كتاب الرهن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
واحدا؛ لأنه باعه العبد بألف وبمنفعة الدار مدة غير معلومة، والبيع بثمن مجهول باطل.
وإن كانت منفعة الدار معلومة.. قال القاضي أبو الطيب: هذه صفقة جمعت بيعا وإجارة، فهل يصحان؟ فيه قولان.
وقال الشيخ أبو حامد: شرط منفعة الدار للمرتهن باطل؛ لأنه ينافي مقتضاه، وهل يبطل به الرهن؟ فيه قولان؛ لأنه زيادة في حق المرتهن.
فإذا قلنا: إنه باطل.. فهل يبطل البيع؟ فيه قولان.
فإذا قلنا: إن الرهن صحيح، أو قلنا: إنه باطل، ولا يبطل البيع.. ثبت للبائع الخيار في فسخ لا بيع؛ لأنه لم يسلم له ما شرط، وهذا ظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وإن قال لغيره: بعني عبدك هذا بألف، على أن تكون داري رهنا به، ومنفعتها أيضا رهنا به.. فإن المنفعة لا تكون رهنا؛ لأنها مجهولة، ولأنه لا يمكن إقباضها.
فإذا بطل رهن المنفعة.. فهل يبطل الرهن في أصل الدار؟ فيه قولان، بناء على القولين في تفريق الصفقة.
فإذا قلنا: إن الرهن لا يفسد في أصل الدار.. لم يفسد البيع، ولكن يثبت للبائع الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميع الرهن.
وإن قلنا: يفسد في أصل الدار.. فهل يبطل البيع؟ فيه قولان.
فرع: البيع بثمن ومنفعة
وإن كان لرجل على آخر ألف بغير رهن، فقال من عليه الألف لمن له الألف: بعني عبدك هذا بألف، على أن أعطيك داري رهنا بها وبالألف الذي لك علي بغير رهن، فقال: بعتك.. كان البيع باطلا؛ لأن ثمن العبد مجهول؛ لأنه باعه بألف ومنفعة أخرى، وهو أن يعطيه رهنا بالألف التي لا رهن بها، ولأنه بيعتان في بيعة.
فرع: القرض بشرط رهن ومنفعته
إذا قال لغيره: أقرضني ألف درهم، على أن أعطيك عبدي هذا رهنا، وتكون منفعته لك، فأقرضه.. فالقرض باطل؛ لأنه قرض جر منفعة، وهكذا: لو كان عليه ألف بغير رهن، فقال له: أقرضني ألفا، على أن أعطيك عبدي هذا رهنا بها وبالألف التي لا رهن بها، فأقرضه.. فالقرض فاسد؛ لأنه قرض جر منفعة، والرهن باطل فيهما؛ لأن الرهن إنما يصح بالدين، ولا دين له في ذمته.
وإن قال: أقرضني ألفا، على أن أرهنك داري به، وتكون منفعتها رهنا بها أيضا.. لم يصح شرط رهن المنفعة؛ لأنها مجهولة، ولأنه لا يمكن إقباضها.
فإذا ثبت: أنه لا يصح هذا الشرط.. فإنه زيادة في حق المرتهن، وهل يبطل بها الرهن؟ فيه قولان.
فرع: التطوع بالرهن للدين المستقر
إذا كان له دين مستقر في ذمته، فتطوع بالرهن به، فقال: رهنتك هذه النخلة، على أن ما تثمر يكون داخلا في الرهن، أو هذه الماشية، على أن ما تنتج داخل في الرهن.. فهل يصح الرهن في الثمرة والنتاج؟ فيه قولان:
أحدهما: يصح الرهن فيهما؛ لأنهما متولدان من الرهن، فجاز أن يكونا رهنا معا.
والثاني: لا يصح الرهن فيهما، وهو الصحيح؛ لأنه رهن معدوم ومجهول.
فعلى هذا: هل يبطل الرهن في النخلة والماشية؟ فيه قولان، بناء على القولين في تفريق الصفقة.
وإن قال: بعتك عبدي هذا بألف، على أن ترهنني نخلتك هذه، على أن ما تثمر داخل في الرهن، فإن قلنا: يصح الرهن في الثمرة.. صح البيع.
وإن قلنا: لا يصح
الرهن في الثمرة، فإن قلنا: لا يبطل الرهن في النخلة.. لم يبطل البيع في العبد، ولكن يثبت لبائعه الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميع الرهن المشروط.
وإن قلنا: يبطل الرهن في النخلة.. فهل يبطل البيع في العبد؟ فيه قولان، فإن قلنا: لا يبطل.. ثبت للبائع الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميع الرهن المشروط، فتحصل في هذه المسألة أربعة أقوال:
أحدها: يصح الرهن في الكل، ويصح البيع.
والثاني: يبطل الرهن والبيع.
والثالث: يصح الرهن في النخلة لا غير، ويصح البيع، وللبائع الخيار.
والرابع: أن الرهن باطل، والبيع صحيح، وللبائع الخيار.
فرع: الإقراض بشرط الرهن ونمائه
قال ابن الصباغ: إذا أقرضه ألفا برهن، وشرط أن يكون نماء الرهن داخلا فيه.. فالشرط باطل في أشهر القولين، وهل يفسد الرهن؟ فيه قولان؛ لأنه زيادة في حق المرتهن، وأما القرض: فهو صحيح؛ لأنه لم يجر منفعة، وإنما الشرط زيادة في الاستيثاق، ولم يثبت.
فرع: اشترط ضمان الرهن
على المرتهن]:
ولو رهنه شيئا، وشرط على المرتهن ضمان الرهن.. فإن الرهن غير مضمون عليه، على ما يأتي بيانه، ويكون هذا شرطا فاسدا؛ لأنه يخالف مقتضاه، وهل يفسد الرهن بهذا الشرط؟
من أصحابنا من قال: يفسد، قولا واحدا؛ لأن ذلك نقصان في حق المرتهن.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": وهل يبطل الرهن؟ فيه قولان، لأن شرط الضمان يجري مجرى الحقوق الزائدة في الرهن؛ لأنه لم ينقص حق المرتهن.
قال ابن الصباغ: والأول أصح.
فرع: شراء سلعة بشرط جعلها رهنا بالثمن عند البائع
إذا اشترى سلعة بشرط أن يجعلها رهنا بالثمن.. فالرهن باطل؛ لأنه رهن ما لا يملك، والبيع باطل؛ لأنه في معنى من باع عينا، واستثنى منفعتها، فكان باطلا، ولأن هذا شرط يمنع كمال تصرف المشتري، ولأن من اشترى شيئا.. فله أن يبيعه ويهبه، والرهن يمنع ذلك، فأبطل البيع، سواء شرطا أن يسلمها البائع إلى المشتري، ثم يرهنها منه، أو لم يشرط تسليمها إليه، فالحكم واحد؛ لما ذكرناه.
وإن كان لرجل على آخر دين إلى أجل، فقال من عليه الدين: رهنتك عبدي هذا بدينك؛ لتزيدني في الأجل.. لم يثبت الأجل المزيد؛ لأن التأجيل لا يلحق بالدين، والرهن باطل؛ لأنه جعله في مقابلة الأجل، وإذا لم يسلم له الأجل.. لم يصح الرهن.
مسألة: باعه بشرط رهن مشاهد
إذا باعه شيئا بثمن في ذمته، على أن يرهنه بالثمن رهنا معلوما بالمشاهدة، أو بالصفة.. صح البيع والرهن؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
فإن شرط رهنا بعينه، ثم أراد الراهن أن يرهنه غير ذلك المعين.. لم يلزم البائع قبوله، سواء كانت قيمته مثل قيمة المعين أو أكثر؛ لأنه قد تعين بالشرط.
وإن قال: بعتك عبدي بمائة درهم، على أن ترهنني بها رهنا غير معين، ولا موصوف.. لم يصح هذا الشرط.
وقال مالك رحمة الله عليه: (يصح، ويرجع فيه إلى العادة فيما يرهن بمثل ذلك الثمن).
دليلنا: أنه رهن مجهول، فلم يصح، كما لو قال: رهنتك ما في كمي.
فرع: شرط وضع الرهن عند عدل أو المرتهن
]: وإذا شرطا في البيع رهن عبد معلوم، أو موصوف.. نظرت: فإن شرطا أن يكون الرهن على يد عدل.. جاز.
وإن شرطا أن يكون على يد المرتهن.. صح؛ لأن الحق لهما، فجاز ما اتفقا عليه من ذلك.
وإن أطلقا ذلك.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: أن الرهن باطل؛ لأن كون الرهن في يد أحدهما ليس بأولى من الآخر، فإذا لم يذكر ذلك.. بطل الرهن.
والثاني: يصح الرهن، ويدفع إلى الحاكم؛ ليجعله على يد عدل إن اختلفا فيمن يكون عنده.
وإن كان الرهن جارية، ولم يشرطا كونها عند أحد.. قال الشيخ أبو حامد: صح الرهن، وجها واحدا، وجعلت على يد امرأة ثقة؛ لأنه ليس لها جهة توضع فيه غير هذا، بخلاف غير الجارية، فإن شرطا أن تكون هذه الجارية عند المرتهن، أو عند عدل.. نظرت:
فإن كان محرما لها.. جاز ذلك.
قال القاضي أبو الفتوح: وكذلك: إن كانت صغيرة لا يشتهى مثلها.. جاز تسليمها إلى المرتهن، أو العدل؛ لأنه لا يخشى عليها منه.
