البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 324-363

كتاب الإجارة

صفحات 324-363
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والثاني: لا يصح؛ لأن الأعشار تختلف.
وأما الخبر: فقد روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «زوجتكها بما معك من القرآن».
وإن صح الخبر.. حملناه على: أنه عقد له النكاح بتعليم عشرين آية معينة، وإنما أعاد ذكر ذلك.. حكاية لما وقع عليه العقد، بدليل: أن قوله: «قم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك» ليس بنكاح.
وهل تفتقر صحة الإجارة على تعليم القرآن إلى أن يعين الحرف الذي يعلمه إياه، كحرف نافع، أو ابن كثير، أو غيرهما؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يفتقر إليه؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للرجل: «زوجتكها بما معك من القرآن».
ولم يفرق، ولأن هذه الحروف كلها مأثورة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منزلة عليه، فجاز أن يعلمه ما شاء منها، كما لو اشترى منه قفيزًا من صبرة.. فإن له أن يدفع إليه القفيز من أي جانب شاء منها.
والثاني: لا تصح الإجارة حتى يبين الحرف؛ لأن بعض القراءات أشد من بعض، وبعضها أكثر من بعض.

قال الشيخ أبو حامد: وقيل: إن قراءة ابن كثير أكثر من قراءة غيره، وإذا كان كذلك، وكان الإطلاق مجهولًا.. فلم تصح.
فرع: [نسيان المستأجر ما تعلمه أو بعضه]: وإن استأجره على أن يعلمه سورة أو آيات معلومة، فإن علمه ثلاث آيات، ثم نسيها المستأجر.. لم يلزم الأجير إعادة التعليم، وجهًا واحدًا.
وإن علمه بعض آية، فنسيها المستأجر قبل أن يفرغ من تعليم باقيها.. لزم الأجير إعادة تعليمها، وجهًا واحدًا؛ لأن بعض الآية لا يقع به الإعجاز.
وإن علمه آية أو آيتين، فنسي.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يكون المستأجر قابضًا، فيلزم الأجير إعادة التعليم؛ لأن الإعجاز لا يقع بأقل من ثلاث آيات؛ لأنه قدر به سورة قصيرة.
والثاني: يكون المستأجر قابضًا؛ لأن الآية من جنس الإعجاز، فأشبهت الثلاث.
فرع: [الاستئجار مدة لتعليم القرآن]: وإن استأجره ليعلم ابنه الصغير القرآن مدة معلومة.. صحت الإجارة.
وهل تدخل الجمع في المدة من غير أن يستثنيها؟ سمعت شيخنا الإمام زيد بن عبد الله اليفاعي رحمة الله عليه يقول: يحتمل أن تكون على وجهين مأخوذين من الوجهين، فيمن استأجر ظهرًا ليركبه في طريق، وقد جرت العادة بأن ينزل الراكب في بعض تلك الطريق للرواح عن الدابة، هل يلزم المكتري ذلك بالإطلاق؟

مسألة: الاستئجار لأحد المناسك

]: وإن استأجره للحج والعمرة.. لم تصح حتى يبين أنه إفراد، أو تمتع، أو قران؛ لأن الغرض يختلف باختلاف ذلك.
وهل تفتقر صحة الإجارة إلى أن يبين موضع الإحرام؟ ذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (أن ذلك شرط)، وذكر في موضع آخر: (أن ذلك ليس بشرط).
واختلف أصحابنا فيها على ثلاث طرق: فـ[الطريق الأول]: ذهب أكثرهم إلى: أنها على قولين: أحدهما: أن ذلك شرط؛ لأن الغرض يختلف باختلاف الميقات، وتختلف الأجرة باختلاف المواقيت.
والثاني: أن ذلك ليس بشرط؛ لأن له عرفًا في الشرع، وهو ميقات البلد، فانصرف إليه الإطلاق، كمن باع بنقد مطلق في بلد فيه نقد غالب.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فحيث قال: (يشترط ذكر موضع الإحرام) إذا كان للبلد ميقاتان مختلفان.
وحيث قال: (لا يشترط) أراد: إذا لم يكن للبلد إلا ميقات واحد.
و [الطريق الثالث]: منهم من قال: هي على حالين آخرين: فحيث قال: (يشترط) إذا كان الحج عن حي؛ لأن له اختيارًا يرجع إليه.
وحيث قال: (لا يشترط) إذا كان المحجوج عنه ميتًا؛ لأنه لا يمكن الرجوع إلى اختياره.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا: لا يشترط بيان موضع الإحرام، فإن شرط على الأجير أن يحرم من موضع، إما من الميقات، أو قبله.. لزمه ذلك.
وإن أطلق.. لزمه الإحرام من ميقات ذلك البلد.
وإن قلنا: يشترط بيان موضع الإحرام، فإن عين الميقات أو قبله.. لزمه أن يحرم

منه، وإن عين له دون الميقات.. لم يصح؛ لأنه يمر على الميقات وهو مريد للنسك بلا إحرام، وإن أطلق.. كانت الإجارة فاسدة.
فإن أحرم الأجير عن المستأجر.. انعقد الإحرام عن المستأجر؛ لأنه فعله عنه بإذنه، فوقع عنه وإن كان العقد فاسدًا، كما لو وكله وكالة فاسدة ليشتري له عينًا، فاشتراها له.. فإن الملك فيها للموكل.

مسألة: إجارة الحلي

ولا تصح الإجارة إلا بأجرة معلومة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من استأجر أجيرًا.. فليبين له أجرته»، ولأن عقد يقصد به العوض، فلم يصح من غير ذكر العوض، كالبيع، وفيه احتراز من النكاح؛ لأنه لا يقصد به العوض.
ويجوز أن يستأجر حلي الذهب بالذهب والفضة، وحلي الفضة بالفضة والذهب.
قال الصيمري: ومن أصحابنا من توقف في إجارة حلي الذهب بالذهب، وحلي الفضة بالفضة.
وليس بصحيح؛ لأن المعقود عليه هو منفعة الذهب لا عين الذهب، فلم يكن فيه ربًا.

فرع: استئجار منفعة عين بمنفعة عين أخرى

ويجوز أن يستأجر منفعة عين بمنفعة عين أخرى، سواء كانت من جنسها أو من غير جنسها.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز أن تكون المنفعتان من جنس، بأن يستأجر دارًا بمنفعة دار أخرى، فإن كانتا مختلفتين، بأن يستأجر منفعة عبد بمنفعة دار.. صح).

ودليلنا: أنهما منفعتان يجوز إجارتهما، فجاز أن يستأجر إحداهما بالأخرى، كما لو كانتا مختلفتين.
إذا ثبت هذا: فلا تصح الإجارة إلا بأجرة معلومة القدر؛ لما ذكرناه من الخبر، ولأنه عقد معاوضة.. فلم يصح بعوض مجهول، كالبيع.
فإن استأجر أجيرًا كل يوم بطعام معلوم، من بر، أو ذرة، أو شعير، أو غير ذلك مما يجوز السلم فيه.. صح؛ لأنه عوض يجوز أن يكون ثمنًا في البيع، فجاز أن يكون عوضًا في الإجارة، كالدراهم والدنانير.
وإن استأجره بطعامه الذي يأكله كل يوم وكسوته.. لم تصح الإجارة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجوز ذلك في إجارة المرضعة وحدها).
وقال مالك، وأحمد: (يجوز ذلك في كل أجير).
دليلنا: أن هذا عوض في عقد.. فلم يجز أن يكون مجهولًا، كالبيع.
وعلى أبي حنيفة: أن كل ما لا يجوز أن يكون أجرة في غير الرضاع.. لا يجوز أن يكون أجرة في الرضاع، كالدراهم المجهولة.
فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233]. إلى أن قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233]. قلنا: المراد بهذا: بيان نفقة الزوجة، فنص على وجوب نفقتها في حالة الإرضاع؛ لينبه على وجوبها في كل حالٍ؛ لأنها إذا وجبت مع تشاغلها بالإرضاع، فمع عدم التشاغل أولى.

