البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 95-135

كتاب الشفعة

صفحات 95-135
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب الشفعة الشفعة مشتقة من الشفع، وهو الاثنان؛ لأن الشفيع يضم إلى ملكه ملك المشتري.
وقيل: إنها مشتقة من الشفاعة؛ لأن الشفيع يأخذها بلين ورفق، فكأنه مستشفع، إذ المشتري ليس بظالم.
والشفعة من أمر الإسلام، ولم تكن في الجاهلية.
والأصل في ثبوتها: ما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود.. فلا شفعة».
وروى البخاري بإسناده عن جابر بن عبد الله: أنه قال: «إنما جعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق.. فلا شفعة».
وفي رواية مسلم بن الحجاج عن جابر: أنه قال: «قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشفعة في كل مشترك لم يقسم، ربع، أو حائط، لا يحل له أن يبيعه حتى يؤذن شريكه، فإن شاء.. أخذ، وإن شاء.. ترك، فإن باعه، ولم يؤذنه.. فهو أحق به».
و (الربع): اسم للدار مع بنائها، و (الحائط): اسم للبستان مع غراسه.
إذا ثبت هذا: فالأشياء في الشفعة على ثلاثة أضرب: ضرب ثبتت فيه الشفعة، سواء بيع منفرداً، أو مع غيره، وضرب لا تثبت فيه الشفعة بحال، وضرب تثبت فيه الشفعة تبعاً لغيره، ولا تثبت فيه الشفعة إذا بيع منفرداً.
فأما الضرب الأول ـ وهو ما تثبت فيه الشفعة إذا بيع منفرداً، أو مع غيره ـ: فهو

العراص، مثل: عرصة الأرض، والدار، فإذا باع أحد الشريكين نصيبه فيها.. ثبتت لشريكه الشفعة فيه، وهو قول عامة العلماء، إلا الأصم، فإنه قال: لا تثبت الشفعة بحال؛ لأن في ذلك إضراراً بأرباب الأملاك؛ لأن المشتري متى علم بأنه يؤخذ منه.. لم يرغب بالشراء، فيؤدي ذلك إلى الضرر بالبائع، وربما تقاعد شريكه عن الشراء منه.
ودليلنا عليه: ما ذكرناه من الأخبار، وما ذكره.. فغير صحيح؛ لأنا نشاهد الأشقاص تشترى مع علم المشتري باستحقاق الشفعة عليه.
وأما الضرب الثاني ـ وهو ما لا تثبت فيه الشفعة بحال ـ: فهو كل ما ينقل ويحول، مثل: الطعام، والثياب، والعبيد، فإذا باع أحد الشريكين نصيبه في ذلك.. لم تثبت لشريكه فيه الشفعة، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال مالك: (تثبت الشفعة في جميع ذلك).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق.. فلا شفعة».
وهذا لا يتناول ما ينتقل.
وروى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا شفعة إلا في ربع، أو حائط».
فنفى الشفعة عن غيرهما.
وأما الضرب الثالث ـ وهو ما تثبت فيه الشفعة تبعا لغيره ـ: فهو الغراس، والبناء في الأرض، فإن باع أحد الشريكين نصيبه فيه منفردا عن الأرض.. لم تثبت فيه الشفعة؛ لأنه منقول، فلم تثبت فيه الشفعة، كالثياب، والعبيد.
وإن باع أحد الشريكين نصيبه في البناء والغراس مع نصيب من الأرض.. ثبتت فيه الشفعة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة في كل ربع، أو حائط».
و (الربع): هو الدار ببنائها، و (الحائط): هو البستان بأشجاره، ولأن البناء والغراس يرادان للبقاء والتأبيد، فتثبت فيهما الشفعة، كالأرض.

وإن باع أحد الشريكين نصيبه من الشجر مع نصيبه من قراره بالأرض دون ما يتخلل الشجر من بياض الأرض.. ففيه وجهان: أحدهما: تثبت فيه الشفعة؛ لأنه باع نصيبه من الشجر مع قراره من الأرض، فهو كما لو باع ذلك مع نصيبه من بياض الأرض.
والثاني: لا تثبت فيه الشفعة؛ لأن قرارها تابع لها، فلا يصير الشجر تابعاً له.
وإن كان هناك دار سفلها لواحد، وعلوها مشترك بين جماعة، فباع أحد الشركاء في العلو نصيبه فيه، فإن كان السقف لصاحب السفل.. لم تثبت الشفعة في النصيب المبيع في العلو؛ لأنه بناء منفرد، وإن كان السقف لأهل العلو.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تثبت فيه الشفعة؛ لأنه بناء لا يتبع أرضا.
والثاني: تثبت فيه الشفعة؛ لأن السقف يؤوى إليه، فهو كالعرصة.

مسألة: باع شقص أرض وفيها زرع أو ثمر

]: وإن باع شقصاً له من أرض وفيه زرع، فباع نصيبه من الزرع مع الأرض، أو كان فيها شجر وعليه ثمرة ظاهرة، فباع نصيبه من الشجر والثمرة مع الأرض.. لم تثبت الشفعة في الزرع والثمرة.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (تثبت فيه الشفعة تبعاً للأرض).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة في كل ربع، أو حائط».
فأثبت الشفعة فيهما، فدل على: أنها لا تثبت لغيرهما.
ولأنه لا يتبع الأصل في البيع بالإطلاق، فلم تثبت فيه الشفعة، كما لو باع أرضا وفيها طعام مستودع.
وإن كان في الشقص نخيل بيع مع الشقص وعليه ثمرة غير مؤبرة.. فهل تؤخذ الثمرة بالشفعة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تؤخذ؛ لأنه منقول، فلم يستحق أخذه بالشفعة، كالزرع، والثمرة الظاهرة.

والثاني: يؤخذ بالشفعة؛ لأنه يدخل في بيع أصل الأرض بالإطلاق، فاستحق بالشفعة، كالنخل.
فإذا قلنا بهذا: فتأخر الأخذ بغيبة الشفيع، فجاء وقد أبرت النخل.. فهل يأخذها الشفيع؟ فيه وجهان: أحدهما: يأخذها؛ لأنه قد استحق أخذها حال البيع، فلم يسقط ذلك من غير رضاه بالتأبير.
والثاني: لا يأخذها؛ لأنه إنما يأخذها ما دامت الثمرة تابعة للشجرة والأرض، فإذا ظهرت.. خرجت عن ذلك.
فإذا قلنا بهذا: فهل يحط من الثمن شيء لأجل الثمرة؟ فيه وجهان: أحدهما: يحط؛ لأن الثمن قابل الجميع.
والثاني: لا يحط؛ لأن هذا كنقص حدث بالمبيع.
قال أبو علي السنجي: وهذا بناء على أن الطلع هل له قسط من الثمن؟ على قولين، كالحمل.

مسألة: لا شفعة إلا للشريك

ولا تثبت الشفعة عندنا إلا للشريك، ولا تثبت للجار، وبه قال عمر، وعثمان، وعلي من الصحابة، ومن التابعين: ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن

عبد العزيز، ومن الفقهاء: ربيعة، ومالك، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق.
وذهبت طائفة إلى: أن الشفعة تستحق بالشركة، وتستحق بالجوار، وذهب إليه ابن سيرين، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، ويفصل مذهب أبي حنيفة فيها: (أن الرجل إذا باع داراً، فإن كان له فيها شريك.. كان أحق بالشفعة من الجار، وإن لم يكن له فيها شريك، فإن كانت في درب غير نافذ.. فالجار المشارك له في الطريق أحق من الجار الذي لا يشاركه في الطريق، وإن كان له جاران يشاركانه في الطريق.. فهما أحق، وإن عفا الجار الذي إلى جنبه عن الشفعة.. استحق جاره الذي يليه الشفعة إلى آخر الدرب ولو كان بينهما ألف ذراع، وأما إذا كان الزقاق نافذاً.. استحق الجار الملاصق له الشفعة، فإن عفا.. لم يستحق الذي يلي العافي الشفعة؛ لأنه ليس بجار للبائع، وإنما هو جار جاره).
وحكي عن أبي العباس ابن سريج: أنه قال: تثبت الشفعة في الدار لمن يشاركه في الطريق بالدرب المشترك.
وهذا كله غير صحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق.. فلا شفعة».
فأثبت جنس الشفعة فيما لم يقسم، ونفاها عن المقسوم.
إذ ثبت هذا: فإن حكم حاكم بالشفعة للجار.. فهل ينقض حكمه؟ فيه وجهان، حكاهما الصيدلاني: أحدها: ينقض؛ لأنه مخالف للنص.

والثاني: لا ينقض، وهو الأصح؛ لأنه حكم بما يسوغ فيه الاجتهاد.

