كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وبه قال أبو حنيفة، وأبو ثور؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمنون عند شروطهم».
وهذا شرط قد شرطاه، فوجب الوفاء به.
وروت أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن رجلين من الأنصار اختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مواريث بينهما قد درست، فقال لهما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "استهما، وتوخيا الحق، وليحل كل واحد منكما صاحبه».
فدل على: أن البراءة من المجهول صحيحة.
ولأنه عيب رضي به المشتري، فصار كما لو أعلمه به.
والقول الثاني: أنه لا يبرأ من شيء من العيوب، وهو قول شريح، وعطاء، وطاوس، والحسن، وأحمد، وإسحاق؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نهى عن بيع الغرر».
وفي البيع بهذا الشرط غرر؛ لأن المشتري لا يدري كم ينقص العيب من قيمة المبيع، ولأنه شرط يرتفق به أحد المتعاقدين، فلم يصح مجهولاً، كشرط الرهن المجهول، والأجل المجهول، وفيه احترازٌ من خيار المجلس والشرط، فإنه يرتفق به المتعاقدان.
والقول الثالث ـ وهو الصحيح ـ: أنه يبرأ من عيب واحد، وهو العيب الباطن في الحيوان الذي لم يعلم به البائع، ولا يبرأ مما سواه، وهو قول مالك؛ لما روي: (أن ابن عمر باع غلامًا له من زيد بن ثابت بثمانمائة درهم بشرط البراءة من كل عيب، فأصاب به زيدٌ عيبًا، فأراد رده، فأتى ابن عمر، فتحاكما إلى عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال عثمان بن عفان لابن عمر: أتحلف أنك لم تعلم بعيب فيه؟ فأبى ابن عمر أن يحلف، وقبل الغلام، فباعه بألف درهم، وقيل: بألف وخمسمائة درهم).
ووجه الدليل من هذا: أن عثمان قال: (أتحلف أنك لم تعلم بعيب به؟).
فدل على: أنه إنما يبرأ من العيب إذا لم يعلم به، وأمّا إذا علم بالعيب: لم تصح البراءة منه، ولم ينكر ذلك منكر من الصحابة.
قال الشافعي: (ولأن الحيوان يغتذي بالصحة والسقم، وتحول طبائعه، وقل ما يبرأ من عيب يخفى أو يظهر).
ومعناه: أن الحيوان يعتلف في حال الصحة والسقم، ولا يمكن معرفة عيبه، فكانت به حاجة إلى البراءة من العيوب الباطنة التي لم يعلم بها، وجاز ذلك، كما جاز بيع المنافع قبل أن تخلق للحاجة، ولم يجز بيع الحيوان قبل أن يخلق؛ لأنه لا حاجة به إلى ذلك.
فعلى قول أبي سعيد في غير الحيوان من الثياب وغيرها قولان:
أحدهما: لا يبرأ من عيب فيها.
والثاني: يبرأ من كل عيب فيها، ويسقط القول الثالث.
و [الوجه الثاني]: من أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وهو: أنه يبرأ من العيب الباطن في الحيوان الذي لا يعلم به البائع، ولا يبرأ من العيب الباطن فيه الذي يعلم به البائع، ولا من العيوب الظاهرة فيه علم بها البائع أو لم يعلم ولا يبرأ من شيء من العيوب في غير الحيوان، باطنة كانت أو ظاهرة، علم بها البائع أو لم يعلم، وكذلك ما مأكوله في جوفه، مثل: الجوز واللوز والرمان، حكمه حكم الثياب، والفرق بينه وبين الحيوان: ما أشار إليه الشافعي: أن الغالب في الحيوان وجود العيب في باطنه، بخلاف ما مأكوله في جوفه، فإن الأكثر في جوفه السلامة.
فإذا قلنا: إن البيع بهذا الشرط صحيح، فحدث به عيب عند البائع بعد البيع، وقبل القبض.. لم يبرأ منه.
وقال أبو يوسف: يبرأ منه.
دليلنا: أنه إسقاط حق قبل ثبوته، فلم يصح، كما لو أبرأه مما يستحب عليه.
وإذا قلنا: إن شرط البراءة لا يصح.. فهل يصح البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن البيع صحيح، ويثبت للمشتري الخيار إذا وجد العيب؛ لأن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حكم بصحة البيع.
والثاني ـ وهو اختيار الشيخ أبي حامد ـ: أن البيع باطلٌ؛ لأنه شرط فاسد قارن عقد البيع، فأبطله، كسائر الشروط الفاسدة، ولأن البائع أسقط جزءًا من الثمن لأجل هذا الشرط، فإذا سقط هذا الشرط.. وجب أن يرجع إلى ما أسقطه من الثمن لأجله، وذلك مجهول، والمجهول إذا أضيف إلى معلوم.. صار الجميع مجهولاً، والجهل بالثمن يبطل البيع.
وبالله التوفيق
باب بيع المرابحة
إذا باع سلعة بثمن إلى أجل، ثم اشتراها البائع قبل قبض الثمن بأقل من ذلك الثمن.. جاز وكذلك إذا باعها بثمن نقدًا، واشتراها بأكثر منه إلى أجل.. جاز، سواءٌ كان قد قبض الثمن أو لم يقبض، وكذلك إذا باعها بثمن إلى أجل.. جاز أن يشتريها بالثمن، إلى أكثر منه.
وروي ذلك عن ابن عمر، وزيد بن أرقم، وقال الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد: (لا يجوز أن يشتريها بأقل مما باعها قبل قبض الثمن).
وروي ذلك عن ابن عبّاس، وعائشة، إلا أن أبا حنيفة يقول: (إن باعها منه بعوض أقل من ذلك الثمن.. جاز، فأما إذا اشتراها له وكيله بأقل من ذلك الثمن.. جاز، وإن اشتراها له ولده أو والده بأقل من ذلك الثمن.. لم يجز، وإن
اشتراها إلى أجل.. لم يجز أن يبيعها إلى أجل أكثر منه).
واحتجوا بما روي: «أن امرأة قالت لعائشة: يا أم المؤمنين، إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت لها عائشة: (بئس ما بعت، وبئس ما ابتعت، أخبري زيد بن أرقم: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إلا أن يتوب».
ولا تقول ذلك إلا توقيفًا.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تبع ما ليس عندك».
وهذا قد باع ما عنده.
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اختلفت هذه الأجناس.. فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».
ولأن كل سلعة لم يتقدر ثمنها مع غير بائعها.. لم يتقدر مع بائعها، كما لو قبض الثمن.
وأمّا الحديث: فلو كان عند عائشة شيء فيه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لذكرته، على أنه يحمل على أنها أنكرت شراءه إلى العطاء؛ لأنه أجل مجهول.
[مسألةٌ: البيع مرابحة]
]: وإذا اشترى شيئًا.. جاز أن يبيعه مرابحة، وهو أن يقول: اشتريت هذه السلعة بمائة درهم، وقد بعتكها بمائة درهم وربح درهم في كل عشرة، أو لكل عشرة، وبه قال عامّة أهل العلم.
وقال الشيخ أبو إسحاق: وكان ابن مسعود لا يرى بأسًا بـ (دَهْ يُازْدَهْ)، و (دَهْ دَوَازْدَهْ).
ومعنى هذا: أنه كان لا يرى بأسًا أن يبيع ما اشتراه بعشرة، بإحدى عشرة وباثني عشرة؛ لأن (دَهْ) ـ في لغة الفرس ـ: عشرة، و (يُازْدَهْ): إحدى عشر، و (دَوَازْدَهْ): اثنا عشر.
وروي عن ابن عبّاس، وابن عمر: أنهما قالا: (يكره هذا البيع).
وقال إسحاق ابن راهويه: لا يصح.
