كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مسألة معرفة العاقلة وأقربهم الإخوة
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ومعرفة العاقلة: أن ينظر إلى إخوته لأبيه وأمه فيحملهم).
وجملة ذلك: أن الحاكم إذا أراد قسمة العقل.. فإنه يبدأ بالإخوة للأب والأم أو للأب؛ لأنهم أقرب العاقلة، فيؤخذ من الغني منهم نصف دينار، ومن المتوسط ربع دينار، فإن وفى ذلك بثلث الدية.. لم يحمل على من بعدهم، وإن لم يف ذلك.. حمل على بني الإخوة وإن سفلوا، فإن لم يف ذلك.. حمل على الأعمام، فإن لم يف ذلك.. حمل على بني الأعمام إلى أن يستوعب جميع القبيل الذين يتصل أبو الجاني بأبيهم، فإن لم يف ما حمل عليهم بثلث الدية.. حمل عنه المولى ومن أدلى به، فإن لم يف ما حمل عليهم بثلث الدية.. حملت تمام الثلث في بيت المال.
وعلى هذا في الحول الثاني والثالث.
وقال أبو حنيفة: (يقسم على القريب والبعيد منهم، ولا يقدم القريب).
دليلنا: أنه حكم يتعلق بالتعصيب، فاعتبر به الأقرب فالأقرب، كالميراث.
إذا ثبت هذا: فاجتمع في درجة واحدة اثنان: أحدهما يدلي بالأب والأم، والآخر بالأب لا غير، كأخوين أو ابني أخ أو عمين أو ابني عم.. ففيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (هما سواء؛ لأنهما متساويان في قرابة الأب، وأما الأم: فلا مدخل لها في النصرة وحمل العقل، فلم يرجح بها).
و [الثاني]: قال في الجديد: (يقدم من يدلي بالأب والأم؛ لأنه حق يستحق بالتعصيب، فقدم فيه من يدلي بالأبوين على من يدلي بأحدهما، كالميراث).
فرع اجتماع جماعة من العاقلة بدرجة
]: وإن اجتمع جماعة من العاقلة في درجة واحدة، فكان الأرش الواحد بحيث إذا قسم عليهم.. خص الغني منهم دون نصف دينار، والمتوسط منهم دون ربع دينار.. ففيه قولان:
أحدهما: يقسم عليهم على عددهما؛ لأنهم استووا في الدرجة والتعصيب، فقسم المال بينهما على عددهم، كالميراث.
والثاني: يخص به الحاكم من رأى منهم؛ لأنه ربما كان العقل قليلًا، فخص كل واحد منهم فلس، وفي تقسيط ذلك مشقة.
فرع وجود العاقلة في بلد القاتل أو غيابهم
]: إذا كان جميع العاقلة حضورًا في بلد القاتل.. فإن الحاكم يقسم الدية عليهم على ما مضى.
وإن كانوا كلهم غائبين عن بلد القاتل، وهم في بلد واحد.. فإن حاكم البلد الذي فيه القاتل إذا ثبت عنده القتل.. يكتب إلى حاكم البلد الذي فيه العاقلة ليقسم الدية عليهم.
وإن كان بعض العاقلة حضورًا في بلد القاتل وبعضهم غائبًا عنه في بلد آخر.. نظرت: فإن حضر معه الأقربون إليه، وأمكن أن يحمل ثلث الدية على الأقربين.. لم يحمل على من بعدهم، وإن لم يمكن حمل ثلث الدية على الأقربين.. حمل على من بعدهم وإن كانوا غائبين.
وإن كان جماعة من العاقلة في درجة واحدة، وبعضهم حاضر في بلد القاتل وبعضهم غائب عنه في بلد آخر، فإن لم يكن في الحضور سعة لاستغراق الدية.. فإن الدية تحمل عليهم وعلى من غاب، وإن كان في الحاضرين سعة لاستغراق الدية.. ففيه قولان:
أحدهما: أن الحاكم يقسم الدية على الحاضرين دون الغائبين، وبه قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لأن الحاضرين أحق بالنصرة من الغائبين.
والثاني: تقسم الدية على الجميع، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه حق مال يستحق بالتعصيب، فاستوى فيه الحاضر والغائب، كالميراث.
وإن حضر معه الأبعدون، وغاب الأقربون.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو إسحاق، والمسعودي [في " الإبانة "]: هي على القولين في التي قبلها.
وقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: يقدم الأقربون، قولًا واحدًا؛ لأنه مبني على التعصيب، فكل من قرب.. كان أولى، كالميراث.
مسألة تقويم النجوم وقت الحلول
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يقوم نجم إلا بعد حلوله):
وجملة ذلك: أن الدية إذا وجبت على العاقلة، فإن كانت الإبل موجودة معهم أو في بلدهم بثمن مثلها عند الحول.. وجب عليهم أن يجمعوا ما وجب على كل واحد منهم ويشتروا به إبلًا، وإن كان معدومة أو موجودة بأكثر من ثمن مثلها.. انتقلوا إلى بدلها، وبدلها في قوله القديم: (اثنا عشر ألف درهم أو ألف مثقال)، وفي قوله الجديد: (قيمتها).