مسألة: فيما يقسم بين الشريكين

]: ولا تجب الشفعة إلا فيما تجب قسمته بين الشريكين عند الطلب، وهو بحيث إذا قسم لم تنقص قيمة حصة كل واحد منهما بعد القسمة عن قيمته قبل القسمة، فأما ما لا تجب قسمته عند الطلب، وهو ما ينقص قيمة نصيب كل واحد منهما.. فلا يثبت فيه الشفعة، وبه قال عثمان بن عفان، ومن الفقهاء ربيعة، وإحدى الروايتين عن مالك.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وأبو العباس ابن سريج: (تثبت فيه الشفعة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة في كل شرك، ربع، أو حائط».
ولم يفرق).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق.. فلا شفعة».
فأثبت جنس الشفعة فيما لم يقسم، يعني: ما لم يفعل فيه القسمة.
وهذا إنما يكون فيما تجب قسمته عند الطلب، ولأن الشفعة إنما ثبتت لما يلحق الشريك من الضرر بالمقاسمة، وذلك لا يوجد فيما لا تجب قسمته.
إذا ثبت هذا: فذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (البئر، والحمام، والرحى).
قال أصحابنا: وإذا كان بينهما بئر، فباع أحدهما نصيبه فيها.. فهل تثبت فيها الشفعة؟ ينظر فيها: فإن كان معها بياض من الأرض بينهما، وكانا إذا قسما، كانت البئر لواحد، والبياض لواحد، وكانت قيمة نصيب كل واحد منهما بعد القسمة كقيمته قبل القسمة.. ثبتت فيها الشفعة.

وإن كانت البئر لا بياض معها، فإن كانت كبيرة، بحيث إذا قسمت بينهما حصل لكل واحد منهما بئر منها، ينتفع بها.. ثبتت فيها الشفعة، وإن كانت بئراً صغيرة، بحيث إذا قسمت بينهما لم يحصل لكل واحد منهما بئر مفردة.. لم تثبت فيها الشفعة.
وأما الحمام: فإن كان حماما كثير البيوت، بحيث إذا قسم بينهما حصل لكل واحد منهما ما يصلح حماماً، ولم تنقص قيمة نصيب كل واحد منهما بعد القسمة عن قيمته قبل القسمة.. ثبتت فيه الشفعة، وإن كان لا يحصل له ذلك.. لم تثبت فيه الشفعة.
وأما الرحى: فإن كان فيه حجران، ولكل واحد منهما ماء، بحيث إذا قسم حصل لكل واحد منهما رحى.. ثبتت فيه الشفعة، وإن كان رحى واحدة.. لم تثبت فيه الشفعة؛ لأنه إذا قسم نقصت قيمة نصيب كل واحد منهما بذلك.

فرع: الشفعة في طريق غير نافذة

]: وإن باع رجل داره، وكان طريقها في زقاق نافذ.. فإن الشفعة لا تثبت في الطريق؛ لأن الزقاق النافذ غير مملوك، والشفعة إنما تثبت في المملوك، وإن كان طريقها في زقاق غير نافذ، وقال: بعتك داري مع نصيبي في الطريق، أو قال: بحقوقها.. فإن نصيبه في الطريق يدخل في البيع، ولا تثبت الشفعة في الدار، وقال ابن سريج: تثبت فيها.
وقد مضى ذكره.
وأما الطريق: فهل تثبت فيه الشفعة؟ ينظر فيه: فإن كان طريقاً ضيقاً، بحيث إذا قسم لم يصب كل واحد منهما طريقا.. لم تثبت فيه الشفعة؛ لأنه نصيب لا يحتمل القسمة.

وإن كان الطريق واسعاً، بحيث إذا قسم أصاب كل واحد طريقاً.. نظرت: فإن كان للدار المبيعة طريق آخر من درب نافذ، أو غير نافذ، أو يمكن أن يفتح لها بابا إلى زقاق نافذ.. ثبتت الشفعة في الطريق؛ لأنها أرض تحتمل القسمة.
وإن كان لا طريق للدار المبيعة سوى هذا الطريق.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تثبت فيه الشفعة؛ لأنها أرض مشاعة تحتمل القسمة، فتثبت فيها الشفعة، كالدار.
والثاني: تثبت فيها الشفعة، ولكن يكون لمشتري الدار المرور فيها إلى الدار؛ لأن الضرر يزول عنهما بذلك.
والثالث ـ وهو الصحيح ـ أنه لا تثبت فيه الشفعة؛ لأن الشفعة لإزالة الضرر، فلو أثبتنا الشفعة هاهنا.. لأضررنا بالمشتري؛ لأن داره تبقى من غير طريق.
وما قاله الأول فاسد؛ لما ذكرناه، وما قاله الثاني أيضا فاسد؛ لأن الملك إذا انتقل إلى الشفيع.. لم يستحق عليه الاستطراق في ملكه، وهذا الحكم إذا كان الطريق بحيث إذا قسم.. أصاب كل واحد مقدار طريقه لا زيادة عليه، فأما إذا كان نصيبه زيادة على ذلك.. فإن الزيادة على قدر الطريق فيها الشفعة، وجها واحداً، وفي قدر الطريق الأوجه الثلاثة.

مسألة: ثبوت الشفعة بالشقص المملوك

]: تثبت الشفعة بالشقص المملوك بالبيع؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وإن باعه.. فهو أحق به».
وبه قال عامة العلماء، إلا الأصم، وقد مضى الدليل عليه.

وتثبت الشفعة بكل ما ملك الشقص فيه بعقد معاوضة، بأن يكون عوضاً في الصلح، أو أجرة في الإجارة، أو مهراً في النكاح، أو عوضاً في الخلع.
وقال أبو حنيفة: (لا تثبت الشفعة إلا فيما ملك بالبيع وحده).
دليلنا: أنه ملك بعقد معاوضة، فثبتت فيه الشفعة، كالبيع.

فرع: إرث الشفعة

]: فإن مات رجل، وخلف شقصاً.. لم يستحق على وارثه فيه الشفعة، وهذا إجماع لا خلاف فيه.
وإن أوصى رجل لرجل بشقص، أو وهبه له هبة لا تقتضي الثواب... لم تثبت فيه الشفعة.
وقال ابن أبي ليلى: تثبت فيه الشفعة بقيمة الشقص.
وهي إحدى الروايتين عن مالك.
دليلنا: أنه ملكه بغير عقد معاوضة، فلم تثبت فيه الشفعة، كما لو ملكه بالإرث.
وإن وهب له شقصاً بعوض معلوم.. كان بيعا، وتثبت فيه الشفعة، سواء تقابضا أو لم يتقابضا، وبه قال زفر.
وقال أبو حنيفة وسائر أصحابه: (لا تثبت فيه الشفعة حتى يتقابضا؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض).

دليلنا: أنه ملكه بعقد معاوضة، فلم يعتبر في ثبوت الشفعة فيه القبض، كالبيع، وأما الهبة: فقد صرفناها عن مقتضاها بشرط العوض فيها.
وإن وهب لمن هو أعلى منه شقصاً، فإن قلنا: إنها تقتضي الثواب.. ثبتت فيه الشفعة، وإن قلنا: لا تقتضي الثواب.. لم تثبت فيه الشفعة.

فرع: الإقالة ترفع الشفعة

وإن اشترى رجل شقصاً، فعفا الشفيع عن الشفعة فيه، ثم استقال البائع المشتري في الشقص، فأقاله.. فقال البغداديون من أصحابنا: لا تثبت فيه الشفعة؛ لأنه لم يرجع إليه بعوض.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: فيه قولان، بناء على أن الإقالة ابتداء عقد، أو فسخ عقد.
فإن عفا الشفيع عن الشفعة، ثم إن المشتري ولاه رجلاً.. ثبتت للشفيع فيه الشفعة؛ لأن التولية بيع برأس المال.

فرع: تعليق حق الشفعة

]: قال في (الأم): (وإن قال لأم ولده: إن خدمت ورثتي شهراً.. فلك بهذا الشهر الشقص، فخدمتهم.. استحقت الشقص).
وهل تثبت فيه الشفعة؟ فيه وجهان: أحدهما: تثبت؛ لأنها ملكته ببدل، وهو الخدمة، فهو كما لو استأجر به غيرها على الخدمة.
والثاني: لا تثبت؛ لأنها ملكته بالوصية، بدليل: أنه يعتبر من الثلث.
وإن دفع المكاتب إلى سيده شقصاً عن كتابته.. كان للشفيع أن يأخذه بالشفعة؛

لأنه مملوك بعوض، وإن غاب الشفيع، أو لم يعلم حتى عجز المكاتب ورجع إلى الرق.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تثبت فيه الشفعة؛ لأنه صار بالعجز مملوكاً للسيد بحق الملك.
والثاني: تثبت فيه الشفعة؛ لأن الشفعة قد ثبتت فيه حال ما قبضه السيد، فلا تسقط بالعجز.

فرع: الدين على الميت الشفيع يمنع انتقال الشقص لوارثه

): قال ابن الحداد: إذا ملك الرجل شقصاً في دار أو أرض، فمات وعليه دين يحيط بتركته، فباع شريكه الشقص.. كان للوارث أن يأخذه بالشفعة؛ لأن الدين لا يمنع انتقال الملك إلى الوارث، والشقص ملك للوارث عند بيع شريكه.
وقال أبو حنيفة، وأبو سعيد الإصطخري: (الدين يمنع انتقال الملك إلى الوارث).
فعلى هذا: لا يستحق الوارث الأخذ بالشفعة.
وليس بشيء.
ولو مات رجل، وله دار، وعليه دين يحيط ببعضها، فبيع بعض الدار بالدين، أو أوصى بأن يباع بعض الدار، ويصرف ثمنه في بعض وصاياه، فبيع بعضها.. قال ابن الحداد: لم يكن للورثة أن يأخذوا ما بيع منها بالشفعة؛ لأن البيع يقع عليهم، فلا يستحقون فيه الشفعة.
قال القاضي أبو الطيب: ولم يختلف أصحابنا في هذه، فأما إذا كان لرجل ربع دار، ولابنه ثلاثة أرباعها، فمات الأب وعليه دين يحيط بربع الدار، فبيع بالدين.. قال ابن الحداد: فللابن أن يأخذ الربع بالشفعة هاهنا؛ لأن الشقص بيع بسبب مستحق على الميت في حال حياته، فكأن الأب باشر بيعه في حال حياته، والابن شريك له في حال حياته، فاستحق الشفعة به عليه، كما لو باع الأب ذلك بنفسه.
وخالفه أكثر أصحابنا، وقالوا: لا شفعة للابن؛ لأن الابن يملك ربع الدار الذي خلفه أبوه، والدين لا يمنع انتقال الملك إلى الوارث عندنا، ومن بيع عليه بعض

ملكه.. لم يستحق أخذه بالشفعة، كما لو غاب رجل، وله دار، وعليه دين، فباع الحاكم بعض داره بدينه، ثم قدم.. فليس له أخذ ما بيع من داره بالشفعة، فكذلك هاهنا مثله.

