البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 126-165

كتاب البيوع

صفحات 126-165
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ولما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «من فرّق بين والدة وولدها.. فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة».
فإن فرق بينهما بالبيع أو الهبة.. فهل يصح البيع أو الهبة؟ فيه وجهان: المشهور من المذهب: أنه لا يصح؛ لما روى أبو داود في "سننه ": «أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فرق بين الأم وولدها، فنهاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، وردّ البيع».
وحكى المسعودي [في " الإبانة " [ق\222] قولاً للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم: (أنه يصح البيع).
وبه قال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

والأول أصح؛ لأنه تفريق محرم في البيع، فأبطله، كالتفريق بين الجارية وحملها.
وهل يجوز التفريق بينهما بعد استكمال الولد سبع سنين، وقبل بلوغه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لعموم الخبر، ولأنه غير بالغ، فأشبه ما لو لم يستكمل السبع.
والثاني: يجوز؛ لأنه مستغن عن الحضانة، فأشبه البالغ.
وإن فُرق بين الولد، وبين جدته أم أمه.. فهو كما لو فرق بينه وبين أمه، على ما مضى.
وهل يجوز التفريق بينه وبين أبيه؟ فيه وجهان حكاهما الصيمري.
وإن فرق بينه وبين أخيه.. جاز.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز).
دليلنا: أن القرابة التي بينهما لا تمنع القصاص، فلا تمنع التفريق بينهما في البيع، كابن العم.
وقال الشيخ أبو إسحاق في " التعليق " بالخلاف.
فإن اشترى جارية وولدها الصغير، ثم تفاسخا البيع في أحدهما.. صح البيع.
وأما التفريق بين البهيمة وولدها الصغير بعد استغنائه عن لبنها.. فجائز، وحكى الصيمري فيه وجهين: أحدهما ـ هذا، وهو الأصح ـ: أنه يجوز، كما يجوز له ذبح أحدهما، وذبحهما معًا.

والثاني: لا يصح؛ لنهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن تعذيب الحيوان وفي ذلك تعذيب له.
وبالله التوفيق.

باب ما يفسد البيع من الشروط وما لا يفسده

الشروط في البيع على أربعة أضرب: أحدها: ما هو من مقتضى العقد، مثل: أن يشرط عليه التسليم، أو خيار المجلس، أو ردّه بالعيب إن كان معيبًا، أو الرجوع بالعهدة إن استحق، وما أشبه ذلك.. فهذا لا يفسد البيع؛ لأن إطلاق العقد يقتضي ثبوت ذلك، فكان شرطه لذلك تأكيدًا لما يقتضيه العقد.
الشرط الثاني: ما لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة، كالأجل في الثمن، وخيار الثلاث، والرهن، والضمان، والشهادة.
وما أشبه ذلك.. فهذا شرطٌ لا يفسد البيع، ويثبت المشروط؛ لأن في ذلك مصلحة للعقد.
الشرط الثالث: أن يبيعه عبدًا بشرط أن يعتقه المشتري، فالمنصوص للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في عامة كتبه: (أن الشرط صحيح).
وبه قال مالك رحمة الله عليه، وحكى القاضي أبو حامد في " جامعه ": أن أبا ثور روى عن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أن الشرط باطلٌ، والبيع صحيح).
ومن أصحابنا من قال: القول المخرج للشافعي فيها: (أن الشرط والبيع باطلان).
وهو قول أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إلا أن أبا حنيفة يقول: (إذا قبضه المشتري.. ملكه ملكًا ضعيفًا، فإذا أعتقه.. نفذ عتقه، ويلزمه الثمن).
وقال أبو يوسف، ومحمد: يلزمه القيمة.
واحتج من ذهب إلى هذا بما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع وشرط».

ولأنه شرط يمنع كمال التصرف، فمنع صحة البيع، كما لو باعه بشرط ألا يعتقه، أو بشرط أن يبيعه.
ووجه المنصوص: ما روي: «أن بريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كاتبت على نفسها بسبع أواقي ذهب، في كل سنة أوقية، فجاءت إلى عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تستعينها، فقالت: لا، ولكن إن شئتِ.. عددت لهم مالهم عدَّةً واحدة، على أن يكون ولاؤك لي، فرجعت إليهم، فأخبرتهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فذكرت ذلك لعائشة أم المؤمنين، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اشتريها، واشترطي لهم الولاء، وأعتقيها "، فاشترتها، وأعتقتها، ثم صعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المنبر خطيبًا، فقال: " ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق ". قالت عائشة أم المؤمنين: (فخيرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان زوجها عبدًا فاختارت نفسها، ولو كان حرًّا.. لم يخيِّرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» -).

ووجه الدلالة من هذا الخبر: أن هذا البيع إنما كان بشرط العتق، وقد روي في بعض الأخبار: (أن عائشة اشترت بريرة لتعتقها).
وأيضا فإنها إذا اشترطت الولاء لأهلها.. فإنما يكون ذلك في موضع شرط فيه العتق، ولأن للعتق مزية وغلبة في الأحكام، بدليل: أنه إذا أعتق نصف عبده.. عتق الجميع، ولو أعتق شقصًا له من عبدٍ بينه وبين غيره، وكان موسرًا بقيمة باقية.. عتق باقيه، فلم يفسد البيع بشرطه، بخلاف غيره من العقود.
فإن قيل: فبريرة كانت مكاتبة، فكيف جاز بيعها؟ قلنا: على القول القديم

(يجوز بيعها)، ويكون هذا حجة على صحة البيع للقول القديم، وعلى القول الجديد (لا يصح بيعها)، فيحمل الخبر على أنها عجزت نفسها عن أداء ما عليها، فعجّزها أهلها، وفسخوا العقد، والفسخ يصح بصريح الفسخ بأن يقول المولى: فسخت الكتابة، ويصح بإزالة الملك بأن يبيعه، أو يهبه، فكأنهم جعلوا بيعهم لها فسخًا لكتابتها.
فإن باعه عبدًا بشرط أن يعتقه المشتري، ويكون الولاء للبائع.. فشرط الولاء باطلٌ بلا خلاف على المذهب، وفي البيع قولان: أحدهما: وهو رواية أبي ثور عن الشافعي: (أن البيع صحيح)؛ لما ذكرناه من حديث عائشة في شراء بريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. والثاني ـ وهو المشهور ـ: أن البيع باطلٌ؛ لأنه شرط ليس من مقتضى العقد، ولا من مصلحته، ولم يبن على التغليب، فأبطله، كسائر الشروط الفاسدة.
وأمّا تأويل حديث عائشة: فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد إبطال ذلك عليهم، وقطع عادتهم في ذلك، فأمر عائشة: (أن تشترط لهم الولاء)، ثم أبطله؛ ليكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك، كما أنه أمرهم بالإحرام بالعمرة في أشهر الحج، فلم يحرموا؛ لأنهم كانوا لا يرون جواز ذلك، فأحرموا بالحج، ثم فسخ عليهم إحرامهم بالحجّ، وأمرهم بالإحرام بالعمرة؛ ليبالغ في الزجر والردع عن ذلك عما كانوا يعتقدونه، كذلك هذا مثله، فيكون هذا الشرط خاصًّا لعائشة - رضي الله عنها -؛ لهذا المعنى.
قال المزني: ويحتمل أن يكون معنى قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اشترطي لهم الولاء»؛ أي: اشترطي عليهم الولاء؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، ألا ترى إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] [الإسراء: 7]، أي: فعليها.
وهذا التأويل ليس بصحيح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبطل شرط الولاء، ولو كانت اشترطت عليهم الولاء لها.. لكان هذا صحيحًا.