وإن كانت كبيرة، واشترطا وضعها على يد المرتهن أو العدل، وليس بذي محرم لها، فإن كانت له زوجة أو جارية، قال الشيخ أبو حامد: أو في داره نساء تكون هذه المرهونة معهن.. جاز تركها معه؛ لأنه لا يخشى عليها أن يخلو بها.
فإن لم تكن له زوجة ولا جارية.. لم يجز وضعها على يده، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان»، فإذا شرطا ذلك.. بطل الشرط، ولم يبطل الرهن؛ لأن هذا الشرط لا يؤثر في الرهن.
فرع: رهن الخنثى
]: وإن كان الرهن خنثى مشكلا.. قال القاضي: فإن كان صغيرا.. جاز أن يكون على يد المرتهن، وعلى يد العدل، وعلى يد امرأة ثقة.
وإن كان كبيرا.. وضع على يد ذي رحم محرم له، رجلا كان أو امرأة، ولا يوضع على يد أجنبي ولا أجنبية، فإن كان المرتهن محرما له، أو كان عنده محرم له.. جاز أن يجعل على يده، فإن أطلقا من يكون عنده.. صح؛ لأنه لا جهة لوضعه إلا واحدة، وهو المحرم، رجلا كان أو امرأة.
فرع: وضعا الرهن عند عدل، ثم أنكر العدل
وإذا اتفق المرتهنان على وضع الرهن على يد عدل، ثم أقرا أن العدل قد قبض الرهن، وأنكر العدل ذلك.. لزم الرهن؛ لأن الحق لهما دون العدل، فإن رجع أحدهما وصدق العدل أنه لم يقبضه.. لم يقبل رجوعه عنه؛ لأن إقراره السابق يكذبه.
وإن أقر الراهن والعدل بالقبض، وأنكر المرتهن.. فالقول قول المرتهن؛ لأن الأصل عدم القبض، ولا يقبل قول العدل عليه؛ لأنه يشهد على فعل نفسه.
هذا مذهبنا.
وإن قبض العدل الرهن بإذن المرتهن.. صح، وبه قال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وقال ابن أبي ليلى: لا يصح توكيل العدل في القبض.
دليلنا: أن من اشترى شيئا.. صح أن يوكل في قبضه، فكذلك في الرهن.
فرع: يجوز نقل الرهن من يد عدل إلى مثله برضاهما
وإذا حصل الرهن عند العدل باتفاق المتراهنين، فإن نقلاه إلى عدل غيره.. جاز.
وإن أراد أحدهما أن ينقله إلى غيره.. لم يجز من غير رضا الآخر؛ لأنه حصل في يده برضاهما، فلا يخرج عن يده إلا برضاهما.
وإن دعا أحدهما إلى نقله، وامتنع الآخر.. رفع إلى الحاكم، فإن كان العدل ثقة لم ينقل عنه.
وإن تغير حاله.. نقله الحاكم إلى عدل آخر.
وهكذا: إن كان الرهن عند المرتهن، فمات، أو اختل بجناية، أو أفلس، أو حجر عليه ـ هكذا ذكر الشيخ أبو حامد ـ واختلف ورثته والراهن فيمن يكون الرهن عنده، أو مات العدل، أو اختل، واختلف المتراهنان فيمن يكون الرهن عنده.. رفع الأمر إلى الحاكم ليجعله عند عدل؛ لأن ذلك أقطع للخصومة.
فرع: وضعا الرهن بيد عبد وأذنا له بالتصرف
إذا وضعا الرهن على يد عبد، ووكلاه في بيعه.. قال أبو العباس: لا يجوز للعبد حفظه ولا بيعه، سواء جعلا له جعلا أو لم يجعلا له على ذلك؛ لأن منفعة العبد ملك لمولاه، فلا يجوز له بذلها بغير إذن سيده.
وإن جعلا الرهن على يد مكاتب، ووكلاه في بيعه، فإن كان بجعل.. جاز، وإن كان بغير جعل.. لم يجز؛ لأن المكاتب لا يملك بذل منافعه بغير عوض.
وإن جعلا الرهن على يد صبي مراهق، وقبضه.. لم يصح قبضه؛ لأنه لا حكم لقبضه.
قال الشيخ أبو حامد: فصرح أبو العباس: أن قبض الصبي لا يصح، ولم يتعرض لصحة قبض العبد والمكاتب، وإنما ذكر حفظهما، ولكن يصح قبضهما؛ لأنهما مكلفان، وإنما لا يجوز لهما الحفظ والبيع؛ لأنه بذل منفعة بغير إذن السيد.
فرع: رد العدل الرهن على المتراهنين
فإذا أراد العدل رد الرهن على المتراهنين، فإن كانا حاضرين.. رده عليهما، ويجب عليهما قبوله؛ لأنه أمين متطوع، ولا يلزمه المقام على ذلك.
فإن امتنعا من
أخذه.. رفع الأمر إلى الحاكم، ليجبرهما على تسلمه، فإن رده العدل على الحاكم قبل أن يرده عليهما.. ضمن العدل، وضمن الحاكم؛ لأنه لا ولاية للحاكم على غير ممتنع.
وكذلك: إن أودعه العدل عند ثقة.. ضمنا جميعا.
فإن امتنعا، ولم يكن حاكم، فتركه العدل عند ثقة.. قال ابن الصباغ: جاز.
وإن امتنع أحدهما، فدفعه إلى الآخر.. ضمن.
وإن كانا غائبين، فإن كان للعدل عذر، مثل: أن يريد سفرا، أو به مرض يخاف منه، أو عجز عن حفظه.. دفعه إلى الحاكم، وقبضه الحاكم منه، أو نصب عدلا ليكون عنده.
وإن لم يكن هناك حاكم.. جاز أن يدفعه إلى ثقة.
وإن دفعه إلى ثقة مع وجود الحاكم.. ففيه وجهان، نذكرهما في (الوديعة) إن شاء الله تعالى.
وإن لم يكن له عذر في الرد، فإن كانت غيبتهما إلى مسافة تقصر فيها الصلاة.. قبضه الحاكم منه، أو نصب عدلا ليقبضه؛ لأن للحاكم أن يقضي عليهما فيما لزمهما من الحقوق.
قال ابن الصباغ: وإن لم يجد حاكما.. أودعه عند ثقة.
وإن كانت غيبتهما إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة.. فهو كما لو كانا حاضرين، فإن كان أحدهما حاضرا والآخر غائبا.. لم يجز تسليمه إلى الحاضر، وكان كما لو كانا غائبين.
فإن رد على أحدهما في موضع لا يجوز له الرد إليه.. قال الشيخ أبو حامد: ضمن للآخر قيمته.
وذكر المسعودي [في " الإبانة " ق\ 268]: إن رده على الراهن.. ضمن للمرتهن الأقل من قيمة الرهن، أو قدر الدين الذي رهن به.
وإن رده على المرتهن ضمن للراهن قيمته.
وهذا التفصيل حسن.
قال ابن الصباغ: فإن غصب المرتهن الرهن من العدل.. وجب عليه رده إليه، فإذا رده إليه.. زال الضمان عنه.
ولو كان الرهن في يد المرتهن، فتعدى فيه، ثم زال التعدي.. لم يزل عنه الضمان؛ لأن الاستئمان قد بطل، فلم يعد بفعله.
فرع: رهنا عند عدلين وأراد أحدهما تفويض حفظه للآخر
إذا تركا الرهن على يد عدلين.. فهل لأحدهما أن يفوض حفظ جميعه إلى الآخر؟
فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن المتراهنين.. لم يرضيا إلا بأمانتهما جميعا، فهو كما لو أوصى إلى رجلين، فليس لأحدهما أن ينفرد بالتصرف.
فعلى هذا: عليهما أن يحفظا الرهن في حرز يدهما عليه، إما بملك، أو عارية، أو إجارة.
وإن سلم أحدهما جميعه إلى الآخر.. ضمن نصفه.
والثاني: يجوز؛ لأن عليهما مشقة في الاجتماع على حفظه، فإن كان مما لا ينقسم، كالعبد.. جاز لأحدهما أن يسلمه إلى الآخر.
وإن كان مما ينقسم، فاقتسما.. فهل لأحدهما أن يسلم إلى الآخر ما حصل بيده بعد القسمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه لو سلم إليه ذلك قبل القسمة.. صح، فكذلك بعد القسمة.
والثاني: لا يجوز لأنهما لما اقتسما.. صار كما لو قسمه المتراهنان بينهما.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن كان مما لا ينقسم.. جاز لكل واحد منهما إمساك جميعه، وإن كان مما ينقسم.. لم يجز، ويقتسمانه).
دليلنا: أن المالك لم يرضَ إلا بأمانتهما، فلم يكن لأحدهما أن ينفرد بحفظ جميعه، كالوصيين.
فرع: توكيل العدل ببيع الرهن وقت محله
إذا وضعا الرهن على يد عدل، ووكلاه في بيعه عند محل الحق.. صح التوكيل، ولا يكون هذا تعليق وكالة على شرط، وإنما هو تعليق التصرف.
قال ابن الصباغ: فإذا حل الحق.. لم يجز للعدل أن يبيعه حتى يستأذن المرتهن؛ لأن البيع لحقه، فإذا لم يطالب به.. لم يجز بيعه فإذا أذن المرتهن بذلك فهل يحتاج إلى استئذان الراهن ليجدد له الإذن؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو علي بن أبي هريرة: لا بد من استئذانه كما يفتقر إلى تجديد إذن المرتهن، ولأنه قد يكون له غرض في أن يقضي الحق من غيره.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: لا يفتقر إلى استئذانه؛ لأن إذنه الأول كافٍ، ويفارق المرتهن؛ لأن البيع يفتقر إلى مطالبته بالحق، وأما غرض الراهن: فلا اعتبار به؛ لأنه ما لم يغير الإذن الأول، فهو راضٍٍ به.
