كتاب الأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال في " الأم ": (ولو قال: والله لا بعت له ثوبا، فدفعه إلى وكيله، فقال: بعه أنت، فدفعه إلى الحالف، فباعه.. لم يحنث؛ لأنه لم يبعه للذي حلف، إلا أن يكون نوى: لا يبيع سلعة يملكها فلان، وهذا يقتضي أنه أذن لوكيله في التوكيل بالبيع).
فرع: حلف لا يطلق زوجته ووكل لها أمرها
]: وإن حلف: لا طلق زوجته، فجعل أمرها إليها، فطلقت نفسها.. لم يحنث.
وإن قال: إن شئت.. فأنت طالق، فقالت: قد شئت.. طلقت، وحنث؛ لأنه هو الموقع للطلاق.
مسألة: حلف لا يتسرى
وإن قال: والله لا تسريت.. فمتى يحنث؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه يحنث بالوطء وحده وإن لم ينزل - وهو قول أحمد - لأنه قد قيل: إن التسري مشتق من السراة، وهو الظهر، فكأنه حلف: لا يتخذها ظهرا، والجارية تتخذ ظهرا بالوطء.
وقيل: هو مشتق من السر، وهو الجماع، وذلك يوجد بالوطء وحده.
والثاني: أنه لا يحنث إلا بمنعها من الخروج ووطئها، سواء أنزل أو لم ينزل - وهو قول أبي حنيفة - لأنه قد قيل: إنه مشتق من التسري، فكأنه حلف: لا يتخذها أسرى الجواري، وهذا لا يحصل إلا بسترها ووطئها.
والثالث: أنه لا يحنث إلا بوطئها والإنزال فيها، وإن لم يمنعها عن الخروج؛ لأن التسري في العرف والعادة: اتخاذ الجارية لابتغاء الولد، وذلك لا يحصل إلا بالوطء والإنزال.
والرابع: أنه لا يحنث إلا بأن يمنعها من الخروج ويطأها وينزل فيها؛ لأنه قد قيل: إنه مشتق من السرور؛ والسرور لا يحصل إلا بذلك، وهذا هو المنصوص للشافعي، وقد قيل: إن المنصوص: هو الذي قبله.
مسألة: حلف لا مال له وله نقود أو عقار
وإن حلف: أنه لا مال له، وله شيء من النقود، أو العروض، أو العقار، وما أشبهه.. حنث.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث إلا إن كان له شيء من الأموال الزكاتية؛ استحسانا).
دليلنا: أن ذلك كله يقع عليه اسم المال حقيقة فحنث به كالزكاتي.
والدليل على أنه يقع عليه اسم المال: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن خير المال، فقال: «خير المال سكة مأبورة، أو فرس مأمورة».
و (السكة المأبورة): هي النخلة المصطفة المؤبرة.
و (الفرس المأمورة): هي المهرة الكثيرة النتاج.
وهكذا الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة فيمن قال: إن شفى الله مريضي.. فعلي لله أن أتصدق بمالي:
فعندنا: عليه أن يتصدق بجميع ماله إذا شفى الله مريضه.
وعنده: ليس عليه أن يتصدق إلا بماله الزكاتي.
وإن كان له دين، فإن كان حالا.. فقد حنث في يمينه؛ لأنه كالعين في يده؛ بدليل: أنه يجب عليه فيه الزكاة، وإن كان مؤجلا.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يملك المطالبة به.
والثاني: يحنث؛ لأنه يملك المعاوضة عليه والإبراء عنه.
وقال أبو حنيفة: (لا يحنث بالدين، حالا كان أو مؤجلا).
وقد مضى الدليل عليه.
وإن كان له مال مغصوب أو مودع أو معار.. حنث؛ لأنه على ملكه.
وإن كان له مال ضال.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأن الأصل بقاؤه.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يعلم بقاؤه، فلا يحنث بالشك.
وقال ابن الصباغ: وإن كان يملك بضع زوجته أو غير ذلك من المنافع.. لم يحنث؛ لأنه لا يسمى: مالا وإن كان في معنى المال.
وإن كان قد جني عليه خطأ أو عمدا، فعفا على مال.. حنث.
وإن جني عليه عمدا، ولم يقتص ولم يعف.. فيحتمل أن يبنى على القولين في موجب جناية العمد.
فإن قلنا: موجبها القود لا غير.. لم يحنث.
وإن قلنا: موجبها القود أو المال.. حنث.
فرع: حلف لا يملك عبدا وعنده مكاتب
وإن حلف: أنه لا يملك عبدا، وله مكاتب.. فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: يحنث؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم».
ولأنه يملك عتقه، فهو كالقن.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه كالخارج عن ملكه؛ بدليل: أنه لا يملك منافعه، ولا أرش الجناية عليه، فصار كالحر.
ومنهم من قال: لا يحنث، قولا واحدا، وهو المنصوص؛ لما ذكرناه.
وإن كان له أم ولد، أو مدبر، أو عبد معلق عتقه على صفة.. حنث؛ لأنه في ملكه، ويملك منافعه وأرش ما يجنى عليه، فهو كالقن.
مسألة: حلف أن يرفع المنكر إلى القاضي
وإن قال: والله لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى فلان القاضي، فإن رأى منكرا، ورفعه إليه.. فقد بر في يمينه، وإن رأى منكرا، وتمكن من رفعه، فلم يرفعه حتى مات أحدهما.. حنث في يمينه؛ لأنه أمكنه رفعه، ففوته بتفريط منه، وإن رأى منكرا، فمضى ليرفعه إليه، فحجب عنه ومنع عنه حتى مات أحدهما.. فهل يحنث؟ فيه قولان، كما إذا فعل المحلوف عليه مكرها.
وإن لم يتمكن من رفعه، فمضى ليرفعه إليه، فمات القاضي قبل أن يصل الحالف.. قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، كالمكره.
وقال أبو إسحاق المروزي والقاضي أبو الطيب: لا يحنث، قولا واحدا؛ لأن
قوله: لا رأيت منكرا إلا رفعته، يعني: إن تمكنت منه، واتسع الزمان لي، وهاهنا لم يتسع له الزمان، فلم يحنث، وتفارق التي قبلها، فإن هناك اتسع له الزمان، ولكن منع من الفعل.
فأما إذا عزل هذا القاضي، فإن كان قال: إلى فلان القاضي، ونوى أنه يرفعه إليه وهو قاض، أو نطق بذلك، فقال: إلى فلان وهو قاض.. فقد فاته الرفع إليه بعزله، قال أكثر أصحابنا: فيكون كما لو مات القاضي.
فإن كان ذلك بعد أن تمكن من رفعه.. حنث في يمينه، وإن كان قبل أن يتمكن من رفعه، وحجب عنه إلى أن عزل.. فعلى قولين.
وإن لم يحجب عنه، ولكن عزل قبل أن يصل إليه.. فعلى الطريقين، كما قلنا في الموت.
وقال ابن الصباغ: لا يبر بالرفع إليه بعد العزل، كما قال أصحابنا، ولكن لا يحنث؛ لأن اليمين على التراخي، ويجوز أن يلي بعد عزله، فيرفعه إليه.
وإن قال: إلى فلان القاضي، ولم ينو وهو قاض، ولا نطق به.. فهل يبر برفعه إليه بعد العزل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يبر بالرفع إليه؛ لأنه علق اليمين بعين موصوفة بصفة، وقد زالت الصفة، فلم يبر، كما لو قال: والله لا أكلت هذه الحنطة، فطحنها وأكلها.