[فرعٌ: البيع بشرط العتق]

إذا باعه عبدًا بشرط العتق.. نظرت: فإن أعتقه المشتري.. استقرَّ العقد، وإن امتنع من إعتاقه.. ففيه وجهان: أحدهما: يجبر عليه؛ لأنه عتق لزمه، فإذا امتنع منه أجبر عليه، كما لو نذر عتق عبد، ثم امتنع من إعتاقه.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه قد ملكه، وثبت للبائع الخيار: بين أن يجيز البيع، وبين أن يفسخه، كما لو شرط أن يرهنه بالثمن رهنا، فامتنع من الرهن.
وهذان الوجهان بناءً على أن شرط العتق حقٌ للعبد، أو للبائع، وفيه وجهان: فإن قلنا: إنه حق للعبد.. أُجبر عليه.
وإن قلنا: إنه حق للبائع.. ثبت له الخيار.
فإن رضي البائع بإسقاط العتق.. فعلى الوجهين: إن قلنا: إنه حقٌ للبائع.. يسقط بإسقاطه، وإن قلنا: إنه حق للعبد.. لم يسقط.
وإن مات العبد قبل أن يعتقه المشتري.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يستقر البيع، ولا شيء على المشتري غير الثمن؛ لأن العبد تلف على ملكه، ولا يمكن إجباره على عتقه بعد موت العبد.
والثاني: أن البائع يأخذ الثمن، وما نقص منه لأجل العتق؛ لأنه إنما باعه بهذا الثمن لأجل العتق، فإذا لم يتم العتق.. رجع إلى ما نقص.
فعلى هذا: إن كان قد باعه بخمسين درهما بشرط العتق، ثم مات العبد قبل أن يعتق.. فإنه يقال: كم كانت قيمته لو بيع من غير شرط العتق؟ فإن قيل: في المثل ستون درهمًا.. قيل: فكم قيمته إذا بيع بشرط العتق؟ فإن قيل: أربعة وخمسون درهمًا.. قيل للبائع: فخذ من المشتري مثل تسع الثمن الذي سمي في العقد، وتسع

الخمسين: خمسة دراهم وخمسة أتساع درهم، وهو عشر مبلغ الثمن بعد إضافة هذا إلى الخمسين.
والوجه الثالث: أن البائع بالخيار: إن شاء.. أجاز البيع، ولا شيء له، وإن شاء.. فسخه، ورجع بقيمة عبده، كما لو كان العبد باقيًا.
وإن باعه عبدًا بشرط أن يعتقه بعد شهر.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يصح؛ لأن ثبوت ذلك بالشرط، فكان على ما شرط.
والثاني: لا يصح؛ لأنه عتق يتعلق بالعين، فلم يصح التأجيل فيه، كما لو باعه عبدًا بشرط أن لا يسلمه إليه إلا بعد شهر.
وإن باعه عبدًا بشرط أن يعتقه المشتري، فباعه المشتري من آخر بشرط أن يعتقه المشتري الثاني.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح البيع الثاني؛ لثبوت حق العتق فيه، فلم يصح، كما لو نذر عتق عبد بعينه، فباعه.
والثاني: يصح؛ لأن المقصود عتق العبد، وذلك يحصل من الثاني، كما يحصل من الأول، فصح، كما لو وكل الأول في إعتاقه.
والأول أصح.
وإن باعه أمة بشرط أن يعتقها، فأحبلها المشتري.. فهل يجبر على إعتاقها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجبر؛ لأن عتقها قد استحق بالإحبال.
والثاني: يجبر، وهو الصحيح؛ لأن استحقاقها للعتق قد استحق قبل الإحبال، فلا يجوز تأخيره إلى وقت موته.
وإن باعه دارًا أو أرضًا أو عبدًا، بشرط أن يقفه.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يصح البيع والشرط، قياسًا على العتق.
والثاني: يبطلان؛ لأن الوقف لا يبنى على التغليب، فلم يصح البيع بشرطه، كما لو باعه ثوبًا بشرط أن يتصدق به.

الشرط الرابع: أن يبيعه عبدًا على أن لا يعتقه، أو على أن لا يبيعه، أو على أن لا خسارة عليه فيه، ومعنى هذا: أنه متى خسر في ثمنه.. فضمانه على البائع.
أو باعه جارية بشرط أن لا يطأها، وما أشبه ذلك.. فالشرط باطلٌ، والبيع باطلٌ، هذا هو المنصوص للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في عامة كتبه، وبه قال أبو حنيفة.
وروى أبو ثور عن الشافعي: (أن الشرط باطلٌ، والبيع صحيح).
وهو قول ابن أبي ليلى، والحسن البصري، والنخعي - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. واحتجوا بحديث عائشة في شرائها لبريرة بشرط أن تعتقها، ويكون الولاء لأهلها.
وقال ابن سيرين: الشرط صحيح، والبيع صحيح.
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع وشرط».
وروي: أن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اشترى من امرأته جارية، واشترطت عليه: إنك إن بعتها.. فإنها لي بالثمن، فاستفتى عمر في ذلك، فقال عمر: (لا تقربها وفيها شرط لأحد).
ولأنه شرط لم يبن على التغليب، ولا هو من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، فأبطله، كما لو شرط أن لا يسلم المبيع.
فقولنا: (لم يبن على التغليب) احترازٌ ممن شرط إعتاق العبد المبيع؛ لأن العتق بني على التغليب، على ما مضى ذكره.
وقولنا: (ولا هو من مصلحة العقد) احترازٌ من شرط الأجل، والرهن والضمان.

وقولنا: (ولا من مقتضاه) احترازٌ منه إذا شرط ردّه بالعيب عند وجوده ورجوعه بالعهدة عندما يستحق عليه، وأما حديث عائشة: فقد ذكرنا تأويله.

[فرعٌ: شرط الانتفاع بالمبيع مدّة]

]: وإن اشترى دارًا، واشترط سكناها شهرًا، أو عبدًا، واستثنى خدمته مدة معلومة، أو جملا، واشترط أن يركبه إلى موضع معين.. فالبغداديون من أصحابنا قالوا: لا يصح البيع، وجهًا واحدًا.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\220]: أنها على وجهين: أحدهما: يصح الشرط والبيع، وبه قال أحمد، وإسحاق، والأوزاعي؛ لما «روى جابرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (بعت من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعيرًا، واشترطت عليه ظهره إلى المدينة».
وروي: (أن عثمان باع دارًا واشترط سُكناها شهرًا).
والثاني: لا يصح البيع، وهو الصحيح؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع وشرط».
ولأنه شرط لم يبن على التغليب، ولا هو من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، فلم يصح، كما لو شرط أن لا يسلمه المبيع.
وأما حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فلأن الشرط وقع بعد العقد وانقضاء الخيار، أو نقول: لم يكن ابتياعًا صحيحًا، وإنما أراد لتناله بركته؛ لما روي «عن جابر رضي الله عنه: أنه قال: خرجت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعض الغزوات، فلحقني رسول الله، فقال: " ما بال جملك؟ "، فقلت: قد أعيا، فتخلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فزجره، فسبق القافلة، ثم قال: " بكم ابتعته؟ "، فقلت: بثلاثة عشر دينارًا، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أتبيعه مني بما ابتعته؟ "، فاستحييت منه، فبعته، فقدمنا المدينة، فرآني خالي، فقال: ما بال جملك؟ فقلت: بعته من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلامني عليه، فجئت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلمّا رآني.. قال: " أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك وثمنه، فهما لك».
فلمّا قال: " خذ جملك ".. دلّ على أن الجمل كان ملكًا له، لم يزل عنه.
وأمَّا حديث عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: فالقياس مقدم عليه.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن الشرط الباطل إنما يفسد البيع إذا كان في حال العقد، أو بعد العقد، وقبل انقضاء الخيار على الصحيح من المذهب.
وقال أبو علي الطبري: إذا قلنا: إن المبيع ينتقل بنفس العقد.. لم تلحق الشروط بالعقد بعد العقد في حال الخيار.
وليس بشيء.
وأمّا إذا كان الشرط قبل العقد: فإنه لا يلحق بالعقد إن كان صحيحًا، ولا يبطل به العقد إن كان الشرط فاسدًا.

[مسألةٌ: البيع بشرط فاسد]

باطل]: وإن اشترى جارية بشرط فاسد.. فقد قلنا: إن البيع باطلٌ، ولا يجب على البائع أن يسلِّمها، ولا يجب على المشتري أن يتسلمها، وإن قبضها المشتري.. لم يملكها، وإن تصرف فيها ببيع، أو عتق.. لم ينفذ تصرفه.

وقال أبو حنيفة: (إذا قبضها المشتري بإذن البائع، وكان قد سمى لها عوضًا له قيمة.. ملكها بالقبض ملكًا ضعيفًا، ولبائعها أن يرجع فيها، فيأخذها مع الزيادة المتصلة والمنفصلة.
فإن تصرّف فيها المشتري تصرُّفًا يمنع البائع الرجوع فيها، كالبيع والهبة والعتق والكتابة.. نفذ تصرّفه، وكان للبائع عليه ثمنها.
وقيل: قيمتها.
وإن اشتراها بما لا قيمة له، كالدم والميتة.. لم يملكها بالقبض).
واحتجُّوا بحديث عائشة في شراء بريرة، وعندهم: أن الشراء كان باطلاً، وإنّما ملكتها بالقبض، ونفذ تصرُّفها فيها بالعتق لذلك.
دليلنا: أنه مقبوض عن عقدٍ فاسدٍ.. فلم يملكه به، فوجب أن لا ينفذ به تصرفه، كما لو اشتراها بدم أو ميتة.
ولأن الوطء في النكاح الصحيح بمنزلة القبض في البيع الصحيح، بدليل: أنّه يستقر به المسمى في النكاح، والثمن في البيع.
ثم ثبت أنه لا يستفيد بالوطء في النكاح الفاسد شيئًا مما يستفيده بالعقد الصحيح من استباحة البضع، والإيلاء، والظهار، والطلاق، فكذلك يجب أن لا يملك بالقبض في البيع الفاسد شيئًا مما يملك بالعقد الصحيح.
وأمّا حديث عائشة: فيحتمل أنّها شرطت لهم الولاء قبل العقد، فلذلك لم يبطل البيع، ويحتمل أن القصة كانت خاصّة بعائشة، وأراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك قطع عادتهم في ذلك.
فإن قبضها المشتري، فإن كانت باقية بحالها لم تزد ولم تنقص.. لزمه ردُّها، وإن أقامت في يده مدة لها أجرة، فإن كانت صانعة.. لزمه أجرة مثلها صانعة، سواءً استخدمها أو لم يستخدمها؛ لأنه ممسك لها بغير حق، وإن كانت غير صانعة.. لزمه أجرة مثلها غير صانعة.
ومن أصحابنا من قال: لا تلزمه أجرتها، كما إذا كان المبيع نخلة.. فإنه لا يلزمه رد أجرتها.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا غلط؛ لأنه ما من جارية إلا ولها أجرة ومنفعة، بأن

