخير فيه بين الجهر والإسرار.
والثاني - وهو الصحيح -: أنه يجهر به؛ لما روي في الخبر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتعوذ قبل القراءة».
فلولا أنه جهر به.. لما سمع منه.
وقال أبو علي الطبري: السنة: أن يسر به؛ لأن السنة: الجهر للقراءة أو التأمين، دون غيره من الأذكار.
ويستحب ذلك في الركعة الأولى، وهل يستحب فيما سواها؟ فيه طريقان:
[الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يستحب في كل ركعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] [النحل: 98] وهذا يريد القراءة.
والثاني: لا يستحب إلا في الركعة الأولى؛ لأنه ذكر شرع قبل القراءة، وبعد الافتتاح، فلم يسن في غير الأولى، كدعاء الاستفتاح.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: يستحب في كل ركعة، قولا واحدًا، وإنما في الأولى أشد استحبابا.
فإن قلنا: يستحب في الأولى لا غير، فنسيه فيها.. أتى به في الثانية، ومتى ذكره..
أتى به في ابتداء القراءة، فمتى تركه ناسيا، أو جاهلًا أو عامدًا.. لم يكن عليه إعادة، ولا سجود سهو.
مسألة قراءة الفاتحة
ثم يقرأ فاتحة الكتاب، وهي فرض في الصلاة، فإن تركها عامدا مع القدرة عليها.. لم تصح صلاته، وإن تركها ناسيا.. ففيه قولان:
[أحدهما] قال في القديم: (يجزئه) لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ترك القراءة في الصلاة، فقيل له في ذلك، فقال: (كيف كان الركوع والسجود؟) قالوا: حسنا قال: (فلا بأس به).
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يجزئه) وهو الأصح؛ لأن ما كان واجبًا في الصلاة.. لم يسقط بالنسيان، كالركوع والسجود.
هذا مذهبنا.
وقال الحسن بن صالح، والأصم: لا تجب القراءة في الصلاة.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: (القراءة واجبة في الصلاة، إلا أنها لا تتعين).
واختلفوا فيما يجزئه منها، فالمشهور من مذهبه: أن الواجب آية، إما طويلة، أو قصيرة، وروي عنه: (ما يقع عليه اسم القراءة).
وقال أبو يوسف، ومحمد: إن قرأ آية طويلة، كآية الكرسي، أو آية الدَّيْن.. أجزأه، وإن كانت قصيرة.. لم تجزئه إلا ثلاث آيات.
دليلنا: ما روى ابن عمر قال: «سأل رجل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أيقرأ في الصلاة؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أو تكون صلاة بلا قراءة؟!».
وروى عبادة بن الصامت: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب».
وروى الشافعي بإسناده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا تجزئ صلاة لم يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب».
فرع قراءة البسملة
ويجب أن يبتدئها بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] وهي آية منها، بلا خلاف على المذهب.
وهل هي آية من أول كل سورة غير براءة؟
الظاهر من المذهب: أنها آية من أول كل سورة غير براءة؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أثبتوها في أول كل سورة غير براءة، ولم يثبتوا بين الدفتين غير القرآن.
ومن أصحابنا من يحكي فيها قولا آخر للشافعي، وبعضهم يحكيه وجهًا لبعض أصحابنا: أنها ليست بآية من أول كل سورة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سورة ثلاثون آية شفعت لقارئها، وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: 1] ». ومعلوم أنها ثلاثون آية غير البسملة.
وهل هي آية من أول الفاتحة وغيرها على سبيل القطع، أو على سبيل الحكم؟
فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: إنها آية من أول كل سورة قطعًا، كسائر القرآن.
وهذا القائل لا يقبل في إثباتها خبر الواحد، وإنما يثبتها بالنقل المستفيض؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - نقلت إلينا هذه المصاحف، وأثبتوا فيها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]، ولم يكونوا يثبتون في المصحف شيئًا إلا ما يقطعون على كونه قرآنًا.
ألا ترى أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (لولا أن يقال: إن عمر زاد في كتاب الله.. لكتبت آية الرجم على حاشية المصحف: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله ").
و [الثاني]: منهم من قال: إني أثبتها قرآنًا، حكمًا على معنى: أنه يجب قراءتها في الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، ولا أقطع على كونها قرآنًا في أول كل سورة.
