كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وعلي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ولا مخالف لهم.
ولأن فيهما جمالًا ومنفعة، أما الجمال: فظاهر، وأما المنفعة: فلأنهما يقومان الكلام، ويمسكان الطعام والريق.
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وحد الشفة: ما زاد عن جلد الذقن والخدين من أعلى وأسفل).
ولا فرق بين أن تكونا غليظتين، أو دقيقتين، أو ناتئتين، أو صغيرتين؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الشفتين الدية».
ولم يفرق.
فإن قطع إحداهما.. وجب عليه نصف الدية، وبه قال أبو بكر الصديق، وعلي، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وقال زيد بن ثابت: (إن قطع العليا.. وجب عليه ثلث الدية، وإن قطع السفلى.. وجب عليه ثلثا الدية).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الشفتين الدية».
فأوجب فيهما الدية، والظاهر أنهما متساويان، كما لو قال: هذه الدار لزيد وعمرو.
وإن قطع بعض الشفة.. وجب فيه من الدية بقدره.
وإن جنى عليهما، فشلتا، بأن صارتا مسترخيتين لا تنقبضان، أو تقلصتا، بحيث لا تنبسطان ولا تنطبق إحداهما على الأخرى.. وجبت الدية فيهما، كما لو جنى على يديه، فشلتا.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن جنى على شفته حتى صارت بحيث إذا مدها امتدت، وإذا تركها تقلصت.. ففيها حكومة؛ لأنها إذا انبسطت وامتدت إذا مدت.. فلا شلل فيها، بل فيها روح، فلم تصر شلاء، وإنما فيها نقص، فوجبت فيها الحكومة).
وإن شق شفتيه.. فعليه الحكومة، سواء التأم الشق أو لم يلتئم؛ لأن ذلك جرح، والجروح تجب فيها الحكومة.
مسألة في اللسان الدية
]: وتجب في اللسان الدية؛ لما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي اللسان الدية».
وهو قول أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ولا مخالف لهم في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ولأن فيه جمالًا ومنفعة.
أما المنفعة: فإنه يتكلم به، وأما الجمال: «فروى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: قلت: يا رسول الله، فيم الجمال؟ قال: " في اللسان».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للعباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " أعجبني جمالك يا عم "، قال: يا رسول الله، وما الجمال في الرجل؟ قال: " اللسان».
فإن لم يقطع اللسان، ولكن جنى عليه، فخرس وذهب كلامه.. وجبت عليه الدية؛ لأنه أذهب منفعة اللسان، كما لو جنى على يده، فشلت.
فرع في ذهاب بعض الكلام
]: فإن ذهب بعض كلامه.. وجب عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه، وبماذا تعتبر؟ فيه وجهان.
[أحدهما]: قال عامة أصحابنا: تعتبر بجميع حروف المعجم، وهي ثمانية وعشرون حرفًا، ولا اعتبار بـ (لا)؛ لأنها مكررة، وهي: لام وألف.
فإن تعذر عليه النطق بحرف منها.. وجب عليه جزء من ثمانية وعشرين جزءًا من الدية.
و [الثاني]: - على هذا -: قال أبو سعيد الإصطخري: تعتبر بحروف اللسان، وهي ثمانية عشر حرفًا لا غير.
ولا تعتبر حروف الحلق، وهي ستة: الهمزة،
والهاء، والحاء، والخاء، والعين، والغين.
ولا تعتبر حروف الشفة، وهي أربعة: الباء، والميم، والفاء، والواو؛ لأن الجناية على اللسان، فاعتبرت حروفه دون غيرها.
والمنصوص هو الأول؛ لأن هذه الحروف وإن كانت مخارجها من الحلق والشفة، إلا أنه لا ينطق بها إلا باللسان.
إذا ثبت هذا: فإن لم يذهب من كلامه إلا حرف واحد، لكنه تعطل بذهابه جميع الاسم الذي فيه ذلك الحرف، مثل: أن تتعذر الميم لا غير، فصار لا ينطق بـ: محمد.. لم يجب عليه إلا حصة الميم من الدية؛ لأن الجاني إنما يضمن ما أتلفه، فأما ما لم يتلفه بفعله وكان سليمًا إلا أن منفعته تعطلت لتعطل التالف.. فلا يضمنه، كما لو قصم ظهره، فلم تشل رجلاه، إلا أنه لا يمكنه المشي بهما لقصم ظهره.. فلا يلزمه إلا دية قصم ظهره، فكذلك هذا مثله.
وإن جنى عليه، فذهب من كلامه حرف إلا أنه استبدل به حرفًا غيره، بأن ذهب منه الراء، وصار ينطق بالراء لامًا في موضعه.. وجبت عليه دية الراء؛ لأن ما استبدل به لا يقوم مقامه.
فإن جنى عليه آخر، فأذهب هذا الحرف الذي استبدله بالذاهب.. وجب عليه دية ذلك الحرف، لا لأجل أنه أتلف عليه حرفًا قام مقام الأول، ولكن لأجل أن هذا الحرف إذا تلف في هذا الموضع.. تلف في موضعه الذي هو أصله.
وإن لم يذهب بجنايته حرف، وإنما كان ألثغ، فزادت لثغته بالجناية، أو كان خفيف اللسان، سهل الكلام، فثقل كلامه، أو حصلت بكلامه عجلة، أو تمتمة.. وجب على الجاني حكومة؛ لأنه أذهب كمالًا من غير منفعة.
فرع فيمن قطع بعض لسانه
]: وإن قطع بعض لسانه، فذهب بعض كلامه.. نظرت:
فإن استويا، بأن قطع ربع لسانه، فذهب ربع كلامه.. وجب عليه ربع الدية، وإن قطع نصف لسانه، فذهب نصف كلامه.. وجب عليه نصف الدية؛ لأن الذي فات منهما سواء.
وإن اختلف.. اعتبرت الدية بالأكثر، مثل: أن يقطع ربع اللسان، فيذهب نصف الكلام، فتجب عليه نصف الدية، أو يقطع نصف اللسان، فيذهب ربع الكلام، فيجب عليه نصف الدية، بلا خلاف بين أصحابنا في الحكم، وإنما اختلفوا في علته:
فمنهم من قال: لأن منفعة اللسان - وهو الكلام - مضمونة بالدية، واللسان مضمون بالدية، فإذا اجتمعا.. اعتبر أكثر الأمرين منهما، كما لو جنى على يده، فشلت.. ففيها جميع دية اليد، ولو قطع خنصره وبنصره.. وجب فيهما خمسا دية اليد وإن كانت منفعتهما أقل من خمسي منفعة اليد، ولكن اعتبارًا بأكثر الأمرين من منفعة اليد، وعضوها.
وقال أبو إسحاق: الاعتبار باللسان؛ لأنها هي المباشرة بالجناية، إلا أنه إذا قطع ربع لسانه، فذهب نصف كلامه.. فإنما وجب عليه نصف الدية؛ لأنه دل ذهاب نصف كلامه على شلل ربع آخر منها غير المقطوع.
إذا ثبت هذا: فقطع رجل ربع لسان رجل، فذهب نصف كلامه.. فقد ذكرنا: أنه يجب عليه نصف الدية، فإن جاء آخر، فقطع الثلاثة الأرباع الباقية من لسانه.. فإنه يجب عليه على التعليل الأول ثلاثة أرباع الدية؛ اعتبارًا بما بقي من اللسان، وعلى تعليل أبي إسحاق: يجب عليه نصف الدية وحكومة؛ لأنه قطع نصف لسان صحيحًا، وربعاَ أشل.
وإن قطع رجل نصف لسان رجل، فذهب ربع كلامه.. فقد ذكرنا: أنه يجب عليه نصف الدية، فإن جاء آخر، فقطع ما بقي من اللسان.. وجب عليه على التعليل الأول ثلاثة أرباع الدية؛ اعتبارًا بما بقي من الكلام، وعلى تعليل أبي إسحاق: يجب عليه نصف الدية لا غير؛ اعتبارًا بما بقي من اللسان.
وإن قطع رجل نصف لسان رجل، فذهب نصف كلامه، وقلنا: له أن يقتص منه في نصف اللسان، فاقتص منه، فذهب نصف كلام الجاني.. فقد استوفى المجني عليه حقه، فإن ذهب ربع كلام الجاني.. وجب للمجني عليه ربع الدية، وإن ذهب ثلاثة أرباع كلام الجاني.. لم يجب على المقتص شيء؛ لأن التالف بالقود غير مضمون عندنا.
