البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 283-323

كتاب الإجارة

صفحات 283-323
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب الإجارة وهي مشتقة من الأجر، وهو الثواب.
تقول: أجرك الله، أي: أثابك الله، فكأن الأجرة عوض عمله، كما أن الثواب عوض عمله.
إذا ثبت هذا: فيجوز عقد الإجارة على المنافع المباحة، مثل: أن يؤاجر نفسه أو عبده للخدمة، أو داره للسكنى، وما أشبه ذلك، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال عبد الرحمن الأصم، والقاساني: لا تصح الإجارة؛ لأنها غرر.
ودليلنا: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6].
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو لم يكن في الإجارة إلا هذا.. لكفى).
وذلك:

أن الله تعالى ذكر: أن المطلقة إذا أرضعت ولد زوجها.. فإنه يعطيا أجرها، والأجرة لا تكون إلا في إجارة، والرضاع غرر؛ لأن اللبن قد يقل وقد يكثر، وقد يكون الصبي يشرب من اللبن قليلًا، وقد يشرب من اللبن كثيرًا، وقد أجازه الله تعالى.
ويدل على صحتها: قَوْله تَعَالَى - في قصة موسى وشعيب -: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26] ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] [القصص: 26 - 27]. فلولا أن الإجارة كانت جائزة في شرعهم.. لما قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: 26]، ولأنكر عليها شعيب، وأيضًا فإنه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27].
فجعل المنفعة مهرًا.
وقَوْله تَعَالَى - في قصة الخضر وموسى -: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] [الكهف: 77].
وأما السنة: فروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من استأجر أجيرًا.. فليبين له الأجرة».

وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى فيّ عهدًا ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولم يوفه أجرته».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بكر استأجر رجلًا خريتًا عالمًا بالهداية».
والخريت: الدليل.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احتجم وأعطى الحجام أجرته».
وأما الإجماع: فروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (أنه أجر نفسه ليهودي يستقي له الماء؛ كل دلو بتمرة).
وروي: أن ابن عمر، وابن عباس قالا في قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] [البقرة: 198]: (هو أن يحج الرجل ويؤاجر نفسه).
وروي: (أن عبد الرحمن بن عوف استأجر أرضًا، فبقيت في يده إلى أن مات، فقال أهله: كنا نرى أنها له حتى وصى بها، وذكر: أن عليه شيئًا من أجرتها).
وما روي خلاف ذلك عن أحدٍ من الصحابة.
وأما القياس: فلأن المنافع كالأعيان، فلما جاز عقد البيع على الأعيان.. جاز عقد الإجارة على المنافع.

مسألة: لا أجرة على المنفعة المحرمة

]: ولا تجوز الإجارة على المنافع المحرمة، مثل: أن يستأجر رجلًا ليحمل له خمرًا لغير الإراقة.

وقال أبو حنيفة: (يصح).
دليلنا: قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لعن الله الخمرة وحاملها».
وإذا كان حملها محرمًا.. قلنا: منفعتها محرمة، فلم يجز أخذ العوض عليها، كالميتة، والدم.
وإن استأجره على حمل خمر لإراقتها.. قال ابن الصباغ: صحت الإجارة؛ لأن إراقتها واجبة.

فرع: الإجارة لما فيه نفع

ذكر الصيدلاني: أن الشافعي قال في " حرملة ": (يجوز الاستئجار على كنس الخلاء؛ لأنها تقع على منفعة وإن كان بإخراج نجاسة، فصحت كالحجامة).
قال الشافعي: (وإن استأجره لطرح بهيمة ماتت بجلدها.. لم تصح الإجارة؛ لأن جلدها لا يجوز أن يكون ثمنًا، فلم يجز أن يكون أجرة، فإن رافعه إلى الحاكم، فإن كان قبل العمل.. فلا شيء له، وإن كان بعد العمل.. استحق أجرة المثل؛ لأنه عمل بعوض لم يسلم له).
فإن كان الأجير قد سلخ الجلد.. قال ابن الصباغ: رده إليه؛ لأن يد مالك الشاة مقرة عليه، وله استصلاحه.

فرع: استئجار الكلاب

وهل يجوز استئجار الكلاب المعلمة؟ فيه وجهان: من أصحابنا من قال: يجوز؛ لأن منفعتها مباحة، فجاز استئجارها، كسائر المنافع المباحة.
ومنهم من قال: لا يجوز، وهو الصحيح؛ لأنها منفعة غير مملوكة، وإنما أبيحت للحاجة، كالميتة للمضطر.
والدليل على أنها غير مملوكةٍ: أنها لا تضمن بالغصب، وكل منفعة لا تضمن بالغصب، لا يصح الاستئجار عليها.

فإن استأجر بيتا ليتخذه بيت نارٍ، أو كنيسة، أو ليبيع فيه الخمر.. لم تصح الإجارة.
وبه قال أبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (يصح).
دليلنا: أنه فعل محظور، فلا يجوز الاستئجار عليه، كما لو استأجر امرأة ليزني بها.
وإن استأجر دارًا أو بيتًا ليتخذه مسجدًا ليصلي فيه.. صحت الإجارة، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح عقد الإجارة بذلك؛ لأن فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة بحال، فلا تجوز الإجارة له، كما لو استأجر امرأة ليزني بها).
وهذا غير صحيح؛ لأن ذلك فعل جائز، فجاز الاستئجار له، كالخياطة.
وما ذكروه.. فلا يصح؛ لأن الصلاة لا تدخلها النيابة، فلا ينتفع بها المستأجر، بخلاف المسجد، ويفارق الزنا، فإنه فعل محظور.

فرع: لا يستأجر الفحل للضراب

]: ولا تجوز إجارة الفحل للضراب، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (يجوز) وبه قال أبو علي بن أبي هريرة من أصحابنا، لأنها منفعة تستباح بالإعارة، فاستبيحت بالإجارة، كسائر المنافع.
والأول أصح؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن عسب الفحل»، وبعضهم يرويه: (عن ثمن عسب الفحل).
وقد اختلف في العسب: فقال الأموي، وأبو عبيدٍ [في " غريب الحديث " 1/154]: هو الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، يقال: عسبت الرجل أعسبه عسبًا: إذا أعطيته الكراء على ذلك، وعلى هذا تحمل رواية من روى: (ثمن عسب الفحل)، أي: عن كراء الفحل.
وقال بعض أهل اللغة: العسب: هو الضراب نفسه؛ لقول الشاعر، وذكر قومًا أسروا له عبدًا، فرماهم به:

فلولا عسبه لتركتموه... وشر منيحةٍ عسب معار ويروى: فلولا عسبه لرددتموه... وشر منيحةٍ هنه معار وعلى هذا تحمل رواية من روى: (عن ثمن عسب الفحل)، ولأن ذلك لا يقدر على تسليمه؛ لأنه متعلق باختيار الفحل وشهوته.
فإن استعار من رجل فحلًا، وأعطاه هدية أو كرامة.. جاز لمالك الفحل قبولها.
وقال أحمد: (لا يجوز؛ لأن ما منع من أخذ الأجرة عليه.. لا يجوز قبول الهدية لأجله، كمهر البغي، وحلوان الكاهن).
دليلنا: أنه هدية لأجل منفعة مباحة، فجاز أخذها، كالهدية للحجام، وأما البغي والكهانة: فهما شيئان محظوران، فلم يجز أخذ الهدية لأجلهما.

فرع: استئجار الأموال

ولا يجوز استئجار الدراهم والدنانير ليتجر بها؛ لأنه لا يمكن التجارة بها إلا بإتلافها، والإجارة لا تصح إلا في عين يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها.
وهل تصح إجارتها ليجمل بها الدكان، ويتركها التاجر في يده، ويقلبها ليأمنه الناس ويعاملوه؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنها منفعة مباحة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين، فهي كسائر المنافع.

والثاني - وهو الصحيح -: لا تصح؛ لأنها منفعة لا تضمن بالغصب، فلم يصح الاستئجار عليها كوطء الأمة، وما ذكره الأول.. يبطل بالطعام، فإن الطعام يتجمل به الحناط بتركه في دكانه ليعامله الناس، ومع هذا فلا يصح إجارته لذلك.
وهل يصح استئجار الطعام ليعاير به الكيال والمكاييل؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري.

