البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 486-525

كتاب الديات

صفحات 486-525
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. وإن قتل خطأ في حرم المدينة.. فهل تغلظ الدية؟ فيه وجهان: أحدهما: تتغلظ؛ لأنه كالحرم في تحريم الصيد، فكان كالحرم في تغليظ دية الخطأ فيه.
والثاني: لا تغلظ، وهو الأصح؛ لأنه دون الحرم في الحرمة؛ بدليل: أنه يجوز قصده بغير إحرام، فلم يلحق به في الحرمة في تغليظ الدية.
وإن قتل محرماً خطأ.. فهل تغلظ ديته؟ فيه وجهان: أحدهما: تغلظ، كما تغلظ في القتل في الحرم، وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأن الإحرام يتعلق به ضمان الصيد، فغلظت به الدية، كالحرم.
والثاني: لا تغلظ به؛ لأن الشرع ورد بتغليظ القتل في الحرم دون الإحرام، بدليل: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أعتى الناس على الله ثلاثة: رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله، ورجل قتل بذحل الجاهلية» والإحرام لا يلحق الحرم في الحرمة.
إذا ثبت هذا: فإن تغليظ دية الخطأ عندنا بالحرم أو في الأشهر الحرم، أو إذا قتل ذا رحم محرم إنما هو بأسنان الإبل، كما قلنا في دية العمد، ولا يجمع بين تغليظين.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (تغلظ بثلث الدية، ويجمع ما بين تغليظين)؛ لما رويناه عن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ودليلنا على أنه لا تغلظ إلا بالأسنان: أن من أوجب التغليظ في دية القتل.. أوجبه بالأسنان، كدية العمد.
ودليلنا على أنه لا يجمع بين تغليظين: أن من أوجب التغليظ.. أوجبه في الضمان

إذا اجتمع سببان يقتضيان التغليظ لم يجمع بينهما، كما لو قتل المحرم صيداً في الحرم.. فإنه لا يجب عليه إلا جزاء واحد.
وأما ما روي عن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أنهم قضوا بالدية وثلث الدية في ذلك، وجمعوا بين تغليظين.. فمحمول على أنهم قضوا بدية مغلظة بالأسنان، إلا أنها قومت، فبلغت قيمتها دية وثلثاً من دية مخففة، أو كانت الإبل قد أعوزت، فأوجبوا قيمة الإبل، فبلغت قيمتها ذلك.

فرع قتل الصغير والمجنون عمداً

ً]: وإن قتل الصبي أو المجنون عمداً، فإن قلنا: إن عمدهما عمد.. وجب بقتلهما دية مغلظة، وإن قلنا: عمدهما خطأ.. وجب بقتلهما دية مخففة.
وإن كانت الجناية على ما دون النفس.. كان الحكم في التغليظ بديتها حكم دية النفس، قياساً على دية النفس.

مسألة يؤخذ من العاقلة من إبلهم

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا أكلف أحداً من العاقلة غير إبله، ولا نقبل منه دونها).
وجملة ذلك: أنه قد مضى الكلام في قدر الدية وجنسها وأسنانها.
وأما نوعها: فإن كان للعاقلة إبل.. وجب عليهم من النوع الذي معهم من الإبل؛ لأن العاقلة تحمل الدية على طريق المواساة، فكان الواجب من النوع الذي يملكونه، كما قلنا في الزكاة.
فإن طلب الولي أغلى مما مع العاقلة من النوع، وامتنعت العاقلة، أو طلبت العاقلة أن يدفعوا من نوع دون النوع الذي معها، وامتنع الولي.. لم يجبر الممتنع منهما، كما قلنا في الزكاة.
فإن كان عند بعض العاقلة من البخاتي، وعند البعض من العراب.. أخذ من كل

واحد من النوع الذي عنده، كما قلنا في الزكاة: أنه يجب على كل إنسان مما عنده من النوع.
وإن كان في ملك واحد منهم نوعان من الإبل.. ففيه وجهان: أحدهما: يؤخذ منه من النوع الأكثر، فإن استويا.. دفع من أيهما شاء.
والثاني: يؤخذ من كل نوع بقسطه، بناء على القولين في الزكاة إذا كان عنده نوعان من جنس من الماشية.
وإن كانت إبلهم أو إبل بعضهم مراضاً بجرب أو غيره، أو مهزولة هزالاً فاحشاً.. لم يجبر الولي على قبولها، بل يكلف أن يسلم إبلا صحاحاً من النوع الذي عنده؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في النفس مائة من الإبل».
وإطلاق هذا يقتضي الصحيح.
فإن قيل: هلا قلتم: يجبر الولي على قبول ما عند من عليه الدية وإن كانت مراضاً، كما قلنا في الزكاة؟ قلنا: الفرق بينهما: أن الواجب في الزكاة هو واجب في عين المال الذي عنده أو في ذمته والمال مرتهن به؛ فلذلك وجب مما عنده، وليس كذلك هاهنا، فإن الواجب على كل واحد منهم هو من النقد في الذمة والمال غير مرتهن به، وإنما الإبل عوض منه، فلم نقبل منه إلا السليم.
فإن لم يكن للعاقلة إبل، فإن كان في البلد نتاج غالب.. وجب عليهم التسليم من ذلك النتاج، وإن لم يكن في البلد إبل.. وجب من غالب نتاج أقرب البلاد إليهم، كما قلنا في زكاة الفطر.

فرع دفع العوض بدل الإبل مع وجودها

فإن أرادت العاقلة أن تدفع عوضاً عن الإبل مع وجودها.. لم يجبر الولي على قبولها.
وكذلك: إن طالب من له الدية عوض الإبل.. لم تجبر العاقلة على دفعه؛ لأن ما ضمن لحق الآدمي ببدل.. لم يجبر على غيره، كذوات الأمثال.

فإن تراضيا على ذلك.. قال أصحابنا: جاز ذلك؛ لأنه حق مستقر، فجاز أخذ البدل عنه، كبدل المتلفات.
والذي يقتضي المذهب: أن هذا إنما يجوز على القول الذي يقول: يجوز الصلح على إبل الدية وبيعها في الذمة.

فرع وجوب الدية على الجاني يثبت أخذ ما عنده

وإن كانت الدية تجب على الجاني، بأن كانت الجناية عمداً، أو خطأ ثبت بإقراره.. فإن الواجب عليه من النوع الذي عنده، قياساً على العاقلة.
والحكم فيه إذا كان عنده نوعان أو كانت إبله مراضاً في أخذ العوض عنها.. حكم الإبل إذا كانت واجبة على العاقلة، على ما مضى.

مسألة فقدان الإبل في مكان وجوب الدية

وإن أعوزت الإبل، فلم توجد في تلك الناحية، أو وجدت بأكثر من قيمتها.. ففيه قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (يعدل إلى بدل مقدر، فتجب على أهل الذهب ألف مثقال، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم).
وبه قال مالك رحمة الله عليه؛ لما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في الدية بألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم».
وروى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أن رجلا قتل رجلا، فجعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ديته اثني عشر ألف درهم».