يقول: اسقيني الماء، أو قدِّمي لي الخبز، بخلاف النخلة؛ لأنه ليس لمثلها أجرة، ألا ترى أنه لا يجوز إجارتها، ويجوز إجارة الجارية؟ وإن زادت في يده، فإن كانت الزيادة موجودة لم تتلف.. لزمه رد الجارية، ورد زيادتها، سواء كانت متصلة أو منفصلة؛ لأنها ملك للبائع، وإن تلفت الزيادة، وبقيت الجارية، بأن سمنت في يد المشتري، ثم هزلت، أو تعلمت القرآن أو صنعةً في يده، ثم نسيت ذلك.. لزمه رد الجارية.
وهل يلزمه أرش الزيادة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأن البائع دخل في البيع ليأخذ بدل العين دون بدل الزيادة.
والثاني ـ وهو المنصوص ـ: (أنه يلزمه أرش الزيادة التي تلفت في يده)؛ لأنها حدثت في ملك البائع، فكان له بدلُها، وقول الأول: إن البائع لم يدخل في البيع ليأخذ بدل الزيادة يبطل بالأجرة، فإنه لم يدخل في البيع ليأخذها، ومع هذا: فإنه يستحق الأجرة.
وإن قبضها المشتري وهي سمينةٌ، فهزلت في يده، أو قبضها وهي تحفظ القرآن، أو تحسن صنعة، فنسيت ذلك في يده.. لزمه رد الجارية، وأرش النقص؛ لأنه ضمن ذلك بالقبض، فلزمه قيمته إذا تلف، كالغاصب، وإن تلفت الجارية في يده.. لزمه قيمتها.
وفي قدرها وجهان: أحدهما: يلزم قيمتها يوم تلفها؛ لأنه مأذون له في إمساكها، فلزمه قيمتها يوم التلف، كالعارية.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه يلزمه قيمتها أكثر ما كانت من حين قبضها إلى أن تلفت؛ لأنه قبض مضمون في عين يجب ردّها، فإذا هلكت.. ضمنها بقيمتها أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف، كالمغصوب.
فقولنا: (قبضٌ مضمونٌ) احترازٌ من قبض الوديعة وغيرها من الأمانات.
وقولنا: (في عين يجبُ ردُّها) احترازٌ من قبض المشتري المبيع، فإنه قبض مضمون بالثمن، إلا أنه لا يجب ردّه، ويخالف العارية، فإن المستعير لو ردّها ناقصة بالاستعمال.. لم يجب عليه شيء، بخلاف هذا.

وإن وطئها المشتري.. لم يجب عليه الحد؛ لأنه يعتقد أنها ملكه، ولأن في الملك اختلافًا، فإن أبا حنيفة يقول: (يملكها بالقبض) وذلك شبهة، فسقط بها الحد، فإن كانت ثيِّبًا.. وجب عليه مهر ثيب؛ لأنها موطوءة لا يملك وطأها، فسقط الحد عن الواطئ للشبهة، فوجب عليه المهر، كما لو وجد امرأةً على فراشه، فظنّها زوجته، فوطئها، فإن كانت بكرًا.. وجب عليه مهر بكر، ووجب عليه أرش الافتضاض مع المهر، فإن قيل: فكيف أوجبتم عليه المهر وقد أذن البائع بوطئها؟ ألا ترى أن الرجل إذا أذن بوطء جاريته.. لم يجب له المهر؟ فالجواب: أنه إنما أذن بوطئها على أنها ملك للمشتري، وهاهنا بان أن الجارية ملك للبائع، والوطء بالشبهة إذا صادف ملك غيره.. أوجب المهر.
فإن قيل: هلاَّ قلتم: إنه لا يجب على المشتري أرش البكارة، كما إذا تزوّج امرأةً بكرًا بنكاح فاسدٍ، فافتضّها.. فإنه لا يجب عليه أرش البكارة؟ فالجواب: أن النكاح يتضمن الإذن في الوطء؛ لأنه معقود عليه، والوطء يتضمن إتلاف البكارة، وليس كذلك البيع، فإنه ليس بمعقود على الوطء، ولهذا يجوز له شراء من لا يحل له وطؤها، ولأن الزوجة سلمت نفسها لا على وجه الضمان لبدنها، ولهذا إذا تلفت في يد الزوج.. لم يجب بالإتلاف ديتها بخلاف الأمة المبيعة؛ لأن البيع يقتضي ضمان بدنها.
فإن قيل: كيف أوجبتم أرش البكارة مع المهر، ولم يدخل الأرش في المهر؟ فالجواب: أنه إنما وجب الجمع بينهما؛ لأن أرش البكارة وجب بإتلاف ذلك الجزء، والمهر وجب بالاستمتاع، فوجب بدلُهما، ولأن أرش البكارة سبق وجوبه وجوب المهر؛ لأن الافتضاض قد يوجد قبل التقاء الختانين، والمهر لا يجب إلا بالتقائهما، فجرى مجرى من افتضّها بأصبعه، ثم وطئها، إلا أن من افتضّها بأصبعه، ثم وطئها.. يجب عليه أرش البكارة، ومهر ثيّب؛ لأنه لم يستوف اللذة المقصودة بالبكارة، وهاهنا قد وجد منه استيفاء اللذة الكاملة بإزالة البكارة، فوجب عليه مهر بكرٍ، ووجد منه إزالة ذلك الجزء، فوجب عليه بدله.

وإن أحبلها المشتري.. نظرت: فإن وضعت الولد حيًّا.. فإنّ الولد يكون حرًّا؛ لحصول الشبهة، ويلزمه قيمة الولد؛ لأنه أتلف عليه رقّه، ويقوم عليه يوم الوضع؛ لأنه حال الحيلولة بينه وبين البائع لو كان مملوكًا.
وإن نقصت الأم بالحمل، أو بالوضع.. لزم المشتري أرش النقص.
وإن وضعت الولد ميِّتًا.. لم يجب على المشتري قيمته؛ لأنه لم توجد منه الحيلولة بين البائع وبين هذا الولد.
وإن ضرب ضاربٌ بطنها، فألقت من ضربه جنينًا ميتًا.. وجب على الضارب غرّة عبد، أو أمة مقدّرة بنصف عشر دية أبي الجنين، ويجب لمالك الأمة أقل الأمرين من قيمة الولد يوم الولادة، أو الغرة؛ لأن ضمان الضارب له قام مقام خروجه حيًّا، وله أن يطالب بذلك من شاء من الضارب أو المشتري، فإن كانت الغرة أقل.. لم يجب للبائع أكثر منها، وإن كانت القيمة أقل.. كان له قدر القيمة، والباقي لورثة الجنين.
فإن سلم المشتري الجارية إلى البائع حاملاً، فولدت في يد البائع.. لزمه ضمان ما نقصت بالولادة؛ لأنها نقصت بسبب فعله.
وإن ماتت من الولادة.. لزم المشتري قيمتها؛ لأنها ماتت بسبب كان في يده.
وهل تحمل العاقلة عنه قيمتها؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد، بناء على القولين في أن العاقلة هل تحمل قيمة العبد في الجناية؟ ويأتي توجيههما في (العاقلة) إن شاء الله تعالى.
ولا تصير هذه الجارية أم ولد للمشتري في الحال.
وهل تصير أم ولدٍ له إذا ملكها بعد ذلك؟ فيه قولان:

أحدهما: لا تصير أم ولد؛ لأنها علقت منه في غير ملكه.
والثاني: تصير أم ولد له؛ لأنها علقت منه بحر.

[فرعٌ: ما يلزم عن العلم بفساد الشراء]

]: قال الصيمري: وإذا اشترى عبدًا شراءً فاسدًا، وقبضه، وأنفق عليه مدّة، فإن كان المشتري عالمًا بفساد الشراء.. لم يرجع بما أنفق عليه، وإن لم يعلم.. فهل يرجع على البائع بما أنفق عليه؟ فيه وجهان، بناءً على القولين في رجوع الزوج في المهر على الولي إذا غرّه بحرّية الزوجة.

