البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 206-245

كتاب البيوع

صفحات 206-245
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وكذلك: قوله: «أرخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها تمرًا»، وعنده: (لا يجوز بيع الرطب خرصًا بالتمر بحال).
فإن قيل: العرية في اللغة: هي اسم للعطية، يقال: أعراه كذا: إذا أعطاه، ولهذا قال الشاعر: وليست بسنهاء ولا رجبية... ولكن عرايا في السنين الجوائح يقول: إنا نعريها الناس.. قلنا عن ذلك جوابان: أحدهما: ما قال الأزهري: إن العرية: اسمٌ لنخلةٍ مفردةٍ، سواء كانت للبيع أو للأكل، أو للهبة، وعلى هذا يحمل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا زكاة في العرية».
وهي النخلة التي يفردها الخارص لرب الحائط ليأكل منها.

والثاني: ما قال بعض أهل اللغة: إن العرية: هي النخلة التي عليها ثمرةٌ أرطبت، سميت: عرية؛ لأن الناس يعرونها لتلتقط الثمرة منها، يقال: عريت الرجل: إذا قصدته لتستميحه.
ومنه قول النابغة: أتيتك عاريا خلقا ثيابي... على عجل تظن بي الظنون إذا ثبت هذا: فإن العرايا تصح للفقراء، بلا خلاف على المذهب، وهل تصح للأغنياء؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز، وهو اختيار المزني، وبه قال أحمد؛ لما روي «عن محمود بن لبيد: (أنه قال: قلت لزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: ما عراياكم هذه؟ فسمَّى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أن الرطب يأتي، ولا نقد عندهم يبتاعون به رطبا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم، يأكلونها رطبا مع الناس».
والثاني: يجوز، وهو الصحيح؛ لما روى سهل بن أبي حثمة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع التمر بالتمر، إلا أنه أرخص في العرايا أن تباع بخرصها تمرًا، يأكلها أهلها رطبًا».
ولم يفرق بين الأغنياء والفقراء، ولأن كل بيع جاز للفقراء.. جاز للأغنياء، كسائر المبيعات.

وأما حديث محمود بن لبيد: فلا حجة فيه أنه لا يجوز للأغنياء؛ لأن المحتاجين كانوا هم السبب، وأما الرخصة: فعامة، كما أن سبب الرمل في الاضطباع كان لإظهار الجلد للمشركين، ثم زال السبب والحكم باق.

[فرعٌ: بيع الرطب على رؤوس النخل بالرطب على الأرض]

]: وإن باع رطبا على رؤوس النخل، برطب على الأرض، أو برطب على رؤوس النخل.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز، وهو قول ابن خيران؛ لما روى زيد بن ثابت: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص في بيع العرية بالتمر والرطب).
ولم يفرق، وروي: (بالتمر أو الرطب».
والثاني ـ حكاه الشيخ أبو حامد، عن أبي إسحاق ـ: إن كان على رؤوس النخل.. جاز، وإن كان أحدهما على الأرض.. لم يجز؛ لأنهما إذا كانا على رؤوس النخل، فربما يريد أحدهما نوعًا من الرطب غير النوع الذي عنده، فيأكله أيًّامًا من نخله.
وإذا كان أحدهما على الأرض.. لا يمكنه أن يأكله أيامًا؛ لأن أكثر ما يبقى رطبا يومًا أو يومين.
وأما صاحب " المهذب "، وابن الصباغ: فحكيا قول أبي إسحاق: إن كانا نوعًا واحدًا.. لم يجز.
وإن كانا نوعين.. جاز من غير تفصيل.
ولعلهما أرادا إذا كان النوعان على رؤوس النخل.
والوجه الثالث ـ وهو قول أبي سعيد الإصطخري ـ: أنه لا يجوز بحال؛ لما روي في حديث سهل بن أبي حثمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع تمر النخل بتمر النخل، إلا أنه أرخص في العرايا أن تباع بخرصها تمرًا».

فيجوز بيعها بالتمر خاصة، ولأنه إذا باع الرطب بالتمر.. دخل الخرص في أحد العوضين، فيقل الغرر، وأما إذا باع الرطب بالرطب: دخل الخرص في العوضين، فيكثر الغرر.

[فرعٌ: بيع المحاقلة والمزابنة]

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المحاقلة والمزابنة».
واختلف في تأويله: فذهب الشافعي إلى: (أن المحاقلة: أن يبيع الرجل الحنطة في سنبلها بحنطة موضوعة على الأرض.
والمزابنة: هو أن يبيع الرجل التمر على رؤوس النخل بما زاد على خمسة أوسق من التمر على الأرض).
وذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى: (أن المحاقلة: استكراء الأرض ببعض ما يخرج منها.
والمزابنة: هو أن يقول الرجل لصاحبه: كم في صبرتك هذه؟ فيقول: أقل من خمسين قفيزًا، فيقول الآخر: بل فيها أكثر من خمسين قفيزًا فيقال لمالكها: اكتل الآن، فإن نقصت عن خمسين قفيزًا.. فعلي تمامها، وإن زادت على الخمسين.. فلي الفضل).
دليلنا: ما روى الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن المحاقلة والمزابنة».

فـ (المحاقلة): أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق من حنطة.
و (المزابنة): أن يبيع التمر على رؤوس النخل بمائة فرق تمرًا.
وهذا أشبه باللغة.
قال الأزهري: الحقل القراح: المزروع، والحواقل: المزارع.
وأما منفعة الأرض: فليست بحقل.
والمزابنة: مأخوذة من المدافعة.
فكأن المتبايعين إذا وقعا فيها.. تبايعا على غبن، وأراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن إمضاءه، فتزابنا، أي: تدافعا، واختصما، وإنما تعلق ذلك بالثمرة؛ لأنها مجهولة يجري فيها التغابن.
وما ذكره مالك في الصبرة.. فليس بعقد بيع يتناوله النهي، وإنما هو قمار ومخاطرة.
إذا ثبت ما ذكرناه: فلا يجوز بيع العرايا فيما زاد على خمسة أوسق بعقد واحد.
وهل يصح بيع العرايا في خمسة أوسق؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز، وهو اختيار المزني؛ لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص في بيع العرايا: الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربعة».

وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص من بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق».
وشك داود بن الحصين في الخمسة، فبقي على الحظر.
ولأن الخمسة الأوسق في حكم ما زاد، بدليل: أن الزكاة تجب فيها، كما تجب فيما زاد عليها.
والقول الثاني: يجوز؛ لما روى سهل بن أبي حثمة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص في العرايا».
وهذا يتناول الخمسة الأوسق وما زاد، إلا أن الدليل قد دل على أنه لا يصح فيما زاد على خمسة أوسق، فبقي في الخمسة على عموم الخبر.
فإذا قلنا بهذا: قال صاحب " التلخيص ": لو اشترى رجلٌ عشرة أوسق من رجلين بعقد.. لم يجز.
ولو باع رجلٌ من رجلين عشرة أوسق بعقد.. جاز.
فمن أصحابنا من سلم له هذا التفصيل، وفرق بينهما، وهو أنه: إذا اشترى من رجلين عشرة أوسق بعقد.. فقد دخل في ملكه جملة واحدة بعقد واحد عشرة أوسق، فلم يجز.
وإذا باع.. لم يخرج من ملكه إلى كل واحد منهما إلا خمسة أوسق، فصار كالمفرد.
ومنهم من لم يسلم له هذا، وقال: يصح في الجميع، وهو الأصح؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين، بحكم العقدين من أي جانب كان.
وقد ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ ما يوافق هذا الوجه، فقالا: إذا باع رجل تسعة أوسق على رؤوس النخل من رجلين بتسعة أوسق تمرًا في عقد واحد.. جاز.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لا يجوز).
دليلنا: أن بيعه من اثنين يجري مجرى العقدين المنفردين.
وكذلك إن باع رجلان تسعة أوسق، من رجل بتسعة أوسق بعقد.. صح؛ لما ذكرناه.
وإن باع رجل عشرة أوسق من رجلين.. فعلى القولين، فيمن باع خمسة أوسق بعقد من رجل.
وإن باع