فإذا قلنا: تجب قيمتها.. فإنها تقوم عليهم عند حلول الحول أقل إبل، لو بذلوها.. لزم الولي قبول ذلك، فإن أخذ الولي القيمة، ثم وجدت الإبل.. لم يكن له المطالبة بالإبل؛ لأن الذمة قد برئت بالقيمة، وإن قومت الإبل، ثم وجدت الإبل قبل قبض القيمة.. كان للولي أن يطالب بالإبل؛ لأن حقه في الإبل لم يسقط بالتقويم.
وبالله التوفيق
باب اختلاف الجاني وولي الدم
إذا قتل حر رجلًا، فقال القاتل: كان المقتول عبدًا، وقال ولي المقتول: بل كان حرًا، ولا بينة.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - هاهنا: (القول قول الولي)، وقال فيمن قذف رجلًا، فقال القاذف: هو عبد، وقال المقذوف: بل أنا حر: (القول قول القاذف).
فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى وجعلهما على قولين:
أحدهما: القول قول الجاني والقاذف مع يمينه؛ لأن الأصل حقن دمه وحمى ظهره.
والثاني: القول قول الولي والمقذوف مع يمينه؛ لأن الظاهر منه الحرية.
ومنهم من حملهما على ظاهرهما وفرق بينهما، وقال: لأنا إذا جعلنا القول قول الجاني.. أسقطنا عنه القصاص، فيكون ذلك إسقاطًا للقصاص الذي يقع به الردع، وإذا جعلنا القول قول القاذف.. سقط الحد، ولم يسقط التعزير، فيقع به الردع.
وإن قال الجاني: قتلته وأنا صبي، وقال الولي: بل قتلته وأنت بالغ، ولا بينة.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل فيه الصغر.
وإن قال القاتل: قتلته وأنا مجنون، وقال الولي: بل قتلته وأنت عاقل، فإن لم يعرف له حال جنون.. فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الجنون، وإن عرف له حال جنون ولم يعلم أنه قتله في حال الجنون أو في حال العقل.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأنه أعرف بحاله، والأصل براءة ذمته مما يدعى عليه.
وحكى ابن الصباغ وجهًا آخر: أن القول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل السلامة، والأول أصح.
فإن أقام الولي شاهدين: أنه قتله وهو عاقل، وأقام القاتل شاهدين: أنه قتله وهو مجنون.. تعارضت البينتان وسقطتا.
وإن اتفق الجاني والولي أنه قتله وهو زائل العقل، ولكن اختلفا بما زال به عقله: فقال الجاني: زال بالجنون، وقال الولي: بل زال بالسكر، وقلنا: يجب القصاص على السكران.. فالقول قول الجاني؛ لأنه أعرف بحاله، ولأن الأصل عدم وجوب القصاص عليه.
مسألة وجب قصاص في إصبع فقطع اثنتين
مسألة: [وجوب قصاص في إصبع فقطع اثنتين]: وإن وجب له القصاص في إصبع، فقطع له إصبعين، وقال المقتص: أخطأت، وقال المقتص منه: بل تعمدت.. فالقول قول المقتص مع يمينه؛ لأنه أعلم بفعله.
وإن قال المقتص: حصلت الزيادة باضطراب الجاني، وقال الجاني: بل قطعتها عامدًا.. ففيه وجهان:
أحدهما: القول قول الجاني؛ لأن الأصل عدم الاضطراب.
والثاني: القول قول المقتص؛ لأن الأصل براءة ذمته من الضمان.
[فرع جرح ثلاثة رجلًا فمات واختلفوا بأيها مات]
]: وإن جرح ثلاثة رجلًا ومات، فقال أحدهم: اندملت جراحتي ثم مات من جراحة الآخرين، وصدقه الولي، وكذبه الآخران، فإن كانت الجنايات موجبة للقصاص، فأراد الولي القصاص.. لم يؤثر تكذيب الآخرين؛ لأن القصاص يجب عليهما بكل حال.
وإن عفا الولي عن القصاص إلى الدية، أو كانت الجنايات غير موجبة للقصاص.. قبل تصديق الولي في حق نفسه دون الآخرين؛ لأن عليهما في ذلك ضررًا؛ لأنه إذا مات من جراحة ثلاثة.. وجب على كل واحد منهم ثلث الدية، وإذا مات من جراحة اثنين.. وجب على كل واحد منهما نصف الدية.
وإن قد رجلًا ملفوفًا، فقال الضارب: كان ميتًا، وقال الولي: بل كان حيًا.. ففيه قولان:
أحدهما: القول قول الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته.
والثاني: القول قول الولي؛ لأن الأصل فيه الحياة.
مسألة قطع عضو شخص ثم اختلفا بحاله
]: وإن قطع رجل عضو رجل، ثم اختلفا: فقال الجاني: قطعته وهو أشل، وقال المجني عليه: قطعته وهو سليم.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: القول قول الجاني، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن الأصل براءة ذمته من الضمان.