وروي: (أن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قتلت جاناً في بيتها - وهي: الحية الصغيرة - فقيل لها في منامها: قتلت رجلاً مسلماً جاء يستمع القرآن؟ فقالت: لو كان مسلماً.. ما دخل على أزواج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقيل لها: دخل عليك وأنت في ثيابك، فأخبرت بذلك أباها، فقال لها: تصدقي دية مسلم، اثني عشر ألف درهم).
وروي: عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (لأن أقعد بعد العصر فأذكر الله إلى أن تغيب الشمس أحب إلي من أن أعتق رقبة من ولد إسماعيل ديتها اثنا عشر ألف درهم).
فعلى هذا: تكون الدية ثلاثة أصول عند إعواز الإبل.
و [الثاني]: قال في الجديد: (تجب قيمة الإبل من نقد البلد، بالغة ما بلغت)؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه قال: «كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمانمائة دينار - وروي: ثمانية آلاف درهم - فكانت كذلك إلى أن استخلف عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، فغلت الإبل، فصعد المنبر خطيباً، وقال ألا إن الإبل قد غلت، ففرض الدية: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم» فموضع الدليل من الخبر: أنه قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كذا وكذا، فدل على: أن الواجب هو الإبل.
ولأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه قال: (ألا إن الإبل قد غلت)، وفرض عليهم ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، فتعلق بغلاء الإبل، فدل على: أن ذلك من طريق القيمة؛ لأن ما وجبت قيمته اختلف بالزيادة والنقصان، ولم يخالفه أحد من الصحابة.
وما روي من الأخبار للأول.. فنحمله على أن ذلك من طريق القيمة.
فعلى هذا: لا يكون للدية إلا أصل واحد، وهي الإبل، فإن كانت الدية مغلظة وأعوزت الإبل، فإن قلنا بقوله الجديد.. قومت مغلظة ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وإن قلنا بقوله القديم.. ففيه وجهان، حكاهما في " العدة ". أحدهما: تغلظ بثلث الدية، ولم يذكر في " المهذب " غيره؛ لما ذكرناه عن عمر، وعثمان، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
والثاني: يسقط التغليظ؛ لأن التغليظ عندنا إنما هو بالصفة في الأصل لا بالزيادة في العدد، وذلك إنما يمكن في الإبل دون النقد، ألا ترى أن العبد لما لم يجب فيه إلا القيمة لم يجب فيه التغليظ؟ وما روي عن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.. فقد ذكرنا: أنما ذلك هو قيمة ما أوجبوه.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (الواجب في الدية ثلاثة أصول: مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم.
فيجوز له أن يدفع أيها شاء مع وجود الإبل ومع إعوازها).

وقال الثوري، والحسن البصري، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: (للدية ستة أصول: مائة من الإبل، أو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، أو مئتا بقرة، أو ألفا شاة، أو مئتا حلة).
إلا أن أبا يوسف، ومحمداً يقولان: هو مخير بين الستة، أيها شاء.. دفع مع وجود الإبل ومع عدمها.
وعند الباقين: لا يجوز العدول عن الإبل مع وجودها.
دليلنا: ما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض، والسنن، وأن في النفس مائة من الإبل».
وروي: أنه قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألا في قتيل العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل».
وهذا يدل على: أنه لا يجوز العدول عنها إلى غيرها.

مسألة دية الذمي

ودية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، وبه قال عمر، وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، وابن المسيب، وعطاء، وإسحاق.
وقال عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ومالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ديته نصف دية المسلم).
وقال الثوري:، وأبو حنيفة وأصحابه: (ديته مثل دية المسلم).
وقد روي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن قتله خطأ.. فديته مثل نصف دية المسلم، وإن قتله عمداً.. فديته مثل دية المسلم).
دليلنا: ما روى عبادة بن الصامت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم».

فرع دية المجوسي

ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (ديته مثل دية المسلم).
وقال عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ديته مثل دية اليهودي والنصراني، وهو نصف دية المسلم عنده.
دليلنا: ما روي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم: أنهم قالوا: (دية المجوسي ثمانمائة درهم، ثلثا عشر دية المسلم).
ولا مخالف لهم في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - فدل على: أنه إجماع.
وأما عبدة الأوثان إذا كان بيننا وبينهم هدنة، أو دخلوا إلينا بأمان فلا يجوز قتلهم، فمن قتل منهم.. وجبت فيه دية المجوسي؛ لأنه كافر لا يحل للمسلم مناكحة أهل دينه، فكانت ديته ثلثي عشر دية المسلم، كالمجوسي.
وأما الكافر الذي لم تبلغه الدعوة، وهو: أنه لا يعلم أن الله بعث رسولاً يقال له: محمد بن عبد الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأنه أظهر المعجزات، ويدعو إلى عبادة الله، فإن وجد ذلك.. فلا يجوز قتله حتى يعرف أن هاهنا رسولاً يدعو إلى الله، فإن أسلم، وإلا..

قتل، فإن قتله قاتل قبل أن تبلغه الدعوة.. وجبت فيه الدية.
وقال أبو حنيفة: (لا دية فيه).
دليلنا: أنه قتل محقون الدم، فوجبت فيه الدية، كالذمي.
إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في قدر ديته: فمنهم من قال: تجب فيه دية مسلم؛ لأنه مولود على الفطرة.
ومنهم من قال: إن كان متمسكاً بدين مبدل.. وجبت فيه دية أهل ذلك الدين، مثل: أن يكون متمسكاً بدين من بدل من اليهود والنصارى.
وإن كان متمسكاً بدين من لم يبدل منهم.. وجبت فيه دية مسلم؛ لأنه مسلم لم تظهر منه عبادة.
ومنهم من قال: تجب فيه دية المجوسي؛ لأنه يقين، وما زاد.. مشكوك فيه، وهذا هو الأصح؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (هو كافر لا يحل قتله، وإذا كان كافراً.. وجبت فيه أقل دياتهم؛ لأنه اليقين).
وإن قطع يد ذمي، ثم أسلم، ومات من الجراحة.. وجبت فيه دية مسلم؛ لأن الاعتبار بالدية حال الاستقرار.
وإن قطع مسلم يد مرتد، ثم أسلم، ثم مات من الجراحة.. لم يضمن القاطع دية النفس، ولا دية اليد.
وقال الربيع: فيه قولا آخر: أنه يضمن دية اليد.
والمذهب الأول؛ لأنه قطعه في حال لا يجب ضمانه، وما حكاه الربيع من تخريجه.

مسألة دية المرأة

ودية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول كافة العلماء، إلا الأصم، وابن علية، فإنهما قالا: ديتها مثل دية الرجل.

دليلنا: ما روى عمرو بن حزم: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ودية المرأة نصف دية الرجل».
وروي: عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم: أنهم قالوا: (دية المرأة نصف دية الرجل).
ولا مخالف لهم في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، فدل على: أنه إجماع.
وإن قتل خنثى مشكلاً.. وجبت فيه دية امرأة؛ لأنه يقين، وما زاد.. مشكوك فهي، فلا تجب بالشك.

مسألة في الجنين غرة عبد

واذا ضرب ضارب بطن امرأة، فألقت جنيناً ميتاً حراً.. ففيه غرة عبد أو أمة.
قيل: بإضافة الغرة إلى العبد، وقيل: بتنوين الغرة والصفة.

والأصل فيه: ما روى المغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن امرأتين من هذيل اقتتلتا، فضربت إحداهما الأخرى بعمود، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال أحد الرجلين: كيف ندي من لا أكل ولا شرب ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك يطل؟ - وقد قيل: (يطل) أي: يهدر - فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " سجع كسجع الأعراب "، وقضى بدية المقتولة على عصبة القاتلة، وقضى بغرة عبد أو أمة لما في جوفها».
وروي: أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه قال: «أذكر الله امرأ سمع من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الجنين شيئاً، فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جارتين لي - يعني: زوجتين - فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وما في جوفها، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الجنين بغرة عبد أو أمة».
قال أبو عبيد: و (المسطح): عود من عيدان الخباء.
وقال النضر بن شميل: هو الخشبة التي يرقق بها الخبز.
إذا ثبت هذا: فلا فرق بين أن يكون الجنين ذكراً أو أنثى؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة، ولم يفرق بين أن يكون الجنين ذكراً أو أنثى، ولأنا لو قلنا: تختلف ديتهما.. لأدى ذلك إلى الاختلاف والتنازع؛ لأنه قد يخفى ويتعذر، وقد يخرج متقطعاً، فسوى بين الذكر والأنثى قطعاً للخصومة والتنازع.

فرع من تجب فيه الغرة

والجنين الذي تجب فيه الغرة هو: أن يسقط جنيناً بان فيه شيء من صورة الآدمي، إما يد أو رجل أو عين.
وكذلك: إذا أسقطت مضغة لم يتبين فيها عضو من أعضاء الآدمي، ولكن قال

أربع نسوة من القوابل الثقات: فيها تخطيط الآدمي، إلا أنه خفي.. فتجب فيه المغرة؛ لأنهن يدركن من ذلك ما لا يدرك غيرهم.
وإن قلن: لم يتخطط إلى الآن، ولكنه مبتدأ خلق آدمي، ولو بقي.. لتخطط، فهل تجب به الغرة والكفارة، وتنقضي به العدة؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: في الجميع قولان.
ومنهم من قال: تنقضي به العدة، ولا تجب به الغرة ولا الكفارة، قولاً واحداً، وقد مضى ذلك.
وإن قلنا: هذه مضغة تصلح للآدمي ولغيره، ولا ندري لو بقيت.. هل تتخطط، أم لا؟ فلا تجب به الغرة والكفارة، ولا تنقضي به العدة؛ لأن الأصل براءة الذمة من الضمان وثبوت العدة.
وإن ألقت المرأة جنينين.. وجبت عليه غرتان، وإن ألقت ثلاثة.. وجب عليه ثلاث غرر، وإن ألقت رأسين أو أربع أيد.. لم تجب فيه إلا غرة؛ لأنه قد يكون جسدا واحداً له رأسان أو أربع أيد، فلا يجب ضمان ما زاد على جنين بالشك.

