البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 456-495

كتاب الإقرار

صفحات 456-495
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإن قال: له علي عشرة دراهم إلا خمسة وخمسة.. ففيه وجهان: أحدهما: يبطل الاستثناءان.
والثاني: يصح الأول دون الثاني.
قال الطبري: وإن قال: له علي ألف درهم - أستغفر الله - إلا مائة درهم.. صح الاستثناء.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح الاستثناء).
دليلنا: أن الفصل اليسير بين الاستثناء والمستثنى منه إذا لم يكن حرف إبطال الاستثناء.. لا يبطله، كما لو قال: له علي ألف - يا فلان - إلا مائة.

مسألة كون المستثنى من غير جنس المستثنى منه

يجوز أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه؛ بأن يقول: له علي مائة درهم إلا دينار.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (إن استثنى مكيلا أو موزونا.. جاز، وإن استثنى عبدا أو ثوبا من مكيل أو موزون.. لم يجز).
وقال زفر ومحمد: لا يجوز بحال.
وبه قال أحمد.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] [الكهف: 50] وقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: 25] ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: 26] [الواقعة: 25-26]، وقال الشاعر: وبلدة ليس بها أنيس... إلا اليعافير وإلا العيس فاستثنى اليعافير - وهي: ذكور الظباء - والعيس - وهي: الجمال البيض - من الأنيس.

إذا ثبت هذا: فقال: له علي ألف إلا درهما.. قيل له: قد أقررت بألف مبهم وفسرت المستثنى منه ففسر الألف المقر بها، فإن فسره بجنس قيمته أكثر من درهم.. سقط منه قدر الدرهم، وبقي الباقي عليه.
وإن فسره بجنس قيمته درهم أو أقل.. ففيه وجهان: أحدهما: يبطل التفسير؛ لأن الاستثناء قد صح، فإذا فسر الإقرار المبهم بما يرفع الاستثناء.. لم يصح التفسير، ويطالب بالتفسير على ما مضى.
والثاني: يصح التفسير، ويبطل الاستثناء؛ لأنه فسره بما يقبل منه، فإذا كان الاستثناء يرفعه.. حكم ببطلان الاستثناء.
وإن قال: له علي ألف درهم إلا ثوبا.. قلنا له: بين قيمة الثوب، فإن بين قيمته بقدر يبقى بعده من الألف شيء.. قبل منه.
قال ابن الصباغ: وعندي أنه ينبغي أن يكون ذلك قدر ما يجوز أن يكون قيمة الثوب.
وإن فسره بما قيمته أغلى من الثوب وكانت قدر ألف.. ففيه الوجهان الأولان: أحدهما: يلزمه الألف، ويبطل الاستثناء.
والثاني: يبطل التفسير، ويطالب بتفسير قيمة الثوب بقدر يكون أقل من ألف درهم.
وإن قال: له علي ألف إلا ثوبا.. فقد أقر بمبهم واستثنى منه مبهما، فيطالب بتفسيرهما، والكلام فيه إذا فسر على ما مضى.

فرع استثنى من جنسين كل على حدى

إذا قال: له علي ألف درهم إلا مائة درهم، وعشرة دنانير إلا قيراطا.. فيه وجهان: أحدهما: يلزمه تسعمائة درهم وعشرة دنانير إلا قيراطا؛ لأن الظاهر أنه أقر

بمالين، وهما ألف درهم وعشرة دنانير وعقب كل واحد منهما استثناء.
والثاني - وهو قول أبي حنيفة -: أنه يلزمه تسعمائة درهم وقيراط إلا قيمة عشرة دنانير؛ لأنه أقر له بألف درهم واستثنى منه مائة درهم، وعطف على المائة عشرة دنانير فكانت قيمتها مستثناة مع المائة، ثم استثنى من الدنانير قيراطا فكان باقيا عليه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات.

فرع استثنى من جنسين معا

وإن قال: له علي ألف درهم ومائة دينار إلا مائة درهم وعشرة دنانير.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه ألف درهم، ويكون الاستثناء يرجعان إلى المائة الدينار؛ لأنهما يعقبانها فرجعا إليها.
والثاني - وهو قول أبي حنيفة -: أن المائة الدرهم تكون مستثناة من ألف درهم، والعشرة الدنانير مستثناة من المائة الدينار؛ لأن الظاهر أنه استثنى كل جنس من جنسه.

فرع استثنى عبدا من عبيد أو كان بيده عبد وجارية وأقر بأحدهما

وإن كان في يده عشرة عبيد، فقال: هؤلاء العبيد لزيد إلا واحدا.. صح الإقرار، ويطالب بتعيين العبيد الذين للمقر له، فإن قال: له هؤلاء التسعة.. صح، وإن قال: ليس له إلا هذا.. كان الباقي منهم للمقر له.
وإن كذبه المقر له في التعيين.. كان القول قول المقر مع يمينه؛ لأنه أعرف بما أقر.
فإن مات من العبيد تسعة وبقي واحد، فقال المقر: هذا الذي بقي ليس له، فإن كان العبيد غير مضمونين على المقر.. فهل يقبل منه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل منه؛ لأن هذا تفسير برفع جميع المقر به فلم يقبل، كما لو قال: له علي درهم إلا درهما.
والثاني: يقبل قوله، وهو الأصح؛ لأن التفسير يرفع إلى وقت الإقرار وقد كان التفسير لو لم يمت التسعة صحيحا وكذلك إذا ماتوا، فصار كما لو قال: هؤلاء العبيد له إلا غانما ثم

ماتوا إلا غانما.
ويخالف إذا استثنى الجميع؛ فإن ذلك مضاد للإقرار فسقط.
وإن كانوا مضمونين على المقر؛ بأن أقر أنه غصبهم.. قبل وجها واحدا؛ لأنه يجب عليه قيمة التالفين.
وكذلك إذا قتلهم أو قتلهم غيره.. فإنه يقبل قوله وجها واحدا؛ لما ذكرناه.
وإن كان في يده عبد وجارية، فقال: أحد هذين لزيد.. صح إقراره وطولب بالبيان، فإن قال: العبد له وصادقه المقر له.. سلم إليه العبد.
وإن قال المقر له: بل الجارية لي دون العبد.. فالقول قول المقر مع يمينه في الجارية.
وأما العبد: فقد أقر به لمن كذبه، فالحكم فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: يبقى على ملك المقر؛ لأنه على ملكه، فإذا أقر به لمن لا يدعيه.. بقي على ملكه.
والثاني: ينتزعه الحاكم ويحفظه إلى أن يجيء من يدعيه.
والثالث: يحكم بعتقه.

فرع أقر بدار لفلان إلا بيتا وعينه أو أقر بإعارتها له

إذا قال: هذه الدار لزيد إلا هذا البيت، أو هذه الدار لزيد وهذا البيت لي.. فإن البيت يكون للمقر؛ لأنه بمنزلة الاستثناء أو أصرح منه، فقبل.
فإن قال: هذه الدار لفلان هبة عارية أو هبة سكنى.. لم يكن إقرارا بالدار، بل يكون إقرارا بإعارة الدار، فإن رجع المعير في العارية.. صح رجوعه في المستقبل، ولا يصح رجوعه فيما استوفى المستعير من المنفعة.
فإن قيل: قوله: هذه الدار لفلان إقرار بالدار، فإذا قال: هبة عارية أو هبة سكنى.. كان ذلك منه رجوعا عن الإقرار بالدار، فلم يقبل.
قلنا: إنما يكون إقرارا لو اقتصر في الإقرار على قوله: هذه الدار لفلان، فأما إذا

وصله بقوله: هبة عارية أو هبة سكنى.. لا يكون إقرارا بالدار، وإنما هو إقرار بهبة منافعها.
ولأنه مقر بالعين والمنفعة، فإذا استثنى العين وبقاء المنفعة.. صح، كما لو قال: هذه الدار له إلا هذا البيت.

مسألة أقر بثوب في منديل ونحوه أو أقر بغصبه

وإن قال: عندي لفلان ثوب في منديل، أو تمر في جراب.. كان إقرارا بالثوب دون المنديل، وبالتمر دون الجراب؛ لأنه يحتمل في منديل لي، وفي جراب لي.
وكذلك: إذا قال: غصبت منه ثوبا في منديل، أو زيتا في زق.. كان مقرا بغصب الثوب دون المنديل، والزيت دون الزق.
وكذلك: إذا قال: غصبت زقا فيه زيت، وجرة فيها خل.. كان مقرا بغصب الزق دون الزيت، والجرة دون الخل.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (إذا قال: غصبت منه ثوبا في منديل، أو زيتا في زق.. كان مقرا بغصبهما).
دليلنا: أنه يحتمل أن يكون المنديل له، فقوله: (غصبت ثوبا في منديل) يحتمل في منديل لي، ولو قال ذلك.. لم يكن غاصبا لهما، فإذا أطلقه.. كان قوله محتملا له، فلم يكن مقرا بغصبهما، كما لو قال: عندي له ثوب في منديل، وكما لو قال: غصبت دابة في إصطبلها.
وإن قال: عندي له خاتم.. لزمه الخاتم بفصها؛ لأن اسم الخاتم يجمعهما.
وإن قال: له عندي ثوب مطرز.. لزمه الثوب بطرازه، سواء كان الطراز منسوجا مع الثوب أو مركبا عليه.

ومن أصحابنا من قال: إن كان الطراز مركبا على الثوب بعد النسج.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه الثوب مع طرازه؛ لأنه من أجزاء الثوب.
والثاني: لا يلزمه الطراز؛ لأنه متميز عن الثوب.

فرع أقر بدار مفروشة أو بدابة عليها سرج أو بعبد عليه عمامة أو ثوب

وإن قال: عندي له دار مفروشة.. كان مقرا بالدار دون الفراش؛ لأنه يجوز أن تكون مفروشة بفراش للمقر.
قال الطبري: فإن قال: عندي له دابة بسرجها، أو سفينة بطعامها.. كان مقرا بالدابة والسرج والسفينة والطعام؛ لأنه لا يحتمل إلا الإقرار بالأمرين جميعا.
قال ابن القاص في " التلخيص ": فإن قال: له عندي دابة عليها سرج.. كان مقرا بالدابة دون السرج.
وإن قال: له عندي عبد عليه عمامة أو ثوب.. كان مقرا بالعبد والعمامة والثوب.
فوافق على ذلك أكثر أصحابنا، وفرقوا بينهما؛ بأن قالوا: الدابة لا يد لها على السرج، وللعبد يد على العمامة والثوب فكان مقرا للعبد وبما في يده.
قال أبو علي السنجي: لا يكون مقرا بالسرج ولا بالعمامة والثوب؛ لأن ابن القاص قد ذكر الفرس والعبد في " المفتاح " ولم يفرق بينهما.
ولأنه يحتمل أن قوله: عليه عمامة أو ثوب لي، ومتى احتمل قوله دخوله وعدم دخوله.. لم يدخل بالشك.
ولأن يده ثابتة على الجميع فلم يدخل في الإقرار إلا ما تيقن.

