البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 91-131

كتاب السير

صفحات 91-131
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب السير قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لما مضت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مدة من هجرته.. أنعم الله فيها على جماعات باتباعه، حدثت لهم ـ مع عون الله ـ قوة بالعدد لم يكن قبلها فرض الله عليهم الجهاد).
وجملة ذلك: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان قبل أن يبعث متمسكا بدين إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ولم يعبد صنما ولا وثنا؛ ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما كفر بالله نبي قط».
فـ: «أول ما ابتدأه الله بالوحي: بالمنامات الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
وكان قد حببت إليه الخلوة، وكان يصعد إلى حراء ـ جبل

بمكة ـ وكان كل شجر وحجر مر به يقول له: السلام عليك يا رسول الله، فلا يرى أحدا ففزع من ذلك.. فبينما هو ذات يوم إذ أتاه جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فقال: يا محمد، اقرأ.
فقال: " وما أقرأ؟ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1] ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2] [العلق: 1 - 2]، ففزع من ذلك وراح إلى بيت خديجة، فقال: (زملوني دثروني)، وأخبر خديجة قصته، وقال: (أتاني شخص، أترين بي جنة؟) قالت له: ما كان الله ليفعل بك هذا، ثم قالت له: إذا جاءك فعرفني.
فلما جاء جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.. قال لها: " قد جاءني " فجاءت وأقعدته على فخذها الأيمن، وقالت له: أين هو؟ قال: " واقف "، فدارته إلى فخذها الأيسر، وقالت: أين هو؟ قال: " واقف "، فكشفت عن رأسها وقالت: أين هو؟ قال: " قد غاب " قالت له: أبشر، فإنه ملك؛ حيث

غاب عندما كشفت العورة، ولو كان شيطانا.. لم يغب لذلك».
ثم أمره الله تَعالَى بالإنذار وأن يدعو الناس إلى الله، فقال تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1] ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2] ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] [المدثر: 1 - 4] وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] [الكافرون: 1] إلى آخرها، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] [الشعراء: 214]. «وكان النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتخوف أن يدعو قريشا إلى الله فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67] [المائدة: 67]، فضمن له العصمة من الناس، فقام النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجمع قومه ودعاهم إلى الله تَعالَى، فقال أبُو لهب: ألهذا دعوتنا، تبا لهذا الحديث، فأنزل الله تَعالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1] [المسد: 1] إلى آخرها».
فأمره الله تَعالَى بالإعراض عنهم، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68] [الأنعام: 68] وقال تَعالَى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ [الأنعام: 108] الآية [الأنعام: 108]، فكان النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعرض عنهم، فكثر تأذي النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فأذن الله تَعالَى لهم في الهجرة، ولم يوجبها عليهم، فقال تَعالَى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100] الآية [النساء: 100] فهاجر بعض أصحاب النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الحبشة، وبعضهم

إلى الشام، وتفرقوا.
وكان النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج في المواسم ومعه أبُو بكر الصدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيعرض نفسه على قبائل العرب، فلم يقبله أحد حتى قدم مكة الأوس والخزرج ـ قوم من المدينة ـ فعرض النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفسه عليهم، فقالوا: وراءنا رهط من قومنا، وإنا نرجع إليهم ونعرفهم ذلك، فإن قبلوك.. انتقلت إلينا ونصرناك.
فلما رجعوا إلى المدينة.. أخبروا قومهم به وعرفوهم حالة فقبلوه.
فلما كان وقت الموسم.. قدموا مكة، وقالوا: قد أخبرنا قومنا بخبرك فقبلوك، فسر معنا.
فوجه معهم مصعب بن عمير؛ ليعلمهم الإسلام، فعلمهم الإسلام، وكان يصَلَّى بهم.
ثم هاجر النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليهم، فلما استقر بالمدينة، وأسلم خلق كثير، أذن لهم الله تَعالَى بالقتال، ولم يفرضه عليهم بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: 39] الآية [الحج: 39]، فلما كثر المسلمون واشتدت شوكتهم بعد مدة.. فرض الله عليهم القتال، فقال عز وجل: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 41] [التوبة: 41] وقال عز وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29] وقال تَعالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] [التوبة: 5]، وفي ذلك آي كثير.
فهذا معنى قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لما مضت برسول الله مدة من هجرته) إلى آخر كلامه.
ثم أوجب الله على من بقي من المسلمين مع الكفار الهجرة، وقيل - إن سبب وجوبها -: أن قريشا لما خرجوا إلى بدر لقتال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. أكرهوا من معهم من المسلمين على الخروج معهم والقتال، فقيل: إنه قتل من المسلمين الذين معهم ناس، فقال الله تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] [النساء: 97] الآية، فتواعدهم على ترك الهجرة، والتواعد لا يكون إلا على واجب.
وقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

«أنا بريء من كل مسلم مع مشرك» وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المسلم والكافر: «لا تراءى ناراهما».
إذا ثبت هذا: فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدهما: أن يكون ممن أسلم وله عشيرة تمنع منه، ولكنه يقدر على الهجرة، ويقدر على إظهار دينه، ولا يخاف الفتنة في دينه.. فهذا يستحب له أن يهاجر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51] [المائدة: 51] ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تراءى ناراهما».
ولا تجب عليه الهجرة.
والضرب الثاني: أن يكون ممن أسلم ولا عشيرة له تمنع منه، ولا يقدر على الهجرة لعجزه عن المشي، ولا له مال يمكنه أن يكتري منه ما يحمله.. فهذا لا تجب عليه الهجرة، بل يجوز له المقام مع الكفار.

والضرب الثالث: أن يكون ممن أسلم ولا عشيرة له تمنع منه، ولكنه يقدر على الهجرة بالمشي، وله مال يمكنه أن يكتري منه ما يحمله.. فهذا تجب عليه الهجرة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] [النساء: 97] الآية.
فأخبر الله: أن من كان مستضعفا بين المشركين وهو يقدر على الخروج من بينهم فلم يفعل.. فإن مأواه النار.
فدليل خطابه: أن من لم يكن مستضعفا بينهم، بل يتمكن من إظهار دينه.. أنه لا شيء عليه، فثبت وجوب الهجرة على المستضعف الذي يقدر على الخروج بنص الآية، وسقوط الهجرة عمن ليس بمستضعف بدليل خطابها، ثم استثنى فقال: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: 98] [النساء: 98] الآية، فأخبر: أن المستضعف الذي لا يقدر على الخروج خارج من الوعيد.
فإن وجبت الهجرة على رجل من بلد، ففتح ذلك البلد وصار دار إسلام.. لم تجب عليه الهجرة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا هجرة بعد الفتح» وأراد به: لا هجرة من مكة

بعد أن فتحت، ولم يرد: أن الهجرة تنقطع من جميع البلاد بفتح مكة؛ بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».

