البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 246-285

كتاب الحج

صفحات 246-285
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسألة جزاء تكرار الصيد

إذا قتل صيدا بعد صيد.. وجب لكل واحد جزاء.
وقال الحسن، ومجاهد، وشريح، وسعيد بن جبير، وقتادة، والنخعي، وداود: (يجب الجزاء بقتل الأول، ولا يجب بالثاني، ولا بالثالث شيء).
وروي ذلك عن ابن عباس.
وقال أحمد في رواية عنه: (إن لم يكن كفر عن الأول.. تداخلا وكفاه جزاء واحد، وإن كفر عن الأول.... لزمه للثاني جزاء).
وقال أبو حنيفة: (إن قصد بالقتل رفض الإحرام أو التحلل.. لزمه جزاء واحد، وإن لم يقصد ذلك.. لزمه لكل واحد جزاء) دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] [المائدة: 95].
ولم يفرق بين الأول والثاني، وبين أن يقصد رفض الإحرام أو لم يقصد.
ولأنه ضمان متلف، فتكرر بتكرر الإتلاف، كالآدمي.
على الفرقة الأولى.
وعلى أبي حنيفة: كما لو لم يقصد الرفض.

فرع اشتراك الجماعة في الصيد

إذا اشترك جماعة من المحرمين في قتل صيد.. وجب عليهم جزاء واحد.
وبهذا قال الزهري، وعطاء، وسليمان بن يسار، وأحمد، وإسحاق.
وقال النخعي، والشعبي، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه: (يجب على كل واحد منهم جزاء).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] [المائدة: 95].
ولفظة (من): يدخل تحتها الواحد والجماعة، فاقتضى ظاهر الآية: أن جنس المحرمين إذا قتلوا صيدا.. فعليهم جزاء مثله.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الضبع صيد، وفيه كبش، إذا أصابه المحرم» واسم المحرم يعم الجنس.
ولأنه مقتول واحد، فوجب فيه جزاء واحد، كما لو قتله واحد.
وإن اشترك محل ومحرم في قتل صيد.. وجب على المحرم نصف الجزاء؛ لأنه ممن يجب عليه الجزاء، ولا يجب على المحل شيء؛ لأنه ممن لا يجب عليه الجزاء.

فرع إمساك المحرم الصيد وقتل المحل له

وإن أمسك محرم صيدا فقتله محل في يده.. وجب الجزاء على المحرم، وهل يرجع به على المحل القاتل؟ فيه وجهان:

أحدهما - وهو قول الشيخ أبي حامد، واختيار ابن الصباغ -: أنه لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه أتلف صيدا يجوز له إتلافه؛ لأنه غير ممنوع منه لحق الله تعالى، ولا لحق المحرم؛ لأنه لم يملكه بالإمساك.
والثاني: يرجع عليه، وهو قول القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق؛ لأن القاتل أدخل المحرم في الضمان فرجع عليه، كما لو غصب مالا فأتلفه آخر في يده.
وإن قتله محرم مثله.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: يجب الجزاء على القاتل؛ لأنه وجد منه مباشرة، ومن الممسك سبب، وإذا اجتمع السبب والمباشرة.. تعلق الضمان بالمباشرة.
والثاني: يجب عليهما جزاء واحد؛ لأنه قد وجد من كل واحد منهما ما يضمن به الصيد لو انفرد به، فإذا اشتركا.. كان عليهما الضمان، كما لو اشتركا في جرحه.
وقال القاضي أبو الطيب: يجب الضمان على كل واحد منهما، فإن أخرجه الممسك.. رجع به على القاتل.
وإن أخرجه القاتل.. لم يرجع به على الممسك، كما لو غصب شيئا فأتلفه آخر في يده.
قال ابن الصباغ: وهذا أقيس عندي؛ لأن ما ذكره الشيخ أبو حامد للوجه الأول ينتقض، بمن غصب شيئا وأتلفه غيره في يده، وما ذكره للثاني لا يستقيم؛ لأن الضمان لا ينقسم على المباشرة والسبب غير الملجئ ليس في شيء من الأصول.

مسألة جناية المحرم على الصيد دون أن يقتله

إذا جنى المحرم على صيد، فأزال امتناعه، فإن قتله غيره.. ففيه طريقان: [الأول]: قال أبو العباس: يجب على الجارح أرش ما نقص قولا واحدا، وعلى القاتل جزاؤه مجروحا إن كان محرما، ولا شيء عليه إن كان محلا؛ لأن الأول جارح وليس بقاتل.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يجب على كل واحد منهما جزاء كامل؛ لأن الأول أزال امتناعه، فصار كما لو قتله، والثاني وجد منه القتل، والأول أصح.
وإن اندمل جرح الأول، وبقي الصيد غير ممتنع.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو المذهب.: أنه يلزم الجارح ما نقص؛ لأنه جرح ولم يقتل.
فعلى هذا: إن كان الصيد لا مثل له من النعم.. وجب عليه ما نقص من قيمته.
وإن كان له مثل.. فهل يجب ما نقص من القيمة، أو جزء من المثل؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
والوجه الثاني: أنه يجب على الجارح جزاؤه كاملا؛ لأنه جعله كالميت.

وإن غاب الصيد ولم يعلم: هل برئ من جراحته، أو مات؟ ففيه وجهان: أحدهما- وهو المذهب -: أن عليه ضمان ما نقص.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: عليه جزاؤه كاملا - وهو قول مالك - لأنه قد صيره غير ممتنع، والظاهر بقاؤه على هذه الحالة.
وإن أطعمه وسقاه حتى عاد ممتنعا.. فهل يسقط عنه الضمان؟ فيه وجهان، بناء على القولين فيمن قلع سنا فنبتت مكانها أخرى.
فإذا قلنا: لا يسقط عنه الضمان.. فهل يلزمه جزاؤه كاملا، أو ما نقص؟ على الوجهين الأولين.
وهل يلزمه قسط الناقص من المثل، أو من القيمة؟ على الوجهين الأولين.

مسألة قتل القارن للصيد

إذا قتل القارن صيدا، أو ارتكب محظورا من محظورات الإحرام... لزمه جزاء واحد، وكفارة واحدة.