فرع: سقوط الشفعة بإبراء الشفيع أو إذنه

]: إذا أذن الشفيع في البيع، أو أبرأ من الشفعة قبل تمام البيع.. لم تسقط شفعته، به قال أكثر أصحابنا.
وقال عثمان البتي: تسقط شفعته، واحتج بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء.. أخذ، وإن شاء.. ترك، وإن باع ولم يؤذنه.. فهو أحق».
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة فيما لم يقسم، ربع، أو حائط».
ولم يفرق.
ولأنه إسقاط حق قبل ثبوته، فلم يسقط، كما لو أبرأه من دين قبل ثبوته.
وأما الخبر: فأراد به العرض عليه ليبتاع ذلك إن أراد، فتخف بذلك المؤنة على الشريك.

مسألة: بيع شقص في دار نصفها وقف

]: إذا كان نصف الدار وقفا على رجل، ونصفها طلقا، فباع صاحب الطلق نصيبه.. فهل تثبت فيه الشفعة لصاحب الوقف؟ إن قلنا: إن الملك ينتقل في الوقف إلى الله.. لم يستحق الموقوف عليه الشفعة في الطلق؛ لأن الشفعة لا تستحق إلا بالملك.

وإن قلنا: إن الملك في الوقف ينتقل إلى الموقوف عليه.. فهل يستحق أخذ الطلق بالشفعة؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: أنه يستحق؛ لأنه يلحقه الضرر في ماله من جهة الشريك، فاستحق أخذه بالشفعة، كمالك الطلق.
والثاني ـ ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره ـ: أنه لا يستحق؛ لأن الوقف لما لم يستحق أخذه بالشفعة.. لم يستحق الأخذ به بالشفعة.

مسألة: باع أحد الشريكين نصيبه بشرط الخيار

]. وإن كانت دار بين اثنين، فباع أحدهما نصيبه بشرط الخيار، فإن كان الخيار لهما، أو للبائع.. لم يكن للشفيع أن يأخذه بالشفعة قبل انقضاء الخيار؛ لأن ذلك يؤدي إلى قطع الخيار للبائع.
وإن كان الخيار للمشتري وحده، وقلنا: إن الملك موقوف، أو لا ينتقل إلى المشتري إلا بانقضاء الخيار.. لم يكن للشفيع الأخذ بالشفعة قبل انقضاء الخيار؛ لأن الملك لم يحصل للمشتري، وإن قلنا: إن الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد.. فهل يستحق الشفيع الأخذ بالشفعة قبل انقضاء الخيار؟ فيه قولان: أحدهما: لا يستحق، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي؛ لأنه بيع فيه خيار، فلم يستحق الشفيع الأخذ قبل انقضاء الخيار، كما لو كان الخيار للبائع، ولأن المشتري شرط الخيار لغرض قصده، وفي أخذ الشفيع قبل انقضاء الخيار تفويت لغرض المشتري، فلم يجز.
والثاني ـ وهو اختيار الشيخين: أبي حامد، وأبي إسحاق ـ: أنه يستحق؛ لأنه إذا ملك الأخذ بعد استقرار حق المشتري بانقضاء الخيار.. فلأن يملك قبل ذلك أولى، ولأن المشتري لو وجد بالشقص عيباً، فأراد رده.. كان للشفيع أن يأخذه، ويبطل ما ثبت للمشتري من الرد، فكذلك هذا مثله.

فرع: باع الشريك نصيبه قبل انقضاء مدة الخيار

]: وإن كان بين رجلين دار، فباع أحدهما نصيبه فيه بشرط الخيار له وللمشتري، أو له وحده، ثم باع الشريك الثاني نصيبه منها بغير خيار قبل انقضاء الخيار في البيع الأول.. لم يكن للبائع الثاني شفعة؛ لأن ملكه قد زال، ولا تثبت للمشتري فيه شفعة أيضاً؛ لأنه ملكه بعد البيع الأول، ولمن تثبت الشفعة في الشقص الثاني؟ يبنى على الأقوال: إلى من ينتقل المبيع في حال الخيار؟ فإن قلنا: إن الملك فيه للبائع.. كانت الشفعة فيه للبائع؛ لأن ملك الشقص له في هذه الحالة.
فعلى هذا: إذا انقضى الخيار، ولم يفسخ العقد.. فإن الشقص المبيع أولاً لمشتريه، والشقص المبيع ثانياً لبائع الشقص الأول؛ لأنه ملك أخذه بالبيع الثاني، فلا يسقط بعد ذلك.
وإن قلنا: إن الملك في الشقص الأول انتقل إلى المشتري بالعقد.. فإن الشفعة في الشقص الثاني لمشتري الأول، فإن فسخ البيع بعد ذلك في الذي اشتراه.. لم يسقط حقه من الشفعة في الثاني؛ لما ذكرناه.
وإن قلنا: إن الملك في الشقص الأول موقوف على انقضاء الخيار.. كانت الشفعة في الشقص الثاني أيضاً موقوفة، فإن فسخا البيع.. كانت الشفعة لبائع الأول، وإن لم يفسخا.. كانت للمشتري.

مسألة: ثبوت الشفعة للمسلم وغيره

]: وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي، وللذمي على الذمي؛ لعموم الأخبار، ولا خلاف في ذلك، وتثبت الشفعة للذمي على المسلم، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.

وقال الشعبي، وأحمد، والحسن بن صالح: (لا تثبت له).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة فيما لم يقسم، ربع، أو حائط».
ولم يفرق، ولأنه خيار يثبت لإزالة الضرر عن المال، فثبت للذمي على المسلم، كخيار الرد بالعيب، وفيه احتراز من خيار القصاص.
إذا ثبت هذا: فإن اشترى ذمي من ذمي شقصاً بخمر، أو خنزير، والشفيع ذمي، فإن رفع ذلك إلى الحاكم قبل التقابض في الثمن بالبيع.. حكم الحاكم بإبطال البيع، وإبطال الشفعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] [المائدة: 49].
وإن رفع إلى الحاكم بعد التقابض في البيع، والأخذ في الشفعة.. لم يحكم بإبطال البيع، ولا بإبطال الشفعة؛ لأنه لا يحكم ببطلان ما استقر من عقودهم، كالنكاح بعد الدخول.
وإن رفع إليه بعد التقابض بالبيع، وقبل الأخذ بالشفعة.. لم يحكم بإبطال البيع، ولكن يحكم بإبطال الشفعة.
وقال أبو حنيفة: (تثبت الشفعة، فإن كانت لمسلم.. أخذ بقيمة الخمر، وإن كانت لذمي.. أخذ بمثلها).
وبناه على أصله: أن الخمر لأهل الذمة مال.
ودليلنا: أن البيع وقع بثمن حرام، فلم تثبت فيه الشفعة، كالميتة، والدم.

[فرع: اشترى شقصاً فيه شفعة فارتد]

]: إذا اشترى رجل شقصاً فيه شفعة، فارتد المشتري قبل أن يأخذ الشفيع.. فللشفيع أن يأخذ الشقص بالشفعة، سواء كان المشتري باقياً على ردته، أو مات، أو قتل بالردة؛ لأنه ليس فيه أكثر من زوال ملكه بموته إلى المسلمين، وهذا لا يسقط حق الشفيع، كما لو مات المشتري، وانتقل ماله إلى المسلمين بالإرث.
وهكذا: لو ارتد الشفيع قبل الأخذ، فمات أو قتل بالردة قبل الأخذ.. فإن شفعته لا تبطل بذلك، بل ينتقل النظر فيها إلى الإمام، فإن رأى المصلحة للمسلمين في أخذه بالشفعة.. أخذه، ودفع الثمن من بيت المال، وإن رأى الحظ في الترك.. لم

يأخذه؛ لأن المال انتقل إليهم، وهكذا: لو مات الشفيع، ولا وارث له غير المسلمين.. كان الحكم فيه ما ذكرناه.

فرع: بيع شقص في شركة المفلس

]: إذا بيع شقص في شركة المفلس.. كان له الأخذ بالشفعة، والعفو عنه، وليس للغرماء الاعتراض عليه؛ لأنه إن أراد الترك.. لم يجبر على الأخذ؛ لأنه إجبار على التملك، فلم يجز، وإن أراد الأخذ.. لم يجبر على الترك؛ لأنه يأخذه بثمن في ذمته.
ويجوز للمكاتب الأخذ بالشفعة، والترك، وليس للسيد الاعتراض عليه؛ لأن التصرف يقع له دون السيد، وأما العبد المأذون له في التجارة: فإن أخذ بالشفعة.. جاز؛ لأنه مأذون له في الشراء، وإن عفا.. كان للسيد إبطال عفوه؛ لأن الحق للسيد، فلا يملك العبد إسقاطه.