مسألة: الجهاد فرض على الكفاية وماذا لو كان في الأشهر الحرم؟

؟]: الجهاد فرض من فروض الكفاية منذ فرضه الله تَعالَى إلى وقتنا هذا.
فإذا قام به بعض المسلمين.. سقط الفرض عن الباقين.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه كان فرضا على الأعيان في أول الإسلام لقلتهم.
والأول هو المشهور.
وقال ابن المسيب: هو فرض على الأعيان في كل زمان.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى:

﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95] [النساء: 95] الآية، فمنها دليلان: أحدهما: أنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين، والمفاضلة لا تكون إلا بين جائزين.
والثاني: قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95] [النساء: 95]، فلو كان القاعد تاركا لفرض.. لما وعد بالحسنى.
ولـ: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج عام بدر وأحد، وبقي ناس لم يخرجوا معه، فلم ينكر عليهم».
وقد: «كان النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج بنفسه تارة، وتارة يبعث بالسرايا».
فدلَّ على أنه ليس بفرض على الأعيان.
وبعث النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى بني لحيان، وقال: «ليخرج من كل رجلين رجل، ويخلف الآخر الغازي في أهله وماله».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير.. كان له مثل نصف أجر الخارج».
ورُوِي: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من جهز غازيا.. فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله وماله بخير.. فقد غزا».
ولأنا لو قلنا: إنه فرض على الأعيان.. لانقطع الناس به عن معاشهم، فدخل الضرر عليهم.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: فإن دخل المشركون بلدا من بلاد الإسلام.. وجب الجهاد على أعيان من يقرب عن ذلك البلد.

أراد: وإن لم يجد زادا وراحلة.
قال: ويجب الجهاد على أعيان من كان بعيدا من ذلك البلد إذا وجد الزاد والراحلة، وهل يجب على أعيان من كان بعيدا من ذلك البلد وإن لم يجدوا زادا ولا راحلة؟ فيه وجهان.
أحدهما: يجب على أعيانهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: 41] [التوبة: 41]، فيجب عليهم أن يتحركوا للقتال.
والثاني: لا يجب عليهم؛ لأن عليهم مشقة عظيمة في ذلك، فلم يجب عليهم، كما لا يجب عليهم الحج.
إذا ثبت هذا: فإن الجهاد في سبيل الله كان محرما في الأشهر الحرم في أول الإسلام، وفي البلد الحرام إلا إن ابتدئوا بالقتال.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 217] [البقرة: 217] الآية، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] [التوبة: 5] الآية، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: 191] [البقرة: 191]. ثم نسخ ذلك كله، فقال تَعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29]، ولم يفرق.
ولـ: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث خالد بن الوليد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى الطائف في ذي القعدة فقاتلهم، وسار إلى مكة ليفتحها من غير أن يبدؤوه بقتال».

فرع: يستحب للإمام أن يكثر من الجهاد إذا توفرت أمور

]: ومتى علم الإمام في المسلمين قوة، وعددا، وقوة نية في القتال.. فالمستحب له: أن يكثر من الجهاد؛ لما رُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: " الإيمان بالله ورسوله، ثم جهاد في سبيل الله».
وروى أبُو هُرَيرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «والذي نفسي بيده، لوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا»، فكان أبُو هُرَيرَة، يقول ثلاثا: أشهد.
ورَوَى أبُو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نبيا.. وجبت له الجنة "، فقال: أعدها يا رسول الله، ففعل، ثم قال: " وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: " الجهاد في سبيل الله» ورُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غزا سبعا وعشرين غزوة، وبعث خمسا وثلاثين سرية».

وأقل ما يجزئ الإمام أن يغزو بنفسه أو بسراياه في السنة مرة؛ لأن الجهاد يسقط ببذل الجزية، والجزية تجب في كل سنة مرة، فكذلك الجهاد، فإن دعت الحاجة إلى القتال في السنة أكثر من مرة.. وجب ذلك.
وإن علم الإمام في المسلمين قلة عدد، أو ضعفا في نياتهم، أو فيما يحتاجون إليه.. جاز له أن يؤخر الجهاد أكثر من سنة إلى أن يكثر عددهم، وتقوى نياتهم أو يوجد ما يحتاج إليه في القتال؛ لأن القصد بالقتال النكاية في العدو، فإذا قاتلهم مع وجود هذه الأشياء.. لم يؤمن أن تكون النكاية في المسلمين.

مسألة: لا يجاهد عن غيره بعوض ولا بغير عوض

]: ولا يجوز أن يجاهد أحد عن غيره بعوض ولا بغير عوض.
فإن فعل.. وقع الجهاد عن المجاهد، ووجب عليه رد العوض؛ لأن الجهاد فرض على الكفاية، فإذا حضر المجاهد الصف.. تعين عليه الجهاد بنفسه ولم يقع عن غيره، كما لو استأجر شخصا يحج عنه من لم يحج عن نفسه.

مسألة: الجهاد على الرجال الأحرار دون غيرهم

]: ولا يجب على المرأة الجهاد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: 65] [الأنفال: 65]، وهذا خطاب للذكور.
ورُوِي: «أن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: سألت رسول الله: هل على النساء جهاد؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " جهادكن الحج " أو قال: " حسبكن الحج».

ورُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى امرأة مقتولة، فقال: " ما بالها تقتل وإنها لا تقاتل؟!».
ولا يجب الجهاد على الخنثى المشكل؛ لجواز أن يكون امرأة.
ولا يجب الجهاد على العبد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41] [التوبة: 41]، والعبد لا مال له، ولقوله تَعالَى:

﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] [التوبة: 91]، والعبد لا يجد ما ينفق.
ورُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا جاءه من يسلم ولم يعرفه قال له: " أحر أنت أو عبد؟»، فإن قال: حر.. بايعه على الإسلام والجهاد.
وإن قال: عبد.. بايعه على الإسلام فقط.
«وروى عبد الله بن عامر قال: خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزاة، فمررنا بقوم من مزينة، فتبعنا مملوك امرأة منهم، فقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أستأذنت مولاتك؟ "، فقال: لا.
قال: " إن مت.. لم أصل عليك، ارجع واستأذنها وأقرئها سلامي»، فرجع العبد إليها وأقرأها السلام من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأذنت له في الخروج، ولأن الجهاد قربة يتعلق بقطع مسافة بعيدة، فلم يجب على العبد، كالحج.
وفيه احتراز من الهجرة؛ قال الشيخُ أبُو حامد: فإنها تجب على العبد؛ لأن الهجرة عبادة هي قطع المسافة؛ لأن قطع المسافة هو أداء العبادة.
ولا يجب الجهاد على من بعضه حر وبعضه عبد؛ لأنه ناقص بالرق، فهو كالقن.

فرع: لا يجب الجهاد على صغير ولا مجنون

]: ولا يجب الجهاد على صبي ولا مجنون؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» ورُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رد أنسا وابنَ عُمر، وعشرين من أصحابه؛ استصغرهم».
ولأن الجهاد عبادة بدنية، فلم تجب على الصبي والمجنون، كالصلاة والصوم.

مسألة: لا جهاد على الأعمى وماذا لو كان في بصره أو جسده علة؟

؟]: ولا يجب الجهاد على الأعمى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61] [النور: 61]، ولم يختلف أهل التفسير أنها في الفتح [وهي في سورة الفتح: 17]: نزلت في الجهاد.
ولقوله تَعالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: 91] [التوبة: 91].
قال ابن عبَّاس: (أنا ضعيف وأمي ضعيفة ـ يعني: أنا أعمى وأمي امرأة ـ فلا حرج علينا بترك الجهاد).
ورُوِي: أنه لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95] [النساء: 95].
قال ابن أم

مكتوم: فضل الله المجاهدين علينا، فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95]، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " اكتبوها بين الكلمتين؛ بين قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95]، وبين قوله: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: 95].
ولأن المقصود من الجهاد القتال، والأعمى ممن لا يقاتل.
ويجب الجهاد على الأعور؛ لأنه يدرك بالعين الواحدة ما يدركه البصير في القتال.
ويجب الجهاد على الأعشى ـ وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار ـ لأنه يدرك ما يدرك البصير في القتال.
وإن كان في بصره سوء، فإن كان يدرك الشخص وما يتقيه من السلاح.. وجب عليه الجهاد؛ لأنه يقدر على القتال.
وإن كان لا يدرك الشخص وما يتقيه من السلاح.. لم يجب عليه الجهاد؛ لأنه لا يقدر على الجهاد.
ولا يجب الجهاد على الأعرج.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والأعرج هو: المقعد) وقيل: هو الذي يعرج من إحدَى رجليه.
وهذا ينظر فيه: فإن كان مقعدا ولا يمكنه الركوب والنزول، أو لم يكن مقعدا ولكن عرج في إحدَى رجليه بحيث

لا يمكنه الركوب ولا النزول مسرعا ولا المشي مسرعا.. لم يجب عليه الجهاد؛ للآية.
وإن كان عرجه يسيرا، كالذي يخمع، ويمكنه الركوب والنزول والمشي مسرعا.. وجب عليه الجهاد؛ لأنه يتمكن من القتال.
ولا يجب الجهاد على مقطوع اليد أو أشل اليد، ولا على من قطعت أكثر أصابع يده؛ لأنه لا يتمكن من القتال.
وأمَّا المريض: فإن كان مرضه ثقيلا.. لا يجب عليه الجهاد للآية، ولأنه لا يقدر على القتال.
وإن كان مرضا يسيرا، كالصداع اليسير والحمى اليسيرة.. وجب عليه الجهاد؛ لأنه يقدر على القتال.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: فإن حضر الكفار.. وجب على المرأة والعبد والأعمى والأعرج أن يتحركوا على أنفسهم ويدفعوا عن أنفسهم وعمن يحضرهم.
ولا يتصور الوجوب على الصبيان والمجانين بحال.

مسألة: وجود الزاد والراحلة وماذا لو كان معسرا وبذل له ذلك؟

؟]: وأمَّا وجود الزاد والراحلة: فهل يعتبران في المجاهد؟ قال الشيخُ أبُو إسحاق: إن كان القتال على باب البلد وحواليه.. لم يعتبرا في حقه؛ لأنه لا يحتاج إليهما.
وقال الشيخُ أبُو حامد: إن كان العدو منه على مسافة لا تقصر إليها الصلاة.. فلا يجب عليه الجهاد حتى يجد نفقة الطريق، ولا يعتبر فيه وجود الراحلة.
وإن كان بينه وبين العدو مسافة تقصر إليها.. فلا يجب عليه الجهاد حتى يجد نفقة الطريق والراحلة فاضلا عن قوت عياله؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] [التوبة: 91].

وقوله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92] [التوبة: 92].
فإن كان معسرا، فبذل له الإمام ما يحتاج إليه من ذلك.. وجب عليه قبوله ووجب عليه الجهاد؛ لأن ما بذله له.. حق له.
وإن بذل له ذلك غير الإمام.. لم يجب عليه قبوله؛ لأن عليه منة في ذلك.