فعلى هذا يكون الحكم فيه كما لو نوى وهو قاض، أو نطق به.
والثاني: يبرأ بالرفع إليه، وهو الأصح؛ لأنه علق اليمين على عين، وذكر القضاء تعريفا له لا شرطا، فهو كما لو حلف: لا دخلت دار زيد هذه، فباعها زيد، ودخلها.. فإنه يحنث.
وإن قال: والله لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى قاض.. فلا يحنث هاهنا بترك الرفع إلى القاضي بموته ولا بعزله، ولا يحنث إلا بترك الرفع بعد إمكانه وموت الحالف؛ لأنه علق اليمين على الرفع إلى قاض منكر، وأي قاض رفع إليه.. بر في يمينه، سواء كان قاضيا وقت اليمين أو بعده.
وإن قال: والله لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى القاضي، فإن رأى منكرا، ورفعه إلى قاضي البلد حين رؤيته.. بر في يمينه، وإن مات ذلك القاضي، أو عزل بعد الرؤية وبعد التمكن من الرفع إليه.. فحكى ابن الصباغ، عن أبي إسحاق المروزي، والقاضي أبي الطيب: أنه يحنث في يمينه؛ لأن لام التعريف تقتضي اختصاص من إليه القضاء عند رؤية المنكر.
وقال الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق -: لا يحنث، بل إذا رفعه إلى القاضي المولى بعده.. بر في يمينه؛ لأن الألف واللام يدخلان للجنس أو للعهد، ولم يرد بهما هاهنا الجنس، فثبت أن المراد بهما العهد، وذلك يتعلق بقاضي البلد.
مسألة: حلف لا يكلمه زمانا أو حقبا
وإن قال: والله لا كلمت فلانا زمانا، أو دهرا، أو حقبا، أو وقتا، أو حينا، أو مدة قريبة، أو بعيدة.. بر بأدنى زمان.
وقال أبو حنيفة: (الحين شهر، والحقب ثمانون عاما، والمدة القريبة دون الشهر، والبعيدة شهر).
وقال مالك: (الحين سنة، والحقب أربعون عاما).
دليلنا: أن هذه أسماء للزمان، ولم ينقل عن أهل اللغة فيه تقدير، وإنما يقع على القليل والكثير منه، وما من مدة إلا وهي قريبة بالإضافة إلى ما هو أبعد منها، وبعيدة بالإضافة إلى ما هو أقرب منها.
مسألة: حلفلا يستخدم فلانا فخدمه
مسألة: [حلف: لا يستخدم فلانا فخدمه]:
إذا حلف: أن لا يستخدم فلانا، فخدمه المحلوف عليه والحالف ساكت لم يستدعه إلى الخدمة.. لم يحنث الحالف، سواء كان المحلوف عليه عبده أو عبد غيره.
وقال أبو حنيفة: (إذا كان المحلوف عليه عبد الحالف.. حنث الحالف).
دليلنا: أنه حلف على فعل نفسه، وهو طلب الخدمة، فلا يحنث بالسكوت، كما لو لم يكن عبده.
فرع: حلف لا يحلق رأسه فحلقه غيره بأمره
وإن حلف لا يحلق رأسه، فأمره غيره، فحلق رأسه.. فمن أصحابنا من قال: هل يحنث الحالف؟ فيه قولان، كما لو حلف السلطان: أن لا يضرب عبده، أو لا يبيع، أو لا يشتري، فأمر غيره، فضرب عبده، أو باع له، أو اشترى.
ومنهم من قال: يحنث، قولا واحدا؛ لأن العرف في الحلاقة في حق كل أحد أن يفعله غيره عنه بأمره، ثم يضاف الفعل إلى المحلوق، فانصرفت اليمين إلى المتعارف فيه.
مسألة: حلف على فعلين فتعلق يمينه بهما
إذا حلف على فعلين.. تعلقت اليمين بهما إثباتا كانا أو نفيا، مثل أن يقول: والله لأكلمن هذين الرجلين، أو لآكلن هذين الرغيفين، فلا يبر إلا بكلام الرجلين جميعا، وبأكل الرغيفين جميعا.
وكذلك: إذا قال: والله لا كلمت هذين الرجلين، أو لا أكلت هذين الرغيفين.. لم يحنث إلا بكلام الرجلين جميعا، أو بأكل الرغيفين جميعا.
وكذلك إذا قال: والله لا أكلت هذا الرغيف، فأكل بعضه.. لم يحنث، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك وأحمد: (إذا كانت اليمين على النفي.. تعلقت بالبعض، فمتى أكل بعض الرغفيفين، أو بعض الرغيف.. حنث في يمينه).
دليلنا: أن اليمين تعلقت بالجميع، فلم يحنث بالبعض، كاليمين على الإثبات.
فرع: حلف ليشربن ماء الإناء
وإن قال: والله لأشربن ماء هذه الإداوة، أو ماء هذا الكوز، أو ما أشبه ذلك.. قال ابن الصباغ: فإن كان مما يمكنه شربه في سنة أو سنتين.. لم يبر إلا بشرب جميعه.
وإن حلف: أن لا يشربه.. لم يحنث إلا بشرب جميعه، خلافا لمالك وأحمد في النفي، وقد مضى الدليل عليهما.
وإن قال: والله لأشربن من ماء هذه الإداوة، أو الكوز، فشرب بعضه.. بر في يمينه.
وإن قال: لا شربت منه، فشرب منه ولو أدنى قليل.. حنث في يمينه؛ لأن (من) للتبعيض.
وإن قال: والله لا شربت ماء هذا النهر، أو ماء دجلة، أو الفرات، أو البحر، مما لا يمكنه شرب جميعه بحال.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث بشرب بعضه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لأن شرب جميعه لا يمكن، فانعقدت اليمين على بعضه، وهذا كما لو حلف: لا يكلم الناس.. فإنه يحنث بكلام بعضهم.
والثاني: لا يحنث؛ لأن لفظه يقتضي جميعه، فلم يتعلق ببعضه، كالماء في الإداوة.
قال القاضي أبو الطيب: ينبغي على هذا أن لا تنعقد يمينه، كما لو حلف: لأصعدن السماء.
مسألة: حلف لا يأكل طعاما اشتراه اثنان
وإن قال: والله لا أكلت طعاما اشتراه زيد، فاشترى زيد وعمرو طعاما صفقة واحدة، أو اشترى أحدهما نصفه مشاعا في عقد واحد، ثم اشترى الآخر نصفه مشاعا في عقد، وأكل الحالف منه.. لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: (يحنث).
ودليلنا: أن كل جزء من الطعام لم ينفرد زيد بشرائه، ولا يصح أن يضاف إليه.. فلم يحنث بأكله، كما لو حلف: لا يلبس ثوبا اشتراه زيد، فلبس ثوبا اشتراه زيد وعمرو، وكما لو حلف: لا يأكل من قدر طبخها زيد، فأكل من قدر طبخها زيد وعمرو، أو لا يدخل دارا اشتراها زيد، فدخل دارا اشتراها زيد وعمرو.
وقد وافقنا أبو حنيفة على ذلك.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يحنث الحالف؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يحنث الحالف؛ لما ذكرناه.
والثاني: يحنث، سواء أكل منه حبة أو لقمة؛ لأنه ما من جزء إلا وقد اشتركا في شرائه.