رجل تسعة عشر وسقا من أربعة رجال بمثلها في عقد.. صح؛ لأنها في حكم أربعة عقود.
وهكذا: لو باع اثنان من اثنين تسعة عشر وسقا بمثلها بعقد.. صحّ؛ لأنها في حكم أربعة عقود.
وإن باع رجل عشرين وسقا بمثلها من أربعة رجال بعقد واحد.. ففيه قولان، كما لو باع رجل رجلاً كلّ خمسة أوسق.
وإن باع رجلان عشرة أوسق من رجل بعقد.. فعلى القولين.
وإن باع ثلاثة رجال عشرين وسقا بمثلها من رجلين بعقد، أو باع خمسة رجال عشرين وسقا بمثلها من رجلين بعقد.. فعلى قياس ما ذكره الشيخ أبو حامد: أنه يصح، قولاً واحدًا؛ لأن بيع الثلاثة من اثنين بعقد بحكم ستة عقود، فيصير كما لو باع كل واحد ثلاثة أوسق وثلثا بعقد، وبيع الخمسة من اثنين بحكم عشرة عقود، فيصير كما لو باع كل واحد وسقين بعقد.

[فرعٌ: بيع الحائط كله عرية]

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويبيع صاحب الحائط لكل من رخص له، وإن أتى على جميع حائطه).
وجملة ذلك: أنه يجوز لصاحب الحائط أن يبيع حائطه كله على وجه العرية، فيبيع من رجل ما دون خمسة أوسق بعقد، أو خمسة أوسق إذا قلنا: يجوز، ثم يبيع صفقة أخرى كذلك منه، أو من غيره حتى يأتي على جميع الحائط.
قال القفال: وهذا إذا لم يجب فيه الزكاة، فأما إذا وجبت فيه الزكاة: فقد مضى الكلام فيه في الزكاة.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لا يجوز للرجل أن يبيع أكثر من عرية واحدة).
دليلنا: عموم حديث سهل بن أبي حثمة، ولم يفرق؛ ولأن كل بيع جاز بين المتبايعين مرة.. جاز أن يتكرر، كسائر البيوع.

فإن قيل: هذا يؤدي إلى المزابنة، وقد نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنها.
فالجواب: أن المزابنة هو العقد الواحد على ما زاد على خمسة أوسق، فإذا لم يوجد ذلك.. لم يكن محرمًا، وإن كان بتفريقه يحصل به ذلك، كما أنه لا يجوز بيع درهم بدرهمين، ومعلوم أنه لو باع درهمًا بذهب، ثم اشترى بالذهب درهمين.. جاز ذلك.

[فرعٌ: العرية في غير الرطب]

وما جاز من العرايا في الرطب على النخل، بالتمر على الأرض.. جاز في العنب على الشجر، بالزبيب على الأرض.
وقال الليث: (لا تجوز العرايا إلا في النخل خاصة).
دليلنا: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رخَّصَ في العرايا».
وهو بيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب.
ولأن العنب ثمرة تجب فيها الزكاة، ويُخرَصُ كما يُخرَصُ التمرُ، فجاز فيه العرايا، كالتمر.
وأمّا ما عداهما من الثمار، كالفرسك والمشمش والإنجاص.. فهل

يجوز بيع رطبها على الشجر باليابس منه فيما دون خمسة أوسق؟ فيه طريقان: أحدهما ـ وهو المشهور ـ: أنها على قولين: أحدهما: لا يجوز؛ لأن هذه الثمار لا يجب فيها الزكاة، ولا يمكن فيها الخرص؛ لاستتارها بالأوراق.
والثاني: يجوز؛ لأن الحاجة تدعو إلى الرطب منها، كالرطب والعنب.
والطريق الثاني ـ حكاه صاحب " المعتمد " ـ: أنه لا يجوز، قولاً واحدًا؛ لما ذكرناه للقول الأول.

[فرعٌ: بيع التمر بالتمر قبل نزع نواه]

]: يجوز بيع التمر بالتمر قبل نزع النوى مثلا بمثل؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التمر بالتمر».
ولم يفرق؛ ولأن في بقاء النوى في التمر مصلحة للتمر.
وإن باع منه ما نزع نواه، بما لم ينزع نواه.. لم يصح البيع؛ لأنه باع ما هو على هيئة الادخار ـ وهو: ما لم ينزع نواه ـ بما ليس على هيئة الادخار ـ وهو: ما نُزع نواه ـ على وجهٍ يتفاضلان في حال الادخار، فلم يصح، كبيع الرطب بالتمر.
فقولنا: (على وجهٍ يتفاضلان في حال الادخار) احترازٌ من بيع الرطب بالتمر في العرايا؛ لأنهما لا يتفاضلان في حال الادخار.
وإن باع منه ما نزع نواه، بعضه ببعض.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لما روى عبادة بن الصامت: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح كيلا بكيل».
ولم يفرق بين أن ينزع نواه، أو لم ينزع.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه إذا نزع عنه النوى.. فقد زال عن هيئة الادخار، فلم يصح بيع بعضه ببعض، كالدقيق بالدقيق؛ ولأنه إذا نزع نواه.. تجافى في المكيال، فلا يتحقق التساوي فيه، فلم يصح.

[مسألة: بيع المطبوخ بالنِّيء]

قال الشافعي: (ولا يجوز بيع شيء من الجنس الواحد مطبوخًا منه بنِيء بحال إذا كان يدَّخر مطبوخًا).
وهذا كما قال: قد ذكرنا: أن عصير العنب والسفرجل والتفاح والرمان والكُمَّثْرى أجناسٌ، على المشهور من المذهب، فإذا بيع بعض الجنس منها ببعض.. نظرت: فإن كان باع النِّيء منها بالنِّيء منها.. جاز فيهما متماثلا، ولا يجوز متفاضلاً.
وإن كان مطبوخًا.. فلا يصح بيعه بالنِّيء منها.
ولا يصح بيع المطبوخ منها بالمطبوخ؛ لأن النار دخلت فيه، فيؤدي إلى الجهل بالتماثل.
فإن قيل: أليس التمر تجففه الشمس، ويختلف تجفيفها فيه؟ فكيف جاز بيع بعضه ببعض؟ قلنا: لأن تلك حالة ادّخار التمر.
والعصير حالة ادخاره قبل طبخه.
وإن أراد أن يبيع جنسًا من الأعصار بجنس آخر.. جاز، سواءٌ كانا مطبوخين أو نيئين، أو أحدهما نِيئًا، والآخر مطبوخًا؛ لأنها أجناس، على المشهور من المذهب، فلا يعتبر فيها التساوي.

[فرعٌ: بيع اللحم باللحم]

ولا يجوز بيع اللحم النِّيء بالمطبوخ، ولا بيع المطبوخ بالمطبوخ.
وقال أبو حنيفة: (يجوز بيع النِّيء بالمطبوخ متماثلاً، ولا يجوز بيعه متفاضلاً).
وقال مالكٌ: (يجوز متماثلاً، ومتفاضلاً).

دليلُنا: أنه جنس فيه ربا، فلم يجز بيع نيئه بمطبوخه، ولا بيع مطبوخه بمطبوخه، كالتمر بالدبس، والحنطة بسويق الدقيق.