مسألة: جهاد المدين

حالا أو مؤجلا وماذا لو كان من المرتزقة؟]: وإن كان على الرجل دين.. نظرت: فإن كان الدين حالا.. لم يكن له أن يجاهد من غير إذن من له الدين؛ لما روى أبُو قتادة: «أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا ألي الجنة؟ فقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " نعم إلا الدين؛ بذلك أخبرني جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -»، فأخبر: أن الدين يمنع الجنة، فعلم أنه يمنع الاستشهاد؛ فإذا منع الاستشهاد.. علم أن جهاده ممنوع منه.
فإن استناب من يقضيه من مال له حاضر.. جاز له أن يجاهد من غير إذن الغريم؛ لأنه يصل إلى حقه.
وإن كان من مال غائب.. لم يجز له أن يجاهد من غير إذن غريمه؛ لأنه قد يتلف المال فلا يصل الغريم إلى دينه.
وإن كان الدين مؤجلا.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز له أن يجاهد من غير إذن الغريم، كما يجوز له أن يسافر للتجارة والزيارة من غير إذنه.
والثاني: ليس له أن يجاهد من غير إذنه، وهو المذهب؛ لأن القصد من الجهاد

طلب الشهادة، والدين يمنع الاستشهاد، فلم يجز من غير إذن من له الدين.
هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: إن كان الدين مؤجلا، فإن كان لم يخلف وفاء.. فليس له أن يجاهد بغير إذن الغريم وجها واحدا.
وإن خلف وفاء.. فهل له أن يغزو بغير إذن الغريم؟ فيه وجهان.
قالوا: وإن كان على أحد من المرتزقة دين مؤجل.. فهل له الخروج بغير إذن الغريم إن لم يخلف وفاء للدين؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له، كغير المرتزقة.
والثاني: له ذلك؛ لأنه قد استحق عليه هذا الخروج بكتب اسمه في الديوان، ولعله لا يمكنه أداء الدين إلا بما يأخذه من الرزق أو بما يصيب من المغنم.

مسألة: الجهاد بإذن الأبوين

وإن كان لرجل أبوان مسلمان أو أحدهما.. لم يجز له أن يجاهد من غير إذن المسلم منهما؛ لما روى أبُو سعيد الخدري: «أن رجلا هاجر إلى النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من اليمن، فقال له النَّبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " هجرت الشرك وبقي هجرة الجهاد "، ثم قال له: " ألك أحد باليمن؟ " فقال أبواي، فقال: " أذنا لك؟ " فقال لا، فقال: " مر إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك.. فجاهد.
وإن لم يأذنا لك.. فبرهما».
ورُوِي: «أن رجلا أتى النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليبايعه على الجهاد فقال له النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ألك أبوان؟ " قال: نعم، قال: " ارجع، ففيهما فجاهد» ورُوِي: «أن رجلا أتى النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليبايعه على الجهاد، فقال: تركت أبوي يبكيان، فقال له النَّبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما».
«ورَوَى ابن مَسعُودٍ، قال: سألت النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي الأعمال أفضل؟ فقال: " الصلاة لميقاتها " قلت: ثم ماذا؟ قال: " بر الوالدين " قلت: ثم ماذا؟ قال: " الجهاد في سبيل الله» فدلَّ على: أن بر الوالدين مقدم على الجهاد.
فإن خرج بغير إذنهما.. فله أن يرجع قبل أن يلتقي الزحفان، وإن التقيا.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "]: أحدهما: يجب عليه أن يرجع؛ لأن ابتداء السفر كان معصية، فالرجوع عنه أبدا واجب.
والثاني: ليس له أن يرجع؛ لأنه التزم الجهاد بحضوره التقاء الزحفين.
وإن لم يكن له أبوان، وله جد وجدة مسلمان.. لزمه استئذانهما؛ لأنهما يقومان مقام الأبوين في البر والشفقة.
وإن كان له أب وجد وأم وجدة.. فهل يلزمه استئذان الجد مع الأب، واستئذان الجدة مع الأم؟ فيه وجهان.

أحدهما: لا يلزمه؛ لأن الأب والأم يحجبان الجد والجدة عن الولاية والحضانة.
والثاني: ـ وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق ـ: أنه يلزمه استئذانهما؛ لأن وجود الأبوين لا يسقط بر الجد والجدة ولا ينقص شفقتهما عليه.
وإن كان الأبوان كافرين.. جاز له أن يجاهد من غير إذنهما؛ لأن عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول كان يجاهد مع النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبوه منافق يخذل الناس عن الخروج مع النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعلوم أنه كان لا يأذن له.
ولأن الكافر متهم في الدين فلم يعتبر إذنه.
وإن كان الأبوان مملوكين.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز له أن يجاهد من غير إذنهما؛ لأن المملوك لا إذن له في نفسه، فلا يعتبر إذنه في حق غيره.
والثاني: ـ وهو قول الشيخ أبي إسحاق ـ: أنه لا يجوز له أن يجاهد من غير إذنهما؛ لأن الرق لا يمنع بره لهما، ولا شفقتهما عليه.

فرع: سفر الولد للتجارة والعلم بغير إذن الوالدين

فرع: [جواز سفر الولد للتجارة والعلم الذي يحتاج إليه كالصلاة ونحوها بغير إذن]: قال الشيخُ أبُو إسحاق: وإن أراد الولد أن يسافر في تجارة أو طلب علم.. جاز من غير إذن الأبوين؛ لأن الغالب من سفره السلامة.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا أراد الولد الخروج لطلب العلم.. نظر فيه:

فإن كان يطلب ما يحتاج إليه لنفسه من العلم، كالطهارة والصلاة والزكاة، وله مال ولم يجد ببلده من يعلمه ذلك.. فقد تعين عليه الخروج لتعلمه، وليس للأبوين منعه منه.
وأمَّا ما لا يحتاج إليه لنفسه، كالعلم بأحكام النكاح ولا زوجة له، وبالزكاة ولا مال له ونحو ذلك، فإن لم يكن ببلده من يعلمه ذلك.. فهذا النوع من العلم فرض على الكفاية، وله أن يخرج لتعلم هذا العلم بغير رضا الأبوين.
فإن كان ببلده من يعلم هذا النوع.. فهل له أن يخرج لطلبه من غير إذن الأبوين؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له ذلك؛ لأن هذا ليس بفرض عليه، فصار كالجهاد.
والثاني: يجوز له أن يخرج بغير إذنهما؛ لأنه طاعة ونصرة للدين، ولا خوف عليه في المسافرة لأجله، بخلاف الجهاد.