دليلنا: أن رأس المال معلومٌ، والربح معلوم، فصح، كما لو قال: بعتك بمائة وعشرة، وأما ما روي عن ابن عبّاس، وابن عمر: فيحتمل أنهما كرها ذلك؛ لما فيه من تحمل الأمانة وأدائها.
فرع: بيع بعض ما اشتراه مرابحة
ويجوز أن يبيع بعض ما اشتراه مرابحة، فإن كان ممّا ينقسم الثمن فيه على الأجزاء؛ كالعين الواحدة، أو مما تستوي أجزاؤه، كذوات الأمثال.. فإن الثمن ينقسم فيه على الأجزاء، فإن أراد بيع نصفه.. أجيز بنصف الثمن، وإن كان ثلثه أو ربعه.. فكذلك، وإن كان مما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء، فإن أراد بيع نصفه.. أُجيز بنصف الثمن فيه على القيمة، بأن اشترى عبدين أو ثوبين أو ما أشبههما، فإذا أراد بيع أحدهما مرابحة.. لم يصح حتى يقوِّم المبيعين، ويقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما، ثم يبيع ما يريد بيعه منهما بحصّته من الثمن.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (لا يجوز بيع المرابحة فيما ينقسم الثمن فيه على قيمته، ويجوز فيما تتساوى أجزاؤه، كالمكيل والموزون والمعدود المتساوي).
دليلنا: أن الثمن ينقسم على قدر القيمتين، ألا ترى أنه لو اشترى سيفًا وشقصًا.. فإن الشفيع يأخذ الشقص بحصّته من الثمن، فكذلك هاهنا مثله؟
[مسألةٌ: معرفة الثمن تصحح المرابحة]
ولا يصح بيع المرابحة إلا أن يكون رأس المال معلومًا والربح معلومًا، فإن قال: بعتُكَ برأس مالي، أو بما اشتريت وربح درهم لكلِّ عشرةٍ، وهما لا يعلمان رأس مالِه فيه ولا ما اشترى به.. لم يصح الشراء.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\242] وجهًا آخر: إن أعلمه برأس ماله في المجلس.. صح، وبه قال أبو حنيفة، وهذا لا يصح؛ لأن الثمن مجهول عند أحدهما حال العقد، فلم يصح بذكره بعد ذلك في المجلس، كما لو باعه ما لا يملك، ثم ملَّكَه في المجلس، فإن كان الربح مجهولاً حال العقد، مثل أن يقول: بعتك بمائة وربح ما شئت أو ما يستوي عليه.. لم يصح؛ لأنه غير معلوم حال العقد، فلم يصح.
فرع: الإخبار بما لزم به العقد
ولا يخبر إلا بالثمن الذي لزم به العقد، فإن اشتراه بثمن، ولم يلحقا به زيادة ولا نقصانًا.. أجيز بذلك الثمن، وإن ألحقا به زيادةً أو نقصانًا.. نظرت:
فإن كان ذلك قبل لزوم البيع، إما في خيار المجلس أو في خيار الشرط، فإن ذلك يلحق بالعقد، ويخبر به في بيع المرابحة، وهذا قول عامّة أصحابنا، إلا أبا عليّ الطبريّ، فإنه قال: إذا قلنا: إن المشتري يملك المبيع بنفس العقد.. فإن ذلك لا يلحق بالعقد.
وليس بشيء؛ لأن المبيع وإن انتقل بالعقد، إلا أن الملك لم يستقر، ولهذا يجوز لكل واحدٍ منهما أن ينفرد بفسخ العقد، وإن ألحقا بالعقد زيادةً، أو حطّا بعض الثمن بعد الخيار.. لم يلحق بالعقد، وكان ذلك هبة، فإن أراد بيعه مرابحة.. أخبر بما وقع به العقد.
وقال أبو حنيفة: (يلحق بالعقد، ويخبر به في المرابحة).
دليلنا: أنه حط بعد لزوم العقد.. فلم يلحق به، كما لو حط جميع الثمن.
فرع: بيع التولية
وتجوز التولية والشركة في البيع.
فـ (التولية): أن يشتري عينًا بثمن، ثم يقول المشتري لغيره: اشتريت هذه السلعة بكذا، وقد وليتُكها برأس مالها، فإذا قال الآخر: قبلت.. لزم الشراء برأس المال.
و (الشركة): أن يقول: اشتريتها بكذا، وقد أشركتك بنصفها، فإذا قبل.. لزم البيع عليه بنصف السلعة بنصف الثمن.
إذا ثبت هذا: واشترى سلعة بثمن، ثم ولاَّها غيرَه أو أشرك غيرَه في الثمن فيها،
ثم حطَّ الثمن عن المشتري الأول.. قال الطبري في " العدة ": فإن الحط يلحق بالمولى والمشرَك؛ لأن التولية والشركة تختص بالثمن، فلحق الثاني ما لحق الأول، ولو باعه المشتري الأول بلفظ البيع، ثم حطَّ الثمن عن المشتري الأول.. لم يلحق المشتري الثاني حطٌّ.
قال: وهذا اختلافٌ يحصل باختلاف اللفظ، كما يقول في المرابحة: إذا كذب في رأس المال.. ثبت للمشتري الخيارُ، ولو باعه مساومةً وكذب في رأس المال.. لم يثبت للمشتري الخيار.
[فرع: ما يقول في المرابحة إذا تعلّق بها من المؤونة]
وإذا اشترى سلعةً بثمن، وأراد بيعها مرابحةً، فإن كان لم يلزمه عليها مؤونةٌ ولا عملٌ عليها.. فلهُ أَنْ يخبرَ بأحد خمسةِ ألفاظٍ، إمَّا أن يقول: اشتريتها بكذا، أو يقول: رأس مالي فيها كذا، أو يقول: قامت عليّ بكذا، أو تقوَّم عليّ بكذا، أو يقول: هيَ عليّ بكذا؛ لأنه صادق في ذلك كلِّه، وإن لزمه عليها مؤونة بأن يكون قد اشترى ثوبًا بعشرة، واستأجر من قصره أو طرَّزه بثلاثة دراهم، فلا يجوز أن يقول: اشتريتُهُ بثلاثة عشر؛ لأنه يكون كاذبًا، ويصح أن يقول: قام عليَّ بثلاثة عشر، أو هو عليَّ بثلاثة عشر، وهل يصح أن يقول: رأس مالي فيه ثلاثة عشر؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال الشيخ أبو حامد: لا يصحُّ؛ لأن حقيقة رأس المال ما وزنه ثمنًا، والذي وُزِنَ ثمنًا عشرةٌ.
و [ثانيهما]: قال القاضي أبو الطيب: يصح، واختاره ابن الصَّباغ، لأن رأس المال عبارةٌ عمَّا يطلبُ به الربح والنفقة والثمن في ذلك سواءً، فإن عمل فيه بنفسه ما يساوي ثلاثةً، فإنَّه لا يضمُّه إلى رأس المال ويخبر به؛ لأنه لا يستحق بعمله على نفسه أجرةً، وكذلك إذا تطوَّع غيره بالعمل فيه، إلاَّ أنه يمكنه أن يقول: اشتريته بكذا، وعملت فيه عملاً أجرتُهُ كذا، فلي ذلك، وقد بعتكه بذلك وبربح كذا، فيصح ذلك.
فرع: أخذ أرش عيب وحدث عيب وأراد بيعه مرابحة
وإن اشترى عبدًا بمائة، فوجد به عيبًا، وقد حدث به عنده عيب آخر، فرجع بأرش العيب عشرة، فأراد أن يبيعه مرابحة.. فإنه يجب أن يحط ما أخذه أرشًا من الثمن، فيقول: هو عليَّ، أو يقوَّم عليَّ بتسعين، أو رأس مالي فيه تسعون، ولا يجوز أن يقول: اشتريته بتسعين؛ لأنه كذب، ولا يقول: اشتريته بمائة، ولا رأس مالي فيه مائة؛ لأن الأرش استرجاع جزءٍ من الثمن.
