كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وإن مات الموصي، ثم أهل شوال قبل أن يقبل الموصى له الوصية:
فإن قلنا: برواية ابن عبد الحكم، عن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أن الموصى له يملك الموصى به بنفس الموت).. فإن فطرة العبد على الموصى له، سواء قبل أو لم يقبل؛ لأن الملك قد حصل له؛ لأنه وإن رد الوصية بعد هذا.. فإن الملك يحصل للورثة بنفس الرد.
وإن قلنا: إن الملك مراعى في الموصى به.. نظرت:
فإن قبل الموصى له بالعبد.. تبينا أنه ملكه بالموت، فيجب عليه زكاة العبد.
وإن لم يقبل.. تبينا أن ملكه انتقل إلى الورثة بالموت، فتكون زكاة العبد عليهم.
وإن قلنا: إن الموصى له لا يملك إلا بالموت والقبول.. ففيه وجهان حكاهما في " الإبانة " [ق \ 153]:
أحدهما - وهو طريقة أصحابنا البغداديين -: أن زكاة العبد تجب في تركة الميت؛ لأنه مبقى على ملكه وقت الوجوب.
والثاني: لا يجب على أحد؛ لأن الميت لا يمكن الإيجاب عليه.
فإن مات الموصي، ثم أهل شوال، ثم مات الموصى له قبل القبول:
فإن قلنا برواية ابن عبد الحكم.. فزكاة العبد في تركة الموصى له.
وإن قلنا: إنه مراعى، فإن قبل ورثة الموصى له الوصية.. تبينا أن الملك وقع لمورثهم بموت الموصي، فتكون فطرة العبد في تركة الموصى له، وإن ردوا.. تبينا أن الملك وقع لورثة الموصي بموته، فتكون فطرة العبد عليهم.
وإن قلنا: لا يملك إلا بالقبول.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المشهور -: أنها في تركة الموصي.
والثاني: لا تجب على أحد.
وإن مات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول، ثم أهل شوال:
فإن قلنا برواية ابن عبد الحكم.. كانت الفطرة هاهنا على ورثة الموصى له.
وإن قلنا: إن الملك مراعى.. نظرت:
فإن قبل ورثة الموصى له الوصية... كانت الفطرة عليهم؛ لأن مورثهم ملك العبد بموت الموصي، ثم مات، وجاء وقت الوجوب وهو في ملكهم.
وإن لم يقبلوا، أو ردوا الوصية.. كانت الفطرة على ورثة الموصي.
وإن قلنا: إن الملك يحصل بالقبول.. فعلى الوجهين الأولين:
أحدهما: تجب في تركة الموصي.
والثاني: لا تجب على أحد.
فرع: الوصية لرجل بالرقبة ولآخر بالمنفعة
]: ذكر الشيخ أبو حامد: أن الشافعي قال في الأم [2/55]: (لو أوصى لرجل برقبة عبد، ولآخر بمنفعته، وقبلا الوصية، ثم أهل شوال.. فإن فطرة العبد على الموصى له بالرقبة؛ لأنها تتعلق بالرقبة، ومالك المنفعة كالمستأجر).
قال ابن الصباغ: وهكذا ينبغي أن تجب النفقة عليه.
قلت: وقد حكى في " المهذب " في نفقته ثلاثة أوجه:
أحدها: تجب على الموصى له بالرقبة.
والثاني: أنها على الموصى له بالمنفعة.
والثالث: أنها في كسبه، فينبغي أن تكون زكاة فطره كنفقته.
فرع: فطرة العبد في مدة الخيار
]: إذا اشترى عبدًا، فأهل شوال في خيار المجلس أو الشرط: فإن قلنا: إن المشتري يملك بنفس العقد.. فإن الفطرة تجب عليه، سواء اختار البيع أو فسخه بعد ذلك.
وإن قلنا: لا يملكه إلا بالعقد، وانقضى الخيار.. كانت الفطرة على البائع، سواء اختار البيع أو فسخه بعد ذلك.
وإن قلنا: إن الملك موقوف.. كانت الفطرة موقوفة أيضًا، فإن اختار البيع.. كانت الفطرة على المشتري، وإن فسخاه.. كانت الفطرة على البائع.
فرع: وجوب الفطرة على أهل البادية
]: زكاة الفطر واجبة على أهل البادية، وروي ذلك عن ابن الزبير.
وقال عطاء، والزهري، وربيعة رحمة الله عليهم: لا يجب عليهم.
دليلنا: عموم حديث ابن عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ ولأنه مسلم موسر بها.. فوجبت عليه، كأهل القرى.
مسألة: ما يجب في صدقة الفطر
]: الواجب في الفطرة: صاع من أي جنس كان من الطعام، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والحسن البصري، وأبو العالية، وأبو الشعثاء جابر بن زيد رحمة الله عليهم.
وقال أبو حنيفة: (الواجب من البر نصف صاع)، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
واختلفت الرواية فيه عن علي، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وقال ابن المنذر: لا يثبت ذلك عن أبي بكر، وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان:
إحداهما: (صاع).
والثانية: (نصف صاع).
دليلنا: ما روي عن أبي سعيد الخدري: أنه قال: «كنا نخرج إذ فينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية المدينة، فكلم الناس على المنبر، فكان فيما تكلم به أن قال: إني أرى مدين من تمر الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، وأنا لا أخرج إلا ذاك».
ولأنها زكاة تتعلق بالحبوب، فاستوى فيها الحنطة والشعير، كالعشر.
إذا ثبت هذا: فالصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، فصار خمسة أرطال وثلث رطل، وبه قال مالك، وأحمد رحمة الله عليهما.
وقال أبو حنيفة: (الصاع: أربعة أمداد، إلا أن المد رطلان، فتصير ثمانية أرطال).
دليلنا: أن الرشيد لما حج.. جمع بين مالك رحمة الله عليه وأبي يوسف، فقال له مالك رحمة الله عليه: كم الصاع؟ فقال: ثمانية أرطال، فأحضر مالك أهل المدينة بصيعانهم، فمنهم من قال: حدثني أبي، عن جدي: أنه قال: دفع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الفطرة بهذا الصاع.
ومنهم من يقول: حدثتني أمي، عن جدتي: أنها أخرجت الفطرة إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذا الصاع، فعايروها، فوجدوها خمسة أرطال وثلثًا، فرجع أبو يوسف إلى قول مالك رحمة الله عليه.
قال ابن الصباغ: والأصل في الطعام الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن، لئلا تختلف المكاييل.
ويبطل فيها النقل.
مسألة: ما يجزئ من الأصناف في الفطرة
واختلف أصحابنا في جنس المخرج في زكاة الفطر:
فقال عامتهم: لا يجزئه إلا من غالب قوت بلده، وإن كان يقتات دونه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم».
وغناهم إنما يحصل بقوت البلد.
قال المحاملي: وهذا هو المذهب.
ومن أصحابنا من قال: يجوز من كل قوت؛ لحديث أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: «كنا نخرج صاعا من طعام، أو صاعا من أقط، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب».
وأهل المدينة لم يكونوا يقتاتون ذلك كله، فدل على أنه يجوز التخيير.
وقال أبو عبيد بن حرب: الواجب من غالب قوت المخرج.
واختاره الشيخ أبو حامد، قال: لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (وأي قوت كان الأغلب على رجل.. أدى منه)، ولأنه لما وجب عليه أداء ما فضل من قوته.. وجب من غالب قوته.
ومن قال بالأول.. قال: أراد الشافعي: إذا كان الرجل يقتات غالب قوت البلد.
إذا ثبت هذا: فإن عدل عن قوت البلد، أو عن قوته، إلى قوت غيره، فإن كان الذي عدل إليه أعلى منه.. أجزأه.
وإن كان أدنى.. ففيه قولان:
أحدهما: يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، وأبو إسحاق المروزي؛ لأن الخبر ورد بالتخيير.