[فرعٌ: تلف ثمن البيع الفاسد بعد القبض]

]: قال أبو العباس: إذا باعه عبدًا بيعًا فاسدًا بثمن، وتقابضا، ثم أتلف البائع الثمن.. وجب على المشتري ردّ العبد، ولم يكن له إمساكه إلى أن يأخذ الثمن.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (له إمساكه، وهو أحق به من سائر الغرماء).
دليلنا: أنه لم يقبض العبد وثيقة، وإنما قبضه على أنه ملكه، فإذا بان خلافه.. وجب ردّه.
وبالله التوفيق.

باب تفريق الصفقة

إذا جمع في البيع بين ما يجوز بيعه وبين ما لا يجوز بيعه؛ بأن باع عبده وحرًّا، أو عبده وعبد غيره.. بطل البيع فيما لا يجوز بيعه، وهو الحر وعبد غيره.
وهل يصح بيعه في عبده؟ فيه قولان.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا جمعت الصفقة بين ما هو مالٌ، وبين ما ليس بمال، مثل: أن باع خلاًّ وخمرًا، أو عبدًا وحرًّا، أو شاةً وخنزيرًا.. بطل البيع في الجميع.
وإن جمعت الصفقة بين ما هو مالٌ، وما هو في حكم المال، كعبده وأم ولده.. صح البيع في عبده، وبطل في أم ولده.
وإن جمعت الصفقة بين مالين، بأن باع عبده وعبد غيره.. لزم البيع في عبده، ووقف البيع في عبد غيره على إجازة مالكه، فإن أجازه.. نفذ، وإن ردّه.. بطل).
ويأتي الدليل عنه.
فإذا قلنا: تفرق الصفقة، فيبطل البيع فيما لا يجوز، ويصح فيما يجوز.. فوجهه: أن كل واحد منهما لو أفرده بالعقد.. لثبت له حكمه، فإذا جمع بينهما.. ثبت لكل واحد منهما حكم الانفراد، كما لو باع سيفًا وشقصًا من أرض، ولأنه لمّا لم يجُز أن يقال: يصح البيع فيما لا يجوز بيعه؛ لصحته فيما يجوز بيعه.. لم يجز أن يقال: يبطل البيع فيما يجوز بيعه؛ لبطلانه فيما لا يجوز بيعه، فأجرى حكم كل واحد منهما على ما كان يجري عليه لو أفرده بالبيع.

وإذا قلنا: لا تفرق الصفقة، ويبطل البيع فيهما.. فاختلف أصحابنا في تعليله: فـ[التعليل الأول]: منهم من قال: لأن الصفقة جمعت حلالاً وحرامًا، فغلّب التحريم، كما لو باع درهمًا بدرهمين، أو تزوج بأختين.
فعلى هذا: يبطل البيع فيما يتقسّط الثمن فيه على الأجزاء، بأن باع كرين من طعام، أحدهما له، والآخر لغير، أو باع عبدًا يملك بعضه، وفيما يتقسط الثمن فيه على القيمة، بأن باع عبده وعبد غيره، وكذلك إذا رهن ماله ومال غيره، أو وهب ماله ومال غيره، أو أنكح أخته وأجنبية.. فإنه يبطل نكاح الأجنبية، أو نكح مسلمة ومجوسية، أو محلة ومحرمة بعقد.. بطل النكاح.
و [التعليل الثاني]: من أصحابنا من قال: إنما يبطل البيع فيهما لجهالة الثمن؛ لأن الثمن يقسط عليهما، فيسقط ما يقابل ما لا يجوز بيعه، ويبقى ما يقابل ما يجوز بيعه، وذلك مجهولٌ حال العقد، فأبطل العقد، كما لو قال: بعتك هذا بحصته من الثمن، أو رأس المال، أو يرفعه وهما لا يعلمان ذلك.
قلت: وهذا التعليل إنما يصح إذا قلنا: إنه يأخذ المبيع بحصته من الثمن.
فعلى هذا التعليل: لا يبطل البيع فيما يتقسط فيه الثمن على أجزاء المبيع، ولا يبطل الرهن والهبة والنكاح، وإنما يبطل فيما يتقسط الثمن فيه على القيمة.
وأما الدليل على أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - فنقول: لأن الصفقة جمعت بين ما يجوز بيعه، وبين ما لا يجوز بيعه، فصحّ فيما يجوز، كما لو باع عبده ومكاتبه، أو نقول على الآخر: فوجب أن لا يصح في الكل، كما لو باع حرًّا وعبدًا.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن قلنا: إن الصفقة لا تفرق.. رد المبيع، واسترجع الثمن

إن كانا قد تقابضا.
وإن قلنا: إن الصفقة تفرق.. فإن المشتري بالخيار: بين أن يفسخ البيع؛ لأن الصفقة تفرقت عليه، وبين أن يجيزه، فإن اختار أن يجيزه.. فبكم يمسك ما صح فيه البيع؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يمسك الجائز بجميع الثمن المسمى؛ لأن عقد البيع إنما يتوجه إلى ما يجوز بيعه، دون ما لا يجوز بيعه، فكأنه لم يذكر في العقد غيره.
والثاني: يمسكه بحصته من الثمن، وهو الصحيح؛ لأنه لم يبذل الثمن إلا في مقابلهما، فلا يؤخذ منه جميعه بأحدهما.
واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا باع عينين يتقسط الثمن عليهما على قدر قيمتيهما، كالعبدين والثوبين.
فأمّا إذا كان المبيع مما يتقسط الثمن على أجزائه، كالكرّين من الطعام، أو عبد بعضه له وبعضه لغيره.. فإنه يمسك الجائز بحصته من الثمن، قولاً واحدًا؛ لأن ما يتقسط الثمن فيه على القيمة يكون ما يخص الجائز مجهول، فدعت الحاجة إلى أن يجب عليه جميع الثمن، بخلاف ما يتقسط الثمن على أجزائه؛ لأن ثمن الجائز معلوم.
ومنهم من قال: القولان في الجميع، وهو الصحيح؛ لأن الشافعي نص على القولين في بيع الثمرة بعد بدوّ الصلاح وقبل إخراج الزكاة، والثمرة مما يتقسط الثمن فيها على أجزائها.
وإن كان أحد المبيعين غير متقوم، بأن باعه خلاًّ وخمرًا، أو عبدًا وحرًّا، فإن قلنا في التي قبلها: إنّه يمسك الجائز بجميع الثمن.. فكذلك هذا مثله.
وإن قلنا: إنه يمسك الجائز بحصته من الثمن.. ففي هذا ثلاثة أوجه: أحدها: يبطل البيع، قولاً واحدًا؛ لأنّ الخمر والحرّ لا قيمة لهما، فلا يمكن تقسيط الثمن عليهما.

والثاني: حكاه في " الإفصاح ": أنه يمسك الجائز بجميع الثمن، قولاً واحدًا؛ لأنّ الخمر والحرّ لما لم يكن لهما قيمةٌ لتقسيط الثمن عليهما.. لم يبق إلا إيجاب جميع الثمن.
والثالث ـ حكاه المسعودي [في " الإبانة " [ق\227]ـ: أنه يقدر لو كان متقوّمًا، كم كانت قيمته مع قمية الجائز؟ ويقسم المسمى عليهما على قدر قيمتهما، كما قلنا في الجناية على الحرة التي لا أرش لها مقدّرًا.
فإن قلنا: إن المشتري يمسك الجائز بجميع الثمن.. فلا خيار للبائع؛ لأنه لا ضرر عليه.
وإن قلنا: إنه يمسك الجائز بحصته من الثمن.. فهل يثبت الخيار للبائع؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت له الخيار؛ لأنه لم يحصل له جميع الثمن، فثبت له الخيارُ، كالمشتري.
والثاني: لا خيار له؛ لأنه هو الذي فرّق الصفقة على نفسه، حيث باع ما يجوز بيعه وما لا يجوز.

[فرعٌ: بيع المجهول]

وإن قال: بعتك هذا العبد وعبدًا آخر مجهولاً بألف.. بطل البيع في المجهول، كما لو باعه منفردًا، وهل يبطل البيع في المعلوم؟ إن قلنا: إن الصفقة لا تفرق.. بطل فيه أيضًا.
وإن قلنا: إن الصفقة تفرق، فإن اختار المشتري فسخ البيع في المعلوم.. فلا كلام.
وإن اختار إمساكه، فإن قلنا: يمسكه بجميع الألف.. صح.
وإن قلنا: يمسكه بالحصة.. بطل البيع أيضا فيه؛ لأنه لا يعلم كم قيمة المجهول ليقسط الثمن عليهما.