والثاني: القول قول المجني عليه، وهو قول أحمد؛ لأن الأصل سلامته من الشلل.
ومنهم من قال: إن كان اختلافهما في الأعضاء الظاهرة، كاليد، والرجل، واللسان، والبصر، وما أشبهها.. فالقول قول الجاني، وإن كان اختلافهما في الأعضاء الباطنة، كالذكر، والأنثيين.. فالقول قول المجني عليه؛ لأن الأعضاء الظاهرة يمكن للمجني عليه إقامة البينة على سلامتها، فلم يقبل قوله في سلامتها، والباطنة لا يمكنه إقامة البينة على سلامتها، فقبل قوله في سلامتها، كما قلنا فيمن علق طلاق امرأته على دخول الدار.. فإنه لا يقبل قولها، ولو علق طلاقها على حيضها.. قبل قولها.
فإذا قلنا: القول قول الجاني في الأعضاء الظاهرة، وإنما لا يكون ذلك إذا لم يقر الجاني: أن المجني عليه كان صحيحًا، فأما إذا أقر: أنه كان صحيحًا، ثم ادعى: أنه طرأ عليه الشلل وجنى عليه وهو أشل، وقال المجني عليه: بل كان صحيحا وقت الجناية.. ففيه قولان:
أحدهما: القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن البينة لا تتعذر على المجني عليه على سلامته، فلم يقبل قوله في سلامته.
والثاني: القول قول المجني عليه؛ لأنهما قد اتفقا على سلامته قبل الجناية، والأصل بقاء سلامته، فلم يقبل قول الجاني.
ومتى قلنا القول قول الجاني، فأراد المجني عليه إقامة البينة على سلامة العضو المجني عليه.. نظرت:
فإن شهدت: أن الجاني جنى عليه وهو سليم.. قبلت.
وإن شهدت عليه: أنه كان غير سليم قبل الجناية، فإن قلنا: إن الجاني إذا أقر بسلامته قبل الجناية فإن القول قوله.. لم تقبل هذه البينة، وإن قلنا هناك: القول قول المجني عليه.. قبلت؛ لأن المجني عليه يحتاج أن يحلف معها؛ لجواز أن يحدث عليها الشلل بعد الشهادة وقبل الجناية.
فرع أوضحه اثنتين وأزال الحاجز بينهما
]: وإن أوضحه موضحتين ثم زال الحاجز بينهما، فقال الجاني: تأكَّل ما بينهما بجنايتي، فلا يلزمني إلا أرش موضحة، وقال المجني عليه: لم يتأكل ما بينهما، وإنما أنا خرقت ما بينهما أو جنى عليه آخر.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء وجوب الأرشين على الجاني.
وإن أوضح رأسه، فقال الجاني: أوضحته موضحة، وقال المجني عليه: بل أوضحتني موضحتين، وأنا خرقت ما بينهما.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على أرش موضحة.
وإن قطع إصبعه، ثم زال كفه، فقال المجني عليه: سرى القطع إليه، وقال
الجاني: لم يسر إليه القطع، وإنما زال بسب آخر.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل عدم السراية.
فأما إذا داوى المجني عليه موضع القطع، فقال الجاني: تأكَّلت بالدواء، وقال المجني عليه: تأكلت بالقطع.. سئل أهل الخبرة بذلك الدواء؟ فإن قالوا: إنه تأكل اللحم الميت والحي.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الظاهر أنه تأكل به.
وإن قالوا: إنه تأكل الميت دون الحي.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه، فإن لم يعرف ذلك.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه أيضًا؛ لأنه أعلم بصفة الدواء، ولأن الظاهر أنه لا يداوي الجرح بما يضره ويزيد فيه.
مسألة قطع أطرافه الأربعة فمات
]: فإن قطع رجل يدي رجل ورجليه، ومات المجني عليه، فقال الجاني: مات من الجناية، فلا يلزمني إلا دية واحدة، وقال الولي: بل اندملت الجراحتان، ثم مات بسبب آخر، فعليك ديتان.. فإن كان بين الجناية والموت زمان لا يمكن أن تندمل فيه الجراحات.. فالقول قول الجاني بلا يمين؛ لأنا قد علمنا صدقه.
وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال في " التعليق ": يحلف مع ذلك؛ لجواز أن يكون مات بحادث آخر، كلدغ الحية والعقرب.
قال ابن الصباغ: والأول أولى؛ لأن الولي ما ادعى ذلك، وإنما ادعى الاندمال، وقد علم كذبه، فأما إذا ادعى: أنه مات بسبب آخر.. حلفنا الجاني؛ لإمكانه.
وإن كان بينهما زمان لا تبقى إليه الجراحات غير مندملة، كالسنين الكثيرة.. فالقول قول الولي بلا يمين.
وإن كان بينهما زمان يمكن أن تندمل فيه الجراحات ويمكن أن لا تندمل فيه.. فالقول قول الولي فيه مع يمينه؛ لأن الديتين قد وجبتا بالقطع، وشك في سقوط إحداهما بالاندمال، والأصل بقاؤهما.