فرع قطع أحد طرفي لسان
]: وإن كان لرجل لسان له طرفان، فقطع قاطع أحدهما.. نظرت:
فإن ذهب كلامه.. وجبت عليه الدية.
وإن ذهب بعض كلامه، فإن كان الطرفان متساويين، فإن كان ما قطعه بقدر ما نقص من الكلام.. وجب فيه من الدية بقدره، وإن كان أحدهما أكبر.. اعتبر الأكبر، على ما مضى في التي قبلها.
وإن لم يذهب من الكلام شيء.. وجب بقدر ما قطع من اللسان من الدية.
وإن قطعهما قاطع.. وجب عليه الدية، وإن كان أحدهما منحرفًا عن سمت اللسان.. فهي خلقة زائدة تجب فيها الحكومة، وفي الأخرى الدية.
فرع في لسان الأخرس حكومة
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وفي لسان الأخرس حكومة).
وقال النخعي: تجب فيه الدية.
دليلنا: أن لسان الأخرس قد ذهبت منفعته، فلم تجب فيه الدية، كاليد الشلاء.
وإن قطع لسان طفل، فإن كان قد تكلم ولو بكلمة واحدة، أو قال: بابا أو ماما، أو تكلم في بكائه بالحروف.. وجبت عليه الدية؛ لأنا قد علمنا أنه لسان ناطق.
وإن كان في حد لا يتلكم مثله بحرف، مثل: أن يكون ابن شهر وما أشبهه ولم يتكلم، فقطع قاطع لسانه.. وجبت فيه الدية.
وقال أبو حنيفة: (لا دية فيه؛ لأنه لسان لا كلام فيه، فهو كلسان الأخرس).
دليلنا أن ظاهره السلامة، وإنما لم يتكلم لطفوليته، فوجبت فيه الدية، كما تجب الدية بأعضائه وإن لم يظهر بها بطش.
وإن بلغ حدًا يتكلم فيه مثله، فلم يتكلم، فقطع قاطع لسانه.. لم تجب عليه الدية، وإنما تجب فيه الحكومة؛ لأن الظاهر من حاله أنه أخرس.
فرع جنى عليه فذهب ذوقه
]: وإن جنى عليه، فذهب ذوقه.. قال الشيخ أبو حامد: فلا نص فيه للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ولكن يجب فيه الدية؛ لأنه أحد الحواس التي تختص بمنفعة، فهو كحاسة السمع والبصر.
وقال القاضي أبو الطيب: قد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (على إيجاب الدية فيه).
قال ابن الصباغ: قلت أنا: قد نص الشافعي: (على أن لسان الأخرس فيه حكومة وإن كان الذوق يذهب بذهابه).
واختار الشيخ أبو إسحاق وجوب الدية في الذوق، وقال: إنما تجب في لسان الأخرس الحكومة إذا بقي ذوقه بعد قطع لسانه، فأما إذا لم يبق ذوقه: ففيه الدية.
إذا ثبت هذا: فقال الشيخ أبو إسحاق: إذا لم يحس بالحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة والعذوبة.. وجب على الجاني عليه الدية.
وإن لم يحس بواحد منها، أو باثنين.. وجب فيه من الدية بقدره.
وإن كان يحس بها، إلا أنه لا يحس بها على الكمال.. وجب في ذلك الحكومة دون الدية.
فرع أخذ دية ذهاب الكلام ثم عاد
]: وإن جنى عليه، فذهب كلامه، ثم عاد كلامه.. وجب رد الدية؛ لأنا علمنا أن الكلام لم يذهب.
وإن قطع لسانه، فأخذت منه الدية، ثم نبت له لسان مكانه.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هل يجب رد الدية؟ فيه قولان، كما قلنا في السن.
ومنهم من قال: لا يجب رد الدية، قولًا واحدًا؛ لأن عود السن معهود، وعود اللسان غير معهود، فعلم أنه هبة محددة.
فرع قطع لهاته
]: قال في " الأم " [6/106]: (فإن قطع لهاة رجل.. قطعت لهاته.
فإن أمكن، وإلا.. وجبت حكومة).
و (اللهاة): لحم في أصل اللسان.
مسألة ما يجب في قلع السن
]: ويجب في السن خمس من الإبل؛ لما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «في السن خمس من الإبل».
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي كل سن خمس من الإبل».
إذا ثبت هذا: فإنه لا فرق بين الثنايا والأضراس والرباعيات، وبه قال علي، وابن عباس، ومعاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: (في الثنايا خمس خمس، وفي الأضراس بعير بعير).
وقال عطاء: في الثنيتين والرباعيتين والنابين خمس خمس، وفي الباقي بعيران بعيران.
وهي الرواية الثانية عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في كل سن خمس من الإبل».
ولم يفرق.
وروي: أن معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان أصيب بأضراسه، فقال: (أنا أعرف بالأضراس من عمر)، يعني: بمنفعتها.
ولأنه جنس ذو عدد، فلم تختلف ديتها، كدية الأصابع.
والسن الذي يجب فيه خمس من الإبل: هو ما ظهر من اللثة، وهو: اللحم الذي ينبت فيه السن؛ لأن المنفعة والجمال في ذلك، كما تجب دية اليد في الأصابع وحدها.
وإن قلع ما ظهر من السن، ثم قلع هو أو غيره (سنخ السن)، وهو: أصلها النابت في اللحم.. وجب على قالع السنخ الحكومة، كما لو قطع رجل أصابع رجل، ثم قطع هو أو غيره الكف.
وإن قلع السن وسنخها.. وجبت عليه دية سن لا غير؛ لأن السنخ يتبع السن في
الدية إذا قلع معها، كما لو قطع الأصابع مع الكف.
فإن ظهر السنخ المغيب بعلة.. اعتبر المكسور من الموضع الذي كان ظاهرًا قبل العلة، لا بما ظهر بالعلة.
فإن اتفقا: أنه كسر القدر الذي كان ظاهرًا قبل العلة.. فعليه خمس من الإبل.
وإن قال الجاني: كسرت بعض الظاهر، فعلي أقل من خمس من الإبل، وقال المجني عليه: بل كسرت كل الظاهر.. فالقول قول الجاني مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على ما أقر به.
فرع كسر بعض سن
]: وإن كسر بعض سنه من نصف أو ثلث أو ربع.. وجب عليه من ديتها بقدر ما كسر منها؛ لأن ما وجب في جميعه الدية.. وجب في بعضه بقسطه من الدية، كالأصابع.
فإن قلع قالع ما بقي من السن مع السنخ.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم " [6/114]: (وجب على الثاني بقدر ما بقي من السن من ديتها، ووجب في السنخ الحكومة؛ لأن السنخ إنما يتبع جميع السن، فأما بعض السن: فلا يتبعها).
وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: وهذا فيه تفصيل: فإن كسر الأول نصف السن في الطول، وبقي النصف، فقلع الثاني الباقي منهما مع السنخ.. وجب نصف دية السن، ويتبعه ما تحته من السنخ في نصف ديته، ووجبت في نصف السنخ الباقي الحكومة، كما لو قطع إصبعين وجميع الكف.. فإنه تجب عليه دية إصبعين، ويتبعهما ما تحتهما من الكف وحكومة في الباقي.
وإن كسر الأول نصف السن في العرض، وقلع الآخر الباقي مع السنخ.. تبعه ما تحته من السنخ، كما لو قطع قاطع من كل إصبع من الكف أنملة، فجاء آخر، فقطع ما بقي من أنامل الأصابع مع الكف.. فإنه يجب عليه أرش ما بقي من الأنامل، ويتبعها الكف، كذلك هذا مثله.
فرع اضطراب سن لمرض
]: إذا اضطربت سن رجل لمرض أو كبر، ونقصت منفعتها، فقلعها قالع.. ففيه قولان:
أحدهما: تجب فيه الدية؛ لأن جمالها باق، ومنفعتها باقية، وإنما نقصت منفعتها، ونقصان المنفعة لا يوجب سقوط الدية، كاليد العليلة.
والثاني: لا يجب فيها الدية، وإنما تجب فيها الحكومة؛ لأن معظم منفعتها تذهب بالاضطراب، فصارت كاليد الشلاء.
وإن ضرب سن رجل، فاضطربت، فإن قيل: إنها تستقر إلى مدة.. انتظر إلى تلك المدة، فإن استقرت ولم يذهب شيء من منفعتها.. فلا شيء على الجاني.
وإن سقطت.. وجبت عليه ديتها.