فرع: استئجار البستان للثمرة

وإن استأجر بستانًا لأخذ ثمرته، أو استأجر موضعًا ليرعى فيه.. لم يصح؛ لأن الثمرة والمراعي أعيان، فلا تستباح بعقد الإجارة.
وإن استأجر بستانًا لينظر إليه.. لم يصح؛ لأنه يملك النظر إليه من غير إذن صاحبه، فبذل المال في ذلك سفه، فلم يصح.
وإن استأجر أشجارًا ليجفف عليها الثياب، أو ليشد عليها حبلًا يجفف عليه الثياب.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنها منفعة غير مقصودة.
والثاني: يصح؛ لأنها منفعة مباحة، فهي كسائر المنافع.
قال الشيخ أبو إسحاق: وكذلك الوجهان فيمن استأجر شجرًا للاستظلال به، ولعله أراد: إذا كان قعود المستظل في ملك صاحب الشجر، فأما إذا كان قعوده في ملكه، أو في موضع مباح، بأن يكون الشجر يجاوره بملكه، أو بموضع مباح، وظلها فيه.. فلا يصح استئجاره لذلك، وجهًا واحدًا؛ لأنه يملك القعود في ظلها من غير إذن صاحب الشجرة، وبذل المال فيه من أكل المال بالباطل.
ولو قيل: إذا كان قعود المستظل في ملك صاحب الشجرة.. صحت الإجارة، وجهًا واحدًا، كما لو استأجر منه بيتًا ليستظل فيه.. لم يكن بعيدًا.
وإن استأجر حبلًا ليجفف عليه الثياب.. قال ابن الصباغ: صح ذلك، وجهًا واحدًا؛ لأن ذلك منفعة مقصودة منه.

فرع: استئجار الكتب

]: وإن استأجر كتابًا فيه قرآن، أو فقه، أو طب، أو شعر مباح، وما أشبه ذلك ليقرأ فيه.. صح.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح، كما لا يصح أن يستأجر سقف بيت فيه تصاوير لينظر إليها).
دليلنا: أن هذا منفعة مباحة، فجاز عقد الإجارة عليها، كلبس القميص، وأما النظر إلى السقف والتصاوير: فليس بمقصود.
قال ابن الصباغ: وإن كان النظر إلى السقف شيئًا مقصودًا مباحًا.. جاز استئجاره لذلك أيضًا.

فرع: استئجار حائط لأجل وضع خشبه

فإن استأجر حائطًا ليضع عليه خشبًا معلومة، مدة معلومة.. صح.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح).
دليلنا أن هذه منفعة مقصودة مقدور على استيفائها، فصحت الإجارة عليها؛ كما لو استأجر سطحًا لينام عليه، أو ثوبًا ليلبسه.

فرع: الاستئجار لاستيفاء القصاص

وإن استأجر رجلًا يستوفي له القصاص في الطرف، أو في النفس.. صح.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح في النفس؛ لأن عدد الضرب مجهول).
دليلنا: أن هذا حق يجوز التوكيل في استيفائه، فجاز عقد الإجارة عليه، كالقصاص في الطرف، وتكون الأجرة هي على المقتص منه.

وقال أبو حنيفة: (هي تكون على المقتص له).
دليلنا: أنها أجرة تجب لإيفاء حق، فكانت على الموفي، كأجرة الكيال والوزان، وذلك: أنه إذا باع عشرة أقفزة من صبرة، أو عشرة أرطال من ظرف سمن.. فإن الكيل يجب على البائع، وأجرة الكيال عليه.
وإن باعه صبرة، أو سمنًا في ظرفٍ، فأراد المشتري أن يعرف كيلها، أو وزنه.. فإن أجرة الكيال والوزان عليه.
وكذلك: أجرة النقاد إن باعه بدنانير معينة.. فأجرة ناقد الدنانير على البائع.
وإن باعه بدنانير في الذمة.. فأجرة ناقدها للقبض على المشتري؛ لأن الإيفاء واجب عليه.

فرع: الاستئجار للبيع والشراء

إذا استأجر رجلًا ليبيع له ثوبًا بعينه.. صحت الإجارة، وإن استأجره ليشتري له ثوبًا بعينه.. قال ابن الصباغ: لم تصح الإجارة عندي.
والفرق بينهما: أن البيع في العادة ممكن؛ لأنه لا ينتفي الراغب فيه أصلًا، وأما الشراء بشيء معين: فلا يكون إلا من واحدٍ، وقد يبيع، وقد لا يبيع، فلا يمكن تحصيل العمل بحكم الظاهر.
وإن استأجره لشراء شيء، ووصفه، ولم يعينه.. جاز؛ لأن الظاهر أنه يمكنه شراؤه.

فرع: استئجار الكافر المسلم

وإن استأجر الكافر مسلمًا.. نظرت: فإن استأجره لعمل في ذمته.. صح؛ لأنه لا صغار عليه في ذلك.
وإن استأجره لعمل مقدر، في زمان معلوم.. ففيه طريقان: [الأول]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، بناءً على القولين في جواز شراء الكافر للمسلم؛ لأن في ذلك استيلاء عليه وصغارًا، كالملك.

و [الثاني]: منهم من قال: يصح، قولًا واحدًا؛ لما ذكرناه من حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأن ذلك عمل في مقابلة عوض، فأشبه العمل في ذمته، ويخالف الملك؛ لأنه يقتضي تسلطا واستدامة ملكه عليه.

مسألة: من يملك الإجارة وبم تنعقد؟

ولا تصح الإجارة إلا من جائز التصرف في المال؛ لأنه تصرف في المال، فهو كالبيع.
وتنعقد الإجارة بلفظ الإجارة؛ لأنه لفظ موضوع له، وهل تنعقد بلفظ البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: تنعقد؛ لأنه تمليك يتقسط العوض فيه على المعوض، فانعقد بلفظ البيع، كالصرف ينعقد بلفظ البيع، وفيه احتراز من النكاح، فإنه لا ينعقد بلفظ البيع؛ لأنه لا يتقسط العوض فيه على المعوض.
والثاني: لا ينعقد؛ لأن البيع يخالف الإجارة في الاسم والحكم، فلم تنعقد الإجارة بلفظه، كالنكاح.
وإذا عقدت الإجارة على عين.. فاختلف أصحابنا فيما يتناوله عقد الإجارة: فقال أبو إسحاق: إن العقد يتناول العين، ولهذا يقول: أجرتك داري.
وقال أكثر أصحابنا: إن العقد يتناول المنفعة دون العين، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأن الأجرة في مقابلة المنفعة.
ولهذا: إذا قبض المستأجر العين.. ضمن المنفعة دون العين، وما كان العوض في مقابلته.. فهو المعقود عليه، وقوله: (أجرتك داري) معناه: منفعة داري، ولو قال: أجرتك منفعة داري.. صح.
إذا ثبت هذا: فإن منافع العين المستأجرة تحدث على ملك المستأجر.
وقال أبو حنيفة: (المنفعة تحدث على ملك المؤاجر، ولا يملكها المستأجر بالعقد).

ودليلنا: أن منافع الأعيان كالأعيان الموجودة، بدليل: أنه يجوز العقد عليها، كما يجوز العقد على الأعيان الموجودة، وإذا صح العقد عليها.. فقد انتقلت إلى ملك المستأجر، فكانت حادثة على ملكه، كمنافع أعيان ماله.

مسألة: الإجارة على الأعمال والأعيان

يصح عقد الإجارة على الأعمال والأعيان، فأما عقدها على الأعمال: فينقسم قسمين: أحدهما: إجارة على عمل معين، مثل: أن يقول: استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب.. فيلزمه أن يخيطه بنفسه.
والثاني: على عمل في الذمة، مثل: أن يقول: استأجرتك على أن يحصل لي خياطة هذا الثوب، فيجوز أن يخيطه بنفسه، ويجوز أن يستأجر غيره، أو يستعينه عل خياطته؛ لأن المنافع كالأعيان، فلما جاز عقد البيع على عين معينة، وعلى عين موصوفة في الذمة، فكذلك الإجارة.
وأما عقد الإجارة على الأعيان: فالأعيان تنقسم قسمين: عقارًا، وغير عقار.
فأما غير العقار: فيصح عقد الإجارة فيها على عين معينة، مثل: أن يقول: أجرني عبدك هذا، أو جملك هذا، فيملك المستأجر منفعة تلك العين المعينة، كما لو اشتراه.
ويصح عقد الإجارة على عين موصوفة في الذمة، مثل: أن يقول أجرني عبدًا، أو جملًا في ذمتك، ويصفه، ويصف ما يكتري له، كما يصح أن يسلم إليه في عبد أو جمل في ذمته، فإن قال: أجرني عبدك الفلاني، ولم يكن المستأجر رآه.. فهل يصح؟ فيه قولان، بناء على القولين في بيع عين معينة لم يرها المشتري.
وأما العقار، كالدور، والأرض: فيصح عقد الإجارة عليها، ولكن لا يصح إلا على عقار معين، مثل: أن يقول: أجرني دارك هذه، أو أرضك هذه، فإن قال: أجرني دارًا، أو أرضًا في ذمتك.. لم يصح؛ لأن العقار لا يثبت في الذمة، ولهذا لا يصح السلم عليه، فكذلك الإجارة.