فرع ضرب منتفخة بطن

وأما إذا ضرب بطن امرأة منتفخة البطن، فزال الانتفاخ، أو بطن امرأة تجد حركة، فسكنت الحركة.. لم يجب عليه شيء.
وإن ضرب بطن امرأة، فماتت، ولم يخرج الجنين.. لم يجب عليه ضمان الجنين.
وقال الزهري: إذا سكنت الحركة التي تجد في بطنها.. وجب عليه ضمان الجنين.
دليلنا: أنا إنما نحكم بوجود الحمل في الظاهر، وإنما نتحققه بالخروج، فإذا لم يخرج.. لم نتحقق أن هناك حملاً، بل يجوز أن يكون ريحاً فينفش، فلا يلزمه الضمان بالشك.

[فرع ضرب حاملاً فماتت ثم خرج حملها]

وإن ضرب بطن امرأة، فماتت، ثم خرج الجنين منها بعد موتها.. ضمن الأم بديتها، وضمن الجنين بالغرة.
وقال أبو حنيفة: (لا يضمن الجنين).
ودليلنا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة».
ولم يفرق بين أن يخرج قبل موت أمه أو بعده.
ولأن كل حمل كان مضموناً إذا خرج قبل موت الأم.. كان مضموناً إذا خرج بعد موتها، كما لو ولدته حياً.
وإن ضرب بطنها، فأخرج الجنين رأسه، وماتت، ولم يخرج الباقي.. وجب عليه ضمان الجنين.
وقال مالك: (لا يجب عليه شيء).
دليلنا: أن بظهور الرأس تحققنا أن هناك جنيناً، والظاهر أنه مات من ضربه، فوجب عليه ضمانه.

فرع ضرب امرأة فخرج جنين وصرخ ومات

وإن ضرب بطن امرأة، فألقت جنيناً ميتاً، فصرخ، ثم مات عقيبه، أو بقي متألما إلى أن مات.. وجبت فيه دية كاملة، سواء ولدته لستة أشهر أو لما دونها.
فإن لم يصرخ ولكن تنفس أو شرب اللبن، أو علمت حياته بشيء من ذلك، ثم مات عقيبه، أو بقي متألما إلى أن مات.. وجبت فيه دية كاملة.
وقال المزني: إن ولدته حياً لدون ستة أشهر.. لم تجب فيه دية كاملة، وإنما تجب فيه الغرة؛ لأنه لا يتم له حياة لما دون ستة أشهر.
وقال مالك، والزهري رحمهما الله: (إذا لم يستهل بالصراخ.. لم تجب فيه الدية الكاملة، وإنما تجب فيه الغرة).

دليلنا: أنا قد تحققنا حياته، فوجب فيه دية كاملة، كما لو ولدته لستة أشهر عند المزني، وكما لو استهل صارخاً عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -. ولو ضرب بطنها، فألقت جنيناً وفيه حياة مستقرة، ثم جاء آخر وقتله.. فالقاتل هو الثاني، فيجب عليه القود إن كان مكافئاً، أو الدية الكاملة.
وأما الأول: فلا يجب عليه إلا التعزير بالضرب لا غير؛ لأنه لم يمت من ضربه.
وإن ضرب بطنها، فألقت جنيناً، فلم يستهل ولا تنفس ولا تحرك حركة تدل على حياته، ولكنه اختلج.. لم تجب فيه الدية الكاملة، وإنما تجب فيه الغرة؛ لأن هذا الاختلاج لا يدل على حياته؛ لأن اللحم إذا عصر، ثم ترك.. اختلج، ويجوز أن يكون اختلاجه لخروجه من موضع ضيق.

[فرع ضرب حاملاً فألقت يداً ثم جنينا ناقصاً]

وإن ضرب بطن امرأة، فألقت يداً، ثم أسقطت بعد ذلك جنيناً ناقص يد.. نظرت: فإن بقيت المرأة متألمة إلى أن أسقطت الجنين، فإن ألقته ميتاً.. وجبت فيه الغرة، ويدخل فيها اليد؛ لأن الظاهر أن الضرب قطع يده، وإن ألقته حياً، ثم مات عقيب الوضع، أو بقي متألماً إلى أن مات.. ففيه دية كاملة، وتدخل فيها دية اليد.
وإن خرج الجنين حياً وعاش.. لم يجب عليه في الجنين شيء، ووجب عليه ضمان اليد، فتعرض اليد على القوابل، فإن قلن: إنها فارقت جملة لم تنفخ فيها الروح.. وجب فيها نص الغرة، وإن قلن: إنها فارقت جملة نفخ فيها الروح.. وجب فيها نصف دية كاملة.
وأما إذا سقطت اليد، ثم زال ألم الضرب، ثم ألقت الجنين.. ضمن اليد دون الجنين؛ لأنه بمنزلة من قطع يد رجل، ثم اندملت، فإن خرج الجنين ميتاً.. وجب في اليد نصف الغرة.

وإن خرج حياً، ثم مات أو عاش.. عرضت اليد على القوابل، فإن قلن: إنها فارقت جملة لم تنفخ فيها الروح.. وجب فيه نصف الغرة، وإن قلن: إنها فارقت جملة نفخ فيها الروح.. كان فيها نصف الدية.
وإن ضرب بطن امرأة، فألقت يداً، ثم ماتت الأم ولم يخرج الباقي.. وجبت دية الأم، ووجبت في الجنين الغرة؛ لأن الظاهر أنه جنى على الجنين، فأبان يده، ومات من ذلك.

مسألة سن الغرة فوق سبع أو ثمان

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولمن وجبت له الغرة أن لا يقبلها دون سبع سنين أو ثمان سنين؛ لأنها لا تستغني بنفسها).
وجملة ذلك: أن أقل سن الغرة التي يلزم ورثة الجنين قبولها سبع سنين، ولا يلزمه أن يقبل ما لها دون سبع سنين؛ لأن الغرة هي الخيار من كل شيء، وما له دون سبع سنين.. فليس من الخيار؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله، ويخالف العتق في الكفارة؛ لأن الله تعالى نص فيها على الرقبة، والصغيرة يقع عليها اسم الرقبة.
وأما أعلى سن الغرة: فاختلف أصحابنا فيها: فقال أبو علي بن أبي هريرة: ولا يجبر على قبول الغلام بعد خمسة عشر سنة؛ لأنه لا يلج على النساء ولا على الجارية بعد عشرين سنة؛ لأنها تتغير وتنقص قيمتها.
ومنهم من قال: لا يجبر على قبولها بعد عشرين سنة، غلاماً كانت أو جارية؛ لأنها ليست من الخيار.
وقال الشيخ أبو حامد: يجبر على قبول ما له خمسون سنة وأكثر ما لم يضعف عن العمل؛ لأنه قد يكون من الخيار وإن بلغ ذلك.
قال القاضي أبو الطيب: وقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وليس لهم أن يؤدوا غرة هرمة ولا ضعيفة عن هذا العمل؛ لأن أكثر ما يراد له الرقيق للعمل).
وهذا يدل على وجوب قبولها قبل ذلك.

فرع لا يجبر على قبول الغرة المعيبة

ومن وجبت له الغرة لم يجبر على قبولها إذا كانت معيبة؛ لأن الغرة هي الخيار، والمعيبة ليست من الخيار.
فلا يلزمه أن يقبل الخصي وإن زادت قيمته بذلك؛ لأنه ناقص عضو، فهو كما لو كان مقطوع اليد.