فرع: الاستئجار لحمولة معينة

]: فإن قال: استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة بعشرة دراهم.. صح، كما لو اشتراها بعشرة دراهم.
وإن قال: استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة، كل قفيز بدرهم.. صحت

الإجارة؛ لأن جملة الصبرة معلومة، وأجزاء الأجرة معلومة، بخلاف ما لو قال: أجرتك هذه الدار: كل شهر بدرهم.. فإنه لا يصح؛ لأنه ليس للشهور غاية تنتهي إليها، ولقفزان الصبرة حد يعلم بالتفصيل.
وإن قال: استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة كل عشرة أقفزة بعشرة دراهم، وما زاد فبحساب ذلك.. صحت الإجارة؛ لأن أجزاء الأجرة قد علمت، وأن كل قفيز في مقابله درهم، وما زاد بحساب ذلك، فهو كما لو قال: لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، فإن قال: استأجرتك لتحمل لي من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم.. لم تصح؛ لأن (من) للتبعيض، ولا يدري كم يحمل منها؟ إذا ثبت هذا: فإن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (ولو اكترى حمل مكيلة، وما زاد فبحسابه.. فهو في المكيلة جائز، وفي الزيادة فاسد، وله أجرة مثله).
واختلف أصحابنا في تأويلها.
فقال أبو إسحاق المروزي: تأويلها: هو أن يقول: استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، وتحمل لي صبرة أخرى - لم يشاهدها الأجير - بهذا الحساب، أي: ما زاد على الصبرة المشاهدة فبحسابها.. فتصح الإجارة في المشاهدة، وتبطل في التي لم يرها، ولا يكون في الحاضرة قولان؛ لأنهما صفقتان، فلا تبطل إحداهما لبطلان الأخرى.
ولو قال: استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة والصبرة الأخرى كل قفيز بدرهم.. لبطل العقد في الغائبة، وفي الحاضرة قولان.
ومنهم من قال: تأويلها: أن يقول: استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة - وهي عشرة أقفزة - كل قفيز بدرهم، وما زاد فبحساب ذلك.. فتصح في العشرة؛ لأنها متحققة، ولا تصح في الزيادة؛ لأنها مبهمة الوجود.
ومنهم من قال: تأويلها: أن تكون له صبرة حاضرة، فقال: استأجرتك لتحمل هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، فإن قدم لي طعام فحملته فبحساب ذلك.. فتصح في

الصبرة وما يحمله بعد ذلك، فقد وعده بأن تكون أجرته مثل ذلك، فلا يؤثر في العقد، ولا يلزمه الوعد.
ومنهم من قال: تأويلها: أن يقول: استأجرتك لتحمل لي هذه الصبرة كل عشرة أقفزة بعشرة دراهم، وما زاد فبحساب ذلك.. فيجوز في العشرة، ولا يجوز فيما زاد عليها.
وهذا غير صحيح؛ لأنا قد قلنا: إن هذا عقد صحيح.

فرع: الاستئجار للطحن أو للرعي بجزء من كل

قال أبو علي في " الإفصاح ": إذا استأجره ليطحن له حنطة بربعها.. لم يصح.
وإن استأجره ليطحن له ثلاثة أرباعها بربعها.. صح.
قلت: وعلى قياس ما قال أبو علي الطبري: إذا استأجره ليرعى له بهيمة مدة معلومة بربعها.. لم تصح الإجارة، وإن استأجره ليرعى له ثلاثة أرباعها بربعها.. صحت الإجارة.
فإن قيل: كيف يتصور له أن يرعى ثلاثة أرباعها؛ لأنه لا يتأتى له ذلك إلا برعي جميعها؟ فالجواب: أنه لا يمتنع مثل ذلك في الإجارة، ألا ترى أنه يجوز له أن يستأجر نصف ظهر ليركبه، وإن كان لا يتصور إلا بركوب جميعه، وإنما يملك منفعة نصفه، ثم يتهايآن؟ وكذلك: لو كان بين رجلين بهيمة.. جاز لأحدهما أن يستأجر غيره على رعي نصيبه منها، ثم يكون القيام بها واجبًا على الأجير والمالك الآخر.

فرع: استئجار الشريك

فرع: [جواز استئجار الشريك]: قال الطبري: وإن كان بين رجلين حنطة مشتركة بينهما.. جاز لأحدهما أن يستأجر الآخر على طحن نصيبه منها، أو على حمله إلى موضع آخر.

وقال أبو حنيفة: (لا يصح).
دليلنا: أن ما تقبل جنبيته الإجارة.. صح عقدها على ما هو منفعة؛ لأن منفعة الشريك كمنفعة الدابة.

فرع: الاستئجار على جزاف

إذا كانت الإجارة مشاهدة، إلا أنها جزاف لا يعرفان قدرها، مثل: أن يستأجره بصبرة طعام لا يعلمان كيلها، أو بملء كفه دراهم قد شاهداها ولم يعلما عددها.. فهل يصح؟ ينظر فيه: فإن كانت الإجارة على منفعة في الذمة.. ففيه قولان، كما قلنا فيمن أسلم دراهم جزافا على طعام أو غيره.
وإن كانت الإجارة على منفعة معينة، مثل: أن يستأجر بهيمة ليركبها إلى بلد، أو استأجره ليخيط له بها ثوبًا.. ففيه طريقان: [الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ لأن الإجارة عقد على معدوم، فهي كالسلم.
و [الثاني]: منهم من قال: يصح، قولًا واحدًا؛ لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان؛ لأنها متعلقة بعين حاضرة، والسلم يتعلق بموجود ومعدوم.

فرع: الإجارة على منفعة

وما عقد من الإجارة على منفعة معينة، مثل: أن يقول: أجرني هذا الجمل لأركبه شهرًا، أو لأركبه إلى موضع كذا، أو أجرني عبدك هذا ليخيط لي هذا الثوب، أو ليخيطه بكذا وكذا.. فيصح أن تكون الأجرة في هذه الإجارة معينة، وفي الذمة.

(فالمعينة): أن يقول: بهذا الدينار، أو بهذه الدراهم.. فيجوز قبض الدينار في المجلس، وبعد التفرق منه.
والتي (في الذمة): بأن يقول: بعشرة دراهم في ذمتي؛ لأن ذلك بمنزلة بيع العين بثمن معين، وبثمن في الذمة، فإذا كانت الأجرة في هذه الإجارة في الذمة.. نظرت: فإن شرطا تعجيلها.. وجب تعجيلها، وإن شرطا تأجيلها.. كانت مؤجلة، وإن أطلقا ذلك.. كانت معجلة، ووجب تسليمها.
وقال أبو حنيفة: (إذا أطلقا ذلك.. فالقياس يقتضي: أن المكتري كلما قبض جزءًا من المنفعة.. وجب عليه تسليم ما في مقابله من الأجرة، ولكن يشق ذلك).
فعلى هذا: يجب كلما مضى يوم من المدة.. وجب تسليم ما في مقابلته من الأجرة، واحتج بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف رشحه»، وروي: (عرقه).
ودليلنا: أنه عقد لو شرط فيه تعجيل العوض.. كان معجلا، فاقتضى إطلاقه تعجيل العوض، كالبيع.
وقولنا: (لو شرط فيه تعجيل العوض.. كان معجلًا) احتراز من القراض والكتابة، فإن القراض لو شرط فيه تعجيل العوض.. لم يتعجل، ولو شرط في الكتابة تعجيل العوض.. لبطلت.
وأما الخبر: فنحمله على إذا شرط تعجيل الأجرة، بأن يستأجره يومًا، ويشترط تأجيل الأجرة إلى آخر اليوم، وعلى أن الأجير قد يعرق بابتداء العمل.
فإن قبض المستأجر العين التي استأجرها، واستوفى المنفعة منها، أو عمل الأجير العمل الذي استؤجر عليه.. استقرت الأجرة، كما قلنا فيمن اشترى عينًا وقبضها.. فإن الثمن يستقر عليه.

وإن قبض المستأجر العين المستأجرة، ومضى زمان يمكنه أن يستوفي منها منفعته ولم يستوفها، أو جاء المؤاجر بالعين المؤاجرة وعرضها على المستأجر فلم يقبضها، ومضى زمان قد كان يمكنه استيفاء المنفعة فيه.. استقر على المستأجر المسمى.
وقال أبو حنيفة: (لا يستقر عليه حتى يستوفي المنفعة).
دليلنا: أنه مكنه من الاستيفاء.. فوجب عليه البدل، كالمبيع إذا تلف في يد المشتري.

فرع: الانتفاع بعين مستأجرة بأجرة فاسدة

فإن استأجر عينًا إجارة فاسدة وقبضها، فإن انتفع بها المستأجر.. وجب عليه أجرة المثل، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (يجب عليه أقل الأمرين من المسمى، أو أجرة المثل).
دليلنا: أن ما ضمن بالمسمى في العقد الصحيح.. ضمن بجميع القيمة في العقد الفاسد، كبيع الأعيان.
وإن لم ينتفع بها المستأجر.. وجبت عليه أجرة المثل، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه شيء).
دليلنا: أن كل ما لو تلف تحت يده بعقد صحيح ضمنه.. وجب أن يضمنه إذا تلف تحت يده بعقد فاسد، كالأعيان في البيع، وعكسه الأعيان في الهبة، فإنها لما لم يضمنها إذا تلفت تحت يده بهبة صحيحة.. لم يضمنها إذا تلفت تحت يده بهبة فاسدة.
إذا ثبت هذا فإن الشيخ أبا إسحاق ذكر في " المهذب ": إذا استأجر عينًا إجارة

صحيحة، وقبضها، ومضى زمان يمكنه فيه الاستيفاء.. استقر عليه المسمى.
وإن عرضت عليه العين المستأجرة، ومضى زمان يمكنه الاستيفاء.. استقرت الأجرة.
ثم قال بعد هذا: فإن كان هذا في إجارة فاسدة.. استقرت عليه أجرة المثل.
قلت: والذي يقتضي المذهب: أن هذه المسألة في الإجارة الفاسدة إنما تكون معطوفة على الأولى، وهو إذا قبض العين، لا على الثانية، وهو إذا عرض عليه العين؛ لأن الأجرة إنما تستقر عليه لأحد أمرين: إما أن يكون العقد صحيحًا، أو يتمكن من استيفاء المنفعة، أو بأن تتلف المنفعة تحت يده، ولم يوجد هاهنا أحدهما.

