البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 364-403

كتاب الإجارة

صفحات 364-403
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والثاني: لا تنفسخ الإجارة فيهما؛ لأن المنفعة فيهما لم تتلف، وإنما نقصت المدة، فهو كما لو تشعثت الدار المستأجرة.
ومنهم من حملهما على ظاهرهما، فقال: تنفسخ الإجارة في الدار، ولا تنفسخ في الأرض؛ لأن الدار غير باقية بعدم الانهدام، والأرض باقية بعد انقطاع الماء.

فرع: غصب العين المستأجرة

وإن غصبت العين المستأجرة من يد المستأجر.. نظرت: فإن كانت الإجارة على منفعة في الذمة.. لم تنفسخ الإجارة، فيطالب المستأجر المؤاجر بإقامة عين غيرها مقامها؛ لأن المعقود عليه في ذمته.
وإن كانت الإجارة على منفعة تلك العين.. نظرت: فإن غصبها أجنبي.. فللمستأجر فسخ الإجارة؛ لأنه تأخر حقه، فإن فسخ.. فلا كلام، وإن لم يفسخ، فإن كانت الإجارة على عمل.. لم تنفسخ، بل متى وجد العين المستأجرة.. استوفى منفعته منها، وإن كانت الإجارة على مدة، فمضت المدة.. فهو كما لو اشترى عينًا، فأتلفها أجنبي قبل القبض.
وإن غصبها المؤاجر وكانت على مدة، فمضت قبل أن يفسخ المستأجر الإجارة.. فعلى الطريقين في العين المبيعة إذا أتلفها البائع قبل القبض.

مسألة: استكرى مرضعة فماتت

وإن استأجر امرأة للإرضاع، فماتت المرأة، فإن كان قبل أن يمضى شيء من المدة.. انفسخت الإجارة، وإن كان بعد أن مضى شيء من المدة وبقي البعض.. انفسخت الإجارة فيما بقي، وهل تنفسخ فيما مضى؟ فيه طريقان.
وإن مات الصبي قبل أن يمضي شيء من المدة.. ففيه قولان:

أحدهما: لا تنفسخ الإجارة بموته؛ لأنه مستوفى به، فلا تبطل الإجارة بموته، كالراكب.
والثاني: تنفسخ، وهو المشهور؛ لأن العقد وقع على إيقاع الفعل فيه، وقد تعذر ذلك بموته، فانفسخت الإجارة، كما لو استأجره لخياطة ثوب، فتلف الثوب.
فإذا قلنا بالأول.. أقيم غير الصبي مقامه، إن تراضيا على ذلك.. جاز، وإن تشاحا.. فسخ العقد.
فرع: [قذف الطفل لبن المرضع]: وإن استأجر امرأة على إرضاع صبي، فصار يقذف من لبنها.. قال الصيمري: فللمستأجر أن يفسخ الإجارة؛ لأنه عيب فيها.

فرع: استنكف عن استئجار الطبيب

وإن استأجر رجلًا ليقلع له ضرسًا ألمًا، فبرئ، أو ليكحل له عينًا عليلة، فبرئت قبل الكحال.. فهو كما لو مات الصبي الذي استؤجر على إرضاعه على ما مضى؛ لأنه لا يجوز قلع ضرس لا ألم فيه، ولا كحل عين لا علة بها.
وإن لم يبرأ، ولكن امتنع المستأجر من القلع أو الكحل.. قال ابن الصباغ: فإنه لا يجبر عليه؛ لأن الأجير إذا بذل العمل ومكن منه.. وجب على المستأجر دفع الأجرة.
وقال القاضي أبو الطيب في " المجرد ": عندي أنها لا تستقر، حتى إن هذا الضرس لو انقلع.. لانفسخت الإجارة، ووجب رد الأجرة، كما قلنا في النكاح إذا مكنت الزوجة من نفسها ولم يطأها، ويفارق إذا حبس الدابة مدة المسافة.. فإن الأجرة تجب عليه؛ لأن المنافع تلفت تحت يده.

مسألة: موت الأجير في الحج

]: وإن مات الأجير في الحج بعد قطع المسافة وقبل الإحرام.. نظرت: فإن كانت الإجارة على حج في الذمة.. لم تنفسخ الإجارة؛ لأن المعقود عليه يمكن استيفاؤه بعد موته، ولا يستحق الأجير لما قطع من المسافة شيئًا من الأجرة.
وإن كانت الإجارة على عمل الأجير بنفسه.. بطلت الإجارة؛ لأن المعقود عليه عمل الأجير بنفسه، وقد فات ذلك بموته.
وهل يستحق الأجير هاهنا شيئًا من الأجرة؟ المنصوص للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه لا يستحق شيئًا من الأجرة).
واستفتي أبو بكر الصيرفي وأبو سعيد الإصطخري عام القرامطة، وقد أحصر الناس قبل الإحرام، فأفتيا: أن للأجراء بقدر ما قطعوا من المسافة من الأجرة؛ لأن هذه المسافة لا بد منها، ولا يتوصل إلى النسك إلا بقطعها، فوجبت لها الأجرة.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الأجرة إنما يقابل المقصود بها، وهي الأفعال الواقعة على المستأجر، فأما السبب: فلا يقابله، كما إذا استأجره ليبني له، أو ليخبز له، فقرب آلة البناء وآلة الخبز، فمات قبل البناء والخبز.
فأما إذا مات الأجير بعد ما أتى بجميع أركان الحج، وبقي عليه الرمي والمبيت.. فقد سقط الحج عن المحجوج عنه، ويلزم الأجير الجبران بالدم لما بقي عليه، وهل يلزمه أن يرد شيئًا من الأجرة؟ فيه طريقان:

من أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يرد شيئًا؛ لأنه قد جبر ما تركه بالدم، فصار كما لو لم يترك شيئًا.
والثاني: يرد؛ لأنه فعل بعض ما استؤجر عليه، فصار كما لو استأجره ليبني له عشرة أذرع.. فبنى له تسعة.
ومنهم من قال: يرد، قولًا واحدًا؛ لما ذكرناه.
وأما الدم: فإنه وجب على الأجير لحق الله تعالى دون حق المستأجر.
وإن مات الأجير بعد الإحرام وقبل أن يأتي بالوقوف في الحج، أو بالطواف والسعي.. فهل يستحق هاهنا شيئًا من الأجرة؟ إن قلنا بقول الصيرفي وأبي سعيد الإصطخري: إنه يستحق شيئًا من الأجرة إذا مات بعد قطع المسافة وقبل الإحرام.. فهاهنا أولى أن يستحق.
وإن قلنا بالمنصوص: (إنه لا يستحق هناك شيئًا).. فهل يستحق الأجير هاهنا من الأجرة؟ فيه قولان: أحدهما: لا يستحق شيئًا من الأجرة؛ لأن ما أتى به لا يسقط به عن المستأجر الفرض، فلم يستحق له أجرة، كما لو استأجر رجل رجلًا ليرد عليه عبده الآبق، فرده إلى بعض الطريق، ثم هرب منه.
والثاني: يستحق شيئًا من الأجرة؛ لأنه قد عمل بعض ما استؤجر عليه، فصار كما لو استأجره ليبني له عشرة أذرع.. فبنى له تسعة.
فإذا قلنا بهذا: فكم يستحق من الأجرة؟ اختلف أصحابنا فيه على طريقين: فـ[الأول]: ذهب أكثرهم إلى: أنها على قولين: أحدهما: يقسط على قطع المسافة والعمل، وإن كان لو انفرد قطع المسافة.. لم يستحق له شيئًا؛ لأنه هاهنا تابع للعمل.
ويجوز أن يتناول العقد شيئًا على وجه التبع وإن لم يفرد، كأساس الحيطان، وطي الآبار، يصح بيعه تبعًا لغيره، ولا يصح بيعه وحده.

والثاني: يقسط على العمل وحده؛ لأنه المقصود، بخلاف قطع المسافة، فإنه لو قابلها بشيء من العوض بعد العمل.. لقابلها قبل العمل.
و [الثاني]: قال أبو العباس: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال: (تتقسط الأجرة على العمل خاصة) إذا استأجره ليحصل له حجة، ولم يعين المسير من بلده.
والموضع الذي قال: (تتقسط الأجرة على قطع المسافة والعمل) إذا استأجره ليحصل له حجة من بلده.
إذا ثبت هذا: فهل يجوز البناء على عمل الأجير؟ فيه قولان: قال في القديم: (يجوز)؛ لأنه عمل تدخله النيابة، فجاز البناء عليه، كسائر الأعمال.
وقال في الجديد: (لا يجوز).
وهو الصحيح؛ لأنه عبادة يفسد أولها بفساد آخرها، فلا يتأدى بنفسين، كالصوم، والصلاة، وفيه احتراز من تفرقة الزكاة.
فإن قلنا بقوله الجديد، فإن كانت الإجارة على عمل الأجير بنفسه.. بطلت بموته، فإن كان وقت الوقوف باقيًا.. استأجر المستأجر من يحرم عنه بالحج، وإن كانت الإجارة في الذمة.. لم تبطل الإجارة بموت الأجير، ويستأجر ورثة الأجير من يستأنف الإحرام عن المستأجر.
وإن فات وقت الوقوف.. تأخر الحج إلى السنة الثانية، فإن كانت الإجارة عن حي.. فله أن يفسخ الإجارة، ويسترجع الأجرة، وإن كانت عن ميت.. لم يكن للوصي أن يفسخ الإجارة؛ لأن الحي يستفيد بالفسخ التصرف في الأجرة، وهذا لا يوجد في الإجارة عن الميت.
وإن قلنا بقوله القديم، فإن كانت الإجارة على عمل الأجير بنفسه.. بطلت بموته، ويكون الذي يتولى الاستئجار لمن يتم هو المستأجر، وإن كانت الإجارة على حج في الذمة.. لم تبطل بموته، ويكون الذي يتولى الاستئجار لمن يتم هو وارث الأجير.
وأما ما يحرم به الأجير الثاني: فينظر فيه:

