البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 207-237

كتاب الرهن

صفحات 207-237
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ليختبركم.
و (اليتيم): من مات أبوه، وهو دون البلوغ.
قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يتم بعد الحلم».
وقَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] [النساء: 6]، أراد به: البلوغ، فعبر عنه به؛ لأنه يشتهي عند البلوغ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] [النساء: 6].
أي: علمتم منهم رشدا، فوضع الإيناس موضع العلم، كما وضع الإيناس موضع الرؤية في قَوْله تَعَالَى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: 29] [القصص: 29]، أي: رأى.
قال الشافعي: (فلما علق الله تعالى دفع المال إلى اليتيم بالبلوغ وإيناس الرشد.. علمنا أنه قبل البلوغ ممنوع من ماله، محجور عليه فيه).
والدليل على ثبوت الحجر على السفيه والصبي والمجنون أيضا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]. والسفيه يجمع المبذر بماله، والمحجور عليه لصغر.
والضعيف يجمع الشيخ الكبير الفاني، والصغير والمجنون، فأخبر الله تعالى: أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم فيما لهم وعليهم، فدل على ثبوت الحجر عليهم.

مسألة: الولاية للأب إن كان عدلا

إذا ملك الصبي مالا.. فإن الذي ينظر في ماله أبوه إذا كان عدلا، فإن عدم الأب، أو كان ممن لا يصلح للنظر.. كان النظر إلى الجد أب الأب إذا كان عدلا؛ لأنها ولاية في حق الصغير، فقدم الأب والجد فيها على غيرهما، كولاية النكاح، فإن مات الأب وأوصى إلى رجل بالنظر في مال الابن، وهناك جد يصلح للنظر.. ففيه وجهان: المذهب: أنه لا تصح الوصية إليه، بل النظر إلى الجد.
والثاني - حكاه في " الإبانة " [ق \ 275]، وبه قال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن النظر إلى الوصي؛ لأنه قائم مقام الأب).
وليس بشيء؛ لأن الجد يستحق الولاية بالشرع، فكان أحق من الوصي.
فإن لم يكن أب ولا جد.
نظر الوصي من قبلهما، فإن لم يكونا ولا وصيهما.. فهل تستحق الأم النظر؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: تستحق النظر في مال ولدها؛ لأنها أحد الأبوين، فاستحقت النظر في مال الولد، كالأب.
والثاني - وهو المذهب -: أنه لا ولاية لها، بل النظر إلى السلطان؛ لأنها ولاية بالشرع، فلم تستحقها الأم، كولاية النكاح، ولأن قرابة الأم لا تتضمن تعصيبا، فلم تتضمن ولاية، كقرابة الخال.
فإذا قلنا بقول الإصطخري.. فهل يستحق أبوها وأمها الولاية عند عدمها؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري.

مسألة: لا يحق للناظرالتصرف بمال القاصر

مسألة: [لا يحق للناظر التصرف بمال القاصر]: ولا يجوز للناظر في مال الصبي أن يعتق منه عليه، ولا أن يكاتب، ولا أن يهب، ولا أن يحابي في البيع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] [الأنعام: 152]. وليس في شيء من هذه الأشياء أحسن.

فرع: الاتجار بمال اليتيم ونحوه

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وأحب أن يتجر الوصي بأموال من يلي عليه، ولا ضمان عليه).
وجملة ذلك: أنه يجوز للناظر في مال الصبي أن يتجر في ماله، سواء كان الناظر له أبا، أو جدا، أو وصيا، أو أمينا من قبل الحاكم؛ لما روى عبد الله بن عمرو

  • رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ولي يتيما، وله مال.. فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة»، ولأن ذلك أحظ للمولى عليه؛ لتكون نفقته من الربح، كما يفعل البالغون؛ هكذا قال عامة أصحابنا، إلا الصيمري، فإنه قال: لا يتجر له في هذا الزمان؛ لفساده وجور السلطان على التجار، بل يشتري له الأرض، أو ما فيه منفعة، فإن اتجر له.. لم يتجر له إلا في طريق مأمون، ولا يتجر له في البحر؛ لأنه مخوف.
    فإن قيل: فقد روي: (أن عائشة أم المؤمنين أبضعت أموال بني محمد بن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في البحر).
    قلنا: يحتمل أن يكون ذلك في موضع مأمون قريب من الساحل، أو يحتمل أنها فعلت ذلك وجعلت ضمانه على نفسها إن هلك.
    قال الصيمري: ولا يبيع له إلا بالحال، أو بالدين على ملي ثقة.

مسألة: جواز شراء العقار للقاصر

ويجوز أن يبتاع له العقار؛ لأنه أقل غررا من التجارة، ولأنه ينتفع بغلته مع بقاء أصله.
قال أبو علي في " الإفصاح ": ولا يشتريه إلا من ثقة أمين يؤمن جحوده في

التالي، وحيلته في إفساد البيع، ولا يبتاعه في موضع قد أشرف على الهلاك بزيادة ماء، أو فتنة بين طائفتين؛ لأن في ذلك تغريرا بماله، ويجوز له أن يبنى له العقار إن احتاج إليه، إلا أن يكون الشراء أحظ له، فيشتري له ذلك.
وإذا احتاج إلى البناء.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (بنى له بالآجر والطين، ولا يبني له باللبن والجص؛ لأن اللبن يهلك، والآجر يبقى، والجص يلتزق بالآجر، فربما احتيج إلى نقض شيء من الآجر فلا يتخلص من الجص، ولأن الجص يجحف به، والطين لا يجحف به).
قلت: وهذا في البلاد التي يعز فيها وجود الحجارة، فإن كان في بلد يوجد فيها الأحجار.. كانت أولى من الآجر؛ لأنها أكثر بقاء، وأقل مونة.

