البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 524-534

كتاب الصداق

صفحات 524-534
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فمنهم من قال: تأويلها إذا كان له نساء، فأراد النقلة إلى بلد، فنقل واحدة منهن معه، ونقل الباقيات مع وكيله إلى ذلك البلد، فلما وصل إلى ذلك البلد أقام مع التي نقلها.. فعليه أن يقضي للباقيات مدة إقامته مع التي نقلها بعد السفر دون مدة السفر؛ لأن مدة السفر لا تقضى.
وقال أبو إسحاق: تقضى مدة السفر ومدة الإقامة بعده؛ لأنه متى أراد نقل جميعهن.. فقد تساوت حقوقهن، فمتى خص واحدة بالكون معه.. لزمه أن يقضي للباقيات مدة الإقامة معها، كما لو أقام في الحضر معها، بخلاف السفر بإحداهن.
فعلى قول الأول.. يحتاج إلى القرعة.
وعلى قول أبي إسحاق.. لا يحتاج إلى قرعة.

[فرع عنده اثنتان وزف إليه اثنتان معًا وأراد السفر أو سافر بإحداهما ثم تزوج]

]: إذا كان عنده امرأتان، فتزوج باثنتين وزفتا إليه في وقت واحد، وأراد السفر بإحداهن قبل أن يقضي حق العقد.. أقرع بينهن، فإن خرج السفر لإحدى الجديدتين.. سافر بها، ويدخل حق العقد في قسم السفر؛ لأن الأنس يحصل به.
فإذا قدم.. فهل يلزمه أن يقضي للجديدة الأخرى حق العقد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه، كما لو كانتا قديمتين، فسافر بإحداهما بالقرعة.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يلزمه أن يقضيها حق العقد، وهو الصحيح؛ لأنه سافر بالأخرى بعدما استحقت الجديدة حق العقد، فيلزمه قضاؤها، كما لو كان تحته أربع نسوة، فقسم لثلاث منهن، ثم سافر بغير الرابعة بالقرعة قبل أن يقضي للرابعة حقها.
وإن خرجت قرعة السفر لإحدى القديمتين.. سافر بها.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإذا قدم.. قضى حق العقد للجديدتين.
وينبغي أن يكون في ذلك وجهان كالأولى، ولعله أجاب على الأصح.
قال في (الأم): (وإن كان له امرأتان، فسافر بإحداهما بالقرعة، فلما كان في بعض الطريق تزوج بأخرى، فإن سافر بهما.. قضى للجديدة حق العقد، ثم قسم بينها وبين القديمة.
وإن أراد أن يسافر بإحداهما.. أقرع بينهما، فإذا خرج السفر للجديدة.. سافر بها وترك الأخرى، ودخل حق العقد في قسم السفر.
وإن خرج السفر للقديمة.. سافر بها، فإذا رجع..قضى للجديدة حق العقد؛ لأنه سافر بها بعد وجوبه عليه).
وهذا يدل: على صحة قول أبي إسحاق في التي قبلها.

مسألة هبة المرأة قسمها

]: ويجوز للمرأة أن تهب ليلتها لبعض ضرائرها؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج سودة بنت زمعة بعد موت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وكان يقسم لها، فلما كبرت وأسنت.. هم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بطلاقها، فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني ودعني حتى أحشر في جملة أزواجك، وقد وهبت ليلتي لأختي عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فتركها، فكان يقسم لكل واحدة ليلة ليلة ولعائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ليلتين».
إذا ثبت هذا: فإن القبول فيه إلى الزوج؛ لأن الحق له، ولا يصح ذلك إلا برضاه؛ لأن الاستمتاع حق له عليها، ولا يعتبر فيه رضا الموهوبة؛ لأن ذلك زيادة في حقها.
فإن كانت ليلة الواهبة توالي ليلة الموهوبة.. والاهما لها.
وإن كانتا غير متواليتين.. فهل للزوج أن يواليهما من غير رضا الباقيات؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن لها ليلتين، فلا فائدة في تفريقهما.
والثاني: ليس له ذلك، وهو المذهب، ولم يذكر غيره؛ لأنها قائمة مقام الواهبة.
وإن وهبتها لزوجها.. جاز له أن يجعلها لمن شاء من نسائه؛ لأن الحق له.
فإن جعلها لواحدة تلي ليلتها ليلة الواهبة، إما قبلها أو بعدها.. والاهما لها.
وإن جعلها لمن لا تلي ليلتها.. فهل له أن يواليهما لها؟ على الوجهين.
هكذا نقل البغداديون.