والثاني: لا يجزئه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم».
والغنى لا يحصل بدون قوت البلد.
ومن قال بهذا.. قال: أراد بالخبر: التمر لمن قوته التمر، والبر لمن قوته البر.
وقد اختلف في البر والتمر:
فقال قوم: البر أفضل.
وقال آخرون: بل التمر أفضل.
وإن كان في بلد قوتهم أجناس مختلفة، وهي كلها غالبة.. فالأفضل أن يخرج من أفضلها، ومن أيها أخرج.. جاز.
وقال أحمد رحمة الله عليه: (لا يجوز إلا من الأجناس الخمسة المنصوص عليها).
دليلنا: أنه قوت معتاد، فأجزأ، كالخمسة المنصوص عليها.
فرع: فيمن قوتهم الأقط
وإن كان في موضع قوتهم الأقط.. فهل يجزئ؟ فيه طريقان:
[الطريق الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يجزئه.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الأقيس؛ لأنه قوت لا تجب فيه الزكاة، فأشبه اللحم.
والثاني: يجزئه.
قال: وهو الأشبه بالسنة؛ لحديث أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: يجزئه، قولا واحدا؛ لما ذكرناه.
فإذا قلنا: لا يجزئه الأقط.. لم يجزئه إخراج اللبن.
وإن قلنا: يجزئه إخراج الأقط.. فهل يجزئه إخراج اللبن؟
قال أصحابنا البغداديون: يجزئه إخراج اللبن مع وجود الأقط، ومع عدمه؛ لأنه أكمل منه، ويجزئه إخراج الجبن؛ لأنه مثله.
وذكر المسعودي [في " الإبانة " ق \ 154]: إذا قلنا يجزئه الأقط.. فهل يجزئه اللبن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجزئه؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه يدخر، وأما المصل: فلا يجزئه؛ لأنه لبن منزوع الزبد.
فرع: فاقد القوت
]: وإن كان في بلد لا قوت فيه.. أخرج من قوت أقرب البلاد إليه، ولا يجوز أن يخرج من جنسين، كما لا يجوز في كفارة اليمين: أن يكسو خمسة، ويطعم خمسة.
وإن كان عبد بين شريكين قوتهما مختلف.. ففيه ثلاثة أوجه:
[أحدهما]: قال أبو العباس: يخرجان من أدنى القوتين؛ لأنها لا تتبعض.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته؛ لأنه لا يتبعض ما وجب عليه.
و [الثالث]: من أصحابنا من قال: يعتبر قوت العبد أو قوت البلد الذي هو فيه؛ لأن ذلك يجب طهرة له، فاعتبر حاله.
فرع: جواز الحب القديم لا المسوس
]: ولا يجوز إخراج حب مسوس؛ لأن السوس قد أكل جوفه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن أخرج من طعام قديم لم يتغير طعمه، إلا أن قيمته أقل من قيمة الحديث.. أجزأه؛ لأن القدم ليس بعيب).
ولا يجوز إخراج الدقيق والسويق، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهما: (يجوز).
وبه قال أبو القاسم الأنماطي من أصحابنا، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه ناقص المنفعة، فلم يجز، كالخبز.
وبالله التوفيق
باب تعجيل الزكاة
كل مال وجبت فيه الزكاة بالنصاب والحول، إذا ملك النصاب.. جاز تعجيل الزكاة فيه قبل مضي الحول، وكذلك يجوز تعجيل كفارة اليمين بعد الحلف، وقبل الحنث، وبه قال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال ربيعة، وداود: (لا يجوز التقديم فيهما).
وقال أبو حنيفة: (يجوز تقديم الزكاة قبل الحول، ولا يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث).
وقال مالك: (يجوز تقديم الكفارة، ولا يجوز تقديم الزكاة قبل الحول).
وبه قال أبو عبيد بن حرب.
دليلنا: ما روى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن العباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له».
ولأنه حق مال يجب بسببين يختصان به.. فجاز تقديمه بعد وجود أحد سببيه، ككفارة اليمين عند مالك رحمة الله عليه.
فقولنا: (حق مال) احتراز من حقوق الأبدان.
وقولنا: (يجب بسببين) احتراز من الحقوق التي تجب بسبب واحد، وهي زكاة الركاز.
وقولنا: (يختصان به) احتراز من الحرية والإسلام؛ لأنهما - وإن كانا سببين تجب الزكاة بهما - فلا يختصان بالزكاة؛ لأن ذلك معتبر في غير الزكاة.
وهل يجوز تعجيل الزكاة لعامين، أو أكثر؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق يجوز، فلو ملك خمسين شاة، فأخرج منها عشرًا زكاة عشر سنين.. جاز ما لم ينقص عن النصاب؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسلف من العباس زكاة عامين».
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز؛ لأنه دفع زكاة قبل انعقاد حولها، فلم تصح، كما لو لم يملك النصاب، ومن قال بهذا.. قال: تأويل الخبر: أنه تسلف منه زكاة
عامين في وقتين، أو تسلف منه زكاة عامين لمالين، كالماشية والأثمان.
وإن ملك مائتي شاة، فعجل عنها وعما يتوالد منها أربع شياه، فتوالدت، وبلغت أربعمائة.. أجزأته زكاة الأمهات، وفي زكاة السخال وجهان:
أحدهما: يجزئه؛ لأن السخال جارية في حول الأمهات.
والثاني: لا يجزئه.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الأشبه؛ لأنه تقديم زكاة قبل وجود النصاب.
هذه طرق أصحابنا البغداديين.
وقال صاحب " الإبانة " [ق \ 126]: إن قلنا: يجوز تقديم زكاة عامين.. فهاهنا أولى بالجواز.
وإن قلنا ثم: لا يجوز.. فهاهنا وجهان.
وإن عجل زكاة أربعين شاة، فتوالدت أربعين سخلة، ثم ماتت الأمهات، وبقيت السخال.. فهل تجزئ المخرجة عن السخال؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجزئ؛ لأنها جارية في حول الأمهات.
والثاني: لا تجزئ؛ لأنه عجلها قبل ملكها، مع تعلق الزكاة بعينها، فلم تصح.
مسألة: تعجيل الزكاة
]: وإن كان معه مائتا درهم للتجارة فعجل عنها زكاة أربعمائة، فحال الحول، وهي أربعمائة درهم.. أجزأه، وجها واحدًا؛ لأن الاعتبار بنصاب زكاة التجارة آخر الحول.
وهكذا لو كان عنده أقل من نصاب للتجارة، فعجل عنه زكاة النصاب، فحال الحول، وعنده نصاب.. أجزأه؛ لما ذكرناه.
وإن عجل زكاته: فإن المساكين يملكونها بالقبض إلا أنها فيحكم ملك رب
المال، فتكون عند الحول كما لو كانت في يد رب المال، سواء كانت باقية في يد المساكين أو تالفة، وذلك أنه إذا عجل شاة من أربعين شاة، فحال الحول، وفي يده تسع وثلاثون شاة.. فإنا نجعل المخرجة كما لو كانت في يده في حكمين:
أحدهما: يتم بها نصاب الأربعين.
والثاني: تجزئ عن الزكاة الواجبة عليه عند الحول.
وهكذا: إذا كان معه مائة وعشرون شاة، فعجل منها شاة، ثم ولدت شاة سخلة مما عنده قبل الحول.. فإنا نجعل المخرجة كأنها باقية معه، فيكون معه مائة وإحدى وعشرون شاة، فيجب عليه شاتان، فتجزئ المخرجة عن شاة، ويجب عليه أن يخرج شاة ثانية.
وهكذا: لو كان معه مائتا شاة، فعجل شاتين منها، ثم ولدت شاة سخلة مما عنده.. فإنه يجب عليه إخراج شاة ثالثة.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (تكون المخرجة كالتالفة، فلا تعد مع المال، بل تجزئ عند الحول عن الزكاة).