والثالث: إن أكل النصف أو أقل.. لم يحنث، وإن أكل أكثر من النصف.. حنث؛ لأنه إذا أكل أقل من النصف.. لم يتحقق أنه أكل ما اشتراه زيد، وإن أكل أكثر من النصف.. حنث؛ لأنه تحقق أنه أكل ما اشتراه زيد.
وإن حلف: لا يأكل طعاما اشتراه زيد، فاشترى زيد قفيز طعام منفردا، واشترى عمرو قفيز طعام منفردا، وخلطا الطعامين أو اختلطا، وأكل منه الحالف.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: إن أكل الحالف النصف فما دون.. لم يحنث، وإن أكل أكثر من النصف.. حنث؛ لأنه إذا أكل النصف فما دونه.. لا يتحقق أنه أكل ما اشتراه زيد، فلم يحنث، كما لو حلف: لا يأكل تمرة، فاختلطت بتمر كثير، فأكل الجميع إلا تمرة.
وإذا أكل أكثر من النصف.. تحققنا أنه أكل مما اشتراه زيد، فحنث.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: إن أكل حبات يسيرة، كالحبة والحبتين والعشرين حبة.. لم يحنث؛ لأنه يجوز أن يكون مما اشتراه عمرو، وإن أكل كفا.. حنث؛ لأنا نتحقق أن فيه مما اشتراه زيد؛ لأن العادة أن الطعامين إذا اختلطا أن لا يتميز الكف منه من أحدهما.
والثالث: - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: أنه لا يحنث وإن أكل جميعه؛ لأنه لا يمكن أن يشار إلى شيء منه أنه مما اشتراه زيد، فصارا كما لو اشترياه مشاعا.
والأول اختيار القاضي أبي الطيب، ولم يذكر المسعودي [في " الإبانة "] غيره.
والثاني اختيار ابن الصباغ.
فرع: حلف لا يأكل مما اشتراه زيد
وإن حلف: لا يأكل من طعام اشتراه زيد، فاشترى زيد طعاما، ثم باع نصفه، فأكل منه الحالف.. قال ابن الصباغ: حنث؛ لأن زيدا اشترى جميعه.
وإن باع طعاما، فاستقال فيه، أو صالح على طعام من دعوى، فأكل منه الحالف.. قال الطبري: لم يحنث.
وكذلك: إذا ورث زيد طعاما هو وغيره، وقاسم شركاءه، وأكل مما حصل لزيد.. لم يحنث الحالف، سواء قلنا: إن الإقالة والقسمة بيع أو لم نقل؛ لأنا وإن قلنا: إنهما بيع، فإنما ذلك بيع من طريق الحكم، وأما من طريق الاسم والحقيقة: فليس ببيع، وكذلك الصلح بهذا المعنى.
وإن اشترى زيد طعاما سلما، فأكل منه الحالف.. قال الطبري: حنث الحالف؛ لأنه يسمى شراء في الحقيقة.
وإن اشترى زيد لغيره طعاما، فأكل منه الحالف.. حنث؛ لأن الاسم قد وجد.
وإن اشترى عمرو لزيد طعاما، فأكل منه الحالف.. لم يحنث؛ لأن اليمين على ما اشتراه زيد، وذلك يقتضي شراءه بنفسه.
وإن حلف: لا يدخل دارا اشتراها زيد، فاشترى زيد بعض دار، ثم أخذ باقيها بالشفعة، ودخلها الحالف.. لم يحنث؛ لأنه لم يشتر جميعها حقيقة.
مسألة: حلف لا يدخل دارا فأدخلها برضاه
إذا حلف: لا يدخل دارا، فدخلها ماشيا، أو راكبا، أو محمولا باختياره.. حنث؛ لأنه قد دخلها.
فإن قيل: فهلا قلتم: إذا دخلها محمولا.. لا يحنث، كما لو حلف: لا ضربت زيدا، فأمر غيره، فضربه؟
قلنا: إن الفصل بينهما: أن الدخول هو الانفصال من خارج الدار إلى داخلها، وقد وجد ذلك، فإذا كان باختياره.. أضيف الفعل إليه، بخلاف الضرب.
وإن أكره حتى دخلها، أو نسي اليمين، أو جهل الدار المحلوف عليها، فدخلها.. فهل يحنث؟ فيه قولان:
أحدهما: يحنث، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأنه فعل المحلوف عليه فحنث.
والثاني: لا يحنث، وبه قال الزهري، وهو الأصح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، ولأن حال النسيان والإكراه والجهل
لا تدخل في اليمين، كما لا تدخل في أوامر الشرع ونواهيه.
فإن أكرهه غيره، وحمله حتى دخل به الدار.. ففيه طريقان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما لو دخلها بنفسه مكرها؛ لأنه لما كان دخوله بنفسه ودخوله محمولا واحدا.. وجب أن يكون دخوله مكرها بنفسه ومحمولا واحدا.
و [الثاني]: منهم من قال: لا يحنث، قولا واحدا؛ لأنه لم يوجد منه فعل ولا اختيار، فلم يجز أن يضاف الدخول إليه.
مسألة: حلف ليأكلن الرغيف غدا
إذا قال: والله لآكلن هذا الرغيف غدا.. ففيه ست مسائل:
إحداهن: إذا أكله من الغد أي وقت كان منه.. بر في يمينه؛ لأنه فعل ما حلف ليفعلنه.
الثانية: إذا أمكنه أكله، فلم يأكله حتى انقضى الغد.. حنث في يمينه؛ لأنه فوت المحلوف عليه باختياره.
الثالثة: إذا أمكنه أكل جميعه من الغد، فلم يأكل إلا نصفه، وانقضى الغد.. حنث في يمينه؛ لأن اليمين على أكل جميعه، فلا يبر بأكل بعضه.
الرابعة: إذا تلف الرغيف في يومه أو من الغد قبل أن يتمكن من أكله فيه، أو منع من أكله، أو نسي حتى انقضى الغد.. فهل يحنث؟ فيه قولان، كما لو فعل المحلوف عليه مكرها أو ناسيا.
الخامسة: إذا أكل الرغيف في يومه، أو أكل بعضه.. حنث في يمينه.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا يحنث).
دليلنا: أنه فوت أكله من الغد بأكله إياه في اليوم، فحنث، كما لو ترك أكله من الغد حتى انقضى.
ومتى يحنث؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري:
أحدهما: يحنث عند أكل شيء منه؛ لأن الإياس من أكله حصل بذلك.
والثاني: يحنث بانقضاء الغد؛ لأنه وقت الأكل.
قال: ومثل هذين الوجهين إذا حلف: لأصعدن السماء غدا.
السادسة: إذا جاء الغد، وتمكن من أكله، ثم تلف الرغيف، أو منع من أكله قبل مضي الغد.. ففيه طريقان:
[الأول]: من أصحابنا من قال: يحنث، قولا واحدا؛ لأنه أمكنه أكله وفوته باختياره، فحنث، كما لو قال: والله لآكلن هذا الرغيف، ولم يقيده بمدة، فأمكنه أكله ولم يأكله.. فإنه يحنث وإن كان جميع عمره وقتا للأكل.
و [الثاني]: منهم من قال: فيه قولان؛ لأن جميع الغد وقت للأكل، ويخالف إذا كانت اليمين مطلقة؛ لأنه لم يعين وقته، وهذا كما قلنا فيمن أمكنه فعل الحج، ولم يحج حتى مات.. فإنه يأثم؛ لأنه غير مؤقت، ولو دخل عليه وقت الصلاة، وتمكن من فعلها، فمات في الوقت قبل أن يفعلها.. فإنه لا يأثم؛ لأن لها وقتا مقدرا.
