البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 85-124

كتاب الأقضية

صفحات 85-124
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

دليلنا: أنه إذا لم يكن هناك من يحكم بينهما.. ضاع الحق إذا لم يعده، فوجب عليه أن يعديه، كالمسافة المتفق عليها.

فرع استعداء الرجل للحاكم على المرأة

]: وإن استعدى رجل الحاكم على امرأة.. نظرت: فإن كانت برزة - وهي التي تخرج لحوائجها - فإن الحاكم يعدي عليها ويحضرها في مجلس الحكم ويحكم بينهما.
وإن كانت مخدرة - وهي التي لا تخرج لحوائجها - لم يكلفها الحاكم الحضور، بل يأمرها أن توكل من ينوب عنها في الخصومة، أو يبعث الحاكم من يحكم بينهما؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أن ترجم الغامدية وهي ظاهرة»، «وأمر أنيسا أن يغدو على امرأة الرجل التي أقر عسيفه أنه زنى بها، وقال: " إن اعترفت فارجمها».
فأمر برجمها وهي غير ظاهرة، وإنما فرق بينهما؛ لأن الغامدية كانت برزة، والأخرى غير برزة.
وإن كانت المرأة غير برزة وحضر من يحكم بينها وبين خصمها، وكان الحاكم أو الخصم من غير ذوي رحمها.. فإنه يكون بينه وبينها سترة وتتكلم من ورائها.
فإن اعترفت أنها خصمه.. حكم بينهما.
وإن قال: ليست هذه خصمي، فإن شهد شاهدان أنها خصمه.. حكم بينهما.
وإن لم يكن لها بينة.. كلفت أن تتلفح بإزارها وتخرج من وراء الستر؛ لأنه موضع حاجة.
والله أعلم

باب صفة القضاء

إذا حضر خصمان عند القاضي.. جاز للقاضي أن يقول لهما: تكلما أو يتكلم المدعي منكما، أو يقول ذلك القائم على بابه؛ لأنهما ربما هاباه من ابتداء الكلام.
ولا يجوز أن يقول لأحدهما: تكلم؛ لأن في ذلك كسرا لقلب الآخر.
ويجوز له أن يسكت إلى أن يتكلم المدعي منهما؛ لأنهما ما حضرا إلا للكلام.
فإذا ابتدأ أحدهما بالدعوى، فأراد الآخر أن يداخله بالكلام في حال كلامه.. منعه من ذلك؛ لأن المداخلة تمنع المدعي من بلوغ غرضه في الدعوى.
فإذا ادعى أحدهما على الآخر بدعوى، فإن كانت غير صحيحة.. قال له القاضي: صحح دعواك.
وهل له أن يلقنه كيف يصححها؟ فيه وجهان: أحدهما -وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: يجوز له ذلك؛ لأنه لا ضرر على المدعى عليه في تصحيح الدعوى عليه.
والثاني - وهو المذهب -: أنه لا يجوز للقاضي ذلك؛ لأن قلب الآخر ينكسر بذلك.
وإن كانت الدعوى صحيحة، فإن لم يجبه المدعى عليه بعد الدعوى.. نظرت: فإن قال المدعي للقاضي: كلفه الخروج عن دعواي.. قال له القاضي: أجب عن دعواه.
وإن لم يسأله المدعي ذلك.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له ذلك؛ لأن سؤال المدعى عليه حق للمدعي، فلا يستوفيه القاضي من غير إذنه.
والثاني: يجوز له ذلك، وهو المذهب؛ لأنه ما ادعى عليه إلا ليجيبه، فكان شاهد الحال يدل عليه.