مثال ذلك: أنه إذا عجل شاة عن أربعين شاة، فإن حال الحول، وهي تسع وثلاثون.. فإنه لا يجب فيها زكاة، وإن ولدت شاة منها، فكانت أربعين عند الحول.. أجزأت المدفوعة عن الزكاة عند الحول.
وكذلك: لو كان معه مائة وعشرون شاة، فعجل منها بشاة، ثم ولدت منها واحدة قبل الحول.. فإن المخرجة لا تضم إلى ما معه، ولا يجب عليه إلا شاة واحدة.
وكذلك: إذا عجل عن مائتي شاة شاتين، ثم ولدت واحدة مما عنده.. لم تضم الشاتين المخرجتين إلى ما عنده في النصاب.
دليلنا: أن تعجيل الزكاة إنما جاز رفقًا بالمساكين، فلو قلنا: إن المعجلة لا تضم إلى المال، لكان في ذلك ضرر على المساكين، ولأن المخرجة لو لم تكن كالباقية على ملك رب المال.. لما أجزأت عن الواجب عليه عند الحول.
مسألة: رجوع المعجل في زكاته
]: إذا عجل الزكاة عن النصاب قبل الحول، ثم تلف جميع المال أو بعضه قبل الحول.. لم تجب عليه الزكاة؛ لأن وقت الوجوب لا نصاب معه، فإذا كان معه كذلك.. خرج المدفوع عن أن يكون زكاة، وهل يثبت له الرجوع به على المساكين؟ ينظر فيه:
فإن قال عند الدفع: هذه زكاتي عجلتها.. كان له الرجوع بها، وإن قال: هذه زكاة مالي أو صدقة مالي.. لم يكن له أن يرجع؛ لأن الظاهر أنها واجبة عليه، فإن قال رب المال: حلفوا المساكين: أنهم لا يعلمون أنها زكاة معجلة.. فهل يحلفون؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحلفون؛ لأن دعوى رب المال تخالف الظاهر، فلم تسمع.
والثاني: يحلفون؛ لأن المدفوع إليه لو أقر بما قاله الدافع.. وجب عليه الرد.
وأصلهما: إذا رهن رهنًا، ثم أقر بالتسليم، ثم قال: لم أكن سلمت، فحلفوا المرتهن.. فهل يحلف؟ فيه وجهان.
وإن كان الذي عجل هو السلطان، أو النائب من قبله، فإن تبين أنها زكاة معجلة.. رجع، وإن لم يبين.. فالمشهور من المذهب: أنه يرجع؛ لأنه لا يسترجعها لنفسه، فلم يتهم.
وذكر في " الشامل " وجهًا آخر، عن الشيخ أبي حامد: أنه لا يرجع إلا بالشرط، كرب المال.
فرع: إتلاف النصاب
فرع: [في إتلاف النصاب]: وإن عجل زكاة النصاب، فأتلف رب المال النصاب، أو بعضه قبل الحول.. ففيه وجهان، حكاهما الإصطخري: أحدهما: لا يرجع؛ لأن التلف جاء بتفريطه.
والثاني: له أن يرجع؛ لأن سبب الوجوب قد زال، فلا فرق: بين أن يكون بفعله، أو غير فعله.
وإن كان معه خمس من الإبل، فعجل زكاتها شاة، فهلكت الإبل قبل الحول، وعنده أربعون من الغنم، فإن أراد أن يجعل الشاة المعجلة عن الغنم.. فأومأ ابن الصباغ إلى وجهين:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه قد عينها عن مال، فلا تقع عن غيره.
والثاني: يجزئه؛ لأنها لم تصر زكاة بعد.
فرع: إرجاع المعجل من الزكاة
فرع: [في إرجاع المعجل من الزكاة]: وإذا ثبت لرب المال الرجوع فيما دفع، فإن كانت العين المدفوعة باقية بحالها.. رجع فيها، وإن كانت ناقصة.. رجع فيها، وهل يضمن المساكين ما نقص من قيمتها؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه لا يضمن)؛ لأن النقص حدث في ملكه، فلم يضمنه.
والثاني: يضمن؛ لأن من ضمن القيمة عند التلف.. ضمن النقص، كالغاصب.
وإن كانت العين زائدة.. نظرت:
فإن كانت زيادة لا تتميز، كالسمن والكبر.. رجع فيها رب المال مع زيادتها؛ لأنها تابعة لها.
وإن كانت زيادة منفصلة، كالولد واللبن.. رجع فيها دون الزيادة؛ لأنها زيادة تميزت في ملكه.
وإن كانت العين تالفة، فإن كان لها مثل.. رد مثلها، وإن كانت مما لا مثل لها.. رجع بقيمتها، ومتى تعتبر القيمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يوم القبض، وبه قال أحمد رحمة الله عليه؛ لأن ما زاد أو نقص كان في ملكه، فلم يعتبر.
والثاني: يوم التلف؛ لأن قبضه للعين كان قبضًا جائزًا، فاعتبرت قيمتها يوم التلف، كالعارية.
مسألة: تبيين الزكاة المعجلة
]: إذا عجل الزكاة إلى الفقير، فمات الفقير قبل الحول.. خرج عن أن يكون من أهل الزكاة، فإن لم يبين رب المال عند الدفع أنها زكاة معجلة.. لم يرجع عليه بشيء؛ لأن الظاهر أنه متطوع بها، وإن بين أنها المعجلة.. رجع.
فالزكاة المعجلة تتردد عندنا بين أن تقع موقع الزكاة، وبين أن تسترد.
وقال أبو حنيفة: (لا يسترجعها، وتكون نافلة).
فالزكاة المعجلة عنده تتردد بين أن تقع موقع الزكاة، وبين أن تكون نافلة.
دليلنا: أن المدفوع إليه خرج عن أن يكون من أهل الزكاة، فثبت له الاسترجاع.
فإذا ثبت له الرجوع.. نظرت:
فإن كان المدفوع ذهبًا أو فضة.. ضمه إلى ما عنده في إكمال النصاب؛ لأنه كالباقي على ملكه، بدليل: أنه يجزئ عما وجب عليه عند الحول.
وإن كان حيوانًا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يضم إلى ما عنده في إكمال النصاب؛ لما ذكرناه في الذهب والفضة.
والثاني: لا يضم؛ لأن الفقير لما مات.. صار ذلك دينًا في ذمته، والحيوان إذا كان دينًا.. لا تجب فيه الزكاة؛ لأن السوم معتبر فيه، وذلك معدوم فيما في الذمة، بخلاف الذهب والفضة.
مسألة: اغتناء من عجل له الزكاة
]: وإن عجل زكاته إلى فقير، فاستغنى الفقير المدفوع إليه قبل الحول.. نظرت: فإن استغنى بالذي دفع إليه.. جاز؛ لأنه إنما دفع إليه ليستغني به، ولأنه لو استرجعه منه؛ لعاد فقيرًا، وجاز الدفع إليه من الزكاة، فلا يفيد الاسترجاع.
وإن استغنى بغير الذي دفع إليه.. لم يجزه المدفوع عن الزكاة؛ لأنه قد خرج عن أن يكون من أهل الزكاة، فإن بين رب المال أنها معجلة.. استرجع منه، وإن لم يبين.. لم يسترجع منه.
وإن عجل الزكاة إلى فقير، فاستغنى في أثناء الحول من غير ما دفع إليه، ثم افتقر، فحال الحول، وهو فقير.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجزئ المدفوع عن الزكاة؛ لأن المدفوع إليه عند الدفع وعند الوجوب من أهل الزكاة، فلا يضر ما بينهما.
والثاني: لا يجزئ المدفوع عن الزكاة، ويجوز له الاسترجاع إذا بين أنها معجلة؛ لأن المسكين قد طرأ عليه حال خرج فيها عن أن يكون من أهل الزكاة.