فرع: حلف ليأكلن الرغيف اليوم
وإن قال: والله لآكلن هذا الرغيف اليوم.. ففيه ست مسائل أيضا:
إحداهن: أن يأكله في يومه، فيبر في يمينه.
الثانية: إذا أمكنه أكله في يومه، فلم يأكله حتى انقضى اليوم.. فيحنث في يمينه.
الثالثة: إذا أمكنه أكل جميعه، فلم يأكل إلا نصفه، وانقضى اليوم.. فيحنث في يمينه.
الرابعة: إذا تلف الرغيف بغير الأكل.. فيحنث في يمينه.
الخامسة: إذا تلف الرغيف قبل أن يتمكن من أكله.. فهل يحنث؟ فيه قولان.
السادسة: إذا تمكن من أكله، وتلف في اليوم.. ففيه طريقان:
[الأول]: من أصحابنا من قال: يحنث، قولا واحدا.
و [الثاني]: منهم من قال: فيه قولان، والتعليل ما مضى في الأولى.
فرع: حلف ليطلقنها غدا
إذا حلف: ليطلقن امرأته غدا، فطلقها في يومه، فإن طلقها ثلاثا.. حنث؛ لأنه فات طلاقه غدا، وإن طلقها واحدة أو اثنتين، ولم يستوف بذلك الثلاث.. لم يحنث؛ لأنه يمكنه طلاقها غدا، فإن طلقها غدا.. بر في يمينه، وإن لم يطلقها حتى انقضى الغد.. حنث في يمينه.
وإن كان عليه ركعتا نذر، فحلف: ليصلينهما غدا، فصلاهما اليوم.. حنث في يمينه؛ لأنه فوت المحلوف عليه، وإن حلف: ليصلين غدا، أو أطلق، فصلى اليوم.. لم يحنث؛ لأنه يمكنه أن يصلي غدا.
فرع: حلف ليقضين حقه غدا
وإن كان له عليه حق، فقال: والله لأقضينك حقك غدا.. ففيه المسائل الست التي مضت في الرغيف، إلا أن ينوي أن لا يخرج غدا حتى أقضيك، فإذا قضاه اليوم.. لم يحنث.
وإن قال: والله لأقضينك حقك غدا إلا أن تشاء أن تؤخره.. ففيه المسائل الست في الرغيف، وفيه:
سابعة: إذا قال من له الحق: شئت أن تؤخره، ولم يقضه حتى خرج الغد.. بر في يمينه.
وإن قال: والله لأقضينك حقك غدا إلا أن يشاء فلان.. ففيه المسائل السبع إذا قال: إلا أن تشاء أن تؤخره، وفيه:
ثامنة: وهو أن فلانا لو مات في الغد قبل أن تعلم مشيئته.. فقد تعذرت مشيئته، فيسقط حكمها، فيصير كما لو لم يستثن.
مسألة: حلف ليقضين الحق عند أول الشهر
وإن قال: والله لأقضينك حقك عند رأس الهلال، أو عند الاستهلال، أو مع رأس الهلال، أو مع الاستهلال، أو عند رأس الشهر.. فإن الحكم في الجميع واحد، ويقتضي أن يكون القضاء في أول جزء من الليلة الأولى من الشهر، فإن قضاه قبل ذلك.. حنث في يمينه؛ لأنه فوت القضاء باختياره، وإن مضى أول جزء من الليلة الأولى من الشهر، وأمكنه فيه القضاء، فلم يقضه.. حنث؛ لأنه ترك القضاء باختياره.
وإن شك: هل هذه الليلة أول الشهر أم لا؟ فلم يقضه، ثم بان أنها أول الشهر.. ففيه قولان.
وإن غابت الشمس في آخر يوم من الشهر، وأخذ في القضاء، وواصله كما جرت العادة باقتضاء مثله من الوزن إن كان موزونا، أو الكيل إن كان مكيلا.. بر في يمينه، وإن تأخر الفراغ منه مع مواصلته للقضاء.. لم يؤثر ذلك.
قال الطبري: فإن اشتغل عند غروب الشمس بحمل الميزان ليزن.. لم يحنث؛ لأنه اشتغل بأسباب القضاء.
هذا مذهبنا.
وقال مالك: (رأس الشهر يتناول أول ليلة ويوم منه).
وإن ابتدأ بالقضاء في أثناء
الليلة الأولى، أو في أثناء اليوم الأول من الشهر.. بر في يمينه؛ لأن الشهر ليال وأيام، فكان أوله الليلة الأولى، وآخره اليوم الأول.
ودليلنا: أن (عند) و (مع) تقتضي المقارنة، ورأسه أول جزء منه، فاقتضى ابتداء القضاء فيه، وما ذكره يبطل بالسنة، فإنها شهور، وليس رأسها الشهر الأول منها.
فرع: حلف ليقضينه إلى رمضان
وإن قال: والله لأقضينك حقك إلى رمضان، فإن قضاه قبل رمضان.. بر في يمينه، وإن لم يقضه حقه حتى دخل شهر رمضان.. حنث في يمينه؛ لأن وقت القضاء قبل رمضان، فإذا أخره إلى رمضان.. فقد فوت القضاء عن وقته باختياره، فحنث في يمينه.
وإن قال: والله لأقضينك حقك إلى رأس الشهر، أو إلى أول الشهر، أو إلى رأس الهلال، أو إلى أول الهلال.. فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: حكمه حكم ما لو قال: إلى رمضان، وهو قول المزني؛ لأن (إلى) للغاية.
ومنهم من قال: حكمه حكم ما لو قال: عند رأس الشهر، أو مع رأس الشهر، وهو ظاهر النص؛ لأن (إلى) قد تكون للغاية، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] [البقرة: 187]، وقد تكون بمعنى (مع)، كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: 14] [الصف: 14]، أي: مع الله، وكقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] [المائدة: 6]، أي: مع المرافق.
فإذا احتملت (إلى) هاهنا أن تكون للغاية، واحتملت أن تكون للمقارنة.. لم نحنثه بتركه القضاء قبل مجيء أول الشهر بالشك، ويخالف قوله: (إلى رمضان)؛
لأنه لا يحتمل هاهنا أن تكون للمقارنة؛ لأنه لا يحتمل أن يكون القضاء مقارنا لجميع شهر رمضان؛ فلذلك جعلناها للغاية.
فرع: حلف ليقضينه ليلة يرى الهلال
قال في " الأم ": (وإذا قال: والله لأقضينك حقك في الليلة التي ترى فيها الهلال.. فأي وقت قضاه من جميع تلك الليلة.. بر بيمينه؛ لأنه جعلها كلها وقتا للقضاء، وإن لم يقضه حتى فاتت الليلة.. حنث في يمينه.
وإن قال: والله لأقضينك حقك إلى حين.. فليس بمقدر، فإذا قضاه في عمره.. بر في يمينه).
وقال مالك: (الحين سنة، فإذا قضاه في السنة.. بر في يمينه، وإن تأخر القضاء عنها.. حنث).
وقال أبو حنيفة وأحمد: (الحين شهر، فإن قضاه فيه.. بر في يمينه، وإن تأخر عنه.. حنث).
دليلنا: أن الحين يقع على القليل والكثير، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88] [ص: 88] وأراد: يوم القيامة، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: 1] [الإنسان: 1]، وقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: 54] [المؤمنون: 54].