فرع: ثبوت الشفعة في بيع شقص يتيم لآخر

]: وإن كان في حجره أيتام لهم عقار مشترك بينهم، فباع على أحدهم نصيبه منه لحاجته.. كان له أن يأخذ ذلك بالشفعة للآخرين إذا رأى لهم الحظ في ذلك؛ لأن له ولاية عليهم.
وإن كان وصياً على يتيم، وبينهما عقار، فباع الوصي على اليتيم نصيبه فيه.. فهل للوصي أخذ ما باع على اليتيم بالشفعة لنفسه؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال ابن الحداد: لا يجوز؛ لأن الوصي متهم في أنه لم يستقص في ثمن الشقص ليتملكه، فلم يجز له الأخذ.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: يجوز له أخذه بالشفعة.
وبه قال ابن القفال؛

لأنه يمكن نفي التهمة عنه، بأن يرجع فيه إلى تثمين ثقتين من أهل الخبرة بالشقص، فإن قيل: إنه بيع بثمن مثله.. استحق الأخذ؛ لأن البيع قد صح، وإن قيل: إنه بيع بأقل من ثمن مثله.. لم يصح البيع، ولم يستحق الأخذ.
والأول أصح؛ لأن التهمة تلحقه مع ذلك في أنه ترك الزيادة على ثمن المثل مع إمكانها، فإن رفع الوصي الأمر إلى الحاكم، فأمر الحاكم من قرر ثمن الشقص، فباع به.. استحق الوصي الأخذ بالشفعة لنفسه، وجهاً واحداً؛ لأن التهمة منتفية عنه هاهنا، وإن كان الناظر في أمر الصغير أباً أو جداً، فباع عليه شقصا له فيه شفعة.. استحق الشفعة عليه، وجهاً واحداً؛ لأن التهمة منتفية عنهما في حقه، بدليل: أنه يصح أن يشتري ماله لنفسه، ويبيع منه، بخلاف الوصي.
وإن اشترى الوصي لليتيم شقصاً للوصي فيه الشفعة.. فهل له أن يأخذه بالشفعة منه؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه يلزم الصبي العهدة في الشقص، ولا حظ له في ذلك.
والثاني ـ وهو قول ابن الحداد، والقاضي أبي الطيب ـ: له ذلك؛ لأنه لا تهمة عليه في ذلك.

[فرع: خلف حملاً ومالاً وشقصاً لوصي فيستحق الشفعة]

]: وإن مات رجل، وخلف مالاً وحملاً، وأوصى إلى رجل بالنظر في ماله، والقيام في الحمل، وله شقص، فباع شريكه.. قال أبو العباس ابن سريج: لم يكن للوصي أن يأخذ بالشفعة للحمل؛ لأن الحمل قد لا يكون، فلا يستحق الأخذ له،

وقد يكون موجوداً إلا أنه يجوز أن يكون رجلاً، فيستحق أخذ الجميع، وقد يكون أنثى، فلا تستحق له أخذ الجميع، فلم يجز الأخذ لمن يشك في استحقاقه.

مسألة: ضمان الشفيع عهدة الشقص

]: إذا باع شقصاً، فضمن الشفيع للمشتري عهدة الشقص، أو ضمن للبائع الثمن على المشتري، أو شرط البائع أو المشتري الخيار للشفيع، وقلنا: يصح، فاختار إمضاء البيع.. فإن له الأخذ بالشفعة.
وقال محمد بن الحسن، وأهل العراق: لا شفعة له؛ لأن البيع تم به.
ودليلنا: أن أكثر ما فيه أن الشفيع رضي بالبيع، وذلك لا يسقط حقه من الشفعة، كما لو قال الشفيع للمشتري: رضيت أن تشتري ولا آخذ منك بالشفعة.

فرع: توكيل رجل الشفيع في البيع

]: وإن كانت الدار بين رجلين، فوكل رجل أحد الشريكين أن يبتاع له نصيب شريكه، فابتاعه له.. فله أن يأخذ ما ابتاع لموكله بالشفعة.
وقال محمد بن الحسن، وأهل العراق: ليس له أخذه بالشفعة.
دليلنا: أنه لم يوجد منه أكثر من الرضا بالشراء، وذلك لا يسقط الشفعة.
وإن وكل أحد الشريكين صاحبه ليبيع له نصيبه، فباعه.. فهل للبائع أن يأخذ بالشفعة؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو العباس: له أخذه، ولا تبطل شفعته؛ لأنه تولى أحد طرفي العقد، فلم تبطل شفعته، كما لو توكل بالشراء.
و [الثاني]: قال ابن الحداد: تبطل شفعته؛ لأن التهمة تلحقه في إرخاص الشقص، أو ترك أخذ الزيادة على ثمن المثل ليتملكه.
وإن كانت الدار بينهما نصفين، فقال أحدهما لصاحبه: وكلتك أن تبيع نصف نصيبي من الدار، وقال: إن أردت أن تبيع نصف نصيبك معه.. فافعل، فباع الوكيل

نصف الدار، ربعها عن نفسه، وربعها عن موكله بثمن معلوم.. صح البيع؛ لأن ما يقابل نصيب كل واحد منهما من الثمن معلوم، وللموكل أن يأخذ نصيب الوكيل بالشفعة؛ لأنه لم يوجد منه أكثر من الرضا ببيعه، وذلك لا يسقط حقه من الشفعة، وليس له أن يأخذ ما بيع عليه؛ لأن الإنسان لا يأخذ بالشفعة ما بيع عليه، وهل للوكيل أن يأخذ بالشفعة الربع الذي باعه عن موكله؟ على وجهين كالأولى: أحدهما: له ذلك؛ لأنه يأخذ ذلك من المشتري لا من نفسه.
والثاني: ليس له ذلك، وهو الصحيح؛ لأنه متهم في إرخاصه ليأخذه، ولأنه لما لم يملك أن يبتاعه من نفسه.. لم يملك أخذه بالشفعة.

فرع: ثبوت الشفعة للعامل في القراض

]: وإذا اشترى العامل في القراض بعض دار بمال القراض، ثم بيع الباقي.. كان للعامل أخذه بالشفعة للقراض، فإن لم يأخذه.. كان لرب المال أن يأخذه بالشفعة؛ لأن ما اشتراه بمال القراض.. ملكه.
وإن اشترى العامل بمال القراض شقصا من دار، ولرب المال فيه شفعة.. فهل له أن يأخذه بالشفعة؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: له ذلك؛ لأن مال المضاربة كالمنفرد عن ملكه؛ لتعلق حق الغير به، وهو العامل، ويجوز أن يثبت له على ملكه حق لأجل حق الغير، كما ثبت له على عبده المرهون حق الجناية.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يتملك ملكه، ويخالف الجناية؛ لأنها ليست تمليكاً.
وذكر أبو العباس وجهاً ثالثاً: أن له أخذه بحكم فسخ المضاربة.
قال ابن الصباغ: وهذا ليس من الشفعة.

فإذا ما اشترى العامل في القراض شقصاً من دار، وللعامل فيه شفعة.. فهل له أخذه بالشفعة؟ قال ابن الصباغ: إن كان في المال ربح، وقلنا: يملكه بالظهور.. فهل له أخذه بالشفعة؟ على الوجهين في رب المال، وإن لم يكن في المال ربح، أو كان فيه ربح، وقلنا: لا يملكه بالظهور، فلا شفعة له، وجهاً واحداً.
قلت: والذي يقتضي المذهب: أنه إذا لم يكن فيه ربح، أو كان فيه، وقلنا: لا يملكه بالظهور.. أن له أخذه بالشفعة، وجهاً واحداً، كما لو كانت دار بين شريكين، فأذن رجل لأحدهما أن يبتاع له نصيب شريكه، فإن للوكيل أن يأخذ ما اشتراه بالشفعة لنفسه.
إذا ثبت هذا: فإن ملك أربعة رجال داراً أرباعاً بينهم، ثم قارض واحد منهم أحد شركائه على مال، فاشترى العامل بمال القراض نصيب أحد شريكيهما، وعفا المتقارضان والشريك الرابع عن أخذ ذلك بالشفعة، ثم اشترى العامل بمال القراض نصيب الشريك الرابع.. قال أبو العباس: فإن الشفعة في هذا الربع الرابع تكون بين رب المال والعامل ومال القراض، أثلاثاً بينهم؛ لأن كل واحد منهم ينفرد بملك ربع الدار، ويملكان ربعها بمال القراض، فقسم الربع المبيع بينهم أثلاثا.
على ذلك حكاها الشيخ أبو حامد.