[مسألة: ما يستأجر في الذمة يدفع حالًا]

وما عقد من الإجارة على منفعة في الذمة.. فيجوز أن تكون المنفعة حالة، ولا يجوز أن تكون المنفعة مؤجلة، مثل: أن يقول: استأجرتك على تعجيل خياطة هذا الثوب حالًا.
ويجوز أن تكون المنفعة مؤجلة، مثل: أن يقول: استأجرتك على تحصيل خياطة هذا الثوب إلى أول شهر كذا؛ لأن المنفعة في الذمة كالمسلم فيه، والمسلم فيه يصح أن يكون حالًا مؤجلًا، وإن أطلق ذلك.. اقتضى الحلول، كما قلنا في السلم إذا لم يذكره مؤجلًا.
وتنعقد هذه الإجارة بلفظ السلم، فيقول: أسلمت إليك دينارًا في ذمتي، أو هذا الدينار بمنفعة ظهر من صفته كذا وكذا؛ لأركبه إلى بلد كذا وكذا، وتنعقد بلفظ الإجارة، بأن يقول: أجرني ظهرًا من صفته كذا وكذا؛ لأركبه إلى موضع كذا.
وسئل الشيخ أبو حامد عمن قال: استأجرت منك ظهرًا في ذمتك، من صفته كذا وكذا؛ لأركبه شهرًا، أتسلمه إلى الشهر الفلاني غير متصل بالعقد؟ فتوقف، وقال: أنا أنظر فيه، فقال بعض أصحابه: عندي أنه يجوز؛ لأن المنفعة في هذه

الإجارة يصح أن تتقدر بالمدة وبالعمل، فلما جاز أن تتقدر بالعمل.. جاز أن تتقدر بالمدة، ولا يجوز أن تكون الأجرة هاهنا مؤجلة؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الكالئ بالكالئ».
و (الكالئ بالكالئ): هو بيع النسيئة بالنسيئة، ولأن هذه الإجارة في معنى المسلم فيه، ورأس مال السلم لا يصح أن يكون مؤجلًا.
وهل يشترط هاهنا قبض الأجرة في المجلس قبل أن يتفرقا؟ ينظر فيه: فإن عقد الإجارة بلفظ السلم.. اشترط قبض الأجرة قبل أن يتفرقا، كما قلنا في السلم.
وإن عقد بلفظ الإجارة.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يشترط قبضه في المجلس قبل التفرق اعتبارًا باللفظ.
والثاني: يشترط قبضه قبل التفرق، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق اعتبارًا بالمعنى، ومثل هذين الوجهين الوجهان في قبض رأس مال السلم في المجلس إذا عقد السلم بلفظ البيع، وقد مضى ذكرهما.

فرع: استيفاء المنفعة يوجب المسمى من الأجرة

فإن استأجر منه ظهرًا في ذمته ليركبه إلى بلد، أو ليركبه شهرًا، فأحضر المؤاجر ظهرًا، وقبضه المستأجر، وركبه إلى تلك البلد، أو إلى مثلها، أو ركبه شهرًا.. استقر عليه المسمى؛ لأنه استوفى المعقود عليه.
وإن لم يركبه، وأمسكه في يده زمانا يمكنه استيفاء المعقود عليه.. فالذي يقتضي المذهب: أن الأجرة تستقر، ويلزمه أن يرد الظهر؛ لأن منفعة الظهر تلفت تحت يده، فهو كما لو استوفاها.
وإن عرض المؤاجر الظهر على المستأجر، فامتنع من قبضه.. فالذي يقتضي المذهب: أن المؤاجر يرفع الأمر إلى الحاكم ليقبض له الظهر منه، فإن ركبه المستأجر، وإلا.. أجره الحاكم له، كما قلنا فيمن أسلم إلى رجل في شيء فأحضر المسلم إليه المسلم فيه، فامتنع المسلم من قبضه.

فرع: الاستئجار على تحصيل الحج

]: وإن استأجره على تحصيل حج.. جاز أن يكون على حج في هذه السنة، وجاز أن يكون على حج في سنة بعدها، كما قلنا في الإجارة على الأعمال في الذمة.
فإن عين الحج في سنة، فمضت تلك السنة، ولم يحج الأجير.. لم تنفسخ الإجارة؛ لأن هذه السنة محلها، ولم يتعين بها، فصار بمنزلة تأخير الدين عن محله.
وهل للمستأجر الخيار في فسخ الإجارة؟ قال أبو إسحاق المروزي: إن كانت الإجارة عن ميت.. لم يكن للمستأجر فسخ الإجارة؛ لأنه لا يمكنه التصرف في الأجرة، ولا بد من استئجار غيره.
قال الشيخ أبو حامد: إلا أن يخشى إفلاس الأجير.. فيرفعه الوصي إلى الحاكم؛ ليفسخ الإجارة عليه، ويسترد منه الأجرة.
فإن قيل: هلا قلتم: يجوز فسخ الإجارة عليه، ويسترد منه الأجرة هاهنا؛ لأنه ربما استأجر غيره بأقل منه؟ قيل: هذا أمر مظنون، فلا ينفسخ العقد لأمر مظنون.
وإن كانت الإجارة عن حي.. جاز له فسخ الإجارة؛ لأن له أن يتصرف في الأجرة.

فرع: لا يعقد الإجارة على منفعة مؤجلة

وما عقد من الإجارة على منفعة معينة.. لا يجوز مؤجلا، مثل: أن يقول: أكرني هذا الظهر لأركبه إلى موضع كذا، تسلمه إلى أول الشهر الفلاني منفصلا عن العقد.. فإن ذلك لا يصح، كما نقول فيمن باع عينًا، واشترط تأخير قبضها عن حال العقد.. فإن ذلك لا يصح.
وإن استأجره ليحج بنفسه، فإن كان في الحرم.. لم تصح هذه الإجارة إلا في أشهر الحج، ليمكنه الشروع في الحج عقيب العقد، وإن كان في غير الحرم.. جاز عقدها قبل أشهر الحج بقدر مدة يمكنه الوصول فيها إلى الميقات أول أشهر الحج، وهكذا:

إن استأجره ليحج ماشيًا، وكان المشاة يخرجون قبل ذلك.. جاز العقد قبل ذلك للحاجة.

مسألة: استئجار بعض منفعة

]: ويجوز أن يكتري جملًا معينًا ليركبه عقبة في الطريق، وتكون منفعته في باقي الطريق لمالكه، ويجوز أن يكتري الرجلان من رجل جملًا معينًا يتعاقبان عليه في الطريق.
وقال المزني: لا تصح هذه الإجارة في الجمل المعين، إلا أن يكون الظهر موصوفًا في الذمة فتصح؛ لأن الإجارة المعينة لا يدخلها الأجل، وإذا ركب أحدهما بعد الآخر.. لم تتصل منفعة الثاني بالعقد، فلم تصح.
والأول هو المنصوص؛ لأن ملك كل واحد منهما مقارن للعقد، وإنما يتأخر حق أحدهما لأجل القسمة، وذلك لا يمنع صحة العقد، كما لو ابتاع رجلان صبرة بينهما.
إذا ثبت هذا: فإن كان لتلك الطريق عادة فيما يركب كل واحد من المتعاقدين، مثل: أن يركب أحدهما يومًا، والآخر يومًا، أو يركب أحدهما أميالًا معروفة، والآخر مثله.. حملا على ذلك.
وإن طلب أحدهما أن يركب ثلاثة أيام، ويركب الآخر ثلاثة أيام.. قال الشافعي: (لم يكن له ذلك)؛ لأن في ذلك إضرارًا على الماشي وعلى المركوب، ولأن الإنسان إذا ركب وهو غير تعب.. خف على المركوب، وإذا ركب وهو بعد كلال وتعب.. وقع على المركوب كالميت، فأتعب المركوب.

وإن لم يكن في تلك الطريق عادة فيما يركبه المتعاقبان.. لم يصح العقد حتى يبينا ما يركبه كل واحد منهما.
قال الشيخ أبو حامد: ولو اتفقا على: أن يركب كل واحد منهما ثلاثة أيام بثلاثة أيام.. لم يجز؛ لما فيه من الضرر على المركوب وغيره.
وأما من يبدأ بالركوب منهما: فإن اتفقا عليه.. فلا كلام، وإلا.. أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.

مسألة: لزوم عقد الإيجار

وإذا تم عقد الإجارة.. فإنه يكون لازمًا، وليس لأحدهما أن يفسخه من غير عيب يجده، وبه قال مالك، والثوري.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزم من جهة المكتري، فمتى حدث له عذر فيما استأجر له، مثل: أن يستأجر دكانًا للبز فيحترق بزه، أو يذهب رأس ماله، أو يفلس، أو اكترى جمالًا للحج فبدا له منع الحج، أو مرض، أو اكترى دارًا في بلد ليسكنها، فخرج من تلك البلد، وما أشبه ذلك.. فله فسخ الإجارة).
دليلنا: أنه عقد معاوضة محضة لازم من أحد الطرفين، فكان لازمًا من الطرف الآخر، كالبيع.
فقولنا: (عقد معاوضة) احتراز من الرهن.
وقولنا: (محضة) احتراز من الكتابة.
وقولنا: (لازم من أحد الطرفين) احتراز من القراض.
والله أعلم وبالله التوفيق.