وقال أبو حنيفة: (يلزمه جزاءان وكفارتان).
دليلنا: أنهما حرمتان لو انفردت كل واحدة منهما بالهتك.. لزمه لكل واحدة منهما كفارة، فإذا جمع بينهما في الهتك.. لزمه كفارة واحدة، كالإحرام والحرم.

مسألة صيد الحرم

ويحرم صيد الحرم على المحل والمحرم، فإن قتله محل... وجب عليه جزاؤه.
وبه قال عامة أهل العلم، إلا داود، فإنه قال: (هو ممنوع من تنفيره، فإن قتله محل فلا جزاء عليه).
والدليل - على تحريم ذلك -: ما روي عن ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله حرم مكة، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها».
والدليل - على وجوب الجزاء فيه -: قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] [المائدة: 95].
و (الحرم): جمع محرم، ومن في الحرم، فإنه يسمى محرما، قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما... فدعا فلم أر مثله مقتولا فسماه محرما؛ لكونه في حرم المدينة، لا أنه كان محرما بحج أو عمرة.
ولأنه صيد ممنوع من قتله؛ لحق الله تعالى... فوجب بقتله الجزاء، كالمحرم.

إذا ثبت هذا: فإن قتل المحرم صيدا في الحرم.. لزمه جزاء واحد؛ لأن المقتول واحد.

فرع إدخال المحل صيدا للحرم

وإن اصطاد المحل صيدا في الحل وأدخله إلى الحرم.. جاز له أن يتصرف فيه بجميع التصرفات من الإمساك، والبيع، والهبة، والذبح، والأكل.
وقال أبو حنيفة: (إذا أدخله إلى الحرم.. لزمه رفع يده عنه، فإن لم يفعل وتلف في يده أو أتلفه.. كان عليه الجزاء).
دليلنا: أن صيد المدينة يحرم، كصيد مكة، وقد روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للصبي: «يا أبا عمير ما فعل النغير» فأقره على إمساك عصفور كان في يده، ولا يجوز له ذلك إلا من الوجه الذي ذكرناه، بأن يكون ملكه في الحل وأدخله إلى الحرم.
لأن كل من جاز له الأمر بالصيد.. جاز له إمساك الصيد، كالمحل، وعكسه المحرم.

فإن ذبح المحل صيدا من صيود الحرم.. لم يحل له أكله، وهل يحل لغيره؟ فيه طريقان: [الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالمحرم إذا ذبح صيدا.
و [الثاني]: منهم من قال: لا يحل لغيره قولا واحدا؛ لأن صيد الحرم محرم على كل أحد، فهو كالحيوان الذي لا يحل أكله.

فرع الرمي من الحل أو الحرم لصيد وحبس الصيد وله فرخ

إذا رمى المحل من الحل إلى صيد في الحرم فقتله.
كان عليه الجزاء؛ لأن الصيد في الحرم.
وإن رمى من الحرم إلى صيد في الحل فقتله.. كان عليه الجزاء؛ لأن كونه في الحرم يحرم الصيد عليه.
وإن رمى من الحل إلى صيد في الحل فقتله.. كان عليه الجزاء؛ لأن كونه في الحرم يحرم الصيد عليه.
وإن رمى من الحل إلى صيد في الحل، فاخترق السهم شيئا من الحرم، ثم أصاب الصيد في الحل فقتله.. ففيه وجهان: أحدهما: عليه الجزاء؛ لمرور السهم في الحرم، فهو كما لو كان الرامي في الحرم.
والثاني: لا جزاء عليه، وهو المذهب؛ لأن الرامي والصيد في الحل.
وإن حبس المحل صيدا في الحل وله فرخ في الحرم، فماتت الأم والفرخ.. ضمن الفرخ دون الأم.

وإن حبس صيدا في الحرم وله فرخ في الحل، فماتا.. كان عليه الجزاء فيهما؛ لأن الأم في الحرم، ولأن كونه في الحرم يحرم الصيد عليه.

فرع رمي الصيد وهو على غصن وقطع الغصن

وإن نبتت في الحرم شجرة ولها أغصان في الحل، فوقع صيد على غصنها الخارج إلى الحل، فرماه محل من الحل وقتله..... فلا جزاء عليه؛ لأنه تابع لهواء الحل.
ولو قطع الغصن.. كان عليه الجزاء فيه؛ تبعا لأصل الشجرة.
وإن كان أصل الشجرة في الحل وأغصانها في الحرم، فوقع طائر على غصن منها في الحرم، فرماه وقتله.. كان عليه الجزاء فيه؛ تبعا لهواء الحرم.
ولو قطع الغصن.. فلا جزاء عليه فيه؛ لأنه تابع لأصل الشجرة.

فرع قتل صيد الحرم خطأ أو بكلب

وحكم الصيد بين الحل والحرم]: وإن رمى إلى صيد في الحل، فعدل السهم وأصاب صيدا في الحرم فقتله.. فعليه الجزاء؛ لأن العمد والخطأ في قتل الصيد - عندنا - واحد في وجوب الجزاء.
وإن أرسل المحل كلبا وهو في الحل على صيد في الحل، فهرب الصيد منه إلى الحرم وقتله الكلب في الحرم.. فلا جزاء عليه؛ لأن للكلب اختيارا.
وإن كان بعض الصيد في الحل، وبعضه في الحرم، فرماه محل من الحل وقتله.. فإنه يكون مضمونا بكل حال.

وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كانت قوائمه في الحل ورأسه في الحرم يرعى فليس بمضمون.
وإن كان بعض قوائمه في الحرم ورأسه في الحل.. فهو مضمون، وهكذا لو كان نائما وقائمه في الحل ورأسه في الحرم.. كان مضمونا.
وعللوا: بأنه إذا كانت قوائمه في الحل وهو غير نائم.. فهو مستقر في الحل، وإذا كان نائما.. فليس بمستقر على قوائمه، وإنما الاعتبار بموضعه.
دليلنا: أن بعضه في الحرم، فكان مضمونا، كما لو كانت قوائمه في الحرم، أو كان نائما.