فإن جنى هذا العبد جناية، ففداه السيد بشيء.. لم يضمّه إلى رأس المال، وهكذا إذا مرض، فداواه، وأنفق عليه؛ لأن ذلك لاستبقاء ملكه، ويخالف القصارة والخياطة والصبغ؛ لأن في هذه المواضع له أثر في العين.
وإن جنى جانٍ على هذا العبد، فأخذ منه الأرش.. فهل يلزمه أن يحط ما أخذه من رأس المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه أن يحط ذلك، كما لا يضم إلى رأس ماله ما فداه به.
والثاني: يلزمه أن يحط ذلك من الثمن؛ لأنه بذل جزءًا منه، فلزمه أن يحطه من الثمن، كأرش العيب.
فرع: بيع نماء المرابحة
وإن اشترى شجرة لا ثمرة عليها، فأثمرت في يده، أو بهيمة حائلاً، فحملت في يده وولدت، أو لا لبن بها، فحدث بها لبنٌ فحلبه، أو عبدًا فاستخدمه، ثم أراد بيع ذلك مرابحة.. فإنه يخبر بجميع الثمن الذي اشتراه به، ولا يحط منه لأجل هذا النماء شيئًا؛ لأن هذا نماء حادث في ملكه، فكان له، هذا هو المشهور.
وذكر الصيمري: أنه إذا اشترى عبدًا، فاستخدمه، أو أجّره.. لزمه الإخبار
بذلك، ولا وجه له، وإن كانت الشجرة مثمرة وقت الشراء، أو كان في البهيمة لبنٌ أو صوفٌ وقت الشراء، فأخذ الثمرة واللبن والصوف.. لزمه أن يحط من الثمن بحصة ما أخذ؛ لأن الثمن قابل الجميع.
وإن كانت بهيمة أو جارية حاملاً وقت الشراء، فولدت في يده، ثم أراد بيعها: فإن قلنا: إن الحمل له حكم.. فهو كاللبن والثمرة.
وإن قلنا: لا حكم له.. لم يحط من الثمن لأجله شيء.
فرع: بيع ما أسلم فيه مرابحة
إذا أسلم في ثوبين بصفة واحدة، فقبضهما، وأراد بيع أحدهما مرابحة.. قال ابن الصبّاغ: فإنه يخبر بحصته من الثمن، وهو النصف.
وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يبيعه مرابحة).
دليلنا: أن الثمن وقع عليهما بالسويّة؛ لأن الصفة متساوية في الذمة، فهو كشراء القفيزين، فإن حصل في أحدهما نقصان عن الصفة.. فذلك نقصان جارٍ مجرى العيب الحادث بعد الشراء، فلا يمنع من بيع المرابحة.
[فرع: إخبار من اشترى مؤجلاً وباع مرابحة]
وإن اشترى بثمن مؤجّل.. لم يخبر بثمن مطلق، وفيه وجهٌ آخر حكاه المسعودي [في " الإبانة " ق\254]: أنه لا يلزمه أن يبين الأجل.
والأول أصح؛ لأن الأجل يأخذ جزءًا من الثمن.
فعلى هذا: يكون للمشتري الخيار؛ لأنه دلّس عليه بما يأخذ جزءًا من الثمن، فثبت له الخيار، كما لو دلّس عليه بعيب.
وقال أبو حنيفة: (إن كان المبيع باقيًا.. كان له الخيار: إن شاء.. أمسكه، وإن شاء.. ردَّه، وإن كان تالفًا.. لزمه الثمن).
وقال شريح، وابن سيرين، والأوزاعي: (يلزم البيع، ويثبت في ذمته الثمن مؤجلاً).
وقال أحمد، وإسحاق: (إن كان المبيع باقيًا، فإن شاء.. أمسك ذلك إلى الأجل، وإن كان تالفًا.. حبس من الثمن بقدر الأجل الذي كان للبائع).
دليلنا: ما مضى، ولأن الذمم لا تتماثل، فربما كانت ذمة المشتري الثاني دون ذمة الأول.
فرع: إخبار المرابح عن الشراء الأخير
إذا اشترى شيئًا بمائة، ثم باعه بخمسين، ثم اشتراه بأربعين، فأراد بيعه مرابحة.. أخبر بالأربعين؛ لأنه هو العقد الذي ملك به، وإن اشتراه بمائة، ثم باعه بمائة وخمسين، ثم اشتراه بمائة.. أخبر بمائة، ولا يحط ما ربح في العقد الأول.
وقال أبو حنيفة: (يلزمه أن يحط ما ربح، فيخبر بخمسين).
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\242]: أنه قول ابن سريج.
دليلنا: أن الثمن في البيع الذي يلي بيع المرابحة هو المائة، فجاز أن يخبر به، كما لو لم يربح في الأول.
وإن اشترى شيئًا بعشرة، ثم واطأ غلامه الحر وهو الوكيل، فباعه منه، ثم اشتراه بعشرين، وأخبر بالعشرين في بيع المرابحة.. صح الشراء والإخبار، ولكن يكره له ذلك؛ لأنه لو صرّح به في العقد.. لأبطل العقد، فإذا قصده.. كُرِهَ، فإن علم المشتري بذلك.. فهل يثبت للمشتري الخيار؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال الشيخ أبو إسحاق: لا يثبت له الخيار؛ لأن شراءه من غلامه صحيح.
و [ثانيهما]: قال ابن الصباغ: يثبت له الخيار؛ لأن هذا ضرب من التدليس، والتدليس محرم في الشرع، فأثبت الخيار.
فرع: اشترى من ابنه ليبيع مرابحة
إذا اشترى شيئًا من ابنه أو أبيه أو مكاتبه.. جاز أن يبيعه مرابحة، ولا يلزمه أن يبين ممن اشتراه، وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (لا يجوز حتى يبين ممن اشتراه).
دليلنا: أنه أخبر بما اشتراه به صحيحًا.. فجاز بيعه، كما لو اشتراه من أجنبي.
وإن اشترى شيئًا بمائة، فاستغلاه، فأخبر بأنه اشتراه بتسعين.. قال الشيخ أبو نصر: فالبيع صحيح، وقد أساء بالكذب.
وقال إسحاق بن راهويه: ليس هذا كذبًا إذا كانت إرادته: أنها قامت عليه بتسعين.
دليلنا: أنه أخبر بخلاف ما اشترى به، فلا يصح بالنيّة أنها قامت عليه بتسعين؛ لأنها ما قامت عليه إلا بالمائة، والنيّة لا تغيّر موجب اللفظ.
[مسألةٌ: بعتكها وربحٌ بقدر العشر]
وإن اشترى سلعة بمائة، فقال: بعتكها برأس مالها، وهو مائة وربح درهم لكل عشرة، أو في كل عشرة، أو ربح دَهْ يازْدَهْ.. فإن الربح عشرةٌ، والثمن مائة، ولزِم عليه مائة وعشرة.
فرع: البيع محاططة
ويجوز البيع مواضعةً ومخاسرةً؛ لأنه ثمن معلوم، فجاز البيع به كالمرابحة.
فإذا قال: رأس مالي مائة، وقد بعتك برأس مالي ووضيعة دَهْ يازْدَهْ، أو مخاسرةِ دهْ يازدهْ، فالثمن أحدٌ وتسعون درهمًا إلا جُزءًا من أحد عشر جُزءًا من درهم، وبه قال أبو حنيفة.
وحكي عن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن: أنهما قالا: الوضيعة عشرةٌ.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\242]: أنه وجهٌ لبعض أصحابنا.
دليلنا: أن الحط يعتبر من الربح، وقد ثبت: أنه لو قال: يربح دهْ يازدهْ.. لزيد على كل عشرة درهم، فيكون أحد عشرة، فيجب أن يحط ذلك الربح، وهو: أن يحط من كل أحد عشر درهمًا درهمٌ، فإذا حطّ من تسعة وتسعين درهمًا تسعة دراهم.. حطّ من الدرهم الباقي جزءًا من أحد عشر جزءًا.