وهذا القائل يقبل في إثباتها خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد يوجب العمل، ولا يوجب العلم، وهذا مثل ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «كان فيما أنزل الله من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس».
ولا خلاف على الوجهين: أن رادها ومثبتها.. لا يكفر، وأن تاركها.. لا يفسق؛ لحصول الشبهة في الاختلاف فيها.
هذا مذهبنا.
وذهب مالك، والأوزاعي إلى: (أنها ليست من القرآن، إلا في سورة (النمل)، فإنها بعض آية منها، وفي سائر السور إنما ذكرت تبركًا بها.
ولا تقرأ في الصلاة إلا في قيام رمضان، فإنها تقرأ في ابتداء السورة بعد الفاتحة، ولا تقرأ في ابتداء الفاتحة).
وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى: أنها ليست بآية من فاتحة الكتاب، وليست بشرط في صحة الصلاة؛ لأن القراءة لا تتعين عندهم، إلا أنه يستحب له قراءتها في نفسه سرًا.
واختلف أصحابه في مذهبه: فقال بعضهم: مذهبه كمذهب مالك، وأنها ليست من القرآن، إلا في (النمل)، فإنها بعض آية، وهو الظاهر من مذهبه.
وقال بعضهم: مذهبه: أنها آية في كل موضع ذكرت فيه، إلا أنها ليست بآية من السورة.
ويختارون هذا، ويناظرون عليه.
دليلنا - أنها آية من فاتحة الكتاب وغيرها -: ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قرأتم فاتحة الكتاب.. فاقرؤوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فإنها أم القرآن، والسبع المثاني، وإن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] إحدى آياتها».
وروى أنس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أنزل علي آنفًا سورة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1] ».
فرع الجهر بالبسملة
واختلف أهل العلم في الجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] فيما يجهر به من الصلوات:
فذهب الشافعي إلى: أنه يجهر بها - بأول الفاتحة، وفي أول السورة - فيما يجهر به من القراءة في الصلاة، ويسر بها فيما يسر بالقراءة في الصلاة.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس؛ وهي إحدى الروايتين عن عمر.
وبه قال من التابعين: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير.
وذهبت طائفة إلى: أنه يسر بها في كل صلاة.
وروي ذلك عن علي وابن مسعود، وهي إحدى الروايتين عن عمر، وبه قال
الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، إلا أن أحمد يقول: (هي من القرآن، ولكن يسر بها).
وقال مالك، والأوزاعي: (لا تقرأ في الصلاة)؛ لأنها ليست من القرآن عندهما، إلا في (النمل)، فإنها بعض آية.
دليلنا: ما روى علي وابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يجهر بها في الصلاة، وبين السورتين».
وروى نافع، عن ابن عمر قال: «صليت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وخلف أبي بكر، وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فكانوا يجهرون بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] ».
فرع كيفية القراءة
]: والمستحب: أن يقرأ قراءة مرتلة، من غير عجلة، ولا تمطيط.
ويستحب ذلك لكل قارئ في الصلاة وغيرها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ﴾ [المزمل: 4] [المزمل: 3].
إلا أنه في الصلاة أشد استحبابًا؛ لأن القراءة تجب فيها دون غيرها.
قال الشافعي: (فإن أخل ببعض الفاتحة، أو بحرف من حروفها: إما ألف، أو لام، أو غير ذلك.. لم تجزئه صلاته).
قال أصحابنا: وكذلك إذا ترك بعض التشديد الذي فيها.. لم تصح صلاته.
ولم ينص عليه الشافعي، ولكن أهل اللغة والعربية قالوا: التشديد يقوم مقام حرف؛ لأن كل موضع ذكر فيه التشديد، فإنه قد أدغم مكانه حرفًا، فإذا ترك التشديد.. فكأنه قد ترك حرفًا.
وفي الفاتحة أربع عشرة تشديدة:
الأولى: تشديدة اللام في: بسم الله.
الثانية: تشديدة الراء من: الرحمن.
الثالثة: تشديدة الراء من: الرحيم.
الرابعة: تشديدة اللام من: لله.
الخامسة: تشديدة الباء من: رب.
السادسة: تشديدة الراء من: الرحمن.