فرع إرسال الكلب من الحرم على صيد في الحل

وإن أرسل كلبا من الحرم على صيد في الحل فقتله، أو أرسل كلبا من الحل على صيد في الحرم فقتله.. كان عليه الجزاء فيهما.
وقال أبو ثور: (لا جزاء عليه فيهما).

دليلنا: أن كون المرسل - أو الصيد في الحرم - يوجب تحريم الصيد فوجب الجزاء بقتله، كما لو كان المرسل والصيد في الحرم.

مسألة الجزاء في صيد الحرم وتخييره كصيد المحرم

وإذا وجب الجزاء في صيد الحرم.. فالحكم فيه كالحكم في الصيد الذي يقتله المحرم في اعتبار المثل، ويكون بالخيار: بين أن يذبح المثل ويفرقه، وبين أن يقومه بدراهم ويشتري بالدراهم طعاما ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مد يوما.
وقال أبو حنيفة: (لا مدخل للصوم في جزاء صيد الحرم).
دليلنا: أنه صيد ممنوع من قتله؛ لحق الله تعالى، فدخل في بدله الصوم، كصيد المحرم.

مسألة قتل الكافر الصيد في الحرم

]: وإن دخل كافر إلى الحرم فقتل صيدا.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب عليه الجزاء؛ لأنه ضمان يتعلق بالإتلاف، فاستوى فيه المسلم والكافر، كضمان الأموال.
فعلى هذا: لا مدخل للصوم في الجزاء عليه؛ لأنه لا يصح منه.
والثاني - وهو قول الشيخ أبي إسحاق ـ: أنه لا جزاء عليه؛ لأن ضمان صيد الحرم لحق الله تعالى، وهو غير ملتزم لحقوق الله تعالى.

مسألة تحريم قطع شجر الحرم

]: ولا يجوز للمحل ولا للمحرم قطع شجر الحرم، فإن قطعه.. كان عليه الجزاء.
وقال مالك وداود وأبو ثور: (هو ممنوع من إتلافه، فإن أتلفه.. فلا جزاء عليه).
وحكى الطبري في " العدة ": أن هذا قول آخر للشافعي وليس بصحيح؛ لأنه ممنوع من إتلافه لحق الله تعالى، فوجب بإتلافه الجزاء، كالصيد، وسواء في ذلك

الشجر الذي أنبته الله، أو أنبته الآدميون... مما كان أصله في الحرم.
ومن أصحابنا من قال: ما أنبته الآدميون.. جاز قطعه.
وقال أبو حنيفة: (إن كان من جنس ما ينبته الآدميون.. جاز قطعه.
وإن كان مما لا ينبت الآدميون جنسه، فإن أنبته الآدمي.. جاز قطعه.
وإن نبت بنفسه.. لم يجز قطعه).
دليلنا: قوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «لا يعضد شجرها» ولم يفرق.
ولأنه شجر نام غير مؤذ نبت أصله في الحرم، فوجب بإتلافه الجزاء، كالشجر الذي أنبته الله.
فقولنا: (نام) احتراز من اليابس.
وقولنا: (غير مؤذ) احتراز من الشوك.
وقولنا: (نبت أصله في الحرم) احتراز ممن قلع شجرة من الحل، فغرسها في الحرم فنبتت، ثم قلعها هو أو غيره.. فلا شيء على قالعها وجها واحدا، كما إذا أدخل صيدا من الحل إلى الحرم.. فإن له ذبحه.
ومسألة الوجهين فيما أنبته الآدمي: هو أن يأخذ غصنا من شجر الحرم فينبته في موضع من الحرم.
وإن قلع شجرة من الحرم وغرسها في موضع من الحرم فإن نبتت.. لم يجب عليه شيء ولم يؤمر بردها؛ لأن حرمة جميع الحرم واحدة.
وإن قلع شجرة من الحرم وأنبتها في موضع من الحل فنبتت.. وجب عليه ردها، فإن لم يفعل.. وجب عليه الجزاء، فإذا ردها، فإن علقت.. فلا شيء

عليه، وإن لم تعلق.. فعليه الجزاء؛ لأنها تلفت بسبب منه.
وإن قلعها غيره من الحل.. فذكر ابن الصباغ والطبري في " العدة ": أن على القالع الجزاء؛ لأن الاعتبار في الشجر بمنبتها، وقد ثبت لها حكم الحرم، ولهذا يجب عليه ردها إليه، بخلاف ما لو نفر صيدا من الحرم إلى الحل فصاده غيره من الحل.. فلا ضمان عليه؛ لأنه ينتقل من موضع إلى موضع بخلاف الشجر.
وذكر المسعودي أيضا [في " الإبانة " ق \ 200]: أنه إذا أخذ غصنا من أغصان شجر الحرم أو نواة فغرسها في موضع.. ثبت لها حرمة الأصل.

فرع الضمان في قطع غصن أو أخذ ورق من شجر الحرم

وإن قطع غصنا من أغصان شجرة بالحرم، فإن لم يعد مثله في مكانه.. كان عليه ضمان ما نقص من قيمتها.
وإن عاد مكانه مثله.. فهل يسقط عنه الضمان؟ فيه قولان، كالسن إذا عادت.
وهل يجب دفع ما نقص منها من الحيوان أو يجوز دفعه من القيمة؟ فيه وجهان.
فأما إذا أخذ الورق من شجر الحرم، والأغصان الصغار للسواك.. فقال الشافعي في القديم: (يجوز ذلك).
وقال في " الإملاء ": (لا يجوز).
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال: (يجوز) أراد: إذا لقط الورق بيده، وكسر الأغصان بيده بحيث لم ينل نفس الشجرة أذى.

والموضع الذي قال: (لا يجوز) أراد: إذا خبط الشجرة حتى تساقط الورق وتكسرت الأغصان؛ لأن ذلك يضر بالشجرة، ولما روي: (أن ابن عمر رأى رجلا يخبط شجرة في الحرم فانتهره).

فرع الجزاء في قطع الشجر

شجرة الحرم تضمن بمقدر، فيجب في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة.
وقال أبو حنيفة: (يضمنها بقيمتها بكل حال).
دليلنا: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: (في الشجرة الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة).
قال الشيخ أبو حامد: و (الدوحة): هي الشجرة الكبيرة التي لها أغصان، و (الجزلة): الشابة التي لا أغصان لها.