ولا يتساوى الجميع، فدل على أن الحين يقع على الكثير والقليل.
وإن قال: والله لأقضينك حقك إلى دهر، أو إلى زمان، أو إلى حقب، أو إلى مدة قريبة أو بعيدة.. فليس ذلك بمقدر، ولا يحنث حتى يفوته القضاء بالموت.
وقال أبو حنيفة: (القريب دون الشهر، والبعيد شهر، والحقب ثمانون عاما).
وقال مالك: (الحقب أربعون عاما)؛ لأنه روي عن ابن عباس في قَوْله تَعَالَى:
﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] [النبأ: 23]، قال: (الحقب ثمانون عاما).
وروي عنه: (أربعون عاما).
دليلنا: أن ذلك اسم للزمان، ولم ينقل عن أهل اللغة فيه حد مقدر، وما من مدة إلا وهي قريبة بالإضافة إلى ما هو أبعد منها، وبعيدة بالإضافة إلى ما هو أقرب منها.
وما روي عن ابن عباس.. فلا يمتنع أن اسم الحقب يقع على أكثر مما ذكر وأقل منه، وإنما أراد تفسير أحقاب لبث أهل النار فيها دون مقتضاها في اللغة.
فرع: حلف ليقضينه حقه إلى أيام
وإن قال: والله لأقضينك حقك إلى أيام.. قال القاضي أبو الطيب في " المجرد ": إن لم يكن له نية.. فعندي: أنها ثلاثة أيام؛ لأنها أقل الجمع.
وقال القاضي حسين الطبري في " عدته ": حكمه حكم ما لو قال: إلى حين وزمان؛ لأنه يعبر بالأيام عن القليل والكثير، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] [البقرة: 184]. ويقال: أيام الفتنة، وأيام العدل، فلم يكن لها شيء معلوم.
وإلى هذا أشار ابن الصباغ؛ فإنه قال: قول القاضي لا يوافق ما ذكرناه من الحين والزمان، ولأنا قلنا في القريب والبعيد: لا حد له؛ لأنه يقع على القليل والكثير، فلم يعلقه بأقل ما يقع عليه الاسم، فكذلك الأيام أيضا.
ولم يذكر المحاملي غير هذا.
مسألة: حلف لا يفارقه حتى يستوفي حقه
وإن كان له على رجل حق، فقال من له الحق: والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك.. فقد علق الحالف اليمين على فعل نفسه، فإن استوفى منه حقه قبل المفارقة..
بر في يمينه، وإن فارقه باختياره قبل استيفاء حقه.. حنث في يمينه، وإن أكره حتى فارقه، أو نسي ففارقه قبل الاستيفاء.. فهل يحنث؟ فيه قولان.
وإن فر من عليه الحق عن الحالف قبل الوفاء.
فقد قال أكثر أصحابنا: لا يحنث الحالف، قولا واحدا.
وحكى الشيخ أبو إسحاق: أن أبا علي بن أبي هريرة قال: هل يحنث الحالف؟ فيه قولان، كالقولين في الحالف إذا أكره حتى فارق الغريم، وهو قول المسعودي [في " الإبانة "] والأول هو الأصح؛ لأنه حلف على فعل نفسه، ولم يوجد منه فعل.
فإذا فر من عليه الحق.. لم يحنث الحالف، سواء كان بأمر الحالف واختياره أو بغير أمره واختياره.
وإن قال من له الحق لمن عليه الحق: والله لا فارقتني حتى استوفي حقي منك.. فقد علق الحالف اليمين على فعل من له عليه الحق، فإن وفاه الحق قبل أن يفارقه.. بر في يمينه، وإن فارقه من عليه الحق باختياره قبل أن يوفيه.. حنث الحالف، سواء فارقه بأمر الحالف واختياره أو بغير أمره واختياره؛ لأنه علق اليمين على فعل من عليه الحق.
وقال صاحب " التقريب ": إذا فر من عليه الحق.. فهل يحنث الحالف؟ فيه قولان.
والأول هو المشهور.
وإن أكره من عليه الحق حتى فارقه من له الحق قبل الوفاء، أو نسي اليمين، ففارقه قبل الوفاء.. فهل يحنث الحالف؟ فيه قولان.
وإن فر من له الحق قبل الوفاء.. لم يحنث، قولا واحدا؛ لأنه لم يعلق اليمين بفعل نفسه، وإنما علقها بفعل من عليه الحق، ولم يوجد من جهة من عليه الحق فعل.
وإن قال من له الحق: والله لا افترقت أنا وأنت حتى توفيني حقي، أو لا نفترق أنا وأنت حتى أستوفي حقي منك.. فقد علق اليمين بفعل كل واحد منهما على
الانفراد، فأيهما فارق الآخر مختارا ذاكرا لليمين قبل الاستيفاء.. حنث الحالف؛ لأنه علق اليمين على فعل كل واحد منهما.
وقال في " الأم ": (لو قال: والله لا افترقت أنا وهو، ففر منه.. حنث في قول من قال: لا يطرح الخطأ والغلبة عن الناسي، ولم يحنث في قول من طرح الخطأ والغلبة عن الناسي).
قال الشيخ أبو حامد: وهذا خطأ.
ولا فرق بين أن يقول: (أنا وأنت)، وبين أن يقول: (أنا وهو).
وينبغي أن يحنث، قولا واحدا؛ لأن معنى ذلك: لا فارقتني ولا فارقتك.
وإذا حلف على فعله، ففر منه.. فقد حنث؛ لأنه غير مكره على فعله.
وإن قال: والله لا افترقنا حتى أستوفي حقي منك.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: لا يحنث الحالف، إلا أن يفارق كل واحد منهما صاحبه، فأما إذا فارق أحدهما صاحبه.. فلا يحنث الحالف؛ لأنه علق اليمين بوجود الافتراق منهما، فلم يحنث بوجوده من أحدهما.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: إذا فارق أحدهما الآخر مختارا ذاكرا لليمين.. حنث الحالف، كقوله: لا افترقت أنا وأنت؛ لأنه علق اليمين على الافتراق، وذلك يوجد بمفارقة أحدهما.
فرع: حلف لا يفارقه حتى يستوفي حقه فأفلس
وإن قال من له الحق: والله لا فارقتك حتى أستوفي منك حقي، فأفلس من عليه الحق، فإن فارقه من له الحق من غير أن يجبره الحاكم على مفارقته.. حنث، قولا واحدا؛ لأنه فارقه باختياره وإن كان ذلك واجبا عليه، كما لو حلف: لا يصلي، فصلى الفريضة.
وإن أجبره الحاكم على مفارقته.. فهل يحنث؟ فيه قولان، كما لو أكره حتى فارقه.
وإن كان حقه دراهم، فأعطاه دراهم، وبان أنها رصاص أو نحاس، فإن علم بذلك الحالف قبل المفارقة وفارقه.. حنث؛ لأنه فارقه باختياره وقبل استيفاء حقه، وإن ظنها دراهم جيدة، ففارقه، ثم بان أنها رصاص أو نحاس.. فهو في حكم المكره على المفارقة، وهل يحنث؟ على قولين.
وإن أحاله من عليه الحق على آخر، ففارق الغريم.. حنث الحالف؛ لأنه لم يستوف حقه؛ لأن اسم الاستيفاء حقيقة لا يقع على الحوالة.