مسألة: يأخذ الشفيع الشقص بالثمن المستقر في العقد

]: إذا اشترى رجل شقصاً فيه شفعة، واختار الشفيع الأخذ.. فإنه يأخذه بالثمن الذي استقر عليه العقد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث جابر: «فإن باعه.. فشريكه أحق به بالثمن».
فإن كان الشفيع قد شاهد الشقص، وعلم قدر الثمن، وقال: اخترت أخذه بالثمن

الذي تم به العقد.. قال ابن الصباغ: صح الأخذ وإن لم يختر المشتري، ولا حضر؛ لأنه يستحق أخذه بغير اختياره، فلم يفتقر إلى حضوره، ولا يفتقر إلى حكم الحاكم بذلك؛ لأن استحقاق الشفيع ثابت بالنص والإجماع.
وإن كان الشفيع لم يشاهد الشقص.. فهل يصح أخذه بالشفعة؟ إن قلنا: إن بيع خيار الرؤية لا يصح.. لم يصح أخذه، كما لا يصح ابتياعه له.
وإن قلنا: يصح بيع خيار الرؤية.. فهل يصح أخذه له قبل رؤيته؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال القاضي أبو الطيب: فيه وجهان، بناء على أن الشفيع هل يثبت له خيار المجلس في الشفعة؟ وفيه وجهان يأتي ذكرهما.
فإن قلنا: يثبت له فيها خيار المجلس.. ثبت له فيها خيار الرؤية.
وإن قلنا: لا يثبت له خيار المجلس.. لم يثبت له فيها خيار الرؤية.
وقال أبو العباس ابن سريج: لا يثبت له فيها خيار الرؤية، قولاً واحد؛ لأن خيار الرؤية إنما يثبت للمشتري على أحد القولين؛ لأن البيع يثبت برضا البائع، وهاهنا يؤخذ الشقص من المشتري بغير رضاه، فلا يثبت فيها خيار الرؤية.
وإن كان الشفيع لم يعلم قدر الثمن.. فذكر ابن الصباغ، والطبري: أن أخذه لا يصح، ولا يسقط حقه من الشفعة إذا أخر طلبها إلى أن يعلم قدر الثمن؛ لأن ذلك يملك بعوض، فلا يصح مع الجهالة بالعوض، كالبيع.
وذكر الشيخ أبو حامد في (التعليق): إذا قال الشفيع: بكم ابتعت؟ أو بكم الثمن؟ بطلت شفعته؛ لأنه قد كان يمكنه أن يقول مكان ذلك: قد أخذت بالثمن الذي ابتعت به، فلما لم يفعل.. كان تاركاً للمطالبة بالشفعة مع تمكنه منها، وهذا يدل من قوله: إن الأخذ يصح مع جهالة الشفيع بقدر الثمن.
إذا ثبت هذا: فقال ابن الصباغ: وإذا اختار الشفيع على ما ذكرناه.. ملك الشقص بذلك، ولا يلزم المشتري تسليم الشقص إليه حتى يسلم إليه الثمن، فإن كان الثمن موجوداً.. سلمه الشفيع إليه، وإن تعذر الثمن عليه في الحال.. أجلنا الشفيع ثلاثاً،

فإن أحضر الثمن، وإلا فسخ عليه الحاكم الأخذ، ورده إلى المشتري، وإنما أجل ثلاثاً؛ لأن تحصيل الثمن في الحال يتعذر عليه في غالب العادة، وعدم اعتبار ذلك يؤدي إلى إسقاط الشفعة، والإضرار بالشفيع، فأجل الثلاث؛ لأنها مدة قريبة، ولا ضرر على المشتري بذلك.
قال الشيخ أبو حامد: وهكذا: لو هرب الشفيع بعد الأخذ.. جاز للحاكم فسخ الأخذ، ورده إلى المشتري، فإن قيل: أليس في البيع لو هرب المشتري أو أخر الدفع.. لم يفسخ الحاكم البيع؟ فهلا قلتم هاهنا مثله؟ قال: فالجواب: أن البيع حصل باختيارهما، فلذلك لم يكن للحاكم فسخه عليهما، وهاهنا أخذه الشفيع بغير اختيار المشتري لإزالة الضرر عن نفسه، فإذا كان ذلك إضراراً بالمشتري رفعه الحاكم قال: وقد قال أصحابنا: إذا أفلس الشفيع بعد أخذه الشقص.. فإن المشتري بالخيار: بين أن يضرب بالثمن مع الغرماء، وبين أن يرجع في الشقص إذا أفلس المشتري.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (لا يأخذ الشفيع بالشفعة حتى يحضر الثمن، ولا يملكه حتى يحكم له الحاكم، ولا يحكم له الحاكم حتى يحضر الثمن).
وقال محمد بن الحسن: يؤجله الحاكم يومين، أو ثلاثاً، ولا يأخذه إلا بحكم الحاكم، أو رضا المشتري.
ودليلنا: أن الأخذ بالشفعة يملك بالعوض، فلا يوقف على إحضار العوض، كالبيع.

[فرع: اشترى شقصاً فيه شفعة وسيفاً]

ً]: وإن اشترى شقصاً فيه شفعة، وسيفاً بثمن واحد.. ثبتت الشفعة بالشقص دون السيف، وقسم الثمن بينهما على قدر قيمتيها، ولا يثبت للمشتري الخيار في البيع، لتفرق الصفقة عليه بذلك؛ لأنه رضي بذلك على نفسه.
هذا هو المشهور من المذهب، وبه قال أبو حنيفة.

قال المسعودي [في (الإبانة) ق\ 316]: وقد قيل: لا تثبت الشفعة في الشقص لتفرق الصفقة على المشتري.
وقال مالك: (تثبت الشفعة في الشقص، والسيف، ويأخذهما الشفيع بالثمن).
ودليلنا: أن السيف لا شفعة فيه، ولا هو تابع لما تثبت فيه الشفعة، فلم يجز أخذه بالشفعة، كما لو أفرده بالبيع.

فرع: مضي خيار شراء الشقص مع زيادة الثمن

]: إذا اشترى شقصاً بثمن، وانقضى الخيار، ثم ألحقا بالثمن زيادة.. لم تلحق بالعقد، ولا يملكها البائع، إلا أن تكون بعقد الهبة بشروطها، ولا يستحقها المشتري على الشفيع؛ لأنه تطوع بذلك، وهكذا: إن نقص عنه البائع بعض الثمن.. كان ذلك إبراء، ولا يسقط عن الشفيع؛ لأن العقد قد انبرم.
وقال أبو حنيفة: (يلحقان بالعقد، إلا أن الشفيع لا يثبت في حقه إلا النقصان دون الزيادة).
ودليلنا: أن ذلك تغيير بعد استقرار العقد، فلم يثبت في حق الشفيع، كالزيادة وإن ألحقا بالثمن زيادة، أو نقصا منه شيئاً في حال الخيار.. فقد قال عامة أصحابنا: إن ذلك يلحق بالعقد، ويأخذ الشفيع به.
وقال أبو علي الطبري: هذا إذا قلنا: إن الملك لا ينتقل إلى المشتري، إلا بشرطين، أو قلنا: إنه موقوف، فأما إذا قلنا: إنه يملك بالعقد.. فلا يلحق ذلك بالعقد.
وهذا ليس بشيء.
قال المسعودي [في (الإبانة) ق\317]: فإن حط جميع الثمن في حال الخيار.. ففيه وجهان: أحدهما: يبطل البيع؛ لأنه يكون بيعاً بلا ثمن.

فعلى هذا: لا تثبت الشفعة.
والثاني: لا يبطل البيع، كالإبراء، ففرق بين الحط، والإبراء.
فعلى هذا: هل يكون بيعاً، أو هبة؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يكون بيعاً، فتثبت فيه الشفعة.
والثاني: يكون هبة، فلا تثبت فيه الشفعة.

مسألة: نقصان الشقص في يد المشتري

]: وإن اشترى شقصاً فيه شفعة، فنقص الشقص في يد المشتري قبل أن يأخذه الشفيع، بأن كان داراً، فانهدم، أو حرق، واختار الشفيع الأخذ.. فنقل المزني: (أنه بالخيار: بين أن يأخذ بجميع الثمن، وبين أن يترك).
ونص الشافعي في القديم، وفي مواضع من كتبه الجديدة: (أنه يأخذه بحصته من الثمن).
واختلف أصحابنا فيها على خمس طرق: فـ[الأول]: منهم من قال: فيها قولان ـ وهو الصحيح: أحدهما: يأخذه بجميع الثمن؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن باعه.. فشريكه أحق به بالثمن».
ولم يفرق.
والثاني: يأخذه بالحصة، وهو الصحيح؛ لأنه أخذ بعض ما يتناوله العقد، وأخذه بحصته من الثمن، كما لو اشترى سيفاً وشقصاً.. فإن الشفيع يأخذ الشقص بحصته، وهذه علة الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -. واختلف أصحاب هذا الطريق، إذا كان هناك أخشاب، أو أحجار منفصلة عن الدار باقية.. هل يستحقها الشفيع؟ فمنهم من قال: لا يستحقها؛ لأن ذلك منفصل عنها حال أخذه بالشفعة، فلم يستحقها، كما لو اشترى داراً، وقد كان انفصل عنها أحجار وأخشاب.