وإن قال: بعتك برأس مالي ووضيعة درهم من كل عشرة.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أن الثمن أحد وتسعون درهمًا إلا جزءًا من أحد عشر جزءًا من درهم؛ لأن الوضيعة معتبرة من الربح.
ولو باع بربح درهم في كل عشرة.. لكان الربح عشرة، وكان الربح جُزءًا من أحد عشر جزءًا، فإذا باع بالوضيعة.. وجب أن يحط من المائة جزءًا من أحد عشر جزءًا منها.
والثاني ـ وهو قول أبي ثور، واختيار القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق، وابن الصبّاغ ـ: أن الثمن تسعون؛ لأن المائة عشر عشرات، فإذا وضع من كل عشرة دراهم درهمًا بقي تسعون.
قال ابن الصّباغ: فأما إذا قال بوضيعة درهم لكل عشرة: فإن الثمن يكون أحدًا وتسعين درهمًا إلا جزءًا من أحد عشر جزءًا من درهم.
[مسألةٌ: خطأ البائع بالثمن]
إذا قال: رأس مالي في هذه السلعة مائة، وقد بعتكها برأس مالها وربح درهم على كل عشرة أو في كل عشرة، ثم قال البائع: أخطأت، بل كان رأس مالي فيها تسعين، أو قامت البينة بذلك.. فالمنصوص: (أن البيع صحيح).
وقال مالك: (البيع باطل).
وحكاه القاضي أبو حامد وجهًا لبعض أصحابنا؛ لأن هذا كان مجهولاً عند العقد، وليس بشيء؛ لأن سقوط جزء من الثمن ضرب من التدليس لا يبطل البيع ولا يوجب كونه مجهولاً كأرش العيب، ولأنا لا نسقطه في أحد القولين.
إذا ثبت هذا: فكم الثمن الذي وقع به البيع؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه مائة وعشرة، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد؛ لأنه هو المسمى في العقد، وإنما بان فيه تدليس وخيانة، وذلك يوجب الخيار دون الحط، كما لو دلّس البائع بعيب.
والثاني: أن الثمن تسعة وتسعون درهمًا، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي يوسف، وأحمد، وهو الصحيح؛ لأنه باعه برأس المال وقدر له من الربح، وإنما أخبر بأكثر من ذلك، فوجب حط الزيادة، كالشفعة والتولية.
فإذا قلنا: إن الثمن مائة وعشرة.. فلا خيار للبائع، وللمشتري الخيار: بين الإجازة والفسخ؛ لأنه دخل في العقد على أن يأخذ برأس المال، وهذا أكثر منه.
وإذا قلنا: إن الثمن تسعة وتسعون.. فهل يثبت للمشتري الخيار؟ نقل المزنيّ و" حرملة ": (أنّ له الخيار).
وذكر الشافعيّ في " اختلاف العراقيين ": (أنه لا خيار له).
وإن كانت السلعة قائمة.. فاختلف أصحابنا فيها على ثلاث طرق:
فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: في المسألة قولان، سواءٌ ثبت ذلك بالبينة أو بإقرار البائع، وسواءٌ كانت السلعة قائمة أو تالفة.
هكذا قال الشيخ أبو حامد:
أحدهما: يثبت له الخيار؛ لأنه قد يكون له غرض في شرائها بمائة وعشرة بأن يكون قد حلف: ليشترين عبدًا بمائة وعشرة، أو أوصى إليه أن يشتري عبدًا بهذا الثمن ويعتقه، فإذا بان بدون ذلك.. ثبت له الخيار، ولأنه إن علم ذلك بإقرار البائع.. فلا يؤمن أن يكون الثمن دونه، وأنه قد خان، وإن علمت خيانته بالبينة.. فلعل الباطن بخلاف الظاهر، وأن الثمن دونه.
والثاني: لا خيار له، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي يوسف؛ لأنه قد كان رضي بها بمائة وعشرة، فإذا حصلت بدون ذلك.. فقد حصلت له فائدة، فلم يثبت له الخيار، كما لو أمر وكيله أن يبيع عبده بمائة فباعه بمائة وعشرة.
و [الطريق الثاني]: من أصحابنا من قال: هي على حالين:
فحيث قال: (للمشتري الخيار) أراد: إذا كانت السلعة قائمة يمكنه فسخ البيع؛ لأنه يزيل ضررًا عن نفسه ولا يلحق ضررًا بالبائع.
وحيث قال: (لا خيار له) أراد: إذا كانت السلعة تالفةً؛ لأنه يزيل ضررًا عن نفسه ويلحقه بالبائع، فلم يجز.
و [الطريق الثالث]: من أصحابنا من قال: إن ثبتت خيانة البائع بإقراره.. فلا خيار للمشتري، قولاً واحدًا؛ لأن ذلك يدل على أمانته، وإن ثبت ذلك بالبينة.. فهل يثبت للمشتري الخيار؟ فيه قولان.
قال الشيخ أبو حامد: ولعل هذا أسد الطرق.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا: للمشتري الخيار، ففسخ البيع.. فلا كلام.
وإن قلنا: لا خيار له، أو قلنا: له الخيار، فاختار الإجازة.. فهل يثبت للبائع الخيار؟
قال أكثر أصحابنا: فيه وجهان، وحكاهما القاضي أبو الطيب قولين:
أحدهما: لا خيار له؛ لأنه رضي ببيعه برأس المال وقدر له من الربح، وقد بان أن هذا هو رأس المال وقدره من الربح.
والثاني: له الخيار؛ لأنه دخل في العقد على أن يأخذ بمائة وعشرة، فإذا نقص عن ذلك.. ثبت له الخيار.
إذا ثبت هذا: فإن الشيخ أبا إسحاق في " المهذب " أومأ إلى: أن العين إذا كانت تالفةً.. أن البيع يلزم بتسعة وتسعين، قولاً واحدًا، ولا خيار له؛ لأن إثبات الخيار له يؤدي إلى الضرر بالبائع، وهذا مخالفٌ لما تقدم من كلام الشيخ أبي حامد.
وذكر ابن الصبّاغ: أنها إذا كانت تالفةً، وقلنا: إنه يأخذ بمائة وعشرة.. فإن خياره لا يسقط، بل يكون بمنزلة المعيب إذا تلف في يده، وعلم بعيبه.. فيرجع بقدر الخيانة، كما يرجع بأرش العيب.
[مسألةٌ: تغير قول البائع بقدر الثمن]
]: إذا أخبر: أن رأس المال مائة، فباع برأس ماله وربح درهم في كل عشرة، ثم قال البائع: أخطأت، وإنما كان الثمن مائة وعشرة، والربح يكون أحد عشر.. لم يقبل منه؛ لأن هذا رجوع عن إقرار تعلق به حق المشتري، فلم يقبل، كما لو أقرّ له بدين، ثم رجع عنه، فإن أقام بيِّنَة على ذلك.. لم تُسمع؛ لأنه قد كذّبها بإقراره السابق، فإن قال البائع: المشتري يعلم أني صادق، فحلّفوه: أنه ما يعلم.. فهل يلزمه أن يحلف؟ فيه طريقان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: إن تضمّن قوله تكذيب نفسه، مثل: أن يقول: ابتعته بنفسي.. لم يحلف المشتري؛ لأن إقراره يكذبه، وإن لم يتضمن قوله تكذيب نفسه، بأن يقول: ابتاعه وكيلي، وكنت أظن أنه ابتاعه بمائة، وقد بان لي أنه ابتاعه بمائة وعشرة.. حلف المشتري؛ لأن إقراره لم يتقدم بتكذيب نفسه.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: يبنى على القولين في يمين المدَّعي مع نكول المدَّعى عليه.
فإن قلنا: إنها كالبينة.. لم تعرض اليمين على المشتري.