[فرعٌ: تلف بعض المبيع قبل القبض]

وإن اشترى من رجل عبدين، فتلف أحدهما قبل أن يقبضهما، وبقي الآخر.. فإن البيع ينفسخ في التالف؛ لأنه تعذر التسليم المستحق فيه بالبيع، وهل يبطل البيع في الباقي منهما؟ فيه طريقان: [الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو باع عبده وعبد غيره؛ لأن الفساد الطارئ بعد العقد، كالفساد المقارن للعقد، بدليل: أن العيب الحادث في يد البائع قبل القبض، كالعيب الموجود في المبيع حال العقد.
و [الثاني]: منهم من قال: لا يبطل البيع في الباقي، قولاً واحدًا، لأنّا إنما أبطلنا البيع في عبده إذا باعه مع عبد غيره؛ للجمع بين الحلال والحرام، أو لجهالة ثمن عبده، وهاهنا لا يوجد واحد منهما.
وإن اشترى من رجلٍ عبدين، فقبض أحدهما، ثم تلف الآخر قبل أن يقبضه.. ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\227]: أحدهما: أنها كالأولى على طريقين، كما لو لم يقبض واحدًا منهما.
والثاني: لا يبطل البيع في الباقي، قولاً واحدًا؛ لأنه قد تأكد بالقبض.
وإن اشترى عبدين، فأبق أحدهما قبل القبض.. لم يبطل البيع في الباقي، قولاً واحدًا؛ لأن البيع لم يبطل في الآبق.
إذا ثبت هذا: فاشترى عبدين، وتلف أحدهما قبل القبض، فإن قلنا: إن البيع يبطل في الباقي من العبدين.. فلا كلام.
وإن قلنا: لا يبطل فيه.. ثبت للمشتري الخيار؛ لأن الصفقة تفرقت عليه، فإن اختار فسخ البيع.. فلا كلام، وإن اختار إمساك الباقي.. فبكم يمسكه؟ فيه طريقان: أحدهما ـ وهو قول الشيخين: أبي حامد وأبي إسحاق الشيرازي ـ: أنه يمسك الباقي بحصته من الثمن، قولاً واحدًا؛ لأن الثمن هاهنا قابل المبيعين في الابتداء وصحّ فيهما، فإذا تلف أحدهما سقط ما يقابله لا غير.
والطريق الثاني ـ وهو قول القاضيين: أبي حامد وأبي الطيب، واختيار ابن الصبّاغ

ـ: أنها على قولين؛ لأن العقد إذا انفسخ في التالف.. بقي العقد في الباقي خاصّة فكان بمنزلة ما لو كان ذلك في الابتداء فاسدًا في أحدهما.
قال ابن الصبّاغ: وما قال الأول يلزم عليه إذا باع مرهونًا وغير مرهون، أو ماله ومال غيره.. فإن في كل واحد منهما يصح أن يقابله عوض، وإنما لم يقابله؛ لتعلق حق الغير به، وهاهنا وإن قابله فقد زال ذلك بالفسخ بالموت، فجرى مجرى المرهون.
فإن قلنا: يأخذه بجميع الثمن.. فلا خيار للبائع.
وإن قلنا: يأخذه بالحصة.. فهل يثبت للبائع الخيار عنده؟ فيه وجهان، وقد مضى توجيههما.

مسألة: الجمع بين بيع وإجارة

]: وإن جمع بين البيع والإجارة، بأن يقول: أجرتك داري هذه شهرًا، وبعتك عبدي هذا بألف، فقال: قبلت.. ففيه قولان: أحدهما: يبطلان؛ لأن أحكام هذين العقدين تختلف، فالبيع يدخله الخيار، ويستقر الملك فيه بالقبض، والإجارة لا يدخلها خيار الثلاث، ولا تستقر عليه الأجرة بقبض العين.. فبطلا.
والثاني: لا يبطلان؛ لأن كل واحد منهما لو أفرده بالعقد.. صح، فإذا جمع بينهما.. فليس فيه أكثر من اختلاف الأحكام، فلم يمنع صحة العقد، كما لو باع سيفًا وشقصًا من أرض بألف.
فعلى هذا: يقوم العبد وتقوّم منفعة الدار شهرًا، وتقسم الألف عليهما على قدر قيمتيهما.
فأمّا إذا قال: بعتك داري، وأجّرتكها شهرًا بألف.. لم يصحّ واحدٌ منهما، قولاً واحدًا؛ لأنَّ بنفس عقد البيع يملك المنفعة، فإذا اشترط أن يملك المنفعة بعوض.. بطل العقد.

وإن قال: بعتك هذه الدار بمائة على أن أؤجرك الأخرى.. بطل البيع، قولاً واحدًا؛ لأن هذا في معنى بيعتين في بيعة.
وإن قال: أجرتك هذه الدار بمائة، وبعتك الأخرى بعشرة، فقال المشتري: قبلت.. قال الشيخ أبو حامد: صح العقدان جميعًا؛ لأنه لا تعلق لأحدهما بالآخر.
وإن جمع بين البيع والصرف، بأن يقول: بعتك هذا الثوب وهذه الدنانير بهذه الدراهم.. ففيه قولان، ووجههما ما ذكرناه في البيع والإجارة.
وإن قال: بعتك هذا الثوب وهذه الدنانير بدنانير أخرى.. بطل البيع، قولاً واحدًا.
وإن جمع بين البيع والنكاح، قال الشيخ أبو حامد: وهو أن يقول: زوجتك ابنتي، وبعتك عبدها بألف، وهي صغيرة أو كبيرة، ووكلته على البيع، فقال: قبلت: أو قال: زوجتك أمتي وبعتك عبدي بألف، وهو ممن يحل له نكاح الأمة، فقال: قبلت.. ففيه قولان: أحدهما: يصح البيع والمهر، ويقسم الثمن على قدر قيمة العبد ومهر مثلها، وهذا يمضي في الصغيرة إذا كان ما يخص المهر قدر مهر المثل أو أكثر منه، فأمّا إذا كان أقل من مهر المثل: فلا يصح المهر، قولا واحدًا.
والثاني: يبطل البيع والصداق؛ لاختلاف أحكامهما، وأمّا النكاح: فلا يبطل، قولاً واحدًا؛ لأنه لا يفسد بفساد العوض عندنا.
وأما إذا جمع بين البيع والكتابة؛ بأن يقول لعبده: بعتك هذا العبد، وكاتبتك على نجمين بألف.. فإن البيع لا يصح، قولاً واحدًا؛ لأنه لا يصح أن يبيع السيد من عبده، وفي الكتابة قولان، بناءً على القولين في تفريق الصفقة.
وإن باع عبدين بألف، وشرط الخيار في أحدهما دون الآخر، فإن لم يبين حصة

كل واحد منهما من الألف.. ففيه قولان، كما لو جمع بين البيع والإجارة، وإن بين حصة كل واحد من العبدين من الألف.. ففيه طريقان: [الأول]: قال أبو العباس بن القاص: يصح، قولاً واحدًا؛ لأن علة فساد البيع الجهالة بالثمن لو احتيج إلى توزيع الثمن، فإذا بين حصة كل واحدٍ منهما.. انتفت الجهالة.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو حامد: هي على قولين.
وللشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما يدل على هذا، فإنه قال: (لو أصدقها ألفًا على أن ترد عليه عبدًا معينًا قيمته ألف، ومهر مثلها ألفٌ.. كان فيها قولان).
قال: وكذلك لو بيّنا حصة كل واحد منهما، فإنها على قولين.

[فرعٌ: اشترى زرعًا واشترط حصاده]

ولو اشترى زرعًا، واشترط على البائع حصاده.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (كان الشراء فاسدًا).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هي على قولين، كما لو جمع بين البيع والإجارة، وإنما ذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أحد القولين.
وهذا اختيار ابن الصبّاغ.
ومنهم من قال: يبطلان، قولاً واحدًا، لأنه استأجره على حصاده الزرع قبل استقرار ملكه على الزرع، فلم يصح، كما لو استأجر رجلاً ليحصد له زرعًا لا يملكه.
ومنهم من قال: إنما لم يصح؛ لأنه اشترط تأخير تسليم الزرع؛ لأنه إذا شرط حصده على البائع.. ففيه تأخير التسليم إلى أن يحصد، فبطل العقد.
ومنهم من قال: إنما يبطل؛ لأن قطعه يجب على المشتري، فإذا شرطه على البائع.. فقد شرط شرطًا ينافي مقتضى العقد، فأبطله.
هذا ترتيب الشيخ أبي حامد.
وقال أبو علي السنجي: إذا اشترى منه زرعًا واستأجره على حصاده بألف، أو

اشترى منه لبنًا واستأجره على طبخه بدرهم، أو اشترى منه حطبًا على ظهر دابّة واستأجره على حمله إلى بيته بدرهم.. ففيه ثلاثة طرق: أحدها: أن الكل على قولين.
والثاني: أن جميع هذه العقود باطل، قولاً واحدًا.
وهذان الطريقان حكاهما الشيخ أبو حامد.
والطريق الثالث: أن الإجارة باطلة في هذه المسائل، قولاً واحدًا، وفي البيع قولان، بناء على القولين في تفريق الصفقة.