مسألة: رجوع الغريم والأبوين عن الإذن في الجهاد

وماذا لو أحاط بهم العدو أو مرض؟]: وإن أذن له الغريم في الجهاد ثم رجع الغريم، أو أذن له أبواه ثم رجعا، أو كانا كافرين ثم أسلما، فإن كان ذلك قبل التقاء الزحفين.. وجب عليه أن يرجع؛ لأنه في هذه الحالة كما لو كان في وطنه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إلا أن يخاف إن رجع تلفا.. فلا يرجع).
قال: (وأحب أن يتوقى موضع الاستشهاد؛ لأنه يجاهد بغير إذن أبويه، فلا ينبغي له أن يطلب الاستشهاد).
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وكذلك إن خاف أن تنكسر قلوب المسلمين لرجوعه.. فليس له أن يرجع بحال.
وإن كان ذلك بعد التقاء الزحفين.. ففيه قولان: أحدهما: ليس له أن يرجع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16]

[الأنفال: 16] الآية.
وهذا ليس بمتحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة، ولأن رجوعه في هذه الحالة ربما كان سببا لهزيمة المسلمين، فلم يكن له ذلك.
والثاني: يجب عليه الرجوع؛ لأن طاعة الوالدين واجب والجهاد فرض، إلا أن طاعة الوالدين أسبق، فكانت بالتقديم أحق.
فإن أحاط بهم العدو.. جاز له الجهاد من غير إذن الوالدين، ومن غير إذن الغريم؛ لأن ترك الجهاد في هذه الحال يؤدي إلى الهلاك.
وإن مرض المجاهد مرضا يمنع وجود الجهاد عليه، أو عمي أو عرج، فإن كان قبل التقاء الزحفين.. جاز له أن يرجع.
وإن كان بعد التقاء الزحفين.. جاز له أن يرجع أيضا على المشهور من المذهب.
وخرج بعض أصحابنا الخراسانيين وجها آخر: أنه ليس له أن يرجع، كما قلنا في أحد القولين في رجوع الغريم والأبوين بعد التقاء الزحفين.
والأول أصح؛ لأنه لا يمكنه الجهاد مع المرض والعمى والعرج، بخلاف رجوع الغريم والأبوين.

فرع: الجهاد والغزو بإذن الإمام

]: ويكره الغزو بغير إذن الإمام أو الأمير من قبله؛ لأن الغزو على حسب الحاجة؛ وهما أعلم بالحاجة إليه.
ولا يحرم؛ لأن التغرير بالنفس يجوز في الجهاد.

مسألة: توزيع الجيش وقواده

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (وأحب للإمام أن يبعث إلى كل طرف من أطراف بلاد الإسلام جيشا، ويجعلهم بإزاء من يليهم من المشركين، ويولي عليهم رجلا عاقلا دينا قد جرب الأمور؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك.. فربما خرج عسكر المشركين وأضروا بمن يليهم إلى أن يجتمع عسكر من المسلمين) هكذا حكى الشيخ أبُو حامد.
وذكر الشيخ أبُو إسحاق: أنه يجب على الإمام أن يشحن ما يلي الكفار بجيوش يكفون من يليهم.
وإن احتيج إلى حفر خندق أو بناء حصن وأمكن الإمام ذلك.. استحب له أن يفعله؛ لـ: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حفر الخندق حول المدينة»، ولأن المشركين ربما أغاروا على المسلمين على غفلة أو بيتوهم ليلا، فإن لم يكن هناك خندق ولا حصن.. نكوا فيهم.
ويبتدئ الإمام بقتال من يليه من الكفار؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] [التوبة: 123]، ولأن ذلك أخف مؤنة، إلا أن يكون أبعد منهم قوم من المشركين فيهم قوة وإن غفل عن قتالهم.. اشتدت شوكتهم وخيف منهم، فحينئذ يبتدئ بقتالهم؛ لأنه موضع ضرورة.
وقال في " الأم ": (وإذا غزا الإمام في هذا العام جهة.. غزا في العام القابل جهة أخرى؛ ليعمهم بالنكاية، إلا أن يكون في جهة من الجهات عدو شديد.. فيجوز له أن يقصده في كل عام؛ ليكسر قلوبهم).
فإذا أراد الإمام أن يغزو المشركين.. فإنه يغزو بكل قوم إلى من يليهم من الكفار، ولا ينقل أهل الجهة إلى جهة أخرى؛ لأنهم بقتال من يليهم أخبر، ولأنه أخف مؤنة، إلا أن يكون العدو في جهة من الجهات كبيرا شديد الشوكة، وليس بإزائهم من المسلمين من يقوم بقتالهم، فحينئذ له أن ينقل إليهم قوما من جهة أخرى؛ لأنه موضع ضرورة.

مسألة: عرض الجيش على الإمام قبل الخروج

وماذا لو كان فيه تخذيل ونحوه؟]: وإذا أراد الإمام الخروج.. عرض الجيش، ولا يجوز له أن يأذن بالخروج لمن ظهر منه تخذيل للمسلمين، أو إرجاف بهم، أو من يعاون الكفار.
فـ (المخذل): هو أن يقول: بالمشركين كثرة، وخيولهم جياد، وسلاحهم جيد، ولا طاقة لنا بهم؛ لأنه يجبن الناس إذا سمعوا ذلك.
و (الإرجاف): هو أن يقول: وراء المشركين مدد ونصرة، ووراءهم كمين وما شاكله.
و (العون): هو أن ينقل أخبار المسلمين إلى المشركين، ويوقفهم على عوراتهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا﴾ [التوبة: 47] [التوبة: 46 - 47] يعني: ضررا وفسادا.
و: ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة: 47] [التوبة: 47] قيل: لأوقعوا بينكم الخلاف.
وقيل: لأسرعوا في تفريق جمعكم.
فإن قيل: فقد كان النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج معه عبد الله بن أبي بن سلول وهو رأس المنافقين وكان مخذلا؟ فالجواب: أنه كان مع النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عدد كثير من الصحابة الأبرار الأتقياء لا يلتفتون إلى تخذيله، بخلاف غير النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ولأن الله تَعالَى كان يطلع النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على كيد المنافقين وتخذيلهم فلا يستضر به، بخلاف غيره.

فرع: لا يستعين إمام المسلمين بالكفار

]: ولا يجوز للإمام أن يستعين بالكفار على قتال الكفار من غير ضرورة؛ لما «رُوِي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: خرجت مع النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعض غزواته، فلما بلغ في موضع كذا.. لقينا رجل من المشركين موصوفا بالشدة، فقال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أقاتل معك؟ فقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أنا لا أستعين برجل من المشركين "، قالت: فأسلم وانطلق معنا».
وإن دعت إلى ذلك حاجة؛ بأن يكون في المسلمين قلة، ومن يستعين به من الكفار يعلم منه حسن نية في المسلمين.. جاز له أن يستعين به؛ لما رُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعان بصفوان بن أمية وهو مشرك على قتال هوازن، واستعار منه أدرعه»؛ لأنه كان له فيه حسن نية في المسلمين؛ بدليل: ما رُوِي: أنه لما ولى المسلمون في قتال هوازن.. سمع رجلا يقول: غلبت هوازن وقتل محمد، فقال صفوان: بفيك الحجر، لرب من قريش أحب إلينا من رب من هوازن.
وأراد بالرب هاهنا: المالك.
ورُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعان بقوم من يهود بني قينقاع، فرضخ لهم ولم يسهم».