فإن قلعها قالع قبل استقرارها.. فهل تجب عليه الدية، أو الحكومة؟ فيه قولان، كما لو قلعها وهي مضطربة بمرض أو كبر.
قال الشيخ أبو حامد: إلا أنا إذا أوجبنا الحكومة هاهنا.. فإنها تكون أقل من الحكومة في التي قبلها؛ لأن المجني عليه لم ينتفع بالاضطراب الحادث من المرض، وهاهنا المجني عليه قد انتفع بالاضطراب الحادث من الجناية الأولى.
وإن قلع رجل سنًا فيها شق أو أكلة، فإن لم يذهب من أجزائها شيء.. وجب فيها دية سن، كاليد المريضة، وإن ذهب من أجزائها شيء.. سقط من ديتها بقدر الذاهب، ووجب الباقي.
فرع قلع سنه بسنخها
]: وإن قلع رجل سن رجل بسنخها وأبانها، ثم ردها المجني عليه إلى مكانها، فنبتت وعادت كما كانت.. وجب على الجاني الدية؛ لأن الدية وجبت عليه بإبانته السن، ورده لها لا حكم له؛ لأنه تجب إزالتها، فإن قلعها قالع.. فلا شيء عليه؛ لأنه يجب قلعها.
وإن لم يرد المقلوعة، وإنما رد مكانها عظمًا طاهرًا، أو قطعة ذهب أو فضة، فنبت عليه اللحم، ثم قلعها إنسان.. ففيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد.
أحدهما: لا يجب عليه شيء؛ لأنه أزال ما ليس من بدنه، فلم يجب عليه
شيء، كما لو أعاد سنه المقلوعة، ثم قلعها قالع.
والثاني: يجب عليه حكومة؛ لأنه أبيح له أن يتخذ سنًا من عظم طاهر أو ذهب أو فضة، وقد حصل له في ذلك جمال ومنفعة، وقد أزالها، فلزمه الحكومة لذلك.
[فرع اختلاف السن طولًا وقصرًا]
وإن نبتت أسنان رجل أو أضراسه قصارًا أو طوالا، فقلع رجل بعضها.. وجب في كل سن ديتها.
وكذلك: إن كانت أضراسه قصارًا أو ثناياه طوالًا.. وجب في كل سن ديتها؛ لأن العادة أن الأضراس أقصر من الثنايا.
وإن كان بعض الأضراس طوالًا وبعضها قصارًا، أو كان بعض الثنايا طوالًا وبعضها قصارًا، أو بعض الرباعيات طوالًا وبعضها قصارًا.. وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن كان النقصان قريبًا.. ففي كل سن ديتها؛ لأن هذا من خلقة الأصل، وإن كان النقصان كثيرًا.. ففيها بقسطها من الدية، فإن كانت القصيرة نصف الطويلة.. وجب فيها نصف دية السن، وإن كانت ثلثيها.. ففيها ثلث ديتها؛ لأن هذا القدر من النقص لا يكون إلا من سبب مرض أو غيره).
[فرع نبات الأسنان سودًا مرة ثانية]
]: إذا نبتت أسنان الصبي سوداء، فسقطت، ثم نبتت سوداء، فإن كانت كاملة المنفعة غير مضطربة، فقلع قالع بعضها.. ففي كل سن ديتها؛ لأن هذا السواد من أصل الخلقة، فهو كما لو كانت العين عمشاء.
من أصل الخلقة.
فأما إذا نبتت أسنانه بيضاء، فسقطت، ثم نبتت سوداء، ثم قلع قالع بعضها.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (سألت أهل الخبرة، فإن قالوا: لا يكون هذا من مرض.. ففيها الحكومة؛ لأنها ناقصة الجمال والمنفعة، وإن قالوا: قد يكون من مرض وغيره.. وجبت في كل سن ديتها؛ لأن الأصل سلامتها من المرض).
وإن ضرب رجل سن رجل، فاحمرت أو اصفرت ولم يذهب شيء من منفعتها.. وجبت فيها الحكومة؛ لأنه أذهب جمالًا من غير منفعة، وإن اسودت.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (فيها الحكومة)، وقال في موضع: (فيها الدية).
فقال المزني: فيها قولان.
وقال سائر أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
فحيث قال: (تجب فيها الدية) أراد: إذا ذهبت منفعتها.
وحيث قال: (تجب فيها الحكومة) أراد: إذا لم تذهب منفعتها.
وكل موضع قلنا: تجب فيه الحكومة إذا اسودت.. فإنه يجب فيها أكثر من الحكومة إذا احمرت أو اصفرت؛ لأن الشين في السواد أكثر.
فرع قلع لرجل جميع أسنانه
]: وإن قلع رجل جميع أسنان رجل، فإن قلعها واحدة بعد واحدة.. وجب عليه لكل سن خمس من الإبل، فيجب عليه مائة وستون بعيرًا؛ لأن الأسنان اثنان وثلاثون سنًا: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وأربعة أضراس، واثنتا عشرة رحًا - وتسمى: الطواحن - وأربعة نواجز، وهي: آخر ما ينبت من الأسنان.
وإذا قلع أسنانه دفعة واحدة.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه إلا دية نفس، وهي مائة من الإبل؛ لأن كل جنس من البدن يجب فيه أرش مقدر لم يجب فيه أكثر من دية النفس، كأصابع اليدين والرجلين.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنه يجب عليه أرش مقدر في كل سن خمس من الإبل)؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي كل سن خمس من الإبل».
ولم يفرق.
ولأن ما ضمن بأرش مقدر.. لم تنقص ديته بانضمامه إلى غيره في غير النفس، كالموضحة.
وما قاله الأول.. يبطل به إذا قطع أصابع يديه ورجليه دفعة واحدة.
مسألة ما يجب في اللحيين
]: ويجب في (اللحيين) - وهما: العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان - الدية؛ لأن فيهما منفعة وجمالًا، وفي أحدهما نصف الدية؛ لأن ما وجبت الدية في اثنين منه.. وجب في أحدهما نصفها، كالعينين.
وإن قلع اللحيين وعليهما الأسنان.. فحكى المسعودي [في " الإبانة "] فيه وجهين:
أحدهما: لا يجب عليه إلا دية واحدة، كما لو قطع الأصابع مع الكف.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا العراقيين -: أنه يجب في اللحيين الدية، وفي كل سن خمس من الإبل؛ لأن كل واحد منهما يجب فيه دية مقدرة، فلم يدخل أحدهما في الآخر، كدية الأسنان والشفتين، ولأن اللحيين كانا موجودين قبل الأسنان، فلم يتبعا ما حدث عليهما من الأسنان، والكف والأصابع وجدا معًا، فتبع الكف الأصابع.
مسألة في اليدين الدية
]: وفي اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية؛ لما روى معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية».
وروى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي اليد خمسون من الإبل، وفي الرجل خمسون من الإبل».
وهو قول عمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ولأن فيهما جمالًا ومنفعة.
إذا ثبت هذا: فاليد التي تجب فيها الدية هي من مفصل الكوع، فإن قطعها من بعض الساعد، أو من المرفق، أو من المنكب.. وجبت الدية في الكف، وفيما زاد عليه الحكومة.
وقال أبو يوسف: ما زاد على الأصابع إلى المنكب يتبع الأصابع كما يتبعها الكف.
وقال أبو عبيد بن حربويه - من أصحابنا -: اليد التي تجب بقطعها الدية هي اليد من المنكب.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] [المائدة: 38] فأمر الله بقطع يد السارق مطلقًا، وقطعه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من مفصل الكوع، فكان فعله بيانًا للآية؛ لأن المنفعة المقصودة باليد من الأخذ والدفع تحصل بالكف، فوجبت الدية فيه.
وإن جنى على كف فشلت.. وجبت عليه ديتها؛ لأنه قد أذهب منفعتها، فهو كما لو قطعها.
فرع ما يجب في الإصبع
]: ويجب في كل إصبع من أصابع اليدين عشر من الإبل، ولا يفضل إصبع على إصبع، وبه قال علي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه روايتان:
إحداهما: مثل قولنا:
والثانية: يجب في الخنصر ست من الإبل، وفي البنصر تسع، وفي الوسطى عشر، وفي السبابة اثنتا عشرة، وفي الإبهام ثلاث عشرة، فقسم دية اليد على الأصابع.
دليلنا: ما روى عمرو بن شعيب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في كل إصبع بعشر من الإبل».
وروى عمر بن حزم في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في كل إصبع مما هنالك من اليد والرجل عشر من الإبل».