مسألة قطع نبات الحرم من زرع ونحوه

والرعي فيه]: قال ابن الصباغ: الزرع في الحرم يجوز قطعه، لأن الحاجة داعية إليه.

وأما الحشيش ـ غير الإذخر في الحرم - فالمشهور من المذهب ": أنه لا يجوز قطع شيء منه.
وحكى أبو علي السنجي في " شرح التلخيص " عن بعض أصحابنا: أنه يجوز له أن يأخذ العلف بيده، كورق الشجر.
وحكى في " الفروع ": إنه يجوز أخذ اليسير منه.
والأول أصح؛ لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «لا يختلى خلاها» ولم يفرق.
وأما الإذخر: فيجوز أخذه؛ «لأن العباس قال للنبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: إلا الإذخر لبيوتنا وقبورنا وصياغتنا؟ فقال النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " إلا الإذخر».
فإن جز الحشيش.. نظرت: فإن استخلف مكانه مثله.. سقط عنه الضمان قولا واحدا؛ لأنه يستخلف في العادة، فهو كما لو قلع سن صغير لم يثغر فنبت مكانها مثلها.
وإن لم يستخلف ولم يضر أصله.. كان عليه ما نقص من قيمته، وإن جف أصله.. كان عليه قيمته؛ لأنه تلف بسبب منه.
ويجوز رعي الدواب فيه.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز).
دليلنا: ما روي عن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: أنه قال: «ولا يختلى خلاها، إلا رعي الدواب فيه» وروي: «أن ابن عمر رعى حماره في الحرم، فرآه النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ولم ينهه عن ذلك» فدل على جوازه.
وأيضا: فإن الناس كانوا من لدن رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إلى وقتنا

هذا يحملون الهدايا ويرعونها في الحرم من غير إنكار، ولا نقل: أن أحدا سد أفواهها، فدل الإجماع على ذلك.
ويجوز قطع الشوك والعوسج؛ لأنه يؤذي، فلم يمنع من إتلافه كالسبع والذئب.

مسألة يحرم إخراج حصباء وتراب الحرم

ولا يجوز إخراج تراب الحرم وحجارته.
وذهب بعض الناس إلى أنه يجوز.
دليلنا: ما روي عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر: أنه قال: (دخلنا على صفية بنت شيبة، فأهدت لنا قطعة من الركن إكراما لنا ـ هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " وأبو نصر في " المعتمد " وذكر في " المهذب ": من الصفا - قال: فلما خرجنا مرضنا فقيل لنا: إنه لا يجوز إخراج شيء من الحرم، قال: وكنت أمثلهم فأخذته ورددته إليها فلما رجعت إليهم.. قالوا: ما هو إلا أن رددته فكأنما أنشطنا من عقل) فدل على: أنه لا يجوز؛ لأنه أخبر عن بعض أهل العلم: أنهم أمروه برده.

فرع إخراج ماء زمزم وإدخال التراب والأحجار من وإلى الحرم

ويجوز إخراج ماء زمزم من الحرم؛ لما روي: «أن سهيل بن عمرو أهدى إلى النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ راوية من ماء زمزم بالحديبية».
ولأن الماء يستخلف في العادة، بخلاف التراب والأحجار.
قال الشيخ أبو إسحاق: ولا يجوز إدخال شيء من تراب الحل وأحجاره إلى الحرم

مسألة الحظر من صيد حرم المدينة

قال الشافعي: (ولا يحرم قتل صيد إلا صيد الحرم، وأكره قتل صيد المدينة).
قال أصحابنا: هذه الكراهة كراهة تحريم.

قال ابن الصباغ: وهذا خلاف ظاهر كلامه، فكأنه يومئ إلى أنه يكره قتل صيد المدينة كراهة تنزيه.
وقال أبو حنيفة: (لا يحرم اصطياده ولا قتله).
ودليلنا: ما روى جابر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «حرم إبراهيم مكة، وأنا حرمت المدينة، ما بين لابتيها: لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد».

فإن قتل صيدا في حرم المدينة.. ففيه قولان: [أحدهما]: قال في الجديد: (يأثم ولا جزاء عليه)، وهو الصحيح؛ لأنها بقعة يجوز دخولها بغير إحرام، فلم يضمن صيدها، كسائر البقاع.
و [الثاني]: قال في القديم: (يسلب القاتل) - وبه قال أحمد بن حنبل - لما روي: «أن سعد بن أبي وقاص رأى رجلا قد اصطاد بالمدينة صيدا فأخذ سلبه، فأتاه موالي ذلك الرجل فسألوه أن يرد عليهم، فقال: لا أرد طعمة أطعمنيها رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ؛ سمعت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يقول: " من وجدتموه يقتل صيدا في حرم المدينة.. فاسلبوه " فإن أردتم ثمنه.. أعطيتكموه».
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 201]: إذا قلنا بقوله القديم.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب فيه ما يجب بصيد حرم مكة.
والثاني: يسلب، وهو المشهور.
فإذا قلنا: يسلب.. فإنه يسلب كما يسلب المقتول من الكفار، فيؤخذ جميع ما عليه من الثياب والسلاح والفرس ويترك له ما يستر به عورته.
وهل يؤخذ منه المنطقة والهميان والنفقة التي معه؟ فيه وجهان.

وإلى من يصرف ذلك السلب؟ فيه وجهان: أحدهما: يصرف إلى مساكين المدينة، كما يصرف جزاء صيد مكة إلى مساكين مكة.
والثاني: يختص به السالب؛ لما ذكرناه من حديث سعد بن أبي وقاص.

مسألة كراهة صيد واد وج

قال الشافعي: (وأكره قتل صيد وج).
قال أصحابنا: وظاهر هذا: أنه كراهة تحريم؛ لما روى جابر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «وج حرام محرم، لا ينفر صيده، ولا يعضد عضاهه».
فإن قتل صيدا فيه، أو قطع فيه شجرا.. لم يجب فيه الجزاء، ولم يسلب؛ لأنه لم يرو فيه شيء من ذلك، ولا يبلغ حرمة مكة والمدينة.
و (وج): واد في الطائف.