فإن كان وقت الوقوف باقيًا.. فإن الثاني يحرم بالحج من مكانه، ولا يجب الدم؛ لأنه بنى على إحرام الأول.
وإن كان قد فات وقت الوقوف بعد وقوف الأول.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يحرم بالعمرة، ويطوف ويسعى؛ لأنه لا يجوز أن يحرم بالحج في غير أشهر الحج، ولا يأتي بالرمي والمبيت؛ لأنه ليس في العمرة رمي ولا مبيت.
والثاني - حكاه الشيخ أبو حامد -: أنه يحرم إحرامًا مطلقًا لا ينوي به حجًا ولا عمرة.
والثالث - وهو ظاهر قول الشافعي -: أنه يحرم بالحج؛ لأنه بنى على إحرام الأول.
قال أصحابنا: وجميع هذه الأوجه ضعيفة؛ لأن: على قول أبي إسحاق: يحرم بالعمرة، ويطوف عنها ويسعى، ثم يقع ذلك عما عليه من طواف الحج وسعيه، وهذا لا يجوز.
وعلى قول الثاني: الإحرام المطلق لا بد من صرفه إلى حج أو عمرة.
وعلى قول الثالث: يحرم بالحج في غير أشهر الحج، وهذا لا يجوز.
وضعفها يدل على ضعف القول القديم الذي تفرعت عليه.

مسألة: أجر عبده ثم أعتقه

وإن أجر عبده، ثم أعتقه قبل انقضاء مدة الإجارة.. صح عتقه؛ لأن الإجارة عقد على المنفعة، فلم يمنع صحة العتق، كما لو زوج أمته، ثم أعتقها، ولأنه إذا صح عتق العبد المغصوب.. فلأن يصح عتق العبد المستأجر أولى، وهل يرجع العبد على سيده بأجرة المدة بعد العتق؟ فيه قولان: قال في القديم: (يرجع عليه بأجرة المثل لمدة الإجارة بعد العتق)؛ لأنه فوت

عليه بالإجارة ما كان يملكه من منفعة نفسه بعد العتق، فوجب عليه بدلها، كما لو أكرهه على العمل.
وقال في الجديد: (لا يرجع عليه بشيء).
وهو الصحيح؛ لأنه تصرف في منافعه تصرفًا كان له، فإذا طرأت الحرية.. لم يملك الرجوع عليه بشيء، كما لو زوج أمته، ثم أعتقها.
فإذا قلنا بقوله القديم.. كانت نفقة العبد على نفسه بعد العتق.
وإن قلنا بقوله الجديد.. ففيه وجهان: أحدهما: تجب نفقته على المولى؛ لأنه كالباقي على ملكه، بدليل: أنه ملك بدل منفعته.
والثاني: تجب في بيت المال؛ لأنه لا يمكن إيجابها على المولى؛ لأنه قد زال عن ملكه.
ولا على نفسه؛ لأنه لا يقدر عليها مدة الإجارة.
فإذا قلنا: تجب على المولى.. ففي قدرها وجهان: أحدهما: تجب عليه نفقته بالغة ما بلغت، لأن من وجبت عليه نفقة شخص بالملك.. وجبت بالغة ما بلغت، كالعبد المملوك.
والثاني: يجب عليه أقل الأمرين من نفقته، أو قدر أجرة مثله؛ لأنها إنما وجبت عليه؛ لاستحقاقه بدل منفعته بعد العتق، فلا يجب عليه أكثر من بدل المنفعة.

مسألة: استئجار عين وموت أحد المتكاريين

إذا استأجر من رجل عينًا، أو استأجره على منفعة، فمات أحد المتكاريين أو ماتا قبل استيفاء المنفعة.. لم تبطل الإجارة، وبه قال عثمان البتي، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
ويقال أبو حنيفة، والثوري، والليث: (تبطل بموت أحدهما).
دليلنا: أنه عقد لازم، فلا يبطل بموت العاقد، كالبيع.

مسألة: بيع المؤجر لغير المستأجر قبل استيفاء الزمن

]: وإن أجر داره، ثم باعها من غير المستأجر قبل انقضاء مدة الإجارة.. فهل يصح البيع؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصح البيع؛ لأن البائع لا يمكنه تسليمه إلى المشتري، فلم يصح كالمغصوب.
والثاني: يصح البيع، فإن كان المشتري عالمًا بكونه مستأجرًا.. فلا خيار له.
وإن لم يعلم.. فله الخيار، وبه قال مالك، وهو الأصح؛ لأن الإجارة عقد على المنفعة، فلم تمنع صحة البيع، كما لو زوج أمته، ثم باعها.
وقال أبو حنيفة: (البيع موقوف على إجازة المستأجر، فإن أجازه.. صح، وإن رده.. بطل).
بناء على أصله في البيع الموقوف، وقد مضى.

[فرع: أكرى عينًا ثم باعها من المستأجر]

وإن أكرى عينًا وباعها من المكتري قبل أن يستوفي المنفعة.. صح البيع، قولًا واحدًا؛ لأنه ليس هاهنا يد تحول بينه وبين العين المبيعة، وهل تنفسخ الإجارة؟ فيه وجهان: أحدهما: تنفسخ، وهو اختيار ابن الحداد؛ لأن الإجارة عقد على منفعة الرقبة، فإذا ملك الرقبة.. بطل العقد على منفعتها، كما لو تزوج أمة، ثم اشتراها.
والثاني: لا تنفسخ الإجارة، وهو قول الشيخين: أبي حامد، وأبي إسحاق؛ لأنه ملك المنفعة بعقد، والرقبة بعقد، لم يتنافيا، كما لو اشترى الثمرة، ثم اشترى الأصل، ولأن الموصى له بالمنفعة لو أجر منفعته من مالك الرقبة.. لاجتمع للمستأجر ملك الرقبة والمنفعة، ولم تبطل الإجارة، فكذلك هذا مثله، ولأنه لو أجر عينًا من رجل، ثم استأجرها المكري من المكتري.. لصح أن يجتمع له ملك الرقبة والمنفعة، فكذلك هذا مثله.

فإذا قلنا بهذا: فتلفت العين قبل انقضاء مدة الإجارة.. لم يبطل البيع؛ لأن المبيع هلك في يد المبتاع، ولكن تبطل الإجارة فيما بقي من المدة، وهل تبطل فيما مضى؟ على طريقين، مضى ذكرهما.
فإذا قلنا: تبطل.. فهل يرجع المكتري بأجرة المدة بعد البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يرجع، وهو قول ابن الحداد؛ لأن الإجارة انفسخت لمعنى من جهة المستأجر، فلم يرجع بشيء، كالمرأة إذا ارتدت قبل الدخول.
والثاني: يرجع بأجرة المدة بعد البيع، وهو قول أكثر أصحابنا؛ لأن الإجارة انفسخت قبل انقضاء مدتها، فرجع بأجرة ما بقي، كما لو تقايلا.
وإن استأجر رجل من أبيه دارًا، فمات الأب قبل انقضاء الإجارة.. فهل تنفسخ الإجارة؟ على الوجهين الأولين.
فإن مات الأب وعليه دين يحيط بالتركة، فإن قلنا: إن الإجارة لا تنفسخ.. فإن الأجرة تؤخذ من الابن، وتقسم على أصحاب الديون، ولا تباع الدار حتى يستوفي الابن منفعته.
وإن قلنا: إن الإجارة تنفسخ.. فإن أجرة ما بقي من المدة بعد الموت لا تؤخذ من الابن إن كان لم يدفعها، وتؤخذ الدار في الحال، وتباع لحق أصحاب الديون.
وإن كان الابن قد دفع جميع الأجرة إلى الأب.. قال ابن الحداد: رجع الابن هاهنا بأجرة ما بقي من المدة؛ لأنه لا صنع له في انفساخ الإجارة، بخلاف الشراء.

فرع: استأجر من أبيه فمات فورثه

وإن استأجر رجل من أبيه دارًا مدة معلومة، وسلم الأجرة إلى الأب، فمات الأب قبل انقضاء الإجارة ولا دين عليه، وخلف ابنين أحدهما هذا المكتري، فإن قلنا: لا تنفسخ الإجارة إذا مات الأب ولا وارث له غير المكتري.. لم تنفسخ الإجارة هاهنا في شيء من الدار، ولا يرجع الابن المكتري هاهنا على أخيه بشيء.
وإن قلنا هناك: تنفسخ الإجارة.. فإن الإجارة لا تنفسخ هاهنا في نصف الدار الذي ورثه الابن غير

المكتري، ولكن تنفسخ الإجارة في نصفه الذي ورثه الابن المكتري، وهل يرجع الابن المكتري على أخيه بشيء من الأجرة؟ قال ابن الحداد: يرجع عليه بربع أجرة الدار في المدة التي بقيت من الإجارة بعد موت الأب، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأن الإجارة لما انفسخت في نصف الدار.. استحق الابن الرجوع في أجرة ما انفسخت فيه الإجارة، وذلك دين تعلق بتركة الميت، فكان على الابن غير المكتري نصف ذلك بقسطه من الميراث، ألا ترى أن الأجرة التي سلمها الابن لو كانت باقية.. لكانت بينهما نصفين؟ فإذا كانت تالفة.. وجب أن يأخذ من الذي أخذ أخوه من التركة بقسط ما انفسخت فيه الإجارة.
ومن أصحابنا من قال: لا يرجع على أخيه بشيء؛ لأن الذي انفسخت فيه الإجارة هو النصف الذي ورثه المكتري، فلا يجوز أن يرجع على أخيه بشيء.
قال ابن الصباغ: وما قاله ابن الحداد.. غير صحيح؛ لأنه إذا جعل ما انفسخ فيه العقد من الأجرة بينهما.. فقد ملك المكتري بميراثه نصف الدار بمنفعته.
وورث الآخر نصف الدار مسلوب المنفعة.
قال: والأولى في ذلك أن يقوم نصيب المكتري بمنفعته، ويقوم نصيب غير المكتري مسلوب المنفعة، ويكون لغير المكتري من التركة ما بين القيمتين، ويكون للمكتري نصف المسمى فيما بقي من المدة من التركة.