وقيل: إن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه لما وجد هذا في الكتاب عند آل حزم.. رجع عن التفصيل.
وروي: (أن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كان يقول: في كل إصبع عشر من الإبل، فوجه إليه مروان، وقال له: أما سمعت قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه؟ فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: قول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أولى من قول عمر).
ولأن الدية إذا وجبت بعدد.. قسمت عليه على عدده لا على منافعه، كاليدين والرجلين.
ويجب في كل أنملة من الأصابع ثلث دية الإصبع، إلا الإبهام.. فإنه يجب في كل أنملة منها نصف دية الإصبع، وهو قول زيد بن ثابت.
وحكي عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أنه قال: (للإبهام أيضًا ثلاث أنامل، إحداهن باطنه).
دليلنا: أن كل إصبع لها أنملة باطنة، ولا اعتبار بها، وإنما الاعتبار بالأنامل الظاهرة ووجدنا لكل إصبع غير الإبهام ثلاث أنامل، وللإبهام أنملتين، فقسمت الدية عليهما.
وإن جنى على إصبع فشلت، أو على أنملة فشلت.. وجب عليه ديتها؛ لأنه أذهب منفعتها، فهو كما لو قطعها.
فرع له كفان من كوع ونحوهما
]: إذا خلق له كفان على كوع أو يدان على مرفق أو منكب، فإن لم يبطش بواحدة منهما.. فهما كاليد الشلاء، فلا يجب فيهما قود ولا دية، وإنما تجب فيهما الحكومة.
وإن كان يبطش بإحداهما دون الأخرى.. فالباطشة هي الأصلية، والأخرى زائدة، سواء كانت الباطشة على مستوى الذراع أو منحرفة عن سمت الذراع؛ لأن الله تعالى جعل البطش في اليد كما جعل البول في الذكر، فاستدل بالبطش على الأصلية، كما استدل على الخنثى بالبول.
وإن كان يبطش بهما، إلا أن إحداهما أكثر بطشا من الأخرى.. فالتي هي أكثر بطشا هي الأصلية، والأخرى خلقة زائدة.
وإن كانا في البطش سواء، فإن كانت إحداهما على مستوى الخلقة، والأخرى زائلة عن المستوى.. فالمستوية هي الأصلية، والزائلة هي الزائدة، وإن كانتا على مستوى الخلقة، فإن كانت إحداهما لها خمس أصابع وللأخرى أربع أصابع.. فالأصلية هي كاملة الأصابع، والأخرى زائدة.
فإن استويا في ذلك كله إلا أن في إحداهما إصبعًا زائدة.. لم يحكم بكونها أصلية بذلك؛ لأن الإصبع الزائدة قد تكون في اليد الأصلية وفي الزائدة، ومتى حكمنا أن إحداهما أصلية والأخرى زائدة.. أوجبنا في الأصلية القود والدية الكاملة، وفي الأخرى الحكومة.
وإن تساويا ولم تعلم الزائدة منهما من الأصلية.. قال الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ: (فهما أكثر من يد وأقل من يدين، فإن قطعهما قاطع.. قطعت يده، ووجب عليه مع القصاص حكومة للزيادة، وإن عفا عن القصاص، أو كانت الجناية خطأ.. وجب على الجاني دية يد وزيادة حكومة.
وإن قطع قاطع إحداهما.. لم يجب عليه القصاص؛ لأنه ليس له مثلها، ولكن يجب عليه نصف دية يد وحكومة.. وإن قطع إصبعًا من إحداهما.. وجب عليه نصف دية إصبع وحكومة.
وإن قطع أنملة منهما.. وجب عليه نصف دية أنملة وحكومة).
مسألة في الرجلين الدية
وتجب في الرجلين الدية، وفي إحداهما نصف الدية؛ لما ذكرناه من حديث معاذ، وعمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وهو قول عمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. والرجل التي تجب بقطعها الدية: هي القدم، فإن قطعها من نصف الساق أو من الركبة أو من الورك.. وجب الدية في القدم، والحكومة فيما زاد؛ لما ذكرناه في اليد، ويجب في كل إصبع منها وفي كل أنملة منها ما يجب في أصابع اليد وأناملها؛ لما ذكرناه في اليد.
فرع فيمن كان له قدمان على كعب
]: وإن خلق له قدمان على كعب واحد، أو ساقان على ركبة، أو ركبتان على فخذ واحد.. فالحكم فيه كالحكم فيمن خلق له كفان على مفصل، إلا أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال هاهنا: (إذا كان أحد القدمين أطول من الأخرى، وكان يمشي على الطويلة.. فالظاهر أن الأصلية هي الطويلة التي يمشي عليها.
فإن قطع قاطع القدم الطويلة.. لم يجب على القاطع في الحال الدية، بل ننظر في المقطوع: فإن لم يمش على القصيرة، أو مشى عليها مشيًا ضعيفًا.. وجبت الدية في الطويلة؛ لأنا علمنا أن الأصلية هي الطويلة، والقصيرة زائدة، فيجب على قاطعها الحكومة.. وإن مشى على القصيرة مشي العادة.. وجب على قاطع الطويلة الحكومة؛ لأنا علمنا أن الأصلي هو القصيرة، وإنما منعه من المشي عليها الطويلة، وإن قطع قاطع القصيرة.. وجبت عليه الدية).
فإن جنى رجل على الطويلة، فشلت.. وجبت عليه الدية؛ لأنها هي الأصلية في الظاهر، فإن قطعها قاطع بعد الشلل.. وجبت عليه الحكومة، ثم ينظر فيه:
فإن لم يمش على القصيرة، أو مشى عليها مشيًا ضعيفًا.. فقد علمنا أن الأصلية هي الطويلة، واستقر ما أخذه.
وإن مشى على القصيرة مشي العادة.. علمنا أن القصيرة هي الأصلية، فيجب عليه أن يرد على الجاني الأول على الطويلة ما زاد على الحكومة إلى الدية، وإن قطع قاطع القصيرة.. كان عليه الدية.
فرع في يد الأعسم ورجل الأعرج الدية
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وفي يد الأعسم ورجل الأعرج إذا كانتا سالمتين الدية).
وجملة ذلك: أنه يجب في يد الأعسم وقدم الأعرج إذا كانتا سالمتين الدية؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي اليد خمسون من الإبل، وفي الرجل خمسون من الإبل».
ولم يفرق.
ولأن العرج إنما يكون لقصر الساق أو لمرض فيه أو في غيره من الرجل، والقدم سالم بنفسه، فلم تنقص دية القدم لذلك.
وأما الأعسم: فاختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو حامد: هو (الأعسر): وهو الذي يكون بطشه بيساره أكثر.
وقال ابن الصباغ: (الأعسم): هو الذي يكون في رسغه مثل الاعوجاج.
و (الرسغ): طرف الذراع مما يلي الكوع.
وهو ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق.
فرع لا تفاضل بين يسار ويمين
]: ولا تفضل يمين على يسار في الدية؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي اليد خمسون من الإبل، وفي الرجل خمسون من الإبل».
ولم يفرق.
فإن كسر يده، فجبرت، فانجبرت، فإن عادت مستقيمة.. وجبت عليه حكومة للشين، وإن عادت غير مستقيمة.. وجبت عليه الحكومة أكثر مما لو عادت مستقيمة؛ لأنه أحدث بها نقصًا، فإن قال الجاني: أنا أكسرها وأجبرها فتعود مستقيمة.. لم يمكن من ذلك؛ لأن ذلك ابتداء جناية، فإن بادر وكسرها وجبرها، فعادت مستقيمة.. لم يجب رد الحكومة الأولى إليه؛ لأنها استقرت عليه بالانجبار الأول.
قال الشيخان: ويجب عليه للكسر الثاني الحكومة.
وقال ابن الصباغ: فيه وجهان، كالجناية إذا اندملت، ولم يكن لها شين.
مسألة ما يجب في الأليتين
ويجب في (الأليتين) الدية - وهما: المأكمتان المشرفتان على الظهر إلى الفخذين - لأن فيهما جمالًا ومنفعة، ويجب في إحداهما نصف الدية؛ لأن الدية إذا وجبت في اثنتين.. وجب في إحداهما نصفها، كاليدين.
وإن قطع بعض إحداهما، وعرف قدر المقطوع.. وجب فيه من الدية بقدره، وإن لم يعرف، أو جرحها.. وجبت عليه الحكومة؛ لأن الجرح إذا اندمل.. وجبت فيه الحكومة دون الدية.