مسألة الإقرار وملابسات الوديعة

وإن قال: له علي ألف درهم وديعة.. قبل قوله؛ لأن الوديعة عليه ردها.
فإن قال: له علي ألف درهم - بعد ذلك - كنت أظنها باقية وقد كانت تلفت قبل إقراري..

لم يقبل قوله؛ لأنه قد أقر بوجوب ردها، فلا يقبل رجوعه.
وإن قال: أتلفت بعد إقراري.. قبل قوله مع يمينه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
وإن قال: علي لزيد ألف درهم، ثم جاء بألف ثم قال: هذه الألف التي أقررت بها وكانت وديعة له عندي، فإن صدقه زيد.. فلا كلام، وإن كذبه وقال: هذه وديعة لي عندك والتي أقررت بها لي غيرها.. ففيه قولان - حكاهما الشيخ أبو إسحاق -: أحدهما: لا يقبل قوله - وحكى ابن الصباغ: أنه قول أبي حنيفة - لأن معنى قوله: (علي) للإيجاب وذلك يقتضي كونها في ذمته.
ألا ترى أنه إذا قال: ما على فلان علي.. كان ضامنا؟ والوديعة ليست بواجبة عليه، فلم يقبل تفسيره بها.
والثاني: يقبل قول المقر مع يمينه - ولم يذكر ابن الصباغ ولا المسعودي [في ((الإبانة)) ق \ 296] غيره - لأن الوديعة عليه حفظها وردها، فإذا فسر إقراره بقوله: (علي) بالوديعة.. قبل، كما لو قال: عندي له ألف درهم، ثم قال هي وديعة.. فإنه يقبل، و (علي): بمعنى عندي؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: 14] [الشعراء: 14] أي: عندي ذنب.
وإن قال: له علي ألف درهم في ذمتي، فجاء بألف وقال: الألف التي كنت أقررت لك بها كانت وديعة وتلفت عندي، وهذه بدلها.. قبل قوله؛ لأنه يجوز أن تكون تلفت بتعديه، أو بتفريطه فتكون بدلها في ذمته.
وأما إذا جاء بألف وقال: التي أقررت بها هي هذه وهي وديعة عندي، فقال المقر له: هذه وديعة لي عندك وتلك دين لي في ذمتك.. فهل يقبل قول المقر؟ إن قلنا في التي قبلها: لا يقبل قوله.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا: تقبل هناك.. فهاهنا وجهان.
أحدهما: لا يقبل؛ لأن الوديعة لا تثبت بالذمة، بخلاف ما لو قال: علي ألف درهم ثم فسرها بالوديعة؛ لأنه لم يصرح بكونها في ذمته.

والثاني: يقبل قوله مع يمينه؛ لجواز أن تكون وديعة تعدى بها فكان ضمانها في ذمته.

فرع أقر بألف وديعة أو مضاربة

إذا قال: له علي ألف درهم وديعة أو مضاربة دينا.. قبل قوله؛ لأنه قد يتعدى بالوديعة، وأما مال المضاربة: فيكون مضمونا عليه.
وإن قال: له علي ألف أخذتها منه.. فقد اختلف أصحابنا الخراسانيون فيه: فمنهم من قال: هو كما لو قال: دفعها إلى وديعة، فلو ادعى بعد ذلك أنها تلفت.. قبل قوله فيها مع يمينه؛ لأنه قد تضاف الوديعة إلى آخذها كما تضاف إلى دافعها.
وقال القفال: لا يقبل قوله: إنها وديعة عنده، بل تكون مضمونة عليه - وهو قول أبي حنيفة - لأن الأخذ يقتضي الغصب، فإذا فسره بالوديعة.. لم يقبل.

فرع أقر بألف عارية

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو قال: له عندي ألف درهم عارية.. كانت مضمونة).
قال أصحابنا: هل تصح عارية الدراهم والدنانير؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها.
والثاني: لا يصح؛ لأنه لا ينتفع بها مع بقاء عينها انتفاعا مقصودا.
فإذا استعارها.. كانت مضمونة عليه على الوجهين، فإذا أقر بذلك.. كانت مضمونة عليه، سواء قلنا: تصح إعارتها أو لا تصح؛ لأن ما ضمن بالعقد الصحيح.. ضمن بالعقد الفاسد كالبيع.

مسألة الإقرار بحصة في العبد أو السلعة

وإن قال: له في هذا العبد ألف، أو من هذا العبد ألف.. قلنا له: بين ما أردت بهذا؟

فإن قال: أردت: أنه وزن عني ألفا في ثمنه قرضا.. كان مقرا بألف في ذمته.
وإن قال: نقد في ثمنه عن نفسه ألف درهم.. قيل له: بين كم كان ثمن العبد، وكيف وقع الشراء؟ فإن قال: اشتريته أنا وهو صفقة واحدة.. قلنا: فكم نقدت أنت من الثمن؟ فإن قال: نقدت ألفا.. كان مقرا له بنصف العبد.
وإن قال: نفدت ألفين.. كان مقرا بثلث العبد، وسواء كان ذلك قيمة العبد أو أقل أو أكثر.
فإن قال: اشترى ربعه أو ثلثه بألف بعقد، واشتريت الباقي أو اتهبته أو ورثته.. قبل قوله.
فإن كذبه المقر له في شيء من ذلك.. كان القول قول المقر مع يمينه؛ لأن ما قاله محتمل.
وإن قال: جنى عليه العبد جناية أرشها ألف درهم.. قبل قوله في ذلك.
وإن قال: وصى له بألف درهم من ثمنه.. استحق الألف من ثمنه.
وإن قال: هو مرهون عنده بألف.. فهل يقبل قوله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل؛ لأن الدين في الرهن يتعلق بالذمة، والرهن وثيقة فيكون تفسيره مخالفا لظاهر إقراره.
والثاني: يقبل؛ لأن الدين يتعلق بالرهن والذمة.
إذا ثبت هذا: فقال صاحب " التلخيص " إذا قال: لفلان علي ألف درهم في هذه السلعة.. سئل، فإن قال: نقد في ثمنها ألف درهم.. قيل له: وأنت كم نقدت؟ فإن قال: ألفين.. كانت بينهما أثلاثا.
قال أصحابنا: هذا غلط، وإنما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هذا: إذا قال: له علي في هذا العبد ألف.. (سئل عن قوله) فأما إذا قال: له علي ألف في هذه السلعة.. فالألف لازمه له بكل حال؛ لأن قوله: (له علي ألف) إقرار، فإضافة إلى السلعة لا تغيره.

فرع أقر بأن له في هذا العبد شرك

وإن قال: له في هذا العبد شرك.. صح إقراره ورجع إليه في تفسير ذلك الشرك منه، فبأي قدر فسره.. قبل منه.
وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو يوسف: يكون له النصف.
دليلنا: أن الشرك يقع على القليل والكثير فقبل قوله فيه، كما لو قال: له فيه شيء.

مسألة أقر بأن له حصة من ميراث أبيه أو من ميراثه من أبيه

وإذا قال: له في ميراث أبي، أو من ميراث أبي ألف.. كان مقرا له على أبيه بدين.
وإن قال: له في ميراثي من أبي، أو من ميراثي من أبي ألف.. رجع في تفسيره إليه: فإن قال: أردت الإقرار.. قبل منه.
وإن قال: أردت الهبة مني.. قبل قوله، ويكون بالخيار: بين أن يسلم له ما وهب له، وبين أن لا يسلم له.
والفرق بينهما: أنه إذا أطلق ولم يصف الميراث إلى نفسه.. اقتضى وجوبها في التركة لحق كان على أبيه، فإذا أضاف الميراث إلى نفسه ثم جعل له منها جزءا, احتمل أن يكون ذلك هبة منه له، والهبة لا تلزم عليه إلا بالتسليم.
وكذلك إذا قال: له في هذه الدار نصفها، أو له نصف هذه الدار.. كان إقرارا بنصفها.
وإن قال: له في داري نصفها.. لم يكن إقرارا؛ لما ذكرناه.
وإن قال: له في ميراثي أو من ميراثي من أبي ألف بحق، أو في داري أو من داري نصفها بحق.. لزمه ذلك إقرارا؛ لأنه قد اعترف أن المقر له يستحق ذلك فلزمه.
وإن قال: له في هذا المال ألف.. كان ذلك إقرارا.
وإن قال: له في مالي، أو من مالي ألف.. فنص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (أنه لا يكون إقرارا، بل يرجع إليه في تفسيره) كما قال في قوله: له في ميراثي من أبي، أو من ميراثي من أبي ألف.
وقال في (الإقرار والمواهب): (لو قال: له في مالي ألف.. كان إقرارا) واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: في قوله: (له في مالي ألف) قولان: أحدهما: يكون إقرارا؛ لأن الألف التي في ماله وفاؤها عليه وماله ظرف لها؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24] [المعارج: 24] وأراد به حق الله تعالى، وهو واجب عليهم.
والثاني: لا يكون إقرارا، وهو الصحيح؛ لأنه أضاف المال إلى نفسه ثم جعل لغيره منه ألفا فلا يحمل على غير الهبة، والهبة لا تلزم عليه إلا بالقبض.
ومنهم من قال: لا يكون إقرارا قولا واحدا؛ لأنه لا فرق بين قوله: له في مالي ألف، وبين قوله: له من مالي ألف، وكذلك: له في داري أو من داري، وفي ميراثي أو من ميراثي.
وما قاله في (الإقرار والمواهب) يحتمل: أن يكون سهوا من الكاتب أو متأولا على أنه قال: علي له في مالي ألف؛ لأنه إذا قال: علي له.. فقد صرح بوجوبه عليه، فكان إقرارا.

مسألة تخلل الإقرار بسكوت

إذا قال: له عندي ألف وسكت، ثم قال بعد ذلك: من ثمن مبيع لم أقبضه.. لم يقبل قوله، ويكون القول قول المقر له، فإذا حلف: أنه ليس له عنده مبيع بالألف المقر بها.. استحق الألف؛ لأنه فسر إقراره بما يسقط وجوب تسليمه منفصلا عنه فلم يقبل.
وإن قال: له عندي ألف درهم من ثمن مبيع وسكت، ثم قال بعد ذلك: لم أقبضه.. قبل قوله، فإن خالفه المقر له.. كان القول قول المقر مع يمينه؛ لأن إقراره تعلق بالمبيع، والأصل عدم القبض فقبل قوله فيه.
وإن قال: له عندي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه.. قبل قوله، فإن أنكر المقر له وقال: بل هي عنده دين من غير ثمن مبيع.. فالقول قول المقر مع يمينه، ولا فرق

بين أن يعين المبيع أو لا يعينه.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (إن عين المبيع.. قبل قوله، وسواء وصل بإقراره أو لم يصل فإن أطلق.. لم يقبل منه).
دليلنا: أنه أقر بحق عليه في مقابلة حق له لا ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا لم يثبت ما له.. لم يثبت ما عليه، كما لو عين المبيع.