فرع: ما جاز الإجارة على كله جازت على بعضه

]: وكل عين جاز عقد الإجارة عليها، إما معينة أو في الذمة.. جاز عقد الإجارة على جزء مشاع منها، سواء استأجرها الشريك أو غيره، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، وزفر: (لا يجوز إجارة المشاع إلا من الشريك).
وقال أبو يوسف، ومحمد: لا تجوز إجارة المشاع بحال.
دليلنا على أبي حنيفة: أن كل عقد ملك أن يعقده مع شريكه.. جاز أن يعقده مع غير شريكه، كالبيع.
وعلى أبي يوسف، ومحمد: أنها منفعة يتعلق بها عقد الإجارة، فإذا جاز بيع أصلها.. جاز عقد الإجارة على تلك المنفعة، كالدار إذا كانت مقصودة، ولأن الدار إذا كانت لنفسين، فأجراها معًا من واحد.. جاز، ونحن نعلم أن كل واحد منهما قد أجر نصفه مشاعًا، كذلك إذا أجر أحد الشريكين.

مسألة: جواز إجارة الأرض بكل عين أو منفعة

يجوز إجارة الأرض للزراعة بكل ما جاز أن يكون ثمنًا في البيع، سواء كان مما تنبته الأرض كالحبوب، أو مما لا تنبته الأرض، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الحسن البصري، وطاووس: لا تجوز إجارة الأرض بحال، بعد أن وافقانا على جواز إجارة الدور والدكاكين.
وقال مالك: (لا تجوز إجارة الأرض بما تنبته من الحبوب، كالحنطة، والشعير، والذرة).
واحتج بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولا بطعام مسمى».
دليلنا على الحسن، وطاووس: ما ذكرناه من الأخبار في أول الباب.

وعلى مالك: أن ما جاز أن يكترى بالذهب والفضة.. جاز بما تنبته الأرض، كالدور، والدكاكين.
وأما قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ولا بطعام مسمى» فأراد: مما يخرج من تلك الأرض، وخرج النهي على عرف أهل البلد ذلك الوقت؛ لأنهم كانوا يكرون الأرض بما يخرج على السواقي والجداول، أو بربع ما يخرج منها، أو بثلثه، أو بشيء مسمى مما يخرج منها، فنهاهم عن ذلك.
إذا ثبت هذا: فإن اكترى أرضًا للزراعة أو للغراس.. نظرت: فإن كان لها ماء دائم لا ينقطع في العادة، مثل: أن تكون تشرب من دجلة أو الفرات، أو كان لها نهر أو بئر، أو كان لها بركة قد جمع فيها ماء من الأمطار يكفيها، أو كانت الأرض (بعلًا) وهي: الأرض التي فيها نداوة تكتفي بها.. صحت إجارتها للزرع والغراس؛ لأنه يمكنه زراعتها مع ذلك، فصح، كما لو باعه عبدًا يملكه.

[مسألة: استأجر أرضًا لا ماء فيها]

قال الشافعي: (فإذا تكارى الأرض التي لا ماء لها، وإنما تسقى بنطف سماء أو سيل إن جاء.. فلا يصح كراؤها إلا على أن يكريه إياها أرضًا بيضاء لا ماء لها، يصنع بها المكتري ما شاء في سنته، إلا أنه لا يبني ولا يغرس، فإذا وقع على هذا.. صح الكراء، ولزمه، زرع أو لم يزرع.
فإن أكراه إياها على أن يزرعها، ولم يقل: أرضا بيضاء لا ماء لها، وهما يعلمان أنها لا تزرع إلا بمطر أو سيل يحدث.. فالكراء فاسد).
قال أصحابنا: وإذا اكترى أرضًا ليس لها ماء قائم، وإنما تزرع على سيل نادر إن جاء، أو بالأمطار الكثيرة، ولا تكتفي بالمطر المعتاد والنطف.. ففيها ثلاث مسائل: إحداهن: أن يكتري هذه الأرض للزراعة.. فلا يصح؛ لأن اعتماد الزرع على السقي، فإذا لم يكن لها ماء قائم لا ينقطع في العادة.. لم يتمكن من استيفاء المنفعة،

إذ السيل النادر مظنون، والمطر الكثير قد يقل؛ لأن العادة قد جرت أن الكثير قد يقل، فلم يصح، كما لو أكراه أرضًا لا يملكها.
الثانية: أن يقول: أجرتك هذه الأرض، وهي أرض بيضاء لا ماء لها، ولا يقول: للزراعة.. قال الشيخ أبو حامد، وعامة أصحابنا: فتصح الإجارة؛ لأن الأرض قد تكترى للزرع وغيره، بأن يقعد فيها، أو يؤوي إليها بهائمه، أو يطرح فيها طعامًا أو حطبًا.
وقال الصيمري: لا تصح هذه الإجارة حتى يقول: أجرتكها أرضًا بيضاء لا ماء لها، تصنع بها أنت بلا ماء لنفسك ما شئت، ولا يستغنيان بقولهما: لا ماء لها، فإن لم يقولا جميع ذلك.. بطل؛ لأن الظاهر عند الإطلاق - ولا ماء لها - أن رب الأرض ربما تكلف سوق الماء إليها.
إذا ثبت هذا: فيجوز له أن يزرع هذه الأرض مدة الإجارة، ويحفر فيها بئرًا للسقي؛ لأن الزرع من منافع تلك الأرض، وله طم البئر، وله تركها إذا رضي مالك الأرض بتركها.
وليس له الغرس فيها، ولا البناء؛ لأنهما يرادان للبقاء، والمكري لم يدخل على أن يبقى في أرضه شيء بعد مدة الإجارة.
الثالثة: أن يقول: أجرتك هذه الأرض، ولم يقل: للزراعة، ولا أنها أرض بيضاء، فهل تصح الإجارة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تصح؛ لأن الأرض إنما تراد للزرع في العادة والغالب، ولو شرط الزراعة.. كان باطلًا، فكذلك إذا أطلق.
والثاني: ينظر فيها: فإن كانت بحيث لا يمكن أن يساق إليها ماء من نهر لارتفاعها، ولا يتأتى فيها بئر يحفر لصلابتها أو لقلة الماء فيها.. صح الكراء؛ لأن عمله بذلك بمنزلة ما لو شرط أنها أرض بيضاء.

وإن كانت بحيث يمكن أن يساق إليها الماء من نهر، أو يحفر فيها بئر ماء.. لم يصح الكراء؛ لأن المكتري يجوز أن يعتقد أن لها ماء، أو أن المكري يحصل لها الماء، وأنه يكتريها للزراعة، وذلك متعذر في العادة، فلم يصح.
قال الشيخ أبو حامد: وقد ذكرها أبو إسحاق المروزي في " الشرح "، وسها في كلمة، فقال: فيها وجهان، أحدهما: لا يصح إذا شرط زرعها.
وجميع أصحابنا قالوا: إذا شرط زرعها.. لم يصح، وجهًا واحدًا، وإنما الوجهان عند الإطلاق.
وإن كانت الأرض مما يكتفي زرعها بالمطر القليل.. قال الشيخ أبو حامد: صحت إجارتها للزرع؛ لأن الله تعالى ما أجرى العادة بقطع الأمطار جملة، وإنما أجرى العادة بأن المطر قد يقل، فلذلك قلنا: لا تصح إجارة الأرض للزرع التي لا يكتفي زرعها إلا بالمطر الكثير.
وإن كانت الأرض لا تشرب إلا من زيادة نهرٍ، فإن كانت زيادته نادرةً، فإن اكتراها للزراعة بعد زيادة الماء.. صح؛ لأن الانتفاع بها ممكن، وما يتخوف في ثاني الحال من نقص يؤثر بالزرع.. لا يؤثر، كمن اشترى عبدًا، فإنه يصح وإن كان يتخوف موته أو إباقه.
وإن اكتراها للزراعة قبل زيادة الماء.. لم يصح؛ لأنه قد يزيد، وقد لا يزيد، وذلك ضر مظنون، فلم يصح.
فإن اكتراها على أنها ارض بيضاء لا ماء لها، ولم يقل: للزراعة.. صح، كما قلنا في الأرض التي لا ماء لها.
وإن اكتراها، ولم يقل: إنها أرض بيضاء لا ماء لها، ولا أنه يكتريها للزراعة.. لم يصح، وجهًا واحدًا؛ لأن لها ماءً بحالٍ؛ لأنه يمكن أن يسقي من النهر بالدواليب وإن كانت عالية.
فإن كانت الزيادة معتادةً.. صحت إجارتها للزراعة قبل وجود الزيادة، فكذلك

تصح إجارة أرض البصرة التي تشرب من المد للزرع؛ لأن ذلك معتاد لا يختلف؛ لأن الماء يمد كل يوم مرتين.
قال ابن الصباغ: وكذلك تصح إجارة الأرض التي تشرب بالمطر المعتاد للزرع قبل مجيء المطر، ولعله أراد الأرض التي تكتفي بالمطر القليل، كما ذكره الشيخ أبو حامد.