وإن عزل الراهن العدل.. انعزل، ولم يجز له البيع، وبه قال أحمد رحمة الله عليه.
وقال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (لا ينعزل).
دليلنا: أن الوكالة عقد جائز، فانعزل بعزله، كسائر الوكالات.
وإن عزله المرتهن.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: ينعزل؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (ولكل واحد منهما منعه من البيع)، ولأنه أحد المتراهنين، فملك عزل العدل، كالراهن.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: لا ينعزل؛ لأن العدل وكيل الراهن، فلم ينفسخ بعزل غيره، وتأول كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنه أراد: أن لكل واحد منهما منعه من البيع؛ لأن للمرتهن أن يمنعه من البيع؛ لأن البيع إنما يستحق بمطالبته، فإذا لم يطالب به، ومنع منه... لم يجز، فأما أن يكون فسخا: فلا.
فرع: وكالة العدل في بيع الرهن إذا حل الأجل
إذا رهن شيئا، وشرط أن يكون في يد عدل، ووكل العدل في بيعه، فحل الحق قبل أن يقبض الرهن.. فذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": أنه لا يجوز للعدل بيع الرهن؛ لأنه وكله ببيعه رهنا، وهذا رهن لم يلزم؛ لأنه لم يقبض، اللهم إلا أن يقبضه الآن، فيكون له بيعه.
وذكر الطبري في " العدة ": إن وكله في بيعه رهنا.. لم يكن له بيعه؛ لأنه لا يصير رهنا إلا بالقبض.
وإن كان الإذن في بيعه مطلقا.. كان له أن يبيعه؛ لأن للوكيل بيع الشيء وهو في يد الموكل.
فرع: وضع اثنان رهنا عند مسلم أو غيره
إذا تراهن الذميان رهنا، وجعلاه على يد مسلم.. جاز.
وإن تراهن المسلمان، أو المسلم والذمي، أو الذميان، وجعلاه على يد ذمي.. جاز؛ لأن الذمي يصح أن يكون وكيلا في البيع.
فإن اقترض مسلم من ذمي دراهم، ورهنه بها خمرا، وجعلاه على يد ذمي، ووكلاه في بيعه، فباعه.. لم يصح بيعه؛ لأنه بيع خمر على مسلم.
وإن اقترض ذمي من ذمي دراهم، ورهنه بها خمرا، وجعلاه على يد مسلم، ووكلاه في بيعه، فباعه.. لم يصح؛ لأنه بيع الخمر من مسلم.
وإن اقترض ذمي من مسلم دراهم، ورهنه بها خمرا، وجعلاه على يد ذمي، ووكلاه في بيعه، فباعه.. فهل يجبر المسلم على قبض حقه منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر؛ لأنه ثمن الخمر، وثمن الخمر محرم على المسلم.
والثاني: يجبر، فيقال له: إما أن تأخذه، وإما أن تبرئ من قدره من الدين؛ لأن أهل الذمة إذا تقابضوا في ثمن الخمر، وما أشبهه من العقود الفاسدة.. أقروا عليها، وصار ذلك مالا من أموالهم.
فرع: يضمن العدل ثمن الرهن للراهن
إذا وكل العدل في بيع الرهن، فباعه، وقبض الثمن.. فإن الثمن يكون في يده من ضمان الراهن إلى أن يسلمه إلى المرتهن، وبه قال أحمد رحمة الله عليه.
وقال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (هو من ضمان المرتهن).
دليلنا: أن العدل وكيل للراهن في البيع، والثمن ملكه، فكان من ضمانه، كالموكل في غير الرهن.
فإن تلف الثمن في يده، وخرج المبيع مستحقا، فعلى من يرجع المشتري؟ ينظر في العدل:
فإن أطلق البيع، ولم يذكر: أنه يبيع على الراهن.. رجع المشتري على العدل؛ لأن الظاهر أنه باع مال نفسه، فلزمه الضمان بحكم الظاهر.
وإن ذكر حال البيع: أنه يبيع على الراهن، أو صدقه المشتري على ذلك فإن المشتري يرجع بالعهدة على الراهن دون العدل؛ لأن العقد له.
وإن قبض العدل الثمن، وسلمه إلى المرتهن، ثم وجد المشتري بالرهن عيبا، فإن أقام البينة على العيب، بأن لم يذكر العدل: أنه يبيع للراهن.. فإن المشتري يرجع بالثمن على العدل، ويرجع العدل على الراهن؛ لأنه وكيله، ولا يسترجع الثمن من المرتهن؛ لأن الرهن لما بيع.. حصل ثمنه للراهن وملكه، فإذا دفع إلى المرتهن.. فقد قضى دينه بملكه، فزال ملك الراهن عنه.
فإن لم يكن للعدل ولا للراهن مال غير الرهن.. بيع، وقضي حق المشتري من ثمنه، وما بقي.. كان للمشتري دينا على العدل، وللعدل على الراهن.
فإن لم يكن مع المشتري بينة بالعيب، فإن كان العيب مما لا يمكن حدوثه عند المشتري.. فهو كما لو قامت البينة أنه كان موجودا به وقت البيع.
وإن كان مما يمكن حدوثه عند المشتري، فإن صدقه العدل والراهن أنه كان موجودا به وقت البيع.. فهو كما لو قامت البينة أنه كان موجودا وقت البيع، فالحكم فيه كما ذكرناه.
وإن كذباه.. حلف له العدل: لقد باعه إياه بريئا من هذا العيب، فإن لم يحلف، ونكل، فحلف المشتري.. رجع على العدل بالثمن، ولا يرجع العدل بالثمن على الراهن؛ لأنه كان يمكنه أن يحلف.
وإن كان العدل قد قال وقت البيع: إنه يبيع للراهن.. رجع المشتري على الراهن دون العدل.
مسألة: لا يبيع المرتهن الرهن إلا بحضور الراهن
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو شرط المرتهن إذا حل الحق: أن يبيعه لنفسه.. لم يجز أن يبيع إلا أن يحضر رب الرهن، فإن امتنع.. أمر الحاكم ببيعه).
وجملة ذلك: أنه إذا رهنه رهنا، وشرطا في عقد الرهن: أن المرتهن يبيع الراهن.. فهذا شرط فاسد، وهل يبطل الرهن؟ فيه قولان؛ لأنه زيادة في حق المرتهن، وقد مضى ذكر مثل ذلك.
فأما إذا رهنه رهنا صحيحا، وأقبضه إياه، فلما حل الحق.. وكل الراهن المرتهن ببيع الرهن.. لم تصح الوكالة.
وإذا باع المرتهن.. كان البيع باطلا، وبه قال أحمد رحمة الله عليه.
وقال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (يصح التوكيل، والبيع).
دليلنا: أنه توكيل يجتمع فيه غرضان متضادان، وذلك: أن الراهن يريد التأني في البيع للاستقصاء في الثمن، والمرتهن يريد الاستعجال في البيع ليستوفي دينه، فلم يجز، كما لو وكله ببيع الشيء من نفسه.
فإن كان الراهن حاضرا.. فهل يصح بيع المرتهن بإذنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح البيع، وهو ظاهر النص، فإن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (إلا أن يحضر رب الرهن)، ولأنه إذا كان حاضرا، فسمع تقدير الثمن.. انتفت التهمة من المرتهن، فصح بيعه.
الثاني ـ وهو اختيار الطبري في " العدة " ـ: أنه لا يصح البيع؛ لأنه توكيل فيما يتعلق به حقه فلم يصح، كما لو كان غائبا، وقول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إلا أن يحضر رب الرهن) معناه: فيبيعه بنفسه، ألا ترى أنه قال: (فإن امتنع.. أمره الحاكم ببيعه) ؟
فإن قيل: هلا قلتم: يصح البيع وإن كانت الوكالة فاسدة، كما قلتم في سائر الوكالات الفاسدة؟
فالجواب: أن الوكالة الفاسدة إنما يصح البيع فيها؛ لأن الفساد غير راجع إلى الإذن، وإنما هو راجع إلى معنى في العوض، وهاهنا الفساد راجع إلى الإذن نفسه، فهو كما لو وكله أن يبيع من نفسه.. فباع.
وبالله التوفيق
باب ما يدخل في الرهن وما لا يدخل وما يملكه الراهن وما لا يملكه
باب ما يدخل في الرهن وما لا يدخل
وما يملكه الراهن وما لا يملكه إذا رهنه أرضا وفيها بناء أو شجر، فإن شرط دخول ذلك في الرهن، أو قال: رهنتكها بحقوقها.. دخل البناء والشجر في الرهن مع الأرض، وهكذا: إن قال: رهنتك هذا البستان أو هذه الدار.. دخل الشجر والبناء في الرهن.
فإن قال: رهنتك هذه الأرض، وأطلق.. فهل يدخل البناء والشجر في الرهن؟ فيه ثلاث طرق، ذكرناها في البيع.
وإن باعه شجرة، أو رهنها منه.. صح البيع والرهن في الشجرة، وهل يدخل قرارها في البيع والرهن؟ ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: أن قرارها لا يدخل في الرهن، وجها واحدا، وهل يدخل في البيع؟ فيه وجهان.
وذكر الطبري في " العدة ": أن البيع والرهن على وجهين:
أحدهما: لا يدخل؛ لأن المسمى في العقد هو الشجر، وهذا ليس بشجر.