فرع: ما يباع فيه عقار الصبي

وإن ملك الصبي عقارا.. لم يبع عليه إلا في موضعين: أحدهما: أن يكون به حاجة إليه، للنفقة والكسوة، وليس له غيره، ولا تفي غلته بذلك، ولا يجد من يقرضه، فيجوز بيعه.
والثاني: أن يكون له في بيعه غبطة، وهو أن تكون له شركة مع غيره، أو بجوار غيره، فيبذل له الغير بذلك أكثر من قيمته، ويؤخذ له مثل ذلك بأقل مما باع به،

فيجوز له بيع العقار عليه لذلك، إذا كان له عقار قد أشرف على الهلاك بالغرق، أو بالخراب، أو بالفتنة.. فيجوز له بيعه عليه؛ لأن النظر له في ذلك البيع.
فإذا باع الأب أو الجد عليه عقارا، فرفع ذلك إلى الحاكم، وسأله إمضاءه، والإسجال له عليه.. أمضاه وأسجل له عليه؛ لأن الظاهر من حالهما أنهما لا يبيعان له إلا فيما له فيه حظ، وهل يحتاج الحاكم إلى ثبوت عدالتهما عنده؟ قال ابن الصباغ: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: فيه وجهان: أحدهما: لا يحتاج إلى ذلك، بل يكتفى بالعدالة الظاهرة، كما قلنا في شهود النكاح.
والثاني: يحتاج إلى ذلك لثبوت ولايتهما عنده، كما يحتاج إلى ثبوت عدالة الشهود عنده.
وأما إذا رفع الوصي، أو أمين الحاكم البيع إليه، وسأل الإسجال على بيعه وإمضاءه.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو المشهور -: أنه لا يمضى ذلك حتى تقوم عنده البينة على الحظ أن الغبطة له؛ لأن غير الأب والجد تلحقه التهمة، فلم يقبل قوله من غير بينة، بخلاف الأب والجد.
والثاني - ذكره القاضي أبو الطيب في " المجرد " -: أنه يقبل قولهما من غير بينة، كالأب والجد.
قال ابن الصباغ: وهذا له عندي وجه؛ لأنه إذا جاز لهما التجارة في ماله، فيبيعان ويشتريان، ولا يعترض الحاكم عليهما.. جاز أيضا في العقار.
فإن بلغ الصبي وادعى أن الأب أو الجد باع عليه عقاره من غير غبطة ولا حاجة، فإن أقام بينة على ما ادعاه.. حكم له به، وإن لم يقم بينة.. فالقول قول الأب أو الجد مع يمينه.

وإن باع غير الأب أو الجد عليه، كالوصي وأمين الحاكم، فلما بلغ الصبي، ادعى أنه باع عليه من غير غبطة ولا ضرورة، فإن أقام بينة.. حكم له، وإن لم يقم بينة.. لم يقبل قول الوصي والأمين من غير بينة؛ لأن التهمة تلحقه، ولهذا لا يجوز له أن يشتري مال المولى عليه من نفسه، فلم يقبل قوله من غير بينة، بخلاف الأب والجد.

فرع: يع شقص الصبي

فرع: [بيع شقص الصبي]: وإن بيع شقص في شركة الصبي، فإن كان للصبي حظ في الأخذ، بأن كان له مال يريد أن يشتري له به عقارا.. أخذ له بالشفعة، وإن كان الحظ له بالترك، بأن كان لا مال له يريد أن يشتري له به، أو كان ذلك في موضع قد أشرف على الهلاك، أو بيع بأكثر من قيمته.. لم يأخذه له بالشفعة.
فإن أخذ له الولي في موضع يرى له الحظ في الأخذ، فبلغ الصبي، وأراد أن يرد ما أخذ له الولي.. لم يملك ذلك؛ لأن ما فعله الولي مما فيه الحظ.. لا يملك الصبي بعد بلوغه رده.
وإن ترك الولي الأخذ له في موضع رأى الحظ له في الترك، فأراد الصبي بعد بلوغه أن يأخذه.. ففيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: له ذلك؛ لأنه بعد بلوغه يملك التصرف فيما له فيه حظ، وفيما لا حظ له فيه.
و [الثاني]- المنصوص -: (أنه ليس له ذلك)؛ لأن الولي قد اختار الترك بحسن نظره، فلم يكن له نقض ذلك، كما لو أخذ له، والحظ في الأخذ.. فإنه لا يملك الصبي بعد البلوغ الرد.
فإن ادعى بعد البلوغ أن الولي أخذ، والحظ في الترك، أو ترك، والحظ في الأخذ، فإن أقام بينة على ذلك.. حكم له به، وإن لم يقم بينة، فإن كان الولي أبا أو جدا.. فالقول قولهما مع يمينهما، وإن كان غيرهما من الأولياء.. لم يقبل قوله من غير بينة؛ لما ذكرناه من الفرق قبل هذا.

مسألة: يبع مال المحجور نسيئة

مسألة: [لا يبع مال المحجور نسيئة]: ولا يبيع ماله بنسيئة من غير غبطة، فإن كانت له سلعة يريد بيعها، وهي تساوي مائة نقدا، ومائة وعشرين نسيئة، فإن باعها بمائة نسيئة.. لم يصح بيعها، سواء أخذ بها رهنا أو لم يأخذ؛ لأن ذلك دون ثمن المثل، وإن باعها بمائة نقدا، وبعشرين نسيئة، وأخذ بالعشرين رهنا.. جاز؛ لأنه قد زاده خيرا، وإن باعها بمائة وعشرين نسيئة، ولم يأخذ بها رهنا.. لم يجز له؛ لأنه غرر بماله، وإن باعها بمائة وعشرين نسيئة، وأخذ بالجميع رهنا.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن في ذلك تغريرا بالمال، وقد يتلف الرهن.
والثاني: يصح، وهو قول أبي إسحاق، وأكثر أصحابنا؛ لأنه مأمور بالتجارة، وطلب الربح، ولا يمكنه إلا بذلك.
فعلى هذا: يشترط أن يكون المشتري ثقة مليئا؛ لأنه إذا لم يكن ثقة.. ربما رهنه ما لا يملكه، وإذا لم يكن مليئا.. فربما تلف الرهن، فلا يمكن استيفاء الحق منه، ويشترط أن يكون الرهن يفي بالدين، أو أكثر منه؛ لأنه ربما أفلس، أو تلف ما في يده، فإذا لم يمكن استيفاء الحق من الرهن.. كان وجود الرهن كعدمه.
وهل يشترط الإشهاد مع ذلك؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري.

فرع: لا يرهن مال الصبي

قال الصيمري: ولا يجوز أن يشتري له متاعا بالدين، ويرهن من ماله؛ لأن الدين مضمون، والرهن أمانة، فإن فعل.. كان ضامنا.

مسألة: يسافر بمال الصغير

مسألة: [لا يسافر بمال الصغير]: ولا يجوز أن يسافر بماله من غير ضرورة؛ لأن في ذلك تغريرا بالمال، وقد روي: (أن المسافر ومتاعه وماله على قلة).
قلت: أي: على هلاك، فإن دعت

إليه ضرورة، بأن خاف من نهب، أو غرق، أو حريق.. جاز أن يسافر به إلى حيث يأمن عليه؛ لأن ذلك موضع ضرورة.