فرع أقر له بخمسة دراهم في ثوب لسنة

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في (الإقرار والمواهب): (إذا قال: عندي له خمسة دراهم في ثوب اشتريته منه إلى سنة).
ومعناه: أني أسلمت إليه في ثوب خمسة دراهم إلى سنة، وصدقه المقر له.. نظرت: فإن قال ذلك بعد التفرق من مجلس السلم.. فقد بطل السلم.
وإن كان قبل التفرق.. فلكل واحد منهما الخيار في فسخه.
وإن كذبه المقر له وقال: بل عنده لي خمسة دراهم دين لا عن سلم.. فالقول قول المقر له مع يمينه؛ لأن المقر وصل بإقراره ما يرفعه، فلم يقبل.
وإن قال: له عندي ثوب في خمسة دراهم، ومعنى ذلك: دفع إلي ثوبا بخمسة دراهم.. كان مقرا بخمسة دراهم.
وإن قال: له عندي ثوب فيه خمسة دراهم.. كان مقرا له بالثوب دون الدراهم، كما قلنا في قوله: له عندي جراب فيه تمر.

مسألة أقر بحق ثم وصله بما يسقطه

إذا أقر له بحق ثم وصله بما يسقطه لا من الوجه الذي أثبته؛ مثل أن يقول: تكفلت ببدن فلان على أني بالخيار، أو له عندي ألف من ثمن خمر أو كلب، أو من ثمن مبيع

هلك قبل القبض، أو له علي ألف قضيته إياها.. فهل يقبل قوله في ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: يقبل قوله - وبه قال أبو حنيفة - لأنه يحتمل ما قاله، كما لو قال: من ثمن مبيع لم أقبضه.
والثاني: لا يقبل قوله؛ لأنه وصل إقراره بما يسقطه فلم يقبل منه، كما لو قال: له علي ألف درهم إلا ألف درهم.
فأما إذا وصله بما يرفعه من الوجه الذي أثبته؛ بأن قال: له علي ألف درهم إلا درهما.. فإنه لا يقبل.
وإن قال: له علي ألف درهم إلى سنة.. فاختلف أصحابنا فيه.
فمنهم من قال: هي على قولين، كما لو قال: له علي ألف درهم قضيته إياها.
ومنهم من قال: يقبل منه قولا واحدا؛ لأن ذلك لا يسقط الإقرار وإنما يؤخره.
وقال أبو حنيفة: (يكون مدعيا للأجل، والقول فيه قول المقر له مع يمينه).
دليلنا: أن الأجل أحد نوعي الدين، فوجبت أن يثبت بالإقرار كالحلول.

فرع ادعى عليه مائة فقال قضيتك منها خمسين

وإن ادعى على رجل مائة درهم، فقال المدعى عليه: قد قضيتك منها خمسين.. فقد صار مقرا له بهذه الخمسين ومدعيا لقضائها، وهل يقبل قوله في القضاء؟ على القولين.
وأما الخمسون الأخرى: فالقول قول المدعى عليه مع يمينه فيها؛ لأن الأصل براءة ذمته منها.

فرع الإقرار بملكه أو قبضه عبدا من فلان

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في (الإقرار والمواهب): (إذا قال: ملكت هذا العبد من فلان أو قبضته منه.. كان إقرارا له بالملك واليد، فإن كذبه فلان في انتقاله إليه.. كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف.. رد إليه.
وإن قال: ملكته على يد فلان أو أخذته أو قبضته أو وصل على يديه.. لم يكن إقرارا له بالملك ولا باليد؛ لأن قوله: (على يده) يقتضي معاونته.
وإن قال أودعني ألفا فلم أقبضها، أو أقرضني أو أعطاني أو أنقدني ألفا فلم أقبضها.. قبل قوله إذا كان متصلا، ولا يقبل إذا كان منفصلا).
وقال أبو يوسف: لا يقبل قوله في أنقدني ألفا.
دليلنا: أنه لم يقر بالقبض فلم يلزمه، كما لو قال: أقرضني فلم أقبضه.

مسألة أقر لزيد ثم قال: لا بل لعمرو

وغير ذلك]: إذا قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو، أو غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من عمرو، أو قال: غصبتها من زيد وغصبها زيد من عمرو.. فالحكم في ذلك كله واحد، ويلزمه تسليم الدار إلى زيد؛ لأنه أقر له بها.
وهل يلزمه أن يغرم لعمرو قيمة الدار؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه أقر للثاني بما عليه، وإنما منع الشرع من قبوله، وذلك لا يوجب الضمان.
والثاني: يجب عليه أن يغرم لعمرو قيمة الدار، وهو الأصح؛ لأنه حال بينه وبين الدار بإقراره الأول، فلزمه أن يغرم له، كما لو شهد رجلان عل رجل بعتق عبده، فحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجعا عن الشهادة.
وحكى المسعودي [في ((الإبانة)) ق\297]: أن من أصحابنا من قال: إذا قال: هذه الدار لزيد، بل لعمرو ولم يقل: غصبتها.. أنه لا يغرم لعمرو شيئا قولا واحدا؛ لأنه لم يقر بالجناية على نفسه.
والصحيح هو الأول.

ولا فرق بين أن يوالي الإقرار لهما، أو أن يفصل بينهما بفصل طويل أو قصير.
واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا سلمها الحاكم إلى زيد، أو حكم عليه الحاكم بالتسليم وأجبره على تسليمها.
فأما إذا سلمها المقر بنفسه إلى زيد.. فإنه يغرم لعمرو قيمتها قولا واحدا؛ لأنه ضمنها بالتسليم.
ومنهم من قال: القولان في الحالين، وهو الصحيح؛ لأن الحاكم إنما يسلمها أو يخبره بإقراره.
وإن باع من رجل عينا وأخذ ثمنها، ثم أقر بها لغيره.. لم يقبل إقراره بها للثاني لحق المشتري.
وهل يلزمه أن يغرم قيمتها للثاني؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان كالأولى.
ومنهم من قال: يلزمه أن يغرم له قيمتها قولا واحدا؛ لأنه قد أخذ عوضها.
وإن أقر رجل أن الدار التي في تركة أبيه لزيد، لا بل لعمرو، وسلمت إلى زيد.. فهل يغرم لعمرو قيمتها؟ قال ابن الصباغ: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو قال: غصبتها من زيد، لا بل من عمرو.
ومنهم من قال: لا يغرم لعمرو شيئا قولا واحدا.
والفرق بينهما: أن هاهنا أقر بما يغلب على ظنه، ولا يوجد ذلك منه بالعلم والإحاطة، وإذا أقر بمال نفسه.. حمل أمره على العلم والإحاطة، فلم يعذر في الرجوع.
فإن كان في يده دار، فقال: غصبتها من زيد وملكها لعمرو.. وجب عليه تسليمها إلى زيد؛ لأن قوله: (غصبتها من زيد) يقتضي: أنها كانت في يده بحق، وقوله: (وملكها لعمرو) لا ينافي ذلك؛ لأنها قد تكون في يد زيد بإجارة أو موصى له بمنفعتها وملكها لعمرو.
ولا تقبل شهادته لعمرو؛ لأنه قد أقر أنه غاصب، وشهادة الغاصب غير مقبولة، ولا يلزمه أن يغرم لعمرو قيمتها قولا واحدا؛ لأنه لم يكن منه تفريط إلا أن يعلم المقر أنها في يد زيد بغير حق.. فلا يجوز له تسليمها إليه فيما بينه وبين الله تعالى، فإن سلمها إليه ضمنها.

فأما إذا قال: هذه الدار ملكها لعمرو وغصبتها من زيد.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: الحكم فيها كالحكم في التي قبلها؛ لأنه لا فرق بين أن يقدم ذكر الغصب أو الملك؛ لأنهما لا يتنافيان على ما مضى.
ومنهم من قال: يلزمه هاهنا أن يسلمها إلى زيد، وهل يلزمه أن يغرم لعمرو؟ فيه قولان، كما قلنا فيه إذا قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو.
وحكى ابن الصباغ: أن من أصحابنا من قال: يلزمه أن يسلمها إلى عمرو، وهل يضمنها لزيد؟ على قولين؛ لأنه أقر بالملك لعمرو، فلم يقبل إقراره باليد لزيد.

فرع أقر بغصب عبد من أحد رجلين

إذا قال: غصبت هذا العبد من أحد هذين الرجلين.. فإنه يطالب بتعيين المغصوب منه منهما.
فإن قال: لا أعرف عينه.. نظرت: فإن صدقاه على ذلك.. انتزع العبد من يده وكانا خصمين فيه.
وإن كذباه وادعى كل واحد منهما أنه يعلم أنه غصبه منه.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بفعله، فإذا حلف.. انتزع منه العبد وكانا خصمين فيه، وإن نكل.. حلف المدعي وكان كما لو أقر له.
وإن قال المقر له: هو لهذا.. فإنه يكون له لا ويغرم للآخر شيئا قولا واحدا؛ لأنه لم يقر له بشيء.
فإن قال الآخر: أحلفوه أنه لا يعلم أنه لي.. فهل يلزمه أن يحلف؟ يبنى على القولين فيه إذا أقر له به بعد الأول: فإن قلنا: يلزمه أن يغرم له قيمته.. لزمه أن يحلف له؛ لجواز أن يخاف اليمين فيقر.
وإن قلنا: لا يلزمه أن يغرم له قيمته.. لم يلزمه أن يحلف؛ لأنه لا فائدة في عرض اليمين عليه.