وقال المسعودي [في (الإبانة) ]: هل للزوج أن يخص بها بعض نسائه؟ فيه وجهان.
وإن وهبتها لجميع ضرائرها.. صح ذلك، وسقط قسمها، وصارت كأن لم تكن.
فإن رجعت الواهبة في هبة ليلتها.. لم تصح رجعتها فيما مضى؛ لأنها هبة اتصل بها القبض.
ويصح رجعتها في المستقبل؛ لأنها هبة لم يتصل بها القبض.
فإن لم يعلم الزوج برجعتها حتى قسم ليلتها لغيرها.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لم يكن لها بدلها.
فإن أخذت عن ليلتها عوضًا من الزوج.. لم يصح؛ لأنه ليس بعين ولا منفعة لها.
فترد العوض، ويقضيها الزوج حقها؛ لأنها تركت حقها بعوض ولم يسلم لها العوض).

مسألة القسم للإماء

مسألة: [لا يجب القسم للإماء]: وإن كان له جماعة إماء.. لم يجب عليه القسم لهن ابتداء ولا انتهاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] [النساء:3]، فدل على: أنه لا يجب عليه العدل فيما ملكت يمينه.
ولأنه لا حق لها في الاستمتاع، بدليل: أنه لو آلى منها أو ظاهر.. لم يصح، ولو وجدته عنينًا أو مجبوبًا.. لم يثبت لها الخيار.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يعضلهن؛ لئلا يفجرن.
وله أن يفصل بعضهن عن بعض.
والمستحب أن يساوي بينهن).
وإن كان تحته إماء وزوجات، فبات عند بعض إمائه.. لم يجب عليه القضاء؛ لأن قسم الإماء غير مستحق، فهو كما لو بات في المسجد.

وله أن يطوف على إمائه بغسلٍ واحد،، وهو: أن يجامع واحدة بعد واحدة، ثم يغتسل.
وإن كان تحته زوجات.. فله أن يطوف عليهن بغسل واحد إذا حللنه عن ذلك في القسم؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يطوف على نسائه بغسل واحد».
وبالله التوفيق

باب النشوز

إذا ظهر من المرأة أمارات النشوز، بقول أو فعل.. وعظها.
فـ (أمارته بالقول): هو أن يكون من عادته إذا دعاها.. أجابته بالتلبية، وإذا خاطبها.. أجابت خطابه بكلام جميل حسن، ثم صارت بعد ذلك إذا دعاها.. لا تجيب بالتلبية، وإذا خاطبها أو كلمها.. لا تجيبه بكلام جميل.
و (ظهور أمارته بالفعل): هو أن يكون من عادته إذا دعاها إلى الفراش.. أجابته باشة طلقة الوجه، ثم صارت بعد ذلك تأتيه متكرهة.
أو كان من عادتها إذا دخل إليها.. قامت له وخدمته، ثم صارت لا تقوم له ولا تخدمه.
فإذا ظهر له ذلك منها.. فإنه يعظها، ولا يهجرها ولا يضربها.
هذا قول عامة أصحابنا.
وقال الصيمري: إذا ظهرت منها أمارات النشوز.. فله أن يجمع بين العظة والهجران.
والأول هو المشهور؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا النشوز بفعله فيما بعد، ويحتمل أن يكون لضيق صدرٍ من غير جهة الزوج، أو لشغل قلبٍ.
وإن نشزت منه، بأن دعاها إلى فراشه فامتنعت منه، فإن تكرر ذلك الامتناع منها.. فله أن يهجرها، وله أن يضربها.
والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] [النساء: 34].