مسألة: إيداع مال الصغير عند الضرورة

مسألة: [جواز إيداع مال الصغير عند الضرورة].
فإن خاف على ماله من نهب، أو غرق، أو حريق، ولم يقدر الولي على المسافرة به، أو أراد الولي السفر إلى موضع لا يمكنه نقل المال إليه، أو يحتاج في نقله إلى مؤنة مجحفة.. جاز أن يودعه، أو يقرضه في هذه الأحوال، فإن قدر على الإيداع دون الإقراض.. أودعه ثقة، وإن قدر على الإقراض دون الإيداع.. أقرضه ثقة مليئا، وأشهد عليه؛ لأن غير الثقة يجحد، وغير المليء لا يمكن أخذ الحق منه، فإن رأى الحظ في أخذ الرهن.. أخذه، وإن رأى الحظ في ترك الرهن.. لم يأخذه، بأن يكون الموضع مخوفا، أو كان الولي ممن يرى سقوط الحق بتلف الرهن؛ لأنه لا حظ له في أخذ الرهن مع ذلك، وإن قدر على الإقراض والإيداع.. فالإقراض أولى؛ لأنه مضمون ببدل، والوديعة غير مضمونة، فإن أودع مع القدرة على الإقراض.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن كل واحد منهما يجوز، فخير بينهما.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الإقراض أحظ له، فإذا ترك الأحظ.. ضمن.

فرع: الاقتراض لليتيم عند الحاجة

فأما الاقتراض له.. فيجوز إذا دعت إلى ذلك حاجة للنفقة عليه، أو الكسوة، أو النفقة على عقاره المستهدم، إذا كان له مال غائب يتوقع وروده، أو ثمرة ينتظرها تفي بذلك، وإن لم يكن له شيء ينتظر.. فلا حظ له في الاقتراض، بل يبيع عليه شيئا من أصوله ويصرفه في نفقته.
قال ابن الصباغ: وينبغي إذا لم يجد من يقرضه، ووجد من يبيعه شيئا بنسيئة،

وكان أحظ له من بيع أصوله.. أن يجوز له أن يشتريه له، ويرهن شيئا من ماله، وكذلك إذا اقترض له، ورهن شيئا من ماله.. جاز، ولكن لا يرهن إلا عند ثقة.

مسألة: الإنفاق على القاصر

]: وينفق عليه ويكسوه من غير إسراف، ولا إقتار؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] [الفرقان: 67].
وإن كان الصبي مكتسبا.. قال أبو إسحاق المروزي: أجبره الولي على الاكتساب لنفقته، وحفظ عليه ماله؛ لأن ذلك أحظ له.

فرع: خلط نفقة الوصي والموصى له

فإن رأى الولي أن الحظ للمولى عليه بخلط نفقته مع نفقته، بأن كان إذا خلط دقيقه بدقيقه.. كان أرفق به في المؤنة، وأكثر له في الخبز.. جاز له الخلط؛ لما روي: أنه لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] [النساء: 10].. تجنب أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اليتامى، وأفردوهم عنهم، فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220] [البقرة: 220]، أي لضيق عليكم؛ لأن (العنت): الضيق.

وإن كان الحظ له في إفراده.. لم تجز الخلطة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] [الأنعام: 152].

فرع: اختلاف الوصي والموصى له عند الرشد

فإن بلغ الصبي، واختلف هو والولي في قدر نفقته، فإن كان الولي أبا أو جدا، فإن ادعى أنه أنفق زيادة على النفقة بالمعروف.. لزمهما ضمان تلك الزيادة؛ لأنه مفرط، وإن ادعيا النفقة بالمعروف.. فالقول قولهما مع أيمانهما؛ لأنهما غير متهمين.
وأما إذا كان الولي غيرهما، كالوصي، وأمين الحاكم، وادعيا النفقة بالمعروف.. فهل يقبل قولهما من غير بينة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل قولهما من غير بينة، كما لا يقبل ذلك منهما في دعوى بيع العقار.
والثاني: يقبل قولهما مع أيمانهما.
قال ابن الصباغ: وهو الأصح؛ لأن إقامة البينة على ذلك تتعذر، بخلاف البيع، فإنه لا يتعذر عليه إقامة البينة.

مسألة: بيع الوصي متاعا للموصى له

ويجوز للأب والجد أن يبيعا مالهما من الصبي، ويشتريا ماله بأنفسهما إذا رأيا الحظ له في ذلك؛ لأنهما لا يتهمان في ذلك.
قال الصيمري: فيحتاج أن يقول: قد اشتريت هذا لنفسي من ابني بكذا، وبعت ذلك عليه، فيجمع بين لفظ البيع والشراء.
قال: وغلط بعض أصحابنا، فقال: تكفيه النية في ذلك من غير قول؛ لأنه لا يخاطب نفسه.
وليس بشيء؛ لأنا قد أقمناه مقام المشتري في لفظ الشراء، ومقام البائع في لفظ البيع.
ولو احتاج إلى قرض، فأقرضه أبوه أو جده، وأخذ من ماله رهنا.. قال الصيمري: ففيه وجهان:

الأصح: أنه يجوز، إلا أن يكون أقرضه متطوعا، ثم أحب أن يأخذ بعد ذلك منه رهنا، فلا يكون له.
وأما غير الأب والجد من الأولياء، كالوصي، وأمين الحاكم.. فلا يجوز أن يبيع ماله من الصبي ويتولى طرفي العقد، ولا يجوز أن يشتري ماله بنفسه؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يشتر الوصي من مال اليتيم»، ولأن غير الأب والجد يتهم في ذلك، فلم يجز.

مسألة: أكل الولي من مال اليتيم

وإن أراد الولي أن يأكل من مال المولى عليه، فإن كان الولي غنيا.. لم يجز له أن يأكل منه، وإن كان فقيرا ويقطعه العمل على مال المولى عليه من الكسب لنفسه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فله أن يأخذ من ماله أقل الأمرين من كفايته، أو أجرة عمله)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] [النساء: 6].
فمعني قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6]، أي: لا تأكلوا أموال اليتامى مبادرة لئلا يكبروا، فيأخذوها، ولأنه يستحق ذلك بالعمل والحاجة.
هكذا ذكر عامة أصحابنا.
وذكر في " المهذب ": أنه إذا كان فقيرا.. جاز له الأكل من غير تفصيل.
ولعله أراد بإطلاقه ما ذكر غيره.
وهل يضمن الولي ما أكله بالبدل؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليه ضمانه في ذمته؛ لأنه استباحه للحاجة من مال غيره، فوجب عليه قضاؤه، كمن اضطر إلى طعام غيره.