وإن قلنا: إنها كإقرار المدّعى عليه.. عرضت اليمين على المشتري؛ لأن البائع هاهنا هو المدعي، والمشتري مدَّعى عليه، فإذا عرضنا اليمين على المشتري.. فربما نكل عن اليمين فردت على البائع، فيكون يمينه بمنزلة بينة يقيمها، وقد قلنا: إن بيِّنته لا تقبل، فكذلك ما يقوم مقامها.
وإن قلنا: إن يمينه بمنزلة إقرار المشتري.. عرضت اليمين على المشتري؛ لجواز أن ينكل، فيحلف البائع، فيكون كإقرار المشتري، وإقراره مقبول.
قال ابن الصباغ: وهذا أصح.
فإذا قلنا: لا يحلف المشتري.. فلا كلام، وإن قلنا: إنه يحلف.. فإنه يحلف: أنه ما يعلم أن البائع اشتراها بمائة وعشرة؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره، فحلف
على نفي العلم.
فإن حلف.. انصرف البائع، وإن نكل.. رُدَّت اليمين على البائع، فيحلف على القطع: أنه اشتراها بمائة وعشرة؛ لأنه يحلف على فعل نفسه، فإذا حلف.. صار الثمن مائة وأحدًا وعشرين، ويثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة؛ لأنه دخل على أن يكون الثمن مائة وعشرة، فإذا لزمه الأكثر من ذلك.. ثبت له الخيار.
وبالله التوفيق
باب النجش والبيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي
باب النجش والبيع على بيع أخيه
وبيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والتسعير والاحتكار قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (والنجش خديعة، وليس من أخلاق أهل الدين).
وجملة ذلك: أن النجش حرام، وهو: أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، فيراه المشتري، فيظن أنها تساوي ذلك.
والدليل على تحريمه: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن النجش».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا».
ولأن هذا خديعة ومكر، فكان حرامًا.
فإن اغتر رجل بمن ينجش، فاشترى.. كان الشراء صحيحًا، وقال مالك: (يكون باطلاً) لأجل النهي.
دليلنا: أن النهي لمعنى في غير المبيع، وإنما هو للخديعة، فلم يمنع صحة البيع.
وهل يثبت للمشتري الخيار إذا علم؟ ينظر فيه:
فإن لم يكن النجش بمواطأة من البائع.. فلا خيار للمشتري؛ لأنه لم يوجد من جهة البائع تدليس، وإن كان النجش بمواطأة من البائع.. فهل يثبت للمشتري الخيار؟ فيه وجهان:
[أولهما]: قال أبو إسحاق: يثبت له الخيار؛ لأن ذلك تدليس من جهة البائع، فأشبه التصرية.
والثاني: لا يثبت له الخيار، وهو ظاهر النص؛ لأنه ليس فيه أكثر من الغبن،
وذلك لا يثبت الخيار؛ لأن التفريط جاء من قبل المشتري، حيث اشترى ما لا يعرف قيمته، فأمّا إذا قال البائع: أُعطيت بهذه السلعة كذا، فصدّقه المشتري، فاشتراها بذلك، ثم بان أنه كاذب في ذلك.. فإن البيع صحيح.
قال ابن الصبّاغ: وينبغي أن يكون في إثبات الخيار للمشتري هذان الوجهان.
[مسألةٌ: مما نهي عنه من البيع]
قال الشافعي: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يبع بعضكم على بيع بعض».
وجملة ذلك: أن الرجلين إذا تبايعا عينًا وبينهما خيار مجلس أو خيار شرط، فجاء رجل إلى المشتري، فقال: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون ثمنها الذي اشتريتها به، أو أبيعك خيرًا منها بمثل ثمنها.. فهذا حرامٌ لا يحل؛ لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يبع بعضكم على بيع بعض».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه»، ولأن هذا إضرار وإفساد فلم يحل.
وهكذا: إذا قال للبائع في مدة الخيار: افسخ البيع وأنا أشتريها منك بأكثر من هذا الثمن.. فإن هذا محرمٌ؛ لأن فيه معنى نهي النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإن فسخ ـ المشتري في الأولى، أو البائع في الثانية ـ البيع، وبايع الثاني.. صحَّ؛ لأن النهي كان لا لمعنًى في البيع.. فلم يمنع جواز البيع.
[مسألةٌ: السوم على سوم آخر]
وأمّا السوم على سوم أخيه: ففيه ثلاث مسائل:
إحداهن: أن يسأل رجل رجلاً أن يبيعه سلعة، فيرده البائع، ولا يؤخذ منه ما يدل على الرِّضا بالبيع، فلا يحرم على غيره أن يسأله أن يبيعه إياها؛ لأنه لا ضرر على الأول بذلك.
الثانية: إذا أجابه البائع إلى البيع، بأن يصرح بالرضا بالبيع، أو يأذن لوكيله أن يعقد له، فيأتي آخر إلى البائع، فيقول: أنا أشتريها منك بأكثر من ذلك الثمن أو بأجود منه.. فهذا الفعل محرّم؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه، ولا يسومن أحدكم على سوم أخيه»، ولأن فيه إضرارًا بالأول.
الثالثة: أن لا يصرح البائع بالرضا بالبيع من الأول، ولكن وجد منه ما يدل عليه، بأن يقول: أنا أشاور على ذلك، وما أشبهه، فهل يحرم على غيره أن يدخل على سومه؟ فيه وجهان، بناءً على القولين في الدخول على خطبة غيره إذا وجد من الوليّ التعريض بالإجابة:
[أحدهما]: قال في القديم: (يحرم)؛ لأن في إفسادًا لما تقارب بينهما.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يحرم)؛ لأنه لم يوجد منه الرِّضا بذلك.
هذا إذا سام على سوم أخيه.
فأمّا إذا استام على سوم أخيه، مثل: أن قال البائع: أبيعكها بمائة، وقال المشتري: بل أشتريها بتسعين، فيجيء إنسان إلى المشتري، فيقول له: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بما قلت أو دونه.. ففيه المسائل الثلاث، إن لم يوجد من المشتري ما يدل على ركونه إلى قول البائع.. فلا يحرم، وإن وجد منه الرضا بقول البائع.. فيحرم، وإن وجد منه التعريض بالرّضا بذلك.. فهل يحرم؟ فيه وجهان.
إذا ثبت هذا: فإن سام، أو استام، واشترى، أو باع.. صحّ ذلك؛ لأن النهي لمعنًى في غير المبيع، فلم يمنع صحة البيع.
فأمّا إذا عرضت السلعة في حال النداء: لم يحرم على من أراد أن يشتريها الزيادة في ثمنها؛ لما روى أنس: «أن رجلاً من الأنصار أصابه جوعٌ وجهدٌ، فشكا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما لك شيءٌ؟ " قال: بلى، حلسٌ وقدَحٌ، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اذهب، فأت بهما"، فأتى بهما، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من يشتريهما؟ "، فقال رجلٌ: أنا أشتريهما بدرهم، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من يزيد على درهم " فقال آخر: أنا أشتريهما بدرهمين، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هما لك بدرهمين»، ولأن هذا لا يؤدي إلى الإفساد؛ لأنه لا يقصد بالنداء رجلاً
بعينه، وإنما يطلب استكثار الثمن.
و (الحلس): كل شيء ولي ظهر البعير تحت القتب أو لازمه ولم يفارقه.
[مسألةٌ: بيع حاضر لباد]
ويحرم أن يبيع الحاضر للبادي، وهو: أن يقدم البادي إلى القرية أو البلد بمتاع فيجيء إليه الحاضر في البلد، فيقول: لا تبعْه، فأنا أبيعه لك، وأزيد لك في ثمنه؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض».
وروى أنسٌ: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يبعْ حاضرٌ لباد، وإن كان أباه أو أخاه».
وروى طاوس، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يبعْ حاضرٌ لباد».