وإن أقام الجاني بينة: أنه لم يزل ضمنًا من حين الجراحة إلى أن مات.. القول قوله مع يمينه، ولا يجب عليه إلا دية؛ لأن الظاهر أنه مات من الجنايتين.
وإن اختلفا في مضي مدة تندمل في مثلها الجراحات.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل عدم مضيها.
وإن كان بينهما زمان لا تندمل في مثله الجراحات، وادعى الولي: أنه مات بسبب آخر، بأن قال: ذبح نفسه أو ذبحه آخر، وقال الجاني: بل مات من سراية الجناية.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق المروزي -: أن القول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء الجناية وحصول الموت منها.
والثاني - وهو قول أبي علي الطبري -: أن القول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء الديتين.
وإن قطع يده، ثم مات، فقال الولي: مات من سراية الجناية، فعليك الدية، وقال الجاني: بل اندملت الجناية، ثم مات بسبب آخر، فلا يلزمني إلا نصف الدية، فإن لم يمض من الزمان ما تندمل في مثله الجراحات.. فالقول قول الولي؛ لأن الظاهر أنه مات من سراية الجناية، وهل يحلف على ذلك؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: يحلف؛ لجواز أن يكون قتله آخر، أو شرب سمًا، فمات منه.
والثاني: لا يحلف، كما قال ابن الصباغ في التي قبلها؛ لأنا قد علمنا كذب الجاني، ولأنه لم يدع الموت في ذلك، وإنما ادعى الاندمال.
وإن كان قد مضى من الزمان ما تندمل في مثله الجراحات، فإن كان مع الولي بينة: أنه لم يزل ضمنًا من حين الجناية إلى الموت.. فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الظاهر أنه مات بذلك، وإن لم يكن معه بينة على ذلك.. فالقول قول الجاني، وهل يلزمه اليمين؟ يحتمل الوجهين في التي قبلها.
وإن مضى زمان يمكن أن تندمل في مثله الجراحات ويمكن أن لا تندمل.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على نصف الدية.
وإن قطع يده، ومات في زمان لا تندمل فيه الجراحة، فقال الولي: مات من سراية الجناية، فعليك الدية، وقال الجاني: بل شرب سمًا، فمات منه، أو قتله آخر.. ففيه وجهان، كالتي قبلها.
مسألة جنى على عين إنسان واختلفا في وجود الرؤية بها
]: وإن جنى على عين رجل، ثم اختلفا: فقال الجاني: جنيت عليها وهو لا يبصر بها، وقال المجني عليه: بل كنت أبصر بها.. نظرت:
فإن قال الجاني: خلقت عمياء لا يبصر بها.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأنه لا يتعذر على المجني عليه إقامة البينة على أنه كان يبصر بها.
وإن قال الجاني: قد كان يبصر بها، ولكن طرأ عليها العمى قبل الجناية.. ففيه قولان، كما قلنا في الجاني إذا أقر بصحة العضو، ثم ادعى: أن الشلل طرأ عليه قبل الجناية.
وإذا أراد المجني عليه أن يقيم البينة: أنه كان يبصر بها.. فيكفي الشاهدين أن يشهدا: أنه كان يبصر بها، ويسوغ لهما أن يشهدا بذلك إذا رأياه يبصر الشخص ويتبعه في النظر، كلما عطف الشخص جهة.. أتبعه ببصره، أو يتوقى البئر إذا أتاها، أو يغمض عينه إذا جاء إنسان يتحسسها؛ لأن الظاهر ممن فعل هذا أنه يبصر، ويسعهما أن يشهدا على سلامة اليد إذا رأياه يرفع بها ويضع.
وليس للحاكم أن يسألهما إذا شهدا لرجل عن الجهة التي تحملا بها الشهادة على ذلك، كما ليس له أن يسألهما إذا شهدا لرجل بملك عين عن الجهة التي علما بها ملكه.
فرع جنى على عين فذهب نور بصرها
]: وإن جنى على عين رجل، فذهب ضوؤها، وقال أهل الخبرة: إنه يرجى عوده إلى مدة، فمات المجني عليه، وادعى الجاني: أن ضوءها قد عاد قبل موته، وقال الولي: لم يعد.. فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العود، فيحلف: أنه لا يعلم أن ضوء عين مورثه قد عاد؛ لأنه يحلف على نفس فعل غيره.
وإن جنى على عين رجل جناية ذهب بها ضوء عينه وبقيت الحدقة، ثم جاء آخر، فقلع الحدقة، فادعى الجاني الأول: أن الثاني قلع الحدقة بعد أن عاد ضوؤها، وقال الجاني الثاني: قلعتها قبل عود ضوئها، فإن صدق المجني عليه الجاني الأول.. قبل تصديقه في حق الأول؛ لأن ذلك يتضمن إسقاط حقه عنه، ولا يقبل قوله على
الثاني؛ لأن ذلك يوجب الضمان عليه، والأصل براءة ذمته من الضمان، فيحلف الثاني: أنه قلعها قبل أن عاد ضوؤها، ولا يلزمه إلا الحكومة.