ومنهم من قال: يستحقها الشفيع، وهو الصحيح؛ لأن استحقاقه للشفعة حال البيع، وقد كان متصلا بها، فلم يسقط حقه بانفصاله عنها، كما لو اشترى داراً، فانهدمت قبل أن يقبضها.
و [الطريق الثاني]: من أصحابنا من قال: ليست على قولين، وإنما يأخذها بالحصة، قولا واحداً؛ للعلة التي ذكرها الشافعي.
وتأول هذا القائل ما نقله المزني على: أنه أراد به: إذا استهدم الدار، ولم تنهدم، بأن انشق الحائط، وما أشبهه، وهذا القائل يقول: إذا كان هناك أحجار وأخشاب منفصلة.. فإن الشفيع لا يستحق أخذها.
و [الطريق الثالث]: منهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال: يأخذه بجميع الثمن، إذا انهدمت الدار، ولم يذهب من أجزائها شيء.. فإنه يأخذ ما بقي من البناء، وما انفصل من الأحجار والأخشاب، بجميع الثمن.
والموضوع الذي قال: يأخذه بالحصة، إذا انهدمت الدار، وذهب شيء من أجزاء الأحجار والأخشاب؛ لأن الثمن يقابل الأعيان، ولا يقابل التالف.
و [الطريق الرابع]: منهم من قال: هي على حالين آخرين: فالموضع الذي قال: يأخذه بجميع الثمن، إذا كانت العرصة باقية، ولا يضره ذهاب التالف من أجزاء الأحجار والأخشاب.
والموضع الذي قال: يأخذه بالحصة، أراد: إذا ذهب شيء من أجزاء العرصة؛ لأن العرصة هي الأصل، والأحجار والأخشاب تابعة لها، ولهذا لم تثبت الشفعة فيهما، إلا تبعا للعرصة، فكان الحكم للمتبوع دون التابع.
و [الطريق الخامس]: منهم من قال: هي على حالين آخرين:

فالموضع الذي قال: يأخذه بجميع الثمن، إذا ذهب بآفة سماوية.
والموضوع الذي قال: يأخذ بالحصة، إذا ذهب بفعل آدمي، إما البائع، أو المشتري، أو الأجنبي؛ لأنه إذا ذهب بآفة سماوية.. لم يحصل للمشتري بدل ذلك، وإذا ذهب بفعل آدمي.. حصل له عوضه.
وهذا الطريق مذهب أبي حنيفة.
قال أصحابنا: وهذا الطريق وإن كان صحيحاً في الفقه، إلا أنه خلاف نص الشافعي في القديم؛ لأنه قال فيه: (يأخذه بالحصة، سواء كان نقصه بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي، أو بآفة سماوية).

[مسألة: اشترى شقصاً بمؤجل]

]: وإن اشترى شقصا بمائة درهم مؤجلة إلى سنة.. فقيه ثلاثة أقوال: أحدها ـ قاله في القديم، وبه قال مالك ـ: (إن الشفيع يأخذه بمائة مؤجلة)، إلا أن مالكا قال: (إن كان الشفيع ثقة، وإلا أقام للمشتري ثقة يكون الثمن في ذمته؛ لأن الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته، فكان تابعاً له في التأجيل).
فعلى هذا: إن مات المشتري قبل حلول الأجل.. حل الدين عليه؛ لأن الأجل جعل رفقا بمن عليه الدين، والرفق هاهنا للميت في تخليص ذمته، ولا يحل ذلك على الشفيع؛ لعدم المعنى الذي ذكرناه في المشتري، وإن مات الشفيع.. حل عليه الدين للمشتري، ولا يلزم المشتري تعجيل الثمن للبائع؛ لما ذكرناه.
والقول الثاني ـ ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (كتاب الشروط) ـ: (أن الشفيع يأخذ الشقص بسلعة تساوي مائة درهم إلى سنة)؛ لأنه لا يجوز أن يأخذه بمائة مؤجلة؛ لأن الذمم لا تتساوى، ولا يجوز أن يطالب بمائة حالة؛ لأن ذلك أكثر مما لزم المشتري، فإذا تعذر هذان القسمان.. لم يبق إلا أن يأخذه بسلعة تساوي مائة إلى الأجل.

والقول الثالث ـ ذكره الشافعي في الجديد، وهو الصحيح ـ: (أن الشفيع بالخيار: بين أن يعجل المائة، ويأخذ الشقص، وبين أن يصبر، ويترك الشقص في يد المشتري إلى أن يحل الأجل، فيأخذ بالمائة)؛ لأنه لا يجوز أن يأخذ بمائة مؤجلة؛ لأن الذمم لا تتماثل، ولا يجوز أن يأخذ بسلعة تساوي مائة إلى الأجل؛ لأن الشفيع لا يأخذ بغير جنس الثمن، فإذا بطل هذان القسمان.. لم يبق إلا أن يجبر على ما ذكرناه.
فإن مات المشتري قبل حلول الأجل.. حل الثمن في تركته، ولم يحل على الشفيع، بل هو بالخيار على ما ذكرناه، وإن لم يمت المشتري، ولكن باع الشقص قبل حلول الأجل.. صح البيع؛ لأنه ملكه، والشفيع بالخيار: بين أن يأخذ بالبيع الثاني، وبين أن يفسخ الثاني، ويأخذ بالأول.

[مسألة: باع شقصاً في مرض موته]

]: إذا باع رجل في مرض موته شقصا له من دار بثمن مثله من وارثه.. صح البيع، سواء كان الشفيع وارثاً أو غير وارث، ولا يعترض عليه في ذلك، وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح بيعه؛ لأنه محجور عليه في حقه، فصار كبيع الصبي).
وهذا ليس بصحيح؛ لأنه محجور عليه في حقه بالشرع، كما يحجر عليه في حق الأجنبي فيما زاد على الثلث، فأما البيع منه بثمن المثل: فغير محجور عليه في حقه.
وإن حاباه، بأن باع منه شقصاً يساوي ألفين بألف.. فالورثة بالخيار مع المحاباة هاهنا، سواء احتملها الثلث أو لم يحتملها الثلث، فإن أجازوها.. أخذها الشفيع، وإن لم يجيزوها.. فإن البيع يصح في نصف الشقص بألف، ويرجع إلى الورثة نصف الشقص، فإن اختار الشفيع أخذ نصف الشقص بالألف.. أخذه، ولم يكن للمشتري فسخ البيع؛ لأنه لا ضرر عليه في ذلك، وإن لم يختر الشفيع أخذه.. كان للمشتري الخيار؛ لأن الصفقة تفرقت عليه.

وإن كان المشتري أجنبياً، وكان هناك محاباة تخرج من الثلث، فإن كان الشفيع أجنبياً.. كان له أخذ جميع الشقص بالألف؛ لأن الشفيع يأخذ جميع ما حصل للمشتري بالذي ملك به، وإن كان الشفيع وارثا.. ففيه خمسة أوجه؛ أربعة لأبي العباس، والخامس خرجه أصحابنا: أحدها: أن البيع صحيح، ولا يستحق الشفيع إلا نصف الشقص بالألف، ويبقى النصف للمشتري بغير ثمن؛ لأن المحاباة تصح للأجنبي، ولا تصح للوارث، فلو دفعنا جميع الشقص إلى الشفيع.. لحصلت المحاباة للوارث، وهذا لا يجوز، فصار كأنه باع منه النصف بألف، ووهب منه النصف.
والوجه الثاني: أن البيع يصح في نصف الشقص بألف، ويأخذه الشفيع، ويبطل البيع في نصفه، فيرجع إلى ورثة الميت؛ لأنا لا يمكننا أن ندفع جميع الشقص إلى الشفيع؛ لأن في ذلك إثبات المحاباة للوارث، وهذا لا يصح، ولا يمكننا أن نقول: يأخذ نصف الشقص بالألف؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يلزم الشفيع أكثر مما لزم المشتري، وهذا لا يجوز، فلم يبق إلا ما قلناه.
والوجه الثالث: أن البيع يبطل في الجميع؛ لأنه لا يمكن تصحيح البيع في الشقص، ودفع المحاباة إلى الوارث؛ لأن ذلك لا يجوز، ولا يمكن أن يدفع إلى الوارث نصف الشقص بجميع الثمن؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يلزم الشفيع أكثر مما لزم المشتري، وهذا لا يجوز، ولا يمكن إبطال البيع في النصف الذي تعلقت به المحاباة فقط؛ لأن تعلق البيع في النصف الذي حصلت به المحاباة كتعلقه بالآخر، فلم يبق إلا الحكم بإبطال البيع في الجميع.
والوجه الرابع ـ وهو اختيار الشيخين: أبي حامد، وأبي إسحاق ـ: أن البيع يصح في جميع الشقص بالألف، ويستحق الشفيع أخذ جميعه بالألف؛ لأن الاعتبار بالمحاباة لمن حصلت له، لا بمن تؤول إليه المحاباة، والذي حصلت له المحاباة هو

المشتري، فهو كما لو أوصى لأجنبي بشيء، ولوارث الموصي على الموصى له دين، والموصى له محجور عليه.. فإن يعلم أن الوصية تؤول إلى وارث الموصي، ولا يحكم بإبطال الوصية لهذا المعنى، فكذلك هذا مثله.
والوجه الخامس ـ الذي خرجه أصحابنا ـ: أن البيع يصح في جميع الشقص بالألف، وتسقط الشفعة، وهو قول أبي حنيفة، واختيار ابن الصباغ؛ لأنا إذا أثبتنا الشفعة.. أدى إلى إبطال البيع، وإذا بطل البيع.. بطلت الشفعة، وما أدى ثبوته إلى سقوطه، وسقوط غيره.. وجب إسقاطه، ويفارق الوصية لمن عليه دين لوارث الموصي؛ لأن استحقاقه للأخذ إنما هو بدينه لا من جهة الوصية، وهذا استحقاقه من جهة الوصية.