مسألة: البيع بأقل من القيمة عند الموت

إذا باع في مرض موته شيئًا بأقل من قيمته، فإنّ القدر الذي نقصه عن القيمة يكون وصية تعتبر من ثلث تركته، وهكذا إذا اشترى في مرض موته شيئًا بأكثر من قيمته، فإن الزيادة وصية.
إذا ثبت هذا: فإن باع في مرض موته عبدًا يساوي ثلاثين درهمًا بعشرة دراهم، ومات لا يملك غير ذلك، ولم يجز الورثة محاباته.. فبكم يصح البيع من العبد؟ فيه وجهان: أحدهما ـ وهو ظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وبه قال ابن الحداد، وأبو العبّاس بن سريج ـ: أن البيع يصح في ثلثي العبد وقيمته عشرون، بجميع الثمن وهو

عشرةٌ، ويبطل البيع في ثلث العبد وهو عشرة؛ لأنه اجتمع للمشتري معاوضة ومحاباة، فوجب أن يجمع له بينهما، فيكون ثلث العبد مبيعا بالعشرة وقيمته عشرة، ويكون له ثلث العبد وصية وقيمته عشرة، ويبقى مع الورثة ثلث العبد وقيمته عشرة، وجميع الثمن وهو عشرة، فذلك مثلا المحاباة.
والوجه الثاني ـ وهو قول ابن القاص، وابن اللَّبّان ـ: أن المشتري لا بد أن يرجع إليه شيء من الثمن ويحصل له مع المحاباة؛ لأن العقد وقع على جميع العبد بجميع العشرة، فإذا رجع إلى ورثة البائع بعض العبد.. وجب أن يرجع إلى المشتري ما يقابل ذلك من الثمن.
وفي كيفية معرفة القدر الذي صح فيه البيع من العبد على هذا طرق في الحساب منها: أن يقال: المحاباة وقعت بثلثي العبد وقيمته عشرون، والثلث الذي تنفذ فيه المحاباة عشرة، وذلك نصف المحاباة، فخذ سهم تلك النسبة وهو النصف، وقل: ينفذ البيع في نصف العبد، وقيمته خمسة عشر، بنصف الثمن وهو خمسة، فيجعل كأن المشتري اشترى سدس العبد وقيمته خمسة بخمسة، وبقي له ثلث العبد وقيمته عشرة وصية له، ويبقى مع الورثة نصف العبد وقيمته خمسة عشر، ومن الثمن خمسة، وذلك عشرون، وهما مثلا المحاباة، وقد قابل جميع الثمن جميع أجزاء العبد.
وفيه طريق آخر من الحساب: وهو أنك تنزع قدر مال الصحيح وهو عشرةٌ، من مال المريض وهو ثلاثون، ويبقى عشرون، فاضربها في ثلاثة وهو مخرج الثلث، فيكون ستين، فانسب جميع مال المريض وهو ثلاثون، ممّا اجتمع لك من الضرب، فتجد ذلك نصفه، فخذ سهم تلك النسبة وهو النصف، ويقال: ينفذ البيع فيه بما يقابله من الثمن وأجر البيع فيه بمثله من الثمن.

وفيه طريق آخر من الجبر والمقابلة: وهو أنك تلقي من مال المريض ما يقابل الثمن وهو عشرة، ثم تعطي المشتري مما بقي شيئًا بالوصية، وتدفع من الشيء ثلثه لأجل العشرة؛ لأن العشرة من الثلاثين ثلثها، فتبقى الوصية له في ثلثي شيء، ويبقى مع الورثة عشرون إلا ثلثي شيء يعدل مثلي الوصية، وهو شيء وثلث شيء، فإذا جبرت العشرين بثلثي الشيء الذي يقضى به، وزدت ذلك على الشيء والثلث المقابلين.. كانت العشرون تعدل شيئين كاملين، الشيء الواحد نصفها، فخذ سهم تلك النسبة وهو النصف، وأجر البيع فيه من العبد بمثله من الثمن، وإن شئت.. فاقسم الثلاثين على الشيئين، فنصيب كل شيء نصفها، وذلك خمسة عشر، وهو نصفها، فأجر البيع في نصف العبد بنصف الثمن.
وإن باع المريض في مرض موته كر حنطة قيمته ثلاثون درهمًا، بكر شعير قيمته عشرةٌ، ومات ولا مال له غيره ولم يجز الورثة.. فهي على الوجهين في العبد.
وإن باع المريض في مرض موته كر حنطة جيّدًا يساوي ثلاثين درهمًا، بكر حنطة رديء يساوي عشرة، ومات ولا مال له غيره، ولم تجز الورثة.. فلا يجوز أن يقال: يصح البيع في ثلثي الجيد بجميع الرديء، كما قلنا في العبد في أحد الوجهين؛ لأن ذلك ربا، فيبطل هذا الوجه هاهنا، ولا يصح فيه إلا الوجه الثاني، فيصح البيع في النصف الجيد بنصف الرديء على ما ذكرناه.
إذا تقرر هذا: فإنّ المشتري يثبت له الخيار في هذه المسائل في العبد والكر على الوجهين؛ لأن الصفقة تفرقت عليه، وأمّا ورثة البائع: فلا يثبت لهم الخيار وإن انتقضت عليهم الصفقة في الثمن؛ لأن المريض قصد إرفاق المشتري، فلو أثبتنا لهم الخيار.. لبطل مقصود المريض؛ ولأن تنقيص الثمن حصل باختيارهم، فإنهم لو أجازوا البيع.. لما حصل عليهم التنقيص، ولا يجوز أن يثبت لهم الخيار مرة أخرى.

[فرعٌ: زيادة قيمة العبد قبل موت سيّده المريض]

]: وإن باع المريض من مرض موته عبدًا قيمته مائة بخمسين، فزادت قيمته قبل موت سيده حتى بلغت مائتين، ثم مات السيد، ولا يملك غيره، ولم يجز الورثة البيع: فعلى الوجه الأول ـ وهو ظاهر كلام الشافعي: يجوز البيع في نصف العبد بخمسين، وهو قيمته يوم الشراء، ويبقى نصفه وقيمته مائة يوم مات سيده، فيضم إليه الثمن وهو خمسون، فيكون للمشتري من ذلك بالمحاباة شيء وصية، وله بفضل القيمة شيء من غير وصية، فتبقى مع الورثة مائة وخمسون إلا شيئين تعدل مثلي الوصية وهو شيئان، فإذا جبرت.. عدلت المائة والخمسون أربعة أشياء، فإذا قسّمتها على أربعة.. خص كل شيء منها سبعة وثلاثون درهمًا ونصف، وهو الجائز بالمحاباة، وذلك ثلاثة أثمان العبد يوم الشراء، وهو المعتبر من الثلث، إلا أن قيمته يوم مات السيد ضعف ذلك، ولا تحسب عليه زيادة قيمته؛ لأنه من غير الثلث، فإذا ضممت ثلاثة أثمان العبد إلى نصفه للمشتري.. بقي في أيدي ورثة البائع ثمن العبد يوم مات البائع، وقيمته خمسة وعشرون، وجميع الثمن وهو خمسون، فذلك خمسة وسبعون، وذلك مثلا قيمة ثلاثة أثمان العبد يوم الشراء.
وعلى الوجه الثاني ـ وهو قول ابن القاص، وابن اللَّبان ـ: يجوز البيع في شيء من العبد بنصف شيء من الثمن، فتكون المحاباة بنصف شيء، ويبطل البيع في عبد إلا شيئًا، وقيمته يوم مات السيد مائتان إلا شيئين، فيضم إليه نصف شيء من الثمن، فيبقى مع الورثة مائتان إلا شيئًا ونصف شيء، تعدل شيئًا كاملاً، وهو مثلا المحاباة، فإذا جبرت المائتين بما نقص منهما، وزدت ذلك على الشيء المقابل لهما.. عدلت المائتان شيئين ونصفا، فأسقط كل شيء نصفين، ليكون النصف معهما، فيكون خمسة أنصاف، فإذا قسمت المائتين على الأنصاف.. خص كل نصف أربعون، فيعلم: أن الشيء الكامل ثمانون، وهو أربعة أخماس العبد يوم الشراء، فيصح البيع

