كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتاب الصداق (الصداق) هو: ما تستحقه المرأة بدلا في النكاح، وله سبعة أسماء: الصداق، والنحلة والأجر، والفريضة، والمهر، والعليقة، والعقر؛ لأن الله تعالى سماه: الصداق، والنحلة، والأجر، والفريضة.
وسماه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: المهر، والعليقة.
وسماه عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: العقر.
يقال: أصدقت المرأة ومهرتها، ولا يقال: أمهرتها.
والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] [النساء: 4]، وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24] [النساء: 24]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237].
وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن مسها.. فلها المهر بما استحل من فرجها».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أدوا العلائق " قيل: وما العلائق؟ قال: " ما تراضى عليه الأهلون».
وقال أمير المؤمنين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: (لها عقر نسائها).
فإن قيل: لم سماه الله تعالى نحلة، و (النحلة): العطية بغير عوض، والمهر ليس بعطية، وإنما هو عوض عن الاستمتاع؟ ففيه ثلاث تأويلات:
أحدها: أنه لم يرد بالنحلة العطية؛ وإنما أراد بالنحلة: من الانتحال، وهو: التدين؛ لأنه يقال: انتحل فلان مذهب كذا، أي: تدين به.
فكأنه تعالى قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] أي: تدينا.
والثاني: أن المهر يشبه العطية؛ لأنه يحصل للمرأة من اللذة في الاستمتاع ما يحصل للزوج وأكثر؛ لأنها أغلب شهوة، والزوج ينفرد ببذل المهر، فكأنها تأخذه بغير عوض.
والثالث: أنه عطية من الله تعالى في شرعنا للنساء؛ لأن في شرع من قبلنا كان المهر للأولياء، ولهذا قال الله تعالى ـ في قصة شعيب وموسى صلى الله على نبينا وعليهما وسلم ـ ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] الآية [القصص: 27].
إذا ثبت هذا: فالمستحب: أن يسمى الصداق في عقد النكاح؛ لما روي:
(أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يتزوج أحدا من نسائه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ -، ولا زوج أحدا من بناته - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - إلا بصداق سماه في العقد).
وروي: «أن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: يا رسول الله، قد وهبت نفسي لك، فصعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصره إليها، ثم صوبه، ثم قال: " ما لي اليوم في النساء من حاجة "، فقام رجل من القوم، فقال: زوجنيها يا رسول الله، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما تصدقها؟ "، قال: إزاري.
قال: " إن أصدقتها إزارك.. جلست ولا إزار لك "، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " التمس شيئا "، فالتمس فلم يجد.
فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " التمس ولو خاتما من حديد "، فالتمس فلم يجد، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أمعك شيء من القرآن؟ "، قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا.
فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " زوجتكها بما معك من القرآن».
ولأنه إذا زوجه بالمهر.. كان أقطع للخصومة.
فإن عقد النكاح بغير صداق.. انعقد النكاح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] الآية [البقرة: 236]، فأثبت الطلاق من غير فرض، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح.
وروى عقبة بن عامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زوج رجلا امرأة، ولم يفرض لها صداقا، فلما حضرته الوفاة قال: إني تزوجتها بغير صداق، وإني قد أعطيتها عن صداقها سهمي بخيبر، فباعته بمائة ألف».
ولأن المقصود في النكاح أعيان الزوجين دون المهر، ولهذا يجب ذكر الزوجين في العقد، وإنما العوض فيه تبع.
بخلاف البيع؛ فإن المقصود فيه العوض، ولهذا لا يجب ذكر البائع والمشتري في العقد إذا وقع بين وكيليهما.
مسألة مقدار الصداق والقنطار
وليس لأقل الصداق حد ـ عندنا ـ بل كل ما يجوز أن يتمول، أو جاز أن يكون ثمنا لشيء، أو أجرة.. جاز أن يكون صداقا.
وبه قال عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وابن المسيب، والحسن، وربيعة، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم.
قال القاضي أبو القاسم الصيمري: ولا يصح أن يكون الصداق نواة أو قشرة بصلة أو قمع باذنجانة أو ليطة أو حصاة، هذا مذهبنا.
وقال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (أقل الصداق: ما تقطع به يد السارق).
إلا أن عند مالك رحمة الله عليه: ما تقطع به يد السارق ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.
وعند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: دينار، أو عشرة دراهم.
فإن أصدقها دون عشرة دراهم.. قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: (كملت العشرة).
وقال زفر - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يسقط المسمى، ويجب مهر المثل.
وقال ابن شبرمة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أقله خمسة دراهم.
وقال النخعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أقله أربعون درهما.
وقال سعيد بن جبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أقله خمسون درهما.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237]. وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أدوا العلائق»، ثم قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والعلائق: ما تراضى عليه الأهلون».
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التمس شيئا».
«التمس ولو خاتما من حديد».
وهذه عمومات تقع على القليل والكثير.
وروي: «أن عبد الرحمن بن عوف أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعليه وضرة ـ أي: صفرة ـ فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مهيم؟ " ـ وهي كلمة استفهام ـ فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار.
فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما سقت إليها؟ "، قال: نواة من ذهب.
فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أولم ولو بشاة».
و (النواة): خمسة دراهم.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «من استحل بدرهمين.. فقد استحل».
وروى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعطى في صداق امرأة ملء كف سويقا أو تمرا.
فقد استحل».
ولأن كل ما جاز أن يكون ثمنا.. جاز أن يكون مهرا، كالمجمع عليه.
وأما أكثر الصداق: فليس له حد، وهو إجماع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: 20] الآية [النساء: 20]، فأخبر: أن القنطار يجوز أن يكون صداقا.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (القنطار: سبعون ألف مثقال).
وقال أبو صالح - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مائة أوقية.
وقال معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ألف ومائتا أوقية).
وقال أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (القنطار: ملء مسك ثور ذهبا).
و (مسك الثور): جلده.
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا معشر الناس، لا تغالوا في صدقات النساء، فوالله: لا يبلغني أحد زاد على مهر أزواج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا جعلت الفضل في بيت المال، فعرضت له امرأة من قريش، فقالت: كتاب الله أولى أن يتبع، إن الله تعالى يعطينا، وتمنعنا يا ابن الخطاب! فقال: أين؟ قالت: قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: 20] الآية [النساء: 20]، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: فليضع الرجل ماله حيث شاء).
وفي رواية أخرى: أنه قال: (كل الناس أفقه من عمر، فرجع عن ذلك).
وروي: (أنه تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، فأصدقها أربعين ألف درهم).
وروي: (أن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما كان يزوج بنات أخيه عبيد الله على صداق عشرة آلاف درهم).
و: (تزوج أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - امرأة وأصدقها عشرة آلاف).
و: (تزوج الحسن بن على - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - امرأة وبعث إليها مائة جارية، ومع كل جارية ألف درهم، ثم طلقها)، وتزوجها رجل من بني تميم، فأصدقها مائة ألف درهم.
وتزوج مصعب بن الزبير بعائشة بنت طلحة، وأصدقها مائة ألف دينار.
قال الشافعي: (والاقتصاد في المهر أحب إلي من المغالاة فيه)؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أعظم النكاح بركة أخفه مؤنة».
وروى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خيرهن أيسرهن مهرا».
وروى صهيب بن سنان: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما رجل أصدق صداقا ونوى أن لا يؤديه.. لقي الله تعالى وهو زان، وأيما رجل ادان دينا ونوى أن لا يؤديه.. لقي الله تعالى وهو سارق».
والمستحب: أن لا يزيد على خمسمائة درهم، وهو صداق أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبناته؛ لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «كان صداق أزواج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبناته اثنتي عشرة أوقية ونشا، أتدرون ما النش؟ نصف أوقية».
و (الأوقية): أربعون درهما؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الأوقية: أربعون درهما» و (النش): عشرون درهما.
فرع الصداق ما اتفقوا عليه أولا ومهر المثل إذا لم يتفقوا
لو تواعدوا في السر على أن الصداق مائة، وعلى أنهم يظهرون للناس أنه ألف.. فقد قال الشافعي في موضع: (المهر مهر السر).
وقال في موضع: (المهر مهر العلانية).
قال أصحابنا البغداديون: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
فالموضع الذي قال: (المهر مهر السر) أراد: إذا عقدوا النكاح أولا بمائة، ثم عقدوا النكاح ثانيا في العلانية بألف.