مسألة: شراء الشقص بما له مثل

]: وإن اشترى الشقص بعرض.. نظرت: فإن كان له مثل، كالحبوب، والأدهان.. أخذ الشفيع بمثله؛ لأنه من ذوات الأمثال، فأشبه الأثمان.
وإن اشتراه بما لا مثل له، بأن اشتراه بعبد، أو ثوب، وما أشبهه.. فإن الشفيع يأخذ الشقص بقيمة العرض الذي اشترى به، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال الحسن البصري، وسوار القاضي: لا تثبت الشفعة هاهنا.
دليلنا: أنه أحد نوعي الثمن، فجاز أن تثبت فيه الشفعة، كذوات الأمثال.
إذا ثبت هذا: فأي وقت تعتبر فيه قيمة العرض؟ فيه وجهان:

أحدهما ـ وهو قول أكثر أصحابنا ـ: أنها تعتبر وقت البيع؛ لأنه وقت الاستحقاق، ولا اعتبار بما حدث بعد ذلك من زيادة، أو نقصان.
والثاني ـ وهو قول أبي العباس، ولم يذكر في (الفروع) غيره ـ: أنها تعتبر حين استقرار العقد، وهو عند انقضاء الخيار، كما يعتبر قدر الثمن في تلك الحال.
وقال مالك: (يأخذه الشفيع بقيمة العرض يوم المحاكمة).
وهذا ليس بصحيح؛ لأن ذلك ليس بوقت لاستحقاقه للشفعة، وإنما الاعتبار بوقت الاستحقاق، كما لو أتلف عليه عرضاً.. فإن قيمته تعتبر وقت الإتلاف ـ لأنه وقت الاستحقاق ـ لا وقت المحاكمة.

[فرع: اشترى شقصاً بعين فتلفت]

]: وإن اشترى شقصا بعين، فتلفت قبل القبض.. بطل البيع، وبطلت الشفعة؛ لأن الشفعة فرع للبيع، فإذا بطل الأصل.. بطل الفرع، وهكذا: لو اشترى شقصاً بعرض، فاستحق العرض.. بطلت الشفعة؛ لما ذكرناه.

[فرع: اشترى شقصاً بعبد فوجد به عيباً]

ً]: وإن اشترى شقصاً بعبد، فوجد بائع الشقص بالعبد عيباً، فلا يخلو: إما أن يكون ذلك بعد أخذ الشفيع الشقص من المشتري، أو قبل أن يأخذه.
فإن كان ذلك بعد أن أخذ الشفيع الشقص.. فلبائع الشقص أن يرد العبد على المشتري؛ لأنه ملكه منه بعقد معاوضة، فكان له رده بالعيب، فإذا رده عليه.. لم يكن للمشتري أن يسترجع الشقص من الشفيع؛ لأن الشفيع قد ملكه بالأخذ، فلم يجز إبطال ملكه، كما لو باعه للمشتري، ثم وجد بائعه بالثمن عيباً.
فعلى هذا: يرجع بائع الشقص على المشتري بقيمة الشقص؛ لأنه تعذر عليه الرجوع إلى عين الشقص، فرجع عليه بقيمته، كما لو غصب شيئاً، فتلف في يده.
إذا ثبت هذا: وقد أخذ المشتري من الشفيع قيمة العبد.. فهل يثبت التراجع بين

الشفيع والمشتري بما بين قيمة الشقص وقيمة العبد إن كان بينهما اختلاف؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تراجع بينهما؛ لأن الشفيع قد أخذ الشقص بالثمن الذي استقر عليه العقد، وهو قيمة العبد، ولا يتغير ذلك لما حدث من الرد.
والثاني: يتراجعان؛ لأن الشفيع يأخذ الشقص بما استقر على المشتري والذي استقر عليه الآن، وهو قيمة الشقص.
فعلى هذا: يقابل بين القيمتين، فإن كانت قيمة الشقص أكثر من قيمة العبد.. رجع المشتري على الشفيع بما زاد على قيمة العبد، وإن كانت قيمة العبد أكثر من قيمة الشقص.. استرجع الشفيع من المشتري ما زاد من قيمة العبد على قيمة الشقص، فإن عاد الشقص إلى المشتري ببيع، أو هبة، أو إرث.. لم يكن للبائع أن يرد القيمة ويطالب بالشقص؛ لأن ملك البائع والمشتري قد زال عن الشقص، بخلاف المغصوب إذا ضل عن الغاصب؛ لأن ملك المغصوب منه لم يزل.
وإن وجد بائع الشقص بالعبد عيباً قبل أن يأخذ الشفيع الشقص.. فأيهما أحق بالشقص؟ فيه وجهان: أحدهما: أن البائع أحق به؛ لأن الشفعة تثبت لإزالة الضرر عن الشفيع، وفي إثباتها هاهنا إضرار بالبائع، والضرر لا يزال بالضرر.
والثاني: أن الشفيع أحق بالشقص؛ لأن حقه سابق؛ لأنه ثبت بالبيع.
فعلى هذا: يرجع بائع الشقص على المشتري بقيمة الشقص، وهل يأخذ الشفيع الشقص بقيمته، أو بقيمة العبد؟ على الوجهين المذكورين في التراجع.
وإن وجد بائع الشقص بالعبد عيباً، وقد حدث عنده فيه عيب آخر.. فلا يجبر المشتري على قبول العبد لأجل العيب الحادث عند بائع الشقص، ولكن يرجع بائع

الشقص على المشتري بأرش العيب، وهل يرجع المشتري على الشفيع بشيء؟ قال أصحابنا: ينظر فيه: فإن كان الشفيع قد دفع إلى المشتري قيمة العبد سليما.
فلا يرجع عليه بشيء؛ لأنه قد أخذ منه قيمته سليما، فدخل في جملة ذلك أرش العيب.
وإن كان قومه عليه معيبا.. فهل يرجع عليه بشيء فيه وجهان: أحدهما: لا يرجع عليه؛ لأنه استحقه بما سمي في العقد.
والثاني: يرجع عليه؛ لأن الثمن استقر على المشتري بالعبد والأرش.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يرجع هاهنا، وجها واحدا بخلاف ما تقدم من قيمة الشقص؛ لأن العقد اقتضى أن يكون العبد سليما، فما دفع إلا ما اقتضاه العقد، بخلاف قيمة الشقص، ولهذا لو كان دفع قيمة عبد سليم.. لم يكن للشفيع أن يرجع عليه بقدر قيمة العبد، فثبت أن ذلك مستحق على الشفيع.
قلت: والذي يقتضي المذهب: أن قيمة الشقص إذا كانت أكثر من قيمة العبد، وأخذ الشفيع بقيمته سليما.. أن حكمه حكم ما لو أخذ الشقص بقيمته معيبا؛ لأن البائع إنما يرجع على المشتري بالأرش بجزء من قيمة الشقص، فحينئذ يستقر عليه الشقص بأكثر من قيمة العبد، وهل يكون له الرجوع بالفضل؟ على ما مضى من الوجهين.

فرع: الشقص يكون مهرا وعوض خلع وأجره

قد ذكرنا: أن الشقص إذا جعل مهرا في نكاح، أو عوضا في خلع، أو أجرة في إجارة.. فإن الشفعة تثبت فيه، ومضى خلاف أبي حنيفة فيها.
إذا ثبت هذا: فإن الشفيع يأخذه، ويلزمه أن يدفع إلى المرأة مهر مثلها إذا كان صداقا، ويدفع إلى الزوج مهر مثل المرأة التي خالعته عليه، ويدفع إلى المؤاجر أجرة مثل المنفعة التي جعل الشقص أجرة عنها.

وقال مالك: (يلزمه قيمة الشقص).
ودليلنا: أن المنفعة لا مثل لها، فأخذ الشفيع بقيمتها، كالثوب، والعبد.
وإن جعل الشقص متعة في طلاق امرأة.. فيأخذ الشفيع بمتعة مثلها، لا بمهر مثلها؛ لأن الواجب المتعة لا المهر.

فرع: أمهر شقصا فيه شفعة

إذا أصدق الرجل امرأته شقصا فيه شفعة، ثم طلقها قبل الدخول، فإن طلقها بعد ما أخذ الشفيع الشقص.. فإن الزوج لا يستحق الرجوع في نصف الشقص؛ لأن ملك المرأة قد زال عنه، ولكن يرجع الزوج على زوجته بنصف قيمة الشقص، كما لو كان الشقص تالفا.
إذا ثبت هذا: فإنه يرجع عليها بقيمة نصف الشقص أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض؛ لأن القيمة إن كانت أقل وقت العقد، ثم زادت.. فالزيادة حدثت في ملكها، فلا يرجع الزوج عليها بها، وإن كانت قيمته وقت العقد أكثر، ثم نقصت.. فالنقصان مضمون عليه، فلا يرجع عليها بما هو مضمون عليه.
ولم يذكر أصحابنا التراجع بين الزوجة والشفيع.
قلت: والذي يقتضي المذهب: أن الزوجة قد أخذت من الشفيع مهر مثلها، وقد دفعت إلى الزوج نصف قيمة الشقص، فإن كان بين نصف مهر المثل وبين نصف قيمة الشقص فضل.. فهل يثبت بينهما التراجع فيه؟ يحتمل أن تكون على الوجهين، كما قلنا في العبد المعيب.
وإن عفا الشفيع عن الشفعة، ثم طلقها الزوج قبل الدخول.. رجع الزوج بنصف الشقص؛ لأن حق الشفيع قد سقط عنه.
وإن طلقها الزوج قبل الدخول، وقبل علم الشفيع بالنكاح.. ففيه وجهان:

أحدهما: أن الزوج أولى بالرجوع، فيرجع بنصف الشقص، ويأخذ الشفيع النصف بنصف مهر المثل؛ لأن حق الزوج ثبت بنص القرآن، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، وحق الشفيع ثبت بأخبار الآحاد، والاجتهاد.
والثاني - وهو المنصوص -: (أن الشفيع أحق)؛ لأن حقه أسبق؛ لأنه ثبت بعقد النكاح، وحق الزوج ثبت بالطلاق، ولأن حق الشفيع ثبت أيضا بالإجماع، وما ثبت بالإجماع.. كالثابت بنص الكتاب، ومع هذا ترجيح، وهو أنا إذا دفعنا الشقص إلى الشفيع.. لم يسقط حق الزوج؛ لأنه يرجع إلى قيمة الشقص، فإذا دفعناه إلى الزوج.. أسقطنا حق الشفيع، فكان هذا أولى.