[فرع: استأجر أرضًا مغمورة بالماء]

وإن استأجر أرضًا وفيها ماء، فإن كان الماء كدرًا لا ترى معه الأرض، ولم يكن رأى الأرض قبل ذلك.. لم يصح، على الصحيح من القولين؛ لأنه لا يجوز عقد الكراء على عين لم يشاهدها، وإن كان قد رأى الأرض قبل ذلك، أو كان الماء صافيًا ورأى الأرض وفيها الماء.. نظرت: فإن استأجرها لزرع يصلح مع قيام الماء فيها، كالأرز، وما أشبهه.. صحت الإجارة؛ لأنه يمكنه الانتفاع بها عقيب العقد.
وإن استأجرها لزرع لا يصلح مع قيام الماء فيه، كالحنطة، والشعير، والذرة، فإن كان فيها موضع يمكن فتحه وخروج الماء منها، وتزرع بعد ذلك.. صحت إجارتها؛ لأنه يمكن زراعتها.
وإن لم يكن فيها موضع يمكن فتحه وخروج الماء، ويعلم أن الماء لا ينحسر عنها بالشمس والريح.. لم تصح إجارتها للزرع؛ لأنه لا يتمكن من زراعتها.
وإن كان يعلم في العادة أن الماء ينحسر عنها بطلوع الشمس وهبوب الريح.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: لا يصح؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها في الحال.

والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ غيره -: أنه يصح، وهو الصحيح؛ لأنه يعلم بحكم العادة إمكان زراعتها، وكون الماء فيها هو من عمارتها، فلا يمنع زراعتها وقت الزراعة.
وليس من شرط الإجارة حصول الانتفاع بها في جميع مدتها، ألا ترى أنه يجوز أن يستأجر الأرض للزراعة سنتين، والزراعة لا تكون إلا في بعضهما.

فرع: خوف غرق الأرض لا يمنع الإجارة

قال في " الأم " [3/247]: إذا كانت الأرض على صفة يمكن زرعها، إلا أنه يخاف عليها الغرق، وقد تغرق، وقد لا تغرق.. جازت إجارتها؛ لأن الظاهر عدم الغرق، والأصل السلامة.

فرع: الاستئجار لتعليم سورة كريمة

]: وإن استأجر رجلًا على تحصيل تعليم سورة من القرآن، والأجير لا يحفظها.. صحت الإجارة؛ لأنه يمكنه تحصيل تعليمه، بأن يستأجر من يحفظها ليعلمه.
وإن استأجره ليعلمه سورة، والأجير لا يحفظها.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تصح؛ لأنه عقد على منفعة معينة لا يقدر عليها، فهو كما لو أجر عبد غيره.
والثاني: تصح؛ لأنه يمكنه أن يتعلم من غيره ويعلمه.

مسألة: الاستئجار على منفعة معلومة

ولا تصح الإجارة إلا على منفعة معلومة القدر؛ لأن المنافع كالأعيان، فلما لم يجز العقد على الأعيان مع الجهل بها.. فكذلك العقد على المنافع.
إذا ثبت هذا: فإن المنافع تنقسم ثلاثة أقسام: [الأول] منها: ما لا يتقدر إلا بالمدة.

و [الثاني] منها: ما لا يتقدر إلا بالعمل.
و [الثالث] منها: ما يتقدر بالمدة أو بالعمل.
فأما ما لا يتقدر إلا بالمدة: فإجارة العقار كله، كالأرض، والدور، والحوانيت؛ لأنه ليس للعقار عمل معلوم، فلم يتقدر العقد على منفعته إلا بالمدة، وكذلك: الاستئجار لتطيين السطوح والحيطان وتجصيصها لا تتقدر معرفته إلا بالزمان، فيقول: استأجرتك لتطين لي شهرًا، أو تجصص لي شهرًا؛ لأنه لا يمكن تقدير العمل فيه؛ لأن بعضه يكون رقيقًا، وبعضه يكون ثخينًا؛ لاختلاف أرض السطح والحائط، وكذلك: الإجارة على الرضاع لا تقدر المنفعة فيها إلا بالزمان؛ لأنه لا يمكن تقدير اللبن الذي يشبع به الصبي.
وأما ما لا تتقدر المنفعة فيه إلا بالعمل: فمثل أن يقول: استأجرتك لتبيع لي هذا الثوب أو لتخيطه، أو استأجرتك لتحج عني، أو عن فلان، أو لتقبض لي من فلان شيئًا، وما أشبه ذلك؛ لأنه لا يمكن تقدير المنفعة فيها بالمدة.
وأما ما تتقدر المنفعة فيه بالعمل أو بالمدة: قال الشيخ أبو حامد: فمثل أن يقول: أجرني دابتك هذه لأركبها إلى موضع كذا، أو أجرني عبدك هذا ليخيط لي هذا الثوب، أو أجرني عبدك هذا ليخدمني شهرًا، أو ليخيط لي شهرًا، أو ليبني لي شهرًا، أو أجرني هذا الجمل لأركبه شهرًا أو سنة.. فيصح ذلك؛ لأن المنفعة معلومة لكل واحدٍ منهما.
فرع: [استأجره ليخيط ثوبًا في يوم]: وإن قال: أجرني عبدك ليخيط لي هذا الثوب يومًا.. لم يصح، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد: يصح.

دليلنا: أن تصحيحها يؤدي إلى التناقض؛ لأنه قد يفرغ من الخياطة في بعض اليوم، فإن طولب بالعمل في بقية اليوم.. أخل بشرط العمل، وإن لم يطالب بالعمل.. أخل بشرط المدة، وإن قال: استأجرتك لتحصل لي خياطة خمسة أيام.. قال القاضي أبو الطيب: لم يصح؛ لأن المنفعة مجهولة؛ لأن الخياطين تختلف أعمالهم، وإنما تصح الإجارة، بأن يقول: استأجرتك لتخيط لي خمسة أيام، أو لتخيط هذا الثوب، أو لتحصل لي خياطة هذا الثوب؛ لأن المنفعة في ذلك كله معلومة.

فرع: شرط مدة الإيجار أن تكون مقدرة

وما قدر من الإجارة بالمدة: فمن شرط المدة أن تكون معلومة الابتداء والانتهاء، فيقول: أجرني دارك هذه مدة شهر من هذا الوقت، أو من الآن، فإن قال: شهرًا أو سنة، ولم يقل من الآن، أو من هذا الوقت.. لم تصح.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (إذا أطلق.. اقتضى أن يكون أولها عقيب العقد).
دليلنا: أن المعقود عليه هو الشهر، وذلك غير معلوم، بل يجوز أن يكون هذا الشهر أو غيره، فلم تصح، كما لو قال: بعتك عبدًا.
إذا ثبت هذا: فإن من شرط المدة أن تكون متصلة بالعقد، فإن قال: أجرتك داري شهر رجب، وهو في جمادى.. لم تصح الإجارة.
وقال أبو حنيفة: (تصح).
دليلنا: أن الإجارة عقد بنفسها يتقسط العوض فيها على المعوض، فإذا عقدت على معنى ينافي الشروع في قبضها عقيب العقد.. لم تصح، كما لو باعه عبدًا آبقًا، أو مغصوبًا.
فقولنا: (يتقسط العوض فيها على المعوض) احتراز من نكاح الصغيرة، فإنه

يصح، وإن كان لا يتأتى القبض فيها عقيب العقد الأول.
أو نقول: لأن عقد الإجارة معاوضة محضة، فبطل فيما لا يتأتى فيه القبض عقيب العقد، كالبيع.
ولا يبطل ببيع العين الغائبة، فإن قبضها يكون في موضعها.
وإن استأجر من رجل عينًا شهر شعبان، ثم استأجرها منه شهر رمضان قبل انقضاء شعبان.. فهل تصح الإجارة في شهر رمضان؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تصح؛ لأن مدة إجارة العقد الثاني لم تتصل بوقت العقد، فلم تصح، كما لو كانت العين في إجارة غيره في شعبان، فأجرها من الثاني قبل انقضاء إجارة الأول.
والثاني: تصح، وهو المنصوص؛ لأن العين في يد المستأجر، ولا حائل بينه وبينها، فصار كما لو جمع في الإجارة بين الشهرين.