قال الشيخ أبو حامد: والأول أشبه بكلام الشافعي.
وإن عجل زكاته إلى موسر، فحال الحول، وهو فقير.. لم يجزه المدفوع عن الزكاة؛ لأن تعجيل الزكاة إنما جاز ليرتفق بها المساكين، ولا رفق في تعجيلها إلى موسر.. فلم يجز.
مسألة: ضمان الوالي للزكاة
]: إذا قبض الوالي الزكاة المعجلة من رب المال، فتلفت في يده قبل تسليمها إلى المسكين.. نظرت:
فإن كان أخذها بسؤال رب المال.. تلفت من ضمانه؛ لأن الإمام نائب عنه في الدفع، وعليه أن يخرج الزكاة ثانيًا، فإن كان الإمام قد فرط في حفظها.. وجب عليه ضمان ما قبض لتفريطه، وإن لم يفرط.. فلا ضمان عليه.
وإن قبضها الإمام بغير سؤال من رب المال، ولا من المساكين، فتلفت في يده بتفريط أو بغير تفريط.. وجب عليه الضمان.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه الضمان).
دليلنا: أن أهل الزكاة أهل رشد لا ولاية عليهم، فإذا قبض مالهم بغير إذنهم..
وجب عليه الضمان، كالأب إذا قبض مال ابنه الكبير الذي لا ولاية له عليه، بغير إذنه، فتلف في يده.
وإن قبضها الإمام بسؤال المساكين، فتلفت في يده.. تلفت من ضمان المساكين؛ لأن الإمام نائب عنهم، فصار كالوكيل إذا قبض مال موكله، وتلف في يده.
فعلى هذا: يجزئ المدفوع عن الزكاة عند الحول، كما لو قبضها المساكين، فتلفت في أيديهم.
وإن رأى الإمام بالمساكين حاجة، ورأى من المصلحة أن يتسلف لهم الزكاة، فقبضها، وتلفت في يده بغير تفريط.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المشهور -: أن عليه الضمان، كما لو لم يكن بهم حاجة.
والثاني: لا ضمان عليه؛ لأن حاجتهم بمنزلة ما لو سألوا أن يتسلف لهم.
وإن قبضها الوالي بمسألة رب المال والمساكين، وتلفت في يده بغير تفريط.. ففيه وجهان:
أحدهما: تتلف من ضمان المساكين، وهو الأصح؛ لأنه قبضها لهم بإذنهم.
والثاني: تتلف من ضمان رب المال؛ لأنه أقوى جنبة، بدليل: أنه يملك المنع والدفع.
فرع: زكاة الميت تقع عن وارثه
]: وإن عجل زكاة ماله، ثم مات في أثناء الحول: فإن قلنا بقوله القديم: (وأن الوارث يبني على حول المورث).. أجزأتهم المعجلة عند حؤول الحول.
وإن قلنا بقوله الجديد - وهو الصحيح -: (إن الوارث لا يبني على حول المورث).. فهل تجزئهم الزكاة المعجلة؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: (أنها تجزئهم)؛ لأنهم يقومون مقامه فيما له وما عليه.
والثاني: لا تجزئهم؛ لأنه تعجيل زكاة قبل ملك النصاب.
فإن قلنا بهذا: فإن كان قد شرط مورثهم أنها زكاة معجلة.. رجعوا بها، وإن لم يشترط ذلك.. لم يرجعوا؛ لأن الظاهر أنها زكاة واجبة عليه، أو صدقة تطوع.
وإن قلنا بقوله القديم، أو بالمنصوص على الجديد.. نظرت:
فإن كانت حصة كل واحد منهم نصابا.. أجزأت المعجلة عنهم على حسب مواريثهم، سواء اقتسموا قبل الحول، أو لم يقتسموا.
وإن كانت حصة كل واحد منهم دون النصاب: فإن اقتسموا المال قبل الحول.. فلا زكاة عليهم، وكان لهم استرجاعها إن بين مورثهم عند الدفع أنها معجلة.
وإن لم يقتسموا المال حتى حال الحول: فإن كان المال ماشية.. أجزأتهم المعجلة عند الحول.
وإن كان غير الماشية:
فإن قلنا: تصح الخلطة في غير الماشية.. وجبت عليهم الزكاة عند الحول، وأجزأتهم المعجلة عند الحول.
وإن قلنا: لا تصح الخلطة في غير الماشية.. لم تجب عليهم الزكاة عند الحول، والكلام في الاسترجاع على ما مضى.
مسألة: تقديم العشور
]: وهل يصح تقديم العشر قبل الوجوب؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنه لا يصح، وهو اختيار الشيخين: أبي حامد وأبي إسحاق؛ لأن وجوب العشر يتعلق بسبب واحد، وهو اشتداد الحب وبدو الصلاح في الثمرة، فإذا أخرج الزكاة قبل ذلك.. فقد أخرجها قبل وجود سببها.
والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: أنه يصح، واختاره ابن الصباغ؛ لأن زكاته تتعلق بسببين: وجود الزرع، وإدراكه، والإدراك بمنزلة حؤول الحول، فجاز تقديمها عليه، ولأن تعلق الوجوب بالإدراك لا يمنع تقديم الزكاة عليه.
ألا ترى أن زكاة الفطر يجوز تقديمها على هلال شوال وإن كان الوجوب متعلقا به.
إذا ثبت هذا: فقال الشيخ أبو حامد، والمحاملي: يجوز تقديم العشر عنده إذا صار الزرع قصيلا ظهر فيه السنبل أو لم يظهر، وإذا صار التمر بلحا إذا علم أنه يجيء منه النصاب.
وبالله التوفيق
باب قسم الصدقات
والأموال على ضربين: ظاهرة، وباطنة:
فأما الباطنة: فهي الدراهم والدنانير، والركاز، وعروض التجارة، فيجوز لرب المال أن يفرق زكاتها بنفسه.
قال المحاملي: وهو إجماع، ويجوز أن يوكل من يخرج زكاتها، كما يجوز أن يوكل من يقضي عنه الدين، ويجوز أن يدفعها إلى الإمام؛ لأنه نائب عن أهل الصدقات.
وتفرقته بنفسه أفضل من دفعها إلى وكيله؛ لأنه على ثقة من تفرقته بنفسه، وعلى شك من تفرقة الوكيل.
وأما الأموال الظاهرة: فهي المواشي، والثمار، والزروع، وزكاة المعدن.
وفي زكاة الفطر وجهان:
أحدهما: أنها من الأموال الباطنة، فيكون حكمها ما ذكرناه.
والثاني: أنها من الأموال الظاهرة، وفي زكاة الأموال الظاهرة قولان:
[الأول]: قال في القديم: (يجب دفعها إلى الإمام أو النائب عنه، فإن فرقها بنفسه.. أعاد).
وبه قال مالك، وأبو حنيفة - رحمة الله عليهما - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] الآية [التوبة: 103]، ولأنه مال للإمام ولاية المطالبة فيه، فوجب دفعه إليه، كالجزية والخراج.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يجوز لرب المال أن يفرقها بنفسه).
وهو
الصحيح؛ لأنها زكاة، فجاز لرب المال أن يفرقها بنفسه، كالأموال الباطنة.
فإذا قلنا بهذا: فهل الأفضل أن يفرق زكاتها وزكاة الأموال الباطنة بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام؟ اختلف في ذلك أصحابنا:
فمنهم من قال: تفرقته بنفسه أفضل؛ لأنه على يقين من تفرقة نفسه، وعلى شك من تفرقة غيره.
ومنهم من قال: دفعها إلى الإمام أفضل، عادلًا كان أو جائرًا؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «سيكون بعدي أمور تنكرونها "، فقالوا: ما نصنع؟ فقال: " أدوا حقوقهم، واسألوا الله حقكم».