[فرعٌ: بيع العسل بالعسل]

وأما عسل النحل المصفّى بالشمس: فيجوز بيع بعضه ببعض؛ لأن الشمس لا تعقد أجزاءه، وإنما تذيبه، وتميّزه من الشمع.
وإن صُفي بالنار.. فهل يجوز بيع بعضه ببعض؟ حكى صاحب " المهذب " و " الشامل " فيه وجهين: أحدُهما: لا يجوز؛ لأنَّ النار دخلت فيه، وربما عقدت أجزاء بعضه أكثر من بعض.
والثاني: يجوز، وهو الصحيح؛ لأن نار التصفية ليِّنةٌ، لا تعقدُ الأجزاء، وإنما تميزُهُ من الشمع، فهو كما لو صُفي بالشمس.
وقال الشيخ أبو حامد في " التعليق ": إن أغلاه بالنار غليانًا يسيرًا.. جاز بيع بعضه ببعض، وإن كان غليانًا كثيرًا.. لم يجز بيع بعضه ببعض.
وهل يجوز بيع السكر بعضه ببعض؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن النار تدخل فيه لعقد الأجزاء ولنقصانه.. فلم يجز بيع بعضه ببعض؛ كالدبس.
والثاني: يجوز، وهو الأصح؛ لأن النار تدخله لتصفيته من القصب، لا لعقد الأجزاء، فإذا باع العسل بالعسل، والسكر بالسكر.. فكيف يباعان؟ فيه وجهان: أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: أنهما يباعان كيلاً؛ لأن أصلهما الكيل.
والثاني ـ وهو المنصوص ـ: (أنهما يباعان وزنًا)؛ لأنه أحصر، ولأن السكر يتجافى في المكيال، وإن دق ليكال.. زال عن هيئة الادخار.
وهكذا الوجهان في السمن.

مسألة: بيع الدقيق بالحنطة

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يجوز بيع الدقيق بالحنطة).
وهذا كما قال.
واختلف أهل العلم في بيع الحنطة بدقيقها: فذهب الشافعي إلى: (أنه لا يجوز بيع الحنطة بدقيقها، لا متماثلاً، ولا متفاضلاً، لا كيلاً، ولا وزنًا).
وبه قال حمَّاد بن أبي سليمان، والثوري، وأبو حنيفة.
وذهب مالك، وابن شبرمة إلى: (أنه يجوز بيع الحنطة بدقيقها متماثلاً، كيلا بكيل).
وذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق إلى: (أن ذلك يجوز وزنًا بوزن).
وحكي عن أبي ثور: أنه قال: (يجوز بيع الحنطة بدقيقها متفاضلاً).
وحكي عن الكرابيسيّ: أنه قال: قال أبو عبد الله: (يجوز بيع الحنطة بدقيقها كيلا بكيل).
فجعل أبو الطيب بن سلمة هذا قولا آخر للشافعي.
وقال سائر أصحابنا: ليس ذلك بقول للشافعي.
ولعل الكرابيسي أراد بذلك مالكًا أو أحمد.
ودليلنا: أنه جنس فيه الربا، فلم يجز أن يباع منه ما زال عن هيئة الادخار، بصنعة آدمي بأصله الذي هو على هيئة الادخار، كبيع التمر بنخله.
فقولنا: (بصنعة آدمي) احترازٌ من بيع التمر المسوِّس، بغير المُسوِّس، فإن ذلك يجوز، ولأن الدقيق هو الحنطة، وإنما تفرّقت أجزاؤها بالطحن، فإذا بيع بالحنطة كيلا.. أدى إلى التفاضل في حال الادخار؛ لأن الدقيق يتجافى في المكيال،

والحنطة ينضم بعضها إلى بعض؛ لأنها شديدة، فإذا طحنت تفرقت، فلو جمع بعضه إلى بعض.. لم يجتمع كخلقة الأصل، فإذا بيع كيلاً.. أدى إلى التفاضل في حال الادخار.

[فرعٌ: بيع مطحون الجنس الواحد]

]: وأما بيع دقيق الجنس بعضه ببعض: فالمنصوص: (أنه لا يجوز).
وروى المزني عنه في (المنثور): (أنه يجوز).
وهو رواية البويطي أيضًا، وبه قال أحمد، ومالك.
وقال أبو حنيفة: (يجوز بيع الناعم بالناعم، والخشن، بالخشن، ولا يجوز بيع الخشن بالناعم).
دليلُنا: أن الدقيق هو نفس الطعام، وإنما تفرّقت أجزاؤه بالطحن، وقد لا يتفقان في النعومة والخشونة، فيأخذ الخشن من المكيال أكثر مما يأخذه الناعم، فيؤدّي إلى التفاضل حال الادخار، فلم يجز.

[فرعٌ: بيع الحنطة بالسويق]

ولا يجوز بيع الحنطة بسويقها؛ لما ذكرناه في الدقيق؛ لأن السويق أسوأ حالاً من الدقيق؛ لأن السويق قد دخله الماء والنار والطحن.
ولا يجوز بيع السويق بالسويق.
وقال أبو حنيفة فيه: (يجوز).
كما يجوز عنده بيع الدقيق بالدقيق، وقد مضى الدليل عليه في بيع الدقيق بالدقيق.
والسويق أسوأُ حالاً من الدقيق على ما ذكرناه.

ولا يجوز بيع الدقيق بالسويق من جنسه، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة.
وروى عنه أبو يوسف روايةً شاذّة: (أنه يجوز).
وقال أبو يوسف، ومالك: (يجوز متماثلاً ومتفاضلاً؛ لأنهما جنسان).
دليلُنا: ما ذكرناه في الدقيق بالدقيق، والسويق أسوأ حالاً من الدقيق على ما بيّناه.
ولا يجوز بيع خبز الحنطة بالحنطة، ولا بدقيقها، وبه قال أحمد.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز متفاضلاً.
وهو قياس قول أبي ثور في الحنطة بالدقيق.
دليلُنا: أنه فرعٌ لأصل يحرم فيه الربا، فلم يجز بيعه به، كالدقيق بالحنطة.
وأما بيع الخبز بمثله من جنسه: فإن كانا رطبين أو أحدهما.. لم يجز.
وقال محمد بن الحسن: يجوز بيعهما متماثلين.
دليلُنا: أنه جنس في الربا، يباع بعضه ببعض، على وجه يتفاضلان في حال الكمال والادخار.. فلم يجز، كبيع الخبز بالحنطة.
وأما إذا كانا يابسين مدْقوقين يمكن كيلُهما.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه قد خالطهما الماء والملح والنار، وقد يكثر في أحدهما دون الآخر.
والثاني: أنه يجوز؛ لأن ذلك حالة كماله وادخاره، فجاز بيع بعضه ببعض، كالحنطة.

مسألة: بيع الشيء بما يستخلص منه

ولا يجوز بيع السمسم بالشيرج، ولا بيع العنب بعصيره، ولا بخل الخمر، ولا بخل الزبيب؛ لأن فيهما مثل ما يباعان به، وذلك يؤدّي إلى التفاضل.
ويجوز بيع خل الخمر بخل الخمر.
ويجوز بيع خل الخمر بعصير العنب متساويًّا؛ لأن ذلك حالةُ

ادّخاره، فهو كبيع الزبيب بالزبيب.
ولا يجوز بيع خل الخمر بخل الزبيب؛ لأن أصلهما واحد، وفي خل الزبيب ماء، وذلك يمنع تماثلهما.
ولا يجوز بيع خل الزبيب بخل الزبيب، ولا بيع خل التمر بخل التمر؛ لأنّا إن قلنا: إن في الماء ربا.. لم يجز؛ لمعنيين، وهما: الجهل بتماثل الماءين، والجهل بتماثل الخلين.
وإن قلنا: لا ربا في الماء.. لم يجز؛ للجهل بتماثل الخلين.
وهل يجوز بيع خل التمر بخل الزبيب؟ إن قلنا: إن في الماء ربا.. لم يجز؛ للجهل بتماثل الماءين.
وإن قلنا: لا ربا في الماء.. جاز بيع أحدهما بالآخر متماثلاً ومتفاضلاً؛ لأنهما جنسان، على المشهور من المذهب، وكذلك يجوز بيع خل الخمر وعصير العنب، بخل التمر متفاضلا ومتماثلاً؛ لأنهما جنسان، على المشهور من المذهب.

[فرعٌ: بيع المدقوق بالمدقوق]

قال المسعودي [في " الإبانة " ق\220]: ولا يجوز بيع السمسم المدقوق بالسمسم المدقوق، كما لا يجوز بيع الدقيق بالدقيق.
وأما بيع الشيرج بكسبه - وهو: عصارة السمسم - ففيه وجهان: قال المسعودي [في " الإبانة " ق\220]: يجوز؛ لأنهما جنسان.
وقال أكثر أصحابنا: لا يجوز؛ لأنه لا يخلو من أن يبقى فيه شيء من الشيرج.