قال طاوس: قلت لابن عباس: ما معنى: «لا يبعْ حاضرٌ لبادٍ» ؟ قال: لا يكون له سمسارًا.
إذا ثبت هذا: فإنما يحرم ذلك بشروط:
أحدها: أن يكون البادي إنما حمل المتاع للبيع، فأمّا إذا حمله لغير البيع: فلا يحرم ذلك على الحاضر.
الشرط الثاني: أن يكون البادي عازمًا على البيع في الحال، ولا يريد التربص به، فأمّا إذا كان البادي يريد التربص ببيعه.. لم يحرم ذلك على الحاضر.
الثالث: أن يأتي الحاضر إلى البادي، ويسأله ذلك، فأما إذا جاء البادي إلى الحاضر وسأله أن يبيع له.. لم يحرم عليه ذلك؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا استنصح أحدكم.. فلينصح»، ولأنا لو منعنا الحاضر من البيع في ذلك.. أدّى ذلك إلى الإضرار
بصاحب المتاع، وربّما أدّى ذلك إلى انقطاع الجلب؛ لأن كل أحد لا يقدر على البيع بنفسه.
الشرط الرابع: أن يكون في الناس حاجة إلى ذلك المتاع، والبلد ضيق، فإذا بيع ذلك لمتاع فيه.. اتسع فيه أهل البلد، فأمّا إذا لم يكن على أهل البلد في بيع الحاضر مضرّة، بأن يكون البلد كبيرًا، لا ضرر عليهم في حبس المتاع عنه.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحرم على الحاضر البيع له؛ لعموم الخبر.
والثاني: لا يحرم عليه؛ لأنه لا مضرة على أهل البلد بذلك.
إذا ثبت هذا: فكل موضع وجدت فيه هذه الشرائط، وباع الحاضر فيها للبادي.. صحّ البيع؛ لأن النهي لا يعود إلى معنًى في المبيع، فلم يمنع صحّة البيع.
[مسألةٌ: تلقي الركبان]
قال الشافعي: (قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تتلقّوا الركبان للبيع».
وهذا كما قال: لا يحل تلقي الركبان للبيع، وهو: أن يسمع بقدوم قافلة إلى البلد ومعها متاع فيتلقاها، ويخبرهم بكساد متاعهم، وهم لا يعرفون سعر متاعهم في البلد؛ لبعدهم، فيغرُّهم، ويشتري منهم بدون سعر البلد؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن تلقِّي الجلب، فإن تلقّاها متلقٍّ.. فصاحبها بالخيار إذا ورد السوق»، وروى ابن
عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تتلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق»، ولأن فيه إضرارًا بأهل السلع؛ لأن أهل البادية قد لا يعرفون سعر السوق، فيغرهم، فإن خالف وتلقّاهم، واشترى منهم.. صحّ الشراء؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أثبت للبائع الخيار، فلولا أنّ البيع صحيح.. لما أثبت له الخيار؛ ولأنه ليس فيه أكثر من الغرور والتدليس، وذلك لا يمنع صحّة البيع، كالتصرية، فإذا قدم البائع السوق.. نظرت:
فإن كان المشتري قد اشترى منهم بدون سعر البلد ثبت للبائع الخيار؛ لما ذكرناه في الخبر.
وإن اشترى منهم بسعر السوق أو أكثر.. ففيه وجهان:
أحدهما: يثبت للبائع الخيار؛ للخبر.
والثاني: لا خيار له؛ لأن المشتري ما غرّه، ولا دلّس عليه.
إذا ثبت هذا: فكم قدر مدة الخيار؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصبّاغ:
أحدهما: ثلاثة أيام؛ لأنه خيار تدليس، فأشبه خيار المصرّاة.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه على الفور؛ لأنه خيار لغير استعلام العيب، فكان على الفور، كخيار الثلاث، ويخالف المصراة، فهي لاستعلام العيب؛ لأنه قد لا يطلع على التصرية بدون الثلاث.
[فرعٌ: الخروج لغير التلقي]
وإن خرج لحاجة غير التلقّي، فوافى القافلة.. فهل يجوز له أن يشتري منهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه لم يقصد التلقي.
والثاني: لا يجوز.
قال ابن الصباغ: وهو الصحيح؛ لأن المعنى الذي نهي عن التلقي لأجله موجود.
وإن خرج، وتلقى القافلة، وباع عليهم المتاع.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصبّاغ:
أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز أن يشتري منهم، ولأن في ذلك اختصاصًا به دون أهل البلد.
والثاني: يجوز؛ لأن النهي تعلّق بالشراء دون البيع.
[مسألةٌ: في التسعير]
التسعير عندنا محرّم، وهو: أن يأمر الوالي أهل الأسواق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا وكذا، سواء كان في بيع الطعام أو في غيره، وسواء كان في حال الرخص أو في حال الغلاء.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إن كان في البلد قحطٌ وجدوبةٌ.. فهل يجوز للسلطان التسعير؟ فيه وجهان.
وقال مالك: (يجوز للسلطان التسعير بكل حال).
دليلنا: ما روى أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر، فسعِّر لنا، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإنِّي لأرجو أن ألقى الله، وليس أحدٌ يطلبني بمظلمة في دم أو مال».
ولأن الناس مسلطون على أملاكهم، فلا يجوز أن يؤخذ منهم إلا برضائهم، ما لم يكن حالة ضرورة.
قال أبو إسحاق المروزي: إنما منع الشافعي من تسعير الطعام إذا كان يجلب إلى البلد، فأمّا إذا كان البلد لا يجلب إليه الطعام، بل يزرع فيها، ويكون عند التناء فيها.. فيجوز للإمام أن يسعر عليهم إذا رأى في ذلك مصلحة.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا غلط، بل الكل محرّمٌ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الغلاء؛ لأن أصحابها يمتنعون من بيعها.
[مسألةٌ: احتكار الطعام]
ويحرم احتكار الطعام، وهو: أن يشتري الإنسان من الطعام ما لا يحتاج إليه في حال ضيقه وغلائه على الناس، فيحبسه عنهم ليزداد في ثمنه، ومن أصحابنا من قال: هو مكروهٌ، وليس بمحرّم.
والأول أصح؛ لما روى أبو أمامة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يُحتكرَ الطعام».
وروى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من احتكر الطعام أربعين ليلة.. فقد برئ من الله، وبرئ الله منه».
وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعونٌ».
وروي: «أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خرج يومًا مع أصحابه، فرأى طعامًا كثيرًا قد أُلقي على باب مكة، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: أُجلب إلينا، فقال: بارك الله فيه، وفيمن جلبه، قيل له: فإنه قد احتكر، قال: ومن احتكره؟ فقالوا: فلان، مولى عثمان، وفلان مولاك، فأرسل إليهما، فجاءا، فقال لهما: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر: سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم.. لم يمت حتى يضربه الله بالجذام أو الإفلاس».
قال الراوي: فأمّا مولى عثمان: فباعه، وقال: والله لا أحتكره أبدًا، وأمّا مولى عمر: فلم يبعه، فرأيته مجذومًا مخدوشًا.
فأمّا إذا جلب الرجل الطعام من بلد إلى بلد، أو اشتراه في وقت رخصه، أو جاءه من ضيعته فحبسه عن الناس.. فإن ذلك ليس باحتكار، إلا أن يكون بالناس ضرورة، وعنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله سنةً، فيجب عليه بيع الفضل، فإن لم يفعل أجبره السلطان على ذلك؛ لأن في ذلك نفعًا للناس من غير ضرورةٍ عليه، ولا يحرم عليه احتكار غير الأقوات؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن احتكار الطعام»، فخص الطعام، فدّل على: أن احتكار غيره يجوز، ولأنه لا ضرر في احتكار غير الأقوات، فلم يحرم.