مسألة قيمة الغرة عشر دية المسلم

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وقيمتها إذا كان الجنين حراً نصف عشر دية المسلم).
وجملة ذلك: أن الغرة مقدرة بنصف عشر دية الأب، أو بعشر دية الأم؛ لأنه روي ذلك عن عمر، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، ولأنه لا يمكن أن توجب فيه دية كاملة؛ لأنه لم تكمل فيه الحياة، ولا يمكن إسقاط ضمانه؛ لأنه خلق بشر، فقدرت ديته بخمس من الإبل؛ لأنه أقل أرش قدره صاحب الشرع، وهو: أرش الموضحة، ودية السن.
فإن كانت الغرة موجودة.. لم يجبر الولي على قبول غيرها؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوجب في الجنين الغرة كما أوجب في النفس الإبل».
ثم لا يجبر الولي على قبول غير الإبل مع وجودها، فكذلك لا يجبر على قبول غير الغرة مع وجودها.
وإن أعوزت الغرة.. فإنه ينتقل إلى غيرها.
واختلف أصحابنا فيما ينتقل إليه:

فقال الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ: ينتقل إلى خمس من الإبل؛ لأنها هي الأصل في الدية، فإن أعوزت الإبل.. انتقل إلى قيمتها في القول الجديد، وإلى خمسين ديناراً أو ستمائة درهم في القول القديم.
وقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: إذا أعوزت الغرة.. انتقل إلى قيمتها في قوله الجديد، كما لو غصب منه عبداً فتلف، وينتقل إلى خمس من الإبل في قوله القديم، فإن أعوزت الإبل.. انتقل إلى قيمتها في أحد القولين، وإلى خمسين ديناراً أو ستمائة درهم في الآخر.

فرع غرم الدية للجنين كدية الخطأ

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويغرمها من يغرم دية الخطأ).
وجملة ذلك: أن الجناية على الجنين قد تكون خطأ محضاً، بأن يقصد غير الأم فيصيبها، فتكون الدية مخففة، وقد تكون عمد خطأ، بأن يقصد إصابة الأم بما لا يقتل، فتكون الدية مغلظة على العاقلة.
وهل تكون عمداً محضاً؟ اختلف أصحابنا فيها: فقال الشيخ أبو إسحاق: يكون عمدا محضاً.
وقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: لا تتصور الجناية على الجنين أن تكون عمداً محضاً وإن قصد الأم؛ لأنه قد يموت منه الجنين وقد لا يموت منه، ولأنه لا يتحقق وجود الجنين.

فرع غرة ولد المسلمين

فإن كان الأبوان مسلمين.. وجبت الغرة مقدرة بنصف عشر دية الأب، أو عشر دية الأم.
وإن كانا ذميين.. وجبت الغرة مقدرة بنصف عشر دية الأب، أو عشر دية الأم.
وكذلك: إذا كان الأبوان مجوسيين.. فإنما تعتبر من ديتهما.

وإن كان أحد الأبوين نصرانياً والآخر مجوسياً.. اعتبر دية الجنين بعشر دية النصراني؛ لأنه إذا اتفق في بدل النفس ما يوجب الإسقاط وما يوجب الإيجاب.. غلب الإيجاب، كما قلنا في السبع المتولد بين الضبع والذئب إذا قتله المحرم.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: الجنين اليهودي أو النصراني أو المجوسي؛ لا تجب فيه الغرة، وإنما يجب فيه نصف عشر دية الأب.
وإذا كانا مختلفي الدين.. فقد خرج فيه قول آخر: أن الاعتبار بالأب.
وقال ابن سلمة: يعتبر بأقلهما دية.
والأول أصح.

[فرع ضرب نصرانية حاملاً ثم أسلمت فأسقطت]

وإن ضرب بطن امرأة نصرانية حامل بنصراني، فأسلمت، ثم أسقطت جنيناً ميتاً.. ففيه غرة مقدرة بنصف عشر دية مسلم؛ لأن الاعتبار بالدية حال الاستقرار، وهي مسلمة حال الاستقرار.
وإن ضرب بطن امرأة حربية، فأسلمت، ثم أسقطت جنيناً ميتاً.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يضمنه، وهو قول ابن الحداد؛ لأن الابتداء لم يكن مضموناً.
والثاني: يضمنه اعتباراً بحال الاستقرار.

فرع وطئها مسلم وذمي بشبهة ثم ضربت فألقت جنيناً

إذا وطئ مسلم وذمي ذمية بشبهة في طهر واحد، ثم ضرب رجل بطنها، وألقت جنيناً ميتاً.. عرض على القافة، على الصحيح من المذهب.
فإن ألحقته بالمسلم.. وجب فيه غرة عبد أو أمة مقدرة بنصف عشر دية المسلم.

وإن ألحقته بالذمي.. وجبت فيه غرة مقدرة بنصف عشر دية اليهودي.
وإن أشكل الأمر عليها.. وجب فيه ما يجب في الجنين اليهودي؛ لأنه يقين، فإن كان يرجو انكشاف الأمر.. لم يورث هذا المال أحداً، ووقف إلى أن يتبين الأمر، وإن لم يرج انكشاف الأمر.. ترك حتى يصطلحوا عليه.
فإن أراد الذمي والذمية أن يصطلحا في قدر الثلث.. لم يجز؛ لجواز أن يكون الجميع للمسلم، لا حق لهما فيه.
وإن أراد المسلم والذمية أن يصطلحا في قدر الثلث.. جاز؛ لأنه لا حق للذمي فيه، ولا يخرج هذا القدر من بينهما.

فرع الغرة يرثها ورثة الجنين

الغرة الواجبة في الجنين الحر يرثها ورثته، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الليث بن سعد: (لا يورث عنه، وإنما يكون لأمه؛ لأنه كعضو منها).
ودليلنا: أنها دية نفس، فورثت عنه، كما لو خرج حياً.
وإن ضرب بطن نصرانية، فألقت جنينا ميتاً، فادعت: أن هذا الجنين من مسلم زنى بها.. لم يجب فيه أكثر من دية جنين نصرانية؛ لأن ولد الزنى لا يلحق بالزاني.
قال الطبري: وإن قالت: وطئني مسلم بشبهة، فكذبها الجاني والعاقلة.. حلفوا على نفي العلم؛ لأن الظاهر أنه تابع لها، وإن صدقوها.. وجبت غرة مقدرة بنصف عشر دية مسلم، وإن صدقها العاقلة دون الجاني.. لم يؤثر تكذيب الجاني، وإن صدقها الجاني وكذبها العاقلة.. حملت العاقلة دية جنين النصرانية، ووجب الباقي في مال الجاني؛ لأنه وجب باعترافه.
وبالله التوفيق

باب أروش الجنايات

الجنايات على ما دون النفس شيئان: جراحات، وأعضاء.
فأما الجراحات: فضربان: شجاج في الرأس والوجه، وجراحات فيما سواهما من البدن.
فأما الشجاج في الرأس والوجه: فعشرة: الخارصة، والدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، والموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والدامغة، وقد مضى بيانها.
والتي يجب فيها أرش مقدر من هذه الشجاج: الموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة.
وأما الموضحة: فيجب فيها خمس من الإبل، صغيرة كانت أو كبيرة، وبه قال أكثر الفقهاء.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن كانت في الأنف أو اللحى الأسفل.. وجبت فيها حكومة).
وقال ابن المسيب رحمة الله عليه: يجب في الموضحة عشر من الإبل.
دليلنا: ما روى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «في الموضحة خمس من الإبل».
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي المواضح خمس من الإبل».

وروى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في الكتاب الذي كتبه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أهل اليمن: «وفي الموضحة خمس من الإبل».
ولأنه قول أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ولا مخالف لهم في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، ولا فرق بين الظاهرة والمستورة بالشعر، لعموم الخبر.

مسألة في تعدد الموضحة

فإن أوضحه موضحة أو موضحتين أو ثلاثاً أو أربعاً.. وجبت لكل موضحة خمس من الإبل؛ لعموم الخبر، فإن كثرت المواضح حتى زاد أرشها على دية النفس.. ففيه وجهان لأصحابنا الخراسانيين: أحدهما: لا يجب أكثر من دية النفس؛ لأن ذلك ليس بأكثر حرمة من نفسه.
والثاني: يجب لكل موضحة خمس من الإبل، وهو المشهور؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الموضحة خمس من الإبل».
ولم يفرق.
ولأنه يجب في كل واحدة أرش مقدر، فوجب وإن زاد ذلك على دية النفس، كما لو قطع يديه ورجليه.