والثاني: لا يجب عليه ضمانه؛ لأن الله تعالى أباح له الأكل، ولم يوجب الضمان، ولأن ذلك استحقه بعمله في ماله، فلم يلزمه رد بدله، كالمستأجر.

مسألة: متى يفك الحجر عن الصبي

ولا يفك الحجر عن الصبي حتى يبلغ، ويؤنس منه الرشد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] [النساء: 6].
فأمر بدفع أموالهم إليهم بشرطين: أحدهما: البلوغ، وعبر عنه ببلوغهم النكاح؛ لأنه يشتهي بالبلوغ.
والثاني: إيناس الرشد، والمراد بالإيناس: العلم بالرشد، كما قال تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: 29] [القصص: 29] وأراد به: الرؤية إذا ثبت هذا: فإن البلوغ يحصل بأحد خمسة أشياء، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، وهي الإنزال، والسن، والإنبات، واثنتان تختص بهما النساء دون الرجال، وهما: الحيض والحمل.
فأما الإنزال: فمتى خرج منه المني، وهو الماء الأبيض الدافق الذي يخلق منه الولد في الجماع، أو في النوم، أو اليقظة.. فهو بلوغ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] [النور: 59].
فلما أمر الأطفال بالاستئذان إذا احتلموا.. دل على أنهم قد بلغوا؛ لأن قبل ذلك لم يكونوا يستأذنون.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم».
وروي «عن عطية القرظي: أنه قال: عرضنا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فمن كان محتلما، أو نبتت عانته.. قتل» فلو لم يكن بالغا.. لما قتل.

قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 276]: وهل يكون الاحتلام من الصبية بلوغا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكون بلوغا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وعن الصبي حتى يحتلم».
فخص الصبي بالاحتلام.
والثاني - وهو طريقة أصحابنا البغداديين -: أنه بلوغ؛ لما «روت أم سليم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقالت أم المؤمنين عائشة: فضحت النساء، أويكون ذلك؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فيم الشبه؟ إذا رأت ذلك.. فلتغتسل» فأمرها بالاغتسال، فثبت أنها مكلفة.
وأما السن: فهو أن يستكمل الرجل أو المرأة خمس عشرة سنة.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق \ 276] وجها لبعض أصحابنا: أن البلوغ يحصل بالطعن في أول سنه الخمس عشرة سنة.
والأول أصح، وبه قال أبو يوسف، ومحمد رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يبلغ الغلام إلا لتسع عشرة سنة).
وهي رواية محمد عنه، وهو الصحيح.
وفي رواية الحسن اللؤلؤي عنه: (إذا بلغ ثماني عشرة سنة، وأما الجارية: فتبلغ إذا بلغت سبع عشرة سنة).

وقال مالك، وداود: (ليس للسن حد في البلوغ).
دليلنا: ما «روى ابن عمر قال: (عرضت على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام بدر، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فردني، وعرضت عليه عام أحد، وأنا ابن أربع عشر سنة، فردني، وعرضت عليه عام الخندق، وأنا ابن خمس عشر سنة، فأجازني في المقاتلة» ولا يجاز في المقاتلة إلا بالغ، فدل على ما قلناه.
وروى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا استكمل الغلام خمس عشرة سنة.. كتب ما له وما عليه، وأخذت منه الحدود».
وأما الإنبات: فهو نبات الشعر القوي الذي يحتاج إلى الموسى، لا الزغب الأصفر حول الذكر، وحول الفرج، ولا يختلف المذهب: أنه إذا نبت ذلك للكافر..

حكم ببلوغه، وهل هو بلوغ فيه، أو دلالة على البلوغ؟ فيه قولان: أحدهما: أنه بلوغ في نفسه؛ لأن ما حكم به بالبلوغ.. كان بلوغا في نفسه، كالاحتلام.
والثاني: أنه ليس ببلوغ في نفسه، وإنما هو دلالة على البلوغ؛ لأن العادة جرت أنه لا يظهر إلا في وقت البلوغ.
فإذا قلنا: إنه بلوغ في حق الكافر.. كان بلوغا في حق المسلم؛ لأن ما كان بلوغا في حق الكافر.. كان بلوغا في حق المسلم، كالاحتلام.
وإذا قلنا: إنه ليس ببلوغ في حق الكافر، وإنما هو دلالة على البلوغ.. فهل يجعل ذلك دلالة في حق المسلم؟ منهم من قال: فيه وجهان، ومنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: أنه دلالة على بلوغه؛ لأن ما كان دلالة على البلوغ في حق الكافر.. كان دلالة وعلما على البلوغ في حق المسلم، كالحمل.
والثاني: أنه لا يكون دلالة على بلوغ المسلم؛ لأنه يمكن الرجوع إلى معرفة سن المسلم؛ لأنه مولود بين المسلمين، ولا يمكن ذلك في سن الكافر، فلذلك جعل الإنبات علما على بلوغه، ولأن الإنبات قد يستدعى بالدواء قبل أوانه، فالمسلم قد يتهم بأنه قد يعالج نفسه للإنبات؛ لأنه يستفيد بذلك زوال الحجر عنه، وكمال تصرفه، وقبول شهادته، والكافر لا يتهم بذلك؛ لأنه لا يستفيد بذلك إلا وجوب القتل، وضرب الجزية.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (الإنبات لا يكون بلوغا، ولا دلالة على البلوغ في حق المسلم والكافر).
دليلنا: ما «روى عطية القرظي: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حكم سعد بن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في بني قريظة، فحكم بسبي ذراريهم، ونسائهم، وقسم أموالهم، وقتل من جرت عليه الموسى، فأمر أن يكشف عن مؤتزريهم، فمن أنبت منهم.. فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت.. فهو من الذراري، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة»، يعني سبع سماوات، الواحدة منها: رقيع.
قال الصيمري: وكيف يعرف الإنبات؟ قيل: يدفع إليهم شمع أو طين رطب يلزقونه على الموضع.
وقيل: يلمس ذلك من فوق ثوب ناعم.
وقيل: يكشف حالا بعد حال، وهو الصحيح؛ لأن سعدا أمر بكشف بني قريظة.
وأما خضرة الشارب، ونزول العارضين، ونبات اللحية، وخشونة الحلق، وقوة الكلام، وانفراج مقدم الأنف، ونهود الثديين.. فليس شيء من ذلك بلوغا؛ لأنه قد يتقدم على البلوغ، وقد يتأخر عنه.
وأما الحيض: فهو بلوغ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة امرأة تحيض إلا بخمار».
فجعلها مكلفة بوجود الحيض، فدل على أنه بلوغ.
وأما الحمل: فإنه ليس ببلوغ في نفسه، وإنما هو دلالة على البلوغ، فإذا حملت المرأة.. علمنا أنها قد خرج منها المني؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: 7] [الطارق: 6-7]. قيل في التفسير: يخرج ماء الرجل من صلبه، وماء المرأة من صدرها، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: 2] [الإنسان: 2]، يعني: أخلاطا، فإذا وضعت المرأة الحمل.. حكمنا بأنها قد بلغت قبل الوضع بستة