باب ما يلزم المتكاريين وما يجوز لهما

إذا اكترى ظهرًا للركوب.. كان ما يحتاج إليه للتمكن من الركوب على المكري، مثل: السرج واللجام للفرس، والإكاف للبغل، والبرذعة للحمار، والخطام للجمل، والبرة التي في أنفه، والحزام، والقتب، والحقيبة تحت القتب؛ لأن كون الظهر عريًا يتأذى الإنسان بركوبه.
ولا يمشي الجمل بغير زمام، ويتصعب الفرس بغير لجام.
وما يحتاج إليه للوطاء والترفه.. فهو على المكتري، كالمحمل، والكنيسة، والغطاء الذي فوقهما، والمضربة التي تكون تحت الكنيسة؛ لئلا تتحرك الكنيسة.
قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: وكذلك: الحبل الذي يشد به أحد المحملين إلى الآخر، والحبل الذي يشد به المحمل على الجمل، فهو على المكتري؛ لأنهما من آلة المحمل.
قالا: وأما شد أحد المحملين إلى الآخر: فاختلف أصحابنا فيه: فـ[الأول]: منهم من قال: إنه على المكتري؛ لأن ذلك من تمام المحمل وإصلاحه للركوب، فهو كتأليف المحمل.
والثاني: إنه على المكري، وهو الأصح؛ لأنه يراد للتمكن من الركوب، فهو كشد المحمل على الجمل.

وأما صاحب " المهذب ": فحكى الوجهين فيما يشد به أحد المحملين إلى الآخر، يعني: الحبل.

فرع: لوازم المؤجر تابعة له

وإذا أكراه دارًا، أو دكانًا.. فعلى المكري تسليم المفتاح إلى المكتري؛ لأنه لا يتمكن من الانتفاع بالدار إلا بالمفتاح، إذ به يفتحها، فهو كالباب عليها.
وكل ما ذكرنا: أنه على المكري إذا تلف في يد المكتري من غير تفريط منه.. لم يضمنه، ويجب على المكري إبداله، كما لو انكسر جذع من الدار.

فرع: تجهيز الدابة وأجرة دليل الطريق والسائق

وعلى المكري رفع المحمل والكنيسة إلى ظهر الجمل، وشدهما عليه بالحبل، وحطهما؛ لأنه لا يتواصل إلى الركوب إلا بشد ذلك عليه، ولأن العادة جرت أن الجمال يتولى ذلك.
وأما أجرة دليل الطريق: فإن كانت الإجارة على تحصيل الراكب أو المتاع في بلد.. فإن ذلك على المكري؛ لأن عليه تحصيل ذلك، وهذا من جملة التحصيل.
قال الشيخ أبو حامد: وهكذا إن استأجر منه جملًا ليحمله عليه إلى مكة أو غيرها من المواضع.. فإن أجرة الدليل على المكري؛ لأن عليه أن يحمله إلى ذلك الموضع.
وإن كانت الإجارة على ظهر بعينه يسلمه إليه.. فإن أجرة الدليل على المكتري؛ لأنه ليس على المكري أكثر من تسليم الظهر، وقد فعل.

وأما سائق الظهر وقائده: فذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه على المكري من غير تفصيل.
وذكر الشيخ أبو حامد، والمحاملي: أنه كأجرة الدليل على ما مضى.
فرع: [ما يجب على الجمال أن يفعله لأجل الراكب]: وكل ما لا يمكن الراكب فعله على الجمل والحاجة داعية إليه.. فعلى الجمال أن يوقف الجمل حتى ينزل الراكب، ويفعله على الأرض، وذلك كالغائط، والبول، والطهارة؛ لأنه لا يمكنه فعل ذلك على الظهر، ويصلي الفرض على الأرض؛ لأنه لا يصح فعلها على الظهر.
قال الشافعي: (وليس للجمال أن يستعجله في الصلاة، ولا للراكب أن يطول الصلاة، بل تكون خفيفة في تمام).
وكل ما يمكن الراكب أن يفعله على الظهر، مثل: الأكل، والشرب، وصلاة النفل.. فلا يلزم الجمال أن يوقف له الجمل لأجله؛ لأنه يمكنه فعل ذلك وهو راكب.
وعلى الجمال أن يبرك الجمل للمرأة عند ركوبها ونزولها؛ لأن العادة جرت أنهن يركبن وينزلن والجمل بارك، فحمل مطلق العقد عليه، ولأن المرأة عورة، فلا يؤمن إذا ركبت أو نزلت والجمل قائم أن ينكشف شيء من عورتها.
وأما الرجل: فإنه يركب وينزل والجمل قائم؛ لأن العادة جرت بذلك، إلا أن يكون الرجل زمنًا، أو شيخًا ضعيفًا، أو سمينًا لا يمكنه ذلك مع قيام الجمل، أو كان مريضًا.. فيلزم الجمال أن يبرك له الجمل؛ لأنه لا يقدر على ذلك من قيام.
فإن أكرى رجلًا صحيحًا، ثم مرض.. فعليه أن يبرك له الجمل، وإن أكراه وهو مريض، فبرئ.. لم يلزمه أن يبرك له الجمل اعتبارًا بحالة الركوب لا بحالة العقد.

فرع: عدم الإضرار بالمؤجر شرط في استعماله

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن اختلفا في الرحلة.. رحل لا مكبوبًا ولا مستلقيًا).
واختلف أصحابنا في صورته: فقال أبو إسحاق: (المكبوب): أن يضيق قيد المحمل من مؤخر البعير، ويوسع قيد المحمل من مقدم البعير، و (المستلقي): أن يوسع مؤخره، ويضيق مقدمه.
فالمكبوب أسهل على الجمل، والمستلقي أسهل على الراكب.
ومنهم من قال: (المكبوب): أن يضيق قيد المحمل من المقدم والمؤخر، و (المستلقي): أن يوسعهما.
وأي التأويلين كان.. فإن لا يجاب الجمال ولا الراكب إليه، بل يفعل ما جرت العادة به، مما لا يضر بالمركوب ولا بالراكب.
قال ابن الصباغ: وكذلك: إذا اختلفا في جلوس الراكب.. رجع فيه إلى العادة.
ومن طلب منهما مفارقة القافلة، إما بالحث، أو بالتقصير.. لم يلتفت إليه إلا برضا الآخر بذلك.

فرع: ما يجب في إكراء دار للسكنى

وإن أكراه دارًا للسكنى.. فعلى المكري تسليم الدار فارغة الحش من الأذى؛ لأنه من مؤن التمكين، فإن امتلأ في يد المكتري.. فعلى من تجب مؤنة إخراجه؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه على المكري؛ لأن التمكين من الانتفاع يتعلق بذلك.
والثاني: أنه على المكتري؛ لأنه هو الذي شغله بذلك.

قال المسعودي [في " الإبانة: ق \ 335]: وعلى هذين الوجهين إخراج رماد الحمام المستأجر، وتنقية الحوض الذي يخرج إليه الغسالة.
وعلى المكري تسوية الدعامة في الدار، وإصلاح المغلاق، وتطيين السطح، وإن تكسر شيء من الخشب.. فعليه إبداله؛ لأن المكتري لا يمكن من الانتفاع إلا بذلك.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 335]: وأما نصب باب جديد، أو إحداث ميزاب، فينظر فيه: فإن لم يمكن الانتفاع بالدار حسب ما كان يمكن وقت العقد إلا بنصب ذلك.. فعلى المكري ذلك، وإلا.. فلا.

مسألة: نفقة المركوب على المكري

وعلى المكري علف الظهر وسقيه؛ لأن التمكين من الانتفاع عليه، ولا يمكن الانتفاع به إلا بذلك.
فإن هرب الجمال.. فلا يخلو: إما أن يهرب بجماله، أو يهرب بنفسه ويترك جماله.
فإن هرب بجماله.. نظرت: فإن كانت الإجارة على ظهر في الذمة.. لم تنفسخ الإجارة بهرب الجمال؛ لأن المعقود عليه في الذمة لم يتلف.
فإن رفع المستأجر الأمر إلى الحاكم، وأثبت الإجارة عنده.. فإن الحاكم ينظر: فإن وجد للمكري مالًا استأجر منه للمستأجر ظهرًا؛ لأن المنفعة في ذمته، فإذا تعذرت من جهته.. قام الحاكم مقامه، كما لو كان في ذمته لغيره دين، فهرب.. فإن الحاكم يقضي الدين من ماله.