ولا فرق بين أليتي الرجل والمرأة في ذلك وإن كان الانتفاع بأليتي المرأة أكثر؛ لأن الدية لا تختلف باختلاف المنفعة، كما قلنا في اليمين واليسار.
مسألة ما يجب في كسر الصلب
]: وإن كسر صلبه، فأذهب مشيه.. وجبت فيه الدية؛ لما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الصلب الدية».
وقال زيد بن ثابت: (إذا كسر ظهره، فذهب مشيه.. ففيه الدية).
ولا مخالف له.
ولأن المشي منفعة جليلة، فشابه البصر والسمع.
وإن لم يذهب المشي، وإنما يحتاج في مشيه إلى عكازة.. وجب فيه حكومة، وإن لم يحتج إلى عكازة ولكنه يمشي مشيًا ضعيفًا.. وجبت عليه حكومة أقل من الحكومة الأولى.
وإن عاد مشيه كما كان إلا أن ظهره أحدب.. لزمته حكومة للشين الحاصل بذلك.
فرع ما يجب في ذهاب الجماع
]: وإن كسر صلبه، فذهب جماعه.. وجبت عليه الدية؛ لأنه روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ولا مخالف لهم، ولأنه منفعة جليلة، فشابه السمع والبصر.
وإن كسر صلبه، فذهب ماؤه وبعد.. فقد قال القاضي أبو الطيب: الذي يقتضي المذهب: أنه يجب فيه الدية، وهو قول مجاهد؛ لأنه منفعة مقصودة، فوجب في
إذهابه الدية، كالجماع.
وإن كسر صلبه، فذهب مشيه وجماعه.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه إلا دية واحدة؛ لأنهما منفعتا عضو واحد.
والثاني: تجب عليه ديتان، وهو المنصوص؛ لأنهما منفعتان تجب في كل واحدة منهما الدية عند الانفراد، فوجب في كل واحدة منهما دية عند الاجتماع، كالسمع، والبصر.
فرع ما يجب في اعوجاج العنق
]: وإن جنى على عنقه، فأصابه (صعر) -: وهو التواء لا يمكنه أن يحول وجهه - لزمته الحكومة؛ لأنه إذهاب جمال من غير منفعة.
وإن يبس عنقه، فلا يمكنه أن يلتفت يمينًا ولا شمالًا.. ففيه حكومة أقل من الحكومة بالصعر؛ لأن الشين فيه أقل، وإن أمكنه أن يلتفت التفاتًا قليلًا.. لزمته حكومة دون الحكومة إذا لم يمكنه الالتفات أصلًا؛ لأن الضرر في هذا أقل.
وإن جنى على عنقه، فيبست حتى لا يدخل فيها الطعام والشراب.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن هذا لا يعيش، فعلى الجاني إن مات القود أو الدية، وإن لم يمت.. فحكومة).
هذا نقل البغداديين.
وقال الخراسانيون: عليه الدية وإن لم يمت.. وكذلك قالوا: إذا ضرب عنقه، فأذهب منفعة المضغ.. ففيه الدية.
مسألة في الإحليل الدية
]: وفي الذكر الدية؛ لما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الذكر الدية».
وهو قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، ولا مخالف له.
ولأن فيه منفعة وجمالًا، فوجبت فيه الدية.
وسواء قطع ذكر صبي أو شيخ أو شاب، أو ذكر خصي أو عنين؛ لعموم الخبر.
وإن جنى عليه، فصار أشل، إما منبسطًا لا ينقبض، أو منقبضًا لا ينبسط.. وجبت عليه الدية، كما لو جنى على يد، فشلت.
وإن قطع رجل ذكرًا أشل.. وجبت عليه الحكومة، كما لو قطع يدًا شلاء.
والذكر الذي تجب فيه الدية هو الحشفة؛ لأن منفعة الذكر تذهب بذهابها.
فإن قطع قاطع باقي الذكر.. وجبت عليه الحكومة، كما لو قطع رجل أصابع رجل، ثم قطع آخر كفه.
وإن قطع رجل الحشفة والقضيب.. فقال أصحابنا البغداديون: تجب فيه الدية، ولا يفرد القضيب بالحكومة؛ لأن اسم الذكر يقع على الجميع، فهو كما لو قطع يده من مفصل الكوع.
وقال الخراسانيون: هل يفرد القضيب بالحكومة؟ فيه وجهان.
وكذلك عندهم إذا قطع المارن مع القصبة، أو قلع السن مع السنخ.. فهل تفرد القصبة عن المارن، والسنخ عن السن بالحكومة؟ فيه وجهان.
فرع قطع بعض الحشفة
]: وإن قطع بعض الحشفة.. ففيه قولان:
أحدهما: ينظر كم قدر تلك القطعة من الحشفة بنفسها؟ فيجب فيها من الدية بقدرها من الحشفة؛ لأن الدية تجب بقطع الحشفة وحدها.
والثاني: ينظر كم قدر تلك القطعة من جميع الذكر؟ فيجب فيها من دية الذكر بقدرها؛ لأنه لو قطع جميع الذكر.. لوجبت فيه الدية، فإذا قطع بعضه.. اعتبر المقطوع منه.
وإن قطع رجل قطعة مما دون الحشفة والحشفة باقية.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (نظر فيه: فإن كان البول يخرج على ما كان عليه.. وجب بقدر تلك القطعة من جميع الذكر من الدية.
وإن كان البول يخرج من موضع القطع.. وجب عليه أكثر الأمرين من حصة القطعة من الدية من جميع الذكر، أو الحكومة).
وإن جرح ذكره، فاندمل ولم يشل، فادعى المجني عليه: أنه لا يقدر على الجماع.. لم تجب الدية، وإنما تجب الحكومة؛ لأن الجماع لا يذهب مع سلامة العضو، فإذا لم يقدر عليه.. كان لعلة أخرى في غير الذكر، فلا يلزم الجاني دية الجماع.
وإن جرح ذكره، فوصلت الجراحة إلى جوف الذكر.. لم يجب أرش الجائفة، وإنما يجب فيه الحكومة؛ لأنه وإن كان له جوف إلا أنه جوف لا يخاف من الوصول إليه التلف.
مسألة ما يجب في الخصيتين
]: ويجب في الأنثيين الدية؛ لما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الأنثيين الدية».
وروي ذلك عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ولا مخالف لهم.
ولأن فيهما جمالًا ومنفعة، فهما كاليدين، ويجب في كل واحدة منهما نصف الدية.
وقال ابن المسيب: في اليسرى ثلثا الدية؛ لأن النسل منها، وفي اليمين ثلث الدية؛ لأن الإنبات منها، ومنفعة النسل أكثر.
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الأنثيين الدية».
وظاهر هذا: أن الدية مقسطة عليهما بالسوية.
وأما قوله: (إن النسل من اليسرى) فلا يصح؛ لأنه روي عن عمرو بن شعيب: أنه قال: عجبت ممن يقول: إن النسل من اليسرى! كان لي غنيمات، فأخصيت، فألقحت.
وإن صح.. فإن العضو لا تفضل ديته بزيادة المنفعة، كما لا تفضل اليد اليمنى على اليسرى، وكما لا يفضل الإبهام على الخنصر في الدية.
فرع قطع القضيب والخصيتين
]: وإن قطع الذكر والأنثيين معًا، أو قطع الذكر ثم الأنثيين.. وجبت عليه ديتان بلا خلاف.
وإن قطع الأنثيين أولًا، ثم قطع الذكر بعدهما.. وجب عليه ديتان عندنا.
وقال أبو حنيفة: (تجب عليه دية الأنثيين، وحكومة في الذكر؛ لأن بقطع الأنثيين قد ذهبت منفعة الذكر؛ لأن استيلاده قد انقطع).
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الذكر الدية».
ولم يفرق.
ولأن كل عضوين لو قطعا معًا.. وجبت فيهما ديتان، فإذا قطع أحدهما بعد الآخر.. وجبت فيهما ديتان، كما لو قطع الذكر، ثم الأنثيين.
وما قاله.. لا نسلمه؛ لأن منفعة الذكر باقية؛ لأنه يولجه.
وأما الماء: فإن محله في الظهر لا في الذكر.
وقد قيل: إنه بقطع الأنثيين لا ينقطع الماء، وإنما يرق، فلا ينعقد منه الولد.
مسألة جراحات الرجل والمرأة
]: قد ذكرنا: أن دية نفس المرأة على النصف من دية الرجل، وأما ما دون النفس: فاختلف الناس فيه:
فذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في الجديد إلى: (أن أرشها نصف أرش الرجل في جميع الجراحات والأعضاء).