السابعة: تشديدة الراء من: الرحيم.
الثامنة: تشديدة الدال من: الدين.
التاسعة: تشديدة الياء من: إياك.
العاشرة: تشديدة الياء من: وإياك.
الحادية عشرة: تشديدة الصاد من: الصراط.
الثانية عشرة: تشديدة اللام من: الذين.
الثالثة عشرة: تشديدة الضاد من: الضالين.
الرابعة عشرة: تشديدة اللام الأخيرة من: الضالين.
فرع ترتيب الفاتحة
ويجب أن يقرأ الفاتحة على الترتيب، كما أنزلت.
فإن بدأ فقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2].. لم تجزئه حتى يبتدئ بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فاقرؤوا، كما علمتم».
فإن قرأ آية على آية، أو حرفًا على حرف، أو قرأ في أثنائها من غيرها، فإن كان فعل ذلك عامدًا.. بطلت قراءته، واستأنفها، ولا تبطل صلاته، وإن كان ساهيًا.. لم تبطل قراءته، وعاد إلى الموضع الذي أخل بالترتيب فيه.
فإن قرأ آية منها مرتين، فإن كانت أول آية منها، أو آخر آية منها.. لم يؤثر ذلك.
وإن كان في وسطها.. فالذي يقتضيه القياس: أنه كما لو قرأ في خلالها غيرها، فإن كان عمدًا.. بطلت قراءته، وإن كان ساهيًا.. بنى عليها.
فرع من قدم على الفاتحة السورة أو سكت أثنائها
]: فإن ابتدأ، فقرأ السورة، ثم قرأ الفاتحة.. قال الشافعي في " الأم " [1/95]: (أجزأته).
وإنما أراد: أن فاتحة الكتاب تجزئه دون السورة؛ لأنه قرأ السورة في غير موضعها، فكأنه لم يقرأها.
قال في " الأم " [1/95]: (وإن سكت سكوتًا طويلاً ساهيًا، أو تعايا فقطع القراءة.. لم تبطل قراءته.
وإن تعمد ذلك.. بطلت قراءته).
وإن نوى قطع القراءة، فإن سكت مع النية.. بطلت قراءته.
وإن لم يسكت،
ومضى على قراءته.. لم تبطل؛ لأنه لو سكت عن القراءة عامدًا ولم ينو قطعها.. بطلت، فإذا نوى القطع مع السكوت.. أولى: أن تبطل.
أما إذا نوى قطع القراءة، ولم يسكت.. لم تبطل؛ لأن الواجب عليه الإتيان بها، وقد أتى بها.
والفرق بينها، وبين الصلاة: أن الصلاة يجب في أولها القصد إلى فعلها، ثم يستديم حكم ذلك القصد، فإذا نوى قطعها.. بطلت.
والقراءة لا يجب عليه القصد إلى فعلها، فلم تبطل بنية القطع من غير قطع.
فرع قطع القراءة بتأمين ونحوه
فإن فتح المأموم على غير الإمام، أو أجاب مؤذنًا في أثناء الفاتحة.. انقطعت قراءته.
وإن فتح المأموم على الإمام، أو أمن بتأمينه، أو سجد للتلاوة في أثناء الفاتحة.. فهل تنقطع قراءته؟ فيه وجهان:
[الأول]: قال القفال، وأبو علي الطبري، والقاضي أبو الطيب: لا تنقطع قراءته بذلك؛ لأن هذا مأمور به، فلم يقطع القراءة.
قال ابن الصباغ: وكذلك إذا مرت به آية رحمة فسأل، أو آية عذاب فاستعاذ، أو قال الإمام: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 40] [القيامة: 40].
فيقول المأموم: بلى.. لم تنقطع قراءته بذلك.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو حامد: تنقطع قراءته ويستأنفها، إذا أمن بتأمين الإمام؛ لأن الشافعي قال: (لو عمد فقرأ فيها من غيرها.. استأنفها).
فرع النطق في غير اللسان
]: قال في " الأم " [1/95]: (ولا يجزئه أن ينطق بصدره، ولا ينطلق به لسانه)؛ لأن عليه: أن يحرك بالقراءة لسانه، ويسمع نفسه.
فإن لم يسمع نفسه لشغل قلبه.. أجزأه؛ لأنه قد قرأ بحيث يسمع نفسه.