فإن لم يجد له مالًا.. اقترض عليه من بيت المال، أو من رجل من الرعية ما يكتري به الظهر، وإن لم يكن في بيت المال ما يقرضه، ولم يجد من يقرضه من الرعية، فإن اختار المكتري أن يقرضه، فقبض الحاكم المال منه، واكترى له به، أو فوض ذلك إلى أمين.. جاز، كما لو اقترض له من غيره، وإن أمر الحاكم المكتري ليكتري لنفسه من ماله، ويكون ذلك قرضًا على المكري.. قال الشيخ أبو حامد: فإن الشافعي قال في " البويطي ": (لا يجوز ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يكون وكيلًا لغيره في القبض من نفسه).
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق \ 333] في ذلك وجهين.
فإن تعذر عليه الاقتراض.. فالمكتري بالخيار: بين أن يقيم على الإجارة إلى أن يجد المكري، فيطالبه بما عليه، وبين أن يفسخ الإجارة، وتكون الأجرة دينًا له في ذمة المكري؛ لأن المعقود عليه تعذر، فثبت له الخيار، كما لو أفلس المشتري.
وإن كانت الإجارة على أجمال بأعيانها.. لم يكن للحاكم أن يكتري له غيرها؛ لأن الإجارة وقعت على عينها، فلا يجوز إبدالها بغيرها، كما لو باعه عينًا، فهرب بها، ويكون المكتري هاهنا بالخيار: بين أن يفسخ الإجارة؛ لأنه استحق المنفعة معجلة وقد تأخرت، فثبت له الخيار، وبين أن يصبر إلى أن يجد الجمال، فيستوفي حقه.
فإن اختار فسخ الإجارة.. نظرت: فإن كان قد استوفى بعض المنفعة.. انفسخت الإجارة فيما بقي، وهل تنفسخ فيما مضى؟ فيه طريقان، كما قلنا فيمن اشترى عبدين، فتلف أحدهما قبل القبض.
فإن قلنا: تنفسخ في الجميع.. رجع بجميع المسمى إن كان قد دفعه، ووجبت عليه أجرة المثل لما قد استوفاه، فيقاصه الحاكم.
وإن قلنا: تنفسخ في الباقي.. كان له الخيار فيما مضى، فإن اختار الفسخ.. فهو

كما لو قلنا: تنفسخ في الجميع، وإن اختار الإمضاء.. رجع بقسط ما بقي من المسمى.
وإن كان لم يستوف شيئًا من المنفعة.. انفسخ العقد في الجميع.
فإن كان قد سلم المسمى، وأقام البينة على ذلك عند الحاكم.. نظر الحاكم: فإن وجد للمكري مالًا.. دفع إلى المكتري ما سلمه من مال المكري.
وإن لم يجد له مالا.. كان ذلك دينا في ذمة المكري للمكتري إلى أن يجده، ولا يقترضه الحاكم هاهنا للمكتري؛ لأن الدين في ذمة المكتري، فإذا اقترض له من غيره.. كان ذلك دينًا في ذمته، فلا يحصل في ذلك فائدة، ويفارق المنفعة؛ لأنها من غير جنس المال المقترض، ولأن المنفعة تفوت بتأخيرها.
وإن لم يختر المكتري الفسخ.. نظرت: فإن كانت الإجارة على مدة، بأن اكترى منه الجمال ليركبها شهرًا.. فإنه كلما مضى جزء من الشهر.. انفسخ من الإجارة بقدره، فإن مضى الشهر قبل أن يرجع الجمال.. انفسخت الإجارة، وكان الحكم فيها كما لو فسخ المستأجر.
وإن كانت الإجارة على عمل، مثل: أن يستأجر الجمال ليركبها إلى موضع كذا.. لم تنفسخ الإجارة، ولكن متى وجد المستأجر الجمال التي اكتراها.. استوفى منفعته منها.
فأما إذا هرب الجمال وترك الجمال في يد المكتري.. فإن الجمال قد هرب من حقين: أحدهما: النفقة على الجمال بالعلف والسقي.
والثاني: القيام رفع الأحمال وحطها.
فإن رفع المستأجر الأمر إلى الحاكم.. نظر الحاكم:

فإن وجد للجمال مالًا.. أخذ منه ما يحتاج إليه لنفقة الجمال، وللقيام برفع الحمال وحطها، وسوق الظهر وقوده.
إن لم يجد له مالًا غير الجمال، فإن كان فيها فضل على ما يحتاج إليه المكتري.. باع الحاكم منها بقدر ما يحتاج إليه لذلك، وإن لم يكن فيها فضل.. اقترض عليه الحاكم من بيت المال إن كان فيه فضل، أو من رجل من الرعية.
وإن أراد أن يقترض من المكتري.. نظرت: فإن قبض منه المال ودفعه إليه، أو إلى رجل من أهل القافلة لينفقه على الجمال، أو استأجر من يرفع الأحمال ويحطها.. جاز ذلك.
وإن أمر الحاكم المكتري لينفق من ماله على ذلك قرضًا على الجمال.. فهل يصح؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصح؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون مقبول القول فيما يستحقه على غيره.
والثاني: يصح، وهو الأصح؛ لأنه موضع ضرورة؛ لأن إقامة أمين في ذلك يشق ويتعذر؛ لأنه يحتاج إلى الخروج معها وإلى الإنفاق في الطريق، فجاز له ذلك؛ لأن الحاكم قد لا يجد غيره.
ولا بد للجمال من علف وسقي.
فإذا قلنا بهذا: واختلف الجمال والمكتري في قدر ما أنفق عليها، فإن كان الحاكم قد قدر له ما ينفق عليها كل يوم، فادعى: أنه أنفق ذلك، وخالفه المكري.. فالقول قول المكتري فيه؛ لأن الحاكم قد قدر له ذلك، وهو أمين.
وقوله: إنه أنفق ذلك، مقبول، وإن كان الحاكم لم يقدر له ما ينفق كل يوم، وإنما أذن له في الإنفاق، فإن كان ما يدعيه النفقة بالمعروف.. فالقول قول

المكتري مع يمينه: أنه أنفق ذلك.
وإن ادعى أكثر من ذلك.. لم يقبل قوله في الزيادة؛ لأنه متطوع بها.
فإذا بلغ المكتري إلى الموضع الذي اكترى إليه.. فقد استوفى حقه، ويبيع الحاكم شيئًا من الجمال بقدر دين المكتري، ويقضيه إياه، فإن رأى الحاكم أن يبقي باقيها إلى أن يعود صاحبها، ويبيع منها شيئًا لينفق عليها.. جاز، وإن رأى أن يبيع باقيها، ويحفظ ثمنها على صاحبها.. جاز.
وإن أنفق المكتري بغير إذن الحاكم، فإن قدر على الحاكم ولم يستأذنه.. لم يرجع بشيء؛ لأنه متطوع، وإن لم يقدر على الحاكم، فإن أنفق من غير إشهاد، ولا شرط الرجوع.. لم يرجع بشيء؛ لأنه متطوع، وإن أشهد شاهدين: أنه أنفق ليرجع به على الجمال.. ففيه وجهان: أحدهما: يرجع؛ لأنه موضع ضرورة.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه لم ينفق بإذن من له الإذن، فلا يرجع به.
وإن لم يجد من يشهده.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يرجع؛ لما ذكرناه إذا أشهد مع وجود الحاكم.
والثاني: يرجع؛ لأن الجمال قد علم أنه لا بد للجمال من القيام بالعلف والسقي.
هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في الإبانة " ق \ 333]: إذا لم يجد قاضيًا، فأنفق.. فهل يرجع به؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يرجع به.
والثاني: لا يرجع به.
والثالث: إن أشهد.. رجع به، وإن لم يشهد.. لم يرجع به.

مسألة: استيفاء مدة المأجور

]: إذا استأجر عينًا على عمل، فاستوفاه، أو استأجرها مدة، فمضت تلك المدة وهي في يده.. فهل يلزم المكتري ردها؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه، وهو ظاهر النص، وبه قال مالك؛ لأنه قبضها لاستيفاء ما وجب له، فإذا انقضت الإجارة.. كان ممسكًا لها بغير إذن مالكها، فلزمه ردها، كالعارية، وكما لو أطارت الريح ثوبًا إلى بيته، وعرف مالكه.. فإن عليه رده إليه.
فعلى هذا: إن كان لردها مؤنة.. لزمته تلك المؤنة.
فإن تمكن من ردها، فلم يردها حتى مضت مدة، ثم تلفت.. لزمه أجرة المثل لتلك المدة، ولزمه قيمتها.
والوجه الثاني: لا يلزمه ردها، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها أمانة في يده، فلا يجب عليه ردها إلا بالمطالبة، كالوديعة، وتقدير الإجارة بالمدة لا يخرجها عن أن تكون أمانة بعد المدة، كما لو قال: أودعتك هذا شهرًا.. فإنه في الشهر بعده أمانة.
فعلى هذا: إذا مضت مدة بعد استيفاء منفعته.. لم يلزمه لها أجرة، إلا إن استوفى منفعته منها، فتكون مؤنة الرد على المؤاجر.
فإن استأجر عينًا، وشرط المؤاجر: أن على المستأجر ردها بعد انقضاء الإجارة، فإن قلنا: يلزمه الرد من غير شرط.. كان هذا الشرط تأكيدًا، وإن قلنا: لا يلزمه الرد.. ففيه وجهان: [الأول]: قال القاضي أبو الطيب في " المجرد ": يلزمه الرد؛ لأنه دخل في العقد على ذلك.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: تبطل الإجارة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الإجارة.