مسألة ادعى عبده أن سيده أعتقه فأنكر السيد فأقام العبد شاهدين ثم اشتراه أحدهما

وإن كان في يده عبد، فادعى عليه أنه أعتقه فأنكر، فأقام عليه شاهدين بأنه أعتقه، فإن قبلت شهادتهما.. عتق، وإن ردت شهادتهما.. فالقول قول السيد مع يمينه، فإذا حلف.. استقر ملكه عليه.
فإن اشتراه الشاهدان أو أحدهما.. حكم بصحة البيع من جهة البائع؛ لأنه محكوم له بملكه، ويكون الشراء من جهة المشتري ابتداء، كما إذا وجد المسلم مع المشرك أسيرا مسلما فاشتراه.. فإنه يكون استنقاذا.
فإذا أنفذ البيع.. حكم بعتقه على المشتري؛ لتقدم إقراره بعتقه، ويثبت عليه الولاء؛ لأن العتق لا ينفك عن الولاء، ويكون موقوفا؛ لأن المشتري لا يدعيه والبائع لا يدعيه.
فإن مات هذا العبد وخلف مالا، فإن كان له وارث مناسب أو من له فرض.. ورث ميراثه.
وإن لم يكن له وارث.. نظرت: فإن أقر البائع أنه قد كان أعتقه.. قبل قوله ولزمه رد الثمن على المشتري، وكان مال المعتق أو ما بقي عن أهل الفرض له؛ كما إذا لاعن امرأته ونفى نسب ولدها، ثم مات الولد وخلف مالا.. فأكذب الرجل نفسه.
وإن لم يقر البائع أنه قد كان أعتقه، لكن اعترف المشتري أنه كان قد كذب في الشهادة في العتق.. لم يقبل قوله في إبطال العتق، ولكن يكون له أخذ مال المعتق بالولاء؛ لأنه حكم بعتقه عليه.
وإن أقر البائع أنه كان أعتقه، وأقر المشتري أنه كان شهد بالزور.. فالذي يقتضي المذهب: أن ماله يوقف بينهما إلى أن يصطلحا عليه؛ لأنه لا مزية لقول أحدهما على الآخر.
وإن لم يقر البائع بعتقه، ولا رجع المشتري عن شهادته بالعتق.. فنقل المزني أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (أوقفت المال حتى يجيء من يدعي الولاء).

قال المزني: ينبغي أن يكون للمشتري أن يأخذ من مال المعتق أقل الأمرين: من ثمنه أو المال؛ لأنه إن كان صادقا.. فالثمن له دين على البائع، وما ترك المعتق.. فهو للبائع، فكان للمشتري أخذ ما دفع من الثمن من مال البائع، كمن له على رجل حق وامتنع من دفعه ووجد من له الحق مالا له.
وإن كان المشتري كاذبا في الشهادة.. فقد عتق عليه، فكان له أخذ ماله.
فمن أصحابنا من غلط المزني وقال: ليس للمشتري ذلك؛ لأنه يقول: إن كنت صادقا في شهادتي.. فقد خلصته من الرق وتطوعت بدفع الثمن فلا أرجع به.
وإن كنت كاذبا في الشهادة.. فلا حق لي على البائع.
ومن أصحابنا من قال: بل ما قاله المزني هو الصحيح، وقد نص عليه الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (الإقرار) بالحكم الظاهر كما ذكره المزني، ودفعه للثمن على وجه القربة لا يسقط رجوعه عنه.
ألا ترى أن مسلما لو افتدى مسلما من أيدي المشركين بمال، ثم غلب المسلمون المشركين ووجد ماله.. فإن له أخذه ويختص به من بين سائر المسلمين؟ فإن كانت بحالها فمات البائع وخلف ابنا، ثم مات المعتق.. فالذي يقتضي المذهب: أن ابن البائع إذا أقر أن أباه كان قد أعتق العبد في حياته.. أن له أن يأخذ مال المعتق ويرد إلى المشتري ما دفع من الثمن إن وجده بعينه أو بدله إن ترك أبوه معه تركة، وإن لم يترك أبوه معه تركة.. لم يلزمه أن يغرم.
وإن لم يقر ابن البائع بأن أباه أعتقه في حياته، لكن أقر المشتري أنه كذب في الشهادة بالعتق.. فإن له أخذ مال المعتق بالولاء.
وإن لم يقر ابن البائع بالعتق، ولا رجع المشتري عن الشهادة.. فليس للمشتري أن يأخذ من مال المعتق شيئا؛ لأنه يقر أنه مال لابن البائع، ولا يستحق عليه شيئا، وإنما يدعي بالثمن على أبيه.
وإن مات المشتري وخلف ابنا.. فالذي يقتضي المذهب: أنه إذا أقر أن أباه كذب

في شهادته.. كان له مال المعتق؛ لأنه قد يتوصل إلى ذلك بإخبار أبيه له في حياته، فكان كما لو أقر الأب بذلك.

مسألة مات وخلف تركة وابنين فادعى رجل دينا فصدقه أحدهما

وإن مات رجل وخلف ابنين وتركه، فادعى رجل أن له على أبيهما دينا، فأنكره أحدهما وصدقه الآخر، فإن كان عدلا.. قبلت شهادته له وحلف معه.. استحق دينه.
وإن كان غير عدل.. فالمنصوص: (أنه لا يلزم المقر إلا حصته من الدين).
قال أبو عبيد ابن حربويه وأبو جعفر الاستراباذي: وفيها قول آخر: أنه يلزمه جميع الدين.
فجعلاها على قولين - وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق -: أحدهما: يلزمه جميع الدين - وبه قال أبو حنيفة - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] [النساء: 12] فرتب الميراث على الوصية والدين، فاقتضى الظاهر: أنه لا يحصل للمقر شيء من التركة إلا من بعد قضاء جميع الدين.
ولأن المقر يقول: أخي ظالم بجحوده الدين وغاصب لما أخذه من التركة، ولو غصب بعض التركة غاصب.. لتعلق جميع الدين بالباقي، فكذلك هذا مثله.
والثاني: لا يزم المقر إلا حصته من الدين، وهو الأصح؛ لأن إقرار المقر تضمن تعلق جميع الدين بجميع التركة، كما لو قامت به بينة.
فإذا لم يقبل إقراره في حق أخيه.. لم يلزمه أكثر مما يتعلق بنصيبه، كما لو قال: له علي وعلى أخي كذا وكذا.. فإنه لا يلزمه إلا حصته.
ولأنه لا خلاف أنه إذا أقر أحد الابنين أن أباه أوصى لرجل بثلث ماله وكذبه أخوه.. فإنه لا يلزم المقر إلا ثلث ما بيده من التركة، فكذلك هذا مثله.
ولأنه لا خلاف أن شهادته مقبولة، فلو كان جميع الدين يتعلق بنصيبه.. لم تقبل شهادته؛ لأنه يدفع بها عن نفسه ضررا.
وقال أكثر أصحابنا: لا يلزم المقر إلا حصته من الدين قولا واحدا؛ لما ذكرناه.
قال الشيخ أبو حامد: وأظن أن أبا عبيد وأبا جعفر أخذا هذا القول من قول

الشافعي: (إذا قتل رجل وعليه دين، وخلف ابنين وهناك لوث، فحلف أحد الابنين خمسين يمينا.. فإنه يقضى له بنصف الدية ويقضى جميع الدين من ذلك النصف).
والفرق بينهما: أن الميت هناك لم يثبت له تركة إلا نصف الدية، فكان جميع دينه فيها، وهاهنا للمنكر نصف التركة، فلم يتعلق جميع الدين بنصف التركة.
ولأن في القسامة قد أقر الابنان بالدين، وهاهنا أحد الابنين منكر عين الدين.

مسألة الإقرار بالنسب وشروطه

الإقرار بالنسب جائز ويثبت النسب به.
وذهب بعض الناس إلى: أن النسب لا يثبت بالإقرار.
دليلنا: ما روي: «أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة اختصما في ابن أمة زمعة، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الولد للفراش، وللعاهر الحجر» فقضى به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد بالإقرار.
إذا ثبت هذا: فر يخلو المقر: إما أن يقر بالنسب على نفسه، أو على غيره.
فإن أقر على نفسه؛ بأن ادعى بنوة غيره، فإن كان المقر به صغيرا أو مجنونا.. لم يثبت نسبه إلا بثلاث شرائط: إحداهن: أن يكون المقر به مجهول النسب، فأما إذا كان معروف النسب من رجل.. لم يحكم بصحة إقرار المقر؛ لأن في ذلك إبطال نسبه الثابت.
الشريطة الثانية: إذا كان لا ينازع المقر فيه أحد، فأما إذا كان هناك غيره يدعي بنوته حال الدعوى.. لم يحكم بثبوت نسبه من أحدهما إلا بالإقرار؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.

الشريطة الثالثة: إذا كان المقر به يمكن أن يكون ابنا للمقر؛ بأن يقر من هو ابن خمس عشرة سنة ببنوة من هو ابن خمس سنين أو أقل، فأما إذا أقر ببنوة من هو ابن سبع سنين أو أكثر.. لم يحكم بصحة إقراره؛ لأنا نقطع بكذبه.
إذا ثبت هذا: وأقر رجل ببنوة صغير أو مجنون مجهول النسب مما يجوز أن يكون ابنا للمقر، ثم بلغ الصغير أو عقل المجنون، فأنكر نسبه من المقر ولم يصادقه المقر على إنكاره.. لم يسمع إنكاره؛ لأن نسبه قد ثبت من المقر فلا يبطل بإنكاره، كما لو ادعى ملك صغير في يده مجهول الحرية، ثم بلغ الصغير وأنكر الرق.. فإنه لا يقبل إنكاره.
فإن صادقه المقر أنه ليس بابنه.. فهل يسقط نسبه؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط نسبه، كما لو أقر بمال فكذبه المقر له وصدقه المقر.
والثاني: لا يسقط، وهو الأصح؛ لأن النسب إذا ثبت.. لم يسقط، كالنسب الثابت بالفراش.
وإن كان المقر به بالغا عاقلا.. لم يثبت نسبه إلا بالشرائط المتقدمة، ويشترط مع ذلك شريطة رابعة؛ وهو: أن يصادقه المقر به؛ لأنه يمكن تصديقه فاعتبر ذلك، بخلاف الصغير والمجنون.

فرع أقر بأن مملوكه وهو أكبر منه أنه ابنه

إذا أقر رجل لمن هو أكبر منه أنه ابنه، وكان المقر به مملوكا للمقر.. فقد قلنا: إنه لا يثبت نسبه منه، ولا يعتق عليه عندنا.
وقال أبو حنيفة: (يعتق عليه).
دليلنا: أنه أقر بما يقطع بكذبه فيه، فلم يتعلق به حكم، كما لو قال لامرأته: إنها ابنته وهي أكبر منه.. فإن النكاح لا ينفسخ بينهما.

فرع إقراره ببنوة صغير وعلاقته بإثبات زوجية أمه

وإن أقر ببنوة صغير.. لم يكن إقرار بزوجية أمه.
وقال أبو حنيفة: (يكون إقرارا بزوجية أمه إذا كانت مشهورة الحرية).
دليلنا: أنه أقر بولد فلم يكن إقرارا بزوجية أمه، كما لو تكن مشهورة الحرية.