فرع: الإجارة المطلقة بأجرة معينة

وإن قال: أجرتك داري كل شهر بدينار، ولم يبين عدد الشهور.. لم تصح الإجارة.
ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر: أنه تصح في الشهر الأول بدينار، وتبطل فيما زاد عليه، وهو قول أبي حنيفة، واختيار أبي سعيد الإصطخري، إلا أن أبا حنيفة قال: (لكل واحد منهما أن يفسخ الإجارة عند انقضاء الشهر، فإذا لم يفعلا حتى مضى يوم من الشهر الثاني.. فليس لواحد منهما أن يفسخ).
وقال مالك: (الإجارة صحيحة، وكلما مضى شهر.. استحق دينارًا، إلا أنها غير لازمة).
دليلنا: أن قوله: (كل شهر) لا نهاية له، وإذا كانت مدة الإجارة مجهولة.. لم تصح، كما لو قال: أجرتك زمانًا، ولأن الشهر الأول وإن كان معلومًا، إلا أنه

أضيف إلى مجهول، والمعلوم إذا أضيف إلى مجهول.. صار الجميع مجهولًا، فصار كما لو قال: أجرتك داري هذه ودار أخرى بمائة.
وإن قال: أجرتك داري هذه سنة من هذا الوقت، فإن قال: سنة عددية، أو سنة بالأيام.. كانت الإجارة ثلاثمائة وستين يومًا، وإن قال: سنة هلالية.. كانت الإجارة اثني عشر شهرًا، تمت الشهور أو نقصت.
فإن عقد الإجارة في آخر جزء من الشهر.. اعتبر جميع شهور السنة بالأهلة، وإن عقد الإجارة بعد أن مضى جزء من الشهر، أو بقي منه جزء بعد العقد.. اعتبر ما بقي من هذا الشهر، وعد بعده أحد عشر شهرا بالأهلة، وتمم الشهر الأول بالعدد بعد الأحد عشر.
فإن قال: أجرتك سنة وأطلق، ولم يقل: عددية ولا هلالية.. انصرف ذلك إلى الهلالية؛ لأنها هي السنة المعهودة في الشرع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 189] [البقرة: 189]. وإن أجره سنة شمسية، أو رومية، أو فارسية.. فذكر الشيخ أبو حامد، والمحاملي، وابن الصباغ: أن الإجارة لا تصح؛ لأن هذه السنة تزيد على السنة الهلالية، وتلك الزيادة غير معلومة، بل تختلف، فإنها سنة تكون: ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا وربع يوم، وسنة تكون: ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا ونصف يوم، وسنة تكون: ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا وثلاثة أرباع يوم، إلا أن تكون هذه الزيادة معلومة عند المتعاقدين، فتصح الإجارة.
فإن جهلا ذلك أو أحدهما.. لم تصح.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فقال: إذا أجره سنة شمسية.. ففيه وجهان: أحدهما: لا تصح؛ لأنه على حساب النسيء فيه أيام، والنسيء حرام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] [التوبة: 37].
وأراد بقوله: (النسيء) ما ذكروه من التقدم والتأخر لأجل الزيادة والنقصان في السنة؛ لأن النسيء المذكور في الآية: أن العرب كانت تؤخر تحريم المحرم إلى صفر.
والثاني: تصح؛ لأن مدة الإجارة معلومة، فهو كالنيروز، والمهرجان.

فرع: شرط بيان جنس الانتفاع بالمؤجر

إذا قال: أكريتك هذه الأرض، وأطلق، ولم يبين جنس الانتفاع بها.. لم يصح؛ لأن الأرض تكرى للزرع، وللغراس، وللبناء، فإذا لم يبين واحدًا منها.. لم يصح، وإن قال: أكريتكها لتزرع فيها زرع كذا.. صح، وإن قال: أجرتكها لتزرعها ما شئت، أو لتزرعها أضر الزرع.. صحت الإجارة؛ لأن أي زرع زرعه.. فهو مأذون له فيه، وإن قال: لتزرعها، وأطلق.. ففيه وجهان: [الأول]: قال أبو العباس: لا يصح؛ لأن الزروع يختلف ضررها في الأرض.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يصح؛ لأن الإطلاق يعم الزروع، وقد ثبت أنه لو قال: لتزرعها ما شئت، أو لتزرعها أضر الزروع.. صح، فإذا أطلق.. حمل على العموم.
وإن أراد أن يغرسها أو يبني فيها.. لم يكن له ذلك؛ لأن ضررهما أكثر من ضرر الزرع.

فرع: أجرة الأرض للغراس

]: فإن قال: أجرتك هذه الأرض لتغرسها الغرس الفلاني.. صح، وإن قال: لتغرسها ما شئت، أو لتغرسها أضر الغروس.. صح، وإن قال: لتغرسها، وأطلق.. ففيه وجهان، كالزرع، الأصح: أنه يجوز.
فرع: [استأجر أرضًا للغراس فزرعها]: وإذا استأجر أرضًا للغراس.. فله أن يزرع فيها؛ لأن ضرر الزرع أقل من ضرر الغراس.
فرع: [أجره ليزرع وليغرس ولم يبين]: إذا قال: أكريتك هذه الأرض، فازرعها أو اغرسها، أو قال: فازرعها أو اغرسها ما شئت.. قال الشافعي: (فالكراء جائز).
وقال المزني: الأشبه - بقوله -:

لا يجوز؛ لأنه عقد على زرع وغرس ولم يبين قدر كل واحد منهما، فكان مجهولًا.
واختلف أصحابنا في تأويلها: فقال أبو العباس، وأبو إسحاق: ليس تأويلها ما ذكره المزني، وإنما تأويلها: أنه اكتراها ليغرسها كلها إن شاء، أو ليزرعها كلها إن شاء؛ لأنه إذا اكتراها للغراس.. فقد استفاد به الزرع؛ لأنه أقل ضررًا، فإذا ذكره كان تأكيدًا.
فأما إذا أراد زرع بعضها وغرس بعضها.. لم يصح؛ لما ذكره المزني.
وقال أبو الطيب بن سلمة: بل الإجارة صحيحة؛ لأنه إذا استأجر على أن يزرع ويغرس.. فقد استأجرها للأمرين معًا، فكذلك إذا استأجرها على أن يزرع أو يغرس.. صح، ويكون له زرع نصفها وغرس نصفها؛ لأن الإضافة تقتضي التسوية، كما لو قال: هذه الدار لزيد وعمرو.
والأول أصح؛ لأن الشافعي قد قال في " الأم ": (إذا قال: أجرتك هذه الأرض لتغرس بعضها، وتزرع بعضها.. لم يصح).

مسألة: إكراء البهائم

مسألة: [جواز إكراء البهائم]: قال الشافعي: (وإكراء الإبل جائز).
وجملة ذلك: أن إكراء الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر جائز؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8] [النحل: 8].
ولم يفرق بين المملوك والمكترى، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] [البقرة: 198]. قال ابن عباس: (أراد بذلك: ليس عليكم جناح أن تحجوا وتكروا جمالكم).
وهذا إجماع لا خلاف فيه.
إذا ثبت هذا: فإن البهائم تكرى، لا سيما للركوب والحمل عليها والعمل،

فإن أراد أن يكتري بهيمة للركوب.. جاز أن يكتري بهيمة معينة، وجاز أن يكتري بهيمة موصوفة في الذمة.
(فالمعينة): أن يقول: أكرني هذا الجمل، أو هذا الفرس.
و (الموصوفة): أن يقول: أكرني جملًا، أو دابة، أو بغلًا، أو حمارًا، ويذكر النوع والذكورية، والأنوثية؛ لأن الغرض يختلف بذلك؛ لأن الأنثى أسهل في الركوب من الذكر.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: إذا كان في الجنس الواحد نوعان مختلفان في السير.. فهل يجب ذكر بيانه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب ذكره؛ لأن سيرهما يتفاوت.
والثاني: لا يجب؛ لأن التفاوت يقل.
ولا بد أن يكون الراكب معلومًا، ولا يكون معلومًا إلا بالمشاهدة.
وقال أصحاب مالك: يجوز الإطلاق في ذلك؛ لأن أجسام الناس متقاربة في الغالب.
وهذا غير صحيح؛ لأن الناس مختلفون في الطول والثقل، ويتفاوتون تفاوتًا لا يمكن ضبطه بالوصف.
وأما ما يوطأ به المركوب: فإن أطلق ذلك، ولم يذكره.. وجب له أن يوطأ بما جرت العادة أن يوطأ بمثله، فإن كان المركوب فرسًا.. وطأه بالسرج واللجام، وإن كان بغلًا أو حمارًا.. وطأه بالإكاف والبرذعة، وإن كان جملًا.. وطأه بالقتب والزاملة.
وإن ذكر محملًا أو كنيسة.. كان له أن يركب به، ولا بد أن يكون المحمل معلومًا، ويصير معلومًا بالمشاهدة، وهل يصير معلومًا بالوصف؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الشيخ أبو إسحاق: أحدها: يصير معلومًا بالوصف، كما قلنا في السرج والقتب.

والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أن محامل بغداد وخوارزم وكنائسهم تصير معلومة بالوصف؛ لأنها خفيفة لا تختلف في العادة، وأما محامل خراسان وكنائسها: فلا تصير معلومة بالوصف؛ لأنها ثقال تختلف في العادة.
والثالث - وهو الصحيح -: أنها لا تضبط بالوصف؛ لأنها تختلف اختلافًا متباينًا، ولم يذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ الوجه الأول.
وقال ابن الصباغ: ولا بد أن يقول: يكون المحمل مغطى أو مكشوفًا؛ لأن الغرض يختلف فيه، ولا عرف فيه، فإذا ذكر: أنه مغطى.. فهل يصح أن يطلق الغطاء؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري، المشهور: أنه يصح؛ لأن ما يغطى به لا يختلف اختلافًا متباينًا، فيغطيه بلبد، أو نطع، أو خرقٍ.
فإن شرط شيئًا.. تعين ما شرط، وله أن يغطي بمثله وأخف منه.
وهل يشترط بيان ما يوطأ به فوق المحمل؟ فيه وجهان، وأصحهما: أنه لا يجب، ويحمل على ما جرت به العادة.

فرع: يذكر المكاري ما يصطحبه المسافر من حاجات وأمتعة

وأما المعاليق التي يحتاج إليها في السفر، مثل: القدر والدلو والحبل والقربة والركوة، فإن ذكرها المكتري وكانت معلومة، إما بالمشاهدة، أو بالوصف.. صح، وإن أطلق، وقال: وتحمل المعاليق.. فهل يصح؟ قال الشافعي: (الكراء فاسد).
قال: (ومن الناس من قال: هو جائز استحسانًا، ويحمل على العرف).
واختلف أصحابنا فيها:

فمنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه مختلف، فلا بد من بيانه.
والثاني: يصح، ويحمل على العرف، وهو الوسط؛ لأنه لا يتفاوت، فهو كغطاء المحمل والكنيسة.
ومنهم من قال: لا يصح، قولًا واحدًا؛ لأن الشافعي لا يقول بالاستحسان.

فرع: ليس للراكب اصطحاب ما لا يعتاد

قال الصيدلاني: فإذا اكترى دابة تركب بسرج ولجام.. لم يكن للمكتري أن يعلق عليه المعاليق، كالسفرة، والسطيحة، والقربة؛ لأنه خلاف العادة.
فرع: [اشتراط المسافة أو قدر وقتها]: وأما قدر السير ووقته: فإن شرط أن يركبها كل يوم شيئًا معلومًا، إما فرسخين، أو ثلاثة مما تقدر أن تمشي فيه مثل تلك البهيمة.. صح العقد، وحملا عليه.
قال القاضي أبو الطيب: إلا أن يكون ذلك الطريق مخوفًا، فلا يجوز تقدير السير فيه؛ لأن السير ليس إلى اختيارهما.
وإن لم يشرطا سيرًا مقدرًا في كل يوم، فإن كان لتلك الطريق منازل معروفة، وجرت العادة بالمسير فيه بزمان مخصوص من ليل أو نهارٍ.. صح العقد، وحملا على ما جرت به العادة في تلك الطريق، كما قلنا فيمن باع بدينار وأطلق، في بلدٍ فيه نقد متعارف.
وإن لم يكن لتلك الطريق منازل معروفة، ولا وقت يمشي فيه.. لم يصح العقد مع

الإطلاق، كما قلنا فيمن باع بدينار وأطلق، في بلد لا نقد فيه غالب.
قال أبو إسحاق المروزي: إذا أكرى إلى مكة في زماننا.. فلا بد أن يذكر المراحل؛ لأن السير في هذا الزمان سير لا تطيقه الحمولة.

فرع: مكان النزول للمكتري يحمل على العرف

وإن كان العرف في تلك الطريق النزول في بلدة، فإن اتفقا على موضع النزول في البلد.. جاز، وإن اختلفا: فقال المكتري: ننزل وسط البلد؛ لأنه أحفظ للمتاع، وقال المكري: بل ننزل في طرف البلد؛ لأنه أقرب لرعي الإبل، أو قال أحدهما: ننزل في هذا الجانب، وقال الآخر: بل ننزل في الجانب الآخر.. حمل الأمر على ما جرت به العادة في نزول القوافل في تلك البلد.
فرع: [تعيين مكان النزول]: قال الطبري: فإذا استأجر بهيمة ليركبها من بغداد إلى البصرة، وكان منزله في البصرة، فإن قال: إلى طرف البصرة، أو إلى منزلي فيها.. صح العقد، وحملا على ذلك، وإن أطلقا.. فهل تصح الإجارة؟ فيه وجهان.
فإذا قلنا: تصح.. فهل تنتهي الإجارة إذا بلغ إلى طرف البصرة، أو لا تنتهي حتى يبلغ منزل المكتري؟ فيه وجهان.

مسألة: اكترى مركبة لحمولته

فأما إذا أراد أن يكتري الحمولة للحمولة، و (الحمولة) - بضم الحاء -: الشيء الذي يحمل.
و (الحمولة) - بفتح الحاء -: البهيمة التي تحمل.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: 142] [الأنعام: 142]. قال أهل التفسير: (الحمولة): الكبار، و (الفرش): الصغار.
إذا ثبت هذا: فإن اكترى ظهرًا للحمولة، فلا يفتقر إلى ذكر جنس الظهر، ولا

إلى نوعه، بل يقول: أكرني ظهر بهيمة لتحمل لي كذا وكذا، إلى موضع كذا وكذا، فيصح؛ لأنه لا غرض في معرفة جنس الظهر ونوعه؛ لأن الغرض تحصيل حمل المتاع، فعلى أي بهيمة حمله المكري من جمل، أو بغل، أو حمارٍ.. فقد حصل المقصود، بخلاف اكتراء البهيمة للركوب؛ لأن الغرض يختلف باختلاف البهيمة، فلذلك لم يكن بد من بيان البهيمة.
وأما المتاع المحمول: فلا بد من معرفة جنسه، أنه طعام، أو حديد، أو قطن؛ لأن تعب البهيمة يختلف باختلافه وإن استوى في القدر؛ لأن الحديد وما أشبهه يقع على موضع واحدٍ من الظهر، ولا يأخذ جميع الظهر، والقطن وما أشبهه يقع على جميع الظهر، وتدخل فيه الريح، ففي كل واحدٍ منهما ثقل من وجهٍ، وخفة من وجهٍ، فلذلك وجب بيانه.
ولا بد من معرفة قدره، فإن كان المتاع مشاهدًا.. وجب عليه بيانه، وإن قال: أكرني ظهرًا على حمل هذا القطن، أو على حمل هذه الصبرة.. صح وإن لم يعرفا وزن القطن، ولا كيل الصبرة، كما قلنا في البيع.
وإن لم يشاهده، ولكن وصفه بالوزن أو بالكيل.. صح؛ لأنه يصير معلومًا بذلك.
وأما الظروف التي فيها المتاع: فإن كانت معلومة بالمشاهدة.. جاز، وإن لم تكن مشاهدة، فإن كان المتاع موصوفًا بالوزن.. لم يفتقر إلى معرفة جنس الظرف؛ لأنها تكون من جملة الوزن، وإن كان المتاع معلومًا بالكيل.. فلا بد من معرفة ظرفه، إما بالمشاهدة، أو بالوصف؛ لأنه يختلف بالثقل والخفة.
قال الشافعي: (إلا أن يكون من الغرائر الجبلية، فيجوز أن يطلق؛ لأنها لا تختلف اختلافًا متباينًا، فكان تسميتها كافيًا).
قال ابن الصباغ: ويذكر المدة التي يحمل فيها، والموضع الذي يحمل إليه، كما قلنا في الركوب

قال الطبري: وإذا استأجره ليحمل له متاعًا إلى بلد، فبلغ به طرف ذلك البلد.. فللمكري حط المتاع هناك.
وقال أبو حنيفة: (يلزمه أن يبلغ به إلى منزل المكتري في ذلك البلد).
دليلنا: أن المعقود عليه هو الحمل إلى البلد، واسم البلد يقع على طرفه.