فرع أوضحا موضحتين بينهما حاجز

وإن أوضحه موضحتين بينهما حائل - حاجز - ثم خرق الجاني الحاجز بينهما.. لم يجب عليه أكثر من أرش موضحة؛ لأن فعل الإنسان يبنى بعضه على بعض، كما لو قطع يديه ورجليه، ثم مات.
وكذلك: إن تآكل ما بينهما بالجناية.. صار كما لو خرق ما بينهما؛ لأن سراية فعله كفعله، فصار كما لو قطع يديه ورجليه، وسرى ذلك إلى نفسه.
وإن خرق أجنبي ما بينهما.. وجب عليه أرش موضحة إن بلغ إلى العظم، ووجب

على الأول أرش موضحتين؛ لأن فعل الإنسان لا يبنى على فعل غيره.
وإن خرق المجني عليه ما بينهما.. صار ما فعله هدراً، ولم يسقط بذلك عن الجاني شيء.

فرع أوضحا في رأس موضحتين وخرق أحدهما ما بينهما

]: وإن أوضح رجلان في رأس رجل موضحتين واشتركا فيهما، ثم جاء أحدهما وخرق ما بينهما.. وجب على الخارق نصف أرش موضحة، وعلى الذي لم يخرق أرش موضحة؛ لأنهما لما أوضحاه أولاً.. وجب على كل واحد منهما أرش موضحته، فإذا خرق أحدهما الحاجز بينهما.. صار في حقه كأنهما أوضحاه موضحة واحدة، فكان عليه نصف أرشها، ولم يسقط بذلك مما وجب على الآخر شيء.

[فرع شج رجلاً موضحة وباضعة ومتلاحمة]

وإن شج رجل آخر شجة، بعضها موضحة، وبعضها باضعة، وبعضها متلاحمة.. لم يجب عليه أكثر من أرش موضحة؛ لأنه لو أوضحها جميعها.. لم يجب عليه أكثر من أرش موضحة، فلأن لا يلزمه - والإيضاح في بعضها - أولى.
وإن أوضحه موضحتين، وخرق اللحم الذي بينهما، ولم يخرق الجلد الظاهر.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه أرش موضحتين؛ اعتباراً بالظاهر.
والثاني: لا يلزمه إلا أرش موضحة؛ اعتباراً بالباطن.
وإن أوضحه موضحتين، وخرق الجلد الذي بينهما، ولم يخرق اللحم.. لم يلزمه إلا أرش موضحة، وجهاً واحداً؛ لأنه لو خرق الظاهر والباطن بينهما.. لم يلزمه إلا أرش موضحة، فلأن لا يلزمه إلا أرش موضحة - ولم يخرق إلا الظاهر - أولى.

فرع أوضحه في الرأس ونزل إلى القفا

وإن أوضح موضحة في الرأس، ونزل فيها إلى القفا - وهو: العنق - وجب عليه

أرش موضحة في الرأس، وحكومة فيما نزل إلى القفا؛ لأنهما عضوان مختلفان.
وإن أوضحه موضحة بعضها في الرأس وبعضها في الوجه.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه أرش موضحتين؛ لأنهما عضوان مختلفان، فهما كالرأس والقفا.
والثاني: لا يلزمه إلا أرش موضحة؛ لأن الجميع محل للموضحة، بخلاف القفا.
والأول أصح؛ لأنهما مختلفان في الظاهر.

فرع اختلاف رقعتي الرأس وقت الاقتصاص

وإن أوضح جميع رأسه، ورأس المجني عليه عشرون إصبعاً، ورأس الجاني خمس عشرة إصبعاً، فاقتص منه في جميع رأسه.. فإنه يجب للمجني عليه فيما بقي الأرش؛ لأنه لم يستوف قدر موضحته، وكم يجب له؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب له أرش موضحة؛ لأنه لو أوضحه قدر ذلك.. لوجب فيه أرش موضحة.
والثاني - وهو الأصح -: أنه لا يجب له إلا ربع أرش موضحة؛ لأنه أوضحه موضحة وقد استوفى ثلاثة أرباعها، فبقي له ربع أرشها.

فرع ما يجب في الموضحة المغلظة

وإذا وجب له أرش موضحة مغلظة.. فإنه يجب له خلفتان وثلاثة أبعرة من النوعين الآخرين.
قال القاضي أبو الطيب: فيكون له بعير ونصف من الحقاق، وبعير ونصف من الجذاع.
قال ابن الصباغ: وهذا يقتضي أن يأخذ قيمة الكسرين، إلا أن يرضى أن يأخذهما من السن الأول، وهو: أن يأخذ حقتين وجذعة.

مسألة ما يجب في الهاشمة

]: ويجب في الهاشمة عشر من الإبل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يجب فيها خمس من الإبل، وحكومة في كسر العظم).
دليلنا: ما روي عن زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (وفي الهاشمة عشر من الإبل).
ولا مخالف له في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، فدل على: أنه إجماع.
وإن ضرب رأسه أو وجهه بمثقل، فهشم العظم من غير أن يقطع جلداً ولا لحماً.
ففيه وجهان.
[أحدهما]: قال أبو علي بن أبي هريرة: يجب فيها حكومة؛ لأنها ليست بموضحة ولا هاشمة، وإنما هو كسر عظم، فهو كما لو كسر يده.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: يجب عليه خمس من الإبل، وهو الأصح؛ لأنه لو أوضحه وهشمه.. لوجب عليه عشر من الإبل، ولو أوضحه ولم يهشمه.. لم يجب عليه إلا خمس من الإبل، فدل على: أن الخمسة الزائدة لأجل الإيضاح.

فرع شجه موضحة وهاشمة ودون موضحة

وإن شجه شجة، بعضها موضحة، وبعضها هاشمة، وبعضها دون موضحة.. لم يجب عليه إلا عشر من الإبل؛ لأنه لو هشم الجميع.. لم يجب عليه إلا عشر من الإبل، فلأن لا يلزمه - والهشم في البعض - أولى.
وإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز.. لزمه أرش هاشمتين.
وإن أوضحه موضحتين، وهشم العظم بكل واحدة منهما، واتصل الهشم في الباطن.. وجب عليه أرش هاشمتين، وجهاً واحداً.

والفرق بينهما وبين الموضحتين إذا اتصلتا في الباطن: أن الحائل قد ارتفع بين الموضحتين في الباطن، وهاهنا اللحم والجلد بينهما باق، فكانتا هاشمتين، وإنما الكسر اتصل، ولا اعتبار به.

مسألة ما يجب في المنقلة

ويجب في المنقلة خمس عشرة من الإبل؛ لما روى عمر بن الخطاب، وعمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل».
ولأنه قول علي، وزيد بن ثابت، ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -.

مسألة ما يجب في المأمومة

]: ويجب في المأمومة ثلث الدية؛ لما روى عمر بن الخطاب، وعمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الآمة ثلث الدية».
وهو قول علي، وزيد بن ثابت، ولا مخالف لهما في الصحابة.
ويجب في الدامغة ثلث الدية.
وقال أبو الحسن الماوردي البصري من أصحابنا: يجب فيه حكومة مع ثلث الدية؛ لخرق الغشاوة التي على الدماغ.

فرع أوضحه رجل وهشمه آخر ونقله ثالث وآمه رابع

وقال أبو العباس: وإن أوضحه رجل، وهشمه آخر، ونقله آخر، وآمه آخر في موضع واحد.. وجب على الذي أوضحه خمس من الإبل، وعلى الذي هشمه خمس من الإبل، وعلى الذي نقله خمس من الإبل، وعلى الذي آمه ثماني عشرة من الإبل وثلث؛ لأن ذلك قدر أرش جناية كل واحد منهم.

فرع شجه دون الموضحة أو أكثر منها

وأما الشجاج التي قبل الموضحة: فلا يجب فيها أرش مقدر؛ لما روى مكحول - مرسلا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل في الموضحة خمساً من الإبل، ولم يوقت فيما دون ذلك شيئاً».
ولأن تقدير الأرش يثبت بالتوقيف، ولا توقيف هاهنا.
فإن أمكن معرفة قدرها من الموضحة؛ بأن كان في رأس المجني عليه موضحة، ثم شج في رأسه دامية أو باضعة، فإن عرف قدر عمقها من عمق الموضحة التي في رأسه.. وجب فيها بقدر ذلك من أرش الموضحة، وإن لم يمكن معرفة قدر عمقها من عمق الموضحة.. وجب فيها حكومة تعرف بالتقويم، على ما يأتي بيانه.
فإن تيقنا أنها نصف الموضحة، وشككنا: هل تزيد، أم لا؟ فإنه يقوم، فإن خرجت حكومتها بالتقويم نصف أرش الموضحة لا غير.. لم تجب الزيادة؛ لأنا علمنا أن الزيادة لا حكم لها.
وإن خرجت حكومتها أكثر من نصف أرش الموضحة.. وجب ذلك؛ لأنا علمنا أن الشك له حكم.
وإن خرجت حكومتها أقل من نصف أرش الموضحة.. وجب نصف أرش الموضحة؛ لأنا قد تيقنا وجوب النصف، وعلمنا أن التقويم خطأ.