مسألة: بيع اللبن بلبن في الضرع

ولا يجوز بيع شاةٍ في ضرعها لبن بلبن الغنم؛ لأنه بيع لبن وغنم، بلبن؛

لأن اللَّبن في الضرع يقابله قسط من الثمن، ولهذا إذا اشترى شاةً مصراةً ولم يعلم بها، ثم علم بها، فردّها.. وجب عليه بدل اللبن.
وإن باع شاةً في ضرعها لبنٌ، بلبن بقر أو إبل، فإن قلنا: إن الألبان جنس واحد.. لم يَجُزْ، لما ذكرناه.
وإن قلنا: إن الألبان أجناس.. جاز البيع، ويشترط التقابض فيهما قبل التفرق؛ لأنهما مطعومان.
وإن باع شاةً مذبوحةً في ضرعها لبنٌ، بلبن البقر، فإن كانت غير مسلوخة.. لم يصح البيع؛ لأن بيعها قبل سلخها لا يجوز.
وإن كانت قد سلخت، فإن قلنا: إن الألبان جنس.. لم يجز.
وإن قلنا: إن الألبان أجناس.. صح البيع، ويشترط قبضهما قبل التفرق.
وإن كان لا لبن في ضرع الشاة المذبوحة، فباعها بلبن قبل السلخ.. لم يجز؛ للجهل باللحم، وإن كان بعد السلخ.. صح البيع؛ لأنهما جنسان، ويشترط القبض فيهما قبل التفرق؛ لأنهما مطعومان.
وإن كان في ضرع الشاة لبن، فحلبها، ثم باعها بلبن شاةٍ.. قال الشافعي: (صح البيع ولا اعتبار باللبن اليسير الذي لا يحلب في العادة).

مسألة: بيع اللبن في الضرع بلبن في الضرع

وإن باع شاة في ضرعها لبن، بشاة في ضرعها لبن.. ففيه وجهان: [الأول]: قال أبو الطيب بن سلمة: يصح البيع، كما يصح بيع السمسم بالسمسم

وإن كان في كل واحد منهما شيرج، وكما يصح بيع دار بدار وإن كان في كل واحدة منهما بئر ماء.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: لا يصح البيع، وهو المنصوص؛ لأن اللبن في الضرع، كاللبن في الإناء، فلم يصح، كما لو باع حيوانًا ولبنًا، بحيوان ولبن.
وأمَّا السمسم بالسمسم: فالفرق بينهما: أن الشيرج في السمسم كالمعدوم؛ لأنه لا يؤخذ منه إلا بطحن ومعالجة.
واللبن في الضرع يمكن أخذه من غير مشقة شديدة، فهو كاللبن في الإناء.
وأمَّا الماء في البئر: فإن قلنا: إن الماء غير مملوك.. لم يكن فيه ربا؛ لأنه لم يتناوله البيع.
وإن قلنا: إنه مملوك، فإن قلنا: إن في الماء ربًا.. لم يجز بيع دار بدار، وفي كل واحدة منهما بئر ماء.
وإن قلنا: لا ربا في الماء.. جاز.

[فرعٌ: بيع حليب الجنس]

ويجوز بيع حليب الجنس بعضه ببعض متماثلاً، كما يجوز بيع التمر بالتمر.
ويجوز بيع الرائب بالرائب، وهو: اللبن الذي فيه بعض حموضةٍ، كما يجوز بيع تمر غير طيب بتمر غير طيب.
ويجوز بيع الحليب بالرائب، كما يجوز بيع تمر طيب بتمر غير طيب.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يجوز بيع الحليب المغلي بغير المغلي، ولا بيع المغلي بالمغلي؛ لأن النار تعقد أجزاءه.
ولا يجوز بيع الحليب المشوب بالماء الخالص، ولا بيع المشوب بالمشوب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تفاضل اللبنين.
ولا يجوز بيع اللبن بالزبد.
قال الشافعي: (لأن الزبد مستخرج من اللبن، فيكون كبيع السمسم بالشيرج).
وقال الشيخ أبو إسحاق: العلة فيه: أن الزبد لا يخلو من لبن، فيكون بيع لبن مع غيره بلبن، والصحيح: التعليل الأول.

ولا يجوز بيع اللبن بالسمن؛ لعلة الشافعي: أن في اللبن سمنًا، ولا يجوز بيعه باللبن المخيض، وهو: لبن منزوع الزبد؛ لأن في اللبن غير المخيض زبده، وقد نزع من المخيض زبده، فهو أنقص من اللبن.
ولا يجوز بيع اللبن باللِّبأ، ولا بالمصل، ولا بالأقط، ولا بالشيراز؛ لأن أجزاءها منعقدة بالشمس والنار، فلا يمكن كيلها، ولا يجوز بيعها وزنًا؛ لأن أصل اللبن الكيل.
فأما بيع ما يتخذ من اللبن بعضه ببعض: فإن باع السمن بالسمن.. جاز؛ لأنه بلغ حالة ادخاره، والنار دخلته للتمييز، لا لعقد الأجزاء، والمنصوص: (أن أصله الوزن)؛ لأنه أحصر.
وقال أبو إسحاق: يباع كيلاً؛ لأنه أصله.
وأما بيع الزبد بالزبد: ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، كما يجوز بيع السمن بالسمن.
والثاني ـ ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق، والشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره ـ: أنه لا يجوز؛ لأن فيه لبنًا، فيكون بيع لبن وزبد، بلبن وزبد.
وأما بيع المخيض بالمخيض: فإذا كان لم يطرح في أحدهما الماء للضرب..

جاز، كالرائب بالرائب.
وإن طرح الماء فيهما، أو في أحدهما.. لم يجز؛ لتفاضل الماءين والمخيضين.
وأما بيع المصل بالمصل، والأقط بالأقط، والجبن بالجبن، واللِّبأ باللِّبأ.. فلا يجوز؛ لأن أجزاءها منعقدة، وقد دخلت الإنفحة والملح في الجبن، فيكون بيع لبن وغيره بلبن وغيره.
ولا يجوز بيع السمن بالزبد؛ لأن السمن مستخرج من الزبد، فلم يجز بيعه به، كما لا يجوز بيع الشيرج بالسمسم.
وأما بيع الزبد بالمخيض: فالمنصوص: (أنه يجوز)؛ لأن اللبن الذي في الزبد كالمستهلك.
وقال أبو إسحاق المروزي، والشيخ أبو حامد: لا يجوز؛ لأن في الزبد شيئًا من اللبن.
ولا يجوز بيع المصل بالأقط، ولا بيع الأقط بالجبن ولا باللبأ؛ لأن أجزاءها منعقدة، ويختلف انعقادها.
ويجوز بيع السمن بالمخيض؛ لأنه ليس في السمن شيء من المخيض.
قال أصحابنا: ويجوز بيع السمن بالمخيض متفاضلا؛ لأنهما جنسان، وهكذا إذا قلنا: يجوز بيع الزبد بالمخيض.. فإنه يجوز متفاضلا؛ لأنهما جنسان.

مسألة: بيع اللحم بالحيوان

إذا باع لحم إبل بإبل، أو لحم غنم بغنم، أو لحم بقر ببقر.. لم يصح البيع، وبه

قال أبو بكر الصديق، والفقهاء السبعة، ومالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجوز بيع اللحم بالحيوان حتى لو باع رطل لحم بحيوان.. جاز).
وبه قال أبو يوسف.
وقال محمد: يجوز إذا كان اللحم أكثر من لحم الحيوان حتى تكون الزيادة بإزاء الجلد.
دليلنا: ما روى سهل بن سعد الساعدي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان».
وروى سعيد بن المسيب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الحي بالميت».