مسألة: اشترى شقصا فيه الشفعة

إذا اشترى رجل شقصا فيه شفعة.. فلا يخلو: إما أن يعلم الشفيع بالبيع، أو لم يعلم.
فإن لم يعلم، مثل: أن كان غائبا، أو كتم عنه.. لم تسقط شفعته وإن طال الزمان؛ لأن هذا خيار لإزالة الضرر، فلا يسقط بالجهل به، كما لو اشترى شيئا معيبا، ولم يعلم بالعيب إلا بعد زمان طويل.
وهكذا: لو علم بالبيع، ولم يعلم من المشتري، أو لم يعلم جنس الثمن، أو قدره.. لم تسقط شفعته؛ لأنه لا يعلم القدر من الثمن الذي يدفعه، ولأن له غرضا في العلم بعين المشتري؛ لأنه قد لا يرضى بشركة رجل، ويرضى بشركة غيره.
وإن علم بالبيع، وقدر الثمن، والمشتري.. فلا يخلو: إما أن يكون له عذر، أو لا يكون له عذر.
فإن لم يكن له عذر، وطالب بالشفعة على الفور.. صح ذلك، وإن أخر الطلب عن الفور.. فهل تسقط شفعته؟ فيه أربعة أقوال: أحدها - قاله في القديم - (أن له الخيار على التأبيد لا يسقط إلا بالعفو، أو بما يدل على الترك، بأن يقول للمشتري: قاسمني، أو بعني، وليس للمشتري أن يرفعه إلى الحاكم ليجبره على الأخذ، أو الترك).
ووجهه: قول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن باعه، ولم يؤذنه.. فشريكه أحق».
ولم يفرق.
ولأنه استيفاء حق له، فجاز له تأخيره إلى أي وقت شاء، كالقصاص.
والقول الثاني - قاله في القديم أيضا -: (أنه على التراخي لا يسقط إلا بصريح العفو، أو بما يدل عليه)، إلا أن للمشتري أن يرفعه إلى الحاكم ليجبره على الأخذ، أو الترك؛ لأنا لو قلنا: إنه على الفور.. أضررنا بالشفيع؛ لأن الحظ له أن يؤخر لينظر: هل الحظ في الأخذ، أو الترك؟ ولو قلنا: إنه على التأبيد.. أضررنا بالمشتري؛ لأنه لا يغرس في أرضه، ولا يبني مخافة أن ينتزع ذلك منه، فجعل له الخيار إلى أن يرفعه المشتري إلى الحاكم.
والقول الثالث - قاله الشافعي في (سير) " حرملة " -: (أن للشفيع الخيار إلى ثلاثة أيام)، لأنه لا يمكن أن يجعل له الخيار على التأبيد، ولا على الفور؛ لما بيناه، ولا بد من فصل بينهما، وقدر ذلك بثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة؛ لأنها آخر حد القلة، وأول حد الكثرة، والضرر يزول عنهما بذلك.
والرابع - قاله في الجديد -: (أن خياره على الفور).
فإذا أخر الطلب من غير عذر.. سقطت شفعته، وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة لمن واثبها»، وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «الشفعة كنشطة العقال، إن قيدت.. ثبتت، وإن تركت فاللوم على من تركها».
ولأنه خيار لإزالة الضرر عن المال

فكان على الفور، كخيار الرد بالعيب، وفيه احتراز من خيار القصاص.
فإذا قلنا بهذا، وعليه التفريع: فمعنى قولنا: (على الفور) هو أن يطالبه على حسب ما جرت العادة به، لا على أسرع ما يمكن، حتى لو أمكنه أن يطرد مركوبه، أو يسرع في السير، فلم يفعل.. أن تبطل شفعته؛ لأن هذا لا يقوله أحد، ولكن على حسب العادة، فإن علم ذلك بالليل.. فليس عليه أن يطالبه، حتى يصبح؛ لأن العادة في الليل الإيواء والسكن دون المطالبة بالحقوق، وكذلك: إن علم وهو جائع أو عطشان.. لم يكن عليه أن يطالب حتى يفرغ من الأكل والشرب، وكذلك: إن علم به وهو في الحمام.. لم يكن عليه أن يطالب حتى يخرج منه، وكذلك: إن كان يريد الصلاة.. فله أن يتطهر، ويلبس الثوب، ويؤذن، ويأتي بسنن الصلاة وهيآتها، ولا تبطل شفعته بذلك؛ لأن العادة جرت بتقديم هذه الحوائج على غيرها، وكذلك: إذا أخره لإغلاق الباب، وحفظ المال، وتحصيل المركوب إن كانت عادته الركوب، أو كانت المسافة بعيدة؛ لأن العادة جرت بتقديم ذلك، وإذا لقي المشتري، وقال: السلام عليكم، أخذت الشقص أو الشفعة بالثمن الذي اشتريت به.. صح ذلك، ولا تبطل شفعته بالسلام؛ لأن السلام قبل الكلام سنة؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من بدأ بالكلام قبل السلام.. فلا تجيبوه».

وإن قال: بارك الله لك في صفقة يمينك.. لم تبطل شفعته بذلك؛ لأن ذلك يتصل بالسلام، ولأنه إذا بورك في الصفقة.. انتفع الشفيع بها؛ لأنه يأخذ من الصفقة المباركة، فلم تبطل شفعته بذلك.
وإن سأله بعد السلام عن حاله، وما أشبه ذلك.. بطلت شفعته؛ لأنه ترك الأخذ بالشفعة مع القدرة عليها، فبطلت.
وإن قال الشفيع للمشتري: هبني، أو بعني الشقص، وما أشبه ذلك.. بطلت شفعته؛ لأنه عدل عن المطالبة بالشفعة، إلى أن يتملكه بجهة أخرى.
وإن قال المشتري للشفيع: صالحني عما وجب لك من الشفعة بدينار، فقال الشفيع: صالحتك.. لم يصح الصلح، ولا يملك الشفيع العوض، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (يصح).

دليلنا: أنه خيار تملك، فلا يصح بدل العوض فيه، كخيار الثلاث، وهل تسقط الشفعة؟ فيه وجهان: أحدهما: تسقط؛ لأنه لما عدل عن الشفعة إلى العوض.. كان ذلك رضا بإسقاطها.
والثاني: لا تسقط وهو الصحيح؛ لأنه عدل عن الشفعة إلى عوض، فإذا لم يصح له العوض.. رجع إلى شفعته، كما لو باع له عينا بثمن لا يصح.

فرع: لا تتوقف المطالبة بالشقص على التسليم

قال الشافعي: (وإن كان بينهما دار بمكة، فحصلا بمصر، فباع أحدهما نصيبه منها، وعلم شريكه، فلقي الشفيع المشتري، فلم يشفع عليه حتى رجعا إلى مكة، فشفع عليه.. لم يكن له ذلك؛ لأنه أخر الأخذ من غير عذر، فإن قال: إنما أخرت المطالبة لأستيقن بقاء الدار، ولأقبض الشقص.. لم يقبل منه ذلك؛ لأن الأصل بقاؤها، ولأن المطالبة بالشفعة لا توقف على تسليم الشقص).
فرع: [نقد دنانير لأجل الشقص فكانت مستحقة]: وإن خرجت الدنانير التي دفعها الشفيع مستحقة.
نظرت: فإن شفع بدنانير في ذمته، مثل: أن قال: أخذت الشفعة بالثمن الذي اشتريت به، أو أخذت الشقص على الثمن الذي اشتريت به، ثم نقد الدنانير إلى المشتري، فبان أنها مستحقة.. فقد ملك الشفيع الشقص بالثمن الذي في ذمته، فإذا استحق ما نقده.. لم تبطل شفعته، بل يلزمه أن ينقد دنانير يملكها، كما لو اشترى عينا بثمن في ذمته، ثم نقد عما في ذمته بدنانير، فاستحقت.. فإن الشراء لا يبطل.
وإن شفع بعين الدنانير، مثل: أن قال: أخذت الشفعة أو الشقص بهذه الدنانير ثم استحقت.. فهل تبطل شفعته؟ فيه وجهان: أحدهما: تبطل؛ لأنه لما أخذ الشفعة بدنانير لا يملكها صار كأنه ترك أخذ الشقص مع القدرة عليها.

جارٍ التحميل