فرع: حلف بالله لا يفارقه حتى يستوفي فدفع عوضا لمن له حق عليه
وإن قال: والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي، فدفع إليه من عليه الحق عما عليه من الحق عوضا؛ بأن كان له عليه دراهم أو دنانير، فأعطاه بها عوضا، وفارقه من له الحق.. حنث، سواء كان العوض يساوي حقه أو لا يساوي؛ لأن الذي أخذه ليس هو حقه، وإنما هو عوض عن حقه.
إذا ثبت هذا: فإن المزني نقل: (لو أخذ بحقه عوضا، فإن كان قيمته حقه.. لم يحنث، وإن كان أقل حنث).
قال المزني: ليس للقيمة معنى.
قال أصحابنا: وهذا الذي نقله المزني ليس هو مذهب الشافعي، وإنما هو مذهب مالك؛ لأن الشافعي بدأ في (كتاب الأيمان) بمذهب مالك، ثم ذكر مذهب نفسه بعد ذلك، كما تقدم.
وقال أبو حنيفة: (إذا أخذ عن حقه عوضا.. بر في يمينه، سواء كان قيمته حقه أو أقل من حقه).
دليلنا عليهما: ما مضى.
وأما إذا قال: والله لا فارقتك حتى أستوفي، ولم يقل: حقي، ثم أخذ منه العوض وفارقه.. فقد قال المحاملي: فإن كان قيمة ما أخذه منه مثل حقه أو أكثر.. لم يحنث؛ لأنه استوفى حقه، وإن كان أنقص منه.. حنث؛ لأنه لم يستوف مثل حقه، بل ترك بعضه.
وإن قال: [والله] لا فارقتك وقد بقي لي عليك حق، ثم أخذ منه عوضا، أو أبرأه، ثم فارقه.. لم يحنث؛ لأنه لم يبق له عليه حق.
فرع: حلف لا يفارقه حتى يؤدي ما عليه
وإن قال من عليه الحق: والله لا فارقتك حتى أدفع إليك ما لك علي، أو لأقضينك حقك، فإن كان الحق عينا.. فمعنى القضاء فيها: الرد، فإن وهبها صاحب الحق للحالف، فقبل الهبة، وأذن له في قبضها، وأتت عليه مدة القبض، وكان ذلك قبل أن يردها إلى مالكها.. حنث الحالف؛ لأنه فوت ردها إليه باختياره بقبول الهبة.
وإن كان الحق عليه دينا، فأبرأه صاحب الحق، فإن قلنا: إن الإبراء يفتقر إلى القبول، فقبل من عليه الحق.. حنث؛ لأنه فوت الدفع والقضاء بقبوله البراءة، وإن قلنا: إن الإبراء لا يفتقر إلى القبول.. فقد برئ، وقد فاته الدفع والقضاء بغير اختياره.
قال المحاملي: فيحتمل أن يكون في حنثه قولان، كالمكره، ويحتمل أن لا يحنث، قولا واحدا؛ لأنه لم يوجد من جهته فعل بحال، لا مختارا ولا مكرها.
إذا ثبت هذا فإن المفارقة التي يحصل بها الحنث في جميع ذلك كالمفارقة التي ذكرناها في انقطاع خيار المجلس في البيع.
والله أعلم، وبالله التوفيق
باب كفارة اليمين
إذا حلف بالله، وحنث.. لزمته الكفارة.
قال الطبري في " العدة ": والظاهر من المذهب: أن الكفارة تجب بسببين: اليمين والحنث.
ومن أصحابنا من قال: تجب الكفارة باليمين فحسب، والحنث وقت للكفارة.
وقال سعيد بن جبير: تجب الكفارة باليمين.
وقال أبو حنيفة: (تجب بالحنث).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حلف بأيمان كثيرة».
ولم يرو عنه أنه كفر عنها، حيث لم يحنث فيها، فلو وجبت باليمين فحسب.. لكفر عنها.
إذا ثبت هذا: فكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وهو مخير في هذه الثلاثة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89] [المائدة: 89].
فإن لم يقدر على أحد هذه الثلاث الأشياء.. وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89] [المائدة: 89].
وليس في شيء من الكفارة تخيير وترتيب إلا هذه.
وإن قال: والله لا دخلت الدار، والله لا دخلت الدار، ثم دخلها، فإن نوى باليمين الثانية تأكيد الأولى.. لزمه كفارة واحدة، وإن نوى بها الاستئناف.. ففيه قولان:
أحدهما: يلزمه كفارتان؛ لأنهما يمينان بالله حنث بهما، فهو كما لو كانتا على فعلين.
والثاني: لا تلزمه إلا كفارة واحدة، وهو الأصح؛ لأن الثانية لم تفد إلا ما أفادته الأولى.
وإن أطلق ولم ينو شيئا، فإن قلنا: إنه إن نوى الاستئناف لم تلزمه إلا كفارة واحدة.. فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: تلزمه كفارتان.. فهاهنا قولان، بناء على من كرر لفظ الطلاق، ولم ينو التأكيد ولا الاستئناف.
فإن قلنا هناك: لا يلزمه إلا طلقة.. لم تلزمه هاهنا إلا كفارة.
وإن قلنا هناك: تلزمه طلقتان.. لزمه هاهنا كفارتان.
وإن حلف على أمر مستقبل.. فالمستحب له: أن لا يكفر حتى يحنث؛ ليخرج من الخلاف.
وإن أراد أن يكفر قبل الحنث، فإن كانت اليمين على غير معصية، بأن حلف: ليصلين، أو لا يدخل الدار.. جاز له أن يكفر بالإطعام، أو الكسوة، أو العتق، وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس وعائشة والحسن البصري وابن سيرين وربيعة ومالك والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (لا يجوز).
دليلنا: ما روى أبو داود في " سننه " [ (3277) و (3278) ]: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعبد الرحمن بن سمرة: " إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها.. فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير».
ولأنه حق مال يتعلق بسببين يختصان به، فجاز تقديمه على أحدهما، كالزكاة.
وإن أراد أن يكفر بالصوم قبل الحنث.. لم يجز.
وقال مالك: (يجوز).
دليلنا: أنه عبادة بدنية لا حاجة به إلى تقديمها، فلم يجز تقديمها قبل الوجوب، كصوم رمضان.
فقولنا: (بدنية) احتراز من المالية.
وقولنا: (لا حاجة به إلى تقديمها) احتراز من تقديم الصلاة في الجمع وفي السفر والمطر.
وإن كانت اليمين على معصية، بأن حلف: أن لا يشرب الخمر، فأراد أن يكفر قبل أن يشرب.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن تقديم الكفارة رخصة فلا تجوز بسبب المعصية، كالقصر والجمع في سفر المعصية.
والثاني: يجوز؛ لأن الكفارة لا تتعلق بها استباحة ولا تحريم، بل يبقى المحلوف عليه على حالته ويفارق السفر، فإنه سبب في جواز القصر والجمع.
وإن ظاهر من الرجعية، وأراد أن يكفر قبل العود، أو جرح رجلا، وأراد أن يكفر عن القتل قبل موت المجروح، أو جرح المحرم صيدا، وأراد أن يخرج الجزاء قبل موت الصيد، أو احتاج إلى المشي على الجراد المنتشر وهو محرم، أو احتاج إلى استعمال الطيب وهو محرم، فأراد إخراج الكفارة قبل ذلك.. فمن أصحابنا من قال: فيه وجهان كما قلنا في التي قبلها:
أحدهما: يجوز؛ لأنه وجد أحد سببي الكفارة.