فرع: استئجار الكفار للقتال والإذن بخروج النساء ومن اشتد من الصبيان

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويستأجر الكافر من مال لا مالك له بعينه، وهو سهم النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنما كان كذلك؛ لأن الجهاد لا يقع له.
وفي القدر الذي يستأجر به وجهان: أحدهما: لا يجوز أن تبلغ الأجرة سهم الراجل؛ لأنه ليس من أهل فرض الجهاد فلا يبلغ سهم راجل، كالصبي والمرأة.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يجوز أن تبلغ به سهم الراجل؛ لأنه عرض في الإجارة، فجاز أن يبلغ به سهم الراجل، كالإجارة في سائر الإجارات.
إذا ثبت هذا: فإنه لا يفتقر في الإجارة هاهنا إلى بيان المدة ولا العمل؛ لأن القتال لا ينحصر، فعفي عن ذلك لموضع الحاجة.
فإن لم يكن قتال.
لم يستحق الكافر شيئا.
وإن كان هناك قتال، فإن قاتل الكافر.. استحق، وإن لم يقاتل.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يستحق شيئا؛ لأنه لم يفعل ما استؤجر عليه.

والثاني: يستحق؛ لأن الاستحقاق هاهنا بالحضور، وقد حضر.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن أكره الإمام الكفار على أن يقاتلوا معه، فقاتلوا معه.. استحقوا أجرة المثل، كما لو أكرهوا على سائر الأعمال).
ويجوز للإمام أن يأذن للنساء بالخروج معه ولمن اشتد من الصبيان؛ لأن فيهم معونة.
ولا يأذن للمجانين؛ لأنه لا معونة لهم؛ لأنه يعرضهم للهلاك.
ويتعاهد الخيل، ولا يأذن بإخراج الفرس الكبير ولا الصغير ولا الكسير ولا المهزول؛ لأنه لا فائدة بحضورهم.

فرع: أخذ الميثاق على المقاتلين وبعث العيون وعقد الرايات ونحوه

]: ويأخذ الإمام البيعة على الجيش أن لا يفروا؛ لما روى جابر، قال: «كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة رجل، فبايعنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على: أن لا يفروا، ولم نبايعه على الموت».
ويوجه الطلائع، ومن يتجسس أخبار الكفار؛ لما رُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يوم الخندق: " من يأتيا بخبر القوم؟ " فقال الزبير: أنا، فقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن لكل نبي حواريا، وإن حواري الزبير».
والحواري: الناصر، وإنما سمي بذلك؛

لأن حواري عيسى ابن مريم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا الحواريين؛ وهم الذين يبيضون الثياب.
ويستحب أن يخرج يوم الخميس؛ لـ: «أن أكثر أسفار النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخرج فيها يوم الخميس»، ويعقد الرايات ويجعل تحت كل راية عريفا؛ لـ: (أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك يوم الفتح)، ويدخل دار الحرب على هيئة الحرب؛ لـ: (أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك).
ولأنه أبلغ في الإرهاب.

مسألة: الدية في قتل الكفار باعتبار بلوغ الدعوة وعدمه

]: وإذا غزا الإمام قوما من الكفار.. نظرت: فإن كانوا لم تبلغهم الدعوة؛ بأن لم يعلموا أن الله بعث محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رسولا إلى خلقه، وأظهر المعجزات الدالة على صدقه، وأنه يدعو إلى الإيمان بالله.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا أعلم أن أحدا لم

يبلغه هذا الأمر إلا أن يكون قوم وراء الترك لم يعلموا، فإن وجد قوم كذلك.. لم يجز قتالهم حتى يدعوهم إلى الإسلام؛ لأنهم لا يلزمهم الإسلام قبل العلم ببعث الرسول، فإن قتل منهم إنسان قبل ذلك.. ضمن بالدية والكفارة.
وقال أبُو حَنِيفَة: (لا دية فيه ولا كفارة)؛ لأن الخلق عنده محجوجون بعقولهم قبل بعث الرسل وعندنا ليسوا بمحجوجين قبل بعث الرسل.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: 15] [الإسراء: 15]، ولأنه ذكر بالغ محقون الدم، فكان مضمونا، كالمسلم.
إذا ثبت هذا: فقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن كان يهوديا أو نصرانيا.. ففيه ثلث دية المسلم، وإن كان مجوسيا.. ففيه ثلثا عشر دية المسلم.
وإن لم يعرف دينه، أو كان من عَبَدَة الأوثان.. ففيه دية المجوسي).
قال أبُو إسحاق: إنما أوجب الشافعي في اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم إذا كان من أولاد من غير التوراة والإنجيل وبدلها، فأما إذا كان من أولاد من لم يغيرها ولم يبدلها.. ففيه دية المسلم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159] [الأعراف: 159] وأراد به: من لم يغير ولم يبدل.
والأول أصح، وقد مَضَى ذلك في (الجنايات).
وإن كان الكفار ممن بلغتهم الدعوة.. فالمستحب للإمام: أن لا يقاتلهم حتى يدعوهم إلى الإسلام؛ لما روي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يوم خيبر: " إذا نزلت بساحتهم.. فادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم؛ فوالله: لأن يهدي الله بهداك رجلا واحدا.. خير لك من حمر النعم».
فإن قاتلهم قبل أن

يدعوهم إلى الإسلام.. جاز؛ لـ: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أغار على بني المصطلق وهم غافلون» ولأن الدعوة قد بلغتهم وإنما عاندوا.
وإذا قاتل الإمام الكفار، فإن كانوا ممن لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب، كمن يعبد الأوثان والشمس والقمر والنجوم.. فإن يقاتلهم إلى أن يسلموا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
فإذا قالوها.. عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها».
وإن كانوا ممن لهم كتاب، كاليهود والنصارى، أو ممن لهم شبهة كتاب كالمجوس.. قاتلهم إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية [التوبة: 29].