مسألة جنى على أذن فأذهب سمعها
]: وإن جنى على أذنه جناية، وادعى المجني عليه: أنه ذهب بها سمعه، وكذبه الجاني.. فإن المجني عليه يراعى أمره في وقت غفلاته، فإن كان يضطرب عند صوت الرعد، أو إذا صيح به وهو غافل أجاب أو اضطرب أو ظهر منه شيء يدل على أنه سامع.. فالقول قول الجاني؛ لأن الظاهر أنه لم يذهب سمعه، ويحلف الجاني: أنه لم يذهب سمعه؛ لجواز أن يكون ما ظهر منه اتفاقًا لا أنه يسمع.
وإن كان لا يضطرب لصوت الرعد، ولا يجيب إذا صيح به مع غفلته ولا يضطرب لذلك.. فالقول قول المجني عليه؛ لأن الظاهر أنه لا يسمع، ويحلف: أنه قد ذهب سمعه؛ لجواز أن يكون قد تصنع لذلك.
وإن ادعى: أنه ذهب سمعه في إحدى الأذنين دون الأخرى.. سدت الصحيحة، وأطلقت العليلة، وامتحن في أوقات غفلاته على ما ذكرناه.
وإن ادعى: أنه نقص سمعه بالجناية ولم يذهب.. فالقول قوله مع يمينه في قدر نقصه؛ لأنه لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا من جهته.
فرع جنى على منخريه فادعى ذهاب شمه
]: وإن جنى على أنفه جناية، فادعى المجني عليه: أنه ذهب بها شمه، وأنكر الجاني: أنه لم يذهب شمه.. قربت إليه الروائح الطيبة والمنتنة في أوقات
غفلاته، فإن هش إلى الروائح الطيبة وعبس للروائح المنتنة.. فالقول قول الجاني مع يمينه، وإن لم يظهر منه ذلك.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لما ذكرناه في السمع.
وإن ادعى ذهاب شمه من أحد المنخرين، أو ادعى نقصان شمه.. فعلى ما ذكرناه في السمع.
وإذا حلف المجني عليه: أن سمعه أو شمه قد ذهب بالجناية، وأخذ الدية، فاضطرب عند صوت رعد، فإن ادعى الجاني: أن سمعه قد عاد، أو ارتاح إلى رائحة طيبة، أو غطى أنفه عند رائحة منتنة، فادعى الجاني: أن شمه قد عاد، وادعى المجني عليه: أنه لم يعد.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأن الأصل عدم عوده، وما ظهر منه.. يحتمل أن يكون اتفاقًا، أو غطى أنفه لغبار أو لريح دخل بها.
فرع قطع لسان امرئ وادعى بكمه
]: وإن قطع لسان رجل، فادعى الجاني: أنه كان أبكم قبل الجناية، وادعى المجني عليه: أنه لم يكن أبكم.. نظرت:
فإن ادعى الجاني: أنه خلق أبكم.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأنه لا يتعذر على المجني عليه إقامة البينة على الكلام.
وإن أقر الجاني: أنه كان يتكلم بلسانه، وادعى: أن البكم طرأ عليه قبل الجناية.. ففيه قولان، كما قلنا فيمن أقر بصحة العضو، وادعى طريان الشلل عليه قبل الجناية.
وإن جنى على ظهره، فادعى المجني: أنه ذهب بذلك جماعه، وأنكر الجاني.. فالقول قول المجني عليه مع يمينه؛ لأنه لا يتوصل إلى العلم بذلك إلا من جهته.
مسألة ادعت إسقاط جنين ميت من ضربه
إذا أسقطت امرأة جنينًا ميتًا، فادعت على إنسان: أنه ضربها وأسقطت من ضربته، فإن أنكر الضرب، ولا بينة.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم
الضرب، وإن أقر بالضرب، وأنكر: أنها أسقطت جنينًا.. فعليها أن تقيم البينة بأنها أسقطت جنينًا؛ لأنه يمكنها إقامة البينة على ذلك، فإن لم يكن معها بينة.. فالقول قول الضارب مع يمينه؛ لأنه لا يعلم أنها أسقطت جنينًا؛ لأن الأصل عدم الإسقاط.
وإن أقامت البينة: أنها أسقطت جنينًا، أو أقر الضارب: أنها أسقطت جنينًا، إلا أنه أنكر: أنها أسقطته من ضربه.. نظرت:
فإن أسقطت عقيب الضرب، أو بعد الضرب بزمان، إلا أنها بقيت متألمة من حين الضرب إلى أن أسقطت.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر أنها أسقطته من ضربه.
وإن أسقطته بعد الضرب بزمان وكانت غير متألمة بعد الضرب.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الضمان.
وإن اختلفا: فادعت: أنها بقيت متألمة بعد الضرب إلى أن أسقطت، وأنكر ذلك، ولا بينة لها على التألم.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التألم.