فعلى هذا: إذا انقطعت الشجرة.. لم يكن للمشتري أن يغرس مكانها غيرها.
والثاني: يدخل قرار الشجرة؛ لأن قوام الشجرة به، فهو كعروق الشجرة تحت الأرض.
فعلى هذا: إذا انقطعت هذه الشجرة.. كان للمشتري أن يغرس مكانها.
وأما البياض الذي بين الشجر: فلا يدخل في البيع والرهن، وجها واحدا؛ لأن العقد إنما يتناول الشجر.
مسألة: زيادة الرهن
وأما نماء الرهن: فضربان: موجود حال الرهن، وحادث بعد الرهن.
فأما الموجود حال الرهن: فإن كان ثمرة.. فقد مضى ذكرها.
واختلف أصحابنا
في ورق التوت وأغصان الخلاف والآس:
فمنهم من قال: هو كالورق والأغصان من سائر الأشجار، فيدخل في الرهن.
ومنهم من قال: هو كالثمار من سائر الأشجار.
وقد مضى ذكرها.
وإن رهنه ماشية، وفيها لبن أو صوف.. فالمنصوص: (أنه لا يدخل في الرهن).
وقال الربيع: في الصوف قول آخر: (أنه يدخل).
فمن أصحابنا من قال: في الصوف قولان.
ومنهم من قال: لا يدخل، قولا واحدا.
وما ذكره الربيع: من تخريجه.
وأما النماء الحادث بعد الرهن: كالولد، والثمرة، واللبن، وسائر منافعه.. فاختلف أهل العلم فيه:
فذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى: (أنه ملك للراهن، وأنه لا يدخل في الرهن، وللراهن أن ينتفع بالرهن).
وقال قوم من أصحاب الحديث: نماء الرهن ومنافعه ملك لمن ينفق عليه، فإن كان الراهن هو الذي ينفق عليه.. ملكه.
وإن كان المرتهن هو الذي ينفق عليه.. فالنماء ملك له.
وقال أحمد رحمة الله عليه: (لبن الرهن ملك للمرتهن، فله حلبه وشربه).
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (الثمرة والولد واللبن الحادث بعد الرهن ملك للراهن، إلا أنه يدخل في الرهن).
وقال أيضا: (ليس للراهن ولا للمرتهن أن ينتفع بالرهن، بل تترك المنافع تتلف).
وقال مالك رحمة الله عليه: (الولد الحادث يكون رهنا ـ كقول أبي حنيفة ـ وأما الثمرة: فلا تكون رهنا).
كقولنا.
دليلنا على أصحاب الحديث، وعلى أحمد رحمة الله عليه: ما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه».
فمن قال: إنه ملك للمرتهن.. فقد خالف نص الخبر.
وروى الشعبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من رهن دابة.. فعليه نفقتها، وله ظهرها ونتاجها».
وهذا نص، ولأن الرهن ملك للراهن، فكان نماؤه ملكا له، كما لو لم يكن مرهونا.
وعلى أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ما روى الأعمش، عن أبي هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الرهن محلوب ومركوب».
وبالإجماع بيننا وبين أبي حنيفة: أنه لم يرد: أنه محلوب ومركوب للمرتهن، فثبت: أنه محلوب ومركوب للراهن.
وأيضا: فقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه».
و (الغنم): هو النماء، فمن قال: إنه رهن.. فقد خالف الخبر، ولأن الرهن عقد لا يزيل الملك عن الرقبة، فلم يسر إلى الولد، كالإجارة، ولأن الرهن حق تعلق بالرقبة ليستوفي من ثمنها، فلم يسر إلى الولد، كالأرش في الجناية، وذلك: أن الجارية إذا جنت.. تعلق حق الجناية برقبتها، وإذا أتت بولد.. لم يسر أرش الجناية إلى ولدها.
إذا ثبت: أن منافع الرهن ملك للراهن.. فله أن يستوفيها على وجه لا ضرر فيه على المرتهن، فإن كان الرهن عبدا أو دابة.. فله أن يعيره ثقة، وله أن يؤاجره من ثقة
إلى مدة تنقضي قبل حلول الحق، وهل له أن يستخدمه بنفسه، أو يركب البهيمة بنفسه؟
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (له ذلك).
وقال في موضع: (ليس له ذلك).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه لا يؤمن أن يجحده.
والثاني: يجوز، وهو الصحيح؛ لأنه لما جاز أن يستوفيه بغيره.. جاز أن يستوفيه بنفسه، كغير الرهن.
ومنهم من قال: إن كان الراهن ثقة.. جاز له أن يستوفيه بنفسه وإن كان غير ثقة لم يجز أن يستوفي بنفسه لأن الثقة يؤمن منه أن يجحد، وغير الثقة لا يؤمن منه أن يجحد.
وحمل القولين على هذين الحالين.
والصحيح الطريق الأول.
إذا ثبت هذا: فإنما له أن يعير الرهن، ويؤاجره، ويستوفي ذلك بنفسه، بحيث لا يخرجه عن سلطان المرتهن، وهو أن يفعل ذلك كله في بلدة المرتهن، بحيث يرده إلى المرتهن أو إلى العدل بالليل، فأما أن يؤاجره للمسافرة به، أو يسافر هو به.. فلا يجوز؛ لأن ذلك يخرج الرهن عن سلطان المرتهن.
وإن كان الرهن دارا.. فله أن يؤاجرها، ويعيرها، وهل له أن يسكنها بنفسه؟ على الطريقين، إلا أن لساكنها أن يسكنها ليلا ونهارا.
والفرق بين الدار والعبد والدابة: أن سكنى الدار تتصل ليلا ونهارا، وخدمة العبد، وركوب الدابة وتحميلها لا يتصل، وإنما يكون بالنهار.
وإن كان الرهن ثوبا.. لم يجز للراهن لبسه بنفسه، ولا له أن يؤاجره، ولا يعيره؛ لأن ذلك يؤدي إلى إتلافه.
وإن كان الرهن جارية.. لم يكن للراهن تزويجها، وكذلك لا يجوز له تزويج العبد المرهون.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يجوز تزويجهما).
دليلنا: أن التزويج ينقص قيمتهما.
وهل يجوز له وطء الجارية المرهونة؟ ينظر فيه:
فإن كانت ممن يحبل مثلها.. لم يجز له ذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى الإضرار بالمرتهن بأن تحبل، فتتلف.
وله أن يؤاجرها ويعيرها للخدمة، وهل له أن يستخدمها بنفسه؟
إن قلنا: لا يجوز له استخدام العبد بنفسه.. فهذه الجارية أولى.
وإن قلنا: له أن يستخدم العبد بنفسه.. قال أصحابنا: فليس له أن يستخدم هذه الجارية، قولا واحدا؛ لأنه لا يؤمن أن يخلو فيها فيطأها.
والذي يبين لي: أنها إذا كانت ممن لا يحل له وطؤها، كامرأة من ذوات محارمه.. أنه يجوز له أن يستخدمها؛ لأن ذلك مأمون في حقه.
وإن كانت الجارية صغيرة.. فهل له أن يطأها؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: يجوز له أن يطأها؛ لأنه يؤمن أن يحبلها.
و [الثاني]: قال أبو علي بن أبي هريرة: لا يجوز له؛ لأن الإحبال والحيض قد يختلف بالنساء، فقد يسرع إلى بعضهن لقوتها وسمنها، ويتأخر عن البعض، فحسمنا الباب.
فإن قلنا بهذا: لم يجز له استخدامها بنفسه؛ لأنه لا يؤمن أن يطأها.
وإن قلنا بقول أبي إسحاق.. فهي كالعبد إذا أراد أن يستخدمه بنفسه.
وإن كان الرهن أرضا، فأراد الراهن أن يزرع فيها.. نظرت:
فإن كان زرعا يضر بها.. لم يكن له ذلك؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا إضرار»
وإن كان لا يضر بالأرض.. نظرت:
فإن كان يحصد قبل حلول الدين.. لم يمنع منه.
وإن كان لا يحصد إلا بعد حلول الدين.. فالمنصوص: (أنه ليس له ذلك).
وقال الربيع فيه قول آخر: (أن له ذلك).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنه ينقص قيمة الأرض عند حلول الدين.
والثاني: له ذلك؛ لأن الزرع قد يمكن نقله من غير ضرر.
قال الشيخ أبو حامد: ليس له أن يزرع ذلك، قولا واحدا، وما حكاه الربيع من كيسه.
وإن أراد الراهن أن يغرس في الأرض المرهونة، أو يبني فيها.. لم يكن له ذلك؛ لأن ذلك ينقص قيمتها، فإن خالف، وغرس، وبنى.. لم يقلع؛ لأنه قد يقضى الدين من غير الأرض، وربما وفت قيمة الأرض بالدين، فلا يجوز الإضرار به لضرر متوهم في الثاني.
فإذا حل الدين وفي الأرض ما غرسه الراهن، أو حمل إليها السيل غراسا له، فنبت له، فإن قضى الراهن الدين من غير الأرض.. فلا كلام.
وإن لم يقضه من غير الأرض.. نظرت:
فإن كانت قيمة الأرض وحدها تفي بالدين.. بيعت الأرض في الدين، ويبقى الغراس والبناء على ملك الراهن.
وإن كانت قيمة الأرض وحدها لا تفي بالدين.. نظرت:
فإن لم تنقص قيمتها لأجل الغراس والبناء.. بيعت الأرض وحدها، وقضي الدين من ثمنها.