مسألة حكم التأمين
فإذا فرغ من الفاتحة.. أمن، وهو سنة لكل من قرأ الفاتحة في الصلاة وغيرها، وهو أن يقول: (آمين)؛ لما روي عن وائل بن حجر: أنه قال: «سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] فقال: " آمين "، ومد بها صوته» ومعناها: اللهم استجب، وفيها لغتان: أمين: بقصر الألف، وآمين: بمدها، والتخفيف فيهما.
وأنشدوا في المقصور:
تباعد عني فطحل إذ دعوته... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وأنشدوا في الممدود:
يا رب لا تسلبني حبها أبدًا... ويرحم الله عبدًا قال آمينا
وأما بتشديد الميم: فإنهم: القاصدون، قال الله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] [المائدة: 2].
أي: قاصدين.
وأما الجهر به: فإن كان في صلاة يسر بها.. أسر به المنفرد، والإمام، والمأموم؛ لأنه تابع للقراءة.
وإن كان في صلاة يجهر بها، فإن كان منفردًا، أو إمامًا.. جهر به؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمن الإمام.. فأمنوا».
قال الصيمري: أي لا تتقدموا عليه بالتأمين.
وإن كان مأمومًا.. فهل يجهر به؟
ينظر فيه: فإن نسي الإمام التأمين، أو الجهر به.. جهر المأموم به؛ لينبه الإمام وغيره.
وإن جهر به الإمام.. فهل يجهر به المأموم؟
قال في الجديد: (لا يجهر به، بل يسمع نفسه).
وقال في القديم: (يجهر).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يجهر به؛ لما روي: (أنهم كانوا يؤمنون خلف ابن الزبير، حتى إن للمسجد للجة).
والثاني: لا يجهر به، كالتكبيرات.
ومنهم من قال: إن كان المسجد ضيقًا يبلغهم تأمين الإمام.. لم يجهر به المأموم، وإن كان كبيرًا لا يبلغهم تأمين الإمام.. جهر به المأموم.
وحمل القولين على هذين الحالين.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: (يؤمن الإمام والمأموم، ولكن يسران به).
وعن مالك روايتان:
إحداهما: (لا يؤمن الإمام، ويؤمن المأموم).
والثانية: (يخفيها الإمام).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمن الإمام.. فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن بتأمين الإمام، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة.. غفر له ما تقدم من ذنبه».
فرع تأخير التأمين وفصله والدعاء بما شاء
قال الشافعي: (وإذا أخر التأمين عن موضعه.. لم يأت به فيما بعد).
وهذا كما قال: إذا قال المصلي: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] ولم يأت بالتأمين، ودخل في غيره.. لم يأت بالتأمين؛ لأنه سنة مرتبة في مكان، فإذا فات موضعها.. لم يقض؛ كالتشهد الأول إذا حصل في القيام.
قال الشافعي: (والإذن بالتأمين يدل على: أن لكل مصل أن يدعو في صلاته بما شاء وأحب من دين ودنيا، مع ما فيه من الأخبار والآثار)؛ لأن معناه: اللهم: افعل لي ما سألتك.
فدل على: جواز الدعاء فيها.
والمستحب: أن لا يصل: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] بـ: " آمين "، بل يفصل بينهما بسكتة يسيرة؛ ليعلم أنه ليس من كلام الله تعالى.
مسألة وجوب القراءة
وتجب القراءة في كل ركعة.
وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: (تجب القراءة في معظم الصلاة، فإن كانت رباعية.. قرأ في ثلاث منها، وإن كانت ثلاثية.. قرأ في ركعتين، وإن كانت ركعتين.. قرأ فيهما).
وقال أبو حنيفة، والثوري: (القراءة إنما تجب في الركعتين الأوليين، فأما الأخريان: فهو فيهما بالخيار، إن شاء.. قرأ، وإن شاء.. سبح، أو سكت.
فإن لم يقرأ في الأوليين.. قرأ في الأخريين).
وقال الحسن، وبعض أهل الظاهر: تجب القراءة في الصلاة دفعة واحدة.
وروي ذلك عن أحمد.
دليلنا: ما روي عن عبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري: أنهما قالا: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة».