وإن نشزت منه مرة واحدة.. فله أن يهجرها، وهل له أن يضربها؟ فيه قولان: أحدهما: ليس له أن يضربها- وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لأنها تستحق العقوبة على قدر جرمها؛ بدليل: أنها لا تستحق الهجران لخوف النشوز، فكذلك لا تستحق الضرب بالنشوز مرة واحدة.
فعلى هذا: يكون ترتيب الآية: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]: إذا نشزن، و: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]: إذا أصررن على النشوز.
والثاني: له أن يضربها، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34].
فظاهر الآية: أن له أن يفعل الثلاثة الأشياء لخوف النشوز، فدل الدليل على: أنه لا يهجرها ولا يضربها عند خوف النشوز، وبقيت الآية على ظاهرها إذا نشزت.
ولأنها معصية يحل هجرانها، فأحلت ضربها، كما لو تكرر منها النشوز.
إذا ثبت هذا: فـ (الموعظة): أن يقول لها: ما الذي منعك عما كنت آلفه من برك، وما الذي غيرك، اتقي الله وارجعي إلى طاعتي؛ فإن حقي واجب عليك، وما أشبه ذلك.
و (الهجران): هو أن لا يضاجعها في فراش واحد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: 34].. ولا يهجر بالكلام، فإن فعل.. لم يزد على ثلاثة أيام.
فإن زاد عليها.. أثم؛ لما روي: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى أن يهجر الرجل أخاه فوق ثلاثة أيام»

وأما (الضرب): فقال الشافعي: (لا يضربها ضربًا مبرحًا، ولا مدميًا، ولا مزمنًا، ويتقي الوجه).
فـ (المبرح): الفادح الذي يخشى تلف النفس منه، أو تلف عضو.
و (المدمي): الذي يجرح، فيخرج الدم.
و (المزمن): أن يوالي الضرب على موضع واحد؛ لأن القصد منه التأديب.
ويتوقى الوجه؛ لأنه موضع مجمع المحاسن.
ويتوقى المواضع المخوفة.
قال الشافعي: (ولا يبلغ به حدّا).
ومن أصحابنا من قال: لا يبلغ به الأربعين؛ لأنها كحد الخمر أقل حدود الحد.
ومنهم من قال: لا يبلغ به العشرين؛ لأن العشرين حد في العبد؛ لأنه تعزير.
وليس للزوج أن يضرب زوجته على غير النشوز، بقذفها له أو لغيره؛ لأن ذلك إلى الحاكم.
والفرق بينهما: أن النشوز لا يمكنه إقامة البينة عليه، بخلاف سائر جناياتها.
إذا ثبت هذا: فروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تضربوا إماء الله».
وروي «عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: كنا معشر قريش يغلب رجالنا نساءنا، فقدمنا المدينة، فوجدنا نساءهم تغلب رجالهم، فخالط نساؤنا نساءهم، فذئرن على أزواجهن، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقلت: ذئر النساء على أزواجهن! فأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بضربهن، فأطاف بآل رسول الله نساء كثير كلهن يشتكين أزواجهن، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لقد طاف بآل محمد سبعون امرأة، كلهن يشتكين أزواجهن، وما تجدون أولئك بخياركم».
فإذا قلنا: يجوز نسخ السنة بالكتاب.. فيحتمل أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن ضربهن، ثم نسخ الكتاب السنة يقوله: وَاضْرِبُوهُنَّ، ثم أذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ضربهن موافقًا للكتاب، غير أنه بين أن تركه أولى بقوله: "وما تجدون أولئك بخياركم ". وإن قلنا: إن نسخ السنة لا يجوز بالكتاب.. احتمل أن يكون النهي عن ضربهن متقدمًا، ثم نسخه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأذن في ضربهن، ثم ورد الكتاب موافقًا للسنة في ضربهن.
ومعنى قوله: (ذئر النساء على أزواجهن) أي: اجترأن على أزواجهنِ.
قال الصيمري: وقيل في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228]: سبع تأويلات.
إحداها: أن حل العقدة إليه دونها.
والثاني: أن له ضربها عند نشوزها.
والثالث: أن عليها الإجابة إذا دعاها إلى فراشه، وليس عليه ذلك.
الرابع: أن له منعها من الخروج، وليس لها ذلك.
الخامس: أن ميراثه منها على الضعف من ميراثها منه.
السادس: أنه لو قذفها.. كان له إسقاط حقها باللعان، وليس لها ذلك.
السابع: موضع الدرجة اشتراكهما في لذة الوطء، واختص الزوج بتحمل مؤونة الصداق والنفقة والكسوة وغير ذلك.