أشهر إن كانت ذات زوج، أو سيد؛ لأن ذلك أقل مدة الحمل، وإن كانت مطلقة فأتت بولد، يلحق الزوج.. حكمنا أنها كانت بالغة قبل الطلاق.

فرع: بلوغ الخنثى

وأما الخنثى المشكل: فإذا استكمل خمس عشرة سنة، أو نبت له الشعر الخشن على عانته.. حكم ببلوغه؛ لأنه يستوي في ذلك الرجل والمرأة، وإن حمل زال إشكاله وبان أنه امرأة، وحكم بأنه بالغ قبل الوضع بستة أشهر، وإن خرج المني منه من أحد الفرجين.. لم يحكم ببلوغه؛ لجواز أن يكون خرج من الفرج الزائد، وإن خرج منه الدم من فرج النساء.. لم يحكم ببلوغه؛ لجواز أن يكون رجلا، وهذا عضو زائد، وإن خرج منه المني من الفرجين.. حكم ببلوغه؛ لأن خروج المني من فروج الرجال والنساء بلوغ.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن حاض وأمنى.. لم يبلغ).
واختلف أصحابنا فيه: فقال الصيمري: إذا حاض من فرج النساء، وأمنى من فرج الرجال.. لم يحكم ببلوغه.
وقال الشيخ أبو حامد، وعامة أصحابنا: يحكم ببلوغه؛ لأنه إن كان رجلا.. فقد احتلم، وإن كانت امرأة.. فقد حاضت، وما ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فله تأويلان: أحدهما: أنه أراد: إذا أمنى وحاض من فرج واحد.
والثاني: أنه أراد: حاض أو أمنى.
فإن قيل: هلا جعلتم خروج المني منه من أحد الفرجين دليلا على بلوغه، كما جعلتم خروج البول دليلا على ذكوريته، أو أنوثيته؟

فالجواب: أن البول لا يخرج إلا من الفرج المعتاد، والمني قد يخرج من المعتاد وغيره.

مسألة: الإيناس بالرشد

وأما إيناس الرشد: فهو إصلاح الدين والمال.
(فإصلاح الدين): أن لا يرتكب من المعاصي ما ترد به شهادته.
وأما (إصلاح المال): أن لا يكون مبذرا.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (إذا بلغ الرجل مصلحا لماله.. دفع إليه ماله وإن كان مفسدا لدينه).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] [النساء: 6].
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (الرشد: العقل، والحلم، والوقار).
والحلم والوقار لا يكون إلا لمن كان مصلحا لماله ودينه، وكذا روي عن الحسن في تفسيرها: أنه قال: وإصلاح في ماله، إصلاح في دينه، ولأن إفساده لدينه يمنع رشده، والثقة في حفظ ماله، كما أن الفسق في الدين يمنع من قبول قوله وإن عرف منه الصدق في القول.
إذا ثبت هذا: فبلغ غير مصلح لماله ولدينه.. فإنه يستدام عليه الحجر وإن صار شيخا.
وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد رحمة الله عليهم.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا بلغ غير مصلح لماله.. لم يدفع إليه ماله، لكن إن تصرف فيه ببيع أو عتق أو غيره.. نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة.. انفك عنه الحجر، ودفع إليه ماله وإن كان مفسدا لدينه وماله؛ لأنه قد آن له أن يصير جَدا؛ لأنه قد يبلغ باثنتي عشرة سنة، فيتزوج، ويولد له، ويبلغ ولده باثنتي عشرة سنة، ويولد له.
قال: وأنا أستحيي أن أمنع الجد ماله).

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] [النساء: 6].
فأمر بدفع المال إليهم بالبلوغ، وبإيناس الرشد، وقد بينا الرشد ما هو.
وهذا لم يؤنس منه الرشد، فلم يفك عنه الحجر، ولم يدفع إليه ماله، كما لو كان ابن أربع وعشرين سنة.
وأما قوله: (إنه قد آن له أن يصير جدا) فلا اعتبار لكونه جدا، ألا ترى أن المجنون يستدام عليه الحجر ما دام مجنونا وإن كان جدا؟ إذا ثبت هذا: فإنه ينظر بماله من كان ينظر فيه قبل البلوغ؛ لأنه حجر ثبت عليه من غير حاكم، فكان إلى الناظر فيه قبل البلوغ، كالنظر في مال الصغير.

فرع: اختبار البائع

وأما إصلاح المال: فلا يعلم إلا بالاختبار، وفي وقت الاختبار وجهان: أحدهما: لا يصح إلا بعد البلوغ؛ لأن الاختبار: أن يدفع إليه المال ليبيع ويشتري فيه وينفقه، وهذا لا يصح إلا بعد البلوغ، وأما قبل ذلك: فهو محجور عليه للصغر.
والثاني: يصح قبل البلوغ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] [النساء: 6].
وهذا يقتضي أن يكون الاختبار قبل بلوغ الاختبار، ولأن تأخير النكاح إلى البلوغ يؤدي إلى الحجر على رشيد؛ لأنه قد يبلغ مصلحا لماله ودينه، فلو قلنا: إن الاختبار لا يجوز إلا بعد البلوغ.. لاستديم الحجر على رشيد، ومنع من ماله؛ لأنه لا يدفع إليه، إلا بعد الاختبار.
فإذا قلنا بهذا: فكيف يختبر بالبيع والشراء؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يأمره الولي أن يساوم في السلع، ويقرر الثمن، ولا يتولى العقد؛ لأن عقد الصبي لا يصح، ولكن يعقد الولي.
و [الثاني]: منهم من قال: يشتري الولي سلعة، ويدعها بيد البائع، ويواطئه على بيعها من الصبي، فإن اشتراها منه بثمنها.. عرف رشده.