وبه قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال في القديم: (تساوي المرأة الرجل إلى ثلث الدية، فإذا زاد الأرش على ثلث الدية.. كانت على النصف من الرجل).
وبه قال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، وربيعة؛ لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «عقل المرأة كعقل الرجل إلى ثلث الدية وهو المأمومة».
وقال ابن مسعود: (تساوي المرأة الرجل إلى أن يبلغ أرشها خمسًا من الإبل، فإذا بلغ خمسًا.. كانت على النصف من أرش الرجل، فيكون من أرش موضحتها بعيرين ونصفًا).
وبه قال شريح.
وقال زيد بن ثابت: (تساويه إلى أن يبلغ أرشها خمس عشرة من الإبل، فإذا بلغ ذلك.. كانت على النصف).
وبه قال سليمان بن يسار.
وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: (تساوي المرأة الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت إلى ثلث الدية.. كانت على النصف).
وبه قال ابن المسيب، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وروي: أن ربيعة الرأي قال: قلت لابن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: فكم في إصبعين؟ قال: عشرون، قلت: فكم في ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: فكم في أربع؟ فقال: عشرون من الإبل، فقلت: لما عظمت مصيبتها قل أرشها؟! قال: هكذا السنة يا ابن أخي.
وقال الحسن البصري: تساوي المرأة الرجل إلى نصف الدية، فإذا بلغت نصف الدية.. كانت على النصف من الرجل.
دليلنا: ما روى عمرو بن حزم: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «دية المرأة على النصف من دية الرجل».
ولم يفرق بين القليل والكثير.
ولأنه جرح له أرش مقدر، فوجب أن يكون في أرشه على النصف من أرش الرجل أصله مع كل طائفة ما وافقتنا عليه.
وأما حديث عمرو بن شعيب، وابن المسيب: فهما مرسلان، وعلى أن قول ابن المسيب: هكذا السنة، يحتمل أن يريد به غير سنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
مسألة دية ثديي المرأة
]: وتجب في ثديي المرأة الدية؛ لأن فيهما جمالًا ومنفعة، أما الجمال: فظاهر، وأما المنفعة: فإن الصبي يعيش منهما.
ولأن الدية إذا وجبت في أذنها وهي أقل منفعة من ثديها.. فلأن تجب في الثدي أولى.
ويجب في أحدهما نصف الدية؛ لأن كل اثنين وجبت الدية فيهما.. وجب في أحدهما نصفها، كاليدين.
والثديان اللذان تجب فيهما الدية هما (الحلمتان) -: وهما رأس الثدي اللتان
يلتقمهما الصبي - لأن الجمال والمنفعة توجد فيهما.
وإن قطع قاطع الحلمتين، ثم قطع آخر باقي الثديين.. وجب على الأول الدية، وعلى الثاني الحكومة، كما لو قطع رجل الأصابع، وقطع آخر بعده الكف.
وقد أوهم المزني أن في الثديين بعد الحلمتين الدية حين قال: وفي الثديين الدية، وفي حلمتهما ديتها.
وليس بشيء، وقد بينه في " الأم " [6/114].
وإن قطع الحلمتين والثديين من أصلهما.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "]:
أحدهما: تجب الدية في الحلمتين والحكومة في الثديين، كما لو قطع الحلمتين، ثم قطع الثديين.
والثاني - وهو قول البغداديين من أصحابنا -: أنه لا يجب عليه إلا دية، كما لو قلع السن مع سنخها.
فرع فيمن قطع الثدي وأجافه
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن قطع ثديها، فأجافها.. فعليه نصف الدية للثدي، وثلث دية للجائفة، وإن قطع ثدييها، وأجافهما.. فعليه في الثديين كمال الدية، وفي الجائفتين ثلثا الدية؛ لأن كل واحد منهما فيه دية مقدرة إذا انفرد، فإذا اجتمعا.. وجب في كل واحد منهما ديته، كما لو قطع أذنه، فذهب سمعه).
وإن قطع ثديها وشيئًا من جلد صدرها.. ففي الثدي الدية، وفي الجلد الحكومة.
وإن جنى عليهما، فشلًا.. وجبت فيهما الدية؛ لأن كل عضو وجبت الدية في قطعه، وجبت في شلله، كاليدين، وإن لم يشلا، ولكن استرخيا وكانا ناهدين.. وجبت فيهما الحكومة؛ لأنه نقص جمالهما.
وإن كان لهما لبن، فجنى عليهما، فانقطع لبنهما أو نقص.. وجبت عليه الحكومة؛ لأنه نقص منفعتهما.
وإن جنى عليهما قبل أن ينزل بهما اللبن، فلم ينزل اللبن فيهما في وقته، فإن قال أهل الخبرة: إن انقطاع اللبن لا يكون إلا من الجناية.. وجبت عليه الحكومة، وإن قالوا: قد ينقطع من غير جناية.. لم تجب الحكومة؛ لأنه لا يعلم أن انقطاعه من الجناية.
فرع ما يجب في قطع الحلمتين للرجل
]: وإن قطع حلمتي الرجل.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (فيهما الحكومة)، وقال في موضع آخر: (قد قيل: إن فيهما الدية).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: تجب فيهما الدية؛ لأن كل عضو اشترك فيه الرجل والمرأة، وكانت الدية تجب فيه من المرأة.. وجبت فيه من الرجل، كاليدين، والرجلين.
والثاني: لا تجب فيهما الدية؛ لأنه لا منفعة فيهما من الرجل، وإنما فيهما جمال.
ومنهم من قال: لا تجب فيهما الدية، قولًا واحدًا؛ لما ذكرناه، وما ذكره.. فليس بقول له، وإنما حكى قول غيره.
فرع وجود الثديين يدل على الأنوثة
]: وإن كان للخنثى المشكل ثديان، كثدي المرأة.. فهل يكونان دليلًا على أنوثيته؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو علي الطبري: يكونان دليلًا على أنوثيته؛ لأنهما لا يكونان إلا للمرأة.
و [الثاني]: قال عامة أصحابنا: لا يكونان دليلًا على أنوثيته؛ لأنهما قد يكونان للرجل.
فإن قطعهما قاطع، فإن قلنا بقول أبي علي.. وجبت على قاطعه دية ثدي امرأة، وإن قلنا بقول عامة أصحابنا.. فإن قلنا: تجب الدية في ثدي الرجل.. وجبت هاهنا دية ثدي امرأة؛ لأنه اليقين، وإن قلنا: لا تجب الدية في ثدي الرجل.
لم تجب هاهنا إلا الحكومة.
وإن ضرب ثدي الخنثى وكان ناهدًا، فاسترسل ولم يجعله دليلًا على أنوثيته.
قال القاضي أبو الفتوح: لم تجب على الجاني حكومة؛ لأنه ربما كان رجلًا، ولا جمال له فيهما، ولا يلحقه نقص باسترسالهما، فإن بان امرأة.. وجبت عليه الحكومة.
وإن كان للخنثى لبن، فضرب ضارب ثديه، وانقطع لبنه، فإن قلنا بقول أبي علي.. وجبت عليه الحكومة، وإن قلنا بقول عامة أصحابنا.. بني على الوجهين في لبن الرجل، هل يحكم بطهارته، ويثبت التحريم والحرمة بإرضاعه، ويجوز بيعه، ويضمن بالإتلاف؟
فإن قلنا: تثبت هذه الأحكام.. وجبت هاهنا فيه الحكومة.
وإن قلنا: لا تثبت هذه الأحكام.. لم تجب هاهنا الحكومة، ولكن يعزر به الجاني إذا كان عامدًا؛ للتعدي.
مسألة في الشفرين دية
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وفي إسكتيها - وهما: شفراها جانبا فرجها - إذا أوعبتا.. ديتها).
وجملة ذلك: أن (الإسكتين) - وهما: اللحمان المحيطان بالفرج كإحاطة الشفتين بالفم، ولم يفصل الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بين الإسكتين والشفرين، وأهل اللغة يقولون: الشفران حاشية الإسكتين، كما أن أشفار العينين أهدابهما - فإذا
قطعهما قاطع.. وجبت عليه الدية؛ لأن فيهما جمالًا ومنفعة، أما الجمال: فظاهر، وأما المنفعة: فإن لذة الجماع بهما.
وإن قطع أحدهما.. وجب عليه نصف الدية؛ لأن كل اثنين وجب فيهما الدية.. وجبت في أحدهما نصف الدية، كاليدين، والرجلين.