مسألة جراحات غير الرأس والوجه

وأما الجراحات في غير الرأس والوجه: فضربان: جائفة، وغير جائفة.
فأما (غير الجائفة)، وهي: الموضحة، والهاشمة، والمنقلة، وما دون الموضحة من الجراحات: فلا يجب فيها أرش مقدر، وإنما تجب فيه حكومة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر الموضحة وما بعدها من الجراحات، وذكر بعدها المأمومة، والمأمومة لا تكون إلا في الرأس، فعلم أن ما قبلها لا يكون إلا في الرأس، والوجه في معنى الرأس.
ولأن هذه الجراحات في سائر البدن لا تشارك نظائرها في الرأس والوجه في الشين والخوف عليه منها، فلم يشاركها في تقدير الأرش.
وأما (الجائفة): فهي الجراحة التي تصل إلى الجوف من البطن، أو الصدر، أو ثغرة النحر، أو الورك، فيجب فيها ثلث الدية.

وقال مكحول: إن تعمدها.. وجب فيها ثلثا الدية.
دليلنا: ما روى عمر بن الخطاب، وعمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الجائفة ثلث الدية».
وهو قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، ولا مخالف له في الصحابة.
فإن أجافه جائفتين بينهما حاجز.. وجب عليه أرش جائفتين، وإن طعنه، فأنفذه من ظهره إلى بطنه.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه إلا أرش جائفة؛ لأن الجائفة هي: ما ينفذ من خارج إلى داخل، فأما الخارج من داخل إلى خارج: فليس بجائفة، فيجب فيها حكومة.
والثاني: يجب عليه أرش جائفتين، وبه قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وهو المذهب؛ لأنه روي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ولأنهما جراحتان نافذتان إلى الجوف، فهو كما لو نفذتا من خارج إلى داخل.

فرع أجافه رجل فأدخل فيها رجل سكيناً

ً]: وإن أجاف رجل رجلاً جائفة، ثم جاء آخر وأدخل السكين في تلك الجائفة، فإن لم يقطع شيئاً.. فلا شيء عليه، وإنما يعزر به.
وإن وسعها في الظاهر والباطن.. وجب عليه أرش جائفة؛ لأنه أجاف جائفة أخرى.
وإن وسعها في الظاهر دون الباطن أو في الباطن دون الظاهر، أو أصاب بالسكين كبده أو قلبه، وجرحه.. وجبت عليه حكومة.
وإن قطع أمعاءه، أو أبان حشوته.. فهو قاتل؛ لأن الروح لا تبقى مع هذا، والأول خارج.
وإن وضع السكين على فخذه، فجره حتى بلغ به البطن وأجافه، أو وضعه على

كتفه وجره حتى بلغ به الظهر وأجافه.. وجب عليه أرش جائفة، وحكومة للجراحة في الفخذ والكتف؛ لأنهما جراحة في غير محل الجائفة.
وإن وضع السكين على صدره وجره حتى بلغ به إلى بطنه أو ثغرة النحر، وأجافه.. لم يجب عليه إلا أرش جائفة؛ لأن الجميع محل للجائفة، ولو أجافه في الجميع.. لم يلزمه إلا أرش جائفة، فلأن لا يلزمه ولم يجفه إلا في بعضه أولى.

فرع أجافه جائفة فخاطها ثم فتقها غيره

]: إذا أجافه جائفة فخيط الجائفة، فجاء آخر وفتق تلك الخياطة، فإن كان الجرح لم يلتحم ظاهرًا ولا باطنًا.. لم يلزم الثاني أرش، وإنما يعزر، كما لو أدخل سكينًا في الجائفة قبل الخياطة، وتجب عليه قيمة الخيط وأجرة المثل، وإن كانت الجراحة قد التحمت فقطعها ظاهرًا أو باطنًا.. وجب عليه أرش جائفة؛ لأنه عاد كما كان.
وإن التحمت الجراحة في الظاهر دون الباطن أو في الباطن دون الظاهر، ففتقه.. وجبت عليه الحكومة.
وكل موضع وجب عليه أرش الجائفة أو الحكومة.. فإنه يجب عليه معه قيمة الخيط، وتدخل أجرة الخياطة في الأرش أو في الحكومة.

فرع ضرب وجنته وكسر عظمها

]: وإن ضرب وجنته، فكسر العظم، ووصل إلى فيه.. ففيه قولان: أحدهما: يجب عليه أرش جائفة؛ لأنها جراحة وصلت إلى جوف الفم، فهو كما لو وصلت إلى جوف البطن أو الرأس.
والثاني: لا يجب عليه إلا أرش هاشمة لهشم العظم، وحكومة لما زاد عليه؛ لأن هذه دون الجائفة إلى البطن أو الرأس في الخوف عليه منها.
وإن جرحه في أنفه، فخرقه إلى باطنه.. قال أبو علي الطبري: ففيه قولان، كما لو هشم عظم وجنته، فوصلت إلى فيه.

وإن خرق شدقه إلى داخل فيه.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان، كما لو هشم وجنته، فوصل إلى فيه.
وقال ابن الصباغ: لا يجب عليه أرش جائفة، قولًا واحدًا.

فرع أدخل خشبة في إسته

]: وإن أدخل خشبة في دبر إنسان، فخرق حاجزًا في البطن.. فهل يلزمه أرش جائفة؟ فيه وجهان، كما قلنا فيمن خرق الباطن بين الموضحتين دون الظاهر.
وإن أذهب بكارة امرأة بيده أو بخشبة.. فليست بجائفة؛ لأنه لا يخاف عليها من ذلك، فإن كانت أمة.. وجب عليه ما نقص من قيمتها، وإن كانت حرة.. ففيها حكومة، فإن أكرهها على الزنا.. وجب عليه حكومة، ولإذهاب البكارة المهر.

مسألة ما يجب في العين

]: وأما الأعضاء: فيجب في العينين الدية؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي العينين الدية».
ويجب في إحداهما نصف الدية؛ لما روى معاذ، وعمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي إحدى العينين خمسون من الإبل»، ولأنه قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، ولا مخالف له في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. وإن قلع عين الأعور.. لم يجب عليه إلا نصف الدية، وبه قال النخعي، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الزهري، ومالك، والليث، وأحمد، وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: (يجب فيها جميع الدية).
وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.

دليلنا: حديث معاذ، وعمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولم يفرق.
وقد روي ذلك عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه.
ولأن ما ضمن ببدل مع بقاء نظيره.. ضمن به مع فقد نظيره، كاليد.
وإن قلع الأعور عين من له عينان، وللجاني مثلها.. كان للمجني عليه القصاص.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ليس له القصاص منه).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45].
ولم يفرق.
وإن عفا المجني عليه عن قلع عين الأعور.. لم يستحق عليه إلا نصف الدية.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يستحق عليه جميع الدية).
دليلنا: أنه قلع له عينًا واحدة، فإذا عفا عن القصاص.. لم يجب له أكثر من ديتها، كما لو كانتا سليمتين.

فرع جنى على عينه فأذهب بصرها

]: وإن جنى على عينه أو رأسه، فذهب ضوء بصره والحدقة باقية.. وجبت عليه الدية؛ لما روى معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي البصر مائة من الإبل»، ولأنه أذهب المنفعة المقصودة بالعين، فوجب عليه أرشها، كما لو جنى على يده، فشلت.
وإن أذهب البصر من إحدى العينين.. وجب عليه نصف الدية، كما لو أشل إحدى يديه.