وروى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: أتيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: عندي مال أريد أن أخرج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى، فقال: (ادفعها إليهم) فأتيت ابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فكلهم قال مثل ذلك.
ولأن دفعه إلى الإمام يجزئه بلا خلاف، وتفرقته بنفسه مختلف فيه في إجزائه عنه، ولأن الإمام أعرف بحاجة المساكين.
ومن أصحابنا من قال: إن كان الإمام عادلًا.. فالدفع إليه أفضل؛ لأنه على يقين من أدائه إليه، وإن كان جائرًا.. فتفرقته بنفسه أفضل؛ لأنه ليس على يقين من أدائه.
مسألة: بعث السعاة
مسألة: [في بعث السعاة]: وعلى الإمام أن يبعث السعاة لقبض صدقة الثمار والزروع في الوقت الذي يوافي جداد الثمرة، وحصاد الزرع، ويبعث معهم من يخرص الثمار؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء الراشدين بعده كانوا يبعثون السعاة لقبض الصدقات.
ولا يبعث إلا حرًا، عدلًا، فقيهًا؛ لأن العبد والفاسق ليسا من أهل الولاية، والفقيه أعلم بما يأخذ.
وهل يجوز أن يكون هاشميًا أو مطلبيًا؟ فيه وجهان، بناء على الوجهين فيما يأخذه العامل، هل هو أجرة أو زكاة؟
فإن قلنا: إنه زكاة.. لم يجز؛ لأن الزكاة لا تحل لهم.
وإن قلنا: إنه أجرة.. جاز، كما يجوز استئجارهم على سائر الأعمال.
قال ابن الصباغ: فأما إذا تبرع الهاشمي أو المطلبي لقبض الصدقة من غير عوض يأخذه، أو دفع إليه الإمام الأجرة من بيت المال.. فيجوز أن يكون هاشميا أو مطلبيا وجهًا واحدا.
وأما مواليهم: فإن قلنا: يجوز للهاشمي والمطلبي أن يأخذ من الصدقة لكونه عاملا.. فمواليهم أولى بالجواز.
وإن قلنا: لا يجوز للهاشمي والمطلبي.. ففي مواليهم وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «موالي القوم من أنفسهم».
والثاني: يجوز؛ لأنهم لا يلحقون بشرف مواليهم.
فرع: عطاء جابي الزكاة
]: وإذا أراد الإمام بعث العامل.. فهو بالخيار بين أن يستأجره بأجرة معلومة، ويعطيه ذلك من الزكاة، وبين أن يجعل له جعلا، فإذا فرغ من العمل.. أعطاه جعله من سهم العامل في الزكاة.
ويبعث الإمام العامل لقبض زكاة غير الثمار والزروع في المحرم؛ لما روي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال في المحرم: (هذا شهر زكاتكم)، ولأنه أول السنة العربية، فكان البعث فيه أولى.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويستحب أن يخرج قبل المحرم بأيام؛ ليكون مع أول المحرم قد وصل إلى أرباب الأموال، وعرف عدد أهل السهمان، وقدر حاجتهم.. فلا يحتاج أن يشتغل بذلك في المحرم).
وإذا أراد الساعي أن يعد الماشية، فإن كانت تأكل الكلأ، وترد الماء.. فإن الساعي يعدها على الماء؛ لأنه لا يكلف الساعي أن يتبعها المرعى، ولا يكلف رب المال ردها إلى فناء داره، فكان عدها على الماء أولى؛ لأن المشقة تزول عنهما بذلك.
وإن كانت الماشية تجتزئ بالحشيش الرطب عن الماء.. فإن الساعي يعدها في المساكن والموضع الذي تروح إليه ليلًا؛ لما روى عبد الله بن عمرو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم وأفنيتهم».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا جلب، ولا جنب».
فقيل: معنى قوله: " لا جلب " أي: لا يجب على أرباب المواشي جلبها إلى الساعي، حيث كان ليعدها.
ومعنى: " لا جنب " أي: لا يبعدونها عنهم.
وقيل إنما أراد بذلك في السبق، أي: لا يجلب على خيل السباق، بضرب الشيء اليابس، والصياح يستحث بذلك الفرس، و" لا جنب " أي: لا يكون له جنب في السباق.
وأما كيفية العد: فهو أن يضطر الماشية إلى جدار وجبل، حتى لا يكون لها إلا طريق ضيق ما تمر به شاة أو شاتان، ويزجرها من خلفها آخر، وبيد العاد عصا يعدها، حتى يأتي على آخرها.
فإن عدها وادعى أنه أخطأ.. أعاد.
وإن كان رب المال ثقة، فأخبره بعددها.. جاز قبول قوله.
وإن أبدل له رب المال الزكاة.. أخذها منه.
والمستحب: أن يدعو له؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] [التوبة: 103]، أي: ادع لهم.
والمستحب: أن يقول: اللهم صل على آل فلان؛ لما روي: «أن أبا أوفى حمل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقة ماله، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اللهم صل على آل أبي أوفى».
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وأحب أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورا).
وبأي شيء دعا له.. جاز، وإن ترك الدعاء جاز.
وقال داود وأهل الظاهر: (يجب الدعاء).
دليلنا: ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لمعاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم».
ولم يأمره بالدعاء.
قال الشيخ أبو حامد: فإن دفع رب المال الصدقة إلى المسكين.. لم يستحب أن يدعو له؛ لأن ذلك إنما يستحب للساعي دون غيره.
مسألة: غلول الصدقة
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن غل صدقته.. عزر إن كان الإمام عدلا، إلا أن يدعي الجهالة، فلا يعزر).
وهذا كما قال: المنع في الزكاة هو أن يمنع من دفعها.
و (الغل) في الزكاة: هو أن يخفي رب المال شيئا من ماشيته، حتى لا يراها الساعي، فإن أظهر عليه الساعي، فإن كان رب المال جاهلا بتحريم ذلك، مثل: أن كان حديث عهد بالإسلام.. فإنه يأخذ منه الزكاة، وينهاه ألا يعود إلى ذلك، فإن عاد إليه ثانيا.. عزره.
وإن لم يدع الجهالة، أو ادعى ولكن هو ممن لا يخفى عليه ذلك، مثل: أن يكون مجالسا للعلماء، أو نشأ في دار الإسلام، فإن كان الإمام جائرا يأخذ أكثر من حقه، أو يضعها في غير موضعها.. لم يعزره؛ لأن غله بتأويل.
فإذا أخذ هذا الإمام الزكاة منه.. فاختلف أصحابنا فيه:
فذهب أكثرهم: إلى أنه تسقط عنه الزكاة، وقد نص الشافعي: (أن الخوارج إذا غلبوا وأخذوا الصدقات.. أجزت).
وحكى الجويني عن بعض أصحابنا أنها لا تجزئه وذكر في " الفروع ": هل يسقط الفرض عنه فيما بينه وبين الله عز وجل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يسقط؛ لأنه لم يزل المتغلبون ومن لا يستحق الإمامة يقبضون الصدقات، فيعتد بها.
و [الثاني]: قال: والمذهب: أنها لا تسقط عنه فيما بينه وبين الله في الباطن.
وإن كان الإمام عدلا يأخذ قدر الزكاة، ويضعها في مواضعها.. فإنه يأخذ الزكاة من المانع والغال ويعذره على ذلك، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك، وأحمد: (تؤخذ من الزكاة وشطر ماله).
وهو قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم.
والصحيح هو الأول؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس في المال حق سوى الزكاة».
ولم يفرق بين أن يغلَّ أو لا يغلَّ.