[فرع: استأجر دارًا وقبل مضي المدة اشتراها]

]: فإن اكترى رجل من رجل دارًا مدة، ثم اشتراها المكتري قبل انقضاء مدة الإجارة، ثم وجد بها عيبًا يرد به المبيع، فردها المشتري، وفسخ البيع، فإن قلنا: الإجارة لا تنفسخ إذا ملك المكتري العين.. فإنه يستوفي ما بقي له من الإجارة بعد الرد بالعيب، وإن قلنا بقول ابن الحداد: إن الإجارة تنفسخ إذا ملك المكتري العين.. فإن الإجارة لا تعود بالرد بالعيب؛ لأن الإجارة انفسخت حين ملكها بالشراء، فلا تعود الإجارة بالرد بالعيب إلا بعقد جديد.

[فرع: وجد المكتري في العين عيبًا بعد بيعها من آخر]

وإن اكترى رجل من رجل عينًا مدة، ثم باعها المكري من غير المكتري قبل انقضاء المدة، وقلنا: يصح البيع، فوجد المكتري بالعين عيبًا فردها.. فلمن تكون منفعة العين فيما بقي من مدة الإجارة؟ فيه وجهان: [الأول]: قال ابن الحداد: تكون للمشتري؛ لأن المنفعة تابعة للرقبة، وإنما استحقها المكتري بعقد، فإذا زال حقه.. عادت إلى مالك العين، كما نقول فيمن زوج أمته من رجل، ثم باعها من آخر، ثم طلقها الزوج، فإن منفعة البضع تكون للمشتري.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: بل تكون المنفعة فيما بقي من مدة الإجارة للمكري؛ لأن المشتري ملك العين مسلوبة المنفعة تلك المدة، فلا يجوز أن يرجع إليه ما لم يملكه، ولأن المكري يستحق عوض المنفعة على المكتري تلك المدة، فإذا سقط العوض.. عاد المعوض إليه.
قال القاضي أبو الطيب: فعلى قول من خالف ابن الحداد: يجوز أن يبيع الرجل داره، ويستثنى منفعته مدة معلومة، وعلى قوله فيها: لا يصح.

مسألة: أجر الموقوف له العين الموقوفة

إذا أجر الموقوف عليه العين الموقوفة عليه مدة.. فهل تصح الإجارة؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ 334]: أحدهما: لا تصح الإجارة؛ لأنه لا يملك العين، وإنما يملك منفعتها مدة حياته، ولعله يموت قبل مضي مدة الإجارة، فلم تصح الإجارة، كما لو استعار عينًا من غيره مدة، وأجرها.
والثاني: يصح، وهو قول البغداديين من أصحابنا، وهو المشهور؛ لأن منفعة الوقف الآن حق له، فجاز له العقد عليها، كما لو استأجر عينًا، ثم أجرها.

وهذان الوجهان إنما هما إذا جعل الواقف النظر للموقوف عليه، أو لم يجعل الواقف النظر إلى أحد، وقلنا: إن النظر فيه يكون للموقوف عليه.
فأما إذا جعل الواقف النظر في الوقف على أهل البطون إلى رجل، فأجر الوقف عليهم مدة.. صحت الإجارة، وإذا مات أهل البطن الأول.. استحق أهل البطن الثاني أجرة العين من حين انتقال الوقف إليهم، ولا تبطل الإجارة بموت أهل البطن الأول، وجهًا واحدًا.
وأما إذا كان النظر في الوقف للموقوف عليه، فأجر الوقف مدة، وقلنا: تصح، ثم مات الموقوف عليه قبل انقضاء مدة الإجارة.. فهل تبطل الإجارة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تبطل، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق؛ لأنه أجر عينًا ملك عقد الإجارة عليها، فلم تبطل بموته، كما لو أجر عينًا يملكها مدة، ثم مات قبل انقضاء المدة.
والثاني: تبطل بموت الموقوف عليه الأول؛ لأن منافع الوقف بعد موت الأول حق للثاني، فلا ينفذ عقده عليها من غير إذن ولا ولاية.
ويفارق إذا أجر ملكه ثم مات؛ لأن الوارث يملك من جهة المورث، وقد زال ملك المورث عن المنفعة، والموقوف عليه الثاني يملك من جهة الواقف، فلا ينفذ عقد الأول.
فإذا قلنا: لا تبطل الإجارة، فإن كان ما يخص البطن الثاني من الأجرة على المكتري لم يقبضه منه الأول.. أخذه منه الثاني، وإن كان الأول قد قبضه من المكتري.. رجع الموقوف عليه الثاني بذلك في تركة الأول؛ لأنه لما لزم الثاني عقد الأول.. لزمه قبضه.
وإذا قلنا: تبطل الإجارة فيما بقي من المدة.. فهل تبطل فيما مضى؟ فيه طريقان:

فـ[الأول]: إذا قلنا: تبطل.. كان للموقوف عليه الأول أجرة المثل؛ لما مضى.
و [الثاني]: إن قلنا: لا تبطل.. ثبت للمكتري وورثة الأول الخيار في فسخ عقد الإجارة، فإن فسخاه أو أحدهما.. كان لورثة الأول أجرة المثل فيما مضى، وإن لم يفسخه واحد منهما.. كان لهم بقسط ما مضى من المدة من المسمى.

فرع: بلوغ الصبي يؤثر في الإجارة

وإن أجر رجل صبيًا له عليه ولاية، أو أجر ماله مدة، ثم بلغ الصبي قبل انقضاء المدة.. فهل تنفسخ الإجارة؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا تنفسخ، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق؛ لأنه عقده في حال ولايته عليه، فصار كما لو زوجه، ثم بلغ.
ومنهم من قال: تنفسخ؛ لأنه بان بالبلوغ أن تصرف الولي عليه إلى هذا الوقت.
ومنهم من قال: ينظر فيما عقد عليه الولي من المدة: فإن تحقق أن الصبي يبلغ قبل انقضائها، مثل: أن يكون له أربع عشرة سنة، فأجره سنتين.. فإنه لا يصح في السنة الأخيرة؛ لأنه يتحقق أنه يبلغ بخمس عشرة سنة، وهل يصح في الأولى؟ على قولين في تفريق الصفقة.
وإن كانت مدة لا يتحقق بلوغه فيها، مثل: أن يؤجره وله أربع عشرة سنة، فبلغ فيها بالاحتلام.. لم تنفسخ الإجارة، وكانت لازمة له.
قال ابن الصباغ: وعندي: أن الوجهين الأولين إنما هما إذا كانت مدة الإجارة لا يتحقق بلوغه فيها، وأما إذا كان يتحقق بلوغه فيها.. فلا يلزم بعقد الولي؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يعقد على منافعه طول عمره، ويفارق النكاح؛ لأن النكاح لا يمكن تقدير مدة فيه.
وبالله التوفيق

باب تضمين المستأجر والأجير

إذا استأجر عينًا لمنفعة فقبضها، فتلفت في يده مدة الإجارة من غير فعله.. لم يلزمه ضمانها؛ لأنه قبضها لمنفعة يستحقها، فهو كما لو اشترى ثمرة نخلة، فتلفت النخلة حال أخذه الثمرة، وإن تلفت بفعله.. نظرت: فإن كان فعلًا جائزًا، كضرب البهيمة المعتاد للمشي، وكبحها المعتاد باللجام.. لم يلزمه ضمانها، وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: (يلزمه ضمانها، كما لو ضرب زوجته فماتت).
دليلنا: أن الضرب والكبح المعتاد معنى تضمنه عقد الإجارة، فلم يكن موجبًا للضمان، كالركوب، ويخالف ضرب الزوجة، فإنه كان يمكنه تخويفها وزجرها بالكلام، بخلاف الدابة.
وإن كان فعلًا غير جائز، بأن ضربها ضربا غير معتاد، أو كبحها كبحًا غير معتاد، فماتت.. لزمه ضمانها؛ لأنه متعد بذلك، فلزمه ضمانها كما لو ذبحها.
مسألة: [استأجر ظهرًا مسافة فزاد عليها]: وإن اكترى ظهرًا ليركبه من الجند إلى عدن، فركبه إلى عدن، ثم ركبه من عدن إلى أبين.. فإن عليه الأجرة المسماة إلى عدن؛ لأنه ملك ذلك عليه، وعليه

أجرة المثل بركوبه من عدن إلى أبين.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه أجرة المثل لما زاد).
بناء على أصله: أن المنافع لا تضمن بالغصب.
وقد مضى ذلك.
وقال مالك: (إذا جاوز بها إلى مسافة بعيدة، مثل: أن اكتراها من بغداد إلى واسط، فركبها إلى البصرة.. فصحابها بالخيار: بين أن يطالبه بأجرة المثل، وبين أن يطالبه بقيمتها يوم التعدي).
دليلنا [على أبي حنيفة]: أنه استوفى أكثر مما استحقه، فهو كما لو اشترى من رجل عشرة أقفزة فقبض منه خمسة عشر قفيزًا.
وعلى مالك: لأن العين قائمة، فلا يطالب بقيمتها، كما لو كانت المسافة قريبة.
وأما وجوب ضمان الظهر على المكتري: فإنه يضمنه من حين جاوز من عدن إلى أبين؛ لأنه تعدى بالمجاوزة، فإن رده من أبين إلى عدن.. فإنه لا يزول عنه الضمان حتى يرده إلى يد مالكه أو وكيله، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وفرَّقا بينها وبين الوديعة بأنه إذا تعدى فيها، وردها إلى الحرز.. زال عنه الضمان؛ لأن الوديعة مأذون في إمساكها، والظهر غير مأذون له في إمساكه بعد العود.
وقال محمد، وزفر: يزول عنه الضمان في الإجارة إذا رده إلى الموضع الذي اكترى إليه، كما قالوا في الوديعة إذا ردها إلى الحرز.
دليلنا: أنه ضمنها بالتعدي، فلا يزول الضمان عنه بالرد إلى المكان، كما لو غصب عينًا، وردها إلى المكان الذي غصبها منه.
وإن مات الظهر.. نظرت:

فإن مات في المسافة التي استأجر إليها.. لم يلزمه ضمانه؛ لأنه أمانة في يده.
وإن مات بعد أن جاوز به المكان الذي استأجر إليه.. نظرت: فإن كان صاحبها معها، بأن كانا لما بلغا إلى عدن جاوز بها المستأجر إلى أبين وصاحبها ساكت يسير معها.. فإن المكتري لا يضمنها باليد؛ لأن يد صاحبها عليها؛ لأنه لم تزل يده عنها، فهو كما لو سرق الرجل جملًا وعليه خز.. فإنه لا يضمنه.
فإن نزل المستأجر عن الدابة، وتلفت بعد نزوله عنها، أو مضى بها صاحبها لسقيها، فتلتف في يده.. لم يجب على المكتري الضمان؛ لأنها تلفت في يد صاحبها.
وإن تلفت والمكتري راكب عليها.. فالظاهر أنها تلفت من فعلين: أحدهما: لا يوجب الضمان، وهو ركوبه لها إلى المكان الذي اكترى إليه.
والثاني: يوجب الضمان، وهو ركوبه لها بعد المجاوزة، فيلزمه الضمان، وفي قدر ما يلزمه قولان: أحدهما: يلزمه نصف قيمته؛ لأن الظهر تلف من جائز وغير جائز، فلزمه نصف قيمتها، كما لو جرحه مالكه، وجرحه المكتري، ومات.
والثاني: تسقط القيمة على المسافتين، فما قابل المسافة التي اكترى إليها.. لا تجب عليه، وما قابل المسافة التي تعدى بها.. تجب عليه؛ لأنه يمكن التقسيط للقيمة عليهما.
وأصل هذه المسألة: إذا أمر الإمام الجلاد أن يجلد رجلًا ثمانين جلدة في القذف، فجلده إحدى وثمانين، فمات المجلود.. فكم يضمن الجلاد؟ على قولين: أحدهما: نصف الدية.
والثاني: جزءًا من إحدى وثمانين جزءًا من الدية.

وسئل الشيخ أبو حامد عمن سخر رجلًا مع بهيمته، فتلفت البهيمة في يد صاحبها؟ فقال: لا يضمنها الغاصب؛ لأنها في يد صاحبها.
وأما إذا لم يكن المكري مع الظهر، فتلف الظهر في يد المكتري بعد أن جاوز به المكان الذي اكترى إليه.. فإنه يلزمه جميع قيمته أكثر ما كانت من حين جاوز به إلى أن تلف؛ لأنه تعدى بذلك، وقد تلف في يده، فهو كالغاصب.

[فرع: اكتريا ظهرًا فركب ثالث]

وإن اكترى رجلان ظهرًا ليركباه، فركباه، وارتدف معهما ثالث بغير إذن، فتلف الظهر.. وجب على المرتدف الضمان؛ لأنه تعدى بذلك.
وفي قدر ما يلزمه ثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه نصف قيمة الظهر؛ لأنه تلف من جائز وغير جائز.
والثاني: يلزمه ثلث قيمته؛ لأن الرجال لا يوزنون، فيقسط على عددهم.
والثالث: تقسط القيمة على أوزانهم؛ لأنه يمكن وزنهم.
فرع: [اكترى مركبة ليحمل عليها وزنًا معينًا]: إذا اكترى منه بهيمة ليحمل عليها عشرة أقفزة إلى بلد، فحمل عليها طعامًا، فكيل، فوجد أحد عشر قفيزًا، فإن كانت تلك الزيادة حصلت بفعل المكتري، بأن كان المكتري هو الذي كال الطعام، وحمله على البهيمة، وساقها، فتلفت البهيمة.. فإنه يجب على المكتري الأجرة المسماة لحمل العشرة الأقفزة، ويجب عليه أجرة

المثل بحمل ما زاد على عشرة، كما لو اكتراه إلى بلد، فجاوز به إلى غيره، ويجب عليه جميع قيمة البهيمة؛ لأنها تلفت تحت يده بعدوانه، وإن كان صاحبها معها.. لزم المكتري الضمان؛ لما تعدى به من حمله على البهيمة أكثر مما يستحقه.
وفي قدر ما يلزمه من الضمان قولان: أحدهما: نصف قيمتها.
والثاني: يقسط الزائد، بناء على القولين في الجلاد إذا جلد إحدى وثمانين.
وليس للمكتري أن يطالب المكري برد الزيادة إلى البلد الذي اكترى منه.
وأما إن كانت الزيادة حصلت بفعل المكري، بأن فوض المكتري إليه أن يكيل عشرة أقفزة، ويحملها على بهيمة، فكال المكري أحد عشر قفيزًا، وحملها على بهيمته.. فإنه غاصب لما زاد على العشرة؛ لأنه قبضه بغير إذن مالكها، ولا تجب له أجرة بحمله؛ لأنه متطوع بحمله، فإن تلفت البهيمة.. لم يلزم المكتري ضمانها؛ لأنها تلفت بفعل صاحبها، وللمكتري أن يطالب المكري برد ما زاد على العشرة إلى البلد الذي اكترى منه؛ لأنه حمله بغير إذنه، وليس للمكتري إجباره على رده، بل لو اختار إقراره في البلد الذي حمله إليه.. كان له؛ لأنه عين ماله.
وإن لقيه المكتري في البلد الذي حمل منه الطعام.. فهل له أن يطالبه ببدل الطعام إلى أن يرد إليه طعامه؟ نقل المزني: (أن له مطالبته ببدله).
وقال في " الأم ": (له مطالبته برده).
وقد قيل: له المطالبة ببدل الطعام.
ومن أصحابنا من قال: له المطالبة ببدله إلى أن يرد إليه طعامه، كمن غصب من رجل عبدًا، فأبق منه.
ومنهم من قال: ليس له المطالبة ببدله؛ لأن عين ماله باقية يمكن ردها، ويفارق الآبق، فإنه لا يمكن رده، والذي حكاه الشافعي فليس بمذهب له.
وأما إذا كال المكتري أحد عشر قفيزًا، وحملها المكري على بهيمته، ولم يعلم.. ففيه وجهان:

أحدهما: أن حكمه حكم ما لو كاله المكتري، وحمله على البهيمة؛ لأن التدليس حصل بالكيل؛ لأن المكري لم يعلم به.
والثاني: أن حكمه حكم ما لو كاله المكري، وحمله على البهيمة؛ لأنه مفرط في ذلك، وكان الاحتياط أن لا يحمل إلا بعد المعرفة بقدره.
وهذان الوجهان مأخوذان من القولين فيمن سم طعامه، وقدمه إلى غيره، فأكله.
قال أبو إسحاق: وهذا إذا كانت الزيادة بحيث يمكن الاحتراز منها، ولا يقع التفاوت فيها بين الكيلين، وأما إذا كانت يسيرة لا يمكن الاحتراز منها، ويقع مثلها في الكيلين، مثل: أن يزيد مكوكًا أو مكوكين.. فلا يكون لها حكم في أجرة ولا ضمان ولا رد؛ لأن ما يقع في المكيال في العادة من الغلط يعفى عنه، كما يعفى عن الغبن الذي يتغابن الناس بمثله في بيع الوكيل.
وإن كانت الزيادة بفعل أجنبي، بأن استأمنه المكتري والمكري على أن يكيل عشرة أقفزة، ويحمله على البهيمة، فكال عليها أحد عشر قفيزًا، وحمله عليها.. فإنه يجب عليه أجرة المثل للزيادة للمكري، ويجب عليه ضمان البهيمة إن تلفت، ويجب عليه رد الزيادة للمكتري إلى البلد الذي حمل منه؛ لأنه تعدى بمال كل واحد منهما، فتعلق لكل واحد منهما حكم التعدي في ماله.

فرع: اختلاف المكري والمكتري في وزن الحمل

وإن اختلف المكري والمكتري في الزيادة، بأن قال المكتري: أنا حملت عليها أحد عشر قفيزًا، وقال المكري: بل حملت أنت عليها عشرة أقفزة، وحملت عليها لنفسي قفيزًا.. قال الشيخ أبو حامد: فالقول قول المكري مع يمينه؛ لأن يده عليها.
قيل له: وإن كان المكتري مع الطعام؟ قال: نعم؛ لأن ذلك على بهيمة المكري ويده عليها وعلى المتاع الذي عليها.