فرع أقر ببنوته لميت مجهول النسب

وإن أقر ببنوة ميت مجهول النسب يجوز أن يكون ابنا له، فإن كان المقر به صغيرا أو مجنونا.. ثبت نسبه من المقر وورثه.
وقال أبو حنيفة: (لا يثبت نسبه؛ لأنه متهم أنه قصد أخذ ماله).
دليلنا: أنه سبب يثبت به نسبه كما لو كان حيا، فيثبت به نسبه إذا كان ميتا كالبينة.
وأما ثبوت التهمة.. فلا يمنع من صحة الإقرار، ألا ترى أنه يقبل إقراره بنسبه في حياته وإن كان متهما ليتصرف في ماله، وتجب نفقته فيه إذا كان معسرا؟ فإما إذا كان الميت المقر به بالغا عاقلا.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يثبت نسبه؛ لأنه يعتبر في ثبوت نسبه تصديقه، وذلك غير ممكن بعد موته.
والثاني: يثبت، وهو الأصح؛ لأن تصديقه متعذر منه بعد موته، فسقط اعتباره، كالصغير والمجنون.

فرع الإقرار بالنسب على غيره

وإن كان المقر بالنسب يحتمل نسب المقر به على غيره.. لم يثبت بذلك النسب بينه وبينه.
فإن كان من بينه وبينه حيا.. لم يصح إقرار المقر؛ لأنه فرع لغيره، فلا يثبت النسب إلا بعد ثبوته من الأصل.
وإن كان من بينه وبينه ميتا؛ بأن يقر برجل أنه

أخوه لأبيه أو لأمه أو لأب وأم ميتين، فإن كان المقر لا يرث أباه أو أمه؛ بأن كان عبدا أو كافرا أو قاتلا.. لم يثبت إقراره بأخيه؛ لأنه إذا لم يقبل إقراره على أبيه أو أمه بدين.. فلأن لا يقبل إقراره عليهما بابن لهما أولى.
وإن كان يجوز ميراثهما.. نظرت في المقر به: فإن كان بحيث لو أقر به الأب أو الأم لم يثبت نسبه منه؛ بأن كان المقر به أكبر أو ثابت النسب من غيرهما.. لم يصح الإقرار.
وإن كان بحيث لو أقر به الأب أو الأم قبل إقراره.. نظرت: فإن كان الأب أو الأم قد نفى نسبه عن نفسه.. فذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه لا يقبل إقرار الأخ به؛ لأنه يريد أن يحمل على غيره نسبا قد نفاه عن نفسه.
وذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: أنه إذا نفى نسب ولده باللعان، ثم مات الأب وأقر به وارثه.. ثبت نسبه؛ لأن تركته قد صارت له، فقبل إقراره.
وإن لم ينف الأب أو الأم نسب المقر به.. ثبت نسبه بإقرار الوارث لهما.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا يثبت).
دليلنا: ما روي: «أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة تنازعا في ابن أمة زمعة، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقضى به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد بن زمعة».

فرع مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بأخ له من أبيه

إذا مات رجل وخلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ له من أبيه، وأنكر الثاني ذلك.. لم يثبت نسب المقر به؛ لأن النسب لا يتبعض فلا يمكن إثباته في حق المقر دون المنكر، وهو إجماع.
وهل يشارك المقر به المقر فيما في يده من التركة؟ قال أصحابنا الخراسانيون: فيه قولان: أحدهما: لا يشاركه.
وهو المشهور.

والثاني: يشاركه.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد.
وقال سائر أصحابنا العراقيين: لا يشاركه في الحكم قولا واحدا؛ لأنه أقر بنسب لم يثبت فلم يشارك في الميراث، كما لو أقر بنسب مشهور النسب.
وهل يلزم هذا المقر إذا كان صادقا في إقراره فيما بينه وبين الله تعالى أن يدفع إليه ما يستحق مما في يده؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه إنما يستحق ذلك بالنسب، ولم يثبت نسبه.
والثاني: يلزمه، وهو الأصح؛ لأن نسبه ثابت فيما بينه وبين الله تعالى.
فإذا قلنا بهذا: فكم يلزمه أن يدفع إليه؟ فيه وجهان: أحدهما: نصف ما في يده - وهو قول أبي حنيفة - لأنهما اتفقا على أن المنكر أخذ الذي أخذه وهو لا يستحقه فصار كالغاصب.
والثاني: لا يلزمه أن يدفع إليه إلا ثلث ما في يده - وهو قول مالك - لأن التركة بينهم أثلاث فلا يستحق مما في يده إلا الثلث، كما لو قامت بينة على نسبه.
وأصل هذين الوجهين: القولان في أحد الابنين إذا أقر بدين على أبيه فكذبه أخوه.
وحكى ابن اللبان وجها ثالثا: أنه يدفع إليه ثلث ما في يده ويضمن له سدس ما بيد أخيه؛ لأن يده قد ثبتت على نصف جميع التركة وسلم إلى أخيه ذلك.
ولو كان الحاكم حكم عليه بالقسمة وأقرع بينه وبين أخيه.. لم يلزمه ضمان ذلك.
فعلى هذا: لو لم يعلم بالأخ المجهول حين قاسمه أخوه.. فهل يضمن له؟ فيه وجهان: أحدهما: يضمن؛ لأنه قاسمه وسلمه.
والثاني: لا يضمن؛ لأن القسمة وجبت في الظاهر.

فرع مات وخلف ورثة وأنكر بعضهم النسب من الميت

وإن مات رجل وخلف جماعة ورثة، فإن أقر اثنان منهم بنسب الميت وأنكر الباقون.. لم يثبت نسب المقر به، سواء كان المقران عدلين أو فاسقين.
وقال أبو حنيفة: (يثبت؛ لأن قولهما بينة).
دليلنا: أنه إقرار من بعض الورثة، فلم يثبت به النسب، كما لو كانا فاسقين.
ولأنه لو كانت بينة.. لاعتبر فيها لفظ الشهادة.

فرع ادعى مجهول أنه أخ لجماعة من أبيهم

وإن مات رجل وخلف أولادا معروفي النسب منه، فادعى رجل مجهول النسب أنه أخوهم لأبيهم فأنكروه، فإن أقام بينة.. قضي له.
وإن لم يكن معه بينة.. فالقول قولهم مع أيمانهم؛ لأن الأصل عدم ثبوت نسبه.
فإن حلفوا له.. فلا كلام، وإن ردوا عليه فحلف.. ثبت نسبه ويشاركهم في الميراث.
وإن حلف له البعض، ونكل البعض عن اليمين.. فهل يحلف المدعي على الذي رد عليه اليمين؟ إن قلنا: إنه يشاركه في الميراث لو أقر له.. حلف.
وإن قلنا: لا يشاركه.. فهل يحلف له؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحلف؛ لأن يمينه لا تفيد لأجل من حلف.
والثاني: يحلف؛ لأن الحالفين قد يقرون فتثبت يمينه على الناكلين، ولا يؤمن إذا لم يحلف أن لا ينكلوا بعد ذلك.

فرع إقرار أحد الابنين بزوجة لأبيهما

وإن مات رجل وخلف ابنين، فأقر أحدهما بزوجة لأبيه وارثة وأنكر أخوه:

فإن قلنا: لو أقر بأخ ثالث وأنكره الآخر شاركه فيما في يده.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا: لا يشاركه الأخ.. فهل تشاركه الزوجة فيما في يده؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تشاركه، كما لو أقر بأخ.
والثاني: تشاركه؛ لأن المقر به حصتها من الميراث.
أما الزوجية: فقد زالت بالموت، فإذا قلنا: تشاركه.. فبكم تشاركه؟ على الأوجه الثلاثة في الأخ.

فرع مات وخلف بنتا فأقرت بأخ لها من أبيها ولا وارث غيرها

وإن مات رجل وخلف بنتا لا غير، فأقرت بأخ لها من أبيها ولم يكن هناك عصبة، فإن كانت تحوز جميع الميراث؛ بأن كانت مولاة.. ثبت نسب الابن المقر به وورث معها.
وإن كانت لا تحوز جميع الميراث.. فإن باقي الميراث للمسلمين.
فإن لم يقر معها الإمام.. لم يثبت النسب، فإن قلنا: لا يشاركها فيما بيدها.. فلا كلام.
وإن قلنا: يشاركها، فإن قلنا: إن الأخ الذي أقر به الأخ مع إنكار أخيه يأخذ منه ثلث ما بيده.. قال القاضي أبو الفتوح: أخذ الأخ هاهنا خمسي ما بيدها.
والذي يقتضي المذهب: أنه يأخذ ثلث ما بيدها لا غير على هذا.
وإن قلنا: إن الأخ يأخذ من أخيه نصف ما بيده.. أخذ الأخ هاهنا ثلثي ما بيدها.
وإن أقر معها الإمام.. فهل يثبت نسب المقر به؟ فيه وجهان - حكاهما الشيخ أبو إسحاق -: أحدهما: لا يثبت نسب المقر به؛ لأن الإمام لا يرث المال، وإنما هو نائب عن المسلمين في القبض فلم يثبت إقراره، كالوكيل إذا أقر على موكله بغير إذنه.
والثاني: يثبت نسبه - ولم يذكر ابن الصباغ غيره - لأنه نافذ الإقرار في بيت المال.