فرع: جواز توكيل الساعي من يقبض الزكاة
]: فإذا بلغ الساعي إلى الموضع الذي قصده، فإن كان حول رب المال قد تم: قبض منه الزكاة ودعا له على ما مضى وإن كان لم يتم حوله: سأله هل يختار تعجيلها؟ فإن فعل قبض منه، وإن لم يفعل.. وكل الساعي ثقة يقبض منه الزكاة عند حولها ويفرقها في أهلها، وإن رأى أن يكتبها عليه دينا؛ ليأخذها مع زكاة العام القابل.. جاز؛ لما روي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أخر الزكاة عن الناس عام الرمادة).
وإن أراد أن يرجع في وقت حلولها ليقبضها.. فعل.
وإن اختلف رب المال والساعي.. نظرت:
فإن كان قول رب المال لا يخالف الظاهر، بأن قال الساعي: قد حال الحول على مالك، وقال رب المال: لم يحل عليه الحول، أو قال الساعي: كانت ماشيتك نصابا، ثم توالدت بعد النصاب، وقال رب المال: بل تمت نصابًا بتوالدها، أو قال الساعي: هذه السخال توالدت من غنمك، فهي في حولها، وقال رب المال: بل استفدتها من غيرها، وهي منفردة بالحول، أو قال الساعي: هذه السخال ولدت قبل الحول، وقال رب المال: بل ولدت بعد الحول.. فالقول قول رب المال في هذه المسائل مع يمينه، واليمين هاهنا مستحبة، فإن حلف.. سقطت عنه الزكاة، فإن نكل.. لم تجب عليه الزكاة؛ لأن قوله لا يخالف الظاهر، والزكاة مبنية على الرفق والمواساة، فلو أوجبنا فيها اليمين.. خرجت عن حد المواساة.
وإن كان قول رب المال يخالف الظاهر، مثل: أن يقول له الساعي: قد مضى على مالك حول، فقال رب المال: كنت قد بعته في أثناء الحول، ثم اشتريته، أو قال: قد أخرجت عنه الزكاة، وقلنا: يجوز له أن يفرق بنفسه.. فالقول قول رب المال مع يمينه، وهل تجب اليمين هاهنا، أو تستحب؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها مستحبة؛ لأنها لو كانت واجبة عليه إذا كان قوله يخالف الظاهر.. لوجبت عليه وإن كان قوله لا يخالف الظاهر، كالمودع.
فعلى هذا: لا تجب عليه الزكاة، حلف أو لم يحلف.
والثانيٍ: أن اليمين واجبة عليه؛ لأن قوله يخالف الظاهر.
فعلى هذا: إن حلف.. سقطت عنه الزكاة، وإن لم يحلف.. أُخذت منه الزكاة لا بنكوله، ولكن بالوجوب المتقدم.
وإن قال رب المال: هذا المال الذي في يدي وديعة، وقال الساعي: بل هو مالك... ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: أن دعوى رب المال هاهنا تخالف الظاهر، فيحلف، وهل تستحب يمينه أو تجب؟ فيه وجهان.
والثاني: أن قوله لا يخالف الظاهر، فيستحب أن يحلف؛ لأن ما في يده قد يكون له، وقد يكون لغيره.
والأول أصح؛ لأن الظاهر مما في يده أنه ملكه.
فرع: متى يسم الساعي الصدقة
]: إذا قبض الساعي الماشية في الزكاة، ولم يؤذن له في تفريقها في الحال... فالمستحب له أن يسمها.
وقال أبو حنيفة: (يكره وسمها).
دليلنا: ما روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسم إبل الصدقة» ولأنها تتميز بذلك.
إذا ثبت هذا: فموضع وسم الإبل والبقر في أفخاذها، وموضع وسم الغنم في آذانها؛ لأنه موضع يقل فيه الشعر، ويخف فيه الألم، فيكتب في ماشية الزكاة: زكاة، أو صدقة، وفي ماشية الجزية: جزية، أو صغار؛ لأن ذلك أسهل ما يمكن.
وإن أذن الإمام للساعي في تفرقتها... فرَّقها على أهلها، ولا يجوز له بيعها؛ لأن أهل الزكاة أهل رشد، إذ لا ولاية عليهم، فلم يجز بيع مالهم بغير إذنهم.
فإن قبض نصف شاة، ولم يمكن نقلها... باع ذلك.
وهكذا: إن وقف عليه شيء من الماشية، أو خاف أن تؤخذ منه قبل أن يوصلها إلى أهلها، أو إلى الإمام... جاز له بيعها، ويوصل الثمن؛ لأن ذلك موضع ضرورة.
وإن تلف في يده شيء منها... نظرت:
فإن كان بغير تفريط منه... لم يجب عليه ضمانه، كالوكيل إذا تلف في يده مال موكله بغير تفريط.
وإن كان بتفريط بأن قصر في حفظها، أو عرف أهلها، أو أمكنه التفرقة عليهم، فأخر ذلك من غير عذر... ضمن؛ لأنه فرط في ذلك.
وإن لم يبعث الإمام لقبض زكاة الأموال الظاهرة من غير عذر، فإن قلنا: بقوله الجديد: (أن لرب المال أن يفرق زكاتها)... وجب عليه إيصال ذلك إلى أهله، وإن أخر حتى تلف المال
ضمن الزكاة.
وإن قلنا: بقوله القديم: (وأنه يجب دفعها إلى الإمام)... ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يلزمه تفرقتها)؛ لأن ذلك حق وجب صرفه إلى المساكين، والإمام نائب عنهم، فإذا ترك النائب... لم يترك من عليه الحق، كالدين.
والثاني: لا يجوز له تفرقتها؛ لأن ذلك مال للإمام فيه حق القبض... فلم يجز لغيره تفرقته، كالجزية والخراج.
مسألة: نية الزكاة عند دفعها
]: ولا يصح أداء الزكاة إلا بالنية، وبه قال عامة الفقهاء.
وقال الأوزاعي: (لا يفتقر أداؤها إلى النية، كالدين).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] [البينة: 5].
فأخبر أن العبادة لا تصح إلا بالإخلاص، و (الإخلاص): إنما هو النية، والزكاة من العبادات.
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى».
ولأنها عبادة تتنوع فرضًا ونفلًا، فكان من شرطها النية، كالصلاة، والصوم، والحج.
إذا ثبت هذا: فالعبادات التي تفتقر إلى النية على ثلاثة أضرب:
ضرب: لا يجوز تقديم النية عليها، ولا تأخيرها عن ابتدائها، وهي: الطهارة، والصلاة، والحج.
وضرب: يجوز تقديم النية على ابتدائها، وهو الصوم، وهل يجب تقديمها على طلوع الفجر، أو يجوز بنيته مع طلوع الفجر؟ فيه وجهان، يأتي ذكرهما في (الصوم).
وضرب: اختلف أصحابنا في جواز تقديم النية على ابتدائها، وهي الزكاة، والكفارات - قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (الكفارة): (وينوي مع التكفير أو قبله) والزكاة مثل الكفارة:
فمن أصحابنا من قال: يجب أن ينوي حال الدفع، وبه قال أصحاب أبي حنيفة؛ لأنها عبادة يدخل فيها بفعله، فلا يجوز تقديم النية على ابتداء الفعل فيها، كالصلاة، وفيه احتراز من الصوم.
وتأول هذا القائل قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أو قبله): أنه أراد: أن ينوي قبله، ويستديم تلك النية إلى وقت الفعل.
ومنهم من قال: يجوز أن تتقدم النية على الدفع؛ لأن التوكيل يجوز في أداء
ذلك، وبنية غير مقارنة لأداء الوكيل، فلو قلنا: لا يجوز تقديم النية.. لأدى إلى إبطال التوكيل فيها.
ومحل النية: القلب، فإن نوى بقلبه، وتلفظ بلسانه.. فهو آكد، وإن نوى بقلبه، ولم يتلفظ بلسانه.. أجزأه، وإن تلفظ بلسانه، ولم ينو بقلبه.. ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\126]:
أحدهما: لا يجزئه، كسائر العبادات المفتقرة إلى النية.