مسألة تصرف سائر الدماء لمساكين الحرم

]: وإذا وجب على المحرم دم لأجل الإحرام، كدم التمتع والقران، ودم الطيب، أو جزاء الصيد.. وجب عليه صرفه إلى مساكين الحرم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] [المائدة: 95].
فإن ذبح الهدي في الحرم وفرقه في الحرم.. فقد فعل ما وجب عليه.
وإن ذبحه في الحل وفرقه في الحل.. لم يجزه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
وهذا لم يبلع الكعبة.
وإن ذبحه في الحرم وفرقه في الحل.. لم يجزه.
وقال أبو حنيفة: (يجزئه) دليلنا: أنه أحد مقصودي الهدي، فاختص بالحرم كالذبح.
وإن ذبحه في الحل وفرقه في الحرم.. نظرت: فإن أوصله إليهم متغيرا.. لم يجزه؛ لأن المستحق إيصاله إليهم كاملا.
وإن أوصله إليهم غير متغير.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق، وحكاهما الشيخ أبو حامد في " التعليق " قولين: أحدهما: لا يجزئه؛ لأن إراقة الدم في الحرم مقصودة، كما أن التفرقة مقصودة، ثم ثبت أنه لو لم يفرق اللحم في الحرم.. لم يجزه، فكذلك الذبح.
والثاني: يجزئه؛ لأن المقصد من ذبحه بالحرم إيصال اللحم إليهم غضا طريا وقد وجد ذلك.
وإن وجب عليه إطعام... وجب عليه صرفه إلى مساكين الحرم، قياسا على الهدي.
وإن وجب عليه صوم.... جاز له أن يصومه في كل مكان؛ لأنه لا منفعة لأهل الحرم بصومه فيه.

وإن وجب عليه هدي فيه، فأحصر عن الحرم.. جاز له أن يذبحه ويفرقه حيث أحصر؛ لـ: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما أحصره المشركون بالحديبية عن مكة.. نحر فيها هديه، وأمر أصحابه فنحروا فيها»، وبين الحديبية وبين مكة ثلاثة أميال.
ولأنه موضع تحلله فأشبه الحرم.
(وبالله التوفيق)

باب صفة الحج والعمرة

لا يكره دخول مكة ليلا.
وقال النخعي وإسحاق: الأولى أن يدخلها نهارا.
وقال ابن جريج: سألت عطاء: أيجوز للمحرم أن يدخل مكة ليلا؟ فقال: لا؛ لـ: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ دخلها حين ارتفعت الشمس.
دليلنا: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ دخلها في عمرة الجعرانة ليلا».
إذا ثبت هذا: فيستحب لمن أراد أن يدخل مكة أن يغتسل في طرفها؛ لما روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ اغتسل بذي طوى»: وهو بطرف مكة.
ولأن الناس يجتمعون الدخول، فسن له الغسل، كالجمعة.
ويسن هذا الغسل للطاهر والحائض والنفساء؛ «لقوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لعائشة، وقد حاضت: " اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» وهذا مما يصنعه الحاج.
ويستحب أن يدخل مكة من ثنية كدى من أعلى مكة بالبطحاء، ويخرج من ثنية

كدى من أسفل مكة؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ دخل مكة من الثنية العليا، وخرج من السفلى».
هكذا ذكر عامة أصحابنا على الإطلاق.
وذكر المسعودي [في " الإبانة " ق \ 201]: أن ذلك إنما يسن للمدني، ومن جاء من تلك الناحية؛ لـ: (أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ دخل منها اتفاقا)، وأيضا: فإنه يشق على من جاء من غير تلك الناحية أن يدور إلى الثنية العليا ليدخل منها.
ويسن الدخول من باب بني شيبة: وهو الباب الأعظم لمن جاء من تلك الناحية ومن غيرها؛ لأنه لا يشق عليه أن يدور إليه.
فإذا رأى البيت.. فالمستحب: أن يدعو؛ لما روى أبو أمامة: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «تستجاب دعوة المسلم عند رؤيته الكعبة».
قال الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق -: ويستحب أن يرفع يديه في الدعاء عند رؤية البيت؛ لما روي: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواضع: عند رؤية البيت، وعلى الصفا، والمروة، وفي الصلاة، وفي الموقف، وعند الجمرتين».
هكذا ذكره الشيخ أبو حامد في " التعليق ".

وذكر ابن الصباغ: أن الشافعي قال في " الإملاء ": (لا أكرهه، ولا أستحبه، ولكن إن فعله.. كان حسنا).
وكان مالك لا يرى ذلك لما روي: أنه سئل جابر عن ذلك، فقال: «ما يفعله إلا اليهود وقد حججنا مع رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ فلم يفعله».
ودليلنا: الخبر الأول؛ لأنه مثبت، وحديث جابر في ذلك ناف، والمثبت أولى من النافي.
إذا ثبت هذا: فيستحب أن يقول إذا رأى البيت: " اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه وعظمه، ممن حجه أو اعتمره، تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا " ونقل المزني: (ومهابة).
قال سائر أصحابنا: وهو غلط، بل نص الشافعي في " الأم " [2/144]:

(وبرا)، وهو أليق؛ لأن المهابة للبيت، والبر للإنسان؛ لما روى ابن جريج: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كان إذا رأى البيت.. رفع يديه، وقال ذلك».
والمستحب: أن يضيف إلى ذلك: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام)، لما روي عن سعيد بن المسيب: أنه كان يقول ذلك.
وهو ممن لقي كبار الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.