وإن كانت قيمة الأرض قد نقصت لأجل الغراس والبناء، بأن كانت قيمتها وهي بيضاء مائة، فصارت قيمة الأرض وحدها بعد الغراس ثمانين، نظرت: فإن كان الراهن غير محجور عليه.. فهو بالخيار: بين أن يقلع غراسه وبناءه، ويسوي الأرض كما كانت، وتباع في حق المرتهن، وبين أن يبيع الأرض والغراس والبناء، ويسلم إلى المرتهن قيمة الأرض بيضاء وهي مائة؛ لأن قيمتها نقصت بفعله.
وإن كان الراهن محجورا عليه.. نظرت:
فإن لم تزد قيمة الأرض والغراس، بأن كانت قيمة الأرض بيضاء مائة، وقيمة الغراس خمسين، فصارت قيمتهما جميعا مائة وخمسين.. بيعا جميعا، ودفع إلى المرتهن قيمة الأرض، وإلى سائر الغرماء قيمة الغراس.
وإن نقصت قيمة الأرض بالغراس، بأن صارت قيمتها جميعا مائة وثلاثين.. لم يجز للراهن قلع الغراس؛ لأنه تعلق به حق الغرماء، ولكن تباع الأرض والغراس، ويدفع إلى المرتهن قيمة الأرض بيضاء وهي مائة، وإلى سائر الغرماء ثلاثون.
وإن كانت قيمة الأرض بيضاء مائة، وقيمة الغراس منفردا خمسين، فإذا جمع بينهما، صارت قيمتهما مائتين.. فقد حدثت الزيادة فيهما، فيتعلق حق المرتهن بثلثي الخمسين الزائدة، وللراهن ثلثها.
وإن ترك في أرضه نوى، ثم رهنها، ثم نبتت نخلا، فإن علم المرتهن بذلك.. فلا خيار له؛ لأنه رضي بارتهان أرض ذات نخل، ولا يكون النخل داخلا في الرهن، فإذا حل الحق، وبيعت الأرض.. كان للمرتهن قيمة الأرض بيضاء ذات نخل.
وإن لم يعلم بها، ثم علم.. كان له الخيار، فإن فسخ.. فلا كلام، وإن لم يفسخ.. كان الحكم ما ذكرناه.
فرع: الانتفاع بالرهن
وإن أراد الراهن أن يؤجر الرهن إلى مدة لا تنقضي إلا بعد محل الدين:
فإن قلنا: لا يجوز بيع المستأجر.. لم يكن له ذلك؛ لأن ذلك يمنع من بيعه.
وإن قلنا: يجوز بيع المستأجر.. ففيه طريقان:
[أحدهما]: قال عامة أصحابنا: لا يجوز له ذلك؛ لأن ذلك ينقص من قيمته عند البيع.
و [الثاني]: قال أبو علي الطبري: فيه قولان، كالقولين في زراعة ما لا يحصد، إلا بعد محل الدين.
فرع: رهن فحل الضراب
وإن كان الرهن فحلا، فأراد الراهن أن ينزيه على بهائمه، أو بهائم غيره.. قال الشافعي: (جاز؛ لأن هذا منفعة، ولا ينقص به كثيرا).
وإن كان أتانا، وأراد أن ينزي عليها الفحل، فإن كانت تلد قبل حلول الدين، أو مع حلول الدين.. جاز؛ لأنه استيفاء منفعة لا ضرر على المرتهن بها.
وإن كانت لا تضع إلا بعد حلول الدين.. فإن قلنا: لا حكم للحمل.. كان له ذلك؛ لأن الحق إذا حل وهي حامل.. صح بيعها، وحملها يدخل في البيع.
وإن قلنا: للحمل حكم.. لم يكن له ذلك؛ لأن الحمل لا يدخل في الرهن، ولا يمكن بيعها دون الحمل.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " من غير تفصيل.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب " وابن الصباغ: أن القولين إذا كان الحمل يظهر بها قبل حلول الدين، فأما إذا كان الحمل لا يظهر بها قبل محل الدين.. جاز؛ لأنه يمكن بيعها في الدين.
ولعل الشيخ أبا حامد أراد بإطلاقه هذا.
مسألة: تصرف المرتهن بما فيه منفعة
ويملك الراهن التصرف في عين الرهن بما لا ضرر فيه على المرتهن، كحجامة العبد وفصده؛ لأنه إصلاح لماله، ولا ضرر فيه على المرتهن.
وإن مرض، فأراد مداواته بدواء لا ضرر فيه، وإنما يرجى نفعه.. لم يكن للمرتهن منعه، ولا يجبر على ذلك؛ لأن الشفاء قد يأتي من غير دواء.
وإن أراد الراهن أن يقطع شيئا من بدنه، فإن كان في قطعه منفعة، وفي ترك قطعه خوف عليه، مثل: الآكلة إذا كانت في يده.. فإن للراهن أن يقطع ذلك بغير إذن المرتهن؛ لأن في قطع ذلك مصلحة من غير خوف؛ لأنه لحم ميت، [و] لا يحس
بلحم ميت.
وإن كان يخاف من قطعه، ويخاف من تركه.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ ولم يذكر الشيخان غيره ـ: أنه لا يجوز إلا بإذن الراهن والمرتهن؛ لأنه يخاف عليه من قطعه، فلم يجز، كما لو لم يخف عليه من تركه.
والثاني ـ حكاه ابن الصباغ عن أبي علي الطبري ـ: أن له أن يفعله، إلا أن يخاف منه التلف غالبا، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن المنفعة بذلك إذا كانت هي الغالبة.. كان فيه صلاح، كالمتيقن.
وإن كانت به سلعة أو أصبع زائدة أو ضرس زائد، وأراد قطعه.. قال الشيخ أبو حامد: لم يكن له قطعه وإن تراضيا؛ لأنه لا يخاف من تركه، ويخاف من قطعه، ولهذا: لو أراد الحر قطع ذلك من نفسه.. لم يكن له ذلك.
وقال ابن الصباغ: هذا مما لا يخاف من قطعه غالبا، فيكون على الوجهين.
وإن كان العبد صغيرا، وأراد الراهن أن يختنه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (له ذلك؛ لأنه سنة، وزيادة).
وأطلق هذا.
قال أصحابنا: ينظر فيه: فإن كان الحق حالا أو مؤجلا بحيث يحل قبل أن يبرأ.. لم يكن له أن يختنه؛ لأنه بالختان يتغير لونه وسجيته.
وإن كان الختان يبرأ قبل حلول الحق.. كان له ذلك؛ لأنه سنة، ويزيد في قيمة العبد.
وإن كان الرهن دابة، فاحتاجت إلى التوديج، وهو: فتح عرقين عريضين عن يمين ثغرة النحر ويسارها يسميان: الوريدين، أو إلى التبزيغ وهو: فتح
الرهصة، و (التبزيغ): الشق.
ولهذا يقال: بزغت الشمس: إذا طلعت.. فللراهن أن يفعل ذلك بغير إذن المرتهن؛ لأن فيه مصلحة من غير ضرر.
وإن أراد المرتهن أن يفعل شيئا من هذا بغير إذن الراهن.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فكل ما كان فيه مصلحة، ولا يتضمن المضرة أصلا.. جاز أن يفعله، مثل: تدهين الماشية الجرباء بالقطران، وغير ذلك مما فيه منفعة من غير مضرة.
وأما ما كان فيه منفعة، وقد يضر أيضا؛ كالفصد والحجامة وشرب الدواء وغير ذلك فكل هذا قد ينفع وقد يضر أيضا؛ لأنه قد لا يوافق.. فليس له ذلك.
وللراهن أن يفعل ما يتضمن المنفعة والضرر من هذه الأشياء بغير إذن المرتهن، بخلاف المرتهن، فإنه لا يفعل شيئا من ذلك إلا بإذن الراهن).
قال الشيخ أبو حامد في " التعليق ": وهذه المسألة غريبة.
فرع: رهن الماشية
إذا كان الرهن ماشية.. فللراهن أن يرعى ماشيته، وليس للمرتهن منعه من ذلك؛ لأنها تأوي بالليل إلى يد الموضوعة على يده.
وإن أراد الراهن أن ينتجع بها، وهو: أن يحملها إلى غير ذلك الموضع ليطلب الكلأ، فإن اتفقا عليه.. جاز.
وإن امتنع أحدهما.. نظرت:
فإن كان الموضع مخصبا كما كان.. لم يجبر الممتنع؛ لأن المرتهن يقول: إنما ارتهنتها في هذه البلد، فليس لك أن تنقلها منه إلى بلد آخر بغير ضرورة.
وإن كان الموضع مجدبا، فإن اتفقا على النجعة والمكان.. جاز؛ لأن الحق لهما، وقد رضيا.
وإن اتفقا على النجعة، واختلفا في المكان، قال الشيخ أبو حامد: وكان المكانان متساويين في الخصب والأمن.. قدم قول الراهن؛ لأنه هو المالك للرقبة.
وإن اختلفا في النجعة.. أجبر الممتنع منهما من النجعة عليها؛ لأن المرتهن إن كان هو الممتنع.. قيل له: ليس لك ذلك؛ لأنك تضر بالماشية، فإما أن تخرج معها، أو ترضى بعدل من قبلك تأوي إليه، وإلا نصب الحاكم عدلا من قبله عليها.
وإن كان الممتنع هو الراهن.. قيل له: ليس لك ذلك؛ لأنك تضر بالمرتهن، فإما أن تخرج معها، أو توكل من يأخذ رسلها، وهو: لبنها، ويرعاها، ويحفظها.