فرع: اكترى البهيمة ليحمل عليها ما لا تطيقه

وإن اكترى منه بهيمة ليحمل عليها متاعًا لا تقدر عليه البهيمة، أو ليحمل عليها ما شاء.. لم يصح؛ لأن حملها لما لا تقدر عليه يؤدي إلى قتلها، وقوله: (ما شاء) يدخل فيه ما يقتلها، وقتلها لا يجوز.
فرع: [اكتراء البهيمة لإدارة الرحى]: وإن اكترى دابة لإدارة الرحى.. فلا بد أن تكون البهيمة معلومة، إما بالمشاهدة، أو بالصفة، ولا بد أن يعلم الحجر بالمشاهدة لا بالصفة؛ لأن عمل البهيمة يختلف فيه بثقله وخفته.
ولا بد من تقدير الطحن، إما بالزمان، بأن يقول: يومًا أو يومين، أو بالعمل، بأن يقول: لطحن قفيز أو قفيزين.
وإن استأجر بهيمة لإدارة الدولاب.. فلا بد أن تكون البهيمة معلومة بالمشاهدة، أو بالصفة، ولا بد أن يعلم الدولاب؛ لأن تعب البهيمة يختلف باختلافه، ولا يعلم إلا بالمشاهدة؛ لأنه يختلف ولا يضبط بالصفة، ويقدر ذلك بالزمان؛ لأنه لا يصير معلومًا إلا بذلك.
وإن اكتراها ليسقي عليها بالغروب.. فلا بد من معرفة الغرب؛ لأنه يختلف، ويقدر ذلك بالزمان أو بعدد الغروب، ولا يجوز أن يقدر بسقي الأرض مشاهدة ولا موصوفة؛ لأن ما تروى به الأرض من الماء مجهول.

فرع: [استئجار بهيمة للحرث]: وإن استأجر ظهرًا للحرث.. فلا بد من معرفة الظهر بالمشاهدة أو بالوصف، ولا بد أن يشاهد رب البهيمة الأرض المحروثة؛ لأن تعب البهيمة يختلف باختلاف صلابة الأرض ورخاوتها، وذلك لا يضبط بالوصف، ويصح تقدير المنفعة هاهنا بالعمل، بأن يقول: أجرني هذا الظهر لأحرث عليه هذه الأرض، أو نصف الأرض.
وإن استأجره ليحرث هذه الأرض.. صح، ولا يفتقر إلى بيان جنس الظهر؛ لأن المقصود حرث تلك الأرض، فيصح وإن لم يذكر جنس الظهر، كما قلنا في حمل المتاع.
وهل يصح أن يكتري ظهرًا مشاهدًا أو موصوفًا على أن يحرث عليه مدة معلومة؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: لا يصح؛ لأنه مجهول.
والثاني: يصح، وهو الأصح، ولم يذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ غيره؛ لأن المنفعة تصير معلومة بذلك.
وإن اكترى ظهرًا غير مشاهد ولا موصوف ليحرث عليه مدة.. لم يصح، وجهًا واحدًا؛ لأن ذلك يختلف.
فرع: [اكتراء الظهر للدياس أو الجارحة للصيد]: ويجوز أن يستأجر الظهر على دياس الزرع، فإن كان على دياس زرع معين.. لم يفتقر إلى ذكر جنس الظهر؛ لأن المقصود دياسه، فهو كحمل المتاع.
وإن كان على دياس مدة.. لم يصح حتى يعلم الظهر، إما بالمشاهدة، أو بالوصف.

ويجوز أن يستأجر جارحة الصيد، ولا يصح حتى يعلم الجارحة، إما بالمشاهدة، أو بالوصف؛ لأن الجوارح تختلف، ولا بد من ذكر جنس الصيد الذي ترسل عليه الجارحة؛ لأن لكل صيد تأثيرًا في إتعاب الجارحة.

مسألة: الاستئجار لرعي الأغنام

وإن استأجره ليرعى له غنمًا معينة.. تعين العقد بها، فإن تلفت قبل انقضاء مدة الإجارة.. قال ابن الصباغ: فإن أصحابنا قالوا: تنفسخ الإجارة، ولا يكون للمستأجر إبدالها، وإن تلف بعضها.. انفسخ خفيه العقد، وإن توالدت.. لم يلزمه أن يرعى أولادها.
قال ابن الصباغ: وعندي أنه إذا عين الغنم.. جاز له إبدالها، كما إذا استأجر دابة ليركبها.. جاز له أن يركبها مثله.
وإن استأجره ليرعى له الغنم مدة وأطلق.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق -: أنه لا يصح؛ لأن لكل قدر من الغنم تأثيرًا في إتعاب الراعي.
والثاني - وهو قول ابن الصباغ -: أنه يصح، ويرعى له ما جرت العادة أن يرعى الواحد من رعاة الغنم، فإذا تلف شيء منها.. أبدله، وإذا توالدت.. رعى أولادها؛ لأن العادة جرت بأن الأولاد تتبع الأمهات في الرعي.

فرع: استئجار كحال للعين

وإن استأجر كحالا ليكحل له عينه.. جاز له؛ لأنه عمل جائز يمكن تسليمه، ويقدره بالمدة، فإن قدره بالبرء.. لم يجز؛ لأنه لا يعلم متى يبرأ.
ولا يجب الكحل على الكحال؛ لأن الأعيان لا تستحق بالإجارة، فإن شرط الكحل على الكحال.. ففيه وجهان:

أحدهما: يجوز؛ لأن العادة جرت به عليه، ولأنه يشق على العليل تحصيل الدواء، فجوز ذلك، كالرضاع.
والثاني: أن الإجارة باطلة، وهو الأصح؛ لأن ذلك في معنى بيعتين في بيعة فإن اشترى منه الكحل، واستأجره على الكحل في عقد واحد.. فقد جمع بين بيع وإجارة، وفي ذلك قولان، مضى ذكرهما.
وإن استأجره ليصبغ له ثوبًا بصبغ من عند الصباغ، أو ليكتب له كتابًا بحبر من الكاتب، فإن قلنا: يجوز اشترط الكحل على الكحال.. صح هاهنا أيضًا.
وإن قلنا هناك: لا يصح.. فهاهنا وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لما ذكرناه في الكحل.
والثاني: يصح؛ لأنه بيع للصبغ والحبر والعمل، والكتاب فيه تسليم الصبغ والحبر؛ لأنه مقدر بذلك.

مسألة: استئجار امرأة للرضاع والحضانة

]: وإن استأجر امرأة على إرضاع صبي.. صحت الإجارة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى في المطلقات: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6].
والأجرة لا تكون إلا في إجارة.
فإن استأجرها على الحضانة، وهي حفظ الصبي، وتربيته، ودهنه، وكحله، وغسل خرقه، وتنظيفه.. لزمها ذلك دون الإرضاع.
وإن استأجرها على إرضاعه وحضانته.. لزمها ذلك.
واختلف أصحابنا هل المقصود الحضانة، واللبن تبع، أو المقصود اللبن والحضانة تبع؟ فمنهم من قال: المقصود هو اللبن، والحضانة تبع؛ لأن الله تعالى قال:

﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: 6].
فذكر الإرضاع، ولم يذكر الحضانة، والإرضاع إنما ينصرف إلى اللبن دون الحضانة.
ومنهم من قال: المقصود الحضانة، واللبن تبع، وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لأن اللبن عين، والأعيان لا تستباح بعقد الإجارة متبوعًا، وإنما تستباح على وجه التبع لغيرها، ألا ترى أن من استأجر بئرًا ليشرب منها.. لم يصح، وإن استأجر دارًا وفيها بئر ماء.. جاز أن يستقي منها تبعًا للدار؟ وأما الآية: فلأن الرضاع يشتمل على حضانة ولبن، فما قابل الحضانة منها.. كان أجرة، وما قابل اللبن.. كان ثمنًا؛ لأن الأعيان لا تستباح بالإجارة، وقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 25] [النساء: 25].
تغليب للأكثر منهما؛ لأن من شأن العرب إذا جمعت بين شيئين أن تغلب الأكثر، فعلم أن الحضانة هي المقصودة.
وإن استأجرها على الإرضاع، ولم يذكر الحضانة.. فهل يلزمها الحضانة؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمها ذلك؛ لأن العادة جارية بأن المرضعة تتولى ذلك.
والثاني: لا يلزمها؛ لأن المذكور في العقد هو الإرضاع، وذلك لا يتناول أكثر من سقي اللبن.
إذا ثبت هذا: فمن شرط صحة الإجارة على الإرضاع: أن يعلم الصبي، ولا يصير معلومًا إلا بالمشاهدة؛ لأنه لا يضبط بالوصفِ، وتقدر المنفعة فيها بالمدة؛ لأن تقديرها بالعمل لا يمكن.
ولا تصح الإجارة حتى يشترط أنها ترضعه في بيتها، أو في بيت أبي الصبي؛ لأن الغرض يختلف بذلك؛ لأن للأب غرضًا في أن ترضعه في بيته، لكي يشرف على ولده، ولها غرض في أن ترضعه في بيتها؛ لأنه أسهل لها، ولكي لا تبتذل في القعود في بيوت الناس.
فإن استأجرها الأب بأجرة من مال الصبي.. جاز؛ لأن نفقته في ماله.
وإن استأجرها الأب بأجرة في ذمته.. قال الشيخ أبو حامد: صح، ولزم الأب

الأجرة؛ لأن الصبي إن لم يكن له مال.. فنفقته على الأب، وإن كان له مال.. فقد تطوع الأب بالأجرة من ماله، وما تطوع به الإنسان بعقد.. لزمه.