والثاني: يجزئه؛ لأنها عبادة يجوز فيها النيابة، بخلاف الصوم والصلاة.
وأما كيفية النية: فإن نوى أن هذا زكاة مالي، أو صدقة مالي، أو فرض تعلق بمالي، أو هذا واجب علي، أو زكاتي.. أجزأه.
وإن نوى أن هذا زكاة.. فذكر المسعودي [في " الإبانة " ق\126]: أنه لا يجزئه.
وإن نوى أن هذه صدقة.. لم يجزئه؛ لأن الصدقة قد تكون نفلا، وقد تكون فرضا، فلم تصح بنية مطلقة.
وإن تصدق بجميع ماله، ولم ينو بشيء منه الزكاة.. لم يجزئه عن الزكاة.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجزئه استحبابا.
دليلنا: أنه لم ينو الفرض، فلم يجزه، كما لو صلى مائة ركعة بنية التطوع، فإنها لا تجزئه عن الفرض.
وإن تصدق ببعضه.. لم يجزه أيضا، وبه قال أبو يوسف.
وقال محمد بن الحسن.. يجزئه عن زكاة ذلك البعض.
دليلنا: ما ذكرناه فيما إذا تصدق بالكل.
وإن أخرج خمسة دراهم، ونوي بها الزكاة والتطوع.. قال ابن الصباغ: لم يجزه عن الزكاة، وكانت تطوعا، وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو يوسف: يجزئه عن الزكاة.
دليلنا: أنه أشرك في النية بين الفرض والنفل، فلم يجزه عن الفرض، كالصلاة.
فرع: دفع زكاة مالين حاضر وغائب
]: وإن كان له من الدراهم نصاب حاضر، ونصاب غائب، فأخرج خمسة دراهم، ونوى أنها عن الحاضر أو الغائب، أو عن الغائب، إن كان سالما، وإن كان تالفا، فعن الحاضر.. أجزأه؛ لأنه لا يجب عليه تعيين المال المخرج عنه.
وإن نوى أنها عن الغائب، إن كان سالما، ولم ينو غير هذا، فإن كان سالما أجزأه.
وإن كان تالفا.. قال في " الأم ": (لم يكن له أن يصرفه إلى زكاة غيره)؛ لأنه عينها لذلك المال، فهو كما لو كان عليه كفارة، فأعتق عبدا عن كفارة أخرى عينها ليست عليه.. فإنها لا تجزئه عن التي عليه.
قال في " الأم ": (ولو دفع عشرة دراهم إلى الوالي متطوعا بدفعها، فقال: هذه عن مالي الغائب، فبان تالفا قبل الوجوب، فإن كان قد فرقها الوالي.. لم يرجع عليه بها، وإن كانت في يده رجع عليه بها).
قال ابن الصباغ: وفي هذا نظر؛ لأنه إذا استحق الرجوع بها من الوالي.. استحقه من الفقراء، قال: وهذا محمول إذا شرط ذلك في الدفع.
وإن قال: هذه زكاة مالي الغائب، وإن كان سالما، أو تطوع.. لم يجزه عن الفرض وإن كان ماله سالما؛ لأنه لم يخلص النية للفرض.
وإن قال: إن كان مالي الغائب سالما.. فهذا عن زكاته، وإن لم يكن سالما.. فهو تطوع، فإن كان المال سالما.. أجزأه؛ لأنه لم يشرك بين النفل والفرض.
فرع: الجزم في النية ضروري
]: إذا كان له من يرثه، فأخرج خمسة دراهم، وقال: هذه زكاة ما ورثت عنه، إن كان قد مات، أو نافلة، فبان أنه قد مات.. لم يجزه؛ لأنه قد أشرك في النية بين الفرض والنفل، ولأنه بناه على غير أصل؛ لأن الأصل فيه الحياة.
وإن قال: هذه زكاة ما ورثت عنه، وكان قد مات.. لم يجزه أيضا؛ لأن الأصل فيه الحياة.
ولو باع مال مورثه قبل أن يعلم بموته، فبان أنه كان قد مات.. فهل يصح بيعه؟ فيه قولان:
أحدهم - وهو الصحيح -: أنه لا يصح؛ لأنه باع وهو متلاعب.
والثاني: يصح؛ لأنه بان أنه باع ما يملكه، والفرق بين الزكاة والبيع على هذا: أن الزكاة تفتقر إلى النية، فلذلك لم يصح، قولا واحدا، والبيع لا يفتقر إلى النية فلذلك صح في أحد القولين.
فرع: وجوب نية المزكي ووكيله
]: وإن وكل من يؤدي الزكاة عنه.. نظرت:
فإن نوى رب المال عند الدفع إلى الوكيل، ونوى الوكيل عند الدفع إلى المساكين.. أجزأه، وإن لم ينو واحد منهما، أو نوى الوكيل دون الموكل.. لم يجزه؛ لأن من عليه الفرض لم ينو، وإن نوى الموكل ولم ينو الوكيل.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: يجزئه، قولا واحدا؛ لأن التوكيل لما أجيز هاهنا.. أجزأت النية عند الاستنابة.
ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان، بناء على الوجهين في جواز تقديم النية.
والصحيح: أنه يجوز تقديمها.
قال ابن الصباغ: وإن أذن له أن يؤدي الزكاة عنه من مال الوكيل.. لم يجزه إلا بنية من الوكيل عند الدفع.
فرع: كفاية نية المؤدي
]: وإن دفع رب المال الزكاة إلى الإمام.. نظرت:
فإن نويا جميعا أو نوى رب المال دون الإمام.. أجزأه؛ لأنه قد نوى من وجبت الزكاة عليه.
وإن نوى الإمام دون رب المال، أو لم ينو واحد منهما.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: (أنها تجزئ عن رب المال)؛ لأن الإمام لا يأخذ إلا الواجب، فاكتفي بهذا عن النية.
والثاني - حكاه القاضي أبو الطيب، واختاره -: أنه لا يجزئه؛ لأن الإمام نائب عن الفقراء، فكما لا يصح الدفع إليهم إلا بالنية من رب المال، فكذلك إذا دفع إلى النائب عنهم.
وإن امتنع رب المال من دفع الزكاة، فأخذها الإمام منه قهرًا.. نظرت:
فإن نوى الإمام عند الأخذ.. سقطت الزكاة عن رب المال في الظاهر، وهل تسقط عنه فيما بينه وبين الله تعالى؟ فيه وجهان.
وإن أخذها الإمام من غير نية منه.. لم يسقط الفرض عن رب المال فيما بينه وبين الله تعالى، وهل يسقط عنه في الظاهر؟ فيه وجهان.
حكى ذلك المسعودي [في " الإبانة " ق \ 126].
وإن أخرج ولي اليتيم الزكاة عن اليتيم من ماله بغير نية.. لم يجزه، ووجب على الولي ضمانها؛ لأنه فرط في ذلك.
مسألة: الصدقة والعشر والزكاة بمعنى
]: قال الصيمري: كان الشافعي في القديم يذهب إلى: أن ما يؤخذ من المواشي يسمى صدقة لا غير، وما يؤخذ من الثمار والزرع يسمى: عشرا، وما يؤخذ من الذهب والورق يسمى: زكاة قال: فراعى ما عليه الناس في التسمية في الغالب، ثم رجع عنه، وقال: (الصدقة زكاة، والزكاة صدقة، والعشر زكاة وصدقة).
إذا ثبت هذا: فإن كان رب المال هو الذي يفرق زكاة ماله بنفسه.. لم يعط العامل شيئا؛ لأنه لا عمل له.
ويجب أن يصرف جميع ما يوقف عليه إلى باقي الأصناف المذكورين في الآية، الموجودين في البلد، وهم: الفقراء، والمساكين، والمؤلفة قلوبهم، والمكاتبون، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فإن أخل بصنف منهم.. ضمن نصيبه، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والزهري، وعكرمة.