وروى رفاعة بن [رافع بن] مالك قال: «دخل رجل المسجد، فصلى بقرب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم جاء فسلم عليه، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل " فصلى لنحو ما صلى أولاً، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل "، فقال: يا رسول الله، علمني كيف أصلي، فقال: " إذا قمت إلى الصلاة.. فكبر، ثم اقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا... " وذكر الخبر، إلى أن قال: " وهكذا فاصنع في كل ركعة».
ولأنها ركعة يجب فيها القيام، فوجبت فيها القراءة مع القدرة، كالركعة الأولى، وفيه احتراز ممن أدرك الإمام راكعًا.
وهل يقرأ المأموم؟ ينظر فيه:
فإن كان في صلاة يسر فيها.. قرأ المأموم.
وإن كان في صلاة يجهر فيها.. فهل تجب على المأموم قراءة الفاتحة؟ فيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (لا تجب عليه القراءة).
و [الثاني]: قال في الجديد: (تجب عليه القراءة).
وقال أبو حنيفة: (لا تجب على المأموم القراءة، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية).
وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس.
فمن قال بالقديم: احتج بما روى أبو هريرة قال: «صلى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلما فرغ من صلاته.. قال: " هل فيكم من قرأ معي؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقال: " إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ ! " قال: فانتهى الناس عن القراءة في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة خلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منذ سمعوا ذلك منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
ودليلنا - للقول الجديد -: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب».
وروى عبادة بن الصامت قال: «صلى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف.. قال: " إنكم تقرؤون خلفي إذا جهرت؟ " فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، فقال: " لا تقرؤوا خلفي إذا جهرت، إلا بفاتحة الكتاب».
وأما الخبر الأول: فقيل: إن قوله: (فانتهى الناس...) من كلام الزهري، فلا حجة فيه.
على أنه وإن صح.. فإنما أراد: انتهى الناس عن المنازعة بالجهر بالقراءة.
وخبر عبادة أولى؛ لأنه أزيد ومثبت، والإثبات أولى.
فإذا قلنا: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة.. فهل يسن له: أن يتعوذ؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ":
أحدهما: لا يأتي به، وبه قال أبو حنيفة كما لا يأتي بالفاتحة.
والثاني: يأتي به؛ لأنه شارك الإمام في الذكر الذي يسر به.
فرع تفسير القراءة بغير العربية
]: ولا يقوم تفسير القراءة، ولا العبارة عنها بالفارسية مقامها، ولا يجزئ في الصلاة.
وبه قال مالك، وعامة الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: (المصلي بالخيار، إن شاء.. قرأ القرآن، وإن شاء.. قرأ معنى القرآن، وتفسيره بالفارسية أو العربية، وغير ذلك، سواء كان يحسن قراءة القرآن، أو لا يحسنها).
واختلف أصحابه، إذا قرأ المصلي معنى القرآن، وتفسيره: هل يكون قد قرأ القرآن؟
فمنهم من قال: إذا قرأ معنى القرآن.. فقد قرأ القرآن.
وعلى هذا يناظرون.
ومنهم من قال: لا يكون قد قرأ القرآن، وإنما يكون في الحكم: يقوم مقامه.
وقال محمد بن الحسن، وأبو يوسف: إن كان هذا المصلي يحسن القرآن.. لم يجز أن يقرأ معنى القرآن.
وإن كان لا يحسن القرآن.. جاز أن يقرأ معنى القرآن،
ويعبر عن القراءة بعبارة.
كما قالا في التكبير.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20] [المزمل: 20].
وروى عبادة بن الصامت: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»:
مسألة فيمن لا يحسن الفاتحة أو بعضها
وإن كان لا يحسن الفاتحة، وضاق الوقت عن التعلم، فإن كان يحسن غيرها من القرآن.. فإنه يقرأ سبع آيات من غيرها، سواء كن من سورة، أو من سور.
وهل يعتبر أن يكون بقدر حروف الفاتحة؟
منهم من يقول: فيه قولان.
ومنهم من يقول: وجهان:
أحدهما: يعتبر أن يكون بقدر حروف الفاتحة، كما يعتبر عدد الآيات.
والثاني: لا يعتبر، كما لا يعتبر في قضاء الصوم عدد الساعات.
وإن كان يحسن آية من الفاتحة.. أتى بها.