[فرع أسقطت من ضربه جنينًا ثم مات]
]: فإن أسقطت من ضربه جنينًا حيًا، ثم مات، فقال ورثة الجنين: مات من الضرب، وقال الجاني: مات بسبب آخر، فإن مات عقيب الإسقاط، أو بعد الإسقاط بزمان إلا أنه بقي متألمًا إلى أن مات.. فالقول قول ورثة الجنين مع أيمانهم؛ لأن الظاهر أنه مات من الضرب، وإن مات بعد الإسقاط بزمان وكان غير متألم بعد الإسقاط.. فالقول قول الضارب مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الضمان.
وإن اختلفوا في تألمه.. فالقول قول الضارب مع يمينه؛ لأن الأصل عدم تألمه.
وإن ادعى ورثة الجنين: أنه سقط حيًا ومات من الضرب، وقال الجاني: بل سقط ميتًا.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الحياة فيه، فإن أقام ورثته بينة: أنه سقط حيًا، وأقام الجاني أو عاقلته بينة: أنه سقط ميتًا.. قدمت بينة ورثة الجنين؛ لأن معها زيادة علم.
وإن أسقطت من ضربه جنينًا حيًا، ومات من الضرب، فقال ورثة الجنين: إنه كان ذكرًا، فعليك دية ذكر، وقال الجاني: بل كان أنثى.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على دية أنثى.
وإن أسقطت من ضربه جنينين ذكرًا وأنثى، فاستهل أحدهما ومات من الضرب، وأحدهما سقط ميتًا، فإن عرف المستهل منهما.. وجبت فيه الدية الكاملة، وفي الآخر الغرة، وإن لم يعرف المستهل منهما.. لم يلزم العاقلة إلا دية أنثى وغرة عبد أو أمة؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه.
[مسألة ادعى قتلًا يثبت الدية فكذبته العاقلة]
]: وإن ادعى على رجل قتلًا تثبت فيه الدية على عاقلته، فإن أقر بذلك، وكذبته العاقلة.. كانت الدية في ماله؛ لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا»، ولأنا لو قبلنا إقراره على العاقلة.. لم يؤمن أن يواطئ من يقر له بقتل الخطأ؛ ليدخل الضرر على عاقلته، فلم يقبل إقراره.
فإن ضرب بطن امرأة، فأسقطت من ضربه جنينًا، فادعى ورثة الجنين: أنه سقط حيًا ومات من ضربته، وصدقهم الجاني، وقالت العاقلة: بل سقط ميتًا.. فالقول قولهم مع أيمانهم، فإذا حلفوا.. لم يلزمهم أكثر من قدر الغرة، ويجب تمام الدية في مال الجاني؛ لأنه وجبت باعترافه.
وهكذا: لو أسقطت جنينًا حيًا، ومات من الضرب، فقال ورثة الجنين: كان ذكرًا، وصدقهم الجاني، وقالت العاقلة: بل كان أنثى.. فالقول قول العاقلة مع أيمانهم، فإذا حلفوا.. لم يلزمهم إلا دية امرأة، ووجب في مال الجاني تمام دية الرجل؛ لأنه وجب باعترافه.
فرع في قتل العمد يجب الحوامل من الإبل
]: إذا وجب على قاتل العمد الخلفات، فأحضر إبلا ليدفعها، وقال: هن
خلفات، وقال الولي: ليست بخلفات.. عرضت على أهل الخبرة بالإبل، فإن قالوا: هن حوامل.. كلف الولي أخذها، وإن قالوا: ليست بحوامل.. كلف الجاني إحضار الحوامل ودفعهن.
فإن أخذ الولي الإبل - بقول أهل الخبرة: إنهن حوامل - أو اتفق هو والقاتل: أنهن حوامل، فإن صح أنهن حوامل.. فقد استوفى حقه، وإن خرجن غير حوامل.. نظرت:
فإن كانت الإبل حاضرة ولم يغيبها.. كان للولي ردها والمطالبة بحوامل.
وإن كان الولي قد غيبها مدة يمكن أن تضع فيها، فقال القاتل: كن حوامل وقد وضعن في يدك، وقال الولي: لم يكن حوامل، فإن كان الولي قد أخذ الإبل باتفاقهما لا بقول أهل الخبرة.. فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الحمل، وإن كان قد أخذها بقول أهل الخبرة.. ففيه وجهان:
أحدهما: القول قول الولي مع يمينه؛ لأن أهل الخبرة إنما يخبرون من طريق الظن والاستدلال، ويجوز أن لا يكون صحيحًا، فكان القول قول الولي مع يمينه، كما لو أخذها الولي باتفاقهما.
والثاني: أن القول قول الجاني مع يمينه؛ لأنا قد حكمنا بكونها حوامل بقول أهل الخبرة، فإذا ادعى الولي: أنها ليست بحوامل.. كان قوله مخالفًا للظاهر، فلم يقبل قوله.
وبالله التوفيق
باب كفارة القتل
الأصل في وجوب الكفارة في القتل: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] الآية [النساء: 92].
فذكر الله تعالى في الآية ثلاث كفارات.