ولأنه جنس فيه الربا تبع أصله الذي فيه مثله، فلم يصح، كما لو باع الشيرج بالسمسم، وكان الشيرج أقل من الشيرج الذي في السمسم، أو مثله.. فإن أبا حنيفة قد وافقنا عليه: (أنه لا يجوز).
وأما إذا كان الشيرج أكثر من الشيرج الذي في السمسم: فإنه قال: (يجوز؛ لكون الزيادة بإزاء الكسب).
ودليلنا: أنه باعه بأصله الذي فيه مثله، فلم يجز قياسًا على الذي وافقنا.
وأما إذا باع اللحم بحيوان لا يؤكل، كالبغل والحمار.. فهل يصح؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لعموم نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع اللحم بالحيوان.
والثاني: يجوز، وبه قال مالك، وأحمد؛ لأن هذا الحيوان لا ربا فيه، فجاز بيعه فيه، كما لو باع اللحم بالثوب.
وإن باع لحم جنس من الحيوان بجنس غيره من الحيوان المأكول، كبيع لحم الإبل بالغنم، أو بالبقر، فإن قلنا: إن اللُّحمان جنس واحد.. لم يصح البيع؛ لما ذكرناه.
وإن قلنا: إن اللُّحمان أجناس.. ففيه قولان، كما لو باعه بحيوان لا يؤكل: أحدهما: لا يجوز، وبه قال مالك، وأحمد؛ لعموم نهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع اللحم بالحيوان.
وروى ابن عباس: (أن جزورًا نُحِر على عهد أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني بهذه العناق لحمًا، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا).
والجزور لا تنحر بحضرة الخليفة إلا وهناك أماثل الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولم يخالفه أحد.
والثاني: يجوز؛ لأنه باعه بما ليس فيه أصله، فجاز، كما لو باع اللحم بالثوب.
فإن باع لحمًا بسمكةٍ حيَّةٍ، أو باع لحم السمك بحيوان.. قال ابن الصباغ: فإن قلنا: إنه من جملة اللُّحمان.. فهو كما لو باع لحم غنم ببقر.
وإن قلنا: إنه ليس من جُملة اللُّحمان.. كان فيه قولان، كما لو باع اللحم بحيوان لا يؤكل.

[فرعٌ: بيع الدجاجة فيها البيض ببيض]

وإن باع دجاجة فيها بيضٌ ببيضِ دجاجةٍ.. لم يجز، قولاً واحدًا؛ لأن ذلك بمنزلة بيع شاةٍ في ضرعها لبنٌ بلبنِ شاةٍ.
وبالله التوفيق

باب بيع الأصول والثمار

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -[في " الأم " (3/39) ]: (وكل أرض بيعت، فللمشتري جميع ما فيها من بناء وأصل.
و (الأصل): ما له ثمرة بعد ثمرة من شجر وزرع).
وهذا كما قال إذا بيعت الأرض وفيها بناءٌ أو شجرٌ، فإن قال: بعتك هذه الأرض بحقوقها.. دخل البناء والشجر في البيع؛ لأنه من حقوقها.
وإن لم يقل: بحقوقها، ولكن قال: بعتك هذا البستان.. دخلت الأرض والشجر الذي فيها في البيع؛ لأن البستان اسم يجمعهما.
وهكذا: إن قال: بعتك هذه الدار.. دخل في البيع الأرض والحيطان والسقوف والأبواب؛ لأن الدار اسم يجمع ذلك كله.
وإن لم يقل ذلك، ولكن قال: بعتك هذه الأرض.. فهل يدخل البناء والشجر في البيع.. نص الشافعي في (البيع): (أنّ ذلك يدخل).
وقال في (الرهن): (إذا قال: رهنتك هذه الأرض.. لم يدخل البناء والشجر).
واختلف أصحابنا فيهما على ثلاث طرق: فـ[الأول]: قال أبو العباس: لا يدخل فيهما؛ لأن الأرض اسمٌ للعرصة دون ما فيها.
وقوله في (البيع) أراد: إذا قال بحقوقها.

و [الثاني]: منهم من نقل جوابه في كل واحدةٍ من المسألتين إلى الأخرى، وخرَّجهما على قولين: أحدهما: يدخل فيهما؛ لأن البناء والشجر من حقوق الأرض، فدخل في بيعها بمطلق العقد، كطرقها.
والثاني: لا يدخل؛ لأن الأرض اسمٌ للعرصة وحدها.
[والثالث]: منهم من حمل المسألتين على ظاهرهما، فقال في (البيع): (يدخل) بالإطلاق.
وفي (الرهن): (لا يدخل) من غير شرط، وفرَّق بينهما بفرقين: أحدهما: أن البيع عقد قوي يزيل الملك، فتبع فيه البناء والشجر، والرهن عقد ضعيف لا يزيل الملك، فلم يتبع فيه البناء والشجر.
والثاني: أنه لما كان النماء الحادث من المبيع بعد العقد للمشتري.. جاز أيضًا أن يتبعها البناء والشجر.
ولمَّا كان النماء الحادث من الرهن بعد العقد للراهن.. جاز أن لا يتبعها البناء والشجر.
وإن قال: بعتك هذه القرية.. لم تدخل المزارع فيها؛ لأن اسم القرية حقيقة إنما يقع على البيوت والدروب الدائرة عليها، دون المزارع، ولهذا لو حلف لا يدخل قرية، فدخل مزارعها.. لم يحنث.

مسألة: دخول المرافق في بيع الدار

]: إذا قال: بعتك هذه الدار.. فقد قلنا: إن ذلك يشتمل على الأرض والبناء، ويدخل فيها الأبواب المنصوبة، والسلالم، والرفوف المسمرة، والأوتاد المغروزة،

والجوابي، والأجاجين المدفونة فيها؛ لأن ذلك من مرافقها المتصلة بها، فهي كطرقها.
وإن كان فيها سلم أو رف غير مسمر.. لم يدخل في البيع، وكذلك الدلو والحبل والبكرة لا تدخل في البيع؛ لأن ذلك غير متصل بها، ولا هو من مرافق الدار، فلم يدخل فيها، كالمتاع الموضوع في الدار، ويدخل فيه الغلق المستمر، والحجر السفلاني من الرحى إذا كانت مبنية؛ لأن ذلك متصل بالدار.
وهل يدخل المفتاح، والحجر الفوقاني من الرحى؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يدخلان؛ لأنهما منفصلان عن الدار، فهما كالدلو والبكرة.
والثاني: يدخلان؛ لأنهما وإن كانا منفصلين، إلا أنهما يتعلقان بمنفعة المتصل، فهما كالمتصل.
وإن كان حجر الرحى السفلاني غير مبني.. لم يدخل واحد منهما في البيع، وجهًا واحدًا؛ لأنهما منفصلان عنها، فهما كالدلو والبكرة.
وإن كان في الدار شجرةٌ، فإن قال: بعتك هذه الدار بحقوقها.. دخلت الشجرة في البيع.
وإن لم يقل: بحقوقها.. فهل تدخل الشجرة في البيع؟ على الطرق الثلاث.

وإن كان في الدار بئر ماء.. فإن البئر وما فيها من البناء يدخل في بيع الدار بمطلق العقد.
وأما الماء الذي في البئر: فهل هو مملوكٌ؟ فيه وجهان: أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد ـ: أنه غير مملوك؛ لأن من اشترى دارًا وفيها بئر ماء، فاستقى منه المشتري أيَّامًا الماء، ثم وجد في الدار عيبًا.. كان له ردُّها؛ فلو كان الماء من جملة المبيع.. لم يكن له ردُّها، ولأن من اكترى دارًا وفيها بئر ماء.. كان له أن يشرب منها ويتوضأ؛ ولو كان الماء مملوكًا.. لم يكن للمستأجر الانتفاع به؛ لأن الأعيان لا يصح أن تستباح بالإجارة، بدليل: أن من استأجر أرضًا، وفيها نخلٌ.. لم يجز له أن يأكل من ثمرتها.
فعلى هذا: لا يدخل الماء في بيع الدار، غير أن المشتري أحق بالماء لثبوت يده على الدار، وليس لأحد أن يتخطى في ملكه إلى الماء؛ لأنه لا يجوز لأحد دخول ملك غيره بغير إذنه، فإن خالف الغير، وتخطى ملكه، وأخذ من ماء البئر.. ملكه كما قلنا في الطائر إذا عشش في ملكه، أو إذا توحَّل الصيد في أرضه.. فليس لأحد أن يتخطى ملكه لأخذه، فلو خالف، وتخطى، فأخذ الطائر والصيد.. ملكه.
والوجه الثاني ـ وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وهو المنصوص في القديم و " حرملة " ـ: (أن الماء مملوكٌ)؛ لأنه نماء ملكه، فكان مملوكًا له، كالحشيش والثمرة.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ليس بصحيح؛ لأن الماء ليس بنماءٍ للأرض، وإنما هو يجري تحت الأرض، بخلاف الحشيش والثمرة.
فإذا قلنا: إنه مملوك.. لم يدخل الماء الموجود حال العقد في البيع بالإطلاق حتى يقول: بعتك الدار والماء الظاهر الذي في البئر؛ لأنه نماء ظاهر، فهو كالطلع المؤَبَّر.
فإن لم يشترط دخول الماء الظاهر في البيع.. لم يصح بيع الدار؛ لأن الماء