وحيث قال: (المهر مهر العلانية) أراد: إذا عقدوا النكاح أولا في العلانية بألف، ثم عقدوه ثانيا في السر بمائة.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: في المهر قولان.
والأول هو المشهور.
فإن قال الولي: زوجتك ابنتي بألف، فقال الزوج: قبلت نكاحها بخمسمائة.. وجب لها مهر مثلها؛ لأن الإيجاب والقبول لم يتفقا على مهر واحد.
مسألة الصداق عين أو دين أو منفعة
ويصح أن يكون الصداق عينا أو دينا.
وإذا كان دينا.. صح أن يكون حالا ومؤجلا، فإن أطلق.. كان حالا، كما قلنا في الثمن.
ويصح أن يكون الصداق منفعة يصح عقد الإجارة عليها، كمنفعة العبيد والبهائم والأرض والدور؛ لأنه عقد على المنفعة فجاز بما ذكرناه، كالإجارة.
فرع منفعة الحر عندنا تكون صداقا
ويصح أن تكون منفعة الحر صداقا، كالخياطة والبناء وتعليم القرآن وما أشبه ذلك مما يصح استئجاره عليه.
وبه قال مالك، إلا أنه قال: (يكره ذلك).
وقال أبو حنيفة: (لا يصح).
دليلنا ـ عليه ـ: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] [القصص: 27].
فذكر: أن الرعي صداق في شرع من قبلنا، ولم يعقبه بنكير.
و: «زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المرأة التي وهبته نفسها من الرجل الذي خطبها بما معه من القرآن».
وتقديره: على تعليم ما معه من القرآن؛ لأن القرآن لا يجوز أن يكون صداقا.
ولأن كل منفعة جاز أن تستحق بعقد الإجارة.. جاز أن تستحق بعقد النكاح، كمنفعة العبيد والأرض.
فرع فساد المهر أو كونه ثوبا أو عبدا موصوفا بالذمة
وما لا يصح بيعه كالخمر، والكلب، والخنزير، والسرجين، والمجهول، والمعدوم، وما لم يتم ملكه عليه، والمنافع التي لا يصح الاستئجار عليها.. لا يصح
أن يكون شيء من ذلك صداقا؛ لأنه عوض في عقد فلم يصح فيما ذكرناه، كالبيع والإجارة.
إذا ثبت هذا: فإن عقد النكاح بمهر باطل أو مجهول.. لم يبطل النكاح.
وبه قال أبو حنيفة، وأكثر أهل العلم.
وقال مالك: (لا يصح النكاح).
وحكى المسعودي [في " الإبانة "]: أنه قول للشافعي في القديم وليس بمشهور.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل»، ولم يفصل بين أن يكون المهر صحيحا أو فاسدا.
ولأنه عقد نكاح فلم يبطل بفساد المهر، كما لو تزوجها على دراهم مغصوبة ـ فإن مالكا وافقنا على هذا ـ ولأن النكاح إذا انعقد مع عدم ذكر المهر.. فلأن ينعقد مع فساده أولى.
وإذا عقد النكاح بمهر باطل.. وجب لها مهر مثلها، بالغا ما بلغ.
وبه قال زفر.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: (لها الأقل: من مهر المثل، أو المسمى).
دليلنا: أنها دخلت في العقد على أن يكون لها المسمى، فإذا لم يسم وتعذر رجوعها إلى بضعها.. رجعت إلى قيمته، كما لو اشترى عبدا شراء فاسدا وقبضه وتلف في يده.
وإن تزوجها على عبد أو ثوب موصوف في ذمته.. لزمه تسليم ذلك على ما وصف.
وقال أبو حنيفة وأحمد: (إن شاء.. سلم العبد بصفته، وإن شاء.. دفع قيمته).
وعن أبي حنيفة في الثوب روايتان: إحداهما: كقولنا.
والثانية: هو كالعبد عنده.
دليلنا: أن هذه تسمية صحيحة، فلم يخير بين دفع المسمى وبين دفع قيمته، كالمكيل والموزون.
فرع التزويج بلا مهر أو بأقل من مهر المثل أو غير ذلك
إذا قالت المرأة لوليها: زوجني بلا مهر، فزوجها بلا مهر.. صح النكاح بلا خلاف.
وإن قالت له: زوجني وأطلقت فزوجها بلا مهر، أو أذنت له أن يزوجها بمهر فزوجها بأقل منه أو بغير جنس ما أذنت فيه، أو زوج الأب أو الجد الصغيرة أو الكبيرة البكر بلا مهر أو بأقل من مهر مثلها، أو وكل رجلا ليزوجها فزوجها بلا مهر أو بأقل من مهر مثلها.. فنقل أصحابنا البغداديون: أن النكاح صحيح في جميع هذه المسائل، ولها مهر مثلها.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] هل ينعقد النكاح في جميع هذه المسائل؟ فيه قولان.
قال ومن أصحابنا من قال: لا ينعقد النكاح من الوكيل قولا واحدا؛ لأنه يزوج بالنيابة عن الولي.
والأصح الطريق الأول؛ لأن النكاح الأول لا يفسد ـ عندنا ـ بفساد المهر.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا زوج ابنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها، وكان ذلك مهرا لا ينقص عن أقل المهر وهو عشرة دراهم.. صح المهر).
دليلنا: أن البنت إذا أذنت لعمها بالعقد فزوجها بأقل من مهر مثلها بغير إذنها.. استحقت مهر مثلها، فكذلك الأب والجد.
ولأن الأب والجد لا يجوز لهما أن يبيعا مال الصغيرة بأقل من ثمن مثله، فكذلك لا يجوز لهما تزويجها بأقل من مهر مثلها.
وإن زوج الرجل وليته بأرض أو عرض أو بغير نقد البلد.. فهل يصح المهر؟ لا أعلم فيها نصا، والذي يقتضي القياس: إن كان الولي أبا أو جدا وكانت المنكوحة
صغيرة أو مجنونة.. صح المهر إذا كان قيمة ذلك مثل مهر مثلها، كما يجوز أن يبتاع لها ذلك بمالها.
وإن كان الولي غيرهما من العصبات، أو كان الولي أبا أو جدا والمنكوحة بالغة عاقلة.. لم يصح ذلك المهر إلا إن كان بإذنها ونطقها؛ لأنه لا ولاية له على مالها، وإنما ولايته على عقد النكاح بنقد البلد.
وإن كانت المنكوحة مجنونة وكان وليها الحاكم، ورأى أن يزوجها بشيء من العروض وقيمته قدر مهر مثلها.. صح ذلك؛ لأنه يجوز له التصرف في مالها.
مسألة تزوج على تعليم القرآن أو بعضه
إذا تزوج وأصدقها تعليم القرآن مدة معلومة.. صح ذلك إذا كانت المدة متصلة بالعقد، وتطالبه بالتعليم في تلك المدة على حسب عادة التعليم، ولها أن تطالبه بتعليم ما شاءت من القرآن.
وإن كان الصداق تعليم شيء من القرآن.. فيشترط أن يذكر السورة التي يعلمها.
فإن أصدقها تعليم عشرين آية من سورة كذا ولم يبين الأعشار.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للرجل الذي خطب الواهبة: " ما معك من القرآن؟ "، قال: سورة البقرة والتي تليها، قال: " زوجتكها على أن تعلمها عشرين آية»، ولم يفصل.
والثاني: لا يصح، وهو الأصح؛ لأن الأعشار تختلف.
وأما الخبر: فإنما نقل الراوي جواز تعليم القرآن في الصداق، ولم ينقل عين الصداق، ولا يجوز في صفة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يعقد الصداق على مجهول.
وهل من شرطه أن يبين الحرف الذي يعلمها به، كحرف نافع أو ابن كثير أو غيرهما؟ فيه وجهان، مضى بيانهما في الإجارة.
وإن أصدقها تعليم سورة وهو لا يحفظها، فإن كان على أن يحصل لها تعليمها.. صح ذلك، ويستأجر محرما لها أو امرأة تعلمها، أو يتعلمها هو بنفسه ثم يعلمها.
وإن كان على أن يعلمها بنفسه.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح، كما لو أصدقها ألف درهم في ذمته وهو لا يملك شيئا.
والثاني: لا يصح، كما لو أصدقها خدمة عبد لا يملكه.