وهل يلزمه تكرارها، أو يقرؤها مرة، ثم يأتي بغيرها من القرآن إن كان يحسنه، أو من الذكر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكررها؛ لأنها أقرب إلى الفاتحة من غيرها.
والثاني: يأتي ببقية الآيات من غيرها؛ لأن هذه الآية قد سقط فرضها بقراءتها، فينبغي أن لا يعيدها، ويأتي بغيرها؛ كما إذا وجد بعض الماء.. فإنه يغتسل به، ويتيمم.
قال ابن الصباغ: وهذا الوجه يدل على صحة السنة، في الرجل الذي قال: لا أستطيع أن أحفظ شيئًا من القرآن، فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يأتي بالذكر، وفيه: " الحمد لله ".
ولا يتعذر عليه أن يقول: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، ولم يأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتكرارها.
وإن كان يحسن أقل من الفاتحة من غيرها من القرآن.. فهل يلزمه تكراره، أو يلزمه أن يأتي بتمامه من الذكر؟ على الوجهين فيمن يحسن آية من الفاتحة.
قال ابن الصباغ: وذكر الشيخ أبو حامد: أن في ذلك قولين نص عليهما في " الأم ".
فإن كان يحسن النصف الأول من الفاتحة لا غير، وقلنا: " لا يلزمه تكراره.. فإنه يأتي به أولا، ثم يأتي بالبدل بعده.
وإن كان يحسن النصف الأخير منها.. فإنه يأتي بالبدل أولاً، ثم بالنصف الذي يحسنه؛ لأن الترتيب شرط في القراءة.
ولو تعلم الفاتحة في إتيانه بالبدل.. ففيه وجهان:
الصحيح: أنه يترك البدل، ويشتغل بالفاتحة.
والثاني: يمضي في البدل، ولا يشتغل بالفاتحة.
ولو تعلم الفاتحة بعد فراغه من البدل، وقبل الركوع.. فمنهم من قال: فيه وجهان، كالأولى.
ومنهم من قال: لا يلزمه قراءة الفاتحة، وجهًا واحدًا.
وإن كان لا يحسن شيئًا من الفاتحة، ولا من غيرها.. فإنه يأتي مكانها بالذكر.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه، ويقوم ساكتًا).
وقال مالك: (لا يلزمه الذكر، ولا القيام).
دليلنا: ما روى رفاعة [بن رافع] بن مالك: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة.. فليتوضأ كما أمره الله، ثم ليكبر، فإن كان معه شيء من القرآن.. قرأ به، وإن لم يكن معه شيء.. فليحمد الله، وليكبر».
وروى عبد الله بن أبي أوفى: «أن رجلاً أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني في الصلاة.
فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله».
وهل يتعين عليه هذا الذكر؟
فيه ثلاثة أوجه:
[الأول]: منهم من قال: يتعين عليه هذا الذكر، ولكن يضيف إليه كلمتين أخريين؛ ليكون بقدر سبع آيات، والأولى أن يضيف إليه ما روي في بعض الأخبار: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن).
ولا يعتبر - على هذا -: عدد الحروف.
و [الثاني]- وهو قول أبي إسحاق -: أنه لا يتعين عليه هذا الذكر، بل يجب عليه أن يأتي من ذكر الله تعالى ما شاء، ويعتبر أن تكون حروفه بقدر حروف الفاتحة، ويسقط اعتبار الآيات؛ لأنه لا يمكن اعتبارها من الذكر.
و [الثالث]: وهو قول أبي علي في " الإفصاح " -: إنما يجب الذكر الذي نص عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو الخمس الكلمات، ولا تجب الزيادة عليه.
وهو الصحيح؛ لأن الرجل قال: يا رسول الله، علمني ما يجزئني في الصلاة، فعلمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذا، ولم يأمره بالزيادة:
وقد روى: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما فرغ من الخمس الكلمات.. قال الرجل: هذا لله تعالى، فما لي؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قل: اللهم ارحمني، وعافني، وارزقني».
وإن لم يحسن شيئًا من القرآن، ولا من الذكر.. وجب عليه أن يقوم بقدر قراءة الفاتحة، وعليه أن يتعلم.
مسألة القراءة بعد الفاتحة
ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة، وذلك سنة.
وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (تجب القراءة بعد الفاتحة، وأقله ثلاث آيات).
وقال عثمان بن أبي العاص: (تجب القراءة بعد الفاتحة، وأقله ما يقع عليه الاسم).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب».
فنفى الصلاة بعدمها، وأثبتها بوجودها، فدل على: أنه لا يجب غيرها.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «كل صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب.. فهي خداج».
و (الخداج): الناقص، فدل على: أن الصلاة التي يقرأ فيها بفاتحة الكتاب تمام.
إذا ثبت هذا: فإن المستحب عندنا - إن كان في صلاة الصبح -: أن يقرأ بـ: (طوال المفصل)؛ وهو: السبع الأخير من القرآن، مثل: (الحجرات)، و (ق)، و (الواقعة).
وقال أبو حنيفة: (يقرأ في الأولى من: ثلاثين آية، إلى ستين آية.
وفي الثانية من: عشرين آية، إلى ثلاثين آية).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ فيها: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: 10] » [ق: 10] يعني: سورة ق.)
وإن كان يوم جمعة.. قرأ فيها: ﴿الم﴾ [السجدة: 1] ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 2] [السجدة]، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1] [الدهر]؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ ذلك فيها يوم الجمعة».
فإن قرأ فيها أوساط المفصل، أو قصاره.. جاز؛ لما روى عمرو بن حريث أنه قال: «كأني اسمع صوت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ في صلاة الغداة: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: 15] » [التكوير: 15] ).
وروى أبو داود: «أن رجلاً من جهينة سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: 1] » [الزلزلة].
قال الشافعي: (ويقرأ في الظهر شبيهًا مما يقرأ في الصبح) - وحكى الكرخي مثل ذلك عن أبي حنيفة - لما روى أبو سعيد الخدري قال: «حزرنا قيام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، قدر: ﴿الم﴾ [السجدة: 1] ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 2] [السجدة]، وحزرنا قيامه في الأخريين منها على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك».
ومعنى قوله: (حزرنا) أي: قدرنا.
فإن قرأ غيرها.. جاز؛ لما روي عن جابر بن سمرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (كان يقرأ في الظهر، والعصر بـ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: 1]، و ﴿الطَّارِقُ﴾ [الطارق: 2] وما أشبههما، ويقرأ في العصر، والعشاء بأوساط المفصل، كسورة (الجمعة) و (المنافقين)، وما أشبههما».
وقال أبو حنيفة: (يقرأ في العصر في الأوليين في كل ركعة بعد الفاتحة عشرين آية، وكذلك في العشاء).
دليلنا: حديث أبي سعيد الخدري، وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ في العشاء سورة الجمعة والمنافقين».
فإن قرأ غيرهما.. جاز؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ في العشاء الآخرة بـ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1] و ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: 1] ».
ويستحب أن يقرأ في المغرب بقصار المفصل؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ فيها بقصار المفصل».
وروى: (أن ابن مسعود كان يقرأ فيها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] [الإخلاص: 1] ).
فإن قرأ فيها غيرها.. جاز؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ فيها بـ: الأعراف».
وروى جبير بن مطعم: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ فيها: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: 1] ».
وروت أم الفضل قالت: «خرج إلينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب، فقرأ بـ: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ [المرسلات: 1] فما صلاها بعد، حتى لقي الله تعالى».
فرع قراءة السورة للمأموم وفيما زاد على الركعتين
والتسوية بين الأوليين ويوجز في الأخرين]: وهل يسن قراءة السورة للمأموم؟ ينظر فيه:
فإن كان في صلاة جهرية، تسمع فيها قراءة الإمام.. فلا يسن له؛ لما مضى في حديث عبادة.
وإن كان في صلاة سرية، أو جهرية لا يسمع فيها قراءة الإمام.. فوجهان حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ 65]. وكذا الوجهان فيمن تباعد عن الخطيب، بحيث لا يسمع الخطبة: هل الأولى له أن يقرأ القرآن، أو يسكت؟
وهل تستحب قراءة السورة فيما زاد على ركعتين؟ فيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (لا يستحب)
قال أبو إسحاق المروزي: وهو الصحيح - وبه قال مالك، وأبو حنيفة - لما روى أبو قتادة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ السورة في الأوليين دون الأخريين».