إحداهن: إذا قتل مسلم مسلمًا في دار الإسلام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
الثانية: إذا قتل مؤمنًا في دار الحرب، بأن كان أسيرًا في صفهم أو مقيمًا باختياره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
ومعناه: في قوم عدو لكم.
والثالثة: إذا قتل ذميًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
إذا ثبت هذا: فظاهر الآية أنه ليس له أن يقتله عمدًا، وله قتله خطأ؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات.
قال الشيخ أبو حامد: ولا خلاف بين أهل العلم أن قتل الخطأ محرم كقتل العمد، إلا أن قتل العمد يتعلق به الإثم، وقتل الخطأ لا إثم فيه.
واختلف أصحابنا في تأويل قوله: ﴿إِلا خَطَأً﴾ [النساء: 92]:
فمنهم من قال: هو استثناء مقطوع من غير الجنس، فيكون تقديره: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ، معناه: لكن إن قتله خطأ.. فتحرير رقبة؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: 29] [النساء: 29].
وتقديره: لكن كلوا بالتجارة؛ لأنه لو كان استثناء من الجنس.. لكان تقديره: إلا أن تكون تجارة بينكم عن تراض منكم.. فكلوها بالباطل، وهذا
لا يجوز.
ومنهم من قال: هو استثناء من مضمر محذوف، فيكون تقديره: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا، فإن قتله.. أثم، إلا أن يكون خطأ، فاستثنى الخطأ من الإثم المحذوف المضمر في الآية.
ومنهم من قال: تأويل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا خَطَأً﴾ [النساء: 92] بمعنى: ولا خطأ؛ كقوله تعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] [البقرة: 150]. يعني: ولا الذين ظلموا منهم.
قال ابن الصباغ: وهذا التأويل بعيد؛ لأن الخطأ لا يتوجه إليه النهي.
قال: وقول الشيخ أبي حامد: إن قتل الخطأ محرم لا إثم فيه.. مناقضة؛ لأن حد المحرم ما يأثم فيه، والخطأ لا يوصف بالتحريم ولا بالإباحة، كفعل المجنون والبهيمة.
مسألة القتل بأنواعه تجب فيه كفارة
]: وإن قتل من يحرم قتله لحق الله تعالى عمدًا، أو خطأ، أو عمد خطأ.. وجبت عليه بقتله الكفارة، وبه قال الزهري.
وقال ربيعة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: (تجب الكفارة بقتل الخطأ، ولا تجب بقتل العمد المحض، ولا بعمد الخطأ).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
فنص على وجوب الكفارة في قتل الخطأ؛ لينبه بذلك على وجوبها في العمد المحض وعمد الخطأ؛ لأن الخطأ أخف حالًا من قتل العمد؛ لأنه لا قود فيه ولا إثم، والدية فيه مخففة، فإذا وجبت فيه الكفارة.. فلأن تجب في قتل العمد المحض وعمد الخطأ أولى.
«وروى واثلة بن الأسقع، قال: أتينا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أعتقوا عنه رقبة.. يعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار».
ولا يستوجب النار إلا في قتل العمد.
وروي: «أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه قال: يا رسول الله، إني وأدت في الجاهلية؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أعتق بكل موءودة رقبة» و (الموءودة): البنت المقتولة عندما تولد، كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة العار والفقر.
ولأنه حيوان يضمن بالكفارة إذا قتل خطأ، فوجب أن يضمن بالكفارة إذا قتل عمدًا، كالصيد.
وعكسه المرتد، فإن قتل نساء أهل الحرب وذراريهم.. لم تجب عليه الكفارة؛ لأن قتلهم إنما حرم لحق المسلمين لا لحق الله، فلم تجب به الكفارة، كما لو ذبح بهيمة غيره بغير إذنه.
فرع تجب الكفارة في قتل العبد والذمي والمعاهد
]: وإن قتل عبدًا لنفسه أو لغيره، أو قتل ذميًا أو معاهدًا.. وجبت عليه الكفارة.
وقال مالك رحمة الله عليه: (لا تجب في ذلك كله الكفارة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
وهذا عام في الحر والعبد.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
وهذا يقع على الذمي والمعاهد.
ولأنه آدمي يجري القصاص بينه وبين نظيره، فوجبت بقتله الكفارة، كالحر المسلم.
وإن قتل نفسه.. وجبت الكفارة عليه في ماله.
وقال بعض أصحابنا الخراسانيين: لا تجب الكفارة.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
وهذا عام.
ولأنه يحرم عليه قتل نفسه، بل لا يجوز له قتل نفسه بحال، فإذا وجبت عليه الكفارة بقتل غيره.. فلأن تجب بقتل نفسه أولى.
[فرع ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا فعليه كفارة]
]: وإن ضرب بطن امرأة، فألقت من ضربه جنينًا ميتًا.. وجبت عليه الكفارة، وبه قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، والزهري، والنخعي، والحسن، والحكم - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب فيه الكفارة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
وقد حكمنا للجنين بالإيمان تبعًا لأبويه، فيكون داخلًا في عموم الآية.