الظاهر للبائع، وما ينبع بعده يكون ملكًا للمشتري.
فإذا لم يشترط دخول الظاهر في البيع.. اختلط الماءان، فينفسخ البيع.
وإن أفرد الماء الذي في البئر بالبيع.. لم يصح على الوجهين؛ لأن على قول أبي إسحاق: أن الماء غير مملوك، وما ليس بمملوك.. لا يصح بيعه.
وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة: هو مملوك، إلاَّ أنه يكون مجهولاً، ولأنه لا يمكن تسليمه؛ لأنه إذا لم يسلمه.. اختلط بالماء الذي ينبع، وهو ملك للبائع.
وأمَّا العيون المستنبطة: فإنها مملوكة، وهل يملك الماء الذي فيها؟ على الوجهين.
ولا يصح بيع الماء الذي فيها؛ لما ذكرناه في ماء البئر.
ولا يصح أن يبيعه كذا وكذا سهمًا من ماء كذا؛ لما ذكرناه.
وكذلك: لا يصح أن يقول: بعتك ليلة أو يومًا مِنْ كذا، وكذا يومًا في ماء كذا؛ لأنَّ الزمان لا يصح بيعه، والماء في العيون والآبار لا يصح بيعه؛ لما ذكرناه، ولكن الحيلة فيمن أراد أن يشتري ماء العين أو سهمًا منها: أن يشتري العين نفسها أو سهمًا منها.
هكذا ذكر أصحابنا، وعلى قياس ما ذكروا في بيع الدار التي فيها بئر ماء، إذا اشترى العين أو سهمًا منها فيها.. إذا قلنا: إن الماء مملوك.. فيشترط أن يشتري مع العين الماء الظاهر وقت البيع؛ لئلا يختلط ماء المشتري بماء البائع، فينفسخ البيع.
ويشترط رؤية الماء وقت عقد البيع؛ لأن البيع فيما لم يره واحدٌ منهما لا يصح، ولا يكفي رؤيتهما المتقدمة قبل البيع؛ لأن ذلك رؤية للماء الحادث وقت الرؤية لا لما يحدث بعده.

فأما الماء الجاري من الأنهار التي ليست بمملوكة، كدجلة والفرات والنيل والسيل الذي يجيء من الموات.. فإنه غير مملوكٍ، فلا يجوز بيعه.
فإن أخذ منه إنسان شيئًا بسقاءٍ أو غيره ملكه، وجاز له أن يبيعه.
وإن دخل منه شيء إلى أرض رجل.. لم يملكه بذلك، بل يكون أحق به من غيره، كما قلنا في الصيد إذا توحَّل في أرضه.
فإن دخل رجلٌ إلى أرض جاره، وأخذ من هذا الماء.. فقد تعدى بدخوله إلى أرض غيره بغير إذنه، ولكنه يملك هذا الماء الذي أخذه.
ويأتي على قياس هذا: ما يقع في أرضه من ماء المطر، فإنه لا يملكه ولا يصح بيعه له، وجهًا واحدًا؛ لأنه إنما يملك ماء البئر على قول أبي عليٍّ؛ لأنه نماء أرضه، وهذا ليس بنماء أرضه، وإنما هو أحق به، كما لو توحل في أرضه صيد.
إذا ثبت هذا: فروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنه نهى عن بيع فضل الماء».
قال الصيمري: فحمل قومٌ ذلك على ظاهره، وأنه لا يصح بيعه على الإطلاق،

وأجروه مجرى النار والشمس والقمر.
وهذا غلط؛ لأنه ملكه، والعمل على بيعه في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإلى وقتنا هذا يباع ويبتاع.
وأجمع أصحابنا: أنه لو احتاز رجل ماءً من نهر عظيم، ثم أعاده إليه.. أنه لا يختص بشركةٍ في هذا النهر.
وإن أتلف رجلٌ على غيره ماءً.. فهل تلزمه قيمته أو مثله؟ فيه وجهان.

تذنيب: في بيع المعدن والركاز مع الأرض

]: وأمَّا المعادن في الأرض.. فعلى ضربين: جامدة ومائعة.
فأما الجامدة: فهي كمعادن الذهب والفضة والفيروزج، وما أشبه ذلك من النحاس والرصاص، فهذه مملوكةٌ بملك الأرض، وتتبعها في البيع، كأجزائها، إلا أنه إذا كان في الأرض معدن ذهب.. لم يصح بيعها بذهب، وهل يصح بيعها بفضة؟ فيه قولان؛ لأنه بيع وصرف.
ويجوز بيعها بغير الذهب والفضة، قولاً واحدًا.
وأما المعادن المائعة: فهي كمعادن النفط والقار والمومياء والملح، فعلى قول أبي إسحاق: هو غير مملوكٍ لا يدخل في البيع، ولكن المشتري أحق به، ولا يصح بيع شيء منه إلا بعد حيازته.
وعلى قول أبي علي بن أبي هريرة: هو مملوكٌ؛

فلا يدخل الظاهر منه في البيع إلا بالشرط، ويجوز أن يبيع منه قدرًا معلومًا.
وأما الركاز: فلا يدخل في البيع؛ لأنه مستودع في الأرض، فلم يدخل فيها، ولا يكون للمشتري فيه حقٌّ، سواء كان من ضرب الجاهلية أو الإسلام، فيعرض على البائع، فإن ادَّعى أنه كان دفنه فيها.. فهو له.
وإن قال: ليس له.. عرض على من انتقلت الأرض منه إلى البائع إلى أن يدَّعيه مدع، ولا يكون ركازًا؛ لأن الركاز ما وجد في موات.

مسألة: دخول الثمر في بيع النخل

]: إذا باع نخلاً وعليها ثمرةٌ.. نظرت: فإن شرط أن الثمرة غير مبيعة.. فهي للبائع.
وإن شرط أنها للمشتري.. دخلت في البيع.
وإن أطلقها البيع نظرت: فإن كانت الثمرة قد أُبرت ـ وهو: أن يتشقق الطلع، أو يُشَقَّقَ ويُجعل فيه شيء من ثمرة الفحول ـ فالثمرة للبائع.
وإن لم تؤبر.. فهي للمشتري.
هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري بكل حال.
وقال أبو حنيفة: (بل هي للبائع، أبرت أو لم تؤبر).
دليلنا: ما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من باع نخلاً بعد أن تؤبر..

فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع».
فنطق الخبر دليل على ابن أبي ليلى، ودليل خطابه دليل على أبي حنيفة.
وروي: «أن رجلاً ابتاع من رجل نخلا، فاختلفا، فقال المشتري: اشتريت، ثم أبرت، وقال البائع: أبرت، ثم بعت، فاحتكما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فجعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثمرة للذي أبر».
ولأنه نماء مستتر في المبيع من أصل الخلقة، فجاز أن يتبع الأصل في البيع، كالحمل.
فقولنا: (مستتر في المبيع) احتراز من الثمرة بعد التأبير.
وقولنا: (من أصل الخلقة) احتراز من الركاز والأحجار المدفونة في الأرض.
أو نقول: لأنه نماء كامنٌ، لظهوره غاية، فكان تابعًا لأصله قبل ظهوره، كالحمل.
فقولنا: (نماء كامن) احترازٌ من المؤبر.
وقولنا: (لظهوره غاية) احترازٌ من الرمان والموز في قشره.
إذا ثبت هذا: فإنه يقال: أبر ـ بالتشديد ـ يؤبر تأبيرًا، وأبر ـ بالتخفيف ـ يأبر أبرًا.
وأما الإبار: فبالتخفيف لا غير، ويسمى التأبير: التلقيح، وفيه مصلحة للنخل بإذن الله تعالى.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدم المدينة وهم يلقحون النخل، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما هذا؟ "، فقالوا: ليحمل، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " دعوه، فإن كانت حاملةً.. فإنها

ستحمل "، فتركوه تلك السنة، فلم يحمل نخلهم من تلك السنة إلا الشيص ـ وهو ما لا ينتفع به ـ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ارجعوا إلى ما كنتم عليه، فإنكم أعرف بأمور دنياكم، وأنا أعرف بأمور دينكم».

[فرعٌ: بيع النخل قبل التأبير]

وإن باع نخلاً وعليها طلع قد تشقق بنفسه، ولم يلقح.. فإن ثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع؛ لأن الثمرة إذا كانت للبائع، إذا شققها الآدمي ولقحها.. فبأن تكون له إذا تشققت بنفسها أولى؛ لأن ذلك من فعل الله تعالى، ولأنها قد خرجت عن أن تكون كامنة.

[فرعٌ: بيع فحال النخل]

وإن باع فحال النخل وعليه طلع، فإن كان قد تشقق طلعه.. كان ذلك للبائع كطلع الإناث إذا تشقق بنفسه.
وإن كان الطلع لم يتشقق.. ففيه وجهان: [الأول]: من أصحابنا من قال: إن الطلع للبائع؛ لأن جميع طلع الفحال مقصود؛ لأنه مأكولٌ، فهو بمنزلة طلع الإناث إذا أبر.
والثاني ـ وهو المنصوص للشافعي ـ: (أنه للمشتري)؛ لأنه طلع لم يتشقق،

فدخل في بيع الأصل بالإطلاق، كطلع الإناث.
وما قال الأول.. غير صحيح؛ لأن المقصود من طلع الفحال ما في جوفه؛ لأنه يلقح به الإناث، ويؤكل أيضًا، وهو باطنٌ لم يظهر، فلم يتبع الأصل، كطلع الإناث.

[فرعٌ: جريان ما مضى بعقود المعاوضات]

وكل عقد معاوضة عقد على النخل، مثل: أن يجعل النخل عوضا في الصلح، أو أُجرة في إجارة، أو مهرًا في نكاح، أو عوضا في الخلع، فحكمه حكم البيع، إن كان عليها طلعٌ غير مؤبر.. تبع الأصل.
وإن كان مؤبَّرًا.. لم يتبع الأصل.
وإن وهب لغيره نخلا وعليها طلعٌ غير مؤبر، أو وهب الأب لابنه نخلا لا طلع عليها، فأطلعت في ملك الابن، ثم رجع الأب في الهبة قبل التأبير.. فهل تتبع الثمرة النخلة فيهما؟ فيه وجهان: أحدهما: تتبعها؛ لأنه أزال ملكه عن الأصل، فتبعته الثمرة، كما لو باع النخلة.
والثاني: لا تتبعها؛ لأنه عقد لا عوض فيه، فلم تتبع الأصل، كما لو أصدق امرأته نخلاً لا طلع عليها، فأطلعت في ملكها، ثم طلقها قبل الدخول.. فإنه لا يرجع فيها.

مسألة: تأبير نخلة من حائط

وإذا أطلع الحائط، فأبرت نخلة منه، أو طلعة من نخلة، ثم باع جميع النخل.. نظرت: فإن كان النخل نوعًا واحدًا.. فإن جميع طلع النخل يكون للبائع إذا لم يشترك المشتري دخولها في البيع؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من باع نخلا بعد أن تؤبر.. فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع».

قال الشيخ أبو حامد: وإذا أبر نخلة واحدة من جماعة نخل، أو طلعة من نخلة.. فإنه يقال: قد أبر الثمرة.
ولأنا لو قلنا: إن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري.. أدى إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي، فتبع الباطن من الثمرة الظاهر منها، كما يتبع أساس الدار ظاهرها.
وإن كان النخل في الحائط أنواعًا، كالمعقلي، والبرني، والسكر، وغير ذلك، فأبر بعض نوع منها، ثم باع جميع نخل الحائط.. فإن طلع ما لم يؤبر من ذلك النوع يتبع ما أبر منه، ويكون للبائع.
وهل يتبعه ما لم يؤبر، وما لم يتشقق من الأنواع الأخرى؟ فيه وجهان: [الأول]: قال أبو علي بن خيران: لا يتبعه؛ لأن النوع الواحد لا يتفاوت إدراكه وتأبيره، بل يتقارب، فيتبع بعضه بعضًا.
وأمَّا النوعان: فإن إدراكهما يتفاوت، فلم يتبع أحدهما الآخر.
والثاني ـ وهو قول أبي علي بن أبي هريرة ـ: أنه يتبعه، وهو الصحيح؛ لأنا إنما قلنا: إن الذي لم يؤبر يتبع المؤبر؛ لئلا يؤدي إلى الضرر بسوء المشاركة، واختلاف الأيدي، وهذا المعنى موجودٌ في النوعين، كالنوع الواحد.

[فرعٌ: باع حائطان وأحدهما مؤبر]

وإن كان له حائطان فيهما نخيلٌ أو قطعتان من الأرض وفيهما نخيلٌ، قد أبر أحدهما دون الآخر، ثم باعهما.. فإن المؤبر يكون ثمرته للبائع، والذي لم يؤبر للمشتري.
قال الشيخ أبو حامد: وسواءٌ كانا متلاصقين أو غير متلاصقين إذا تميَّز أحدهما عن

الآخر؛ لأن انفراد كل واحدٍ منهما بثمرة حائط لا يؤدِّي إلى الضرر بسوء المشاركة، واختلاف الأيدي.
فإن كان له حائط، فأطلع بعضه، فأبر المطلع، أو بعضه، ثم باع جميع نخل الحائط، وأطلع الباقي بعد البيع.. ففيه وجهان: أحدهما: أن المطلع بعد البيع للبائع أيضًا؛ لأن ثمرة هذا العام له بالتأبير.
والثاني: أنه للمشتري، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره؛ لأنه حادث في ملكه.
وإن أبر بعض الحائط، ثم أفرد الذي لم يؤبر بالبيع.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو الضعيف ـ: أن الثمرة للبائع؛ لأنه قد ثبت لجميع الحائط حكم التأبير بتأبير بعضه.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أن الثمرة للمشتري؛ لأنا إنما جعلنا ذلك للبائع على سبيل التبع للمؤبر إذا بيع معه، فإذا أفرد بالبيع.. لم يتبع غيره.

[فرعٌ: باع حائطًا مؤبرًا وفيه فحول]

]: قال الشافعي: (وإن كان فيها فحول نخل بعد أن تؤبر الإناث.. فثمرتها للبائع).
فاعترض معترض على قول الشافعي: (فحول)، وقال: لا يقال في اللغة: فحل، ولا فحول، وإنما يقال للواحد: فحال، وللجمع فحاحيل.
فالجواب: أن الشافعي من أهل اللغة، فقوله حجة، وقد ورد ذلك في لغة العرب، قال الشاعر: تأبَّري يا خيرة الفسيل... تأبَّري من حنذٍ فشولي إذ ضن أهل النخل بالفحول

إذا ثبت هذا: فباع حائطًا فيه إناث وفحول، قد أطلع جميعه، فإن لم يتشقق شيء من الطلع.. فإن ثمرة الإناث للمشتري.
وأما طلع الفحول: ففيه وجهان: [الأول]ـ المنصوص ـ: (أنها للمشتري).
والثاني: أنها للبائع.
وقد مضى ذكرهما.
وإن تشقق شيء من طلع الإناث، أو أُبر.. كان الجميع للبائع؛ لأن على قول الشافعي: الفحول كالإناث، وعلى قول ذلك القائل الآخر: إذا أفرده بالبيع.. كان للبائع، فكذلك هاهنا.
وإن تشقق شيء من طلع الفحول دون الإناث.. فعلى قول الشافعي: تكون ثمرة الفحول والإناث للبائع، لأن الفحول عنده كالإناث، وعلى قول ذلك القائل الآخر: تكون ثمرة الفحول للبائع، وثمرة الإناث للمشتري؛ لأن ثمرة الفحول للبائع بالظهور، فلا تأثير للتشقق، فلا يتبع أحدهما الآخر.