مسألة: هيئة سكنى الدار

إذا استأجر دارًا للسكنى.. فليس من شرطه أن يفسر السكنى؛ لأنه لا يمكن ضبطها بالوصف.
فعلى هذا: له أن يسكنها بنفسه وبغيره، وله أن يترك فيها الأمتعة التي لا تدق سقوفها، ولا يترك فيها السرجين؛ لأنه يفسدها.
وهل له أن يطرح فيها ما يسرع إليه الفساد؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك؛ لأن الفأر ينقب الحائط لأجله.
والثاني: له ذلك؛ لأن ذلك متعارف في السكنى.
ولا يسكنها الحدادين والقصارين؛ لأن ذلك يوهن الجدران فيها.
وإن استأجر دارًا ليسكنها وحده، فتزوج.. قال أبو حنيفة وصاحباه: (فله أن يسكنها معه).
وقال أبو ثور: (ليس له أن يسكنها معه).
قال الصيمري: وهو القياس.

فرع: استئجار القميص

وإن استأجر قميصًا ليلبسه.. فله أن يلبسه ليلًا ونهارا إذا كان مستيقظًا، وإن أراد أن ينام فيه.. نظرت: فإن كان ليلًا.. لم يجز؛ لأن ذلك غير متعارف.
وإن كان نهارًا.. قال الصيمري: فإن كان ساعة أو ساعتين.. جاز؛ لأن ذلك متعارف، وإن نام فيه أكثر النهار.. لم يجز؛ لأن ذلك غير متعارف.
وليس له أن

يتزر به؛ لأن ذلك غير متعارف في لبس القميص، وهل له أن يرتدي به؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك، كما قلنا في الاتزار به.
والثاني: له ذلك؛ لأنه أخف من اللبس.
وإن استأجره ليلبسه ثلاثة أيام ولم يذكر الليالي.. فهل تدخل الليالي؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة "، الأصح: تدخل.
وإن استأجره يومًا كاملًا.. فوقته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
فإن قال: يومًا، وأطلق.. قال الصيمري: كان ذلك من وقته إلى مثله من الغد.
وإن استأجره نهار يوم.. فوجهان، حكاهما الصيمري: أحدهما: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
والثاني: من طلوع الشمس إلى غروبها.

فرع: اشتراط النزول في الطريق

وإن اكترى ظهرًا ليركبه إلى بلد، فإن شرط المكري: أنه ينزل للرواح عن الدابة، أو شرط المكتري: أنه لا ينزل للرواح عنها.. حملا على ما شرطا، وإن أطلقا ذلك وقد جرت عادة الناس في النزول عن الدواب في تلك الطريق للرواح عليها، فإن كان الراكب مريضًا، أو امرأة، أو شيخًا زمنًا.. لم يلزمه النزول، وإن كان رجلًا صحيحًا.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه النزول؛ لأن العرف قد جرى بذلك، فصار كالمشروط.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه عقد الإجارة على جميع المسافة، وفي إيجاب النزول إخلال ببعض ما عقد عليه، فلم يجب.

فرع: استئجار مركب مسافة معينة

وإن استأجر ظهرًا ليركبه إلى مكة.. لم يكن له أن يحج عليه؛ لأن ذلك أكثر، وإن استأجره ليحج عليه.. فله أن يركبه من مكة إلى عرفات، ومن عرفة إلى المزدلفة، ثم إلى منى، ثم إلى مكة للطواف والسعي، وله أن يطوف عليه ويسعى، وهل له أن يركبه من مكة إلى منى؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأنه من تمام الحج.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه قد حل من الإحرام.

مسألة: استئجار مركب لأجل نقل بضاعة

وإن اكترى ظهرًا ليحمل عليه أرطالًا من الزاد إلى بلد، فإن سرق الزاد، أو تلف بغير الأكل.. فله إبداله، وإن نقص الزاد بالأكل المعتاد.. فهل له إبداله؟ فيه قولان: أحدهما: له إبداله، كما لو اكترى ظهرًا ليحمل عليه ثيابًا إلى بلد، فباع في الطريق بعضها.. فله أن يبدل مكان ما باع غيرها، ولأنه لا خلاف أنه إذا اكتراه ليحمل له الماء.. فإن له أن يبدل مكان ما فني منه، فكذلك الزاد.
والثاني: ليس له إبداله؛ لأن العادة جرت أن الزاد لا يبقى في جميع مسافة الطريق، وإنما ينقص بالأكل، فحمل ذلك على العرف.
وقال أبو إسحاق: القولان إذا كان الزاد من أول الطريق إلى آخره بسعر واحد، لا يزيد ولا ينقص، فأما إذا كان الزاد في موضع من الطريق غاليًا، وفي موضع رخيصًا.. فله أن يبدله مكان ما أكله، قولًا واحدًا؛ لأن له غرضًا إذا اختلف سعره أن لا يشتري من موضع واحد.

مسألة: لا يمنع من ضرب الدابة المعتاد

وإن استأجر دابة.. فله أن يضربها الضرب المعتاد للمشي؛ لما روي عن جابر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشترى منه جملًا، وحمله عليه إلى المدينة، وكان يضربه بالعصا».
وله أن يكبحها باللجام، وهو: أن يجبذ لجامها بالعنان حتى يلوي رأسها، ويرده إليه؛ لأن ذلك متعارف.

مسألة: استأجره لمنفعة فله أن يفوت بعضها

وإن استأجر عينًا لمنفعة معينة.. فله أن يستوفي تلك المنفعة، أو مثلها، أو دونها، مثل: أن يستأجر دابة ليركبها في طريق إلى بلد، فله أن يركبها في مثل تلك الطريق في الأمن والسهولة والحزونة القدر، وكذلك: لو استأجرها ليركبها في طريق حزن.. فله أن يركبها في طريق سهل لا يزيد عليه في القدر، وكذلك: لو استأجرها ليركبها بنفسه.. فله أن يركبها من هو في مثل حاله في الطول والقصر والهزال والسمن، وليس له أن يستوفي أكثر من المنفعة التي استأجر عليها، كما قلنا فيمن استأجر أرضًا للغراس.. فله أن يزرعها، ولو استأجرها للزرع.. لم يغرس فيها.
ولو اكترى دابة بعينها، فأراد المكري أن يعطيه غيرها.. لم يلزم المكتري قبولها.
والفرق بينهما: أن المعقود عليه منفعة الدابة، فلم يكن له أن يدفع إليه غيرها، كما لو باع منه دابة، وأراد أن يعطيه غيرها.
وليس كذلك الراكب، فإنه هو المستوفي، فجاز أن يستوفي بنفسه وبغيره، كما لو كان له دين على غيره.. فإن له أن يستوفيه بنفسه، وله أن يوكل من يستوفيه.

فرع: ما اكتراه له لا يغيره

فإن اكترى ظهرًا ليحمل عليه القطن.
لم يكن له أن يحمل عليه الحديد، وإن اكتراه ليحمل عليه الحديد.. لم يكن له أن يحمل عليه القطن؛ لأن في كل واحد منهما ضررًا على الظهر، وارتفاقًا له ليس في الآخر مثله.
وإن اكتراه ليركبه بالسرج.. لم يركبه من غير سرج؛ لأنه أضر به، وإن اكتراه ليركبه من غير سرج.
لم يكن له أن يركبه بسرج؛ لأنه أثقل عليه.
وإن اكتراه ليركبه.. لم يحمل عليه المتاع، وإن اكتراه ليحمل عليه المتاع.. لم يكن له أن يركبه؛ لأنهما لا يتساويان.

فرع: الاستئجار للسكن والإسكان

وإن أكراه دارًا ليسكنها ويسكن بها من شاء.. فله أن يسكنها القصارين، والحدادين، وأضر من سكن؛ لأنه مأذون فيه.
وإن قال: على أن تسكنها بنفسك، أو أطلق.. فله أن يسكنها بنفسه، وله أن يسكنها من هو في مثل حاله، ولا يسكنها من هو أضر منه، كالحدادين، والقصارين.
وإن أجره إياها على أن يسكنها بنفسه، ولا يسكنها مثله، ولا من هو دونه، أو أجره بهيمة ليركبها في طريق، ولا يركبها في مثله ولا دونه، ولا يركبها من هو مثله، أو دونه.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تصح الإجارة؛ لأنه شرط ينافي مقتضاها.
والثاني: الإجارة صحيحة والشرط باطل؛ لأنه لا ضرر على المؤاجر بذلك، فبقيت الإجارة على مقتضاها.
والثالث: أن الإجارة جائزة، والشرط صحيح؛ لأن المستأجر لم يملك المنفعة إلا من جهة المؤاجر، فلم يملك غير ما ملكه إياه.