فرع: رتهن نخلا فله تأبيرها
فرع: [ارتهن نخلا فله تأبيرها]:
وإن كان الرهن نخلا، فأطلعت.. كان للراهن تأبيرها من غير إذن المرتهن؛ لأن ذلك مصلحة لماله من غير ضرر، وما يحصل من السعف الذي يقطع كل سنة، أو الليف.. فهو للراهن، لا يدخل في الرهن؛ لأنه يقطع في كل سنة، فهو كالثمرة.
فإن قيل: هذا قد تناوله عقد الرهن، وليس بحادث؟
فالجواب: أن ما يحدث من السعف يقوم مقامه، فصار هذا بمنزلة المنفعة خارجا عن الأصول.
فإن خرجت الفسلان في أصل النخل.. قال ابن الصباغ: فعندي: أن ذلك يكون للراهن، لا حق للمرتهن فيه؛ لأنه يخرج عن الأصول، فهو كالولد.
فإن ازدحمت النخل أو الشجر، فأراد الراهن أن يحول بعضها إلى بعض أرض الرهن، وكان في تحويلها مصلحة للباقي.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (كان له ذلك)؛ لأن النخل إذا ازدحمت قتل بعضها بعضا، فإن حولها، فنبتت.. كانت رهنا.
وإن جف منها شيء.. كانت أخشابها رهنا، وإن لم يكن في أرض الرهن ما يمكن تحويلها إليه، وأراد الراهن قطع بعضها، وفي ذلك زيادة للباقي.. كان للراهن أن يفعل ذلك بغير إذن المرتهن، كما قلنا في التحويل، فإذا قطعت.. كانت أخشابها رهنا.
وإن أراد الراهن تحويل بعضها إلى أرض غير الأرض المرهونة، أو أراد تحويل جميعها إلى الأرض المرهونة، أو قطع جميعها.. لم يكن له ذلك؛ لأن ذلك ضرر من غير منفعة.
فرع: المرتهن يحول المساقي
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن أراد الراهن تحويل المساقي، فإن كان يضر بالرهن.. لم يكن له ذلك).
قال الشيخ أبو حامد: والمساقي، جمع: مسقى، وهو: الإجانة التي تكون حول النخل، يقف الماء فيها ليشربه النخل، فإذا أراد أن يحولها الراهن من جانب إلى جانب، فإن لم يكن فيه ضرر على النخل.. جاز له ذلك.
وإن كان فيه ضرر على النخل.. لم يجز له ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: فأما المرتهن إذا أراد أن يفعل ذلك.. لم يكن له؛ لأنه يتصرف في ملك الراهن، ولا يجوز له التصرف في ملك غيره، وليس هذا كتدهين الجرباء من الماشية بالدهن والقطران؛ لأن في التدهين بذلك منفعة من غير مضرة، فوزانه من النخل: إن احتاج إلى سقي.. فللمرتهن أن يسقي النخل بغير إذن الراهن؛ لأن فيه منفعة من غير مضرة.
مسألة: أزال مالك الرهن ملكه عنه
وإن أزال الراهن ملكه عن الرهن بغير إذن المرتهن.. نظرت:
فإن كان ببيع، أو هبة، وما أشبههما من التصرفات.. لم يصح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضرر ولا إضرار».
وفي هذه التصرفات إضرار على المرتهن، ولأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير يبطل به حق المرتهن من الوثيقة، فلم يصح من الراهن بغير إذن المرتهن، كالفسخ.
فقولنا: (لا يسري إلى ملك الغير) احتراز من العتق.
وقولنا: (يبطل به حق المرتهن من الوثيقة) احتراز من إجارته وإعارته للانتفاع به.
وقولنا: (بغير إذن المرتهن) احتراز منه إذا أذن.
وإن كان الرهن رقيقا، فأعتقه الراهن بغير إذن المرتهن.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (إن كان موسرا.. نفذ عتقه، وإن كان معسرا.. فعلى قولين).
وقال في القديم: (قال عطاء: لا ينفذ عتقه، موسرا كان أو معسرا).
ولهذا وجه.
ثم قال: (قال بعض أصحابنا: ينفذ إن كان موسرا، ولا ينفذ إن كان معسرا).
واختلف أصحابنا في ترتيب المذهب فيها:
فقال أبو علي الطبري، وابن القطان: في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: ينفذ إعتاقه، موسرا كان أو معسرا.
والثاني: لا ينفذ إعتاقه، موسرا كان أو معسرا.
والثالث: إن كان موسرا.. نفذ، وإن كان معسرا.. لم ينفذ.
وهذه الطريقة اختيار الشيخ أبي إسحاق، وابن الصباغ.
وقال أبو إسحاق المروزي: القولان في الموسر، وأما المعسر: فمرتب على الموسر، فإن قلنا: إن عتق الموسر لا ينفذ.. فالمعسر أولى أن لا ينفذ عتقه.
وإن قلنا: عتق الموسر ينفذ.. ففي عتق المعسر قولان.
وقال الشيخ أبو حامد: في عتق الموسر والمعسر قولان، وما حكاه الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - من الفرق بين الموسر والمعسر.. فإنما حكى قول غيره، ولم يختره لنفسه.
قال: وترتيب أبي إسحاق ليس بشيء.
قال الشيخ أبو حامد: إلا أن الصحيح من القولين في الموسر: أن عتقه ينفذ، والصحيح من القولين في المعسر: أنه لا ينفذ عتقه.
فإذا قلنا: إن عتقه يصح موسرا كان أو معسرا، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهما.. فوجهه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا طلاق إلا في نكاح، ولا عتق إلا فيما يملكه ابن آدم» وهذا يملكه، ولأن الرهن محبوس على استيفاء حق، فجاز أن
يلحقه عتق المالك، كالمشتري إذا أعتق العبد المبيع في يد البائع قبل أن ينقد الثمن، ولأن الرهن عقد لا يزيل الملك، فلم يمنع صحة العتق، كالإجارة والنكاح، وفيه احتراز من البيع والهبة.
فعلى هذا: إن كان موسرا.. أخذت من الراهن قيمة الرهن عند الحكم بعتقه، وجعلت رهنا مكانه، ولا يفتقر إلى تجديد عقد الرهن على القيمة؛ لأنها قائمة مقام الرهن.
وإن كان معسرا.. وجبت القيمة في ذمته، فإن أيسر قبل محل الدين.. أخذت منه القيمة، وجعلت رهنا، إلا أن يختار تعجيل الدين، فله ذلك.
وإن لم يؤسر إلا بعد محل الدين.. طولب بقضاء الدين.
ومتى يحكم بالعتق؟ فيه طريقان:
[الطريق الأول]: من أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يعتق بلفظ الإعتاق.
والثاني: لا يعتق إلى بدفع القيمة.
والثالث: أنه موقوف، فإن دفع القيمة.. علمنا أنه قد كان عتق بلفظ الإعتاق، وإن لم يدفع القيمة.. علمنا أنه لم يعتق، كما لو أعتق الموسر شقصا له من عبد.. فإن نصيب شريكه يعتق عليه، ومتى يعتق؟ على هذه الأقوال.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: يعتق بلفظ العتق، قولا واحدا، وهو الصحيح؛ لأنه لو كان كعتق الشقص.. لم ينفذ عتق المعسر، كما لا يعتق نصيب الشريك من المعسر.
وإذا قلنا: لا ينفذ إعتاقه موسرا كان أو معسرا.. فوجهه: أن العتق معنى تبطل به الوثيقة من غير الرهن، فلم يصح من الراهن بنفسه، كالبيع، ولأن حق المرتهن متعلق بمحلين: ذمة الراهن، وعين الرهن.
ولو أراد الراهن أن يحول الحق من ذمته إلى ذمة غيره.. لم يصح بغير رضا المرتهن، وكذلك إذا أراد تحويل حقه من عين الرهن إلى غيره.
فعلى هذا: يكون الرهن بحاله.
وإذا حل الحق، وبيع العبد في الدين.. صح البيع.
وإن قضى الراهن الدين من غير الرهن، أو أبرأه المرتهن، أو بيع في الدين، ثم رجع إلى الراهن ببيع، أو هبة، أو إرث.. فهل ينفذ عتقه الأول؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينفذ، وبه قال مالك رحمة الله عليه، لأنا إنما لم نحكم بصحته؛ لحق المرتهن، وقد زال حق المرتهن، فوجب أن يحكم بصحته، كالإحبال.
والثاني وهو المذهب: أنه لا ينفذ؛ لأنه عتق لم يصح حال الإعتاق، فلم يصح فيما بعد، كالمحجور عليه إذا أعتق عبده، ثم فك عنه الحجر، ويخالف الإحبال فإنه أقوى، ولهذا نفذ إحبال المجنون، ولم ينفذ عتقه.
وإذا قلنا: ينفذ إعتاق الموسر، ولا ينفذ إعتاق المعسر.. فوجهه: أنه عتق في ملكه يبطل به حق الغير، فاختلف فيه الموسر والمعسر، كالعتق في العبد المشترك، ولأنه لا ضرر على المرتهن في إعتاق الموسر، فصح، وعليه ضرر في إعتاق المعسر، فلم يصح، كما قلنا في العبد المأذون له في التجارة، إذا كان في يده عبد، فأعتقه سيد المأذون، فإن كان لا يدن على المأذون له.. نفذ عتق السيد في العبد، وإن كان عليه دين.. لم ينفذ.
فعلى هذا: إن كان الراهن موسرا.. أخذت منه القيمة، وجعلت رهنا، وتعتبر القيمة وقت العتق.