و [الثالث]: منهم من قال: يجوز عقد الصبي؛ لأنه موضع ضرورة، وأما كيفية الاختبار: فإن كان من أولاد التجار والسوقة الذين يخرجون إلى السوق.. فاختباره: أن يدفع إليه شيء من ماله ليبيع ويشتري في السوق، فإن كان ضابطا حازما في البيع والشراء.. علم رشده، وإن كان يغبن بما لا يتغابن الناس بمثله.. فهو غير رشيد.
وإن كان من أولاد الملوك والكبار والنبلاء والتناء الذين يصانون عن الأسواق.. قال الشيخ أبو حامد: واختبارهم أصعب من الأول، واختبار الواحد منهم: أن يدفع إليه شيء من المال، ويجعل إليه نفقة الدار مدة شهر، وما أشبهه، للخبز والماء والملح واللحم، فإن كان ضابطا حافظا يحسن إنفاق ذلك.. علم رشده، وإن كان غير ضابط.. لم يعلم رشده.
قال الصيدلاني: وولد التناء يختبر بالزراعة، هذا إذا كان المختبر غلاما، فإن كان امرأة.. قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: لا تختبر بالبيع ولا الشراء؛ لأن العادة جرت أنها لا تباشر ذلك، وإنما تختبر البنت بأن يدفع إليها شيئا من المال، ويجعل نساء ثقات يشرفن على فعلها، وتؤمر بإنفاق ذلك في الخبز والماء والملح واللحم، كما يختبر من يصان عن الأسواق من الرجال، ويضاف إلى هذا شراء القطن والغزل؛ لأن هذا من عمل النساء.
وقال الصيمري: إن كانت متبذلة تعامل التجار والصناع.. اختبرت بالبيع والشراء أيضا.
قال الصيمري: ولا يعلم رشده حتى يتكرر ذلك منه التكرر الذي يؤمن أن يكون ذلك اتفاقا.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 277]: ولا يضمن الولي المال الذي يدفعه إليه للاختبار؛ لأن ذلك موضع حاجة إليه.

فرع: بلغت راشدة

إذا بلغت المرأة مصلحة لمالها ودينها.. فك عنها الحجر، ودفع إليها مالها، سواء تزوجت أو لم تتزوج، وكان لها التصرف بجميع مالها بغير إذن زوجها، وبه قال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وقال مالك: (لا ينفك عنها الحجر حتى تتزوج، ويدخل بها، وإذا تزوجت.. لم يجز لها أن تتصرف بأكثر من ثلث مالها بغير معاوضة إلا بإذن زوجها).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب في العيد، فلما فرغ من خطبته.. أتى النساء، فوعظهن، وقال: تصدقن ولو من حليكن»، فتصدقن بحليهن.
فلو كان لا ينفذ تصرفهن بغير إذن أزواجهن.. لما أمرهن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالصدقة، ولا محالة أنه كان فيهن من لها زوج، ومن لا زوج لها.
ولأنها حرة بالغة رشيدة، فلم تمنع من مالها، كما لو تزوجت.

مسألة: الرشد يفك الحجر

وإذا بلغ مصلحا لماله ودينه.. فك عنه الحجر، وهل يفتقر فكه إلى الحاكم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يفتقر إلى الحاكم؛ لأنه حجر لم يفتقر ثبوته إلى الحاكم، فلم يفتقر فكه إلى الحاكم، كالحجر على المجنون، وفيه احتراز من الحجر على السفيه.
والثاني: لا ينفك إلا بحكم الحاكم؛ لأنه يفتقر إلى نظر واجتهاد، فافتقر إلى الحاكم، كالحجر على السفيه.
هذا هو المشهور.

وقال الصيمري: إن كان الناظر في ماله هو الأب أو الجد.. لم يفتقر إلى الحاكم، وإن كان الناظر فيه أمين الحاكم.. لم ينفك إلا بالحاكم، وإن كان الناظر فيه هو الحاكم.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يفتقر فكه إلى الحاكم، كما لو كان الناظر في ماله هو الأب أو الجد.
والثاني: يفتقر إلى الحاكم، كما لو كان الناظر فيه أمين الحاكم.

مسألة: رشد فرفع الحجر ثم فسد

]: إذا بلغ الصبي مصلحا لماله ودينه، ففك عنه الحجر، ودفع إليه ماله، ثم صار مفسدا لدينه وماله، أو لماله.. فإنه يعاد عليه الحجر بلا خلاف على المذهب.
أما إفساد الدين: فمعروف، وأما إفساد المال: قال الشيخ أبو حامد: فيكون بأحد أمرين: [أحدهما]: إما بأن ينفقه في المعاصي، مثل: الزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك.
والثاني: أن ينفقه في ما لا مصلحة له فيه، ولا غرض، مثل: أن يشتري ما يساوي درهما بمائة درهم، فأما إذا أكل الطيبات، أو لبس الناعم من الثياب، أو أنفق على الفقهاء والفقراء والصوفية.. فهذا ليس فيه إفساد المال.
وأما إذا عاد مفسدا لدينه، وهو مصلح لماله.. فهل يعاد عليه الحجر؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو العباس: يعاد عليه الحجر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]. فأثبت

الولاية على السفيه، وهذا سفيه، ولأنه معنى لو قارن البلوغ.. لمنع من فك الحجر عنه، فإذا طرأ بعد فك الحجر عنه.. اقتضى إعادة الحجر عليه، كالتبذير.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: لا يعاد عليه الحجر؛ لأن الحجر يراد لحفظ ماله، فإن كان مصلحا لماله.. لم يعد عليه الحجر، ويخالف إذا قارن إفساد الدين البلوغ؛ لأن الحجر إذا ثبت.. لم يزل عنه إلا بأمر قوي، فكذلك إذا فك عنه الحجر.. لم يعد عليه إلا بأمر قوي.
هذا مذهبنا.
وأما إذا عاد مفسدا لماله ودينه: أعيد عليه الحجر، وبه قال عثمان، وعلي، والزبير، وابن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وعائشة أم المؤمنين رضي الله