وإن أصدقها تعليم سورة، فأتت بامرأة غيرها ليعلمها مكانها.. فهل يلزمه تعليمها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه، كما لو أكترت منه دابة لتركتها إلى بلد فأرادت أن تركبها مثلها.
والثاني: لا يلزمه؛ لأن له غرضا في تعليمها؛ لأنه أطيب له؛ لأنه يلتذ بكلام زوجته ولا يلتذ بكلام غيرها.
ولأنه أصدقها إيقاع منفعة في عين، فلا يلزمه إيقاعها في غيرها، كما لو أصدقها خياطة ثوب بعينه فأتت بثوب غيره ليخيطه.. فلا يلزمه ذلك.
وإن لقنها فحفظت، ثم نسيت.. قال الشيخ أبو حامد: فينظر فيها: فإن علمها دون آية فنسيتها.. لم يعتد له بذلك، وكم القدر الذي إذا علمها إياه خرج من عهدة التعليم؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن أقله آية؛ لأنه يطلق عليه اسم التعليم.
فعلى هذا: إذا علمها آية فنسيها.. لم يلزمه تعليمها إياها ثانيا.
والثاني: أقله سورة؛ لأن ما دونها ليس بتعليم في العادة.
وذكر ابن الصباغ: أنه إذا علمها ثلاث آيات.. سقطت عنه عهدة التعليم وجها واحدا.
وهل تسقط عنه بتعليم آية أو آيتين؟ فيه وجهان.
فرع أصدقها تعليم شعر أو شيئا من التوراة أو الإنجيل لو كانت كتابية
وإن أصدقها تعليم شعر مباح.. صح.
قال المزني: وذلك كقول الشاعر:
يقول المرء فائدتي ومالي... وتقوى الله أفضل ما استفادا
وإن أصدقها تعليم شعر فيه هجو أو فحش.. كان كما لو أصدقها خمرا أو خنزيرا.
وإن تزوج كتابية على أن يعلمها شيئا من القرآن.. فقال الشيخان ـ أبو حامد وأبو إسحاق ـ وأكثر أصحابنا: إن كانت ممن يطمع في إسلامها بذلك.. صح الصداق؛ لأن المشرك إذا جاء مسترشدا وطلب أن يعلم شيئا من القرآن.. جاز تعليمه.
وإن كانت تريده للمباهاة.. لم يصح الصداق؛ لأن فيه ابتذالا للقرآن.
وقال ابن الصباغ: يصح بكل حال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] [التوبة: 6]، ولم يفرق.
ولأنها قد تريد ذلك للمباهاة، فإذا تعلمته.. انتفعت به وأسلمت.
وإن تزوج الكتابي كتابية على أن يعلمها شيئا من التوراة أو الإنجيل.. لم يصح الصداق؛ لأنه محرف مبدل.
فإن ترافعا إلينا بعد التعليم.. فقد سقط عنه المهر.
وإن ترافعا إلينا قبل التعليم.. حكمنا بفساد المهر المسمى، ولزمه مهر مثلها.
وإن تزوج حر مسلمة كتابية على أن يعلمها شيئا من التوراة أو من الإنجيل.. لم يصح؛ لما ذكرناه.
فإن ترافعا إلينا.. حكمنا لها بمهر مثلها، سواء ترافعا قبل التعليم أو بعده؛ لأن المسلم لا يقر على المعصية؛ لأنه يعتقد تحريمها، بخلاف أهل الكتاب، فإنهم يقرون على ذلك؛ لأنهم يعتقدون إباحته.
مسألة ترافع الذميان إلى حاكم مسلم في شأن العقد أو الصداق أو غيره
إذا ترافع ذميان إلى حاكم المسلمين ليحكم بينهما في ابتداء عقد النكاح.. لم يحكم بينهما إلا على الوجه الذي يحكم به بين المسلمين.
فإن كان لها ولي مناسب عدل في دينه.. زوجها بشهادة مسلمين، ويكون ترتيب الولاة كترتيب ولاة المسلمة.
فإن كانت المنكوحة بكرا.. أجبرها الأب أو الجد.
وإن كانت ثيبا.. لم يصح تزويجها إلا بإذنها.
وإن عضلها الولي.. زوجها حاكم المسلمين؛ لأنه يلي عليها بالحكم.
وإن تحاكما في استدامته.. فإنه لا اعتبار بحال انعقاده على أي وجه كان، ولكن ينظر فيها: فإن كانت ممن لا يجوز له ابتداء نكاحها في هذه الحال.. فرق بينهما.
وإن كانت ممن يجوز له ابتداء نكاحها.. أقرهما على نكاحهما وإن كان قد عقد بها بولي غير مرشد أو بغير شهود؛ لأنه عقد قد مضى في الشرك فلا يجوز تتبعه ومراعاته؛ لأن في ذلك إلحاق مشقة وتنفيرا لهم عن الدخول في الطاعة.
وفي هذا المعنى نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] [البقرة: 278]، فأمر بترك ما بقي في أيديهم من الربا وعفا عما قبض في الشرك.
وإن تحاكما في الصداق، أو أسلما وتحاكما، فإن كان قد أصدقها صداقا صحيحا.. حكم بصحته.
وإن أصدقها صداقا فاسدا، كالخمر والخنزير، فإن كانت قد قبضت جميعه في الشرك.. فقد سقط عنه جميعه، وبرئت ذمته من الصداق؛ لأن ما قبض في الشرك لا يجوز نقضه؛ لما ذكرناه من الآية، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] [الأنفال: 38].
وإن كانت لم تقبض منه شيئا.. حكم الحاكم بفساد المسمى، وأوجب لها مهر مثلها من نقد البلد.
وقال أبو حنيفة: (لا يحكم لها إلا بما سمي لها).
دليلنا: أنه لا يمكن أن يحكم عليه بتسليم المسمى؛ لفساده، فحكم لها بمهر صحيح.
وإن قبضت بعضه في حال الشرك وبقي البعض من المهر.. سقط من المهر بقسط ما قبضته من المسمى، ووجب لها من مهر المثل بقسط ما لم تقبضه من المسمى؛ لأنها لو قبضت الجميع.. لم يحكم لها بشيء، ولو لم تقبض شيئا.. لحكم لها بمهر مثلها، فإذا قبضت البعض وبقي البعض.. قسط مهر المثل على المقبوض وعلى ما لم يقبض.
إذا ثبت هذا: فإن كان أصدقها عشرة أزقاق خمرا، فقبضت منها بعضها.. نظرت: فإن كانت متساوية لا يفضل بعضها على بعض.. قسم المهر على أعدادها، فإن قبضت خمسة.. سقط عنه نصف المهر، ووجب لها نصف مهر مثلها.
وإن كانت مختلفة.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: أن المهر يقسط على أعدادها؛ لأنه لا قيمة للخمر، فاستوى الصغير والكبير.
والثاني: يقسط على كيلها.
قال ابن الصباغ: وهو الأقيس؛ لأنه يمكن اعتبار كيلها.
وإن أصدقها عشرة خنازير، أو عشرة كلاب وقبضت منه خمسة.. ففيه ثلاثة أوجه:
والأول: قال أبو إسحاق: يعتبر بالعدد، سواء في ذلك الصغير والكبير، فيسقط نصف المهر، ويجب لها نصف مهر مثلها؛ لأن الجميع لا قيمة له، فكان الجميع واحدا.
والثاني: يعتبر التفاوت فيها، فيضم صغيران ويجعلان بإزاء كبير، أو صغير وكبير ويجعلان بإزاء أوسطهن، ويقسط المهر على ذلك.
والثالث ـ وهو قول أبي العباس: ـ أنه يقال: لو كانت هذه الخنازير أو الكلاب مما يجوز بيعها.. كم كانت قيمتها؟ فيقسط المهر على ذلك؛ لأنه لا يمكن اعتبارها بأنفسها فاعتبرت بغيرها، كما قلنا في الجناية على الحر التي لا أرش لها مقدر: فإنها تعتبر بالجناية على العبد.
قال القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق: فعلى هذا: تقدر لو كانت غنما؛ لأنها أقرب إليها.
قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأن الغنم ليست من جنس الخنازير والكلاب فتعتبر بها، بخلاف الحر والعبد.
وينبغي على هذا: أن تقوم بما يتبايعونها بينهم؛ لتقدر بذلك ـ لا أن لها قيمة في الشرع ـ كما تقدر أن لو جاز بيعها.