فرع: الاستنصار بالضعفة والتحريض على القتال والدعاء والتكبير عند لقاء العدو

]: قال الشيخُ أبُو إسحاق: ويستحب الاستنصار بالضعفاء؛ لما رُوِي: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ائتوني بضعفائكم؛ فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم».

وقال: ويستحب أن يدعو عند التقاء الصفين؛ لما روى أنس: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا دعا قال: " اللهم أنت عضدي وناصري، وبك أقاتل».
وروى أبُو موسى: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا خاف قال: " اللهم إنِّي أجعلك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم».
ويستحب أن يحرض الجيش على القتال؛ لما روى أبُو هُرَيرَة: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " يا معشر الأنصار، هذه أوباش قريش، إذا لقيتموهم غدا.. فاحصدوهم» «ورَوَى سعد، قال: نثل لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد كنانته وقال: " ارم فداك أبي وأمي»، وقيل: إن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يقل ذلك إلا لسعد.
ويستحب أن يكبر عند لقاء العدو؛ لما روى أنس: «أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غزا خيبر فلما رأى القرية.. قال: " الله أكبر، خربت خيبر».

ولا يرفع الصوت بالتكبير؛ لما روى أبُو موسى، قال: كان الناس في غزاة، فأشرفوا على واد، فجعلوا يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم بذلك، فقال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيها الناس، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا إنه معكم» وفي رواية أخرى: " أقرب إليكم من حبل الوريد ".

مسألة: حالات وجوب مصابرة المسلمين

]: وإذا التقى المسلمون والمشركون وقاتلوهم.. نظرت: فإن كان عدد المشركين مثلي عدد المسلمين أو أقل منهم ولم يخف المسلمون بقتالهم.. وجب عليهم مصابرتهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15] [الأنفال: 15].
فأوجب على المسلمين مصابرة المشركين في هذه الآية على العموم، ثم خص هذا العموم في آية أخرى، فقال تَعالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65] [الأنفال: 65].
فأوجب على كل مسلم مصابرة عشرة من الكفار، وكان ذلك في أول الإسلام؛ حيث كان المسلمون قليلا، فشق ذلك على المسلمين، فنسخ ذلك بآية أخرى، فقال تَعالَى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66] [الأنفال: 66]، فأوجب على المسلم مصابرة الاثنين، واستقر الشَّرع على ذلك؛ بدليل: ما رُوِي عن ابن عبَّاس أنه قال: (من فر من ثلاثة.. فلم يفر، ومن فر من اثنين.. فقد فر) وأراد: من فر من ثلاثة.. فلم يفر الفرار المذموم في القرآن.
ومن فر من

اثنين.. فقد فر الفرار المذموم في القرآن.
فإن قيل: فصيغة الآية صيغة الخبر، فكيف جعلتموها أمرا؟ فالجواب: أن الخبر من الله عما يقع بالشرط لا يجوز أن يقع بخلاف ما أخبر به، وقد يوجد الواحد من الكفار يغلب الاثنين والثلاثة والعشرة من المسلمين، فدلَّ على: أنها أمر بلفظ الخبر.
ولأن الله تَعالَى قال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: 66] [الأنفال: 66] والتخفيف يقع في الأمر لا في الخبر.
ومن تعين عليه فرض الجهاد.. فلا يجوز له أن يولي إلا في حالتين: أحدهما: أن يولي متحرفا للقتال؛ وهو: أن يرى المصلحة في الانتقال من موضع ضيق إلى موضع متسع، أو من موضع متسع إلى موضع ضيق وما أشبهه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16] [الأنفال: 16] ورُوِي عن ابن مَسعُودٍ، أنه قال: «لما ولى المسلمون يوم حنين.. بقي مع النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمانون نفسا، فنكصنا على أعقابنا قدر أربعين خطوة، ثم قال النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أعطني كفا من تراب " فأعطيته، فرماه في وجوه المشركين، فقال لي: " اهتف بالمسلمين " فهتفت بهم، فأقبلوا شاهرين سيوفهم».
وإنما ولوا متحرفين للقتال من مكان إلى مكان.
والثاني: أن يولي متحيزا إلى فئة ليعود معهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16] [الأنفال: 16] وسواء كانت الفئة قريبة منه أو بعيدة مسيرة يومين أو أكثر؛ لعموم الآية، ولما رُوِي عن ابن عمر: أنه قال: «كنت في سرية من سرايا النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فحاص الناس حيصة عظيمة، وكنت فيمن حاص، فلما فررنا.. قلت: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بغضب ربنا؟ فجلسنا لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل صلاة الفجر، فلما خرج.. قمنا إليه، فقلنا: نحن الفرارون، فقال: " لا، بل أنتم العكارون ". فدنونا فقبلنا يده، فقال: " أنا فئة المسلمين» يروى هذا: (فجاض القوم) بالجيم والضاد

المعجمة، ويروى: بالحاء والصاد غير المعجمة.
ويروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: «أنا فئة كل مسلم» وهو بالمدينة وجيوشه بالآفاق.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن كان هربه على غير هذا المعنى.. خفت عليه إلا أن يعفو الله تَعالَى ـ أن يكون باء بغضب من الله) وهذا صحيح؛ إذا تعين عليه فرض الجهاد وولى غير متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة.. فقد أثم وارتكب كبيرة؛ لما روى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الكبائر سبع: أولهن الشرك بالله، وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا، وفرار يوم الزحف، ورمي المحصنات، والانتقال إلى الأعراب».
وهذا تصريح من الشافعي، بأن مذهبه