عنهم، وفي التابعين: شريح، وعطاء، وفي الفقهاء: مالك، وأهل المدينة، وأهل الشام، وأبو يوسف، ومحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يعاد عليه الحجر إذا سلم إليه ماله بعد خمس وعشرين سنة، سواء وجد منه إفساد المال والدين أو أحدهما).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (والسفيه: هو المفسد لماله ودينه، والضعيف: هو الصبي والشيخ الفاني، والذي لا يستطيع أن يمل: هو المجنون، والسفيه: اسم ذم يتناول المبذر.
فأما قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 142] [البقرة: 142].. فأراد: اليهود والنصارى، وقيل أراد المنافقين.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] [النساء: 5].
قيل: أراد به النساء، وقيل: أراد به المبذرين.
وقوله جل وعز: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5]، أي: أموالهم، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] [البقرة: 188]، أي: أموال بعضكم).
ويدل على ما ذكرناه: ما روي: «أن حبان بن منقذ أصابه في عقدته ضعف، فأتي أهله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فسألوه أن يحجر عليه، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تبع"، فقال: إني لا أصبر، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: من بايعته.. فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثا» فلو كان الحجر لا يجوز على البالغ، لأنكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليهم سؤالهم، وإنما لم يجبهم إلى الحجر عليه؛ لأنه يحتمل أن الذي كان يغبن به مما يتغابن الناس بمثله.
ويدل على ما ذكرناه: إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، وهو ما روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر: (أنه اشترى أرضا سبخة بستين ألف درهم، وغبن فيها، فلقي عثمان عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فقال له: لم لا تحجر على ابن أخيك - وفي بعض الأخبار: أن عثمان قال: ما يسرني أن تكون لي بنعلي - ففزع عبد الله بن جعفر من ذلك، ومضى إلى الزبير، فأعلمه بذلك، فقال الزبير: أنا شريكك فيها، فأتى علي عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وقال له: احجر على عبد الله بن جعفر، فقال: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟ !).
وإنما قال هذا في الزبير؛ لأنه كان معروفا بجودة التجارة والتبصر فيها، فدل على: أن الحجر جائز عندهم.
وروي: (أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كانت تنفق نفقة كثيرة، فقال ابن الزبير: لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها، فبلغها ذلك، فحلفت أن لا تكلمه، فأتاها ابن الزبير، فاعتذر إليها، فكفرت عن يمينها وكلمته).
فلم ينكر عليه أحد.
ونقول:

عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بالغة رشيدة، فكيف يحجر عليها؟! ولأن كل معنى لو قارن البلوغ.. منع من تسليم المال إليه، فإذا طرأ بعد البلوغ اقتضى إعادة الحجر عليه، كالمجنون.

فرع: لا حجر على شحيح

وأما الشحيح على نفسه جدا مع يساره: فهل يحجر عليه؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري، الصحيح: أنه لا يحجر عليه.

فرع: يعاد الحجر على السفيه بأمر الحاكم

وإذا صار مبذرا بعد فك الحجر عنه.. فإنه لا يعيد الحجر عليه إلا الحاكم، وبه قال أبو يوسف.
وقال محمد: يصير بذلك محجورا عليه.
وهو وجه لبعض أصحابنا الخراسانيين.
دليلنا: (أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه سأل عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أن يحجر على عبد الله بن جعفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -)، فدل على: أنه لا يصير محجورا عليه إلا بالحاكم.
ولأن الحجر بالتبذير مختلف فيه، فافتقر إلى الحاكم، كمدة العنة لا تثبت إلا بالحاكم؛ لموضع الاختلاف فيه.
وإذا حجر عليه.. لم ينظر في ماله إلا الحاكم؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فكان هو الناظر، كالحجر على المفلس، ويستحب أن يشهد الحاكم على ذلك، ويأمر مناديا: ألا إن الحاكم حجر على فلان؛ لئلا يغتر الناس بمعاملته.

فرع: بطلان البيع والشراء وقت الحجر

]: وإذا باع أو اشترى بعد الحجر.. كان ذلك باطلا، فإن حصل له في يد غيره مال.. استرجعه الحاكم إن كان باقيا، أو استرجع بدله إن كان تالفا، وإن حصل في يده مال لغيره ببيع أو غيره.. استرده الحاكم منه، ورده على مالكه، وإن باعه غيره شيئا، أو أقرضه إياه، ثم تلف في يده، أو أتلفه.. فإنه لا يجب عليه ضمانه، سواء علم بحجره أو لم يعلم؛ لأنه إن علم بحجره.. فقد دخل على بصيرة، وإن لم يعلم فيه.. فقد فرط حيث بايع من لا يعلم حاله.
ولا يلزمه ذلك إذا فك عنه الحجر؛ لأن الحجر عليه لحفظ ماله، فلو ألزمناه ذلك بعد الحجر.. لبطل معنى الحجر، وهذا في ظاهر الحكم.
وهل يلزمه ضمانه فيما بينه وبين الله تعالى؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإفصاح ": أحدهما: يلزمه ذلك، وبه قال الصيدلاني، والعثماني؛ لأن الحجر لا يبيح له مال غيره.
والثاني: لا يلزمه.
قال في " الإفصاح ": وهو الأصح.
وإن غصب من غيره عينا، فتلفت في يده، أو أتلفها في يده أو في يد مالكها.. وجب عليه ضمانها؛ لأن السفيه أحسن حالا من الصبي والمجنون؛ لأنه مكلف، ثم ثبت أن الصبي والمجنون إذا أتلفا على غيرهما مالا.. وجب عليهما الضمان، فكذلك هذا مثله.
وإن أودعه رجل عينا، فأتلفها.. فهل يجب عليه الضمان؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه ضمانها؛ لأن صاحبها عرضها للإتلاف بتسليمها إليه.
والثاني: يجب عليه الضمان؛ لأن مالكها لم يرض بإتلافها؛ فأشبه إذا غصبه إياها، أو أتلفها.
وإن تلفت في يده بغير تفريط.. لم يلزمه ضمانها؛ لأن غير المحجور عليه لا يلزمه ذلك، فالمحجور عليه أولى.

وإن أقر لغيره بعين في يده أو دين في ذمته.. لم يلزمه ذلك في الحال، ولا بعد فك الحجر؛ لأنا لو قبلنا إقراره.. لبطلت فائدة الحجر، والحجر يقتضي حفظ ماله.