وذهبت طائفة: إلى أن ذكر الأصناف في الآية ليس للاستحقاق، وإنما هو على وجه التخيير، فإلى أي صنف منهم دفع.. جاز.
ذهب إليه الحسن البصري، وعطاء، والضحاك، وسعيد بن جبير، ومالك، وأبو حنيفة، وروي ذلك
عن حذيفة، وابن عباس، إلا أن مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقول: (يدفع إلى أمسهم حاجة).
وقال النخعي: إن كانت قليلة.. جاز دفعها إلى صنف واحد، وإن كانت كثيرة.. وجب صرفها إلى جميع الأصناف.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يجوز صرف زكاة الفطر إلى ثلاثة من الفقراء أو المساكين أو غيرهم من الاصناف؛ لأنه يشق تفرقتها على جميع الأصناف.
وقال المزني، وأبو حفص بن الوكيل: يجوز صرف ما يؤخذ من الركاز إلى أهل الفيء.
وهو قول أبي حنيفة.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60] [التوبة: 60].
فأضافها إليهم بلام التمليك، وعطف بعضهم على بعض بواو التشريك، فصار كما لو قال: هذه الدار لزيد وعمرو.
وإن كان الذي يفرق الزكاة هو الإمام.. لم يجز له أن يحرم واحدا من أصناف البلد من زكاة أهل البلد، ولكن له أن يدفع زكاة الرجل الواحد إلى الفقير الواحد، فالإمام في قسم جميع الصدقات كالرجل في قسم زكاة نفسه.
فإن أخذ الإمام من رجل زكاته، وكان الدافع مستحقا لأخذ الزكاة، فدفع الإمام
إليه زكاته بعينها.. أجزأه؛ لأن ذمته قد برئت بتسليمها إلى الإمام، وإنما رجعت إليه بسبب آخر.
فإن دفع رب المال زكاته إلى الساعي.. عزل الساعي ما يستحقه من الزكاة، ويفرق الباقي على باقي الأصناف إن كان الإمام قد أذن له في ذلك، وإن لم يأذن له الإمام في تفرقتها.. حملها إلى الإمام، فيقسمها على ثمانية أسهم: سهم للعامل، وهو أول ما يبدأ به؛ لأنه يأخذه عوض عمله، وغيره يأخذه مواساة.
فإن كان ذلك وفق أجرته.. دفعه إليه، وإن كان أكثر من أجرته.. رد الفضل على باقي الأصناف، وقسمه بينهم.
وإن كان أقل من قدر أجرته.. قال الشافعي: (يتمم له من سهم المصالح).
قال: (ولو تمم له من حق سائر الأصناف.. لم يكن به بأس).
واختلف أصحابنا في ذلك:
فذهب المزني وغيره من أصحابنا: إلى أنها على قولين:
أحدهما: يتمم من حقوق سائر الأصناف؛ لأنه يعمل لهم كالأجير الذي ينقل المال.
والثاني: يتمم من سهم المصالح؛ لئلا ينقص كل صنف مما قسم الله له.
ومن أصحابنا من قال: ليست على قولين، وإنما الإمام بالخيار: بين أن يتممه من سهم المصالح؛ لأن العامل يشبه الحاكم، وبين أن يتممه من حق سائر الأصناف؛ لأنه يشبه الأجير لهم.
ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين:
فحيث قال: (يتمم من سهم المصالح) أراد: إذا كان قد فرق على سائر الأصناف، ثم وجد سهم العامل ينقص عن أجرته؛ لأنه يشق استرجاع ذلك منهم.
وحيث قال: (يتمم من حق سائر الأصناف) إذا بدأ بدفع سهم العامل قبل الأصناف.
ومنهم من قال: بل هي على حالين آخرين:
فالذي قال: (يتمم من سهم المصالح) إذا كانت أسهم الأصناف لا تفضل عن حاجتهم.
والذي قال: (يتمم من سهم الأصناف) إذا كانت تفضل عن حاجتهم.
والصحيح: أنها على قولين.
ويعطى العريف والحاشر من سهم العامل؛ لأنهم من جملة العمال، و (العريف): من يعرف العامل إذا دخل البلد أهل الصدقات إن كان غريبا، و (الحاشر): الذي يحشرهم إليه، أي: يستدعيهم.
وكذلك: إن احتاج العامل أن ينصب من يجبي الصدقات، ويحصي أهل السهمان، وقدر حاجاتهم.. فله أن ينصب من يقوم بذلك؛ لأنه لا يمكنه فعل ذلك كله بنفسه، ويعطيهم من سهمه.
فرع: جلب الصدقات على أصحاب الأموال
]: ومؤنة إحضار الماشية ليعدها على رب المال؛ لأنها للتمكن من الاسيفاء، وأجرة الحافظ للصدقة وناقلها، وأجرة البيت الذي تكون الصدقة فيه على أهل السهام، ويجوز أن يكون الحافظ والناقل هاشميا أو مطلبيا، وجها واحدا؛ لأنه أجير في الحقيقة.
وإن وجب على رب المال دراهم، أو طعام، فاحتيج إلى من يزن ذلك، أو يكيله.. فعلى من تجب أجرته؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو علي بن أبي هريرة: تجب على رب المال؛ لأن ذلك للإيفاء، والإيفاء واجب عليه.
و [الثاني] قال أبو إسحاق: تجب على أهل السهمان؛ لئلا يزاد على الفرض الذي أوجبه الله تعالى عليه.
فأما أجره من يكيل أو يزن للقسمة بين أهل السهمان: فإنها تجب عليهم، وجها واحدا.
فإن قبض العامل الصدقة، فتلفت في يده من غير تفريط.. قال صاحب الفروع: استحق أجرة عمله في بيت المال.
مسألة: سهم الفقراء
]: وسهم للفقراء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] الآية [التوبة: 60].
و (الفقير): إذا أطلق اسمه.. تناول الفقير والمسكين، وكذلك: إذا أطلق اسم المسكين.. تناول المسكين والفقير، وإذا جمع بينهما.. كان معنى أحدهما غير معنى الآخر.
فأما صفة الفقير: فنقل المزني، عن الشافعي في القديم: (الفقير: الزمن الضعيف الذي لا يسأل الناس).
وقال في الجديد: (الفقير: هو الذي لا شيء له، زمنا كان أو غير زمن، سواء سأل أو لم يسأل).
فقال البغداديون من أصحابنا: (الفقير): هو الذي لا شيء له، أو له شيء لا يقع موقعا من كفايته، مثل: أن يحتاج كل يوم إلى عشرة دراهم، وهو يكتسب كل يوم ثلاثة أو أربعة سواء كان صحيحا أو زمنا، وسواء سأل أو لم يسأل، وإنما اختصر الشافعي العبارة عنه في القديم، وبسطها في الجديد؛ لأنه قد يسأل ولا يعطى، وقد يعطى من غير سؤال، وقد يكتسب الزمن، ولا يكتسب الصحيح.
وحكى المسعودي [في الإبانة \ ق\ 456]: أن من أصحابنا من قال: هل من شرط الفقير أن يكون متعففا عن السؤال؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يشترط؛ لما ذكرناه.
والثاني: يشترط؛ لأن حال المتعفف أشد.
إذا ثبت هذا: فكم يعطى الفقير من الزكاة؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول ابن القاص في " المفتاح " -: أنه يعطى قوت سنة له ولعياله؛ لأن الزكاة تجب في كل سنة، فاعتبر كفايته بها.
والثاني - وهو قول سائر أصحابنا وهو المنصوص للشافعي -: (أنه يعطى ما يخرجه من حد الفقر إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام)؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تحل المسألة إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابت ماله جائحة، فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش، أو قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة أو حاجة، حتى يشهد، أو يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: إن به فاقة وحاجة، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش، أو قواما من عيش، ثم يمسك».
فأجاز له المسألة إلى أن يصيب ما يسده.