[فرع: اكترى أرضًا ليزرعها حنطة فزرع غيرها]

]: وإن اكترى أرضًا ليزرعها حنطة، فزرعها ما هو أضر من الحنطة، بأن زرعها ذرة أو دخنًا.. فاختلف أصحابنا فيما يلزمه من الأجرة: فقال الشيخ أبو إسحاق: هي على قولين: أحدهما: يلزمه أجرة المثل للأرض؛ لأنه تعدى بالعدول عن المعقود عليه إلى غيره، فلزمه أجرة المثل، كما لو استأجر أرضًا ليزرعها وزرع غيرها.
والثاني: يلزمه الأجرة المسماة وأجرة المثل للزيادة؛ لأنه استوفى ما استحقه وزيادة، فأشبه إذا استأجر ظهرًا إلى مكان، فجاوز به.
وقال الشيخ أبو حامد: فيه قولان: أحدهما: يلزمه المسمى وأجرة المثل للزيادة.
والثاني: أن المكري بالخيار: إن شاء.. أخذ المسمى وأجرة المثل للزيادة، وإن شاء.. أخذ أجرة المثل للجميع.
وقال القاضي أبو حامد: المسألة على قول واحد، وأن المكري بالخيار: إن شاء.. أخذ المسمى وأجرة المثل للزيادة، وإن شاء.. أخذ أجرة المثل للجميع؛ لأنه أخذ شبهًا ممن اكترى أرضًا، فزرع غيرها، وشبهًا ممن اكترى ظهرًا إلى مكان، فجاوز به إلى غيره، فخير بين موجبيها.
وإن اكترى ظهرًا ليحمل عليه مائة منا قطنًا، فحمل عليه مائة منا حديدًا.. فهو كما لو اكترى أرضًا ليزرعها حنطة، فزرعها دخنًا على ما مضى من الخلاف.
والذي

يقتضيه المذهب: أن الأرض والبهيمة إذا تلفتا تحت يد المكتري.. وجب عليه ضمانهما؛ لأنه تعدى بما فعله، فصار ضامنًا لهما بذلك.

مسألة: تلف العين بيد الأجير

وإن استأجر رجل رجلًا ليعمل له في عين، فتلفت العين في يد الأجير.. نظرت: فإن كان بتفريط من الأجير، مثل: أن استأجره ليخبز له، فألزق الخبز قبل أن يسكن حمي التنور أو الفرن ويهدأ لهبه، أو ترك الخبز فيه أكثر مما يترك في العادة، فاحترق.. ضمنه بكل حال؛ لأنه هلك بعدوانه.
وإن هلك بغير تفريط من الأجير.. نظرت: فإن كان يعمل في ملك المستأجر، مثل: أن استدعى خياطًا إلى داره أو دكانه ليخيط له، أو استدعى صباغًا إلى ملكه ليصبغ له، أو لم يكن في ملكه، إلا أنه واقف مع الأجير مشاهد له، فتلفت العين من غير تفريط من الأجير.. فلا يجب على الأجير ضمانها، قولًا واحدًا؛ لأن يد المالك ثابتة على عين ماله حكمًا، فهو كما لو أجر رجلًا دابة ليركبها، فركبها وصاحبها معها.
وإن لم تكن يد صاحبها عليها، مثل: أن كان الخياط يخيط في ملك نفسه، والمستأجر غائب عنه، فتلفت العين من غير تفريط من الأجير.. فهل يجب على الأجير الضمان؟ ينظر فيه: فإن كان أجيرًا مشتركًا.. ففيه قولان: أحدهما: يجب عليه الضمان، وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، وروي ذلك عن عمر، وعلي.
ووجهه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، ولأنه قبض العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق، فضمنها، كالعارية.

فقولنا: (لمنفعة نفسه) احتراز من الوديعة.
وقولنا: (بغير استحقاق) احتراز من الرهن ومن العين التي استأجرها.
والثاني: لا يجب عليه الضمان، وبه قال عطاء، وطاوس، وزفر، وأحمد، وإسحاق، والمزني.
وهو الصحيح؛ لأنها عين قبضها بعقد الإجارة، فلم يضمنها من غير تعد، كالعين المستأجرة، أو لأنها عين قبضها لمنفعة نفسه ومنفعة المالك، فلم يضمنها من غير تعد فيها، كمال القراض والنخل في المساقاة.
وقال الربيع: كان الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يذهب إلى: أنه لا ضمان على الأجير، قولًا واحدًا، وإنما كان لا يبوح به لفساد الصناع.
هذا مذهبنا.
وقال أبو يوسف، ومحمد: إن تلفت العين بأمر ظاهر، كالحريق، والنهب.. فلا ضمان عليه، وإن تلفت بغير ذلك.. ضمن.
وقال أبو حنيفة: (إن تلفت بفعله.. ضمنها وإن كان الفعل مأذونًا فيه، وإن تلفت بغير فعله.. فلا ضمان عليه).
وتوجيه القولين دليل عليهم.
وإن كان الأجير منفردًا.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هو على قولين.
وهو المنصوص؛ لأن الشافعي قال: (والأجراء كلهم سواء).
ومنهم من قال: لا يجب عليه الضمان، قولًا واحدًا، كما لو كان العمل في دكان المستأجر.
إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في صفة الأجير المشترك والمنفرد: فمنهم من قال: (المشترك): هو الذي استأجره على عمل في ذمته؛ لأن لكل أحد أن يستأجره على عمل في ذمته، وهو مشترك بين الناس.
و (المنفرد): هو الذي استأجره ليعمل له مدة؛ لأنه لا يجوز لغيره أن يستأجره في تلك المدة، فقد انفرد بها.
ومنهم من قال: (المشترك): هو أن يستأجره ليعمل له شيئًا، وقال له: اعمله في أي موضع شئت، فيجعله شريكًا في الرأي والتدبير.
و (المنفرد): أن يستأجره

ليعمل له شيئًا، وقال: اعمله في هذا الموضع، ولا تعمله في غيره.
والصحيح هو الأول.

[فرع: استأجر معلمًا ليعلم صبيًا]

وإن استأجر رجلًا ليعلم له صبيًا.. فللمعلم أن يضربه ويؤدبه على التعليم؛ لأن العادة جرت به.
فإن مات الصبي منه.. وجب على الأجير ضمانه، قولًا واحدًا؛ لأنه قد كان يمكنه تأديبه بالتخويف والزجر بالقول، بخلاف البهيمة، حيث قلنا: إذا ضربها المستأجر ضربًا معتادًا، فماتت منه.. لم يجب عليه ضمانها؛ لأنه لا يمكن زجرها بغير ذلك.
وإن مات الصبي في يد المعلم من غير فعل منه، فإن كان حرًا.. لم يجب عليه ضمانه، قولًا واحدًا؛ لأن يده ثابتة على نفسه، وإن كان مملوكًا.. فعلى قولين؛ لأن يد المعلم تثبت على المملوك.

فرع: لا يد للحجام على الحر

ولا يد للحجام على الحر، فإن مات بغير تعد من الحجام فيه.. لم يجب عليه ضمانه، قولًا واحدًا؛ لأن يد الحر ثابتة على نفسه، وإن كان المحجوم مملوكًا، فمات وهو في يد الحجام بغير تعد منه فيه.. فهل يجب عليه ضمانه؟ فيه قولان، كالبهيمة.
وإن استأجر رجلًا ليرعى له غنمًا، فتلفت في يد الأجير من غير تفريط منه، فإن كان يرعاها في ملك صاحبها، أو في غير ملكه إلا أن مالكها مشاهد لها.. لم يجب على الراعي ضمانها، قولًا واحدًا، وإن كان يرعاها في موات، أو في ملك الأجير ومالكها غير مشاهد لها.. فهل يجب عليه ضمانها؟ فيه قولان.
وإن استأجر له رجلًا ليحفظ له متاعًا في دكانه.. لم يضمنه الأجير من غير تفريط منه، قولًا واحدًا؛ لأنه في ملك صاحبه.

[فرع: استأجر سائسًا ليروض دابته]

وأن استأجر رواضًا ليروض له دابة.. فله أن يضربها ويكبحها باللجام، ويحمل عليها في السير أكثر مما يكون لمستأجر الدابة؛ لأن القصد تأديبها، وذلك لا يحصل إلا بذلك، فإن فعل ذلك وماتت منه، فإن كانت في ملك صاحبها، أو كان مشاهدًا لها.. لم يجب على الرائض ضمانها، قولًا واحدًا؛ لأن يد صاحبها عليها، وإن كان في غير ملك صاحبها وهو غائب عنها.. فهل يجب على الأجير ضمانها؟ فيه قولان.
وإن ضربها، أو كبحها، أو حمل عليها في السير أكثر مما جرت عادة الرواض به، فماتت.. ضمنها، قولًا واحدًا؛ لأنه متعد بذلك.

فرع: ما يضمنه الأجير

وأما قدر ما يضمنه الأجير.. فينظر فيه: فإن استأجره ليعمل له في عين في ملكه أو غير ملكه وهو مشاهد لها.. فقد قلنا: إنه لا يضمنها الأجير إلا بالتعدي فيها، فإن تعدى الأجير فيها، ثم أتلفها.. قال الشيخ أبو حامد: فإنه يلزمه قيمتها يوم الإتلاف لا يوم التعدي؛ لأنه إذا تعدى فيها وهي باقية.. فيد مالكها عليها، فزال تعديه بثبوت يد صاحبها عليها.
وإن كان الأجير يعمل في غير ملك المستأجر والمالك غير مشاهد لها، فإن قلنا: إن يده يد أمانة فتعدى فيها.. لزمه قيمتها أكثر ما كانت من حين التعدي إلى أن تلفت.
وإن قلنا: إن يده ضمان.. لزمه قيمتها أكثر ما كانت من حين قبضها إلى أن تلفت.
ومن أصحابنا من قال: يجب قيمتها يوم التلف إلا أن يتعدى بها.. فيلزمه على هذا قيمتها أكثر ما كانت من حين تعدى بها إلى أن تلفت.
والأول أصح.
وأما وجوب الأجرة للأجير إذا تلفت العين بعد أن عمل جميع العمل أو بعضه.. فينظر فيه:

فإن كان العمل في ملك المستأجر أو في غير ملكه وهو مشاهد لها.. استحق الأجير أجرة ما عمل؛ لأنه كلما عمل الأجير شيئًا.. صار قابضًا له.
قال الشيخ أبو حامد: إلا أن يكون الأجير تعدى في العين حين ابتدأ في العمل، فإنه لا يستحق أجرة ما عمل؛ لأنه متعد حين العمل، فلم يستحق أجرة.
وإن كان العمل في ملك الأجير والمستأجر غير مشاهد له.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو إسحاق: إن قلنا: إنه أمين.. لم يستحق الأجرة؛ لأنه لم يسلم العمل، وإن قلنا: إنه ضامن.. استحق عليه الأجرة؛ لأنه يقوم عليه معمولًا، فيصير بالتضمين مسلمًا للعمل، فاستحق الأجرة.
وقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: لا يستحق الأجير الأجرة على القولين، وإن كان قد أخذ الأجرة.. ردها؛ لأن الأجرة إنما تستقر له بتسليم العمل، ولم يسلم له شيئًا من العمل.