وإن قلع عينًا عليها بياض، فإن كان على غير الناظر، أو على الناظر إلا أنه رقيق يبصر بها من تحته.. وجب عليه جميع ديتها؛ لأن البياض لا يؤثر في منفعتها، وإنما يؤثر في جمالها، فهو كما لو قطع يدًا عليها ثآليل.
وإن كان لا يبصر.. لم يجب عليه الدية، وإنما تجب عليه الحكومة، كما لو قطع يدًا شلاءً.
وإن نقص بصرها بالبياض.. وجب عليه من ديتها بقدر ما بقي من بصرها.

فرع عودة البصر بعد أخذ الدية

]: وإن جنى على عينه، فذهب ضوؤها، فأخذت منه الدية، ثم عاد ضوؤها.. وجب رد ديتها؛ لأنا علمنا أنه لم يذهب ضوؤها.
وإن ذهب ضوؤها، وقال رجلان من أهل الخبرة: ترجى عودته، فإن لم يقدرا ذلك إلى مدة.. لم ينتظر، وإن قدراه إلى مدة.. انتظر، فإن عاد الضوء.. لم تجب الدية، وإن انقضت المدة ولم يعد الضوء.. أخذ الجاني بموجب الجناية، وإن مات المجني عليه قبل انقضاء تلك المدة.. لم يجب القصاص؛ لأنه موضع شبهة، وهل تجب عليه الدية؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما قلنا في السن.
ومنهم من قال: تجب الدية، قولًا واحدًا؛ لأن عود الضوء غير معهود، وعود السن معهود.

فرع نقص بصر العين بالجناية

]: وإن جنى على عينيه، فنقص ضوؤهما.. نظرت: فإن عرف أنه نقص نصف ضوئهما، بأن كان يرى الشخص من مسافة، فصار لا يراه إلا من نصفها.. وجبت عليه نصف الدية.

وإن لم يعرف قدر النقصان، وإنما ساء إدراكه.. وجبت عليه حكومة.
وإن نقص بصره في إحدى العينين.. وجب عليه من دية تلك العين بقدر ما نقص من ضوئها.
وإن أمكن معرفة قدر ذلك.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والإمكان: أن تعصب عينه العليلة، وتطلق الصحيحة، ويقام له شخص على ربوة من الأرض، ثم يقال له: انظر إليه، ثم يتباعد الشخص عنه إلى أن ينتهي إلى غاية يقول: لا أرى إلى أكثر منها، ثم يعلم على ذلك الموضع، ويغير عليه ثياب الشخص؛ لأنه متهم، فإذا غير عليه، وأخبر به.. علمنا صحة ذلك، ثم تطلق العين العليلة، وتعصب الصحيحة، ويوقف له الشخص على ربوة، ثم لا يزال يبعد عنه إلى الغاية التي يقول: أبصره إليها ولا أبصره إلى أكثر منها، فيعلم على ذلك الموضع، ويوقف له الشخص من جميع الجهات، فإن أخبر أنه يبصره على أكثر من تلك الغاية أو أقل.. علمنا كذبه؛ لأن النظر لا يختلف باختلاف الجهات، فإذا اتفقت الجهات.. علمنا صدقه، ثم ننظر كم الغاية الثانية من الأولى؟ فيؤخذ بقدر ما نقص من الدية).

فرع الجناية على عين القاصر

]: وإن جنى على عين صبي أو مجنون، فقال أهل الخبرة: قد زال ضوؤها، ولا يرجى عوده.. ففيه وجهان.

أحدهما: يحكم على الجاني بموجب الجناية؛ لأن الجناية قد وجدت، فتعلق بها موجبها.
والثاني: لا يحكم عليه بموجبها حتى يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، ويدعي زوال الضوء؛ لجواز أن الضوء لم يذهب.
وإن جنى على عين رجل، فشخصت - أي: ارتفعت - أو احولت، ولم يذهب من ضوئها شيء.. وجبت عليه الحكومة؛ لأنه أذهب جمالًا من غير ذهاب منفعة.
وإن قلع عينًا قائمة، وهي: العين التي ذهب ضوؤها، وبقيت حدقتها.. وجبت عليه الحكومة دون الدية؛ لأنه أذهب عضوًا فيه جمال من غير منفعة.

مسألة أزال أجفانه الأربعة

]: وإن قطع أجفان عيني رجل الأربعة.. وجبت عليه دية، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (لا تجب عليه إلا الحكومة).
دليلنا: أن فيها جمالا ًومنفعة، فوجب فيها الدية، كالعينين.
وإن قطع بعضها.. وجب فيها من الدية بقسطه، كما لو قلع إحدى العينين.
وإن قطع أهداب العينين، ولم تعد.. فعليه الحكومة.
وقال أبو حنيفة: (عليه الدية).
دليلنا: أنه أذهب جمالًا من غير منفعة، فلم تجب فيه الدية، كالأظفار.
وإن قطع الأجفان وعليها الأهداب.. ففيه وجهان: أحدهما: تجب عليه الدية للأجفان، والحكومة للأهداب، كما لو قطع الأهداب، ثم الأجفان.
والثاني: تجب عليه الدية لا غير، كما لو قطع يدًا وعليها شعر وأظفار.
وإن قلع العينين والأجفان.. وجبت عليه ديتان، كما لو قطع يديه ورجليه.

فرع قلع الحاجبين

]: وإن قلع الحاجبين.. لم تجب فيهما الدية.
وقال أبو حنيفة: (تجب فيهما الدية).
دليلنا: أن فيهما جمالًا من غير منفعة، فلم تجب فيهما الدية، كلحم الوجه، وتجب فيهما الحكومة.

مسألة في الأذنين الدية

]: وتجب في الأذنين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله، وإحدى الروايتين عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في الرواية الثانية: (لا تجب فيهما إلا الحكومة).
وحكاه أصحابنا الخراسانيون قولًا آخر للشافعي، وليس بمشهور.
وروي عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أنه قال: (وفي الأذن خمس عشرة من الإبل).
والدليل على وجوب الدية فيهما: ما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الأذن خمسون من الإبل».
فدل على: أنه يجب فيهما مائة.
ولأنه روي ذلك عن عمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما.
ولأن فيهما جمالًا ومنفعة، فوجبت فيهما الدية، كالعينين.

مسألة قطع بعض الأذن

فرع: [قطع بعض الأذن]: وإن قطع بعض الأذن.. وجب عليه من ديتها بقدر ما قطع منها؛ لأنه يمكن تقسيط الدية عليها.
وإن جنى على أذنه، فاستحشفت - أي: يبست - ففيه قولان: أحدهما: يجب عليه ديتها، كما لو جنى على يده، فشلت.
والثاني: لا تجب عليه إلا الحكومة؛ لأن منفعتها باقية مع استحشافها، وإنما نقص جمالها.
وإن قطع أذنًا مستحشفة.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: إن قلنا: إنه إذا جنى عليها فاستحشفت وجبت عليه الدية.. وجب هاهنا على قاطع المستحشفة الحكومة، كما لو قطع يدًا شلاء، وإن قلنا هناك: لا يجب عليه إلا الحكومة.. وجب هاهنا على قاطعها ديتها.
وقال الشيخ أبو حامد: هذا تخليط لا يحكى، بل تجب عليه الحكومة، قولًا واحدًا، كما قلنا فيمن قلع عينًا قائمة، أو قطع يدا شلاء.
وإن قطع أذن الأصم.. وجب عليه ديتها؛ لأن ذهاب السمع، لعلة في الرأس لا في الأذن.

مسألة وجوب الدية في ذهاب السمع

]: ويجب في السمع الدية؛ لما روى معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي السمع دية».
وروى أبو المهلب: (أن رجلًا ضرب رجلًا بحجر في رأسه، فذهب سمعه وبصره وعقله ونكاحه، فقضى فيه عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه بأربع ديات وهو حي).
ولا مخالف له في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.

فإن أذهب سمعه من إحدى الأذنين.. وجب عليه نصف الدية، كما لو أذهب الضوء من إحدى العينين.
فإن أذهب سمعه، فأخذت منه الدية، ثم عاد السمع.. وجب رد الدية؛ لأنا علمنا أنه لم يذهب.