فرع أقرت امرأة أو خنثى بولد

فإن أقرت المرأة بولد يمكن أن يكون منها.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقبل.
والثاني: لا يقبل.
والثالث: إن كانت غير فراش لرجل.. قبل، وإن كانت فراشا.. لم يقبل، وقد مضت هذه الأوجه بعللها في (اللقيط).
قال ابن اللبان: فمن قبل إقرار المرأة بالولد.. قبل إقرار ورثتها بولدها، ومن لم يقبل إقرارها.. لم يقبل إقرار ورثتها إلا أن يصدقهم زوجها.
قال: وكذلك من قبل إقرار المرأة.. قبل الإقرار بالأم، ومن لم يقبل إقرار المرأة.. لم يقبل الإقرار بالأم لإمكان إقامة البينة.
وإن أقر الخنثى بولد، فإن بان رجلا.. فهو كالرجل، وإن بان امرأة.. فقد مضى بيان حكم إقرار المرأة.
وإن كان باقيا على الإشكال: فإن قلنا: للمرأة دعوى في النسب.. ثبت نسبه؛ لأنه إن كان رجلا.. ثبت، وإن كان امرأة.. صح.
فعلى هذا: إذا مات الولد المقر به قبل أن يتبين حال الخنثى.. ورث منه ميراث أم ووقف الباقي على البيان.
وإن قلنا: لا دعوى للمرأة.. قال القاضي: احتمل أن لا يقبل إقرار الخنثى لاحتمال كونه امرأة، ويحتمل أن يقبل، وهو الصحيح.
ويثبت النسب بقوله؛ لأن النسب يحتاط لإثباته ولا يحتاط لإسقاطه.
فإن مات الخنثى المقر، ثم مات الولد المقر به وللخنثى إخوة.. فهل يرثون الولد إذا كان خلف مالا؟ قال القاضي: الذي يقتضيه المذهب: أنهم لا يرثون؛ لأنهم يحتملون أن يكونوا أعماما فيرثوا، ويحتمل أن يكونوا أخوالا فلا يرثوا، فلم يرثوا مع الشك.
ولو مات هذا الخنثى وخلف أبويه، ثم مات الولد المقر به.. فإن الأب لا يرث من ولد الخنثى، وترث أم الخنثى منه.
ولو قتل هذا الولد.. لم يكن لإخوة الخنثى ولا لأبيه القصاص.
ولو أبرأ أبو الخنثى القاتل.. احتمل أن يقال: سقط القصاص عن هذا القاتل؛ لأن القصاص

يسقط بالشبهة، ويحتمل أن يكون جدا أبا أب، ولسنا نقطع بكونه غير وارث أصلا.
قال: ويحتمل أن لا يسقط القصاص وهو الظاهر.

فرع مات عن زوجة وأخ لأب وأقرت الزوجة بابن

وإن مات رجل وخلف زوجة وأخا لأب، فأقرت الزوجة بابن للميت وأنكر الأخ.. لم يثبت نسب الابن.
فإن كان المال في يد الأخ.. لم تأخذ الزوجة منه إلا الثمن؛ لأنه لا تدعي سواه.
وإن كان في يدها.. لم يأخذ الأخ إلا ثلاثة أرباعه.
هكذا ذكر أكثر أصحابنا.
قال ابن الصباغ: لها أن تأخذ الربع من الأخ؛ لأن ذلك لا يلزمها في الحكم.
فإذا أخذت الربع.. وجب عليها فيما بينها وبين الله تعالى أن تدفع نصفه إلى الابن الذي أقرت به.

فرع مات عن ابنين أحدهما مجنون فأقر العاقل بثالث

وإن مات رجل وخلف ابنين، أحدهما بالغ عاقل والآخر مجنون أو صغير، فأقر البالغ العاقل بأخ ثالث.. لم يثبت نسبه؛ لأنه لا يحوز جميع الميراث.
فإن أفاق المجنون أو بلغ الصبي وأقر معه بالأخ الذي أقر به.. ثبت نسبه.
وإن مات الصغير أو المجنون: فإن كان لهما وارث غير الأخ البالغ المقر.. قام مقامهما في الإقرار.
وإن لم يكن لهما وارث غير الأخ البالغ العاقل.. ثبت نسب المقر به بإقراره الأول؛ لأنه قد صار جميع الورثة.
وإن مات رجل وخلف ابنين عاقلين بالغين، فأقر أحدهما بأخ ثالث وأنكره أخوه، ثم مات المنكر ولا وارث له غير المقر.. فهل يثبت نسب المقر به؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يثبت؛ لأن النسب لا يثبت مع إنكار الورثة، وقد كان الأخ منكرا لنسبه.
والثاني: يثبت نسبه، وهو المذهب؛ لأن المنكر سقط إنكاره بموته، وقد صار المقر جميع الورثة.
فعلى هذا: إن خلف المنكر ولدا.. اعتبر إقراره مع عمه؛ لأنه يقوم مقام أبيه.

فرع أقر بالغ عاقل بأخ مثله ثم أقر بثالث

وإن مات رجل وخلف ابنا بالغا عاقلا فأقر بأخ بالغ عاقل فصدقه.. ثبت نسبه.
فإن أقرا معا بنسب أخ ثالث بالغ عاقل.. ثبت نسب الثالث.
فإن أنكر الثالث نسب الثاني.. ففيه وجهان - حكاهما الشيخ أبو إسحاق -: أحدهما: لا يقبل إنكاره؛ لأنه فرع له، فلا يسقط بقوله.
والثاني - ولم يذكر ابن الصباغ غيره -: أنه يسقط نسب الثاني؛ لأن الثالث ابن وارث، فاعتبر إقراره في ثبوت نسب الثاني، وهاهنا يقول الثالث: أدخلني أخرجك.

فرع مات مسلم أو كافر وخلف ابنين مسلما وكافرا فأقر أحدهما بثالث

وإن مات مسلم وخلف ابنين وكافرا، فأقر الابن المسلم بأخ ثالث.. ثبت نسبه؛ لأنه هو الوارث.
فإن كان المقر به مسلما.. ورث معه، وإن كان كافرا.. لم يرث.
وإن مات كافر وخلف ابنين مسلما وكافرا، فأقر الكافر بأخ ثالث.. ثبت نسبه.
فإن كان المقر به كافرا.. ورث، وإن كان مسلما.. لم يرث.

فرع مات وخلف ابنا فأقر بأخوين أو بتوأمين

وإن مات رجل وخلف ابنا، فأقر بأخوين في وقت واحد، فصدق كل واحد منهما صاحبه.. ثبت نسبهما.
وإن كذب كل واحد منهما صاحبه.. لم يثبت نسبهما.
وإن صدق أحدهما صاحبه وكذبه الآخر.. ثبت نسب المصدق دون المكذب.
وإن أقر الابن بنسب أحد التوأمين.. ثبت نسبهما، فإن أقر بهما وكذب أحدهما الآخر.. لم يؤثر التكذيب في نسبهما؛ لأنهما لا يفترقان في النسب.

فرع الإقرار بعم

فرع: [في الإقرار بعم]: وإن كان بين المقر والمقر به اثنان؛ مثل أن يقر بعم.
فقد قال بعض أصحابنا: يعتبر تصديق الأب والجد.

والذي يقتضي المذهب: أنه لا يعتبر تصديق الأب هاهنا، بل يكفي تصديق الجد؛ لأنه هو الأصل الذي يثبت النسب منه، ولو كذبه ابنه لم يؤثر تكذيبه، فلا معنى لاعتبار تصديقه الابن.

مسألة خلف أخا لأب فأقر بابن

وإن مات رجل وخلف أخا لأب، فأقر بابن للميت.. ثبت نسب الابن، وهل يرث؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال أبو العباس: يرث - واختاره ابن الصباغ - لأنه إذا ثبت نسبه.. فالميراث مستحق بالنسب، فلا يجوز أن يثبت النسب ولا يثبت الميراث.
وقال سائر أصحابنا: لا يرث، وهو الأصح؛ لأنا لو ورثنا الابن.. لخرج الأخ عن أن يكون وارثا، وإذا لم يكن وارثا.. لم يقبل إقراره بالنسب؛ وإذا لم يقبل إقراره بالنسب.. لم يثبت نسب الابن ولا ميراثه؛ فإثبات الميراث له يؤدي إلى نفي نسبه وميراثه، فأثبتنا النسب وأسقطنا الميراث، ولنا مثل هذه المسألة ثمان مسائل: إحداهن: إذا تزوجت الحرة بعبد بألف في ذمته، وضمن السيد عن المهر، ثم باعه منها بالألف التي ضمنها قبل الدخول.. فلا يصح البيع، وقد مضى بيانها في (الصداق).
الثانية: إذا أعتق في مرض موته جارية وتزوجها، ثم مات.. فإنها لا ترثه، وقد مضى ذكرها.
الثالثة: إذا أعتق في مرض موته جارية قيمتها مائة وتزوجها على مائة، ومات وخلف مائتين لا غير.. فلا ميراث لها ولا صداق، وقد مضت أيضا.
الرابعة: إذا كانت له جارية قيمتها مائة، وزوجها من عبد على مائة وأعتقها قبل الدخول، وخلف مائة لا غير.. فلا يثبت لها الفسخ، وقد مضت أيضا.
الخامسة: إذا أعتق عبدين، ثم ادعى رجل أن المعتق كان غصبهما منه، وقد صارا عدلين فشهدا للمدعي بذلك.. فلا تقبل شهادتهما؛ لأنا لو قبلنا شهادتهما.. بطل عتقهما، وإذا بطل عتقهما.. بطلت شهادتهما.

السادسة: إذا أعتق عبدين في مرض موته وخرجا من ثلثه، فادعى رجل أن له على الميت دينا ينقص الثلث عن قيمتها وشهد له بذلك العبدان.. لم تقبل شهادتهما؛ لما مضى في التي قبلها.
السابعة: إذا اشترى أباه أو ابنه في مرض موته.. فإنه لا يرثه، وقد مضى بيانها.
الثامنة: إذا أوصى له بأبيه أو بابنه فقبل الوصية في مرض موته.. فإنه لا يرثه، وقد مضت.

فرع خلف أخا لأب فجاء مجهول وادعى أنه ابن الميت

وإن مات رجل وخلف أخا لأب، فجاء رجل مجهول النسب فادعى أنه ابن الميت، وأنكر الأخ، فإن كان مع الابن بينة.. قضي له، وإن لم يكن معه بينة.. فالقول قول الأخ مع يمينه.. فإن حلف الأخ.. انصرف المدعي، وإن نكل الأخ عن اليمن فحلف الابن.. ثبت نسبه، وهل يرث؟ إن قلنا: إن يمينه بمنزلة بينة يقيمها.. ورث.
وإن قلنا: إنها كإقرار الأخ.. لم يرث على قول أكثر أصحابنا، ويرث على قول أبي العباس وابن الصباغ.

مسألة إقرار مسلم بولد جاء مع امرأة رومية إلى دار الإسلام

وإن خرجت امرأة من أرض الروم إلى دار الإسلام ومعها ولد صغير، فأقر رجل في دار الإسلام أنه ولده منها.. لحقه نسبه وإن لم يعرف الرجل أنه خرج إلى دار الروم، ولا عرفت المرأة أنها خرجت إلى دار الإسلام؛ لإمكان أن يكون الرجل خرج إلى دار الروم ولم يعلم به فأصابها بنكاح أو شبهة، أو خرجت إلى دار الإسلام ولم

يعلم بها فأصابها بنكاح أو شبهة، ويجوز أن يكون تزوجها وهي في دار الروم وبعث إليها بمائة فاستدخلته.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال القفال: إنما يلحق به الولد إذا كان إمكان الوطء بنكاح أو بشبهة نكاح حاصلا؛ بأن لا يعرف حاله، فأما إذا عرف حاله؛ بأن لم يغب عن أعيننا، أو غاب مدة لا يتصور بلوغه إلى تلك الأرض، وعلم أيضا أن المرأة لم تغب طوال عمرها إلى دار الإسلام إلى الآن، فلا يثبت النسب.
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (لا يلحقه نسبه).
وقال في موضع: (يلحقه نسبه).
وليست على قولين وإنما هي على اختلاف حالين: وحيث قلنا: يثبت النسب.. فلا اعتبار بتصديق المرأة وتكذيبها؛ لأن النسب حقه وحق الولد وقد أقر به.
قال المسعودي [في ((الإبانة)) ق\299]: إذ صارت المرأة فراشا لرجل ومعها ولد، فأقرت أنه ولد لغيره.. لم يقبل قولها، بل القول قول صاحب الفراش.