ومتى يعتق؟ الذي يقتضي المذهب: أنه على الأقوال الثلاثة في عتق نصيب الشريك.
وإن كان المعتق معسرا.. فالرهن بحاله، فإن أيسر قبل محل الدين، أو قضى الدين عنه أجنبي، أو أبرأه المرتهن، أو بيع العبد في الدين، ثم رجع إلى الراهن ببيع، أو هبة، أو إرث.. فهل يعتق عليه بإعتاقه الأول؟ ينبغي أن يكون على الوجهين إذ قلنا: لا ينفذ عتقه بحال.
مسألة: جواز رهن الجارية الموطوءة
وإن كان له جارية، فوطئها، ثم رهنها.. صح الرهن؛ لأن الأصل عدم الحمل، فلم يمنع صحة الرهن.
وهكذا: لو رهنها، ثم وطئها، ثم أقبضها عن الرهن.. صح الإقباض؛ لأن الرهن قبل القبض غير لازم، فهو كما لو وطئها، ثم رهنها.
فإن ولدت بعد الإقباض.. نظرت:
فإن ولدت لدون ستة أشهر من وقت الوطء.. لم يلحق الولد بالراهن، ولم يبطل الرهن في الأم؛ لأنها لم تصر أم ولد له، وكان الولد مملوكا.
وإن وضعت الولد لستة أشهر من وقت الوطء.. نظرت:
فإن اعترف الراهن عند تسليمها: أنه كان قد وطئها، ولم يستبرئها.. صارت أم ولد له، وثبت نسب الولد منه، ويبطل الرهن فيها؛ لأنه بان أنه رهنها بعد أن صارت أم ولد.
وهل يثبت للمرتهن الخيار في البيع إن كان رهنها مشروطا في البيع؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال القاضي أبو الطيب: لا خيار له.
وحكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد؛ لأنه قبضها مع الرضا بالوطء، فصار بمنزلة رضاه بالعيب.
والثاني ـ ذكره الشيخ أبو حامد في " التعليق "، وهو قول ابن الصباغ ـ: أن له الخيار؛ لأنه باع بشرط أن يتسلم رهنا صحيحا، ولم يسلم له ذلك، ولأنا إذا جعلنا الأصل عدم الحمل، وصححنا عقد الرهن.. لم يكن رضا المرتهن بقبض الموطوءة رضا بالحمل، فثبت له الخيار.
وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر، ولأربع سنين فما دونها من وقت الوطء.. ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\263-264]:
أحدهما ـ وهو قول البغداديين من أصحابنا ـ: أنها كالأولى؛ لأنا نتبين أن الولد كان موجودا وقت الإقباض، فيلحق النسب بالراهن، وتصير أم ولد له، ويبطل الرهن.
والثاني: لا يبطل الرهن؛ لأن النسب يثبت بالاحتمال، ولا يبطل الرهن بالاحتمال.
وإن وضعت الولد لأكثر من أربع سنين من وقت الوطء.. لم يلحق نسبه بالراهن، ولم تصر الجارية أم ولد له، ولا يبطل الرهن، لأنا نعلم أن هذا الولد حدث من وطء بعد الرهن.
وإن ولدت لستة أشهر من وقت الإقباض، فقال الراهن عند ذلك: كنت وطئتها قبل الإقباض.. فهل يقبل قوله؟ فيه قولان، كما لو رهن عبدا، وأقبضه، ثم أقر
الراهن: أن العبد كان جنى خطأ على غيره قبل الرهن، وصدقه المقر له، وأنكر المرتهن، ويأتي توجيههما إن شاء الله تعالى.
فرع: لا يحل وطء الراهن الجارية إلا بإذن المرتهن
]. فأما إذا رهن جارية، فأقبضها.. فلا يحل له وطؤها بغير إذن المرتهن؛ لأن فيه ضررا على المرتهن؛ لأنها ربما حبلت، فتموت منه، أو تنقص قيمتها.
فإن خالف، ووطئ.. فلا حد عليه؛ لأن وطأه صادف ملكه، ولا مهر عليه؛ لأن غير الراهن لو وطئها بشبهة، أو أكرهها.. لكان المهر للراهن، فإن وطئها الراهن.. لم يجب عليه مهر لنفسه.
فإن أفضاها، أو كانت بكرا، فافتضها.. وجبت عليه قيمتها بالإفضاء، وأرش ما نقصها الافتضاض؛ لأن ذلك بدل عن جزء منها، ويكون الراهن بالخيار: إن شاء.. جعل ذلك قصاصا من الحق إن كان لم يحل، وإن شاء.. جعله رهنا معها إلى أن يحل الحق.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا أظن أن عاقلا يجعل ذلك رهنا)، فيكون أمانة؛ لأنه يمكنه أن يجعله قصاصا من الحق.
وإن حبلت من هذا الوطء.. انعقد الولد حرا، وثبت نسبه من الراهن.
وهل تصير الجارية أم ولد، ويبطل الرهن؟
قال عامة أصحابنا: هو كما لو أعتقها الراهن بعد الإقباض بغير إذن المرتهن على الأقوال المذكورة في العتق.
وقال أبو إسحاق المروزي: إن قلنا: ينفذ عتقه.. نفذ إحباله.
وإن قلنا: لا ينفذ عتقه.. فهل ينفذ إحباله؟ فيه وجهان؛ لأن الإحبال أقوى؛ لأنه ينفذ من المجنون، ولا ينفذ عتقه.
والأول أصح.
فإن قلنا: ينفذ إحباله، وتصير أم ولد.. فالحكم فيه، كالحكم إذا قلنا: يصح عتقه على ما مضى.
وإن قلنا: لا ينفذ إحباله، ولا تصير أم ولد.. فإنما نريد بذلك: أنها لا تصير أم ولد للراهن في حق المرتهن، ولا يبطل به الرهن.
قال الشيخ أبو حامد: وإن أراد الراهن أن يهبها من المرتهن.. لم تصح الهبة.
فعلى هذا: يكون الولد حرا ثابت النسب من الراهن، فما دامت حاملا لا يجوز بيعها؛ لأنها حامل بحر، ولا يجوز بيعها واستثناء الولد عن البيع، كما لا يجوز استثناء بعض أعضائها، ولا يجوز بيعها مع الولد؛ لأن الحر لا يصح بيعه.
فإن ماتت من الولادة.. وجب على الراهن قيمتها؛ لأنها هلكت بسبب من جهته تعدى به، فلزمه ضمانها، كما لو جرحها، فماتت منها، ومتى تعتبر قيمتها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تعتبر قيمتها حين وطئها؛ لأنه حين الجناية، كما لو جرحها، وماتت.. فإن قيمتها تعتبر يوم جرحها.
والثاني: تعتبر قيمتها أكثر ما كانت من حين وطئها إلى أن ماتت، كما لو غصب جارية، وأقامت في يده، ثم ماتت.
والثالث ـ وهو قول أبي علي بن أبي هريرة ـ: أن قيمتها تعتبر حين ماتت؛ لأن التلف حصل به.
وحكي: أن أبا علي ألزم إذا جرحها، فسرى إلى نفسها، فالتزم ذلك، وقال: يجب قيمتها يوم موتها.
قال أصحابنا: وهذا خطأ، بل تعتبر قيمتها يوم الجراحة، وإن لم تمت، ولكن نقصت قيمتها بالولادة.. لزم الراهن أرش النقص، فإن شاء.. جعل ذلك رهنا، وإن شاء.. جعله قصاصا من الحق.
وإن ولدت.. فلا يجوز بيعها قبل أن تسقي الولد اللبأ؛ لأن الولد لا يعيش إلا به، فإذا سقته اللبأ.. نظرت:
فإن لم توجد له مرضعة.. لم يجز بيعها حتى تفطمه؛ لأن ذلك يؤدي إلى تلفه.
وإن وجد من ترضعه غيرها.. جاز بيعها بحق المرتهن.
فإن قيل: كيف جاز التفريق بينها وبين الولد؟ قيل: إنما لا يجوز التفريق بينهما إذا كان يمكن الجمع بينهما في البيع، وهاهنا لا يجوز بيع الولد، فلذلك فرق بينهما.
فإن كان الدين يستغرق قيمتها.. جاز بيع جميعها.
وإن كان الدين أقل من قيمتها.. بيع منها بقدر الدين، إلا إن لم يوجد من يشتري بعضها، فتباع جميعها للضرورة، فيدفع إلى المرتهن حقه، والباقي من ثمنها للراهن.
وإن بيع بعضها بدين المرتهن.
انفك الباقي منها من الرهن، وكان ما بيع منها مملوكا للمشتري، وما انفك أم ولد للراهن.
فإن مات الراهن.. عتق عليه ما انفك فيه الرهن، ولم يقوم عليه الباقي وإن كانت له تركة؛ لأنه عتق على الميت، والميت لا مال له؛ لأن بالموت صار ماله لورثته.
وإن رجع هذا المبيع إلى الراهن بهبة، أو بيع، أو إرث، أو بيع جميعها، ثم رجعت إليه، أو أبرأه المرتهن عن دينه.. ثبت لها حكم الاستيلاد، وعتقت على الراهن بموته على هذا القول.
وقال المزني: لا يثبت لها حكم الاستيلاد على هذا، كما قلنا فيه: إذا أعتقها، وقلنا: لا ينفذ عتقه، ثم رجعت إليه.
وهذا ليس بشيء؛ لأنا إنما حكمنا بأن إحباله لم ينفذ في حق المرتهن لا غير، بدليل: أنه لو وهبها من المرتهن.. لم تصح هبته.