مسألة استحباب الدخول من باب بني شيبة

وطواف القدوم وطواف المرأة ليلا]: ويستحب أن يدخل من باب بني شيبة، ويبتدئ بطواف القدوم؛ لما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ دخل مكة عند ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل منه، فأتى الحجر واستلمه بيده وقبله، ورمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم استلمه بيديه جميعا، ومسح بهما وجهه) ووقف ودعا، وفاضت عيناه بالدموع، ثم التفت فرأى عمر بن الخطاب يبكي، فقال: " يا عمر هاهنا تسكب العبرات».
ولأن طواف القدوم تحية البيت، فاستحب البداية به، كتحية المسجد.
فإن اتفق ما هو

أهم من الطواف، مثل: أن يدخل وقد أقيمت الجماعة.. بدأ بالجماعة، وكذلك إن كان عليه قضاء فائتة.. بدأ بها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نام عن صلاة، أو نسيها.. فليصلها إذا ذكرها؛ فذلك وقتها».
وكذلك إذا خاف فوات وقت فريضة أو سنة مؤكدة.... بدأ بها؛ لأنها تفوت، والطواف لا يفوت.
وقال الشافعي: (وإن كانت امرأة ذات حظوة وجمال.. أحببت لها أن تطوف ليلا).
فمن أصحابنا من قال: أراد طواف القدوم، فأما طواف الإفاضة: فإنه يكون يوم النحر، فلا تؤخره.
ومنهم من قال: بل أراد طواف الإفاضة، فأما طواف القدوم: فإنه تحية، وإنما يؤتى بالتحية عقيب القدوم، كتحية المسجد، وإذا أخرها.. كانت صلاة مستأنفة لا تحية.
إذا ثبت هذا: فإن طواف القدوم سنة، إذا تركه.. لم يجب عليه شيء، هذا هو المشهور.
وحكى أبو علي السنجي: إذا قلنا: يجب الدم بترك طواف الوداع.. فهل يجب بترك طواف القدوم؟ فيه قولان، خرجهما بعض الأصحاب: أحدهما: يجب عليه الدم.
وهو قول أبي ثور: لأنه يتعلق بحرمة البيت ابتداء، كما يتعلق طواف الوداع بحرمته انتهاء.
والثاني: لا يجب عليه شيء، وهو الصحيح؛ لأن هذا تحية، فلم يجب بتركه شيء، كتحية المسجد.

فرع شروط الطواف

]: لا يصح الطواف إلا بالطهارة عن الحدث والنجس، وستر العورة، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (الطهارة ليست بشرط في الطواف، فإن طاف بغير طهارة... صح طوافه، ويجبره بالدم).

دليلنا: ما روت عائشة: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما أراد أن يطوف.. توضأ، ثم طاف»، وقال: «خذوا عني مناسككم» قلنا: منه دليلان: أحدهما: أن الله تعالى أمر بالطواف مجملا فبين النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ كيفية المجمل في الآية، فدل على: أن المراد بالطواف المذكور في الآية هو الطواف بالطهارة.
والثاني: قوله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «خذوا عني مناسككم» وهذا أمر بما فعله.
وروى ابن عباس: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه النطق، فمن نطق.. فلا ينطق إلا بخير».

ولم يرد: أنه صلاة في اللغة، وإنما أراد به: أنه صلاة في الشرع؛ لأنه بعث لبيان الشرع، فإن أراد: أنه يسمى في الشرع صلاة.. فقد أجمعنا: أن الصلاة لا تصح إلا بطهارة، وإن أراد: أن حكمه حكم الصلاة دون التسمية.. فمن حكم الصلاة: أنها لا تصح إلا بطهارة.
والدليل - على أن ستر العورة شرط فيه -: ما روي: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث أبا بكر الصديق إلى مكة فنادى: ألا لا يطوفَنَّ بالبيت مشرك ولا عريان».

فرع الحدث في الطواف

]: فإن أحدث في أثناء الطواف.. نظرت: فإن كان عامدا.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال القاضي أبو الطيِّب: تبطل طهارته وما مضى من طوافه، كما إذا أحدث في الصلاة عامدا.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو حامد: تبطل طهارته ولا يبطل ما مضى من طوافه، فإن كان الماء قريبا منه.. توضأ وبنى على طوافه، وإن كان الماء بعيدا منه.. فهل يبني على ما مضى من الطواف أو يستأنفه.. فيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (يستأنف)؛ لأنه عبادة تتعلق بالبيت، فأبطلها التفريق الكثير، كالصلاة.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يبني على ما مضى من طوافه)؛ لأنها عبادة لا يبطلها التفريق القليل، فلم يبطلها التفريق الكثير كالزكاة، وعكسه الصلاة.
وإن سبقه الحدث في الطواف فإن قلنا: إذا سبقه الحدث في الصلاة لا تبطل

صلاته.. قال الشيخ أبو حامد: فإنه يتوضأ ويبني على طوافه بكل حال.
وإن قلنا: إن صلاته تبطل إذا سبقه الحدث.. كان كما لو تعمد الحدث في الطواف، فإن كان الماء قريبا.. توضأ وبنى، وإن كان بعيدا.. فعلى قولين كما مضى.

فرع تيقن الحدث في طواف أحد النسكين ولم يعينه ووطئ بعد العمرة

]: قال ابن الحداد: إذا أحرم بالعمرة وطاف لها وسعى وحلق، ثم أحرم بالحج ووقف بعرفة وطاف وسعى، ثم تيقن أنه ترك الطهارة في أحد الطوافين ولم يعرفه بعينه.. فعليه أن يتوضأ، ثم يأتي بطواف وسعى، وعليه دم؛ لأنه إن ترك الطهارة في طواف العمرة.. لم يصح تحلله منها، فلما أحرم بالحج.. صار مدخلا للحج على العمرة قبل طواف، فيصح ويكون قارنا وعليه دم القران، وقد صح طوافه وسعيه للحج.
وإن كان ترك الطهارة في طواف الحج.. فقد صح تحلله من العمرة، فلما أحرم بالحج.. صار متمتعا، ولم يصح طوافه للحج ولا سعيه؛ لفقد الطهارة في الطواف، فيلزمه أن يطوف ويسعى؛ ليسقط الفرض عن ذمته بيقين، ويلزمه دم: إما للقران أو للتمتع، ولا يلزمه دم الحلق في العمرة؛ لأنه يشك في وجوبه.
فإن كانت بحالها، إلا أنه وطئ بعد فراغه من العمرة فإن قلنا: إن وطء الناسي لا يفسد الحج.. فالحكم فيه كالأولى.
وإن قلنا: إنه يفسد.. فيحتمل أنه ترك الطهارة في طواف العمرة، فقد فسدت وعليه بدنة، ولم يصح إحرامه بالحج، على المذهب.
ويحتمل أنه ترك الطهارة في طواف الحج.. فقد صحت عمرته، ووجب عليه الطواف والسعي للحج.
وإذا احتمل هذين.. لم تجب البدنة للشك في وجوبها، وهل تجب عليه شاة؟ فيه وجهان: أحدهما: تجب؛ لأنها إما أن تجب بالحلاق أو بالتمتع.
والثاني: لا تجب: لجواز أن تفسد العمرة، فلم يصح التمتع.
والأول أصح.

قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: ويجب عليه قضاء العمرة؛ لجواز أن يكون أفسدها، ولا يجزئه الحج.
قال ابن الصباغ: وعندي أن العمرة إن كانت واجبة عليه.... فلا يجزئه، وإن لم تكن واجبة عليه.. فلا يجب عليه قضاؤها للشك في سبب القضاء.
فإن شك: هل طاف محدثا أو متطهرا؟ لم يلزمه شيء؛ لأن الشك في العبادة بعد الفراغ منها لا يؤثر فيها.

فرع طلب النية للطواف

وإذا أراد أن يطوف.. فهل يفتقر إلى النية؟ ينظر فيه: فإن كان الطواف نافلة أو طواف نذر.. افتقر إلى النية وجها واحدا؛ لأنه قربة تتعلق بالبيت فافتقر إلى النية، كالصلاة.
وإن كان طواف العمرة أو طواف الإفاضة في الحج.. فهل يفتقر إلى النية؟ فيه وجهان: أحدهما: يفتقر إلى النية؛ لأنه عبادة تفتقر إلى البيت فافتقرت إلى النية، كالصلاة.
والثاني: لا يفتقر إلى النية؛ لأن نية الحج والعمرة تأتي عليه كما تأتي على الوقوف.

فرع استحباب الاضطباع لطواف يعقبه سعي

]: ويستحب لمن أراد أن يطوف للنسك (أن يضطبع) وهو: أن يشتمل بردائه من تحت منكبه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء فوق منكبه الأيسر، ويكون المنكب الأيمن

مكشوفا.
وهو مأخوذ من (الضبع) وهو: عضد الإنسان، وكان أصله: الاضتباع، فقلبوا التاء طاء.
والأصل فيه: ما روى ابن عباس: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما قدم مكة وأراد أن يطوف، قعدت له قريش في الحجر؛ لينظروا طوافه وقالوا: إن حمى يثرب قد أنهكتهم.. فاضطبع النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ وأمرهم فاضطبعوا، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، وقذفوها على عواتقهم، ورملوا» وذلك لإظهار الجلد والقوة للمشركين.
قال الشافعي: (ويترك الاضطباع حتى يكمل سعيه).
قال أصحابنا: فإذا فرغ من الطواف.. حل الاضطباع ليصلي ركعتي الطواف، وغطى منكبه؛ لأن الصلاة موضع خشوع وخضوع، وليست مما يظهر فيها الجلد.
فإذا فرغ منها: أعاد الاضطباع للسعي.
وقد بين الشافعي ذلك في موضع آخر، وقد روي عنه: (حتى يكمل سبعه) يعني: طوافه.

فرع كون الطواف سبعة أشواط وكراهية تسميته بغير اسمه

]: ولا يجزئه الطواف حتى يطوف سبع طوفات، فإن ترك طوفة أو طوفتين لم يعتد بالطواف حتى يكمل السبع، سواء كان بمكة أو خارجا منها، ولا ينجبر الدم.
وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (إذا طاف أربع طوفات، فإن كان بمكة.. لزمه الطواف وإن خرج منها.. جبره بالدم).
دليلنا: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ طاف بالبيت سبعا» وقال: «خذوا عني مناسككم» فعلم أنه أراد بذلك: بيان الطواف الذي ورد به القرآن مجملا.
ولأن الطواف عبادة تفتقر إلى البيت، فلم يجبر الدم بعض أجزائه، كالصلاة.
فإن طاف في يوم طوفة، وفي يوم آخر طوفة حتى أكمل السبع.. فهل يجزئه؟ فيه قولان، كالقولين في تفريق الوضوء.
فلو طاف بعض طوفة فقطع وطال الزمان، فإن قلنا: يلزمه الاستئناف.. فلا كلام، وإن قلنا: يجوز البناء.. فهاهنا وجهان، حكاهما الصيمري: أحدهما: يستأنف.
والثاني: يبني من حيث قطع.
قال الشافعي: (وروي عن مجاهد: أنه قال: وأكره أن يقال في الطواف شوط ودور).
وقال الشافعي: (وأكره من ذلك ما كره مجاهد، وإنما يقال: طوفة وطوفتان وثلاث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] [الحج: 29], فسماه طوافا).

فرع الطواف حول البيت والحجروالشاذروان جميعا

فرع: [الطواف حول البيت والحجر والشاذروان جميعا]: ولا يجزئه الطواف حتى يطوف حول جميع البيت المبني والقدر الذي ترك منه في الحجر.
قال الشيخ أبو حامد: وهو ستة أذرع أو سبعة.
فإن طاف في الحجر أو على شاذروان الكعبة.. لم يجزه؛ لأن الشاذروان من الدكة السفلى في البيت.
وقال أبو حنيفة: (إذا طاف حول البيت وترك الحجر.. جاز).
دليلنا: ما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أصلي في البيت، فقال النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " صلي في الحجر؛ فإنه من البيت».
وروي أيضا: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر.. لنقضت البيت ورددته على قواعد إبراهيم؛ إن قومك لما أرادوا بناء البيت قصرت بهم النفقة فتركوا بعض البيت في الحجر».