[فرع: استأجر حائكًا لينسج غزله]

قال ابن الصباغ: إذا دفع إلى حائك غزلًا، واستأجره لينسجها له ثوبًا طوله عشرة أذرع في عرض أربعة، فنسجه دون الطول والعرض المذكورين.. استحق من الأجرة بحصة ما عمل من المسمى، وإن نسجه أكثر مما قدر له.. لم يستحق زيادة على المسمى.
وقال محمد بن الحسن: إذا جاء به أكثر من الذرع المشروط أو أقل.. فصاحب الثوب بالخيار: بين أن يطالبه بمثل غزله ويدفع إليه الثوب، وبين أن يدفع إليه بحسابه من الأجرة؛ لأن غرضه لم يسلم له.
وهذا غير صحيح؛ لأنه استأجره ليعمل له عملًا، فعمل له بعضه فاستحق بقدره من الأجرة، كما لو استأجرة ليضرب له لبنا معلومًا، فضرب له بعضه.

[فرع: استأجره لينسج ثوبًا صفيقًا]

قال الطبري: وإن استأجره لينسج له غزلًا ثوبًا صفيقًا، فنسجه رقيقًا.. فله أجرة المثل، وإن استأجره لينسجه رقيقاُ، فنسجه صفيقًا.. فله المسمى، ولا شيء له للزيادة في العمل.
وقال أبو حنيفة: (يضمن قيمة الغزل في الحالين، والثوب له).
دليلنا: أن ما عمله من جنس ما استؤجر عليه، والنقص عن المشروط عبث بمال الغير، فاقتضى ضمانًا، ولا ينقل الملك قهرًا، والزيادة التي أحدثها متطوع بها، فلم يستحق لأجلها أجرة.
وإن جحد النساج الغزل، ثم نسجها ثوبًا.. فالثوب لمالك الغزل، ولا شيء للأجير.
وقال أبو حنيفة: (الثوب للنساج، وعليه قيمة الغزل).
دليلنا: أنه صار ضامنًا له بالجحود، فلا يستحق أجرة بعد ذلك، ولا يملكها، كالغاصب.

[فرع: استأجره بريدًا]

وإن استأجر رجلًا ليحمل له إلى رجل كتابًا، ويرد الجواب، فأوصل الأجير الكتاب إلى المكتوب إليه، فمات المكتوب إليه قبل رد الجواب.. فللأجير من الأجرة بقدر ذهابه.
وقال أبو حنيفة: (لا شيء له).
دليلنا: أنه عمل بعض ما استؤجر عليه على مقتضى الأمر، فاستحق من الأجرة بقدر ما عمل، كما لو كتب إلى جماعة، فأوصل إليهم، فرد بعضهم الجواب دون بعض.

وإن استأجره ليحمل له الكتاب إلى رجل، ولم يقل: وترد الجواب، فلم يجد الأجير المكتوب إليه.
استحق الأجير الأجرة.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحق).
دليلنا: أنه عمل المعقود عليه؛ لأن عليه قطع المسافة بالكتاب، فاستحق الأجرة، كما لو وجد المكتوب إليه، فدفع إليه الكتاب، فامتنع من أخذه.

مسألة: إتلاف الخياط القماش

إذا دفع إلى رجل ثوبًا، وقال: إن كان يكفيني للقميص فاقطعه لي قميصًا، فقطعه، فلم يكفه.. لزم القاطع الضمان، لأنه أذن له بالقطع بشرط، وقد قطعه من غير وجود الشرط، فضمنه.
وإن قال: أيكفينى للقميص؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه لي قميصًا، فقطعه، فلم يكفه.. لم يلزم القاطع الضمان؛ لأنه قطعه بإذن مطلق.
وإن دفع إلى رجل ثوبًا، فقال: استأجرتك لخياطته، فإن خطته روميًا فلك درهمان، وإن خطته فارسيًا فلك درهم.. فالأجرة فاسدة.
وقال أبو حنيفة: (الأجرة صحيحة).
دليلنا: أن المنفعة المعقود عليها غير معينة، فلم تصح، كما لو قال: بعتك أحد هذين العبدين، أو بعتك هذا الثوب بدرهم، أو هذا العبد، أو هذين العبدين بدرهمين.

فرع: أجرة الحمامي

واختلف أصحابنا فيما يأخذه الحمامي: فمنهم من قال: هو ثمن الماء، وهو متطوع بحفظ الثياب، ومعير للسطل.

فعلى هذا: لا يضمن الحمامي الثياب إذا تلفت من غير تفريط، وله عوض السطل إذا تلف بكل حال.
ومنهم من قال: هو أجرة الدخول والسطل ولحفظ الثياب.
فعلى هذا: لا يضمن الداخل السطل إذا تلف بغير تعد منه.
وهل يضمن الحمامي الثياب إذا لم يفرط فيها؟ على قولين؛ لأنه أجير مشترك.

[مسألة: ارتكاب الأجير محظورًا في الحج]

إذا ارتكب الأجير في الحج شيئًا من محظورات الحج، بأن تطيب أو لبس.. وجبت الفدية في ماله؛ لأنها جناية، فكان بدلها عليه.
وإن استأجره ليقرن عنه أو يتمتع.. فإن الدم يجب على المستأجر؛ لأنه وجب بإذنه.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] فيها قولًا مخرجًا: أنه يجب على الأجير، كدم الجبرانات.
والأول هو المشهور.
فإن شرط المستأجر: أن دم القران والتمتع على الأجير.. بطلت الإجارة؛ لأنه في معنى بيع وإجارة، إلا أن الهدي مجهول، فلذلك لم يصح، قولًا واحدًا.

فرع: إفساد الأجير الحج

وإن أفسد الأجير الإحرام بالوطء.. فإن الإحرام ينقلب إلى الأجير، وعليه أن يمضي في فساده، ويلزمه بدنة، ويلزمه القضاء.
وقال المزني: لا ينقلب إلى الأجير، بل يمضي فيه الأجير عن المستأجر، ولا يجب القضاء على أحدهما؛ لأن الحج لا يجوز أن ينعقد عن شخص وينقلب إلى

غيره، ولا يجب القضاء على الأجير؛ لأن الحج فسد على غيره ولا على المستأجر؛ لأنه لم يفسد.
وهذا خطأ؛ لأنه أتى بالحج على غير الوجه المأذون فيه، فوقع عنه، كما لو وكله أن يشتري له عينًا بصفة، فاشترى له عينًا بغير تلك الصفة، وهل تنفسخ الإجارة؟ قال ابن الصباغ: إن كانت الإجارة على حج الأجير بنفسه.. انفسخت الإجارة؛ لأن المعقود عليه حجه بنفسه في هذه السنة، وقد فات ذلك، وإن كانت الإجارة على حج في الذمة.. فهل يثبت للمستأجر الخيار؟ ينظر فيه: فإن كانت الإجارة عن حي.. ثبت له الخيار؛ لأنه يستفيد بذلك التصرف بالأجرة.
وإن كانت الإجارة عن ميت من ماله.. ففيه وجهان: [الأول]: قال الشيخ أبو حامد: يثبت للمستأجر الخيار؛ لأن له فائدة في الفسخ، وهو أنه يتعجل عنه الاستئجار في السنة الثانية؛ لأن الأجير يقضي فيها عما أفسده.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: لا يثبت له الخيار؛ لأنه لا بد من استئجار غيره.
وأما قضاء الأجير في الثانية: فإنه يمكنه أن يستأجر من يحج عن الميت؛ لأن الإجارة في ذمته.

فرع: إحصار الأجير

]: وإن أحرم الأجير عن المستأجر، وأتى ببعض النسك، ثم أحصر.. فإنه يتحلل، وعمن يقع ما فعله قبل التحلل؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: [أحدهما]: قال الشيخ أبو حامد: يقع عن المستأجر؛ لأنه أتى به على الوجه المأذون فيه، بخلاف الإفساد.
و [الثاني]: قال القاضي أبو الطيب: يقع عن المحصر، والدم عليه.
قال ابن الصباغ: وهو الأقيس.
وهل يكون له شيء من الأجرة؟ على قولين، كما لو مات.

وإن لم يتحلل الأجير، وأقام حتى فات الحج وزال الحصر.. قال ابن الصباغ: انقلب إلى الأجير في قول الشيخ أبي حامد والقاضي، ويتحلل بعمل عمرة، ولا يستحق الأجرة على ما فعل بعد الفوات؛ لأنه فعل ذلك ليتحلل من إحرامه.
وهل يستحق الأجرة لما فعله قبل الإحرام؟ على قولين.
فرع: [استأجره ليحرم من ميقات معين]: وإن استأجره ليحرم عنه من ميقات طريق، فسلك الأجير طريقًا آخر، فأحرم من ميقاتها.. أجزأ عن المحجوج عنه، ولا يلزم الأجير الدم، ولا يرد شيئًا من الأجرة وإن كان الميقات الذي أحرم منه أقرب إلى الحرم؛ لأن الشرع جعل هذه المواقيت يقوم بعضها مقام بعض من غير نقص.
وإن أحرم عنه من دون الميقات، أو استأجره ليحرم عنه من موضع فوق الميقات، فجاوز ذلك الموضع، وأحرم دونه.. لزم الأجير دم؛ لأنه ترك الإحرام من موضع لزمه الإحرام منه، وهل يلزمه أن يرد شيئًا من الأجرة؟ روى المزني: (أنه يرد بقدره من الأجرة).
وقال في القديم: (أراق دمًا).
ولم يتعرض للأجرة.
واختلف أصحابنا فيها: فمنهم من قال: فيها قولان: أحدهما: يرد؛ لأنه ترك بعض ما استؤجر عليه.
والثاني: لا يرد؛ لأن ما تركه قد انجبر بالدم، فهو كما لو تطيب أو قتل صيدًا.
ومنهم من قال: يرد، قولًا واحدًا، وسكوته عن الأجرة لا يدل على أنه لا يرد منها شيئًا.
فعلى هذا: يقال: كم أجرة حجه من الميقات أو من الموضع الذي عينه؟ وكم أجرة حجه من الموضع الذي أحرم منه؟ وينظر ما بينهما، فيرد من المسمى مثل تلك النسبة.