وإن أصدقها عشرة خنازير وخمسة كلاب وزق خمر، فقبضت بعض ذلك.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يقسم المهر على عدد الأجناس، فيجعل كل جنس بإزاء ثلث المهر، ثم يقسط الثلث على كل جنس على ما مضى.
والثاني: يقسط المهر على العدد، فيخص الخنازير عشرة أجزاء من ستة عشر جزءا من المهر، ويخص الكلاب خمسة أجزاء، ويخص الخمر جزء.
والثالث: يعتبر كل جنس بما يجوز بيعه من الأعيان، فيقسط المهر على قيمة ذلك.
وعلى قول ابن الصباغ: يعتبر كل جنس بما يتبايعونه بينهم في العادة.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: فإن تبايع مشركان ألف درهم بألفي درهم، فإن أسلما قبل التقابض.. سقط الربح دون رأس المال.
وإن أسلما بعد التقابض.. لم يتعرض لهما.
وإن قبض منه ألفا ثم أسلما.. سئل المقبض، فإن قال: أقبضت بنية أصل المال.. سقط الربح.
وإن قال: لم تكن لي نية.. ففيه وجهان:
أحدهما: يوزع عليهما، ويجب عليه خمسمائة درهم.
والثاني: يقال له: اصرف الألف المقبوضة إلى أيهما شئت.
وإن تقابض المشركان في ذلك بحكم حاكمهم.. ففيه وجهان:
أحدهما: حكمه حكم ما لو تقابضاه بغير حكم حاكمهم؛ لأنه قد وجد القبض في الشرك، فهو كما لو تقابضاه بأنفسهما.
والثاني: لا يصح القبض؛ لأنه إذا قبضه بحكم حاكمهم.. صار كأنه أكره على القبض، فلم يتعلق به حكم.
مسألة يستحب أن يعتق الجارية ثم يتزوجها
يستحب للرجل إذا ملك جارية ذات جمال أن يعتقها ثم يتزوجها؛ لما روى أبو موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين: عبد أدى حق الله تعالى وحق مواليه، ورجل كانت عنده جارية وضيئة، فأدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها، ثم تزوجها يبتغي بذلك وجه الله تعالى، ورجل آمن بالكتاب الأول، ثم جاء الكتاب الآخر فآمن به».
إذا ثبت هذا: فإن قالت الأمة لسيدها: أعتقني على أن أتزوجك ويكون عتقي صداقي فأعتقها، أو قال الرجل لأمته: أعتقتك على أن تتزوجي بي ويكون عتقك صداقك، فقالت: قبلت.. عتقت ولا يلزمها أن تتزوج به.
وقال الأوزاعي: (يلزمها أن تتزوج به، فإن لم تفعل.. يجبرها الحاكم).
وقال أحمد رحمة الله عليه: (إذا كان ذلك بحضرة شاهدين.. انعقد النكاح بذلك؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعتق صفية وجعل عتقها صداقها»، ولم ينقل أكثر من ذلك، وقد كانت صفية زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
دليلنا ـ على الأوزاعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ـ: أنه سلم في عقد فلم يصح، كما لو قال: أسلفتك هذه الألف على أن تتزوجي بي.
ولأن ما يثبت في الذمة فعل أو عين، فـ (الفعل): كالخياطة والبناء وما أشبهه من الأفعال.
و (العين): أن يسلم إليه في ثوب موصوف أو غيره.
وأما العقود: فلا تثبت في الذمة بحال، ألا ترى أنه لو قال: خذ هذه الدراهم على أن تبيعني دارك.. لم يصح؟
ودليلنا ـ على أحمد رحمة الله عليه ـ: أن العتق يزيل ملك السيد عن الاستمتاع بأمته، فلا يجوز أن يزول ملكه عن استمتاعها بحق الملك، ويملك استمتاعها بحق النكاح، كما لا يستبيح استمتاعها ببيعها.
وأما خبر صفية: فقد روي: «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعتق صفية، وتزوجها» وهذا أزيد، فكان الأخذ به أولى.
وإن ثبت الرواية أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.. فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مخصوص بذلك دون غيره.
واختلف أصحابنا في موضع تخصيص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من هذا:
فقال أبو إسحاق: موضع التخصيص منه: أن غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أعتق جارية بشرط أن تتزوج به، أو أعتقها مطلقا.. لم يجز له أن يتزوجها إلا بمهر، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أعتق جارية بشرط أن تتزوج به، أو أعتقها مطلقا.. جاز له أن يتزوجها بغير مهر؛ لأن نكاح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجوز أن يخلو عن المهر، فموضع تخصيصه: خلو نكاحه عن المهر.
فقول الراوي: «أعتق صفية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وجعل عتقها صداقها»، يعني: لم يجعل لها شيئا غير العتق.
ومن أصحابنا من قال: موضع تخصيصه من هذا: أن غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أعتق أمة بشرط أن تتزوج به.. لم يلزمها أن تتزوج به وإذا أعتق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمة بشرط أن تتزوج به.. لزمها أن تتزوج به.
ومنهم من قال: موضع التخصيص: أن غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أعتق أمة بشرط أن تتزوج به، ثم أراد أن يتزوج بها على قيمتها.. فلا بد أن يكونا عالمين بقدر قيمتها؛ لأن المهر المجهول لا يصح.
والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أعتق أمة بشرط أن تتزوج به.. جاز له أن يتزوج بها على قيمتها وإن كانا لا يعلمان قدرها؛ لأن الجهل بالمهر ليس بأكثر من عدمه.
إذا ثبت هذا: وأنه لا يلزمها أن تتزوج به، فرضيت بأن تتزوج به.. لم يجبر السيد عليه؛ لأنه إذا لم يلزمها ذلك.. لم يجبر السيد على قبوله، كما لو أعتقها على خمر أو خنزير، ويلزمها قيمتها لسيدها.
وحكي عن مالك وزفر - رحمة الله عليهما -: أنهما قالا: (لا يلزمها).
دليلنا: أنه أزال ملكه عن رقبتها ببدل، ولم يسلم له ذلك البدل، ولا يمكنه الرجوع إلى رقبتها، فرجع إلى قيمتها - كما لو ابتاع عبدًا بعوض محرم وتلف العبد في يده - وتعتبر قيمتها يوم العتق؛ لأنه وقت زوال ملكه عنها.
فإن لم يتراضيا على تزويجها.. طالبها بقيمتها إن كانت موسرة بها، وإن كانت معسرة.. أنظرها إلى يسارها.
وإن تراضيا على تزويجها بغير قيمتها، فتزوجها به.. صح، واستحقت عليه المهر، واستحق عليها القيمة.
فإن كانا من نقد واحد في الذمة.. فهل يسقط ما استويا فيه من ذلك؟ على الأربعة الأقوال في المقاصة.
وإن تزوجها على قيمتها وهما يعلمان قدر قيمتها.. صح النكاح والصداق، كما لو تزوج رجل امرأة على دين له في ذمتها، فإذا انعقد النكاح.. سقطت القيمة من ذمتها، ولم تستحق عليه مهرًا.
وإن كانا لا يعلمان قدر القيمة.. فهل يصح الصداق؟ فيه وجهان:
(أحدهما): قال أبو علي بن خيران: يصح، كما لو تزوجها على عبد لا يعرفان قدر قيمته.
و (الثاني): قال أكثر أصحابنا: لا يصح الصداق، وهو الصحيح؛ لأن الصداق غير القيمة، والقيمة مجهولة عندهما فلم يصح، كما لو تزوجها على ثوب مجهول.
ويخالف العبد؛ فإن عينه معلومة عندهما، فلا يضر الجهل بقيمته، كما لو اشترى عبدًا عرف عينه ولم يعرف قيمته.
فرع علق عتق أمته على الزواج بها وعكسه
): قال ابن الصباغ: إذا قال لأمته: أنا أعتقك على أن أتزوج بك، أو تزوجيني نفسك، فقبلت.. عتقت، ووجب له عليها قيمتها؛ لأنه شرط عليها النكاح في مقابلة العتق.
وإذا أراد حيلة يعتق بها أمته ويلزمها أن تتزوج به، فقال: أعتقك على أنه إن كان في معلوم الله - تعالى - أني أتزوجك بعد عتقك، أو قال لها: إن كان في معلوم الله - تعالى - أني إذا أعتقتك تزوجت بك، فأنت حرة، ثم تزوجها.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو علي بن خيران: يصح النكاح وتعتق؛ لأنه إذا تزوجها بعد هذا القول.. تبينا أنها كانت في معلوم الله حرة حين عقد النكاح، فصح النكاح.