ولا فرق بين شفري الصغيرة والعجوز، والبكر والثيب، وسواء كانا صغيرين أو كبيرين، رقيقين أو غليظين، كما قلنا في الشفتين، وسواء كانت قرناء أو رتقاء؛ لأن ذلك عيب في غيرهما، وسواء كانت مخفوضة أو غير مخفوضة؛ لأن الخفض لا تعلق له بالشفرين.
فإن جنى على شفريها، فشلا.. وجبت عليه الدية؛ لأن كل عضو وجبت الدية بقطعه.. وجبت بشلله، كاليدين.
وإن قطع الشفرين و (الركب) - وهو: عانة المرأة التي ينبت عليها الشعر - وجبت الدية في الشفرين، والحكومة في الركب.
مسألة فيما يجب بالإفضاء
]: وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن أفضاها ثيبًا.. كان عليه ديتها).
وجملة ذلك: أنه إذا أراد: وطئ امرأة فأفضاها، أو أفضاها بغير الوطء، وجبت عليه الدية.
واختلف أصحابنا في كيفية الإفضاء:
فقال الشيخ أبو حامد: هو أن يجعل مسلك البول ومسلك الذكر واحدًا؛ لأن ما بين القبل والدبر فيه بعد وقوة فلا يرفعه الذكر، ولأنهم فرقوا بين أن يستمسك البول أو لا يستمسك، وهذا إنما يكون إذا انخرق الحاجز بين مسلك البول ومدخل الذكر.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: وهو أن يزيل الحاجز بين الفرج والدبر، وهو قول القاضي أبي الطيب والجويني.
قال الشيخ أبو إسحاق: لأن الدية لا تجب إلا بإتلاف منفعة كاملة، ولا يحصل ذلك إلا بإزالة الحاجز بين السبيلين، فأما إزالة الحاجز بين الفرج وثقبة البول: فلا تتلف بها المنفعة، وإنما تنقص بها المنفعة، فلا يجوز أن تجب فيه دية كاملة.
وذكر ابن الصباغ له علة أخرى، فقال: لأنه ليس في البدن مثله، ولو كان المراد به ما بين مسلك البول ومسلك الذكر.. لكان له مثل، وهو ما بين القبل والدبر، ولا تجب فيه الدية.
فإن أفضاها واسترسل البول ولم يستمسك.. وجب عليه مع دية الإفضاء حكومة للشين الحاصل باسترسال البول.
إذا ثبت هذا: فلا تخلو المرأة المفضاة: إما أن تكون زوجته، أو أجنبية أكرهها على الوطء، أو وطئها بشبهة.
فإن كانت زوجته، فوطئها وأفضاها، فإن كان البول مستمسكًا.. فقد استقر عليه المهر بالوطء، ووجبت عليه دية الإفضاء، وإن أفضاها بالوطء واسترسل البول.. وجب عليه المهر، ودية الإفضاء، والحكومة؛ لاسترسال البول.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب عليه دية الإفضاء، وإنما عليه المهر فقط).
دليلنا: أنها جناية وقعت بالوطء، فلم يسقط حكمها باستحقاق الوطء، كما لو وطئها وقطع ثديها أو شجها.
وإن كانت أجنبية، فأكرهها على الوطء وأفضاها.. وجب عليه المهر، ودية الإفضاء، وإن استرسل البول.. وجب عليه الحكومة مع دية الإفضاء.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب المهر، وأما الإفضاء: فإن كان البول لا يحتبس.. فعليه دية، وإن كان البول يحتبس.. فعليه ثلث دية).
وبه قال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما.
دليلنا على إيجاب المهر: أنه وطء في غير ملك لا حد فيه على الموطوءة، فوجب عليه المهر، كما لو وطئها بشبهة.
وعلى إيجاب الدية: أنه إفضاء مضمون، فوجبت فيه الدية، كما لو لم يحتبس البول.
فقولنا: (مضمون) احتراز منه إذا وطئ أمته، فأفضاها.
إذا ثبت هذا: فإن كانت ثيبا.. وجب عليه مهر ثيب، وإن كانت بكرًا.. وجب عليه المهر والدية، ويدخل أرش البكارة في الدية.
ومن أصحابنا من قال: لا يدخل أرش البكارة، كما لو أكره بكرًا، فوطئها وافتضها.. فإن أرش البكارة لا يدخل في المهر.
المذهب الأول: لأن الدية تجب بإتلاف عضو، وأرش البكارة بإتلاف العضو، فتداخلا، والمهر يجب بغير ما تجب به الدية، وهو الوطء، فلم يتداخلا.
وإن وطئها بشبهة أو في عقد فاسد وأفضاها.. وجب عليه المهر والدية، فإن كان البول مسترسلًا.. وجبت عليه الحكومة مع الدية.
وإن كانت بكرًا.. فهل يدخل أرش البكارة في الدية؟ على وجهين، كما لو أكرهها.
وقال أبو حنيفة: (إن كان البول مسترسلًا.. وجبت الدية، ودخل فيها المهر، وإن كان البول مستمسكًا.. وجب المهر وثلث الدية).
دليلنا: أن هذه جناية ينفك الوطء عنها، فلم يدخل بدله فيها، كما لو وطئها، فكسر صدرها.
وإن طاوعته على الزنا، فأفضاها.. فلا مهر لها، وعليه دية الإفضاء، وإن كانت بكرًا.. لم يجب لها أرش البكارة؛ لأنها أذنت في إتلافها.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب له دية الإفضاء؛ لأنه تولد من مأذون فيه، وهو الوطء، فهو بمنزلة إذهاب البكارة).
ودليلنا: أن الإفضاء ينفك عنه الوطء، فكان مضمونًا مع الإذن في الوطء، ككسر الصدر.
ويخالف إذهاب البكارة، فإنه لا ينفك عن الوطء.
فرع إفضاء الخنثى
]: وإن افضى الخنثى المشكل.. قال القاضي أبو الفتوح: فإن قلنا: إن الإفضاء ما ذكره الشيخ أبو حامد.. لم تجب الدية؛ لأنه ليس بفرج أصلي، وإنما تجب الحكومة إن وجد في فرج الخنثى المشكل المسلكان، وإن لم يوجد فيه إلا مسلك البول.. فلا يتصور فيه الإفضاء على هذا.
وإن قلنا: إن الإفضاء ما ذكره القاضي أبو الطيب.. فعلى تعليل ابن الصباغ - حيث قال: لأنه ليس في البدن مثله - تجب هاهنا دية الإفضاء.
وعلى تعليل الشيخ أبي إسحاق - حيث قال: لا تجب الدية إلا بإتلاف منفعة كاملة - فلا تجب الدية بإفضاء الخنثى، وإنما تجب الحكومة.
وإن افتض البكارة من فرج الخنثى المشكل.. قال القاضي أبو الفتوح: فإن الحكومة تجب، ولكن لا بموجب حكومة البكارة، وإنما بموجب حكومة جراح وأرش جناية وألم؛ لأن البكارة لا تكون إلا في الفرج الأصلي.
فرع يكون العمد بالإفضاء
]: وكل موضع قلنا: تجب الدية بالإفضاء، فإن العمد المحض يتصور في الإفضاء، وهو: أن يطأها صغيرة أو ضعيفة، الغالب إفضاؤها، فتجب الدية مغلظة في ماله، ويتصور فيه عمد الخطأ، مثل: أن يقال: قد يفضيها وقد لا يفضيها، والغالب أنه لا يفضيها، فإن أفضاها.. فهو عمد خطأ، فتجب فيه دية مغلظة على عاقلته، وهل يتصور فيه الخطأ المحض بالوطء؟ فيه وجان: أحدهما: أنه يتصور، مثل: أن يقال: لا يفضي بحال، فأفضاها، أو كان له زوجة قد تكرر وطؤه لها، فوجد امرأة على فراشه، فظنها زوجته، فوطئها،
فأفضاها، فيكون خطأ محضًا، كما لو رمى هدفًا فأصاب إنسانًا، فتجب فيه دية مخففة على العاقلة.
والثاني: لا يتصور فيه الخطأ المحض؛ لأنه يكون قاصدًا إلى الفعل بكل حال.
مسألة لا قصاص في الشعور ولا دية
]: وأما الشعور: فلا يجب فيه قصاص ولا دية، وبه قال أبو بكر الصديق، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وقال أبو حنيفة: (تجب في شعر الرأس الدية، وفي شعر الحاجبين الدية، وفي أهداب العينين الدية، وفي اللحية الدية، وهو إذا لم تنبت هذه الشعور بعد حلقها؛ لما روي: أن رجلًا أفرغ على رجل قدرًا، فتمعط شعره، فأتى عليًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، فقال له: اصبر سنة، فصبر سنة، فلم ينبت شعره، فقضى فيه بالدية).