مسألة ادعاء نسب لأجل إرث

إذا مات رجل ولا وارث له معروف، فجاء رجل وادعى أنه وارثه.. لم تسمع دعواه حتى يبين سبب الميراث؛ لأنه قد يعتقد أنه وارث بسبب لا يورث به كالمحالفة، أو يكون من ذوي الأرحام.
فإن بين سببا يورث به.. لم يحكم له بالميراث حتى يقيم البينة وشاهدين ذكرين عدلين ويذكرا نسبا أو سببا يورث به، فإن ذكرا وقالا: لا نعلم له وارثا سواه وهما من أهل الخبرة الباطنة بحاله.. حكم للمدعي بالميراث.
وحكي عن ابن أبي هريرة أنه قال: لا يثبت الإرث حتى يقولا: لا وارث له غيره على وجه القطع؛ لأنهما إذا قالا: لا نعلم له وارثا سواه.. فلم ينفيا غيره ويجوز أن يكون هناك وارث غيره موجود لا يعلمانه.
وهذا خطأ؛ لأنهما لا يمكنهما

ذلك؛ لجواز أن يكون تزوج امرأة سرا، أو وطئ امرأة بشبهة وأتت منه بولد.
فإن قالا: نشهد أنه لا وارث له غيره.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (سألتهما عن ذلك، فإن قالا: أردنا أنا لا نعلم له وارثا غيره.. كان كما لو صرحا به.
وإن قالا: نريد به قطعا ويقينا.. قيل لهما: قد أخطأتما؛ لأنه قد يجوز أن يكون له وارث لا تعلمانه، ولا ترد شهادتهما بذلك).
وقال أبو حنيفة: (القياس أن ترد شهادتهما؛ لأنهما كذبا، ولكن لا ترد استحسانا).
دليلنا: أنهما إذا صحباه الزمن الطويل وعرفا حاله.. جرى ذلك مجرى القطع، فلم ينسبا إلى الكذب.
وإن لم يكونا من أهل الخبرة الباطنة بالميت، أو كانا من أهل الخبرة الباطنة به إلا أنهما لم يقولا: لا نعلم له وارثا سواه.. فإنه يثبت بذلك نسب المدعي، ولا يثبت بذلك نفي نسب غيره.
فإن كان له فرض لا يحجب عنه، كالأبوين والزوجين.. أعطي أقل فرض يستحقه بحال، فيعطى كل واحد من الأبوين سدسا عائلا، ويدفع إلى الزوج ربع عائل.
قال الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق -: ويدفع إلى الزوجة ثمن عائل.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": يدفع إليها ربع ثمن عائلا، وقد مضى مثل ذلك في (الدعاوى).
وإن كان المدعي ممن له تعصيب.. بعث الحاكم إلى البلاد التي كان يسافر إليها الميت ويقيم بها فيسأل بها: هل له وارث؟ فإن لم يوجد له وارث ومضت مدة لو كان له وارث لظهر.. نظر في المدعي، فإن كان ممن لا يحجب، كالأب والابن.. دفعت التركة إليه.. وإن كان ممن يحجب، كالأخ وابن الأخ.. ففيه وجهان:

أحدهما: لا يدفع إليه شيء؛ لجواز أن يكون هناك وارث يحجبه.
والثاني: يدفع إليه؛ لأن الظاهر مع البحث أنه لا وارث له؛ إذ لو كان له وارث.. لظهر.
ويؤخذ منه كفيل بما أخذه.
وهل يجب أخذ الكفيل منه أو يستحب؟ فيه وجهان، مضى بيانهما في (الدعاوى).

مسألة له أمتان ولكل ولد فألحق أحدهما لا بعينه بنسبه

إذا كان لرجل أمتان، لكل واحدة منهما ولد، فقال السيد: أحدهما ابني.. لحقه نسب أحدهما لا بعينه وطولب بتعيينه.
وإنما يتصور هذا بشرطين: أحدهما: إذا لم يكن لإحداهما زوج.
والثاني: إذا لم يقر السيد بوطء إحداهما.
فأما إذا كان لكل واحدة منهما زوج، أو لإحداهما زوج وأمكن أن يكون الولد منه.. فإن الولد يلحق به دون السيد.
فإن أقر السيد بوطئهما أو بوطء إحداهما.. فإن التي أقر بوطئها تكون فراشا له، فإذا أتت بولد لأقل مدة الحمل.. لحقه من غير إقرار.
فإذا عدم الشرطان.. فإنه يطالب ببيان ولده منهما، فإن قال: هذا ولدي.. حكم بحريته ويسئل عن سبب استيلاده: فإن قال: استولدتها في ملكي.. ثبت لأمه حرمة الاستيلاد، ولا ولاء على الولد.
وإن قال: استولدتها في نكاح.. كانت أمه قنا، وثبت له على ولده الولاء؛ لأنه ملكه، ثم عتق عليه.
فإن قالت الأمة الأخرى: بل أنا التي أقررت بحرية ولدي، فإن صدقها.. كان الحكم فيها وفي ولدها كالذي أقر به أولا، ولا يبطل بذلك إقراره للأمة الأولى ولولدها.
وإن كذب الثانية.. فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف.. سقطت دعوى الثانية ورقت ورق ولدها.
فإن مات.. ورثه الابن المقر به، فإن كان أقر أنه استولد أمه في ملكه.. عتقت بموته.
وإن أقر أنه استولدها في نكاح.. لم تعتق عليه بموته، وإن لم يكن له وارث غير ابنها.. عتقت على ابنها، وإن كان مع الابن وارث.. عتق على الابن

نصيبه ولا يقوم عليه الباقي.
وإن مات السيد قبل أن يبين.. قام وارثه مقامه في البيان، فإن بين الولد منهما وكيفية الاستيلاد.. كان الحكم فيه كما لو بين السيد.
وإن بين الوارث الولد منهما وقال: لا أدري كيف كان الاستيلاد.. ففيه وجهان: أحدهما: تكون الأم رقيقة؛ لأن الأصل فيها الرق.
والثاني: تكون أم ولد؛ لأن الظاهر ممن أقر بولد أمته أنه استولدها في ملكه.
وإن امتنع الورثة من التعيين، فإن لم يدع الولدان عليهم بالعلم.. فلا كلام.
وإن ادعيا عليهم بالعلم.. حلفوا أنهم لا يعلمون، ويعرض الولدان على القافة، فإن ألحقت القافة به أحدهما.. لحقه وكان حرا.
فإن كان السيد قد أقر أن أحدهما ابنه استولد أمه في ملكه.. لم يكن على الولد الذي ألحقته القافة به ولاء وعتقت أمه بموت السيد.
وإن كان قد أقر أنه ابنه من نكاح.. كان على الولد الولاء ولم تعتق أمه بموت السيد.
وإن لم يتقدم منه إقرار بكيفية الاستيلاد.. فهل تكون أمه أم ولد؟ على الوجهين إذا عين الوارث الولد ولم يبين كيفية الاستيلاد، ويحتمل أن يكون في ثبوت الولاء على الولد الذي ألحقته القافة به هذان الوجهان.
وإن لم يكن هناك قافة، أو كانت هناك قافة وأشكل عليها الولد منهما.. أقرع بين الولدين للحرية؛ لأن للقرعة مدخلا في تمييز الحر من الرقيق.
فإذا خرجت القرعة لأحدهما.. عتق، ويحتمل أن يكون في ثبوت الولاء عليه الوجهان، ولا يثبت نسبه من المقر؛ لأن النسب لا يثبت بالقرعة، ولا يحكم لأحدهما بالميراث؛ لأنه لم يثبت نسب أحدهما.
وهل يوقف من ماله ميراث ابن؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال المزني: يوقف؛ لأنا نتيقن أن أحدهما ابن وارث.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: لا يوقف؛ لأن الشيء إنما يوقف إذا رجي انكشافه، وهذا لا يرجى انكشافه، ويحتمل أن يكون الحكم في أم ذلك الولد حكم أم من ألحقت به القافة منهما.
هذا مذهبنا، وقال أبو حنيفة: (يعتق من كل واحد منهما نصفه، ويستسعى في قيمة باقيه، ولا يرثان).
وقد مضى الدليل عليه في (العتق).

مسألة أقر بإلحاق أحد أولاد أمته الثلاثة من دون تعيين

وإن كان لرجل أمه لها ثلاثة أولاد، فقال سيدها: أحد هؤلاء ولدي.. فهو إقرار صحيح، ويرجع إليه في بيان الولد منهم، وإنما يتصور هذا بشرطين: أحدهما: أن لا يكون للأمة زوج، فإن كان لها زوج وأتت بولد يمكن أن يكون منه.. لحق به، ولا يقبل إقرار السيد به.
والثاني: إذا لم يقر السيد بوطئها في وقت، فأما إذا أقر بوطئها في وقت.. فما أتت به من ولد لأقل مدة الحمل من ذلك الوقت لحق به من غير إقرار.
فإذا ثبت أنه يرجع إليه في بيان الولد منهم.. نظرت: فإن أقر أن الأصغر منهم ولده.. حكم بحريته ويثبت نسبه منه، ويطالب بكيفية الاستيلاد.
فإن قال: استولدتها في ملكي.. لم يثبت على الولد الولاء، وكانت الجارية أم ولد له والولدان الآخران مملوكين.
وإن قال: استولدتها في نكاح.. فالولد حر، وعليه له الولاء، والأمة مملوكة.
وإن قال: استولدتها بشبهة.. فالولد حر، وعليه له الولاء، وهل يثبت للأمة حرمة الاستيلاد؟ على قولين.
وإن لم يعين جهة الاستيلاد.. فهل يثبت للأمة حرمة الاستيلاد؟ على وجهين، مضى ذكرهما في التي قبلها، ويحتمل أن يكون في ثبوت الولاء على الولد هذان الوجهان.
وأما إذا قال: الولد الأوسط ولدي.. حكم بحريته وثبوت نسبه منه فإن قال: استولدتها في ملكي.. فلا ولاء على الولد، وتثبت للأم حرمة الاستيلاد فيه، وهل يثبت للولد الأصغر ما يثبت للأمة من حرمة الاستيلاد؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت له ذلك؛ لأنه ولد أم ولد.
والثاني: لا يثبت له؛ لأنه يجوز أن يكون استولدها وهي مرهونة، فلم يثبت لها حرمة الاستيلاد في الحال، ثم بيعت في الرهن، ثم أتت بالولد الأصغر في غير ملكه، ثم ملكها بعد ذلك، فثبت لها حرمة الاستيلاد دون الولد الأصغر.