ولأنه آدمي محقون الدم بحرمته، فوجبت فيه الكفارة كغيره.
فقولنا: (آدمي) احتراز من غير الآدمي من الحيوان.
وقولنا: (محقون الدم) احتراز من المرتد، والحربي، ومن جاز له قتله.
وقولنا: (لحرمته) احتراز من نساء أهل الحرب وذراريهم، فإنه ممنوع من قتلهم لا لحرمتهم، ولكن لحق الغانمين.
[فرع الكفارة فيمن حرم قتله لِحَقِّه تبارك وتعالى]
]: وإن قتل من يحرم قتله لحقِّ الله تعالى بسبب يجب به ضمانه، بأن حفر بئرًا في غير ملكه متعديًا، فسقط فيها إنسان ومات.. وجبت عليه الكفارة.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب الكفارة إلا بالمباشرة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
ولم يفرق بين أن يقتله بالمباشرة أو بالسبب.
ولأنه قتل آدميًا ممنوعًا من قتله لحرمته، فوجبت عليه الكفارة، كما لو قتله بالمباشرة.
[فرع وجوب الكفارة على القاتل ولو صبيًا أو كافرًا]
]: وإن كان القاتل صبيًا أو مجنونًا أو كافرًا.. وجبت عليه الكفارة.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب على واحد منهم الكفارة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
ولم يفرق بين أن يكون القاتل صبيًا أو مجنونًا أو كافرًا.
فإن قيل: الصبي والمجنون لا يدخلان في الخطاب؟
قلنا: إنما لا يدخلان في خطاب المواجهة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] [الأحزاب: 70]، ويدخلان في خطاب الإلزام، كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي كل أربعين شاةً شاةٌ».
وروي: «أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه قال: يا رسول الله، إني وأدت في الجاهلية؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أعتق بكل موؤدة رقبة».
وهذا نص في إيجاب الكفارة على الكافر.
ولأنه حق مال يتعلق بالقتل، فتعلق بقتل الصبي والمجنون، كالدية.
ولأن الكفارة تجب على المسلم للتكفير، وعلى الكافر عقوبة، كما أن الحدود تجب على المسلم كفارات، وعلى الكافر عقوبة.
[فرع يكفر جماعة قتلوا إنسانًا]
إذا اشترك جماعة في قتل واحد.. وجب على كل واحد منهم كفارة.
قال عثمان البتي: تجب عليهم كفارة واحدة.
وحكى أبو علي الطبري: أن هذا قول آخر للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأنها كفارة تتعلق بالقتل، فإذا اشترك الجماعة في سببها.. وجبت عليهم كفارة واحدة، كما لو اشتركوا في قتل صيد.
والأول هو المشهور؛ لأنها كفارة وجبت لا على سبيل البدل عن النفس، فوجب أن تكون على كل واحد من الجماعة إذا اشتركوا في سببها ما كان يجب على الواحد إذا انفرد، ككفارة الطيب للمحرم.
وقولنا: (لا على سبيل البدل) احتراز من جزاء الصيد.
مسألة كفارة القتل
]: و (كفارة القتل): عتق رقبة مؤمنة لمن وجدها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]
[النساء: 92].
ولا خلاف في ذلك.
فإن لم يجد الرقبة.. وجب عليه صوم شهرين متتابعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92] [النساء: 92].
فإن لم يقدر على الصوم.. ففيه قولان:
أحدهما: يجب عليه أن يطعم ستين مسكينًا؛ لأن الله تعالى ذكر الإطعام في كفارة الظهار، ولم يذكره في كفارة القتل، فوجب أن يحمل المطلق في القتل على المقيد في الظهار، كما قيد الله الرقبة في القتل بالإيمان، وأطلقها في كفارة الظهار، فحمل مطلق الظهار على مقيد القتل.
والثاني: لا يجب عليه الإطعام، وهو الأصح؛ لأن الله تعالى أوجب الرقبة في كفارة القتل، ونقل عنها إلى صوم الشهرين، ولم ينقل إلى الإطعام، فدل على: أن هذا جميع الواجب فيها.
وما ذكره الأول.. فغير صحيح.
ولأن المطلق إنما يحمل على المقيد إذا كان
الحكم مذكورًا في موضعين، إلا أنه قيده في موضع بصفة، وأطلقه في الموضع الآخر، كما ذكر الله تعالى الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان، وذكرها في الظهار مطلقة، فحمل مطلق الظهار على مقيد القتل، وكما ذكر الله تعالى اليدين في الطهارة وقيدهما إلى المرفقين، وذكرهما في التيمم مطلقًا، فحمل مطلق التيمم فيهما على ما قيده فيهما في الطهارة.
وهاهنا الإطعام لم يذكره في الموضعين، وإنما ذكره في الظهار، فلم يجز نقل حكمه إلى كفارة القتل، كما لم يجز نقل حكم مسح الرأس وغسل الرجلين إلى التيمم، وحكم الرقبة والصوم والإطعام إذا أوجبناه، على ما قد تقدم في كفارة الظهار.
والله أعلم بالصواب