فرع: [استأجره في اليمن ليحرم بحج]: وإن استأجر رجل رجلًا من اليمن ليحرم عنه بالحج من الميقات، فلما بلغ الأجير الميقات، أحرم بعمرة عن نفسه، فلما تحلل عنها، أحرم عن المستأجر بحجة من مكة.. لزم الأجير الدم، لا لأجل المنفعة ـ لأنهما عن شخصين ـ ولكن لأجل أنه ترك الإحرام عن المستأجر من الميقات، وهل يلزم الأجير أن يرد شيئًا من الأجرة؟ على ما مضى من الطريقين.
فإذا قلنا: يلزمه أن يرد.. فكيف يقسط؟ فيه قولان: قال في " الأم ": (يلزمه أن يرد ما بين حجه من الميقات وبين حجه من مكة، بأن يقال: كم أجرة حجة يحرم بها من الميقات؟ فإن قيل: عشرة.. قيل: فكم أجرة حجة يحرم بها من مكة؟ فإن قيل: تسعة.. لزمه أن يرد عشر المسمى؛ لأن الحج إنما هو من الميقات، وما قبله ليس بحج).
وقال في " الإملاء ": (تقسط الأجرة هاهنا على المسافة والعمل).
فيقال: كم أجرة حجة يسافر لها من اليمن، ويحرم بها من الميقات؟ فإن قيل: عشرون.. قيل: وكم أجرة حجة يسافر لها من اليمن، ويحرم بها من مكة؟ فإن قيل: عشرة.. لزمه أن يرد نصف المسمى؛ لأنه استأجره على عمل وسفر، وقد جعل السفر عن نفسه، فرد ما في مقابلته.
والفرق بين هذه المسألة على هذا القول والتي قبلها: أن هاهنا صرف المسافة إلى نفسه؛ لأنه اعتمر عن نفسه من الميقات، وفي التي قبلها لم يصرف المسافة إلى نفسه، بل قطعها عن المستأجر؛ لأنه أحرم بالنسك عنه، وإنما ترك بعض العمل.
هذا ترتيب الشيخ أبي حامد.
قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من قال: تقسط على حجة من اليمن وحجة من مكة؛ لأن سفره كان لنفسه.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأنه لا يعلم ذلك.

فإن فرغ المعتمر من عمرته، ورجع إلى الميقات، فأحرم منه بحجة عن المستأجر.. قال الشيخ أبو حامد: فعلى قوله في " الأم ": (لا يرد شيئًا)، وعلى قوله في " الإملاء ": (يرد ما بين الموضع الذي استأجره منه وبين الميقات).

[فرع: استأجره لحج فترك واجبًا]

وإن استأجره للحج، فحج عنه وترك المبيت والرمي.. لزمه من الدماء ما يلزمه إذا ترك ذلك في حجة نفسه، وهل يرد من الأجرة شيئًا؟ على الطريقين فيمن أحرم دون الميقات.
فرع: [استأجره ليحج قارنًا فتمتع]: إذا استأجره ليقرن بين الحج والعمرة، فأتى بالعمرة والحج عنه متمتعًا.. فقد زاده من وجه، ونقصه من وجه.
أما الزيادة: فلأنه استؤجر على نسكين ليأتي بهما معًا فأفردهما، وهذا أزيد، فلا شيء له بهذه الزيادة؛ لأنه تطوع بها.
وأما النقصان: فلأنه استؤجر ليأتي بهما من الميقات، وقد أتى بالحج من مكة، فيقعان عن المحجوج عنه، ويجب على المستأجر دم التمتع؛ لأنه أذن في نسك يقتضي وجوب الدم.
قال الشيخ أبو حامد: ويجب على الأجير دم لتركه الإحرام بالحج من الميقات.
وقال المحاملي: يجزئ الدم الذي على المستأجر عن الأجير.
وهل يجب على الأجير أن يرد بقسط ما ترك من إحرامه بالحج من الميقات إلى مكة؟ فيه طريقان.
قال ابن الصباغ: وهذا يدل على: أن الأجير يجب عليه الدم، إذ لو لم يجب عليه الدم.. لوجب أن يرد من الأجرة، قولًا واحدًا.

فرع: [استأجره ليقرن فأفرد]: وإن استأجره ليقرن بين الحج والعمرة، فأفرد الحج عنه، فإن أتى بالحج لا غير، فقد استؤجر على نسكين ولم يأت إلا بأحدهما.. فيكون له من الأجرة بقسط ما أتى به، فيقال: كم أجرة حجة وعمرة على وجه القران؟ فإذا قيل: عشرة.. قيل: فكم أجرة حجة مفردة لا عمرة بعدها؟ فإن قيل: ثمانية.. لزمه أن يرد خمس المسمى.
وإن أتى بالعمرة بعد الحج.. ففيه وجهان: [الأول]: قال ابن الصباغ: لا تقع العمرة عن المستأجر؛ لأنه عين له أن يأتي بها في أشهر الحج، فإذا فات ذلك الوقت لم يكن له أن يأتي بها عنه.
والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أنها تقع عن المستأجر؛ لأنه قد أذن له بها.
فعلى هذا: إن أحرم الأجير بالعمرة من الميقات.. فلا دم عليه؛ لأنه قد أتى بها من الميقات، وقد زاده خيرًا؛ لأن إفراد الحج والعمرة أفضل من القران، ولا يستحق لهذه الزيادة أجرة؛ لأنه متطوع بها.
وإن أتى بالعمرة من أدنى الحل.. وجب عليه الدم؛ لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات، وهل يرد من الأجرة شيئًا؟ فيه طريقان.
فرع: [استأجر من يتمتع فقرن]: إذا استأجر رجلًا ليحج عنه متمتعًا، فقرن الأجير بين الحج والعمرة من الميقات عنه.. وقعًا عن المستأجر، لأنه أذن فيهما، وقد زاد الأجير من وجه، ونقص من وجه، أما الزيادة: فلأنه أتى بالنسكين من الميقات، وأما النقصان: فلأنه استؤجر على أن يأتي بالنسكين منفردين، فجمع بينهما.
ويجب على المستأجر دم؛ لأنه أذن في نسك يقتضي وجوب الدم، ولا شيء للأجير بالزيادة حيث أحرم بالحج من الميقات؛ لأنه متطوع به، ولا يلزمه دم لترك إحرامه بالحج من مكة؛ لأن الميقات أبعد منها، وهل يلزمه أن يرد شيئًا من الأجرة لأجل النقصان؟ فيه وجهان:

[أحدهما]: قال الشيخ أبو حامد: عليه أن يرد ما بين أجرة المتمتع والقارن من المسمى إن كان بينهما شيء.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: لا يلزمه أن يرد شيئًا؛ لأن ذلك العمل يجزئ في الشرع عن العبادتين.
وإن استأجره ليحج عنه متمتعًا، فحج عنه مفردًا، فإن أتى بالحج عنه لا غير.. فقد زاده من وجه، ونقصه من وجه، أما الزيادة: فلأنه كان عليه أن يحرم عنه بالحج من مكة، وقد أحرم به عنه من الميقات، فلا شيء له بهذه الزيادة؛ لأنه متطوع بها، وأما النقصان: فلأنه استأجره ليأتي بنسكين عنه، فأتى عنه بأحدهما، فيرد من الأجرة بقدر ما ترك، فيقال: كم أجرة حجة وعمرة على وجه التمتع؟ فإن قيل: عشرة.. قيل: فكم أجرة حجة يحرم بها من مكة؟ فإن قيل: خمسة.. لزمه أن يرد نصف المسمى.
وإنما قلنا: كم أجرة حجة يحرم بها من مكة؛ لأنه تطوع بالإحرام بها من الميقات.
وإن أتى بالعمرة عنه بعد الحج.. قال الشيخ أبو حامد: فإن أحرم بها من الميقات.. فلا دم عليه؛ لأنه زاده خيرًا، وإن أحرم بها من أدنى الحل.. فعليه دم لتركه الإحرام بالعمرة من ميقات البلد، وهل يرد شيئًا من الأجرة؟ فيه طريقان.
وعلى قياس ما قال ابن الصباغ فيمن استؤجر ليقرن، فأفرد الحج وأتى بالعمرة بعده.. أن لا تقع العمرة هاهنا عن المستأجر؛ لأنه استأجره ليأتي بالعمرة عنه في أشهر الحج، وقد فاتت، فلا تقع عنه.
وعلى قياس قول الشيخ أبي حامد أنا إذا قلنا: إن التمتع أفضل من الإفراد.. أن يرد من الأجرة المسماة بقدر ما بين أجرة المتمتع والمفرد.
فرع: [استأجره ليفرد فقرن]: وإن استأجر رجلًا ليحج عنه مفردًا، فقرن الأجير بين الحج والعمرة عنه.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " المناسك الكبير ": (كان الحج والعمرة عن المحجوج عنه، وقد زاده خيرًا، وعلى المستأجر دم القران).