وقال أكثر أصحابنا: لا يصح النكاح ولا تعتق؛ لأنه حالما يعقد عليها النكاح يشك: أنها مملوكة له أو ليست بمملوكة له، وعقد النكاح لا يصح على من يشك في صحة نكاحها، وإذا لم يصح عقد النكاح.. لم يوجد شرط العتق.
فرع علقت عتق العبد على الزواج به وعكسه
): وإن قالت امرأة لعبدها: أعتقك على أن تتزوج بي فقبل العبد، أو قال لها: أعتقيني بشرط أن أتزوج بك، فأعتقته.. عتق، ولا يلزمه أن يتزوج بها؛ لما ذكرناه في الأمة، ولا يلزم العبد لمولاته قيمته؛ لأنها لم تشرط عليه في مقابلة العتق شيئًا تملكه عليه، وإنما شرطت له أن تملكه مع رقبته شيئا، فهو كما لو قالت له: أعتقتك على أن أزيدك مائة درهم.
فرع قال له أعتق عبدك عني أو عن نفسك أزوجك ابنتي
إذا قال رجل لآخر: أعتق عبدك عني على أن أزوجك ابنتي، فأعتقه عنه.. عتق عن السائل، وله ولاؤه، ولا يلزمه تزويجه ابنته؛ لأنه سلف في عقد، ويلزم السائل لمالك العبد قيمة العبد؛ لأنه لم يسلم له ما شرط له.
وإن قال له: أعتق عبدك عن نفسك على أن أزوجك ابنتي، فأعتقه.. عتق العبد على سيده، وله ولاؤه، ولا يلزم السائل تزويج ابنته مولى العبد؛ لأنه سلف في عقد.
وهل يلزم السائل قيمة العبد لسيده؟ فيه وجهان، مأخوذان من القولين فيمن قال لآخر: أعتق عبدك عن نفسك على أن أدفع لك مائة درهم، فأعتقه.. فهل تلزمه المائة؟ فيه قولان:
أحدهما: تلزمه المائة؛ لأنه أعتقه بعوض بذل له، فلزم الباذل ما بذله، كما لو قال له: أعتق عبدك عني على مائة، وكما لو قال لآخر: طلق امرأتك ولك مائة درهم.
فعلى هذا: يلزم الطالب هاهنا قيمة العبد.
والثاني: لا تلزمه المائة، وهو الصحيح؛ لأنه بذل له العوض على ما لا منفعة له فيه، فلم يلزمه العوض، كما لو اشترى ما لا منفعة فيه.
ويخالف إذا قال: أعتق عبدك عني؛ فإنه يحصل له الثواب والولاء، وفي الزوجة قد يكون له غرض في أن يتزوجها أو يعلمها على نكاح باطل، فيريد تخليصها.
فعلى هذا: لا يلزم الطالب هاهنا قيمة العبد.
[مسألة عقد على أن لها ألفًا، وألفًا لأبيها أو لأبيها وأمها]
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإذا عقد النكاح بألف على أن لأبيها ألفًا.. فالمهر فاسد).
وجملة ذلك: أنه إذا تزوج امرأة بألف على أن لأبيها أو لعمها ألفًا أخرى.. فالنكاح صحيح، والمهر فاسد، وله مهر مثلها.
وإنما صح النكاح؛ لأنه لا تفتقر صحته إلى صحة المهر.
وإنما فسد المهر؛ لأن قوله: (على أن لأبيها ألفًا)، إن أراد: أن ذلك هبة منه لأبيها.. فهذا شرط غير لازم له.
وإن أراد أن جميع الألفين صداق لها - والصداق لا يستحقه غير الزوجة - فإذا فسد الشرط.. سقط المهر وقد نقصت المرأة من صداقها جزءًا لأجل الشرط، وإذا سقط الشرط.. وجب أن يرد إلى المهر الجزء الذي نقصته لأجل الشرط وذلك مجهول، والمجهول إذا أضيف إلى معلوم.. صار الجميع مجهولًا.
ولو أصدقها صداقًا مجهولًا.. لم يصح، ووجب لها مهر مثلها بالغًا ما بلغ.
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم: (إذا تزوجها على ألف على أن لأبيها ألفًا ولأمها ألفًا.. صح النكاح، واستحقت الثلاثة الآلاف، ولا شيء للأم والأب)، وبه قال مالك.
قال أبو علي بن أبي هريرة: ويجيء على هذا: أن الألفين في الأولى للزوجة، وهذا مخالف لما نقله المزني وذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم " في التي قبلها.
والأول أصح؛ لأنه إنما أصدقها ألفا لا غير، وما شرطه لأبيها وأمها لا يستحقانه ولا تستحقه الزوجة؛ لما قدمناه في التي قبلها.
إذا ثبت هذا، فقد ذكر المزني بعد الأولى: ولو نكح امرأة على ألف وعلى أن يعطي أباها ألفًا.. كان جائزًا، ولها منعه وأخذها منه؛ لأنها هبة لم تقبض أو وكالة.
قال أصحابنا: أخطأ المزني في النقل؛ ولا فرق بين هذه والأولى، ويكون المهر فاسدًا، وإنما نقل المزني جواب مسألة ثالثة ذكرها الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم " (5/65): (وهو: إذا تزوجها بألفين على أن تعطي أباها منهما ألفًا.. فيكون المهر جائزًا؛ لأنها قد ملكت الألفين بالعقد، وما شرطه عليها من دفعها لأبيها ألفًا لا يلزمها؛ لأنه إن كان هبة منها.. فلا تلزم عليها قبل القبض، أو على سبيل الوكالة منها لأبيها في القبض وذلك لا يلزم عليها، وإذا لم يلزمها.. سقط، ولا يؤثر ذلك في المهر؛ لأن المرأة لم تنقص من مهرها شيئًا لأجل هذا الشرط، ولأن الزوج زاد في مهرها لكي تعطي أباها؛ لأنه لا منفعة له في ذلك).
قال الشيخ أبو حامد: وكذلك إذا أصدقها ألفين على أن يعطي الزوج منهما ألفًا لأبيها.. لم يؤثر ذلك؛ لأن ذلك هبة منها أو توكيل في قبضها، والتصرف لها، لا حق للزوج في ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: ومعنى هذا عندي: أنه لم يرد به الشرط، وإنما أراد به: أنه تزوجها على ألفين على أن لها أن تعطي أباها ألفًا.. أو يعطي هو أباها ألفًا، فالحكم ما ذكرناه.
وأما إذا خرج ذلك مخرج الشرط: فينبغي أن يفسد المهر؛ لأنه لم يملكها المهر ملكًا تامًا؛ لأنه إذا شرط أن يعطي بعضه لغيرها.. فلم يملكها ملكًا تامًا، فبطل.
وقد حكى الصيمري هذا عن بعض أصحابنا، ثم قال الصيمري: وهذا هو قياس
التحقيق: أن لو كان من عقود المعاوضات وما الغرض فيه الغبن، فأما ما هو خلاف ذلك.. فلا.
فرع لا يضر شرط من مقتضى العقد
): إذا تزوج امرأة بألف على أن يطأها ليلًا ونهارًا، أو على أن ينفق عليها ويكسوها ويسافر بها، أو على أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه.. صح ذلك، ولم يؤثر في الصداق؛ لأن ذلك من مقتضى العقد.
وإن شرط على أن له أن يتزوج عليها، أو يتسرى عليها.. صح ولم يؤثر؛ لأنه لا ينافي مقتضاه.
وإن تزوجها بمائة على أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرى عليها، أو على أن لا يسافر بها، أو على أن لا تكلم أباها أو أمها، أو على أن لا يكسوها، أو على أن لا ينفق عليها، أو على أن لها أن تخرج من بيتها متى شاءت.. فالنكاح صحيح، والشرط والمهر فاسدان.
وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمة الله عليهما.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (الشرط صحيح، ومتى لم يف لها به.. ثبت لها الخيار في فسخ النكاح).
وروى ذلك عن عمر، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، وأبي الشعثاء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى.. فهو باطل» وهذا الشرط ليس في كتاب الله.
ويجب لها مهر مثلها؛ لأنها تركت لأجل الشرط جزءًا من المهر، فإذا سقط الشرط.. وجب رد الجزء وهو مجهول، وإذا صار الصداق مجهولًا.. وجب لها مهر المثل.