وبالله التوفيق
باب اختلاف المتبايعين وهلاك المبيع
إذا اختلف المتبايعان في قدر ثمن السلعة، بأن قال المشتري: اشتريتها منك بألفٍ، وقال البائع: بل بعتكها بألفين، ولا بينة لواحد منهما.. فإنهما يتحالفان، وسواءٌ كانت السلعة باقية أو تالفةً في يد المشتري، وبه قال محمد، وأحمد رحمة الله عليهما في إحدى الروايتين.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (إن كانت السلعة باقية.. تحالفا، وإن كانت تالفةً في يد المبتاع.. فالقول قوله مع يمينه).
وهي الرواية الأخرى عن أحمد، وعن مالك ثلاث روايات:
إحداهن: مثل قولنا.
والثانية: مثل قول أبي حنيفة.
والثالثة: إن كان ذلك قبل القبض.. تحالفا، وإن كان بعض القبض.. فالقول قول المشتري.
وقال زفر، وأبو ثور: (القول قول المبتاع بكل حالٍ).
دليلنا: ما روى ابن عبّاس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «البيِّنة على المدعي، واليمين على المدعى عليه».
والبائع هاهنا يدّعي أنه عقد البيع بألفين، وينكر أنه عقده بألف، والمشتري يدّعي أنه عقده بألف، وينكر أنه عقده بألفين، وإذا كان كل واحد منهما مدّعيًا ومدّعى عليه.. وجب أن يكون على كل واحد منهما اليمين، كما لو ادّعى أحدهما على صاحبه عبدًا، وادّعى المدعى عليه على المدّعي جارية، ولأنهما اختلفا في العقد القائم بينهما، وليس معهما بيِّنة، فتحالفا، كما لو كانت السلعة قائمة مع أبي حنيفة، وكما لو كان قبل القبض مع مالك.
[مسألةٌ: اختلاف المتعاقدين]
]: وإن اختلفا في قدر المبيع، بأن قال: المشتري بعتني هذين العبدين بألف، وقال البائع: بل بعتك أحدهما، وهو هذا بألف، أو اختلفا في شرط الخيار، أو في قدره، أو في الأجل، أو في قدره، أو في الرهن، أو في قدره، أو قال البائع: بعتك بثمن بشرط أن تضمن لي فلانًا، فأنكر المشتري ذلك، أو ادّعى المشتري أن البائع شرط له أن يضمن له فلانًا بالعهدة، وأنكر البائع ذلك.. فمذهبنا: أنهما يتحالفان في ذلك كله.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (لا يتحالفان، بل القول قول من ينفيه مع يمينه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اليمين على المدعى عليه»، ولأنهما اختلفا في صفة العقد القائم بينهما، ولا بينة، فتحالفا، كما لو اختلفا في الثمن.
[مسألةٌ: تحالف المختلفين]
]: وإذا أرادا التحالف.. فإن الشافعي قال هاهنا: (يبدأ بيمين البائع).
وهكذا قال في (السَّلَم): (يبدأ بيمين المسلَم إليه).
وهو بائعٌ في الحقيقة.
وقال في (المكاتب): (إذا أراد اختلفا يبدأ بيمين السيد).
وهو بائعٌ في الحقيقة، وقال في (الصداق): (إذا اختلف الزوجان في الصداق يُبدأُ بيمين الزوج).
والزوج كالمشتري، وهذا مخالف لما قبله.
وقال في (الدعوى والبينات): (إن بدأ بيمين البائع.. خير المشتري، وإن بدأ بيمين المشتري.. خير البائع).
وهذا يدل على: أنه بالخيار في البداية.
واختلف أصحابنا في ذلك على طريقين:
فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بيمين البائع، وبه قال أحمد؛ لما روى ابن مسعود: أنّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا اختلف البيِّعان.. فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار».
فبدأ بالبائع أولاً، ولأن جنبته أقوى بعد التحالف؛ لأنهما إذا تحالفا.. رجع المبيع إلى ملكه، فكانت البداية به أولى.
والثاني: يبدأ بيمين المشتري، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن جنبته أقوى قبل التحالف؛ لأن المبيع على ملكه، فكانت البداية به أولى، كما لو ادّعى رجل دارًا في يد آخر.
والثالث: أنهما سواءٌ، فيبدأ بأيهما شاء؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر؛ لأن السلعة يعود ملكها بعد التحالف إلى البائع، وكذا الثمن يعود ملكه إلى المشتري، فلم يكن لأحدهما على الآخر مزية، كما لو كان في يدهما دارٌ، فادّعى كل واحد منهما ملك جميعها.. فإنهما يتحالفان، ويبدأ الحاكم بيمين من شاء منهما.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا القول أقيس، والأول هو ظاهر المذهب.
و [الطريق الثاني]: من أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وإنه يبدأ بيمين البائع، وكذلك في السلم والكتابة، وفي الصداق يبدأ بيمين الزوج؛ لأنهما إذا تحالفا في الصداق.. فإنّ ملك البضع يكون للزوج بعد التحالف، كما أن ملك المبيع يعود إلى البائع بعد التحالف، فأمّا ما ذكره في (الدعوى والبينات): قال الشيخ أبو حامدٍ: فله تأويلان.
أحدُهما: أنّ الشافعي لم يذكر أن هذا مذهبًا له، وإنّما بيّن أن هذا مما يسوّغ فيه الاجتهاد، وإن حاكمًا لو حكم بأنه يبدأ بيمين البائع أو بيمين المبتاع.. نفذ حكمه، ولم ينقض، فأما مذهبه: فيبدأ بيمين البائع.
والتأويل الثاني: أنّ الشافعي إنما قصد بهذا أن يبين أن قولنا: إنه يبدأ بيمين البائع، ليس على وجه الشرط، ولكن على سبيل الاستحباب، ولو بدأ بيمين المبتاع.. صحّ، ووقعت موقعها.
[فرعٌ: التحالف على كل بالنفي والإثبات]
وإذا أرادا التحالف.. فإنّ كلّ واحدٍ منهما يحلف على النفي والإثبات؛ لأن كل واحدٍ منهما مدّع ومنكرٌ لما ادّعي عليه، وهل يحلف كل واحد منهما يمينين، أو يمينًا واحدةً؟ ظاهر ما قال الشافعي هاهنا: أنه يحلف يمينًا واحدةً يجمع فيها بين النفي والإثبات، وقال في (التداعي): (إذا كانت دارًا في أيديهما، فادّعى كل واحد منهما جميع الدار لنفسه.. فإن كل واحد منهما يحلف على النفي، فيحلف أحدهما: أنك لا تستحق شيئًا من نصيبي، ثم يحلف الآخر كذلك، فإذا حلفا جميعًا على النفي.. حلف كل واحدٍ منهما على الإثبات).
فمن أصحابنا من نقل هذا الجواب إلى البيع، فجعل في البيع قولين:
أحدهما: يحتاج أن يحلف كل واحد منهما يمينين؛ لأن كل واحد منهما يدّعي عقدًا وينكرُ عقدًا، فافتقر إلى يمينين، ولأنهما إذا حلف كل واحدٍ منهما يمينًا.. حلف البائع على الإثبات، قبل نكول المشتري، فلم يجز.
والثاني: يكفي أن يحلف كل واحد منهما يمينًا؛ لأنه أقرب إلى فصل الحكم قال الشيخ أبو حامد: ولم يختلفوا أن مسألة التداعي في الدار على قول واحد، فإن كل واحدٍ منهما يحلف يمينين.
وقال ابن الصباغ: على هذا الطريق فيها قولان.
ومن أصحابنا من أجراهما على ظاهرهما، وقال: يحلف كل واحد منهما في التداعي بملك الدار يمينين؛ لأن يد كل واحد منهما ثابتة على نصف الدار، فلو قلنا: إن أحدهما يحلف يمينًا واحدةً: أنّ صاحبه لا يستحق شيئًا من نصيبه.. فإنه يستحق نصيب صاحبه، لكُنَّا قد حلّفناه على إثبات ما بيد غيره قبل نكول صاحب اليد، وهذا لا يجوز.