فرع: صحة طلاق ومخالعة السفيه

وإن طلق السفيه، أو خالع.. صح طلاقه، وخلعه، إلا أن المرأة لا تسلم المال إليه، بل تسلمه إلى وليه، فإن سلمته إليه، فتلف في يده، أو أتلفه.. وجب عليها ضمانه، كما قلنا في البيع.
ولو أذن ولي السفيه للمرأة بتسليم المال إلى السفيه، فسلمته إليه.. فهل تبرأ؟ فيه وجهان: أحدهما: تبرأ، كما لو سلمت المرأة المال إلى العبد بإذن سيده.
والثاني: لا تبرأ؛ لأنه ليس من أهل القبض.
هذا مذهبنا، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال ابن أبي ليلى، والنخعي، وأبو يوسف: لا يصح طلاقه وخلعه.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] [البقرة: 229]. ولم يفرق بين السفيه وغيره، ولأنه يستفيد بالطلاق، فإنه إن كان قبل الدخول.. رجع إليه نصف المهر، وإن كان بعد الدخول.. سقطت عنه النفقة والكسوة والمصالح، ويحصل ذلك له بالخلع وما بذلت له.

فرع: نكاح المحجور عليه

ولا يصح نكاحه بغير إذن الولي؛ لأن النكاح يتضمن وجوب المال، فلم يصح بغير إذن الولي.
وإن احتاج إلى النكاح.. فالولي بالخيار: إن شاء.. زوجه بنفسه، وتولى العقد، وإن شاء.. أذن له ليعقد بنفسه؛ لأنه عاقل مكلف، وإنما حجرنا عليه لحفظ ماله، بخلاف الصبي.
وهل له أن يأذن له في النكاح مطلقا، أو يفتقر إلى تعيين المرأة، أو تقدير المهر؟ فيه وجهان:

أحدهما: يجوز له أن يأذن له مطلقا، كما يجوز للسيد أن يطلق الإذن لعبده في ذلك.
والثاني: لا يجوز حتى يعين له الولي المرأة، أو القبيلة والمهر؛ لأنه ربما تزوج بامرأة شريفة يستغرق مهرها ماله، بخلاف العبد، فإنه لا يزوج الشريفة، وأيضا فإن المهر في كسبه، فلا يؤدي إلى إخراج شيء من مال السيد.
وإن تزوج السفيه بغير إذن الولي، ودخل بها.. فما الذي يلزمه؟ قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 275]: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا يلزمه شيء، كما لو اشترى شيئا بغير إذن وليه وأتلفه.
والثاني: يلزمه مهر المثل، كما لو جنى على غيره.
والثالث: يلزمه أقل شيء يستباح به البضع؛ لأنه لا يستباح بالإباحة.
وأما البغداديون من أصحابنا: فقالوا: هي على وجهين: أحدهما: لا يلزمه شيء.
والثاني: يلزمه مهر المثل.

فرع: إذن الولي للسفيه

وإن أذن له الولي في البيع والشراء، فباع أو اشترى.. فهل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح، كما يصح النكاح إذا أذن له فيه.
والثاني: لا يصح؛ لأن البيع والشراء يختلف حكمه ساعة، فساعة؛ لأنه قد يزيد سعر الأسواق وينقص، فافتقر إلى عقد الولي، ولأن البيع والشراء يتضمن المال لا غير، وهو محجور عليه في المال، بخلاف النكاح.

فرع: حلف وحج المحجور عليه

وإن حلف.. انعقدت يمينه، فإن حنث كفر بالصوم، ولا يكفر بالمال؛ لأنه محجور عليه في المال.
وإن أحرم بالحج.. صح إحرامه؛ لأنه من أهل التكليف، فإن كان فرضا.. لم يمنع من إتمامه، وأنفق عليه من ماله ما يحتاج إليه، وإن كان تطوعا، فإن كانت نفقته على إتمامه لا تزيد على نفقة الحضر.. لم يجز تحليله، وإن كانت تزيد على نفقة الحضر، فإن كان له كسب، وقال: أنا أتمم النفقة بالكسب.. لم يحلل، وإن لم يكن له كسب.. حلله الولي، ويصير كالمحصر، فيتحلل بالصوم دون الهدي؛ لأنه محجور عليه في المال.

فرع: قبول استلحاق المحجور عليه

وإن أقر بنسب يلحقه في الظاهر.. ثبت النسب؛ لأن ذلك لا يتضمن إتلاف مال، وإن أقر بنسب من تلزمه نفقته.. لم ينفق عليه من ماله، بل ينفق عليه من بيت المال.
وإن وجب له القصاص.. فله أن يقتص؛ لأن القصد منه التشفي، وإن عفا عنه على مال.. كان له، وإن عفا عنه مطلقا، أو على غير مال، فإن قلنا: إن الواجب القصاص لا غير.. صح عفوه.
وإن قلنا: إن الواجب أحد الأمرين.. لم يصح عفوه عن المال.
وإن أقر بجانية العمد.. صح إقراره؛ لأنه غير متهم في ذلك، فإن أراد المقر له العفو على المال.. قال الطبري: فإن قلنا: إن موجب العمد القود.. ثبت المال؛ لأن الذي ثبت بإقراره هو القتل أو القطع دون المال، وإن قلنا: إن موجبه أحد الأمرين.. فهل يثبت المال؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان، كالعبد إذا أقر بالسرقة.. فإنه يقبل في القطع، وهل يقبل في المال؟ فيه قولان.
ومنهم من قال: له أخذ المال، قولا واحدا؛ لأن الواجب أحدهما لا بعينه، وكل واحد منهما بدل عن الآخر، وتعلقهما بسبب واحد، وأما السرقة: ففيها حكمان:

أحدهما: القطع لله تعالى.
والآخر: للآدمي، فجاز ثبوت أحدهما دون الآخر، ولهذا: لو شهد رجل وامرأتان على السرقة.. ثبت المال دون القطع، ولو شهدا على القتل لم يثبت.
وإن دبر السفيه، أو أوصى.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان، كالصبي.
ومنهم من قال: يصح، قولا واحدا.
قال الطبري: وهو الصحيح؛ لأن الصغير لا حكم لقوله، ولا يصح شيء من إقراره، بخلاف السفيه، فإنه يصح إقراره بالنسب.

فرع: الحجر على المرتد

المرتد إذا قلنا: إن ملكه باق على حاله.. فإنه محجور عليه فيه.. وهل يفتقر إلى حجر الحاكم؟ فيه قولان.
فإذا زالت الردة.. فإنه لا ينفك الحجر عنه إلا بحكم الحاكم؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فلم يزل من غير حكمه.
والله أعلم

جارٍ التحميل