فرع ادعاء ذهاب حواسه أو بعضها

]: وإن جنى عليه جناية، فادعى: أنه ذهب بها سمعه أو بصره أو شمه.. أري اثنين من أهل الخبرة بذلك من المسلمين، فإن قالا: مثل هذه الجناية لا يذهب بها السمع والبصر والشم.. فلا شيء له على الجاني؛ لأنا علمنا كذب المدعي، وإن قالا: مثلها يذهب بها السمع أو البصر أو الشم، فإن كان في البصر.. رجع إلى قولهما، أو إلى اثنين من أهل الخبرة، فإن قالا: قد ذهب البصر ولا يعود.. حكمنا على الجاني بموجب الجناية، وإن كان في السمع والشم.. لم يرجع إلى قولهما في ذهابه؛ لأنه لا طريق لهما إلى المعرفة بذهابه، بخلاف البصر.
فإذا ادعى المجني عليه ذهاب السمع أو الشم، فإن قال اثنان من أهل الخبرة من المسلمين: لا يرجى عوده.. حكم على الجاني بموجب الجناية، وإن قالا: يرجى عوده إلى مدة.. فهو كما لو قالا: يرجى عود البصر، وقد مضى بيانه.
فإن كانت الجناية عمدًا.. لم يقبل فيه إلا قول رجلين، وإن كانت خطأ، أو عمد خطأ.. قبل فيه قول رجل وامرأتين، كما قلنا في الشهادة بذلك.

فرع ما يجب في نقص السمع

]: وإن جنى عليه جناية، فنقص سمعه بها، فإن عرف قدر نقصانه.. وجب فيه من الدية بقدره، وإن لم يعرف قدر نقصانه، وإنما ثقل.. وجبت في الحكومة.
وإن ادعى نقصان السمع من إحدى الأذنين.. سدت الأذن العليلة، وأطلقت الصحيحة، وأمر من يخاطبه وهو يتباعد منه إلى أن يبلغ إلى غاية يقول: لا أسمعه إلى أكثر منها، ويعلم عليها، ويمتحن بذلك من جميع الجهات؛ لأنه متهم، فإذا اتفقت الجهات.. أطلقت العليلة، وسدت الصحيحة، وخاطبه كمخاطبته الأولى وهو يتباعد منه إلى أن يقول: لا أسمعه إلى أكثر منها، ويمتحن بمخاطبته أيضًا في ذلك من جميع الجهات، فإذا اتفقت.. علم على ذلك الموضع، وينظر كم قدر ذلك من المسافة الأولى؟ ويجب له من دية الأذن بقدر ما بقي من المسافة التي لم يسمع منها في العليلة.
وإن قطع أذنيه، فذهب سمعه منهما.. وجبت عليه ديتان، كما لو قطع يديه ورجليه.

مسألة في الأنف الدية

]: وتجب في الأنف الدية؛ لما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الأنف إذا أوعى مارنه مائة من الإبل»، ولأنه قول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، ولا مخالف له في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. والذي تجب به الدية من الأنف هو (المارن)، وهو: المستلان منها دون القصبة؛ لما «روى ابن طاووس، عن أبيه: أنه قال: كان في كتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند أبي: " وفي الأنف إذا أوعى مارنه جدعًا الدية».
ومعنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أوعى "،

أي: استوعب.
ولأن المنفعة والجمال فيه، فوجبت فيه الدية.
وإن قطع بعض المارن.. وجب فيه من الدية بقسط ما قطع منه.
وإن قطع أحد المنخرين.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه نصف الدية؛ لأنه أذهب نصف الجمال ونصف المنفعة.
والثاني: لا يجب عليه إلا ثلث الدية؛ لأن المارن يشتمل على المنخرين والحاجز بينهما.
والأول هو المنصوص.
فإن قطع الحاجز بين المنخرين.. وجب عليه على الوجه الأول حكومة، وعلى الثاني ثلث الدية.
وإن قطع أحد المنخرين والحاجز بينهما.. وجب عليه على الوجه الأول نصف الدية وحكومة، وعلى الثاني ثلثا الدية.
وإن قطع المارن وقصبة الأنف.. وجب عليه دية في المارن، وحكومة في القصبة، كما لو قطع يده من المرفق.
وإن قطع المارن والجلدة التي تحته إلى الشفة.. وجبت عليه دية في المارن، وحكومة للجلدة التي تحته.
وإن أبان مارنه، فأخذه المجني عليه، فألصقه، فالتصق.. لم تسقط الدية عن الجاني؛ لأنها وجبت عليه بالإبانة، والإلصاق لا حكم له؛ لأنه يجب إزالته، فلم تسقط به الدية.
وإن قطع المارن ولم ينته، فألصقه، فالتصق.. كان للمجني عليه أن يقتص، فيقطع مارنه حتى يجعله معلقًا كمارن المجني عليه.
وإن عفا عن القصاص.. لم تجب له الدية، وإنما تجب له الحكومة؛ لأنها جناية لم تذهب بها منفعة، وإنما نقص بها جمال.

فرع جنى على أنفه فيبس

وإن جنى على أنفه، فاستحشف.. فهل تجب عليه الدية أو الحكومة؟ فيه

قولان، كما قلنا في الأذن إذا استحشفت بالجناية.
وإن قطع أنفًا مستحشفًا.. ففيه طريقان، كما قلنا فيمن قطع أذنًا مستحشفًا.
وإن قطع أنفًا أخشم.. وجبت عليه الدية؛ لعموم الخبر، ولأن ذهاب الشم لمعنى في غير الأنف.

مسألة في إزالة الشم الدية

]: ويجب في الشم الدية؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في كتاب عمرو بن حزم: «وفي الشم الدية»، ولأنه حاسة تختص بمنفعة، فأشبه السمع والبصر.
وإن أذهب الشم من أحد المنخرين.. وجب عليه نصف الدية، كما قلنا فيه إذا أذهب البصر من إحدى العينين.
وإن نقص شمه من المنخرين أو من أحدهما.. فهو كما قلنا فيمن نقص سمعه من الأذنين أو من إحداهما.. وإن لم يعرف قدر نقصه.. وجبت فيه الحكومة.
وإن قطع مارنه، فذهب شمه.. وجبت عليه ديتان؛ لأن الدية تجب في كل واحد منهما إذا انفرد.. فوجبت في كل واحد منهما الدية وإن اجتمعا، كما لو قطع يديه ورجليه.

مسألة فيما يجب بإذهاب العقل

]: وإن جنى عليه، فذهب عقله.. لم يجب فيه القصاص؛ لأنه لا يعرف محله؛ لأن من الناس من قال: محله الرأس، ومنهم من قال: محله القلب، ومنهم من قال: هو بينهما.
وتجب فيه الدية؛ لما روى عمرو بن حزم: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي العقل الدية»، ولأنه قول عمر، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، ولا مخالف

لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولأن التكليف يزول بزوال العقل، كما يزول بخروج الروح، فلما وجبت الدية بخروج الروح.. وجبت بزوال العقل.
فإن ذهب بعض عقله وعرف قدر الذاهب، بأن صار يجن يومًا ويفيق يومًا.. وجبت فيه نصف الدية، وإن لم يعرف قدر الذاهب، بأن صار يفزع مما لا يفزع منه العقلاء.. وجبت فيه الحكومة.
إذا ثبت هذا: فإن كانت الجناية التي ذهب بها العقل مما لا أرش لها، بأن لطمه، أو لكمه، أو ضربه بحجر أو غيره، ولم يجرحه.. وجبت دية العقل، على ما مضى، وإن كان لها أرش.. ففيه قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (يدخل الأقل منهما في الأكثر، مثل: إن أوضحه فذهب عقله.. فإن أرش الموضحة يدخل في دية العقل.. وإن قطع يديه من المرفقين.. دخلت دية العقل في دية اليدين، والحكومة فيهما).
وبه قال أبو حنيفة؛ لأن العقل معنى يزول التكليف بزواله، فدخل في ديته أرش الطرف، كالروح.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يدخل أحدهما في الآخر).
وهو الأصح؛ لأنها جناية أذهبت منفعة حالة في غير محل الجناية مع بقاء النفس، فلم يتداخل الأرش، كما لو أوضحه وذهب بصره.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: إن كانت الجناية وجبت بها دية كاملة.. لم تدخل إحدى الديتين في الأخرى، قولًا واحدًا؛ لما تقدم من خبر عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

مسألة ما يجب بإزالة الشفتين

]: وتجب في الشفتين الدية؛ لما روى عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الشفتين الدية».
وهو قول أبي بكر،

جارٍ التحميل