و [الثاني]: قال في الجديد: (يستحب أن يقرأ السورة فيهما).
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لحديث أبي سعيد الخدري.
إذا ثبت هذا: فيستحب عندنا أن يسوي بين الركعات في القراءة، ولا يفضل أوله على ثانيه، وأما الأخريان: فالمستحب فيهما: الحذف والإيجاز، على القولين.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (يستحب أن تفضل الأولى على الثانية في الفجر خاصة).
وقال الثوري، ومحمد: يستحب في جميع الصلوات أن يطيل الركعة الأولى على التي بعدها.
وبه قال الماسرجسي، من أصحابنا.
دليلنا: حديث أبي سعيد الخدري: «أنه كان يقرأ في الظهر في كل ركعة ثلاثين آية».
فرع قراءة المسبوق
]: قال الشافعي: (وإن فات رجلاً ركعتان مع الإمام من الظهر.. قضاهما بأم القرآن وسورة).
واختلف أصحابنا في صورة ذلك:
فقال أبو إسحاق: إنما قال ذلك؛ لأنه لم يقرأها في الأوليين، ولا أدرك قراءة الإمام لها، فاستحب له أن يأتي بها؛ لتحصل له فضيلتها.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": إنما قال هذا على القول الذي يقول: إنه يقرأ السورة في جميع الركعات.
فأما على القول الآخر: فلا يقرأ.
وإلى هذا ذهب القاضي أبو حامد.
قال ابن الصباغ: والأول أصح.
فإن كان ذلك في صلاة جهرية.. فهل يجهر المأموم، أو يسر في الأخريين؟
فيه قولان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: لا يجهر؛ لأن سنة القراءة في الأخريين الإسرار.
والثاني: يجهر؛ ليدرك ما فاته من الجهر بالقراءة.
فرع ما يجهر به من الصلوات للرجل والمرأة وتلقين الإمام
]: والسنة: أن يجهر الإمام، والمنفرد في: الصبح، والأوليين من المغرب، والأوليين من العشاء، ويسر فيما سوى ذلك من الصلوات الخمس؛ لأنه نقل ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نقلاً متواترًا، وهو إجماع لا خلاف فيه.
فإن فاتته في صلاة سرية، فقضاها.. أسر بها القضاء، سواء قضى في وقت الجهرية، أو في وقت السرية.
وإن فاتته صلاة جهرية، فإن قضاها في وقت الجهرية.. جهر بها.
وإن قضاها في وقت السرية.. ففيه وجهان:
أحدهما: يسن له الجهر في القضاء، كما لو قضى السرية في وقت الجهرية.
والثاني: لا يسن له الجهر بها؛ لأنه يقال: صلاة النهار عجماء.
ولا تجهر المرأة في موضع فيه رجال أجانب؛ لأنه يخاف الافتتان بصوتها.
قال في " الأم ": (ولا بأس بتلقين الإمام إذا أحصر)؛ لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (إذا استطعمكم الإمام.. فأطعموه) و (استطعامه): سكوته.
مسألة تكبيرات الانتقال ورفع اليدين
]: فإذا فرغ من السورة.. ركع، ولا يصل تكبيرة الركوع بآخر السورة؛ لما روى سمرة بن جندب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسكت سكتة إذا افتتح القراءة، وسكتة إذا فرغ من القراءة، فرآه، فأنكر عليه عمران بن الحصين هذه الرواية، فكتبوا بذلك إلى أبي بن كعب، فقال: صدق سمرة بن جندب».
والركوع واجب بنص الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77] [الحج: 77].
وأما السنة: فإنه نقل ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نقلاً متواترًا.
وأجمعت الأمة على وجوبه.
ويستحب أن يكبر للركوع، فيبتدئ التكبير قائمًا، ويرفع يديه، ويأتي بهما في حالة واحدة، فيكون ابتداء رفع يديه - وهو قائم - مع ابتداء التكبيرة، فإذا حاذى كفاه منكبيه.. انحنى - حينئذ - للركوع، ومد تكبيره، حتى يكون انقضاؤه مع ركوعه؛ لأن الرفع هيئة للتكبير، فلهذا قلنا: يأتي به مع التكبير.
وقال عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير: لا يكبر المصلي، إلا عند افتتاح الصلاة.