وجملة ذلك: أن الأجير إذا استؤجر ليفرد الحج، فقرن بين الحج والعمرة، فإن كانت الإجارة عن ميت عليه فرض العمرة، أو عن حي قد كان في كلامه ما يدل على الإذن بالعمرة، بأن يقول: تحج عني وتعتمر بكذا، فيقول الأجير: بل أحج عنك لا غير هذا، ثم عقد الإجارة على إفراد الحج، ثم قرن الأجير الحج والعمرة عنه.. فإن الحج والعمرة يقعان عن المحجوج عنه؛ لأن الميت لا يمكن إذنه.
وأما الحي: فقد وجد منه ما يدل على الإذن.
وعلى من يجب دم القران؟ فيه وجهان: أحدهما ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أنه على الأجير؛ لأن المحجوج عنه لم يصرح بالرضا بوجوبه عليه.
والثاني: على المحجوج عنه؛ لأن النسكين وقعا عنه.
وإن كانت الإجارة عن ميت لا عمرة عليه، أو عن حي لم يكن في كلامه ما يدل على الإذن بالعمرة.. ففيه وجهان: أحدهما: يقع النسكان عن المحجوج عنه؛ لأن العمرة من جنس الحج وتابعة له، فتضمن إذنه له بالحج إذنًا بالعمرة.
فعلى هذا: على من يجب دم القران؟ على الوجهين الأولين.
والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي حامد، وهو المشهور ـ: أن النسكين يقعان عن الأجير؛ لأنه لم يوجد من المحجوج عنه الإذن في العمرة، فوقعت عن الأجير، وإذا انعقدت له العمرة.. انعقد له الحج؛ لأنهما نسك واحد، فلا يتبعض.
وإن استأجره للإفراد، فتمتع.. قال الشيخ أبو حامد: فإن أتى بالعمرة من الميقات، وبالحج من مكة.. فقد أتى بالعمرة عن المستأجر بغير إذنه.
فإن كان المحجوج عنه ميتًا عليه فرض العمرة، أو حيًا وكان في كلامه ما يدل على الإذن بالعمرة.. وقعت العمرة والحج عن المحجوج عنه، ودم التمتع على الأجير؛ لأن المحجوج عنه لم يأذن بها، ولا شيء للأجير للعمرة؛ لأنه تطوع بها، وعلى

الأجير دم لترك الإحرام بالحج من الميقات، وهل يرد شيئًا من الأجرة؟ على الطريقين.
وإن كان المحجوج عنه ميتًا لا عمرة عليه، أو حيًا لم يوجد منه إذن بالعمرة ولا ما يدل عليه، ولم يعد الأجير للإحرام بالحج إلى الميقات.. فإن العمرة تقع عن الأجير، والحج يقع عن المحجوج عنه، ولا يجب على الأجير دم التمتع؛ لأنهما وقعا عن شخصين، ولكن عليه دم لترك الإحرام بالحج من الميقات، وهل يرد شيئًا من الأجرة؟ على الطريقين.
فإذا قلنا: يجب عليه.
فهل تقسط على المسافة والعمل، أو على العمل دون المسافة؟ على قولين، مضى ذكرهما.
وبالله التوفيق

باب اختلاف المتكاريين

إذا اختلفا في قدر الأجرة أو في قدر المنفعة.. تحالفا، كما قلنا في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن أو المثمن.
وإن اختلفا في التعدي بالعين المستأجرة.. فالقول قول المكتري مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التعدي.
وإن اختلفا في ردها.. فالقول قول المكري مع يمينه، كما قلنا في المعير.
وإن اختلف الأجير المشترك والمستأجر في رد العين التي استؤجر على العمل فيها، فإن قلنا: إنه ضامن.. فالقول قول المستأجر مع يمينه، كالمعير، وإن قلنا: إنه ليس بضامن.. ففيه وجهان، كالوكيل بجعل.
وإن قال الأجير: هلكت العين بعد العمل، فلي الأجرة، وقال المستأجر: بل هلكت قبل العمل فلا أجرة لك.. فالقول قول المستأجر مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.

مسألة: اختلاف المستأجر والخياط على الصنع

إذا دفع إلى خياط ثوبًا، فقطعه قباء، فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصًا، وقال الخياط: بل أمرتني أن أقطعه قباء.. فقد ذكرها الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في

(اختلاف العراقيين)، ونقلها المزني، فقال: فيها قولان: أحدهما: القول قول الخياط، وهو قول ابن أبي ليلى.
والثاني: أن القول قول رب الثوب، وهو قول أبي حنيفة.
قال الشافعي: (وهذا أشبه، وكلاهما مدخول؛ لأن الخياط يدعي الأجرة، وينفي الغرم، ورب الثوب يدعي الغرم، وينفي الأجرة.
ولا أقبل قولهما، وأردهما إلى أصل السنة، فيتحالفان).
وقال في (الإملاء): (إذا دفع إلى صباغ ثوبًا، فصبغه أسود، فقال رب الثوب: أمرتك أن تصبغه أحمر، فقال الصباغ: بل أمرتني أن أصبغه أسود.. أنهما يتحالفان، وعلى الصباغ أرش النقص).
واختلف أصحابنا في المسألة على ثلاث طرق: فـ[الأول]: قال أكثرهم: هي على قولين: أحدهما: أن القول قول الخياط.
والثاني: أن القول قول رب الثوب.
و [الطريق الثانية]: منهم من قال: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: القول قول الخياط.
والثاني: أن القول قول رب الثوب.
والثالث: أنهما يتحالفان.
و [الطريق الثالثة]: قال الشيخ أبو حامد: الأشبه بالمذهب: أنها على قول واحد، وأنهما يتحالفان؛ لأن الشافعي ذكر القولين في (اختلاف العراقيين)، وطعن عليهما، ولما ذكر التحالف.. لم يطعن فيه.
فإذا قلنا: القول قول الخياط.. فوجهه: أنه قد ملك القطع لاتفاقهما عليه، فكان الظاهر أنه إنما فعل ما ملكه، فكيف يحلف؟

قال ابن الصباغ: يحلف بالله: ما أذنت لي في قطعه قميصًا، ولقد أذنت لي في قطعه قباء.
وقال الشيخ أبو حامد: يحلف: أن رب الثوب أذن له في قطعه قباء.
فإذا حلف.. لم يلزمه الغرم؛ لأنه حقق بيمينه أنه مأذون له فيما فعله، وهل يستحق أجرة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يستحق؛ لأنه يسقط بيمينه ما يدعى عليه من الغرم، فلا يجوز أن يثبت بيمينه حقا له.
والثاني: أنه يستحق؛ لأنا حكمنا بيمينه أنه مأذون له بالقطع، فاستحق الأجرة.
فإذا قلنا بهذا: فأي أجرة يستحق؟ قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان: أحدهما: الأجرة التي ادعاها أنها مسماة في العقد؛ لأنا قبلنا قوله: إن رب الثوب أذن له، فوجب له ما اقتضاه الإذن.
والثاني: لا يستحق المسمى، وإنما يستحق أجرة المثل؛ لأنا لو قبلنا قوله.. لم يؤمن أن يدعي ألفًا، وأجرة مثله درهم.
وذكر الشيخ أبو حامد، والمحاملي، وابن الصباغ: أنه يستحق المسمى، وجهًا واحدًا.
قال الشيخ أبو حامد: ما رأيت أحدًا من أصحابنا يقول: يستحق المسمى، وإن كان القياس يقتضي ذلك.
قلت: والذي يقتضي المذهب: أن الشيخ أبا حامد، ومن قال: يستحق أجرة المثل ولا يستحق المسمى، أرادوا: إذا كان ما يدعيه من المسمى أكثر من أجرة المثل، فأما إذا كان الذي يدعيه من المسمى أقل من أجرة المثل.. استحق ذلك، وجهًا واحدًا إذا قلنا: إنه يستحق الأجرة؛ لأنه لا يجوز أن يوجب له أكثر مما يدعيه.
وإذا قلنا: إن القول قول رب الثوب ـ قال في (التعليق): وهو الأصح ـ فوجهه:

قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر».
والخياط يدعي على رب الثوب الإذن، ولأنهما لو اختلفا في أصل الإذن.. لكان القول قول رب الثوب، فكذلك إذا اختلفا في صفته.
قال ابن الصباغ: وعندي: أنه يكفيه أن يحلف أنه ما أذن له في قطعه قباء، ولا يحتاج إلى إثبات إذنه في قطع القميص، فإذا حلف.. وجب الغرم على الخياط؛ لأنه أثبت بيمينه أن الخياط غير مأذون له في قطعه، والقطع بغير إذن يوجب الغرم، وفي قدر الغرم قولان: أحدهما: يجب ما بين قيمة الثوب صحيحًا ومقطوعًا قباء؛ لأنه تعدى بقطعه قباء، فلزمه أرش القطع.
والثاني: يلزمه ما بين قيمته مقطوعًا قميصًا ومقطوعًا قباء؛ لأن قطع القميص مأذون فيه.
وهل يجب للأجير أجرة؟ فيه وجهان: [الأول]: قال أبو علي بن أبي هريرة: يجب له أجرة قطع ما تحصل من قطع القباء للقميص؛ لأنه مأذون فيه.
و [الثاني]ـ المنصوص ـ: (أنه لا شيء له)؛ لأنه لم يقطعه للقميص، فهو متعد في ابتداء القطع.
وإذا قلنا: إنهما يتحالفان ـ وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق ـ فوجهه: أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه؛ لأنه الخياط يدعي الأجرة، ورب الثوب ينكرها.
ورب الثوب يدعي الأرش، والخياط ينكره، فتحالفا، كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن.
فعلى هذا: إذا حلف أحدهما ونكل الآخر.. كان الحكم فيه كما لو قلنا: إن القول قول الحالف، وحلف.
وإن حلفا.. لم يستحق الخياط الأجرة؛ لأن التحالف يوجب رفع العقد، والخياطة من غير عقد لا يستحق لها أجرة.

جارٍ التحميل