فيه بمثل تلك النسبة من الثمن، وهو أربعون، فيعلم: أن المحاباة نصف شيء، وهو أربعون، ويبقى مع الورثة خمس العبد وقيمته أربعون يوم مات السيد، ومن الثمن أربعون، وهو مثلا المحاباة، وسواءٌ زادت قيمته بالسعر، أو بزيادة البدن، أو بتعلم صنعة.
فإن لم تزد قيمة العبد، ولكن نقصت في يد المشتري، فصار يساوي خمسين، ثم مات المريض: فحسابه على ظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن يقال: للمشتري نصف العبد بالخمسين، ويضم نصفه وقيمته: خمسة وعشرون إلى الثمن، فيصير خمسة وسبعين، للمشتري منها شيء محاباة، يحتسب عليه به شيئين؛ لأن قيمة الشيء يوم قبضه مثلا قيمته الآن، فيبقى للورثة خمسة وسبعون إلا شيئًا تعدل أربعة أشياء، فإذا جبرت.. عدلت الخمسة والسبعون خمسة أشياء، فإذا قسمتها علمت أن الشيء خمسة عشر، وهو ثلاثة أعشار العبد، فيجمع له مع نصفه، فذلك أربعة أخماس العبد بجميع الثمن، ويبقى للورثة خمس العبد وقيمته عشرة، مع الثمن وهو خمسون، فيكون مع الورثة ستون، وهو مثلا قيمة ثلاثة أعشار العبد يوم قبضه المشتري، وهو ثلاثون.
وعلى قول ابن القاص، وابن اللَّبان: يجوز البيع في شيء من العبد، بنصف شيء من الثمن، فالمحاباة نصف شيء، ويبطل البيع في عبد إلا شيئًا، وقيمته خمسون إلا نصف شيء، فيضم إليه نصف شيء ثمنًا، فيكمل خمسين، وذلك يعدل شيئًا، فيعلم: أن الشيء خمسون، وذلك نصف قيمة العبد يوم الشراء، فيصح البيع في نصفه بنصف الثمن، وهو خمسة وعشرون، فيجتمع لورثة البائع نصف العبد وقيمته خمسة وعشرون، ونصف الثمن وهو خمسة وعشرون، فذلك خمسون، وهو مثلا نصف الشيء الذي جازت فيه المحاباة.
ولو نقصت قيمة العبد في يد المشتري بعد موت سيده.. فالجواب كذلك، ولا خيار للمشتري، فإن كان النقص في السعر لا في البدن.. فله الرد.

ولو نقص في يد البائع، فبلغت قيمته خمسين.. نفذ البيع في جميعه على الوجهين؛ لأن ما نقص في يد البائع غير مضمون على المشتري، فكأنه باعه وحاباه ولم يسلم المحاباة، وكذلك لو بلغت قيمته خمسة وسبعين؛ لأن الثلث يحتمل، وللمشتري الخيارُ إذا كان النقص في يد البائع بالبدن، إلا أن ينقص في السعر، فلا خيار له.

[فرعٌ: باع عبدًا لا يملك سواه وله دين على آخر]

لو باع في مرض موته عبدًا لا مال له غيره، قيمته ستون درهمًا، بعشرة دراهم حاضرة، وللمريض على آخر تسعون درهما دينا: فعلى ظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: للمشتري سدس العبد بالعشرة، وثلثه بالمحاباة، فذلك نصفه، وللورثة نصفه وجميع الثمن، وكلَّما اقتضي من الدين شيء.. ردُّوا قدر ثلث ذلك من العبد على المشتري، حتى يستوفي وصيته.
وعلى قول ابن القاص، وابن اللبان: يأخذ المشتري خمسي العبد بخمسي العشرة، وللورثة ثلاثة أخماس العبد مع خمسي الثمن، وكلما اقتضى من الدين شيء.. ردّوا من العبد بقدر خمسي ذلك، وأخذوا من المشتري قسطه من الثمن، فإذا استوفوا الدين.. ردوا باقي العبد، وهل يردون ما أخذوا من كسبه؟ فيه وجهان، حكاهما ابن اللبان.
أحدهما ـ وهو الأصح ـ: أنهم يردون؛ لأنا نتبين أن الملك كان للمشتري من يوم الشراء، وأن الكسب وقع في ملكه.
والثاني: لا يردون.

[فرعٌ: اشترى عبدًا بجميع ماله]

إذا اشترى في مرض موته عبدًا يساوي عشرة، بثلاثين درهمًا في يده لا يملك غيرها، ثم مات، ولم يجز الورثة:

فعلى ظاهر كلام الشافعيّ: يلزم البيع في جميع العبد بعشرين من الدراهم، ويرد إلى ورثة المشتري من الثلاثين عشرة مع العبد وقيمته عشرة، وذلك مثلا المحاباة.
وعلى قول ابن القاصّ، وابن اللبان: يصح البيع في نصف العبد وقيمته خمسة بنصف الثمن وهو خمسة عشر، فيحصل للبائع بالمحاباة عشرة، ويجتمع لورثة المشتري نصف العبد، وقيمته خمسة، ويرجع إليهم نصف الثلاثين وهو خمسة عشر، فذلك عشرون، وهو مثلا المحاباة، ويكون للبائع الخيار هاهنا.
وإن كان للمشتري دين تخرج المحاباة به، ولم يجز الورثة: فعلى ظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يكون البائع بالخيار: إن شاء.. سلم العبد وردّ من الثمن عشرة، وإن شاء.. فسخ البيع.
قال ابن سريج: فإن اختار فسخ البيع، ففسخ، ثم اقتضى الدين بعد ذلك.. فلا شيء للبائع.
وإن لم يفسخ، ولكن رد العشرة، ثم اقتضى الدين.. رد عليه الورثة العشرة؛ لأنه إذا فسخ.. فكأنه لم يحصل له جميع الثمن، فكان في معنى من اختار فسخ البيع لعيب وجده، فلمّا فسخ.. زال العيب، فإذا لم يفسخ.. كان في معنى من أوصى له بوصية، فخرج يعضها من الثلث، ثم ظهر مالٌ، يخرج جميعها من الثلث.
وأمّا على قول ابن القاصّ، وابن اللبان: فيصح البيع في نصف العبد بنصف الثمن، وللورثة نصف العبد ونصف الثلاثين، فإن اقتضى الورثة الدين.. ردّوا نصف الثمن، واسترجعوا نصف العبد.

[فرعٌ: باع جارية بثلث قيمتها فوطئها المشتري]

وإن باع في مرض موته جارية بعشرة، وقيمتها ثلاثون، ولا مال له غيرها، فوطئها المشتري، ثم مات المريض، ولم يجز الورثة، واختار المشتري الفسخ.. رد الجارية، ولا مهر عليها.
وكذلك: إن اختار المشتري إنفاذ البيع.. فإن البيع يصح في ثلثيها في أحد الوجهين، وفي نصفها في الآخر، ولا شيء على المشتري من المهر لما انتقص فيه

البيعُ؛ لأنه وطئها وهي في ملكه، وإنما نقص البيع في بعضها؛ لمعنى طرأ بعد أن ملكها، فهو كما لو اشترى جارية فوطئها، ثم وجد بها عيبًا فردّها.. فإنه لا مهر عليه.
وكذلك: لو اشترى المريض في مرض موته جارية قيمتها عشرة دراهم بثلاثين درهمًا بيده، لا يملك غيرها، فوطئها المشتري، ثم مات.. فلا يجب عليه مهر ما انتقص فيه البيع؛ لأنه وطئها في ملكه.

[فرعٌ: تغير قيمة العبد قبل موت المشتري المريض]

وإن اشترى في مرض موته عبدًا، قيمته عشرة، بثلاثين بيده لا يملك غيرها، فبلغت قيمة العبد قبل موت المشتري عشرين.. فقد وقعت المحاباة بعشرين، فاجعل التركة ثلاثين مع العشرة الزائدة، فيكون ثلثها ثلاثة عشر وثلثا، فيكون للبائع الخيار: بين أن يجيز البيع ويرد ما زاد على الثلث وهو ستة وثلثان، وبين أن يفسخ البيع ويأخذ العبد بزيادته.
وهذا على ظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وعلى قول ابن القاص، وابن اللّبان: يجوز البيع في شيء من العبد، بثلاثة أشياء من الثمن، فتكون المحاباة بشيئين، ويبقى مع الورثة ثلاثون درهمًا إلا ثلاثة أشياء، يضم إليه الشيء المشترى من العبد وقيمته شيئان، فتصير ثلاثين إلا شيئًا تعدل أربعة أشياء.
فإذا جبرت.. عدلت خمسة أشياء، الشيء ستةٌ، وهو ثلاثة أخماس العبد يوم الشراء وهو الجائز بالبيع، وقيمته يوم مات المشتري اثنا عشر، بثلاثة أخماس الثمن، وهو ثمانية عشر، فقيمة ما خرج من البائع يوم الشراء ستة بثمانية عشر من الثلاثين، فحصلت المحاباة له باثني عشر، لكن قد صح ما زاد فيه البيع من العبد قبل موت المشتري، فبلغ اثني عشر، وبقي مع ورثته من الثلاثين اثنا عشر، فيجتمع لهم أربعةٌ وعشرون، وذلك مثلا المحاباة.
فإن لم تزد قيمة العبد، ولكن نقصت، فبلغت خمسة في يد المريض.. ضمن المريض للبائع ما نقص في يده مما يفسخ فيه البيع؛ لأنه قبضه على بيع.
وحسابه أن يقال: يجوز البيع في شيء من العبد، بثلاثة أشياء من الثمن، فيبقى مع الورثة ثلاثون