وقال أبو علي بن خيران: يجب لها أقل الأمرين: من المسمى، أو مهر المثل.
والمذهب الأول؛ لأن المسمى قد سقط اعتباره، وإنما الاعتبار بمهر المثل.
وإن تزوجها على ألف إن لم يخرجها من بلدها، وعلى ألفين إن أخرجها.. فالمهر فاسد، ويجب لها مهر مثلها.
وقال أبو حنيفة: (إن وفى لها بالشرط الأول.. كان لها الألف، وإن لم يف لها.. كان لها مهر مثلها).
وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان.
دليلنا: أنه دخل في العقد على التخيير بين عوضين، فكان العوض فاسداَ، كما لو قال: بعتك بألف نقدًا وبألفين نسيئة.
فرع الشرط المنافي لعقد النكاح يبطله
): إذا اشترطت المرأة على الزوج حال العقد أن لا يطأها، أو على أن يطأها في الليل دون النهار، أو على أن لا يدخل عليها سنة.. بطل النكاح؛ لأن ذلك شرط ينافي مقتضى العقد.
وإن شرط الزوج ذلك عليها في العقد.. لم يبطل النكاح؛ لأن ذلك حق له يجوز له تركه، فلم يؤثر شرطه، ولا يلزمه الوفاء بالشرط؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى.. فهو باطل».
وهذا ليس في كتاب الله، فكان باطلًا.
فرع شرط الخيار في عقد النكاح أو في الصداق
): إذا تزوج امرأة بمهر وشرط خيار المجلس، أو خيار الثلاث في عقد النكاح.. فسد النكاح؛ لأن النكاح لا يقع إلا لازمًا، فإذا شرط فيه الخيار.. نافى ذلك مقتضاه، فأبطله.
وإن شرط الخيار في الصداق.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " المختصر ": (كان المهر فاسدًا).
وظاهر هذا: أن النكاح صحيح.
وقال في " الإملاء ": (إن المهر والنكاح باطلان).
واختلف أصحابنا فيهما:
فمنهم من قال: هي على حالين:
فحيث قال: يبطلان.. أراد إذا شرط الخيار في النكاح والمهر، أو في النكاح وحده.
وحيث قال: لا يبطل النكاح.. أراد إذا شرط الخيار في المهر وحده.
ومنهم من قال: إذا شرط الخيار في المهر وحده.. فهل يصح النكاح؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه أحد عوضي النكاح، فبطل النكاح بشرط الخيار فيه، كما لو شرطه في البضع.
والثاني: يصح النكاح، وهو الصحيح؛ لأنه لو جعل الصداق خمرًا أو خنزيرًا.. لم يفسد النكاح، فلأن لا يفسد إذا شرط الخيار في المهر أولى.
فإذا قلنا بهذا: ففي المهر والخيار.. ثلاثة أوجه حكاها الشيخ أبو حامد:
أحدها: أن المهر والخيار صحيحان؛ لأن المهر كالثمن في البيع، فلما ثبت جواز الخيار في الثمن.. ثبت جوازه في المهر.
والثاني: أن المهر صحيح والخيار باطل؛ لأن المقصود هو الصداق، والخيار تابع، فثبت المقصود وبطل التابع.
والثالث: أن المهر والخيار باطلان، وهو المنصوص؛ لأن الخيار لما لم يثبت في المعوض، وهو البضع.. لم يثبت في العوض، وإذا سقط الخيار.. فقد ترك لأجله جزء من المهر، فيجب رده وذلك مجهول، وإذا كان المهر مجهولًا.. وجب مهر المثل.
قال الشيخ أبو حامد: والوجهان الأولان يساويان استمتاعهما.
فرع عيب المهر يثبت خيار الرد
): ويثبت في الصداق خيار الرد بالعيب المتفاحش، واليسير مما يعد عيبًا في مثله.
وقال أبو حنيفة، وصاحباه - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: (يرد بالمتفاحش دون اليسير).
دليلنا: أن إطلاق العقد يقتضي سلامة المهر من العيب، فإذا رد بالمتفاحش.. رد باليسير، كالمبيع.
مسألة تملك المهر الصحيح عندنا بنفس العقد وحكم قبض وليها له
): وتملك المرأة جميع المهر المسمى لها بنفس العقد إن كان ما سماه صحيحًا، وإن كان باطلًا.. ملكت مهر المثل.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال مالك: (تملك نصف المسمى بالعقد، والنصف الباقي أمانة في يدها للزوج، فإن دخل بها.. استقر ملكها على الجميع).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] [النساء: 4]، فلولا أنهن ملكنه.. لما أمر بتسليمه إليهن.
ولأنه عوض في مقابلة معوض، فملك في الوقت الذي يملك به المعوض، كالأثمان في البيع.
وإن كانت المنكوحة صغيرة، أو كبيرة مجنونة، أو سفيهة.. فللأب أو الجد أن يقبض صداقها؛ لأن له ولاية على مالها.
وإن كانت بالغة عاقلة رشيدة.. سلم المهر إليها أو إلى وكيلها، وليس لوليها قبضه بغير إذنها.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب أو الجد.. جاز له أن يقبض المهر بغير إذنها؛ لأنه إذا جاز له العفو عنه.. فلأن يجوز له قبضه أولى.
والأول أصح؛ لأنه إنما يجوز له العفو على هذا القول عن مهر الصغيرة أو المجنونة، فأما الكبيرة العاقلة: فليس له العفو عن مهرها بلا خلاف.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إن كانت المنكوحة ثيبًا.. لم يكن للأب أو الجد قبض صداقها بغير إذنها.
وإن كانت بكرًا.. فله قبض صداقها بغير إذنها إلا أن تنهاه عن قبضه).
دليلنا: أنها بالغة رشيدة، فلم يكن له قبض صداقها بغير إذنها، كالثيب.
[فرع متى تجبر الزوجة على تسليم نفسها باعتبار المهر حالًا أو مؤجلًا]
؟): إذا كان الصداق حالًا فطالبته الزوجة بتسليمه، فقال الزوج: لا أجده، وطلب الزوج إمهاله إلى أن يجمعه، وطالب بتسليم الزوجة إليه.. لم تجبر الزوجة على تسليم نفسها إليه، إلا أن يجمع صداقها ويسلمه إليها؛ لأن المهر في مقابلة البضع وعوض عنه، فإذا امتنع الزوج من تسليم العوض.. لم تجبر المرأة على تسليم المعوض، كما لا يجبر البائع على تسليم المبيع إذا امتنع المشتري من تسليم الثمن.
فإن قال الزوج: لا أسلم الصداق حتى تسلم الزوجة نفسها.
وقالت الزوجة: لا أسلم نفسي حتى يسلم إليَّ الصداق.. فقد ذكرنا فيمن اشترى سلعة بثمن في ذمته، فقال البائع: لا أسلم السلعة حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أقبض السلعة ثلاثة أقوال مشهورة:
أحدها: لا يجبر واحد منهما على التسليم، بل أيهما تطوع بالتسليم.. أجبر الآخر.
والثاني: أنهما يجبران معًا، فيجبر البائع على تسليم السلعة إلى عدل، ويجبر المشتري على تسليم الثمن إلى عدل، ثم تسلم السلعة إلى المشتري، والثمن إلى البائع، وبأيهما بدأ.. جاز.
والثالث: أن البائع يجبر على تسليم السلعة إلى المشتري، ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إلى البائع.
وأما الصداق: فلا يجيء فيه إلا القولان الأولان:
أحدهما: لا يجبر واحد منهما على التسليم، بل يقال لهما: أيكما تطوع بالتسليم.. أجبرنا الآخر على التسليم.
والثاني: يجبر الزوج على تسليم الصداق إلى عدل، فإذا حصل الصداق في يد عدل.. أجبرت الزوجة على تسليم نفسها إلى الزوج.
ولا يجيء في هذا القول: أن تسلم المرأة نفسها إلى عدل، كما قلنا في البائع؛ لأن معنى قولنا: (تسلم نفسها) نعني به: ليطأها الزوج، وهذا لا يحصل بتسليمها نفسها إلى العدل.
وسقط هاهنا القول الثالث في البيع، وهو قولنا: يجبر البائع أولًا على تسليم السلعة إلى المشتري؛ لأنا إذا أجبرنا البائع على تسليم السلعة.. أخذ الثمن من المشتري إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا.. حجر على المشتري في السلعة وفي جميع أمواله إلى أن يسلم الثمن.