كمذهب أصحاب الحديث؛ أن من ارتكب كبيرة.. فقد أثم، ولكن الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه.
وقالت المعتزلة: من ارتكب كبيرة.
استوجب النار، ويكون مخلدا، ولا يجوز أن يعفوا الله عنه.
وهذا موضعه في أصول الدين.
ومن تعين عليه الجهاد، وغلب على ظنه: أنه إن لم يفر هلك.. فلا خلاف: أنه لا يلزمه الفرار؛ لأن التغرير بالنفس جائز في الجهاد، ولكن: هل يجوز له أن يولي غير متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا يجوز له ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] [الأنفال: 16] الآية: ولم يفرق.
والثاني: يجوز له ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195] [البقرة: 195]، وفي بقائه على القتال تهلكة لنفسه.
وإن زاد عدد المشركين على مثلي عدد المسلمين.. لم يجب على المسلمين مصابرتهم؛ لأن الله تَعالَى لما أوجب على الواحد مصابرة الاثنين.. دل على: أنه لا يجب عليه مصابرة ما زاد عليهما.
ولما رَوَيْنَاهُ عن ابن عبَّاس.
فإن علم المسلمون أنهم إذا ثبتوا لقتالهم غلبوا الكفار أو ساووهم، ولم يخشوا منهم القتل ولا الجراح... فالمستحب لهم: أن يثبتوا لقتالهم؛ لأنهم إذا انهزموا.. اشتدت شوكة الكفار.
وإن غلب على ظن المسلمين أنهم إن ثبتوا لقتالهم هلكوا.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمهم الهرب منهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195] [البقرة: 195].

والثاني: لا يلزمهم الهرب منهم؛ لما رُوِي: «أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت لو انغمست في المشركين فقاتلت فقتلت، ألي الجنة؟ فقال: " نعم، إن قاتلت وأنت مقبل غير مدبر».
فانغمس الرجل في صف المشركين، فقاتل حتى قتل، ومعلوم أن الواحد من المسلمين إذا انغمس في صف المشركين أنه يهلك، فدلَّ على أنه يجوز.
فعلى هذا: يجوز لهم الفرار.

فرع: جواز الفرار من اثنين إذا طلباه للقتال

]: وإن لقي رجل من المسلمين رجلين من المشركين، فإن طلباه للقتال.. جاز له أن يفر منهما؛ لأنه غير متأهب للقتال.. وإن طلبهما للقتال.. فهل له أن يفر منهما؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز له أن يفر منهما؛ لأن فرض الجهاد في الجماعة دون الانفراد.
والثاني: لا يجوز له أن يفر منهما؛ لأنه مجاهد لهما حيث ابتدأهما بالقتال.

مسألة: استحباب توقي قتل الأب والرحم المحرم المشرك

إذا كان للمسلم أب مشرك.. فيستحب له أن يتوقى قتله؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] [لقمان: 15] فأمره بمصاحبتهما بالمعروف عند دعائهما له إلى الشرك، وقتلهما ليس من المصاحبة بالمعروف.
ولأن النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي بكر حين أراد قتل ابنه: «دعه يتولى قتله غيرك» وكذلك قال لأبي حذيفة حين أراد قتل أبيه".
فإن سمعه يسب الله ورسوله.. لم يكره له قتله؛ لما روي: «أن أبا عبيدة بن الجراح سمع أباه يسب النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقتله، ولم ينكر عليه النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».

مسألة: لا تقتل نساء الكفار إذا لم يقاتلن ولا الذراري

]: ولا يجوز قتل نساء الكفار ولا صبيانهم إذا لم يقاتلوا؛ لما رَوَى ابن عمر: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن قتل النساء والولدان» ووجد النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، امرأة مقتولة في بعض غزواته، فقال: «ما بال هذه تقتل وإنها لا تقاتل؟».

ولا يجوز قتل الخنثى المشكل إذا لم يقاتل؛ لجواز أن يكون امرأة.
فإن قتلهم قاتل.. لم يجب عليه الضمان؛ لأنهم مشركون لا أمان لهم ولا ذمة.
فإن قاتلوا.. جاز قتلهم؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: "من قتل هذه؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله، غنمتها فأردفتها خلفي، فلما رأت الهزيمة فينا.. أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها، فلم ينكر عليه النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ولأنه إذا جاز قتلهن إذا قاتلن وهن مسلمات.. فلأن يجوز قتلهن إذا قاتلن وهن مشركات أولى.
وإن أسر منهم مراهق وشك فيه، هل هو بالغ أم لا.. كشف عن مؤتزره، فإن كان قد نبت على عانته الشعر الخشن.. فحكمه حكم البالغ على ما يأتي ذكره.
وإن كان لم ينبت.. فحكمه حكم الصبي؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حكم سعدًا في بني قريظة، فقال سعد: فكشفنا عن مؤتزرهم، فمن أنبت.
قتلناه، ومن لم ينبت.. جعلناه في الذرية، فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» والأرقعة: السماوات، واحدها رقيع.
وفي بعض الروايات: «من فوق سبع سماوات».

مسألة: لا يقتل شيوخهم إلا عند القتال أو التدبير له وجرت السنة بعدم قتل الرسل

]: وأمَّا شيوخ الكفار: فإن كان منهم قتال.. فهم كالشبان، وإن كان لا قتال منهم ولكن فيهم رأي وتدبير في الحرب.. فهم كالشباب ويجوز قتلهم؛ لما روي: «أن دريد بن الصمة قتل يوم حنين، وكان يومئذ ابن مائة وخمس وخمسين سنة، وكان له رأي في الحرب، وإنما أحضرته هوازن ليدبر لهم الحرب، وكان أمير هوازن مالك بن عوف، وقد أحضر النساء والذراري والأموال خلف العسكر، فقال له دريد: أخر هذه الذراري، والأموال أصعدها إلى الجبل، فإن كانت لنا.. أنزلناها، وإن كانت علينا.. لم تؤخذ.
فقال له مالك بن عوف: لا، إن العرب تقاتل على الأهل والمال أشد.
فقال دريد: تبًا لك مع هذا التدبير.
وتركه وانصرف وصعد الجبل، فلما ولت هوازن وأخذ نساؤهم وأموالهم وذراريهم.. قال دريد في ذلك.
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد فكان الناس يمرون به ويقول لمن معه: من هذا؟ فيخبره، فمر به رجل فقال: من هذا؟ فقال: فلان بن فلان، فقال: إنه قاتلي، فجاءه الرجل ليقتله، فقال: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، فقال له: إذا رجعت إلى أمك فقل لها: قتلت دريد بن الصمة وإنه قد أعتق أربعة من أحمائك، ولم ينكر النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قتله».
وإن لم يكن فيهم رأي ولا قتال في الحرب.. ففيهم وفي أصحاب الصوامع والرهبان قولان:

جارٍ التحميل