وفي البيع يكفي كل واحد منهما أن يحلف يمينًا واحدةً؛ لأن كل واحد منهما لا يحلف على إثبات ما بيد غيره، وإنما يحلف على صفة عقد تضمّن نفيًا وإثباتًا، وجاز أن يحلف على الإثبات قبل نكول الآخر؛ لأن النفي تابع للإثبات،
ولأن الحادثة واحدة وهي البيع، فإثبات قول أحد الخصمين نفيٌ لقول الآخر، فجاز الجمع بينهما، وهل يقدم الإثبات على النفي في اليمين أو اليمينين؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: يبدأ بالإثبات قبل النفي، كما يبدأ في اللعان بالإثبات قبل النفي.
و [الثاني]: قال عامّة أصحابنا: يبدأ بيمين النفي قبل الإثبات، وهو الصحيح؛ لأن الأصل في الأيمان إنما هو البداية بالنفي، وهو يمين المدّعى عليه، ولا تكون اليمين على الإثبات إلا عند نكول المدَّعى عليه، أو على سبيل التبع للنفي، بخلاف اللِّعان، فإنه لا نفي فيه، وإنما هو إثبات.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا: يحلف كل واحد منهما يمينًا واحدة.. فإن البائع يحلف يمينًا: ما بعتكها بألف، ولقد بعتكها بألفين، فإذا حلف البائع.. قيل للمشتري: أنت بالخيار: بين أن تأخذ السلعة بألفين، أو تحلف، فإن اختار أن يأخذها بألفين.. أُقرّ العقد، وإن اختار أن يحلف.. حلف: أنه ما اشتراها بألفين، ولقد اشتراها بألف، فإذا حلف فقد تحالفا، وهذا معنى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اختلف البيِّعان.. فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار».
وإن قلنا: يحلف كل واحدٍ منهما يمينًا.. فإن البائع يحلف يمينًا: أنه ما باعها بألفٍ، فإذا حلف.. قيل للمشتري: أتختار أن تأخذ السلعة بألفين، أو تحلف؟ فإن لم يحلف، واختار أخذها بألفين.. لزمه البيع بألفين، وإن اختار أن يحلف.. حلف: أنه ما اشتراها بألفين، ثم يحلف البائع: لقد باعها منه بألفين، ثم يحلف المشتري: لقد اشتراها منه بألفٍ، ويصيران متحالفين، فإن نكل المشتري عن يمين النفي.. حلف البائع: على الإثبات، ولزم المشتري ما حلف عليه البائع، وإن نكل المشتري عن يمين الإثبات.. لزمه ما حلف عليه البائع.
[مسألةٌ: أيفسخ العقد بالتحالف]
وإذا تحالفا لم يبق إلاَّ الفسخ للعقد؛ لأنه لا يمكن إمضاؤه بعد التحالف، وهل ينفسخ بنفس التحالف، أو يفتقر على الفسخ؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: ينفسخ بنفس التحالف، كما ينفسخ النكاح باللعان؛ ولأن بالتحالف صار الثمن مجهولاً، والبيع لا يثبت مع جهالة الثمن.
والثاني ـ وهو المنصوص ـ: (أنه لا ينفسخ إلاَّ بالفسخ)؛ لأن العقد وقع صحيحًا في الباطن، فتداعيهما وتعارضهما باليمين لا يوجب فسخه، كما لو أقام كل واحد منهما بيِّنةً.. فإن البيع لا ينفسخ، وإن كانت التهمة منتفية عن البينة.. فلأن لا ينفسخ بأيمانهما والتهمة غير منتفية عنهما أولى.
فإذا قلنا: إن البيع ينفسخ بالتحالف.. فإن المبيع يرد إلى البائع، فلو أراد المشتري أن يمسكه بما حلف عليه البائع أو رضي البائع بتسليمه بما حلف عليه المشتري.. لم يصح ذلك إلا بعقد جديد.
وإن قلنا بالمنصوص، وأنه لا ينفسخ بالتحالف.. فإنه يقال للمشتري: أترضى أن تمسك المبيع بما حلف عليه البائع، فإن رضي بذلك.. أجبر البائع على تسليمه بذلك؛ لأنه أقر أنه باعه بذلك، وإن لم يرض المشتري بإمساكه بما حلف عليه البائع.. قيل للبائع: أترضى أن تسلِّمَهُ بما حلف عليه المشتري، فإن رضي بذلك.. أُجبر المشتري على ذلك؛ لأنه أقر أنه ابتاعه بذلك، وإن لم يرض واحدٌ منهما.. فُسخَ العقد، وفيمن يفسخه وجهان:
أحدهما: لا يفسخه إلا الحاكم؛ لأنه فسخ مجتهد فيه، فافتقر إلى فسخ الحاكم، كفسخ النكاح بالعنة والإعسار بالنفقة، وفيه احترازٌ من الرد بالعيب.
والثاني: يفسخه من شاء منهما؛ لأن النقص قد دخل على كل واحد منهما؛ لأن البائع يقول: بعته بألفين، ولم يسلم إليّ إلاَّ ألفٌ، والمشتري يقول: أنا أستحق المبيع بألفٍ، والبائع يطلب منِّي ألفين، فكان لكلِّ واحدٍ منهما أن ينفرد بالفسخ، كما
لو اشترى عبدًا بثوب، ووجد كل واحد منهما بما اشتراه عيبًا، فإذا فسخ البيع بينهما بعد التحالف أو انفسخ.. فهل ينفسخ طاهرًا وباطنًا، أو ينفسخ في الظاهر دون الباطن؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ينفسخ ظاهرًا وباطنًا، كما ينفسخ النكاح باللِّعان ظاهرًا وباطنًا، وكما ينفسخ البيع بالرد بالعيب.
والثاني: ينفسخ في الظاهر دون الباطن؛ لأن سبب الفسخ الجهالة بالثمن، والثمن إنما هو مجهول في الظاهر دون الباطن، فكذلك الفسخ.
والثالث: إن كان البائع ظالمًا.. فإن الفسخ يقع في الظاهر دون الباطن؛ لأنه يمكنه تسليم المبيع واستيفاء ما وقع به العقد، فإذا امتنع من ذلك.. كان عاصيًا، فلم يقع الفسخ لذلك، وإن كان البائع مظلومًا.. انفسخ البيع ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه لا يمكنه الوصول إلى حقّه، فانفسخ البيع ظاهرًا وباطنًا، كما لو باع من رجل عينًا، وأفلس المشتري بالثمن، وحجر عليه قبل أن يقبض البائع ثمنه، واختار الرجوع إلى عين ماله.
فإذا قلنا بالوجه الأول، وأن البيع ينفسخ ظاهرًا وباطنًا، أو كان البائع مظلومًا على الوجه الثالث.. فإن المبيع يعود إلى ملك البائع، كما لو ملكه بعقد وتصرف فيه بجميع وجوه التصرفات، وإن كان المبيع جارية.. ملك وطأها.
وإن قلنا بالوجه الثاني، وأن البيع ينفسخ في الظاهر دون الباطن، أو كان البائع ظالمًا على الوجه الثالث.. فإن البائع إذا أخذ المبيع.. لم يملكه في الباطن، وإن كانت جارية لم يملك وطأها؛ لأنها ملك غيره.
والوجه الثالث: يتصرف بين الأولين في التفريع، فكلُّ موضع قلنا: ينفسخ البيع في الظاهر دون الباطن.. نظر فيه:
فإن كان البائع ظالمًا.. لزمه ردُّ المبيع على المشتري.
وإن كان مظلومًا.. حل له أخذه، ويكون كمن له على غيره دين، وامتنع من أدائه، ووجد له شيئًا من ماله من غير جنس حقِّه.. فله أخذه، ولا يملكه بالأخذ،