والزوجة هاهنا بمعنى البائع، فلو أجبرناها على تسليم نفسها - وهو: تمكينها الزوج من وطئها - ربما أتلف ماله بعد وطئها، أو أفلس وقد أتلف بُضعَها؛ لأنه لا يتأتى فيها ما ذكرناه في السلعة.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي (في " الإبانة "): بل في الصداق ثلاثة أقوال أيضًا:
أحدها: لا يجبران.
والثاني: يجبران؛ بأن يوضع الصداق على يد عدل، وتجبر المرأة على التمكين.
والثالث: يجبر الزوج.
والأول هو المشهور.
فإذا قلنا لا يجبران.. لم تجب لها عليه نفقه في حال امتناعها؛ لأن الزوج لا يختص بالامتناع.
وإن قلنا: يجبر الزوج أولًا.. فلها النفقة في حال امتناعها قبل تسليم الزوج المهر؛ لأن المنع من جهته.
فإن تبرعت المرأة وسلمت نفسها إليه ووطئها الزوج.. لم يكن لها أن تمتنع بعد
ذلك، بل يجبر الزوج على تسليم الصداق إن كان موسرًا.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (لها أن تمتنع بعد ذلك حتى تقبض صداقها).
دليلنا: أن التسليم الأول تسليم استقر به المسمى برضاها، فلم يكن لها الامتناع بعد ذلك، كما لو سلم البائع السلعة قبل قبض الثمن ثم أراد أخذها.
وإن أكرهها الزوج فوطئها.. فهل لها أن تمتنع بعد ذلك إلى أن تقبض المهر؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة ":
أحدهما: لها أن تمتنع؛ كما لو قبض المشتري العين المبيعة وأكره البائع على ذلك قبل قبض الثمن.
والثاني: ليس لها أن تمتنع؛ لأن المهر قد تقرر بذلك، والبائع إذا استرد المبيع.. ارتفع التقرير.
وإن كان الصداق مؤجلًا، فطلب الزوج تسليمها إليه قبل حلول الأجل.. لم يكن لها أن تمتنع.
فإن امتنعت.. أجبرت؛ لأنها رضيت بتأخير حقها إلى الأجل، فلم يكن لها الامتناع من التسليم، كما لو باع سلعة بثمن مؤجل.. فليس له الامتناع من تسليمها قبل حلول الأجل.
فإن تأخر تسليمها لنفسها حتى حل الأجل.. فهل لها الامتناع إلى أن تقبض الصداق؟ فيه وجهان:
(أحدهما): قال الشيخ أبو حامد: ليس لها أن تمتنع؛ لأن التسليم مستحق عليها قبل المحل، فلم يسقط ما وجب عليها بحلول دينها.
و (الثاني): قال القاضي أبو الطيب: لها أن تمتنع.
قال: وقد ذكر المزني في " المنثور ": أنه إذا باع سلعة بثمن مؤجل، فلم يقبض السلعة حتى حل الأجل.. فإن للبائع الامتناع من تسليم السلعة حتى يقبض الثمن.
ووجهه: أن لها المطالبة بالمهر، فكان لها الامتناع، كما لو كان حالًا.
وإن كان بعض الصداق مؤجلًا وبعضه حالًا.. فلها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض الحال منه، كما لو كان جميعه حالًا.
فإذا قبضت الحال منه.. لم يكن لها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض المؤجل، كما لو كان جميعه مؤجلًا.
مسألة تصرف الزوجة بالصداق قبل قبضه
): إذا كان الصداق عينا فأرادت الزوجة أن تتصرف فيها بالبيع أو الهبة وما أشبههما قبل القبض.. لم يصح.
وقال بعض الناس: يصح.
دليلنا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع ما لم يقبض».
وهذا لم يقبض.
وإن كان الصداق دينًا في الذمة.. فهل يصح لها أن تبيعه قبل قبضه؟ فيه قولان، كالثمن في الذمة.
وهذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي (في " الإبانة "): إذا أرادت بيع الصداق قبل أن تقبضه.. فهل يصح بيعها له؟ فيه قولان:
إن قلنا: إنه مضمون في يد الزوج ضمان العقد.. لم يصح.
وإن قلنا: ضمان اليد.. صح، وأراد بذلك إذا كان الصداق عينًا.
مسألة الصداق العين مضمون على الزوج حتى يدفعه
): وإذا أصدق الرجل امرأته عينا معينة، إما عبدًا أو ثوبًا.. فإنها تكون مضمونة على الزوج ما لم تقبضها الزوجة؛ لأنها مضمونة عليه بعقد معارضة فكانت مضمونة، كالمبيع.
فإن قبضتها الزوجة.. سقط الضمان عنه، وصار ضمانها على الزوجة.
وإن هلكت العين في يد الزوج قبل أن تقبضها الزوجة.. سقط حقها من العين؛ لأنها قد تلفت ولا يبطل النكاح؛ لأن النكاح ينعقد بغير مهر، فلا يبطل بتلف الصداق، ويجب على الزوج ضمان الصداق للزوجة؛ لأنا قد تبينا أنه مضمون عليه إلا أن تقبضه الزوجة.
وفيما يضمنه به قولان:
(أحدهما): قال في الجديد: (ترجع عليه بمهر مثلها) - وهو اختيار المزني، وأبي إسحاق المروزي، والقاضي أبي الطيب - لأنه عوض معين تلف قبل القبض، وتعذر الرجوع إلى المعوض، فوجب الرجوع إلى بدل المعوض، لا إلى بدل العوض، كما لو اشترى عبدًا بثوب، وقبض العبد وتلف العبد، والثوب عنده.. فإنه يجب عليه قيمة العبد لا قيمة الثوب.
فقولنا: (عوض معين) احتراز من العوض في الذمة.
وقولنا: (تعذر الرجوع إلى المعوض به)؛ لأن الشرع قد منع الزوجة من الرجوع إلى بُضعِها بتلف الصداق، فرجعت إلى بدله.
وفيه احتراز من المبيع إذا تلف قبل القبض والثمن باق.
و (الثاني): قال في القديم: (ترجع عليه ببدل العين التالفة) - وهو قول أبي حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهما، واختيار الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ - لأن كل عين يجب تسليمها.. لا يسقط ضمانها بتلفها، فإذا تلفت.. ضمنت ببدلها، كالعين المغصوبة.
فقولنا: (عين يجب تسليمها) احتراز مما لم يجب تسليمه، كالعين المبيعة والثمن قبل البيع.
وقولنا: (لا يسقط ضمانها بتلفها) احتراز من العين المبيعة والثمن إذا تلفا قبل القبض.
فإذا قلنا بقوله الجديد فإن تلفت العين بآفة سماوية أو بفعل الزوج.. وجب لها مهر مثلها، سواء سلمت نفسها إلى الزوج وطالبته بها فمنعها، أو لم تطالبه بها ولم يمنعها.
وإن أتلفتها الزوجة.. كان ذلك قبضًا لها.
وإن أتلفها أجنبي.. فظاهر قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنها بالخيار: بين أن ترجع على الزوج بمهر المثل ويرجع الزوج على الأجنبي ببدل الصداق الذي أتلف، وبين أن ترجع الزوجة على الأجنبي ببدل ما أتلف.
وإن نقص الصداق في يد الزوج بآفة سماوية أو بفعل الزوج.. فهي بالخيار: بين أن تأخذ الصداق ناقصًا ولا شيء لها، وبين أن ترجع على الزوج بمهر مثلها.
فإن كان النقص بفعل أجنبي.. فهي بالخيار: بين أن ترجع على الزوج بمهر مثلها ويأخذ الزوج من الأجنبي الأرش، وبين أن تأخذ الصداق والأرش من الأجنبي.
وإن نقص الصداق بفعل الزوجة.. أخذته ناقصًا ولا شيء لها.
وإن قلنا بقوله القديم.. فحكمه في يد الزوج حكم المغصوب، إلا أنه لا يأثم إذا لم يمنعها من أخذه.
فإذا تلف في يد الزوج بآفة سماوية أو بفعل الزوج.. رجعت عليه بمثله إن كان له مثل، أو بقيمته إن لم يكن له مثل.