فرع: تأجير المتزوجة نفسها للإرضاع

إذا كان للمرأة زوج، فأجرت نفسها للإرضاع بإذن الزوج.. صحت الإجارة ولزمت؛ لأن الحق لهما، وإن أجرت نفسها للإرضاع بغير إذنه.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: تصح؛ لأن العقد يتناول محلًا غير المحل الذي يتناوله عقد النكاح؛ لأنه لا يملك خدمتها ولا إرضاعها.
والثاني: لا يصح؛ لأنه يستحق الاستمتاع بها في كل وقت، وفي تصحيح عقد الإرضاع عليها ما يمنعه من الاستمتاع بها.
فإذا قلنا: لا تصح.. فلا كلام، وإن قلنا: تصح.. فللزوج فسخ الإجارة؛ لأنها تعوق استمتاعه.
وإن أجرت نفسها للإرضاع، ثم تزوجت.. لم يكن للزوج فسخ هذه الإجارة؛ لأنها سابقة لحقه، وإن أجرت نفسها، ثم أقرت: أنها قد كانت تزوجت برجل قبل الإجارة، وصدقها الزوج.. ثبتت الزوجية بينهما، ولم يكن للزوج فسخ هذه الإجارة؛ لأن الإجارة قد لزمت في الظاهر، فلا يقبل قولها فيما يؤدي إلى فسخها.
وكل موضع لزمت فيه الإجارة، ولم يكن للزوج فسخها.. فهل يمنع الزوج من وطئها؟ فيه وجهان: قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 330]: يمنع من وطئها، وهو قول أحمد؛ لأنه لا يؤمن أن تحبل، فينقص اللبن.
وقال الشيخ أبو حامد، والبغداديون من أصحابنا: لا يمنع الزوج من وطئها؛ لأن

استمتاعه بها حق له متحقق، وجواز الحبل من الوطء أمر مظنون، فلم يسقط حقه المتحقق بأمر المظنون.
فعلى هذا: ليس للزوج أن يطأها في وقت إرضاع الصبي، وإنما يطؤها إذا نام الصبي، أو إذا روي باللبن.

فرع: استئجار المرأة العبد لخدمة الخلوة

]: قال الطبري في " العدة ": إذا استأجرت امرأة عبدًا لخدمة الخلوة.. لم تصح الإجارة.
وقال أبو حنيفة: (تصح الإجارة، والخدمة حرام).
وكذلك: لو استأجر حرة أجنبية منه لخدمة الخلوة.. لم تصح الإجارة.
وفي الأمة وجهان.
وقال أبو حنيفة: (تصح).
دليلنا: أن الإجارة وقعت لخدمة خاصة، وهي ممتنعة؛ لكونها محرمة، فلم يصح العقد كمن استأجر شيئًا لا منفعة فيه.

مسألة: الاستئجار لحفر بئر ونحوه

وإن استأجر رجلًا ليحفر له بئرًا أو نهرًا.. صح، ولا بد من تقدير العمل.
قال ابن الصباغ: وذلك يحصل بأمرين، إما بأن يقدره بالمدة، بأن يستأجره ليحفر له شهرًا أو شهرين، أو بالعمل، فإن كانت بئرًا.. ذكر قدر عمقها، وقدر دورها.
وإن كان نهرًا.. ذكر طوله وعرضه وعمقه.
قال ابن الصباغ: فإن كانت الإجارة على أن يحفر له مدة.. لم يفتقر إلى معرفة

الأرض التي يحفر فيها، وإن كانت على أن يحفر له أذرعًا معلومة.. فلا بد من مشاهدة الأرض التي يحفر فيها؛ لأنها تختلف بالصلابة والرخاوة، وإن استأجره على أن يحفر له أذرعًا معلومة.. فعلى الحافر أن يخرج التراب الذي يحصل بالحفر؛ لأنه لا يمكنه أن يحفر إلا بإخراج تراب ما حفر، فإن تهور شيء من تراب ما حفره من جانبي البئر.. لم يلزم الحافر إخراج ذلك، بل على المستأجر أن يخرج ذلك؛ لأنه سقط من ملكه، ولم يتضمنه عقد الإجارة، فهو كما لو سقط في البئر بهيمة لمالك البئر.
فإن حفر الأجير، فوصل إلى حجر في البئر يمكنه حفرها.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال القاضي أبو الطيب: يلزمه حفرها إذا أمكنه وإن شق عليه؛ لأنه قد التزم الحفر بالعقد.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: لا يلزمه حفرها؛ لأنها مخالفة لما شاهد من الأرض.
وإن وصل إلى حجر لا يمكنه حفرها، أو نبع فيها ماء لا يمكنه معه الحفر وقد بقي من الذرعان التي استأجره عليها بعضها.. انفسخت الإجارة فيما بقي، وهل ينفسخ فيما مضى؟ فيه طريقان، كما قلنا فيمن اشترى عبدين، فتلف أحدهما قبل القبض.
فإذا قلنا: ينفسخ فيما مضى.. سقط المسمى، ووجب للأجير أجرة المثل فيما قد عمل.
وإذا قلنا: لا ينفسخ.. ثبت لكل واحد منهما الخيار في الفسخ لأجل ما بقي، فإن فسخا، أو فسخ أحدهما.. سقط المسمى، ووجب للأجير أجرة المثل لما قد عمل.
وإن لم يفسخ واحد منهما.. قال ابن الصباغ: وجب للأجير من المسمى بقدر ما عمل، ولا يقسط ذلك على عدد الأذرع؛ لأن ذلك يختلف، لأن أعلى البئر أسهل في نقل التراب، ولكن يقال: كم أجرة ما قد عمل؟ وكم أجرة ما بقي؟ ويقسم المسمى عليهما.

فرع: الاستئجار لحفر القبر

]: وإن استأجره لحفر قبر.. فليس عليه رد التراب إلى القبر بعد وضع الميت فيه.
وقال أبو حنيفة: (عليه ذلك).
دليلنا: أن المعقود عليه هو الحفر، وقد وجد ذلك، فلا يلزمه غيره.

فرع: الاستئجار على البناء

ويجوز الاستئجار على البناء، ويجوز تقدير ذلك بالزمان، بأن يقول: استأجرتك لتبني لي يومًا أو شهرًا بآجر، أو أحجار، أو طين، أو لبن.
ويجوز تقديره بالعمل، بأن يقول: لتبني لي حائطًا بآجر، أو حجر، أو طين، أو لبن، ويذكر طوله وعرضه وسمكه.
ويجوز أن يستأجره ليضرب له اللبن، ويقدره بالمدة أو بالعمل، فإن قدره بالعمل.. ذكر عدد اللبن، ويذكر طولها وعرضها وسمكها.
قال ابن الصباغ: فإن كان القالب معلومًا.. جاز أن يطلق، كما إذا كان المكيال معلومًا معروفًا.. جاز إطلاقه في السلم.
وإن قال: بهذا القالب.. قال القاضي أبو الطيب: صح، وقال ابن الصباغ: في هذا نظر، وينبغي أن لا يصح، كما لو علق السلم على مكيال بعينه.
ولا بد أن يذكر موضع الضرب؛ لأنه يختلف بقرب الماء منه وبعده؛ لأن نقل الماء والتراب على الأجير.

فرع: استئجار الحمام

إذا استأجر حمامًا.. صحت الإجارة؛ لأنه يمكنه الانتفاع به مع بقاء عينه، فهو كالدور.
إذا ثبت هذا: فلا بد أن يشاهد المستأجر بيوت الحمام؛ لأن الغرض يختلف باختلاف صغيرها وكبيرها، ولا بد أن يشاهد القدر؛ لأن الغرض يختلف باختلاف صغيرها وكبيرها، ويشاهد بئر الحمام؛ لأن البئر إذا كانت عميقة وبعيدة من الحمام.. كانت أكثر مؤنة من القريبة القليلة العمق، ويشاهد موضع الوقود، ومطرح الرماد، والموضع الذي يستنقع فيه الماء إذا خرج من الحمام؛ لأنه إذا كان بعيدًا عميقًا.. ذهب الماء سريعًا، وإذا كان قريبًا من الحمام غير عميق.. امتلأ ترابًا.
وكذلك: إذا أراد أن يشتري حمامًا.. فلا يصح حتى يشاهد جميع هذه المواضع؛ لما ذكرناها.

فرع: الاستئجار ليعلمه سورة ما من القرآن

وإن استأجره على أن يعلمه سورة من القرآن.. لم تصح حتى يعينا السورة؛ لأن السور تختلف، وإن استأجره ليعلمه عشر آيات من سورة بعينها.. فهل يصح من غير أن يعين آيات منها؟ فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في المرأة التي له وهبت نفسها - لرجل: (ما تحفظ من القرآن؟) قال: سورة البقرة والتي تليها، قال: (قم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك».

جارٍ التحميل