والثاني: لا يجوز؛ لأن في ذلك استباحة محظور.
ومنهم من قال: يجوز، وجها واحدا؛ لأنه ليس فيه توصل إلى معصية.
والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما في الصوم.. جاز لهما الفطر وإخراج
الفدية لليوم الذي تريد فطره، وهل يجوز إخراج الفدية ليوم بعده؟ فيه وجهان، كالوجهين في تقديم الزكاة لعامين.
مسألة: يختص العتق بالرقبة المؤمنة
فإن أراد أن يكفر بالعتق.. أعتق رقبة مؤمنة، على ما ذكرناه في الظهار.
وإن أراد أن يكفر بالإطعام.. أطعم عشرة مساكين، كل مسكين مدا من الطعام، على ما ذكرناه في الظهار.
وإن أراد أن يكفر بالكسوة.. كسا عشرة مساكين، كل مسكين ما يقع عليه اسم الكسوة، من قميص، أو عمامة، أو سراويل، أو رداء، أو إزار، أو مقنعة، أو خمار.
وقال مالك، وأحمد: (لا يجزئه إلا ما يجزئ فيه الصلاة).
قال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه السراويل والعمامة.
دليلنا: أن الشرع ورد بالكسوة مطلقة، وليس له عرف يحمل عليه، فوجب حمله على ما يقع عليه اسم الكسوة، واسم الكسوة يقع على العمامة والمقنعة والخمار والسراويل، فأجزأه، كالقميص، وهل تجزئ فيه القلنسوة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تجزئه؛ لأنه لا يقع عليها اسم الكسوة.
والثاني: تجزئه؛ لما روي عن عمران بن الحصين، أنه سئل عن قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] [المائدة: 89] فقال: (إذا أعطاهم قلنسوة قلنسوة.. أجزأ، أرأيت لو قدم وفد على الأمير، فأعطاهم قلنسوة قلنسوة.. فإنه يقال: قد كساهم).
وإن أعطاه خفا، أو شمشكا، أو نعلا، أو جوربا، أو تكة.. لم يجزئه؛ لأن ذلك لا يقع عليه اسم الكسوة.
قال ابن الصباغ: وقد حكى الشيخ أبو حامد في الخف وجهين، والأول هو المشهور.
ويجوز دفع الكسوة مما اتخذ من الصوف والشعر والكتان والخز والوبر والقطن، وأما ما اتخذ من الحرير فإن أعطاه امرأة.. أجزأه، وإن أعطاه رجلا.. فهل يجزئه؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه يحرم عليه لبسه.
والثاني: يجزئه؛ لأنه يجوز أن يدفع إلى الرجل كسوة المرأة، وإلى المرأة كسوة الرجل.
والمستحب أن يكون ما يدفعه جديدا، خاما كان أو مقصورا.
فإن دفع لبيسا، فإن كان قد خلق.. لم يجزه؛ لأنه قد ذهبت قوته، فلم يجزه كالطعام المسوس، وإن كان لم يخلق.. أجزأه، كالطعام العتيق.
فرع: أطعم قسما وكسا آخر
إذا أطعم خمسة، وكسا خمسة.. لم يجزه.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يجزئه).
دليلنا: أنهما نوعان من أنواع الكفارة، فلم يجز إخراج الكفارة منهما، كما لو أعتق نصف رقبة، وكسا خمسة.
مسألة: يكفر بالإطعام والكسوة عند غناه
ولا يجب عليه أن يكفر بالمال - وهو الإطعام، أو الكسوة، أو العتق - إلا إذا قدر على ذلك فاضلا عن كفايته على الدوام؛ بحيث لا يجوز له أخذ الزكاة بالفقر أو المسكنة.
فإن لم يجد ذلك فاضلا عن كفايته على الدوام.. انتقل إلى صوم ثلاثة أيام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89] [المائدة: 89].
وهل يجب فيها التتابع؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب فيها التتابع، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، واختاره المزني؛ لما روي: أن ابن مسعود كان يقرؤها: فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
والقراءة الشاذة كخبر الواحد، ولأنه صوم في كفارة جعل بدلا عن العتق، فوجب فيه التتابع، كصوم الظهار.
فقولنا: (صوم في كفارة) احتراز من صوم النذر المطلق، ومن صوم قضاء رمضان.
وقولنا: (جعل بدلا عن العتق) احتراز من صوم فدية الأذى.
والثاني: لا يجب فيها التتابع، بل يجزئ فيه التفريق، وبه قال مالك، وعطاء.
قال المحاملي: وهو الأصح، ووجهه: القراءة المشهورة: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89] [المائدة: 89].
ولم يفرق بين أن تكون متتابعة أو متفرقة.
ولأنه صوم ورد به القرآن مطلقا، فأجزأ فيه التفريق، كصوم فدية الأذى.
وأما قراءة ابن مسعود: فإن عموم القرآن أولى منها.
فإذا قلنا: يجب فيها التتابع، فصامتها المرأة وحاضت في أثنائها.. انقطع تتابعها.
وقال أحمد: (لا ينقطع تتابعها، كصوم الشهرين في كفارة القتل).
دليلنا: أنه يمكنها أن تصوم ثلاثة أيام متتابعات، لا يتخللها الحيض، فإذا تخللها.. قطعها، كما لو صامتها وتخللها يوم الأضحى، ويخالف صوم الشهرين، فإنه لا يمكنها ذلك إلا بتأخير الصيام إلى الإياس، وذلك تغرير بالصوم.
وأما إذا تخلل المرض والسفر في الثلاث: فالحكم فيه كما ذكرنا في كفارة الظهار.
مسألة: مات وعليه كفارات ونحوها
إذا مات وفي ذمته كفارات، أو هدي، أو نذر مال.. فإن ذلك لا يسقط بموته.
وقال أبو حنيفة: (يسقط بموته).
وقد مضى الدليل عليه في الزكاة.
إذا ثبت أنها لا تسقط.. فإنها تخرج من تركته، فإن اتسعت تركته لجميعها.. أخرجت، وإن كان ماله لا يتسع لجميعها، فإن كانت كلها متعلقة بالعين، بأن كان
عليه زكاة مال والمال باق وهو أنواع، كالذهب والفضة والمواشي والزرع.. سوى بين الجميع.
وهكذا إذا كانت متعلقة بالذمة، بأن كان المال الذي وجبت فيه الزكاة تالفا واستفاد غيره، أو كانت نذورا، أو كفارات.. سوى بين الجميع، وأخرج من كل عين بقسطها.
وإن كان بعضها متعلقا بالعين، وبعضها متعلقا بالذمة.. قدم ما تعلق بالعين.
وإن كان عليه حق لله تعالى، وحق للآدمي، وبعضها متعلقا بالعين، وبعضها متعلقا بالذمة.. قدم ما تعلق بالعين على ما تعلق بالذمة، سواء كان لله أو للآدمي.
وإن كان الحقان متعلقين بالعين، أو متعلقين بالذمة.. فأيهما يقدم؟ فيه ثلاثة أقوال، مضت في (الزكاة).
فرع: مات وفي ذمته كفارة يمين ولم يوص
وإن كان عليه كفارة يمين، ومات ولم يوص بها.. فالواجب عليه أقل الأنواع، وهو الإطعام.