فإذا زال حق المرتهن.. ثبت لها حكم الاستيلاد، كما لو قال رجل: العبد الذي في يد فلان حر.. فإنه لا يعتق على من هو بيده، ثم ملكه الشاهد له بذلك.. لعتق عليه.. ويفارق الإحبال العتق؛ لأن الإحبال فعل له تأثير لا يمكن رفعه إذا وقع، والعتق قول، فإذا بطل في الحال.. لم يصح فيما بعد؛ لأن الإحبال يصح من المجنون والسفيه، ولا يصح عتقهما.
مسألة: وقف الرهن بغير إذن المرتهن
]: وإن وقف الراهن الرهن بعد القبض بغير إذن المرتهن.. ففيه وجهان، حكاهما في " المهذب ": أحدهما: انه كالعتق، فيكون على الأقوال؛ لأنه حق لله تعالى لا يصح إسقاطه بعد ثبوته، فصار كالعتق.
فقولنا: (لأنه حق لله) احتراز من البيع والهبة.
وقولنا: (لا يصح إسقاطه بعد ثبوته) احتراز من التدبير، فإنه إذا رهن عبدا، وأقبضه، ثم دبره.. لم يحكم ببطلان التدبير.
والوجه الثاني: أن الوقف لا يصح؛ لأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير، فلم يصح من الراهن بنفسه، كالبيع، والهبة.
فقولنا: (لا يسري إلى ملك الغير) احتراز من العتق.
مسألة: إحبال الراهن الجارية بإذن المرتهن
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو أحبلها الراهن، أو أعتقها بإذن المرتهن.. خرجت من الرهن).
وهذا كما قال: إذا رهنه جارية، وأقبضه إياها، ثم إن المرتهن أذن للراهن بعتقها فأعتقها.. صح ذلك، قولا واحدا، وكذلك: إذا أذن له بوطئها.. جاز له وطؤها؛ لأن المنع من ذلك لحق المرتهن، فإذا أذن له فيه.. زال المنع.
فإن حبلت من الوطء المأذون فيه.. صارت أم ولد للراهن، وخرجت من الرهن، قولا واحدا؛ لأن ذلك ينافي الرهن، فإذا أذن فيه المرتهن.. صار كما لو أذن له في فسخ الرهن، ولو أذن له في الفسخ، ففسخ.. انفسخ الرهن.
فإن قيل: إنما أذن في الوطء دون الإحبال؟
فالجواب: أنه وإن لم يأذن في الإحبال، إلا أن الإحبال من مقتضى إذنه، مع أن الواطئ لا يقدر على الإحبال، وإنما الإحبال من الله سبحانه وتعالى، ولم يفعل الواطئ أكثر مما أذن له فيه، فإذا أحبلها الراهن، أو أعتقها بإذن المرتهن.. لم يجب عليه قيمتها؛ لأن الإتلاف حصل بإذن المرتهن، فصار كما لو أذن له في قتلها، فقتلها.. فإنه لا قيمة للمرتهن على الراهن.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (وإن أذن المرتهن للراهن في ضرب الجارية المرهونة، فضربها الراهن، فماتت من الضرب.. انفسخ الرهن، ولم يجب على الراهن قيمتها)؛ لأنه أذن له في الضرب إذنا طلقا، فأي ضرب ضربها.. فإنه مأذون
فيه، وما تولد من المأذون فيه.. فلا شيء عليه لأجله.
فإن قيل: أليس قد أذن للإمام في الضرب في التعزير، وللزوج أن يضرب زوجته، وللمعلم أن يضرب الصبي، ثم إذا أدى ضرب واحد منهم إلى التلف.. كان عليه الضمان؟
قلنا: الفرق بين هؤلاء والراهن: أن هؤلاء إنما أبيح لهم الضرب على وجه التأديب بشرط السلامة، فإن أدى ضربهم إلى التلف.. كان عليهم الضمان؛ لأنه غير مأذون فيه، وليس كذلك الراهن، فإن الإذن له وقع مطلقا، فأي ضرب ضربه.. فهو مأذون له فيه.
قال ابن الصباغ: إلا أن يكون الإذن في تأديبه، أو تضمنه إذنه، فيشترط فيه حينئذ السلامة عندي، كما قلنا في الضرب الشرعي.
فرع: اختلاف المتراهنين في إلحاق الولد
وإذا أذن المرتهن للراهن في وطء الجارية المرهونة، فأتت بولد، ثم اختلفا فيه، فقال الراهن: هذا الولد مني، وقال المرتهن: هذا الولد من زوج أو زنا.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فالقول قول الراهن).
قال أصحابنا: وأراد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أن القول قول الراهن إذا أقر المرتهن بأربعة أشياء:
أحدها: أن يقر أنه قد أذن له بالوطء.
الثاني: أن يقر أن الراهن قد وطئها.
الثالث: أن يقر أن هذا الولد ولدته هذه الجارية.
الرابع: أن يقر بأنه قد مضى من حين الوطء أقل مدة الوضع.
فإذا أقر المرتهن بهذه الأربعة الأشياء.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (فالقول قول الراهن بلا يمين؛ لأنه إذا اعترف بوطء جاريته.. صارت فراشا له، فإذا أتت بولد يمكن أن يكون منه.. لحقه نسبه.
ولو ادعى أنه ليس منه.. لم يقبل قوله، فلا معنى لاستحلافه).
وأما إذا قال المرتهن: لم آذن بالوطء.
أو قال: أذنت لك به، ولم تُطأ.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم ذلك، وبقاء الوثيقة.
وهكذا: لو أنكر مضي مدة الحمل.. فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم مضيها.
وكذلك: إذا قال: هذا الولد لم تلده الجارية.. فعلى الراهن البينة أنها ولدته، فإذا لم تقم بينة على ذلك.. حلف المرتهن؛ لأن الأصل عدم ولادتها له.
مسألة: وطء المرتهن الجارية المرهونة
وأما المرتهن إذا وطئ الجارية المرهونة، فإن كان بغير إذن الراهن، فإن كان عالما بالتحريم.. وجب عليه الحد؛ لأنه لا شبهة له فيها؛ لأن عقد الرهن عقد استيثاق بالعين، ولا مدخل لذلك في إباحة الوطء، ولأن الحد لا يسقط بالوطء المحرم إلا لأحد ثلاثة أشياء:
[أولها]: إما لشبهة عقد، بأن يتزوجها بغير ولي أو لا شهود؛ لاختلاف العلماء في صحته.
[ثانيها]: أو لشبهة في الموطوءة، بأن يطأ جارية ابنه، أو الجارية المشتركة بينه وبين غيره.
[ثالثها]: أو لشبهة في الفعل، بأن يطأ امرأة يظنها جاريته أو امرأته.
وليس هاهنا واحد من ذلك.
فإن أولدها.. فالولد مملوك للراهن، ولا يثبت نسبه من المرتهن.
وأما المهر: فإن أكرهها على الوطء، أو كانت نائمة، فوطئها.. فعليه المهر؛ لأنه وطء يسقط به الحد عن الموطوءة، فلم يعر من وطئها في نكاح فاسد.
وإن طاوعته على الوطء.. فالمنصوص: (أنه لا مهر عليه).
ومن أصحابنا من قال: فيه قول مخرج: أنه يجب عليه المهر؛ لأن المهر حق للسيد، فلا يصح بذل الجارية له، كأجرة منافعها.
والأول أصح؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن مهر البغي».
و (البغي): الزانية.
وهذه زانية.
وإن ادعى الجهالة بتحريمه، فإن لم يحتمل صدقه، بأن يكون ناشئا في أمصار المسلمين.. لم يقبل قوله في ذلك؛ لأن الظاهر ممن نشأ بين المسلمين أنه لا يخفى عليه ذلك، فيكون حكمه حكم الأولى.
وإن احتمل صدقه، بأن يكون قريب العهد بالإسلام، أو كان مسلما ناشئا في بادية بعيدة من المسلمين.. لم يجب عليه الحد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ادرؤوا الحدود بالشبهات».
وروي: أن عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه زوج جارية له من راع، فزنت، فأتى بها إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، فقال لها عمر: (يا لكعاء زنيت؟ فقال: من مرغوش بدرهمين، فقال أمير المؤمنين عمر لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: ما تقول في هذا؟ فقال: قد اعترفت، عليها الحد.
ثم قال لعبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: ما تقول؟ قال: أقول: كما قال أخي علي، فقال لعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: ما تقول؟ قال: أراها تستهل به، كأنها لا تعلم، وإنما الحد على من علم.
فدرأ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه عنها الحد).
قال الشيخ أبو حامد: بعض أهل الحديث قالوا: هو مرغوش بالشين.
قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهو بالسين.
قال: فسألت عنه جماعة من أهل اللغة، فلم يعرفوه، إلا فلانا قال: هو اسم طير.
وأما المهر: فإن أكرهها المرتهن.. فعليه المهر.
وإن طاوعته، فإن كانت جاهلة أيضا.. فعليه المهر.
وإن كانت عالمة بالتحريم.. فالمنصوص: (أنه لا مهر عليه).
وعلى القول المخرج.. عليه المهر.
وإن أولدها.. فالولد حر ثابت النسب من المرتهن، وعليه قيمته يوم يسقط.
وأما إذا وطئها المرتهن بإذن الراهن.. فإن عامة العلماء قالوا: لا يحل له الوطء، إلا عطاء، فإنه قال: يحل له الوطء.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\264 و 265]: وهل يكون قول عطاء شبهة يسقط به عنه الحد مع العلم بالتحريم؟ فيه وجهان.