ومتى تعتبر قيمته؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال: هما وجهان:
المنصوص: (أنه تعتبر قيمته أكثر ما كانت من حين العقد إلى حين التلف)؛ لأنه مضمون على الزوج في جميع هذه الأحوال، فهو كالمغصوب 0 والثاني: ترجع عليه بقيمته يوم التلف.
والأول أصح.
وإن نقص في يد الزوج.. نظرت: فإن كان بآفة سماوية.. كانت بالخيار: بين أن ترد الصداق لأجل النقص وترجع ببدله عليه، وبين أن تأخذه ناقصًا وتأخذ منه أرش النقص؛ لأنه كالغاصب.
وإن نقص بفعل الزوج، فإن اختارت رده وأخذ بدله.. كان لها.
وإن اختارت أخذه، فإن لم يكن للجناية أرش مقدر.. أخذت الصداق وما نقص من قيمته.
وإن كان لها أرش مقدر، بأن كان عبدًا فقطع يده.. رجعت عليه مع العبد بأكثر
الأمرين: من نصف قيمته، أو ما نقص من قيمته بذلك؛ لأنه اجتمع فيه ضمان اليد والجناية.
وإن نقص بفعل أجنبي، فإن اختارت رده على الزوج وأخذ بدل منه.. كان لها ذلك لأجل النقص، ورجع الزوج على الأجنبي بالأرش.
وإن اختارت أخذه.. أخذته، فإن كان الأرش غير مقدر.. رجعت به إن شاءت.. على الزوج، وإن شاءت على الأجنبي.
وإن كان الأرش مقدرًا، فإن كان مثل أرش النقص، أو أكثر من أرش النقص00رجعت به على من شاءت منهما.
وإن كان الأرش المقدر أقل من أرش النقص.. كانت بالخيار: بين أن ترجع بأرش النقص على الزوج، وبين أن ترجع على الأجنبي بالأرش المقدر وترجع على الزوج بتمام أرش النقص.
فرع اختلال صفة المهر من جائز إلى محرم أو غيره
): إذا أصدقها عبدًا فخرج حرًا أو مستحقًا، أو شاة فخرجت خنزيرًا، أو خلا فخرج خمرًا.. فهو كما لو تلف الصداق قبل القبض، فيكون على قولين:
أحدهما: ترجع عليه بمهر مثلها.
والثاني: ترجع عليه بقيمته.
ومن أصحابنا من قال: إذا قال: تزوجتك على هذه الجرة الخل فخرج خمرًا.. رجعت عليه بمهر مثله قولًا واحدًا؛ لأن الخل مجهول لا تعلم قيمته.
وإن قال: تزوجتك على هذا الجرو، أو الخنزير، أو الخمر، أو هذا المغصوب.. وجب لها مهر المثل قولًا واحدًا؛ لأنه لم يسم لها شيئًا له بدل، بخلاف الأولى؛ فإنه قد سمى لها شيئاٍ له بدل.
وإن قبضت الصداق فوجدت به عيبًا فردته، أو كان الصداق تعليم سورة فلم تحفظ لها، أو تعلمتها من غير الزوج.. فهو كما لو تلف الصداق قبل القبض.
فعلى قوله الجديد: ترجع إلى مهر مثلها.
وعلى قوله القديم: ترجع إلى بدل المردود بالعيب، وإلى أجرة التعليم.
مسألة ثبوت المهر بالوطء في مكان الحرث
): ويستقر المهر المسسمى للزوجة بالوطء في الفرج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] (البقرة: 237)، فلما أثبت للزوج الرجوع بنصف الصداق بالطلاق قبل المسيس.. دل على: أنه لا يرجع عليها بشيء منه بعد المسيس.
وقال في آية أخرى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21] [النساء: 21]، وفسر (الإفضاء): بالجماع:
وإن وطئها في دبرها.. فهل يستقر به المسمى؟ فيه وجهان:
(أحدهما): من أصحابنا من قال: لا يستقر لها به المسمى؛ لأن المهر في مقابلة ما يملكه بالعقد، والوطء في الدبر غير مملوك في العقد، فلم يستقر به المهر.
والثاني - وهو المذهب ـ: أنه يستقر به المسمى؛ لأنه موضع يجب بالإيلاج فيه الحد، فاستقر به المهر، كالفرج.
قال أصحابنا: وجميع الأحكام التي تتعلق بالوطء في القبل.. تتعلق بالوطء في الدبر، إلا خمسة أحكام: الإحلال للزوج الأول، والإحصان، وإيفاء المولي، والخروج من العنة، وتغير إذن المنكوحة.
فإن وطئ أجنبية في دبرها بشبهة.. وجب لها مهر المثل.
وإن حلف أن لا يطأ امرأة فوطئها في دبرها.. حنث في يمينه.
قال الصيمري: فإن آلى من امرأته أكثر من أربعة أشهر فوطئها في دبرها.. لم يسقط بذلك حقها، وينبغي أن يحنث في يمينه.
وإن أتت امرأته بولد يلحقه بالإمكان ولم يقر بوطئها.. فهل يستقر عليه المهر المسمى؟ فيه قولان: أحدهما: يستقر عليه؛ لأن إلحاق النسب به يقتضي وجود الوطء.
والثاني: لا يستقر عليه؛ لأن الولد يلحق بالإمكان، والمهر لا يستقر إلا بالوطء، والأصل عدم الوطء.
فرع موت أحد الزوجين يثبت الصداق
): وإن مات أحد الزوجين قبل الدخول.. استقر لها المهر.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إن كانت أمة فماتت قبل الدخول.. لم يستقر لها المهر.
والمذهب الأول؛ لأن النكاح إلى الموت، فاستقر به المهر، كالإجارة إذا انقضت مدتها.
فرع لا اعتبار للخلوة في الجديد إلا مع الوطء
): وإن خلا الزوج بها ولم يجامعها.. فهل حكم الخلوة حكم الوطء في تقرير المهر ووجوب العدة؟ اختلف العلماء فيها:
فذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الجديد إلى: (أنه لا تأثير للخلوة في تقرير المهر، ولا في وجوب العدة).
وبه قال ابن عباس، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ومن التابعين: الشعبي، وابن سيرين، وطاوس.
ومن الفقهاء: أبو ثور.
وذهبت طائفة إلى: أن الخلوة كالوطء في تقرير المهر ووجوب العدة.
وذهب إليه
عمر، وعلي بن أبي طالب - وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم -. وبه قال الزهري، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن خلا بها خلوة تامة، بأن يخلو بها في بيته دون بيت أبيها أو أمها.. رجح بها قول من يدعي الإصابة منهما عند اختلافهما فيها، ولا تكون الخلوة كالوطء في تقرير المهر ووجوب العدة).
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديمِ: (للخلوة تأثير).
فمن أصحابنا من قال: مذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم في الخلوة كقول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أنه: يرجح بها قول من ادعى الإصابة لا غير، إلا أنه لا فرق - عندنا - على هذا بين أن يخلو بها في بيته، أو في بيت أبيها أو أمها.
ومنهم من قال: مذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم كقول أبي حنيفة، وهو المنصوص في القديم.
فإذا قلنا بهذا.. فوجهه: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كشف عن قناع امرأة.. فقد وجب عليه المهر».
وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -: أنه قال: إذا أغلق الباب وأرخي الستر.. فقد وجب المهر؛ ما ذنبهن إن جاء العجز من قِبَلِكُمْ؟.
ولأنه عقد على المنفعة، فكان التمكين منها كالاستيفاء في تقرير البدل، كالإجارة.
وإذا قلنا بقوله الجديد، وهو الأصح.. فوجهه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237]، ولم يفرق بين أن يخلو بها، أو لا يخلو بها.
ولأن الخلوة لو كانت كالإصابة في استقرار المهر ووجوب العدة.. لكانت كالإصابة في وجوب مهر المثل في الشبهة.
وأما الخبر: فمحمول على أنه كنى عن الجماع بكشف القناع.
وما روي عن أمير المؤمنين عمر.. فقد روينا عن ابن عباس وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خلاف ذلك.
فإذا قلنا بقوله الجديد، فوطئها فيما دون الفرج فسبق الماء إلى فرجها.. وجبت عليها العدة وجهًا واحدًا؛ لأن رحمها قد صار مشغولًا بمائه.
وإن أتت من ذلك بولد.. لحقه نسبه، وهل يستقر بذلك صداقها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يستقر؛ لأن رحمها قد صار مشغولًا بمائه، فهو كما لو وطئها.