درهمًا إلا ثلاثة أشياء، ويبطل البيع في عبدٍ إلا شيئًا، وقيمته خمسة إلا نصف شيء، ويبقى خمسة وعشرون إلاّ شيئين، فأخرج النقصان من التركة، وهو خمسة إلا نصف شيء، فيبقى خمسة وعشرون إلا شيئين ونصفا، فضمّه إلى الشيء المشترى وقيمته نصف شيء، فيصير خمسة وعشرين ونصفا إلا شيئين تعدل أربعة أشياء، فإذا جبرت.. عدلت ستة أشياء، الشيء سدس الخمسة والعشرين، وذلك ربع العبد وسدسه يوم الشراء، وهو خمسة أجزاء من اثني عشر جزءًا من العبد، وهو الجائز في البيع، بخمسة عشر جزءًا من الدراهم، فالمحاباة عشرةٌ، فاجعل كل عشرة دراهم اثني عشر جزءًا، فيكون ستّة وثلاثين جزءًا، فثمن الشيء منها خمسة عشر جزءًا يبقى إحدى وعشرون جزءًا، وقد بطل البيع في سبعة أجزاء من العبد، وقد نقصت قيمة ذلك فصار يساوي ثلاثة أجزاء ونصفًا، فأخرج ما نقص من الواحد والعشرين، فيبقى من الدراهم سبعة عشر جزءًا ونصف جزء، فضمه إلى الشيء المشترى وهو خمسة، وقيمة ذلك جزءان ونصف، فذلك عشرون، وهو مثلا المحاباة.
وبالله التوفيق

باب الربا

الربا محرم، والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] [البقرة: 275]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] [البقرة: 278]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] [البقرة: 275]. و (المس): الجنون.
قال ابن عباس: (وذلك حين يقوم من قبره).

قال سعيد بن جبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يبعث يوم القيامة مجنونًا.
وقيل: إنه ما أحل الربا في شريعة قط.
قال الله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: 161] [النساء: 161]. وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الكبائر سبعٌ، أوّلها: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد هجرة».
وروى ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه».

وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الربا وإن كان كثيرًا، فإنه يصير إلى قل».
إذا ثبت هذا: فالربا في اللغة: هو الزيادة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: 5] [الحج: 5]، أي: زادت.
ومنه قولهم: أربى فلانٌ على فلان، أي: زاد عليه.
والربا في الشرع يقع على وجهين: على الزيادة، وعلى النسيء، على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

[مسألةٌ: الأصناف الربوية]

والأعيان التي ورد النص بتحريم الربا فيها، وأجمع المسلمون على تحريم الربا فيها ستة أشياء: الذهب، والفضة، والبُرّ، والشعير، والتمر، والملح.
والدليل عليه: ما روى عبادة بن الصامت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البُر بالبُر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينًا بعين، يدًا بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والبر بالشعير، والتمر بالملح، كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».

إذا ثبت هذا: فإن هذه الستة الأشياء، لم ينص عليها في تحريم الربا لأعيانها، وإنما نص عليها لمعنى فيها، فمتى وجد ذلك المعنى في غيرها.. حرم فيها الربا.
هذا قول عامة العلماء، إلا داود ونفاة القياس، فإنهم قالوا: (إنما نص عليها لأعيانها، ولا يحرم الربا في غيرها).
ودليلنا: أن القياس عندنا حجة، ورد الشرع بالتعبد به، فوجب العمل به، وموضع الكلام في ذلك أصول الفقه.
وأيضًا: فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] [البقرة: 275]. و (الربا): هو الزيادة، فيقتضي عموم الآية تحريم كل بيع فيه زيادة، إلا ما دلّ الدليل على تخصيصه وجوازه.
فإذا ثبت هذا: فإن هذه الأعيان معللة، فالعلة عندنا في الذهب والفضة: أنهما جنس الأثمان غالبًا، وهذه العلة واقفة لا تتعدى إلى غيرهما، وقد أومأ في " الفروع " إلى وجه آخر: أنه يحرم الربا في الفلوس التي هي ثمن الأشياء وقيم المتلفات في بعض البلاد.
وليس بشيء؛ لأن ذلك نادر.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (العلة فيهما الوزن في جنس واحد).
وقاس عليهما كل شيء موزون، مثل: الرصاص والحديد.
دليلنا: أنه يجوز إسلام الذهب والفضة في الحديد والرصاص والنحاس، ولو جمعتهما علة واحدة في الربا.. لم يجز إسلام أحدهما في الآخر، كما لا يجوز إسلام

الذهب بالفضة، ولأنه لا ربا في معمول الحديد والصفر والنحاس، فلم يكن في تبره الربا، كالطين، وعكسه الذهب والفضة.
وأما الأعيان الأربعة وهي: البُر والشعير والتمر والملح.. فلجميعها علة واحدة بالإجماع، كالذهب والفضة لهما علّة واحدة.
واختلف في علة هذه الأعيان الأربعة: فذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم إلى: (أن العلة فيها كونها مطعومة مكيل جنس، أو مطعومة موزون جنس).
فعلى هذا: العلة ذات ثلاثة أوصاف، وهو قول سعيد بن المسيب، ووجهه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل».
والمماثلة لا تكون إلا بالكيل أو الوزن.
فعلى هذا: يجوز بيع ما لا يكال ولا يوزن من المطعومات، مثل: التفاح والسفرجل والرمان، بعضه ببعض متفاضلا.
وقال في الجديد: (العلة فيها أنها مطعومة جنس).
وهو الصحيح.
فعلى هذا: العلة ذات وصفين، فيحرم الربا في كل ما يطعم، قوتًا أو تفكُّها.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (العلة فيها أنها مكيلة جنس، أو موزونة جنس).
فعلى هذا: يجوز عنده بيع تمرة بتمرتين، وبيع كف حنطة بكفين؛ لأن ذلك غير مكيل ولا موزون، ولا يجوز عنده بيع الجص، والنورة، والحديد، والرّصاص بعضه ببعض متفاضلاً؛ لأنه مكيل أو موزون.

وقال مالك رحمة الله عليه: (العلة فيها أنها مكيلة مقتاتة جنس).
فعلى هذا: يحرم الربا عنده فيما كان قوتًا أو يصلح للقوت.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: العلة فيها: أنها جنس تجب فيه الزكاة.
فعلى هذا: لا يجوز عنده بيع ما يجب فيه الزكاة بعضه ببعض متفاضلاً من الحيوان.
وقال سعيد بن جبير: العلة فيها: تقارب المنفعة، فكل شيئين تقارب الانتفاع بهما، لا يجوز عنده بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كالتمر بالزبيب، والحنطة بالشعير، والذرة بالجاورس.
وقال ابن سيرين: العلة فيها الجنس فقط، فإذا اختلف فيها الجنس.. لم يكن فيها ربا.
فأعمّ العلل علّة سعيد بن جبير؛ لأنها تتناول الجنس والجنسين، ثم بعدها: علة ابن سيرين، ثم علتنا في الجديد، ثم: علة أبي حنيفة، ثم: علة مالك، ثم علتنا في القديم، وأبعدها: علة ربيعة.
والدليل على بطلان قول ابن سيرين، وابن جبير: ما رُوي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشترى عبدًا بعبدين».
والدليل على بطلان قولهما، وقول ربيعة: ما روى عبد الله بن عمرٍو: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمره أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، يعني: في إبل الصدقة، فكان يأخذ بعيرًا ببعيرين إلى إبل الصدقة».
والإبل تتقارب منفعتها، وهي جنسٌ واحدٌ، وتجب فيها الصدقة.
وأمّا الدليل على بطلان قول مالك: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرم الربا في الملح».
وليس بقوت، فإن قال: لأنها تصلح القوت.. فليس بصحيح؛ لأن جميع الإدام والنار تصلح القوت، ومعلومٌ أنه لا ربا فيها.
وأمّا الدليل على بطلان قول أبي حنيفة ـ وهو وجه قوله الجديد ـ: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل».
وهذا يعم القليل منه والكثير، والطعام اسمٌ لكل مطعوم شرعًا ولغة: أما الشرع: فقوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] [آل عمران: 93].
وأراد به: سائر المطعومات.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249] [البقرة: 249]. وأراد به: الماء.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5] [المائدة: 5].
وأراد به: ذبائحهم، وهو اللحم.
وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «مكثنا مع رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زمانًا ما لنا طعامٌ إلا الأسودان: الماء والتمر».

جارٍ التحميل