قال الشيخ أبو حامد: ولم يرد بقوله: (قصرت بهم النفقة): أنه لم يكن لقريش مال يتمون به بناء الكعبة، وإنما أراد بذلك: أنهم قصرت بهم النفقة الطيبة الحلال؛ وذلك أن قريشا لما أرادت بناء الكعبة جمعت مالا عظيما، فخرج عليهم ثعبان ومنعهم من البناء، فتشاوروا، وقالوا: إن لهذا البيت حرمة، وإن الله طيب، وإنه لا يقبل إلا الطيب من أموالكم، فجمعوا الطيب الحلال من أموالهم، فقصر بناؤهم عن قواعد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فأخرجوا بعض البيت وجعلوه في الحجر.
وفي رواية أخرى: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال لعائشة: (إن شئت أريتك القدر الذي أخرجوه من البيت، حتى إن أراد قومك أن يبنوه.. بنوه عليه "، قالت: فأراني نحوا من سبعة أذرع».

فرع الطواف ماشيا أوراكبا أو محمولا

فرع: [الطواف ماشيا أو راكبا أو محمولا]: والأفضل أن يطوف ماشيا؛ لأن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ طاف ماشيا في أكثر طوافه.
ولأنه إذا طاف راكبا.. زاحم الناس وآذاهم بدابته، ولأنها ربما راثت في الموضع فتنجسه.
ولأن القيام في العبادة أفضل من القعود.
فإن طاف راكبا.. جاز، سواء كان لعذر أو لغير عذر.
وقال مالك وأبو حنيفة: (إن طاف راكبا لعذر.. فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر.. فعليه دم).
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ طاف بالبيت وبالصفا والمروة راكبا على راحلته؛ ليشرف على الناس، وليسألوه».
فبين أنه طاف لذلك.
ولأنه فعل من أفعال الحج، فإذا فعله راكبا.. لم يجب عليه الدم، كما لو كان له عذر، أو كما لو وقف بعرفة راكبا.
فإن حمل محرم محرما ونويا الطواف، وطاف به.. لم يجزه عنهما، ولمن يكون الطواف؟ فيه قولان: أحدهما: يقع عن المحمول؛ لأن الحامل آلة له، فهو كالراكب.
والثاني: يقع عن الحامل.
قال ابن الصباغ: وهو الأظهر؛ لأن الفعل وجد منه.
وقال أبو حنيفة: (يجزئ عنهما).
دليلنا: أنه طواف واحد، فلا يجزئ عن طوافين، ولا ينتقض بالحامل في عرفة؛ لأن الوقوف لا يعتبر فيه الفعل، وإنما يعتبر فيه الكون هناك، وقد حصل الكون منهما فيها بخلاف الطواف.

فرع ابتداء الطواف واستلام الحجر الأسود وتقبيله وما يقوله

ويبتدئ بالطواف من الركن الذي فيه الحجر الأسود، فإن أتى من وجه الكعبة.. لم يكن طائفا حتى يمر بالحجر الأسود؛ لأن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ابتدأ الطواف منه، وقال: «خذوا عني مناسككم» وفي محاذاته للحجر ثلاث مسائل:

إحداهن: أن يحاذي جميع الحجر بجميع بدنه، بأن يقف على يمين الحجر مما يلي الشق اليماني، ثم يمر به مستقبلا له، وهذا هو الأكمل.
الثانية: أن يحاذي بجميع بدنه بعض الحجر إن أمكنه فيجزئه، ولكن لا يمكن؛ لأن جثة الإنسان أكبر من الحجر، فإن أمكنه.. أجزأه، كما إذا استقبل بجميع بدنه بعض البيت في الصلاة.. فإنه يجزئه.
الثالثة: أن يحاذي ببعض بدنه جميع الحجر، مثل: أن يقف حذاء وسط الحجر؛ فإن بعض بدنه يكون خارجا من الحجر.. فهل يجزئه هذا؟ فيه قولان: (الأول): قال في القديم: (يجزئه): لأنه حكم يتعلق ببدنه، فاستوى فيه جملة البدن وبعضه كوقوع الحد على بعض البدن.
و (الثاني): قال في الجديد: (لا يجزئه)؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ استقبل الحجر واستلمه» وظاهر هذا: أنه استقبله بجميع بدنه.
ولأن ما وجب فيه محاذاة البيت.. وجب محاذاته بجميع البدن، كالاستقبال في الصلاة؛ فإنه لو استقبل الكعبة في الصلاة ببعض بدنه، بأن يقف بحذاء بعض الأركان.. فإنه لا يجزئه: لأن بعض بدنه يكون خارجا عن الكعبة.
فإذا قلنا بهذا: لم تجزه الطوفة الأولى، فإذا طاف الثانية.. احتسبت له أولى؛ لأنه يمر على الحجر بجميع بدنه.
فإن طاف وهو واضع يده على جدار الكعبة.. قال المسعودي (في " الإبانة " ق\ 203]: فعلى القولين فيمن حاذى الحجر ببعض بدنه.
إذا ثبت هذا: فروى ابن عباس: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قبل الحجر وسجد عليه، ثم قبله وسجد عليه».
قال الشافعي: (وأحب للطائف أن يفعل ذلك إن أمكنه، فإن لم يمكنه ثلاثا.. فعل ما أمكنه منها، فإن لم يمكنه السجود أمكنه منها، فإن لم يمكنه السجود عليه.. اقتصر على التقبيل، وإن لم يمكنه التقبيل بأن يتأذى بغيره أو يؤذي غيره.. استلمه بيده)؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ استلم الحجر الأسود».
وروى ابن عباس: «أن عمر ـ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ـ انكب على الحجر وقبله، وقال: أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت حبيبي رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يقبلك.. ما أقبلك).
وقرأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] » [الأحزاب: 21].

ويستحب أن يقبل يده؛ لما روي: «أن ابن عمر استلم الحجر الأسود وقبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يفعله».
وإنما خص الحجر الأسود بالتقبيل: لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه قال: سمعت رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يقول: «الحجر والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، ولولا أن الله تعالى طمس نورهما.. لأضاءا ما بين المشرق والمغرب».
وروى ابن عباس: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «يحشر الحجر الأسود يوم القيامة وله عينان ولسان يشهد لكل من استلمه بحق».
وروي عن ابن عباس: أنه قال: «نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من الثلج، حتى سودته خطايا بني آدم».
قال: فإن لم يمكنه الاستلام.. فإنه يشير إليه

جارٍ التحميل