مسألة: بيع القطن قبل انشقاق الجوز

]: قال الشافعي: (والكرسف إذا بيع أصله، كالنخل إذا خرج جوزه، ولم يتشقق.. فهو للمشتري، وإذا تشقق.. فهو للبائع).
وهذا كما قال.
و (الكرسف): هو القطن، وهو نوعان: أحدهما: ما يبقى السنتين، والثلاث، وذلك قطن الحجاز والبصرة، وهو مراد الشافعي، وكذلك قطن أبين وتهامة والعراق.
وحكم هذا النوع، حكم النخل،

فإذا بيعت الأرض وفيها قطن.. كان تابعًا للأرض.
وإن بيع القطن دون الأرض.. صحَّ.
فإذا بيع القطن مفردًا أو مع الأرض.. نظرت: فإن كان قبل ظهور جوزه، أو بعد ظهوره وقبل تشققه.. فهو للمشتري، كثمرة النخل قبل التشقق والتأبير.
وإن كان البيع بعد ظهور جوزه وتشققه أو تشقق بعضه.. فهو للبائع، كثمرة النخل إذا أبرت أو تشققت.
والنوع الثاني: وهو ما لا يبقى إلا سنة، وهو قطن خراسان، فهو كالزرع، فإن بيعت الأرض وفيها القطن.. لم يدخل في البيع من غير شرط.
وإن بيع القطن دون الأرض.. نظرت: فإن كان حشيشًا لم ينعقد جوزه، أو انعقد وهو حشيش لم يحصل فيه قطن.. جاز بيعه بشرط القطع.
وإن بيع مع الأرض.. صحَّ بيعه من غير شرط القطع.
وإن كان قد عقد جوزه واستحكم قطنه.. قال الشيخ أبو حامد: فلا يصح بيعه أصلا، لا مفردًا، ولا مع الأرض؛ لأن المقصود منه القطن، وهو مغيب مجهول.
قال: وكذلك لا يجوز بيعه وإن تشقق جوزه، كالطعام في سنبله.
قال: ولا يجوز بيع جوزه في الأرض أيضًا؛ لأن مقصوده لا يُرى، ولأنه مستورٌ بما لا مصلحة له فيه، فلم يصح بيعه فيه، كالتمر في الجراب.

مسألة: شجيرات الورد

وأما غير النخل والكرسف من الأشجار: فعلى ثلاثة أضرب:

أحدها: ما يقصد منها الورد، وهو على قسمين: أحدهما: ما يخرج ورده في كمام، ثم يتفتح بعد ذلك ويظهر، كالورد، فإذا بيعت الأرض وفيها شجر الورد.. دخل الشجر في بيع الأرض.
وإن بيع شجر الورد منفردًا.. صحَّ البيع، وينظر فيه: فإن كان الورد في كمامه لم يتشقق منه شيء.. فهو للمشتري، كطلع النخل إذا لم يتشقق.
وإن تشقق، وتقلع، وظهر الورد.. فهل للبائع، إلاَّ أن يشترطه المبتاع، كطلع النخل إذا تشقق.
والقسم الثاني: من الورد ما يخرج بارزًا بلا كمام، كالياسمين، فإذا بيع شجره، فإن كان قد ظهر ورده.. فهو للبائع، إلا أن يشترطه المشتري.
وإن لم يظهر.. فهو للمشتري.
والضرب الثاني: من الأشجار ما يقصد منه الورق، وهو شجر التوت، فإذا بيع أصول التوت.. ففيه وجهان:

أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد ـ: إن كان قد ظهر من الورق شيء.. فهو للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، وإن لم يظهر منه شيء.. فهو للمشتري؛ لأن المقصود من هذا الشجر الورق، فهو كالثمرة من سائر الأشجار.
ومن أصحابنا من قال: إنه للمشتري بكل حال؛ لأنه بمنزلة أغصان الشجر؛ لأن للتوت ثمرة تؤكل غير الورق.
وإن باع شجر الحناء والجوز والهدس.. فلا نص فيها، فيحتمل أن تكون كالتوت على الوجهين، ويحتمل أن يكون البائع أحق بالورق إذا ظهر، وجهًا واحدًا؛ لأنه لا ثمرة لهذه الأشجار غير الورق.
والضرب الثالث: من الأشجار ما يقصد منه الثمرة، وهو ينقسم أربعة أقسام: [الأول]: قسم تخرج ثمرته ظاهرةً من غير كمام، كالتين والعنب، فإذا بيع الشجر، فإن كانت الثمرة قد ظهرت.. فهي للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، وإن لم تظهر.. فهي للمشتري؛ لأن الظاهر منها كطلع النخل إذا تشقق، وما لم يظهر منها كقطع النخل قبل التشقق.
والقسم الثاني: من الثمار ما يخرج عليه قشرة لا تزال عنه إلا عند الأكل، وهو الرمان والموز، فإذا باع الشجر وقد ظهرت ثمرته.. فإن الثمرة للبائع.
وإن لم تظهر.. فهي للمشتري؛ لأن هذه القشرة من مصلحته، وبقاؤه فيها.
قال الشافعي: (وإذا تشقق الرمان.. كان ذلك نقصًا فيه).
والقسم الثالث: من الثمار ما يخرج وعليه قشرتان، وهو الجوز واللوز والرانج.
فإن باع الشجر وعليه ثمرته، فإن كان قد تشقق عنها القشر الأعلى..

فالثمرة للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع.
وإن باع الشجر قبل أن يتشقق عنها القشرة العليا.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو اختيار ابن الصباغ ـ: أنها تكون للبائع؛ لأن الشافعي قال في " الأم " [3/38]: (ومن باع أرضا فيها شجر رمان، أو جوز، أو لوز، أو رانج، أو ما يواريه حائل لا يفارقه بحال إلا عند أكله.. فهو كما وصفت من الثمر البادي بلا كمام؛ ولأن قشره لا يتشقق عنه، فهو كقشر الرمان).
والثاني ـ وهو اختيار الشيخ أبي حامد ـ: أنه للمشتري كطلع النخل إذا لم يتشقق.
قال: وأما قول الشافعي: فيحتمل: أنه لم يعلم أن للجوز واللوز قشرتين، أو أراد بالحجاز؛ لأنه لا يكون له بالحجاز إلا قشرة واحدة.
والقسم الرابع: من الثمار ما يخرج وعليه نور، ثم يتناثر عنه النور، كالتفاح والمشمش والخوخ، فإن باع الأصل، وقد تناثر النور عن الثمرة.. فإن الثمرة تكون للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع.
وإن كان قبل تناثر النور عنها.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو المنصوص في " البويطي "، واختيار القاضيين: أبي حامد، وأبي الطيب ـ: (أن الثمرة للمشتري)؛ لأن استتار الثمرة بالنور كاستتار ثمرة النخل بالطلع، وتناثر النور عنها كتشقق طلع النخل.
والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني ـ: أن الثمرة للبائع؛ لأن الثمرة قد ظهرت، وإنما استترت بالنور، كاستتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض.
وقال الشيخ أبو حامد: وقد أومأ الشافعي إلى: (أن العنب لا ورد له).
قال: وعندي: أن له وردًا، ثم ينعقد.

جارٍ التحميل