ويجوز للورثة أن يكسوا المساكين، وهل يجوز لهم أن يعتقوا عنه؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وإن رضي بأن يعتق عنه عن كفارة اليمين.. كان ذلك من ثلثه، سواء أطلق أو قال: من رأس المال، أو من الثلث؛ لأنه ليس بواجب.
فإن وفى ثلثه برقبة تجزئ.. فلا كلام، وإن لم يف الثلث برقبة تجزئ.. ففيه وجهان.
وقال أبو إسحاق: يعزل قدر الإطعام من رأس المال، ويضاف إليه الثلث من الباقي، فإن وفى برقبة تجزئ.. أعتقه، وإلا.. أطعم عنه، كما يقول فيه إذا وصى أن يحج عنه من دويرة أهله، ولم يف الثلث بذلك.
ومن أصحابنا من قال: تبطل الوصية بالعتق، ويطعم عنه، وهو ظاهر النص؛
لأن الذي وصى به لم يحتمله الثلث، فسقط، ويفارق الحج؛ لأن الذي وصى به هو الواجب، وإنما أراد تكميله، والعتق هاهنا غير واجب، وإنما الواجب الإطعام.
مسألة: فرض كفارة العبد الصوم
إذا وجبت على العبد كفارة اليمين أو غيرها من الكفارات.. فإن فرضه الصوم؛ لأنه لا يملك المال على الجديد.
وعلى القديم: (لا يملك العبد إلا بتمليك السيد له، وهو ملك ضعيف).
فإن أراد العبد أن يكفر بالمال بإذن السيد، أو أراد السيد أن يكفر عنه به.. فلا يجوز على قوله الجديد؛ لأنه لا يملك المال بحال.
وأما على قوله القديم: فيجوز أن يكفر بإذن السيد، أو يكفر عنه السيد بالإطعام والكسوة، ولا يجوز بالعتق.
قال ابن القفال في " التقريب ": وقد قيل: يصح، وتثبت له الولاية.
وبه قال أحمد، وأنكر ذلك سائر أصحابنا.
دليلنا: أن العتق لا ينفك عن الولاء، والعبد ليس من أهل الولاء؛ لأن الولاء يتضمن الولاية والميراث، والعبد لا يلي ولا يرث، فلذلك لم يثبت له الولاء.
إذا ثبت هذا: وأراد العبد أن يصوم عن الكفارة، فإن كان الصيام في وقت يضر بالعبد أو يضعفه عن العمل؛ لشدة الحر، أو لطول النهار، فإن حلف بإذن السيد، وحنث بإذنه، أو حلف بغير إذنه، وحنث بإذنه.. جاز له أن يصوم بغير إذنه؛ لأن إذنه فيما يوجب الصيام إذن له به، كما إذا أذن له في الإحرام فأحرم.. لم يكن له منعه من فعله.
وإن حلف وحنث بغير إذنه.. كان للسيد منعه من الصيام.
وقال أحمد: (ليس له منعه).
دليلنا: أن السيد لم يأذن له فيما ألزمه نفسه، وعلى السيد ضرر فيه؛ لأن منفعته تنقص، فكان له منعه، كما لو أراد أن يحرم بالحج بغير إذنه.
وإن حلف بإذنه، وحنث بغير إذنه.. فهل يجوز له الصوم بغير إذنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه أذن له في أحد سببي الكفارة، فهو كما لو أذن له في الحنث دون اليمين.
والثاني: لا يجوز، وهو الأصح؛ لأنه لو حلف بغير إذنه، وحنث بغير إذنه.. لم يجز له أن يصوم بغير إذنه ولم ينهه عن الحنث، فلأن لا يجوز له الصوم بغير إذنه وقد نهاه عن الحنث باليمين أولى.
وإن كان الصوم في نهار لا يضعفه عن العمل، ولا يضر ببدنه، كالصوم في الشتاء وما قاربه من الزمن.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: حكمه حكم الصوم في الزمان الذي يضر ببدن العبد أو بعمله؛ لأنه ينقص عن نشاطه.
والثاني - ولم يذكر ابن الصباغ، والمحاملي غيره -: أنه ليس للسيد منعه منه بحال؛ لأنه لا يضر به، ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة»، أي: أنه يحصل من غير مشقة.
قال أبو إسحاق: وكذلك إذا أراد العبد أن يتطوع بالصيام في هذا الزمان من غير إذن السيد، أو أراد أن يتطوع بالصلاة في غير زمان خدمته.. لم يكن للسيد منعه من ذلك؛ لأنه لا ضرر عليه في ذلك.
فكل موضع قلنا: لا يجوز له أن يصوم بغير إذن سيده إذا صام بغير إذنه.. فللسيد أن يحلله منه، كما قلنا في الحج، وإن لم يحلله منه.. أجزأه؛ لأنه من أهل الصيام، وإنما منع منه لحق السيد، فإذا فعله.. صح، ويسقط به الفرض، كصلاة الجمعة.
فرع: حلف عبد ثم عتق كان كالأحرار
وإن حلف العبد، ثم أعتق، ثم حنث.. فحكمه في الكفارة حكم الأحرار؛ لأن الوجوب والأداء في حال الحرية.
وإن حنث، ثم أعتق قبل أن يكفر، فإن كان معسرا.. ففرضه الصوم؛ لأنه حين الوجوب وحين الأداء من أهل الصوم، وإن كان موسرا، فإن قلنا: الاعتبار بحال الأداء، أو بأغلظ الحالين.. ففرضه أحد الأشياء الثلاثة، إما الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، ولا يجزئه الصيام.
وإن قلنا: إن الاعتبار بالكفارة بحال الوجوب.. ففرضه الصوم؛ لأنه كان حين الوجوب معسرا، فإذا أراد أن يكفر بالمال.. جاز له أن يطعم، أو يكسو، أو يعتق.
ومن أصحابنا من قال: لا يكفر بالعتق، قولا واحدا، وفي الإطعام والكسوة القولان في ملك العبد؛ لأن الاعتبار بحال الوجوب، وحال الوجوب كان عبدا.
والصحيح هو الأول؛ لأن الشافعي قال: (إذا أعتق فكفر بالمال.. أجزأه؛ لأنه حينئذ مالك للمال).
واعتباره بحال الوجوب في ذلك لا يصح؛ لأنه إذا كفر بالمال في حال رقه.. احتاج إلى إذن السيد، وبعد العتق لا يحتاج إلى ذلك.
مسألة: على المبعض كفارة
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو حنث ونصفه عبد ونصفه حر، فكان في يده لنفسه مال.. لم يجزئه الصوم).
وجملة ذلك: أنه إذا كان نصفه عبدا ونصفه حرا، ووجبت عليه كفارة؛ فإن لم يكن له مال بنصفه الحر.. ففرضه الصوم، وإن كان له مال بنصفه الحر.. فعليه أن يكفر بالإطعام أو الكسوة، ولا يجوز له أن يكفر بالعتق؛ لأنه إذا لم تكمل فيه الحرية.. فليس من أهل الولاية والميراث.
وقال المزني: فرضه الصيام.
وتابعه أبو العباس ابن سريج على هذا؛ لأن عدم بعض الحرية فيه بمنزلة عدمه لبعض الطعام، وقال: إنما قال الشافعي هذا على قوله القديم: (إن العبد يملك).
والمذهب الأول؛ لأنه قادر على التكفير بالمال فاضلا عن كفايته على الدوام، فأشبه الحر، ويخالف إذا عدم بعض الطعام، فإنه غير قادر عليه.
والله أعلم بالصواب، وبالله التوفيق