ودليلنا: أنه إتلاف شعر، فلم يكن فيه أرش مقدر، كشعر الشارب والصدر.
وما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه.. يعارضه ما روي عن أبي بكر الصديق، وزيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أنهما لم يوجبا الدية.
إذا ثبت هذا: فإنه إذا حلق شعر رجل، أو طرح عليه شيئًا فتمعط، فإن نبت كما
كان من غير زيادة ولا نقصان.. لم يجب على الجاني شيء، كما لو قلع سن صغير، ثم نبت.
وإن لم ينبت أصلًا، وأيس من نباته.. وجبت فيه حكومة؛ للشين الحاصل بذهابه، وتختلف الحكومة باختلاف الجمال في ذلك الشعر.
وإن نبت الشعر، إلا أنه أقل من الأول.. ففيه حكومة، وإن كان الثاني أحسن من الأول؛ لأنه بعضه.
وإن نبت أكثر مما كان، وكان فيه قبح.. وجبت فيه الحكومة؛ لأن فيه شينًا.
فرع أزال لحية امرأة
]: وإن نبت للمرأة لحية، فحلقها حالق، فلم تنبت.. فهل تجب فيها الحكومة؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي العباس ابن سريج -: أنه لا حكومة فيها؛ لأن بقاء اللحية في حقها شين، وزوالها في حقها زين.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنه يجب فيها الحكومة)؛ لأن ما ضمن من الرجل.. ضمن من المرأة، كسائر الأعضاء، قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إلا أن الحكومة فيها أقل من الحكومة في لحية الرجل؛ لأن للرجل جمالًا بها، ولا جمال في اللحية للمرأة، وإنما الحكومة للألم والعدوان).
وإذا ثبت هذا: فإن نبت للخنثى المشكل لحية.. فهل يكون دليلًا على ذكوريته؟ فهي وجهان:
[أحدهما]: قال أبو علي الطبري: تكون دليلًا على ذكوريته.
فعلى هذا: إذا نتفها رجل ولم تنبت.. كان عليه حكومة، كالحكومة في لحية الرجل.
و [الثاني]: قال عامة أصحابنا: لا تكون دليلًا على ذكوريته.
فعلى هذا: إذا نتفها رجل ولم تنبت.. كان في وجوب الحكومة فيها وجهان، كلحية المرأة.
مسألة ما يجب في الترقوة والضلع
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وفي الترقوة جمل، وفي الضلع جمل)، وقال في موضع: (تجب في كل واحد منهما حكومة).
واختلف أصحابنا فيهما:
فذهب المزني، وبعض أصحابنا إلى: أن فيهما قولين:
أحدهما: يجب في كل واحد منهما أرش مقدر، وهو جمل، وبه قال أحمد، وإسحاق؛ لما روي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قضى في الترقوة بجمل، وفي الضلع بجمل).
والثاني: لا يجب فيهما أرش مقدر، وإنما تجب فيهما حكومة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، واختاره المزني، وهو الأصح؛ لأنه كسر عظم باطن لا يختص بجمال ومنفعة، فلم يجب فيه أرش مقدر، كسائر عظام البدن.
وما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه.. فيحتمل أنه قضى بذلك على سبيل الحكومة.
ومنهم من قال: لا يجب فيه أرش مقدر، وإنما تجب الحكومة، قولًا واحدًا؛ لما ذكرناه.
إذا ثبت هذا: فإن الضلع معروف، وأما (الترقوة): فهي العظم المدور من النحر إلى الكتف.
وللإنسان ترقوتان، الواحدة: ترقوة - بفتح التاء - على وزن: فعلوة.
وقيل: ليس في كلام العرب على هذا الوزن إلا ترقوة.
و (عرقوة الدلو): وهي العود المعترض فيه.
[مسألة يعزر الجاني إذ لم يكسر ولم يضيع منفعة أو جمالًا]
]: فإذا جنى على رجل جناية لم يحصل بها جرح ولا كسر ولا إتلاف حاسة، بأن لطمه الجاني، أو لكمه، أو ضربه بخشبة، فلم يجرح ولم يكسر.. نظرت:
فإن لم يحصل به أثر، أو حصل به سواد أو خضرة ثم زال.. لم يجب على الجاني أرش؛ لأنه لم ينقص شيئًا من جماله ولا من منفعته، ويعزر الجاني لتعديه.
وإن اسود موضع الضرب أو اخضر أو احمر.. ينظر إلى الوقت الذي يزول مثل ذلك في العادة، فإن لم يزل.. وجبت على الجاني الحكومة؛ لأن في ذلك شينًا، فإن أخذت منه الحكومة، ثم زال ذلك الشين.. وجب رد الحكومة، كما لو كان ابيضت عينه، فأخذ أرشها، ثم زال البياض.
وإن جنى على حر جناية نقص بها جمال أو منفعة ولا أرش لها مقدر.. فقد ذكرنا: أنه تجب فيها الحكومة.
وكيفية ذلك: أن يقوم هذا المجني عليه لو كان عبدًا قبل الجناية، ثم يقوم بعد اندمال الجناية، فإن بقي للجناية شين ونقصت قيمته به.. وجب على الجاني من الدية بقدر ما نقص من القيمة، وإن نقص العشر من قيمته.. وجب العشر من ديته، وإن نقص التسع من قيمته.. وجب التسع من ديته؛ لأنه لما اعتبر العبد بالحر في الجنايات التي لها أرش مقدر.. اعتبر الحر بالعبد في الجنايات التي ليس لها أرش مقدر، ولأن جملته جملة مضمونة بالدية، فكانت أجزاؤه مضمونة بجزء من الدية، كما أن المبيع لما كان مضمونًا على البائع بالثمن.. كان أرش العيب الموجود فيه مضمونًا بجزء من الثمن، ولا سبيل إلى معرفة ما ليس فيه أرش مقدر إلا بالتقويم، كما أنه لا يعلم أرش المبيع إلا من جهة التقويم.
وحكى الشيخ أبو إسحاق: أن من أصحابنا من قال: يعتبر ما نقص من القيمة من دية العضو المجني عليه، لا من دية النفس، فإن كان الذي نقص هو عشر القيمة، والجناية على اليد.. وجب عشر دية اليد، وإن كان على الإصبع.. وجب عشر دية
الإصبع، وإن كان على الرأس أو الوجه فيما دون الموضحة.. وجب عشر دية الموضحة، وإن كان على البدن فيما دون الجائفة.. وجب عشر دية الجائفة.
والمذهب الأول؛ لأنه لما وجب تقويم النفس.. اعتبر النقص من ديتها، ولأن القيمة قد تنقص بالسمحاق عشر القيمة، فإذا أوجبنا عشر أرش الموضحة.. تقاربت الجنايتان، وتباعد الأرشان.
إذا ثبت هذا: فإنه لا يبلغ بالحكومة أرش العضو المجني عليه، فإن كانت الجناية على الإصبع، فبلغت حكومتها دية الإصبع، أو على البدن مما دون الجائفة، فبلغت الحكومة أرش الجائفة.. نقص الحاكم من الحكومة شيئًا بقدر ما يؤديه إليه اجتهاده؛ لأنه لا يجوز أن تجب فيما دون الإصبع ديتها، ولا فيما دون الجائفة ديتها.
وإن قطع كفًا لا إصبع له.. ففيه وجهان حكاهما الخراسانيون.
أحدهما: لا يبلغ بحكومته دية إصبع.
والثاني: لا يبلغ بحكومته دية خمس أصابع.
فرع يؤخذ بالأكثر من الشين أو الجراح
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن جرحه، فشان وجهه أو رأسه شينًا يبقى، فإن كان الشين أكثر من الجراح.. أخذ بالشين، وإن كان الجراح أكثر من الشين.. أخذ بالجراح ولم يرد للشين).
وجملة ذلك: أنه إذا شجه في رأسه أو وجهه شجة دون الموضحة، فإن علم قدرها من الموضحة.. وجب بقدرها من أرش الموضحة، وإن اختلف قدرها من الموضحة والحكومة.. وجب أكثرهما، وقد مضى بيان ذلك ولا تبلغ الحكومة فيما دون الموضحة أرش الموضحة.
وإن كانت الموضحة على الحاجب فأزالته، وكان الشين أكثر من أرش