مسألة: المستأجر يؤجر المؤجر وغيره

إذا استأجر عينًا وقبضها.. فله أن يؤاجرها من المؤاجر، ومن غيره.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز أن يؤاجرها من المؤاجر).
دليلنا: أن كل ما جاز العقد عليه مع غير العاقد.. جاز مع العاقد، كما لو اشترى عينًا وقبضها.
ولأن على قول من قال من أصحابنا: عقد الإجارة وقع على العين، وقد قبض العين، وعلى قول من قال: إنها وقعت على المنفعة، فإن المنفعة قد صارت في حكم المقبوض.
ولأنه قد أمكنه استيفاؤها، فصار كما لو اشترى عينًا فقبضها، وإن كان لم يقبضها.
فإن أجرها من غير المكري.. فهل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن المنفعة في محلها تحل محل الأعيان، بدليل: أنها تضمن بالعقد الصحيح بالمسمى، وبالفاسد بالمثل، كبيع الأعيان، وقد ثبت أنه لو ابتاع عينًا لم يجز له أن يبيعها قبل أن يقبضها، فكذلك هذا مثله.
والثاني: يجوز، وهو قول أبي العباس؛ لأن قبض العين في الإجارة لا تأثير له في قبض المنفعة، ألا ترى أنه إذا استأجر دارًا، فقبضها، وانهدمت قبل استيفاء المنفعة.. انفسخت الإجارة، كما لو انهدمت قبل القبض؟ والأول أصح.
وإن أجرها المستأجر من المؤاجر قبل القبض، فإن قلنا: يصح أن يؤاجرها من غيره.. فمنه أولى أن يصح، وإن قلنا: لا يصح أن يؤاجرها من غير المؤاجر.. فهل يصح أن يؤاجرها من المؤاجر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لما ذكرناه في الأجنبي.
والثاني: يصح؛ لأنها في قبضته.
والأول أصح؛ لأن هذا يبطل بمن اشترى عينًا وباعها من بائعها قبل القبض.
إذا ثبت هذا: فيجوز أن يؤاجرها بمثل ما استأجرها به، وبأقل منه، وبأكثر منه.

وقال أبو حنيفة: (لا يجوز أن يؤاجرها بأكثر منه إلا أن يكون قد أحدث فيها عمارة).
دليلنا: أن كل ما جاز أن يؤاجره بمثل ما استأجره.. جاز أن يؤاجره بأكثر منه، كما لو أحدث فيها عمارة.

مسألة: زرع ما لا يستحصد قبل مضي مدة الإجارة

إذا اكترى أرضًا مدة ليزرعها، وأطلق.. فقد مضى في ذلك وجهان، الأصح: أن الإجارة صحيحة.
إذا ثبت هذا: فإن أراد المستأجر أن يزرع فيها زرعًا لا يستحصد في مثل تلك المدة.. فهل للمكري أن يمنعه؟ فيه وجهان: [الأول]: قال الشيخ أبو إسحاق: لا يمنع منه؛ لأنه يستحق الزراعة إلى أن تنقضي المدة، فلا يجوز منعه منه قبل انقضائها، ولأنه لا خلاف أنه إذا سبق وزرع.. لم يجبر على قلعه قبل انقضاء المدة، فلم يمنع من زراعته.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: يمنع من زراعته؛ لأنه متعد بذلك؛ لأنه لا يستحق منفعة الأرض أكثر من المدة المقدرة، وإذا أراد أن يزرع ما لا يستحصد فيها.. فربما رأى حاكم تبقية الزرع إلى أن يحصد، فيؤدي ذلك إلى الضرر بصاحب الأرض.
فإن بادر وزرع، أو قلنا بالأول: إنه لا يمنع.. لم يكن لصاحب الأرض مطالبته بقلعه قبل انقضاء المدة؛ لأنه ملك منفعة الأرض فيها، فإذا انقضت المدة.. فله أن يطالبه بنقله؛ لأنه لا يفيد تقدير الإجارة بالمدة إلا ذلك، فإن اتفقا على تركه بعارية أو أجرة.. جاز؛ لأن الحق لهما.

فرع: مضت المدة والزرع لم يستحصد

وإن اكترى أرضًا مدة ليزرعها، فزرعها، وانقضت المدة والزرع لم يستحصد.. فلا يخلو: إما أن يكون استأجرها لزرع مطلق، أو لزرع معين.
فإن كان استأجرها لزرع مطلق، وقلنا: يصح، فإن لم يستحصد لتفريط من المكتري، بأن زرع في الأرض زرعًا لا يستحصد في مثل تلك المدة، أو كان مما يستحصد فيها إلا أنه أخر زراعته.. فللمكري أن يطالبه بنقله عند انقضاء المدة؛ لأنه لا يفيد تقدير الإجارة بالمدة إلا تفريغ العين المستأجرة، فإن اتفقا على ترك الزرع إلى الحصاد بإعارة أو إجارة.. جاز.
وإن لم يستحصد بغير تفريط منه، بأن اشتد البرد، أو قل المطر.. ففيه وجهان: أحدهما: يجبر المكتري على نقل الزرع؛ لأنه فرط، أو كان يمكنه أن يستظهر بالزيادة في مدة الإجارة.
فعلى هذا: إن اتفقا على تركه بإجارة أو إعارة إلى الحصاد.. جاز.
والثاني: لا يجبر على نقله، وهو الصحيح؛ لأنه لا صنيع له في تأخر الزرع، وقد زرع ما يجوز له زرعه، وما قاله الأول.. غير صحيح؛ لأنه لا فائدة في أن يكتري أكثر مما جرت العادة بأن يدرك الزرع فيه في الغالب؛ لأن فيه تضييع الأجرة، و: «قد نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن إضاعة المال».
فعلى هذا: يجب للمكري أجرة المثل لما زاد على مدة الإجارة؛ لأنه لا يجوز الإضرار به في تعطيل منفعة أرضه بغير عوض.
وإن كان استأجر الأرض لزرع معين لا يستحصد في مثل تلك المدة.. نظرت: فإن شرط عليه قلعه عند انقضاء المدة.. فالإجارة صحيحة؛ لأن له غرضًا في

قلعه، فإذا انقضت المدة.. أخذ بقلعه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمنون على شروطهم»، وإن اتفقا على تركه بإجارة أو إعارة.. جاز.
وإن شرطا تبقية الزرع فيها إلى أن يستحصد.. فالإجارة باطلة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الإجارة، فأبطلها، وله أن يمنعه من الزراعة، فإن بادر المكتري، فزرعها قبل المنع.. لم يجبر على نقله؛ لأنه زرع مأذون فيه، ويجب للمكري أجره المثل؛ لأنه استوفى منفعة أرضه بعقد باطل.
وإن أطلقا ولم يشرطا القلع ولا التبقية.. فإن الإجارة صحيحة؛ لأن الانتفاع بالزرع في تلك المدة ممكن، وهل يجبر على نقله عند انقضاء المدة؟ فيه وجهان: [الأول]: قال أبو إسحاق: يجبر؛ لأنه لا يفيد تقدير الإجارة بالمدة إلا ذلك، فإن تراضيا على تركه بإجارة أو إعارة.. جاز.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: لا يجبر؛ لأن المكري لما أجره أرضه مدة لزرع لا يستحصد فيها.. فقد رضي بتركه فيها؛ لأن العادة جرت أن الزرع لا يحصد إلا بعد أن يستحصد.
فعلى هذا: يجب للمكري أجرة مثل أرضه؛ لما زاد على مدة الإجارة.

فرع: يلزم المكتري قلع ما بقي بعد الحصاد

]: وإذا اكترى أرضًا للزراعة، فزرعها، وحصد زرعه.. فإنه يلزم المكتري قلع ما بقي في الأرض من قصب الزرع وعروقه؛ لأنه عين ماله، فلزمه إزالته عن أرض الغير.

مسألة: غرس زرع بعد انقضاء المدة

وقبلها]: وإن اكترى أرضًا مدة للغراس.. فليس له أن يغرس بعد انقضاء المدة؛ لزوال العقد، فإن غرس شيئًا بعد المدة.. أخذ بقلعه؛ لأنه غرس غير مأذون فيه، وأما ما غرسه قبل انقضاء المدة: فينظر فيه:

فإن كان قد شرط قلعه بعد انقضاء المدة.. أخذ بقلعه؛ لأنه دخل في العقد على ذلك، ولا يجب على المكري غرامة ما نقص الغراس بالقلع، ولا على المكتري تسوية حفر الأرض، ولا أرش نقصها بالقلع؛ لأنهما رضيا بذلك.
فإن قيل: هلا قلتم: إن شرط القلع يبطل هذه الإجارة؛ لأن إطلاقها يقتضي التبقية، وكل عقد صح مطلقًا بطل بالتوقيت، كالنكاح؟ قلنا: التبقية بعد المدة ليست من مقتضى العقد، فلذلك لم يبطل العقد إذا شرط ما يخالف مقتضاه، وإنما التبقية من مقتضى الإذن، فلذلك شرط القلع لم يؤثر في العقد.
وإن لم يشرطا القلع، ولكن أطلقا أو شرطا التبقية.. فالحكم فيهما واحد.
فإن لم يختر المكتري القلع.. لم يجبر على قلعه من غير عوض.
وقال أبو حنيفة، والمزني: (يجبر على قلعه من غير عوض).
وقال مالك: (المكري بالخيار: بين أن يطالب بالقلع من غير ضمان، أو يدفع قيمته ليكون له، أو يبقيه في الأرض، ويكونا شريكين).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس لعرق ظالم حق».
وهذا ليس بظالم، فوجب أن يكون له حق، ولأن كل من اكترى ملكًا لغيره.. فإن تفريغه على حسب العادة، والعادة في الشجر أنه يراد للتأبيد، ولا ينقل حتى يجف وييبس.
إذا ثبت هذا: فإن اختار المكري أن يقلع غراسه.. كان له ذلك؛ لأنه عين ماله، فملك نقله إلى حيث شاء، وهل يلزمه تسوية حفر الأرض، وأرش نقص إن حدث بها لأجل القلع؟ ينظر فيه: فإن قلعه بعد انقضاء مدة الإجارة.. لزمه ذلك.
واختلف أصحابنا في تعليله:

فمنهم من قال: لأنه قلع غراسه من ملك الغير بغير إذنه، فهو كالغاصب.
ومنهم من زاد وصفًا آخر، فقال: لأنه قلعه من أرض غيره بغير إذنه، ولا يد له عليها.
وإن كان ذلك قبل انقضاء المدة، فمن قال بالتعليل الأول.. فإنه قال: يجب عليه تسوية الأرض وأرش النقص، ومن قال بالثاني.. قال: لا يجب عليه هاهنا شيء.
والأول أصح.
وإن لم يختر المكتري القلع.. فالمكري هاهنا بالخيار بين ثلاثة أشياء: [الأول]: بين أن يعطي المكتري قيمة غراسه، ويتملكه مع أرضه.
قال الشافعي: (وإن كانت عليه ثمرة.. أعطاه قيمة الثمرة أيضًا؛ لأنها ملك لصاحب الغراس).
فلما جاز أن يعطيه قيمة الشجرة ويملكها.. فكذلك الثمرة.
و [الثاني]: بين أن يقلع الغراس، ويضمن ما نقص بالقلع، فيقال: كم قيمته وهو ثابت؟ فإن قيل: مائة.. قيل: فكم قيمته وهو مقلوع؟ فإن قيل: خمسون.. دفع إليه خمسين، وقلع.
و [الثالث]: بين أن يقر الغراس في الأرض، ويطالبه بأجرة مثلها؛ لأن الضرر يزول عنهما بذلك.
فإن اختار إقراره بالأجرة، ثم بدا للمكري، وبذل قيمته ليتملكه، أو بذل أرش نقصه ليقلعه.. كان له ذلك.. وكذلك لو اختار المكتري قلع غراسه بعد أن كان قد رضي ببذل الأجرة.. كان له ذلك.
فإن باع صاحب الغراس غراسه من صاحب الأرض.. صح بيعه، وإن باعه من غيره.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن ملكه غير مستقر؛ لأن لصاحب الأرض أن يبذل قيمته ليتملكه.
والثاني: يصح، وهو الصحيح؛ لأن ملكه ثابت عليه في الحال، واستحقاق المكري إزالة ملكه عنه لا يمنع صحة البيع، كما لو باع ما فيه الشفعة.

[فرع: غرس أرضًا في إجارة فاسدة]

فإن اكترى أرضًا كراء فاسدًا، فغرس فيها أو بنى.. كان الحكم في قلع ذلك أو إقراره حكم ما ذكرناه في الإجارة الصحيحة؛ لأنه مأذون فيه.
وبالله التوفيق

باب ما يوجب فسخ الإجارة

إذا وجد المستأجر بالعين التي استأجرها عيبًا لم يعلم به، تنقص به المنفعة، بأن وجد الظهر أعرج، أو وجد العبد المستأجر للخدمة أجذم، أو أبرص، أو انقطع الماء في البئر في الدار المستأجرة، وما أشبه ذلك.. فله أن يرد العين بالعيب؛ لأن إطلاق العقد يقتضي السلامة من العيب، فثبت له الرد لأجله، كما لو اشترى عينًا، فوجد بها عيبًا، وكذلك: إذا حدث العيب في العين المستأجرة في يد المستأجر.. فله أن يردها؛ لأن العين في يد المستأجر كالعين في يد المؤاجر، فإذا ثبت له الرد فيما كان موجودًا في يد المؤاجر.. فكذلك بما أحدث في يد المستأجر.
وإن اكترى أرضًا للزراعة فزرعها، فأفسد الماء أو الجراد زرعه، أو اكترى دكانًا ليبيع فيه البز، فاحترق بزه.. لم يكن له أن يفسخ الإجارة؛ لأن المنفعة لم تهلك، وإنما هلك مال المستأجر.
وأما إذا جاء سيل فغرق الأرض المستأجرة، أو زاد نهر فغرقها.. قال الشيخ أبو حامد: فإن كان السيل والماء ينفصل عنها بعد يوم أو يومين، أو بعد مدة لا تفوت بها الزراعة.. فإن الإجارة لا تنفسخ؛ لأن المنفعة لم تهلك، وإنما عارضها عارض، إلا أن له خيار الفسخ؛ لأن المنفعة تأخرت، فهو كإباق العبد المستأجر، وإن كان الماء بحيث لا يزول عنها، فإن كان ذلك عقيب عقد الإجارة.. انفسخت الإجارة؛ لأن المنفعة قد تلفت، ويسترد المستأجر المسمى إن كان قد دفعه، وإن كان قد مضى من زمان الإجارة مدة لها أجرة.. انفسخ العقد فيما بقي من مدة الإجارة، وهل ينفسخ فيما مضى منها؟ على الطريقين فيمن اشترى عبدين، فتلف أحدهما قبل القبض.
فإذا قلنا: تنفسخ في الجميع.. وجبت عليه أجرة المثل؛ لما مضى من المدة.
وإن قلنا: تنفسخ في الباقي لا غير.. ثبت للمستأجر الخيار فيما مضى من المدة؛

لأن الصفقة تفرقت عليه، فإن فسخ العقد فيها.. كان كما لو قلنا: ينفسخ، وإن لم يفسخ.. قسم المسمى على أجرة المثل لما مضى، وأجره المثل لما بقي من المدة.
وإن استأجر دارا فتشعثت: لزم المكري إصلاحها، فإن أصلحها.. فلا كلام، وإن لم يصلحها.. فللمستأجر الخيار في فسخ الإجارة؛ لأن ذلك عيب بها.
وإن لم تفسخ حتى مضت مدة الإجارة.. فهل يلزمه جميع الأجرة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه جميع الأجرة؛ لأنه لم يستوف جميع المنفعة، فهو كما لو سكنها بعض المدة، فانهدمت.
فعلى هذا: يقال: كم أجرة مثل هذه الدار قبل التشعث؟ فإن قيل: عشرون.. قيل: فكم أجرة مثلها وهي متشعثة؟ فإن قيل: خمسة عشر.. سقط عنه من المسمى ربعه إن وجد التشعث في ابتداء مدة الإجارة، وإن وجد بعد مضي بعض المدة، بأن مضى من المدة نصفها.. رجع بثمن الأجرة.
والوجه الثاني: يلزمه جميع الأجرة المسماة؛ لأنه رضي بسكناها ناقصة، فلزمه جميع المسمى، كما لو اشترى عبدًا، فوجد به عيبًا ولم يرده.

فرع: رد العين المستأجرة بالعيب

ومتى رد العين المستأجرة بالعيب، فإن كانت الإجارة وقعت على عينها.. لم يكن له أن يطالب ببدلها، كما لو اشترى عبدًا، فوجد به عيبًا فرده.. فإنه لا يطالبه ببدله.
فإن ردها بالعيب قبل أن يمضي شيء من المدة.. انفسخ العقد، ورجع بجميع المسمى، وإن كان ذلك بعد أن مضى شيء من المدة.. انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة، وهل تنفسخ فيما مضى؟ على الطريقين.
وإن كانت الإجارة على عين في الذمة.. لم تنفسخ الإجارة برد العين، بل له أن يطالب ببدلها سليمة، كما لو أسلم إليه على شيء، فدفعه إليه، فوجد به عيبًا.

مسألة: استأجر دابة فماتت

وإن استأجر من رجل عبدًا، فمات قبل قبض العبد، أو بهيمة بعينها، فماتت، فإن كان ذلك قبل أن يقبضها المستأجر.. انفسخت الإجارة، كما لو اشترى عبدًا، فمات قبل القبض.
وإن قبضه المستأجر واستوفى المنفعة، ثم مات العبد، أو البهيمة.. لم يؤثر ذلك في الإجارة؛ لأنه قد استوفى المنفعة.
وإن مات بعد أن قبضه المستأجر، وقبل أن يمضي شيء من مدة الإجارة.. انفسخت الإجارة، وبه قال كافة الفقهاء، إلا أبا ثور، فإنه قال: (لا تنفسخ، كما لو اشترى عبدًا، فقبضه، ثم مات في يده).
وهذا خطأ؛ لأن المعقود عليه هو المنفعة، وقد تلفت قبل القبض، فانفسخت الإجارة، كما لو مات قبل القبض.
وإن مات العبد بعد أن استوفى المستأجر بعض المنفعة وبقي البعض.. انفسخت الإجارة فيما بقي، وهل تنفسخ فيما مضى؟ على الطريقين.

[مسألة: استأجر دارًا فهدمت]

وإن استأجر دارًا للسكنى فانهدمت.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (تنفسخ الإجارة)، وقال فيمن أجر أرضًا للزراعة، فانقطع ماؤها: (فإن الإجارة لا تنفسخ، ولكن يثبت للمستأجر الخيار في فسخ الإجارة).
فمن أصحابنا من قال: فيهما قولان: أحدهما: تنفسخ فيهما الإجارة؛ لأن المنفعة المعقود عليها قد تلفت، فهو كما لو مات العبد المستأجر.

جارٍ التحميل