وإن قال: استولدتها في نكاح.. ثبت على الأوسط الولاء، ولا يثبت للأم حرمة الاستيلاد، والأصغر مملوك.
وإن قال: استولدتها بشبهة.. فعلى الوسط الولاء، وهل تثبت للأم حرمة الاستيلاد؟ على القولين.
فإن قلنا: لا تثبت لها.. فالأصغر مملوك.
وإن قلنا: تثبت لها.. فهل تثبت للأصغر حرمة الاستيلاد؟ على وجهين.
وأما الولد الأكبر: فمملوك بكل حال.
وإن قال: الولد الأكبر ابني.. حكم بحريته وثبوت نسبه منه، والحكم في الأوسط والأصغر حكم الأصغر إذا عين الأوسط على ما مضى.
فإن مات السيد قبل أن يبين.. قام وارثه مقامه في البيان، فإن بين الوارث الولد وكيفية الاستيلاد.. فهو كما لو بينة السيد، وإن بين الولد ولم يبين جهة الاستيلاد.. حكم بحرية الولد الذي بينه الوارث وثبوت نسبه من السيد، وهل يثبت للأمة حكم الاستيلاد؟ على الوجهين في التي قبلها.
فإن بين الولد الأصغر.. فالولد الأكبر والأوسط مملوكان.
وإن بين الأكبر.. فهل يثبت للأوسط والأصغر حرمة الاستيلاد؟ إن قلنا: لا يثبت للأمة حرمة الاستيلاد.. لم يثبت لهما.
وإن قلنا: يثبت للأمة حرمة الاستيلاد.. فهل يثبت لهما حرمة الاستيلاد؟ على الوجهين اللذين مضى بيانهما.
وإن لم يبين الوارث الولد منهم، أو لا وارث له.. عرض الأولاد الثلاثة على القافة، فإذا ألحقت به أحدهم.. لحقه نسبه وحكم بحريته.
فإن كان قد تقدم من السيد إقرار أنه استولدها في ملك أو نكاح أو شبهة.. كان الحكم فيه كما لو عين السيد الولد منهم وبين جهة الاستيلاد على ما مضى.
وإن لم يتقدم من السيد إقرار بجهة الاستيلاد.. فهل يثبت للأمة حرمة الاستيلاد؟ على وجهين، قد مضى بيانهما.
فإن ألحقت القافة به الأصغر.. فالولد الأكبر والأوسط مملوكان، وإن ألحقت به الأكبر: فإن قلنا: لا يثبت للأمة حرمة الاستيلاد.. فالولد الأوسط والأصغر مملوكان.
وإن قلنا: يثبت للأمة حرمة الاستيلاد.. فهل تثبت حرمة الاستيلاد للأوسط والأصغر؟ على وجهين.
وإن لم تكن قافة أو كانت وأشكل عليها الولد منهم.. أقرع بين الأولاد الثلاثة؛ لأن للقرعة مدخلا في تمييز الحر من الرقيق، فإذا خرجت القرعة لأحدهما.. حكم بحريته، ولا يثبت نسبه من السيد؛ لأنه لا مدخل للقرعة في إثبات النسب، وهل يوقف من ماله ميراث ابن؟ على وجهين، مضى بيانهما في التي قبلها.

مسألة اختلفا في كون الجارية بيعت أم زوجت

]: إذا كان في يد رجل جارية فانتقلت منه إلى رجل فوطئها ولم يحبلها، فاختلفا في جهة انتقالها إليه، فقال من انتقلت منه: بعتكها بألف لم أقبضها منك، وقال من هي في يده: بل زوجتنيها بألف.. فإن كل واحد منهما يحلف على نفي ما ادعى عليه؛ لأن الأصل عدمه.
فيحلف الذي انتقلت منه أني ما زوجتكها، ويحلف من هي بيده أني ما اشتريتها.
فإن حلفا معا.. حكمنا بزوال العقدين، ولا يستحق من انتقلت منه على من هي بيده مهرا؛ لأن من هي بيده مقر به لمن لا يدعيه، وترد الأمة إلى الذي انتقلت منه.
واختلف أصحابنا لأي معنى رجعت إليه: فمنهم من قال: رجعت إليه بمعنى: من اشترى جارية بثمن، فأفلس المشتري ورجع البائع إلى جاريته فعلى هذا: يفسخ البيع وتعود إليه الجارية ويملك وطأها.
ومنهم من قال: رجعت إليه بمعنى: من كان له على غيره حق ولم يقدر عليه، ووجد له شيئا من ماله من غير جنس حقه.
فعلى هذا: تباع الجارية ويستوفي البائع من ثمنها الثمن الذي حلف عليه، وهل يملك بيعها بنفسه، أو لا يصح منه بيعها إلا من الحاكم؟ فيه وجهان، مضى بيانهما.
فإن فضل فضلة من ثمنها على ما يدعيه البائع من الثمن.. ردت إلى من انتقلت إليه، وإن نقص ثمنها عما يدعيه البائع من الثمن.. كان له أن يأخذ من مال المبتاع.
فأما إن حلف من انتقلت منه الجارية: أنه ما زوجها، ونكل من انتقلت إليه عن اليمين: أنه ما اشتراها.. ردت اليمين على البائع، فيحلف: أنه لقد باعها منه بألف، ولزم المبتاع الألف.
وإن حلف من هي بيده: أنه ما اشتراها، ولم يحلف من انتقلت منه: أنه ما زوجها.. حلف من هي بيده: لقد تزوجها وهذا زوجها، وحكم

له بزوجيتها، وأقرت في يده، وعاد حكم الرق عليها للبائع.
فإذا زال النكاح بطلاق أو وفاة.. رجعت إلى من انتقلت منه.
فإذا كان من انتقلت منه صادقا: أنه باعها وهي ملك للمشتري.. لا يحل للبائع وطؤها وقد عادت إليه، وكيف يكون الحكم بعودتها إليه؟ على الوجهين اللذين مضيا.
وإن كان من انتقلت منه كاذبا في دعواه: أنه باعها.. عادت إلى ملكه وتصرفه بالوطء وغيره.
وأما إن كان الذي انتقلت إليه قد استولدها.. فإن من انتقلت منه يقر بحقين عليه ويدعي حقا له.
فأما الحقان اللذان يقر بهما على نفسه: فإنه يقر أنها صارت أم ولد لمن انتقلت إليه، وأن ولدها حر، وهذان يضران به فيقبل إقراره بهما على نفسه.
وأما الحق الذي يدعيه: فإنه يدعي أنه باعها بألف في ذمة من هي بيده، وهذا ينفعه فلم يقبل قوله فيه.
فيحلف من هي في يده: أنه ما اشترى الجارية؛ ليسقط عنه الثمن الذي يدعي به عليه من انتقلت منه، فإذا حلف.. حكمنا بزوال البيع وسقوط الثمن عنه، وكانت الجارية أم ولد له وولدها حرا، ومن بيده الجارية يقر بالمهر لمن انتقلت منه وهو لا يدعيه ولكن يدعي عليه الثمن، وهل يرجع عليه من انتقلت منه بالأقل: من المهر الذي أقر به من انتقلت إليه الجارية، أو الثمن الذي يدعيه من انتقلت منه؟ فيه وجهان: أحدهما: يرجع عليه بأقلهما؛ لأنهما متفقان على استحقاقه.
والثاني: لا يرجع عليه بشيء؛ لأن من بيده الجارية لما خلف.. زال عنه حكم الثمن، وقول من انتقلت منه: ما زوجتكها.. يسقط استحقاقه المهر، فلم يرجع عليه بشيء.
على الوجهين معا لا ترد الجارية إلى من انتقلت منه، بل تقر في يد من انتقلت إليه؛ لأن من انتقلت منه أقر بزوال ملكه عنها، وأنها قد تلفت في يد من انتقلت إليه

بالإحبال فلم ترد إليه، كما لو قال: بعت عبدي من ويد، وأعتقه.
إذا تقرر هذا: فإنه يقال لمن انتقلت إليه: إن علمت بأنها زوجتك.. حل لك وطؤها فيما بينك وبين الله تعالى، وهل يحل له وطؤها في ظاهر الحكم؟ فيه وجهان: أحدهما: يحل له؛ لأنهما اتفقا على إباحة وطئها له وإن اختلفا في سببه.
والثاني: لا يحل له وطؤها؛ لأن من هي في يده قد حلف: أنه لا يملكها، فبطل أن تحل له بالملك ويدعي أنها زوجته، ومن انتقلت منه غير مسلم أنها تحل له بالزوجية، فما اتفقا عل إباحتها له.. فمنع من وطئها.
وإن نكل من انتقلت إليه عن اليمن.. حلف من انتقلت منه: أنه باعها، ووجب على من انتقلت إليه الثمن لمن انتقلت منه.. وهذا الكلام في جنبة من انتقلت منه، وأما من انتقلت إليه.. فإنه يدعي على من انتقلت منه أنه زوجة إياها، ويجب بهذا أنها مملوكة لمن انتقلت منه، وولدها مملوك لمن انتقلت منه، وعلى من انتقلت إليه المهر، فيسقط قوله: إن الجارية والولد مملوكان لمن انتقلت منه؛ لأنه يقر أن الجارية أم ولد لمن هي بيده وأن ولدها حر، ويكون القول قول من انتقلت منه: إنه ما زوجها، وهل يحلف على ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحلف؛ لأنه لو رجع وأقر أنه قد زوجها.. لم يقبل، فلا معنى لاستحلافه.
والثاني: يحلف؛ لأنه ربما ينكل، فيحلف من هي بيده: أنه زوجها منه ويحكم له بالزوجية.
فإن حلف كل واحد منهما لصاحبه.. حكمنا بزوال العقدين، وأنها غير مبيعة ولا مزوجة، والكلام على النفقة والميراث، فأما نفقة الولد.. فعلى الواطئ؛ لأنه ابنه وقد حكمنا بحريته، وأما نفقة الجارية.. ففيها قولان حكاهما أبو إسحاق في " الشرح ": أحدهما: أنها على البائع؛ لأنه أقر بأمرين، أحدهما عليه وهو كونها أم ولد

جارٍ التحميل