مسألة نشوز الزوج

وأما إذا ظهر من الزوج أمارات النشوز، بأن يكلمها بكلام غير لين، أو لا يستدعيها إلى الفراش كما كان يفعل وغير ذلك.. فلا بأس أن تترك له بعض حقها من النفقة والكسوة والقسم؛ تطيب بذلك نفسه، وبذلك ورد قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] [النساء: 28].
قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: (نزلت هذه الآية في امرأة إذا دخلت في السن.. جعلت يومها لامرأة أخرى).
وإن ظهر من الزوج النشوز، بأن منعها ما يجب لها من نفقة وكسوة وقسم وغير ذلك.. أسكنها الحاكم إلى جنب ثقة عدل؛ ليستوفي لها حقها.
وإن ادعى كل واحد منهما على صاحبه النشوز بمنع ما يجب عليه.. أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة عدل؛ لكي يشرف عليهما، فإذا عرف الظالم منهما.. منعه من الظلم.
وإن بلغ ما بينهما إلى الشتم أو إلى الضرب وتخريق الثياب.. بعث الحاكم حكمين ليجمعا بينهما أو يفرقا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: 35] الآية [النساء: 35].
وهل هما وكيلان من قبل الزوجين، أو حكمان من قبل الحاكم؟ فيه قولان: أحدهما: أنهما وكيلان من قبل الزوجين - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لما روى

عبيدة السلماني قال: جاء إلى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رجل وامرأة، ومع كل واحد منهما فئام من الناس - يعني: جماعة - فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها)، ثم قال للحكمين: (أتدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا.. جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا.. فرقتما)، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي، وقال الرجل: أما الجمع: فنعم، وأما الفرقة: فلا، فقال علي: (كذبت: لا والله، لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك)، فاعتبر رضاه.
ولأن الطلاق بيد الزوج، وبدل العوض بيد المرأة، فافتقر إلى رضاهما.
فعلى هذا: لا بد أن يوكل كل واحد منهما الحكم من قبله على الجمع أو التفريق.
والثاني: أنهما حكمان من قبل الحاكم.
وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق، وهو الأشبه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] [النساء: 35]، وهذا خطاب لغير الزوجين، وسماهما الله تعالى حكمين.
فعلى هذا: لا يفتقر إلى رضا الزوجين.
إذا ثبت هذا: فإن الحكمين يخلو كل واحد منهما بأحد الزوجين وينظر ما عنده، ثم يجتمعان ويتشاوران.
فإن رأيا الجمع بينهما.. لم يتم إلا برضاهما.
وإن رأيا التفريق بينهما، فإن رأيا أن يفرقا فرقة بلا عوض.. أوقعها الحاكم من قبل الزوج.
وإن رأيا أنهما يفرقان بينهما بعوض.. بذل الحاكم من قبلها العوض عليها، وأوقع الحاكم من قبل الزوج الفرقة.

والمستحب: أن يكونا من أهلهما؛ للآية.
ولأنهما أعلم بباطن أمرهما.
وإن كان من غير أهلهما.. جاز؛ لأن الحاكم والوكيل يصح أن يكون أجنبيًا.
ولا بد أن يكونا من حرين مسلمين ذكرين عدلين؛ لأنا إن قلنا: إنهما حكمان.
فلا بد أن يكون الحكم بهذه الشرائط.
وإن قلنا: إنهما وكيلان، إلا أنه توكيل من قبل الحاكم.. فلا بد أن يكونا كاملين.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإن قلنا: إنهما حكمان.. فلا بد أن يكونا فقيهين.
وإن قلنا: إنهما وكيلان.. جاز أن يكونا من العامة.
وإن غاب الزوجان أو أحدهما، فإن قلنا: إنهما وكيلان.. صح فعلهما؛ لأن تصرف الوكيل يصح بغيبة الموكل.
وإن قلنا: إنهما حاكمان.. لم يصح فعلهما؛ لأن الحكم لا يصح للغائب وإن صح الحكم عليه؛ لأن كل واحد منهما محكوم له وعليه.
وإن جنا أو أحدهما.. لم يصح فعلهما؛ لأنا إن قلنا: إنهما وكيلان.. بطلت وكالة من جن موكله.
وإن قلنا: إنهما حاكمان.. فإنهما يحكمان للشقاق، وبالجنون زال الشقاق.
وإن لم يرضيا أو أحدهما، فإن قلنا: إنهما حاكمان.. لم يعتبر رضاهما، وإن قلنا: إنهما وكيلان.. لم يجبرا على الوكالة، فينظر الحاكم فيما يدعيه كل واحد منهما، فإذا ثبت عنده.. استوفاه له من الآخر.
وإن كان لهما أو لأحدهما حق على الآخر من مهر أو دين.. لم يصح للحكمين المطالبة به إلا بالوكالة قولا واحدًا، كالحاكم.
وبالله التوفيق

جارٍ التحميل