فإن طولب بالجواب فأجاب، أو أجاب من غير مطالبة.. فلا يخلو: إما أن يقر أو ينكر.
فإن أقر بما ادعى عليه، فإن سأله المقر له أن يحكم له على المقر بما أقر له به.. حكم له بذلك.
وإن لم يسأله ذلك.. لم يجز له أن يحكم له بذلك؛ لأن الحكم حق للمقر له، فلا يفعله بغير إذنه.
فإن أنكر المدعى عليه، فإن كان الحاكم يعلم أن المدعي لا يعلم أن هذا موضع إقامة البينة.. فإنه يقول له: ألك بينة تشهد لك عليه؟ وإن كان يعلم أن ذلك موضع إقامة البينة.. فله أن يقول له ذلك، وله أن يسكت.
وحكي: أنه كان بالبصرة شابان يتفقهان على مذهب الشافعي، وكان أول من تفقه فيها على مذهب الشافعي، فلما ولي عيسى بن أبان قضاء البصرة أراد أن يعرفاه بأنفسهما، فتواطآ على أن يدعي أحدهما على صاحبه شيئا بين يديه، فتقدما إليه وادعى أحدهما على الآخر حقا، فبادر عيسى بن أبان فقال للمدعى عليه: ما تقول فيما ادعاه عليك؟ فقال المدعي: ما سألتك أن تستفهم منه، وقال الآخر: أيها القاضي إن كان خصمي لم يسألك مطالبتي فلم تسألني؟ فقال للمدعي: أأسأله عما ادعيت؟ فقال: سله، فلما سأله.. قال: ليس له علي شيء، فقال عيسى بن أبان: قد أنكر، فقال المدعي: أنا أقرب إليه أيها القاضي! تعرفني شيئا أنا به خبير، فتحير عيسى، وقال: من أنتما؟ فقالا: نحن من أصحاب الشافعي ونتفقه على مذهبه، وإنما أردنا أن نعرف أنفسنا إليك لنعمل في ديوان الحكم، قال: فأحسن إليهما وقبلهما، وارتفع بذلك شأنهما عنده.
إذا ثبت هذا: فإن لم يكن للمدعي بينة، وكانت الدعوى في غير دم.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لما روى وائل بن حجر: «أن رجلا حضرميا ادعى على رجل من كندة أرضا في يده، فقال الكندي: أرضي وفي يدي أزرعها، لا حق له فيها، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحضرمي: " ألك بينة؟ "، فقال: لا، قال: " لك يمينه "، فقال: إنه لا يبالي بما يحلف؛ لأنه لا يتورع عن شيء، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ليس لك إلا ذلك».
ولأن جنبة المدعى عليه هاهنا أقوى؛ لأن الأصل براءة ذمته، فكان القول قوله.
ولا يجوز للقاضي أن يحلفه إلا بسؤال المدعي؛ لأن الحق له فلا يستوفيه إلا بإذنه، فإن حلفه بغير إذنه.. لم يعتد بيمينه، وللمدعي أن يطالب بإعادة اليمين؛ لأنها لم تقع موقعها.
فإن قال المدعي للمدعى عليه: أبرأتك من اليمين.. سقط حقه منها في هذه الدعوى، وله أن يستأنف الدعوى، فإذا أنكره.. فله أن يحلفه، فإذا حلف له المدعى عليه.. سقطت عنه الدعوى في ظاهر الحكم، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين.. لم يحكم عليه بنكوله بالحق المدعى به عليه، بل يرد اليمين على المدعي، فإذا حلف.. حكم له بما ادعاه.
وبه قال الشعبي والنخعي.
وقال مالك: (إن كان ذلك الحق مما يقبل فيه الشاهد والمرأتان، أو الشاهد واليمين.. ردت اليمين على المدعي، وإن كانت مما لا يقبل فيه إلا الشاهدان.. لم ترد اليمين على المدعي، بل يحبس المدعى عليه حتى يقر أو يحلف).
وقال أبو حنيفة: (إن كانت الدعوى في المال ونكل المدعى عليه عن اليمين.. كرر الحاكم عليه ثلاثا، فإن حلف، وإلا.. حكم عليه بنكوله، ولزمه المال.
وإن كان في القصاص.. لم يحكم عليه بالقصاص بالنكول، بل يحبس حتى يقر أو يحلفه).

وقال أبو يوسف: (يقضى عليه بالنكول بالدية).
دليلنا -على فوات رد اليمين على المدعي -: قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: 108] [المائدة: 108]. وبالإجماع: أن اليمين لا ترد بعد اليمين، فثبت أن المراد بذلك: أن ترد أيمان بعد وحوب أيمان.
وروى زيد بن ثابت: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من طلب طلبة.. فالمطلوب أولى باليمين من الطالب» و (أولى) على وزن أفعل، وذلك موضوع في اللغة لاشتراك الشيئين في الحكم وانفراد أحدهما عن الآخر بمزية، فدل على أن الطالب والمطلوب شريكان في اليمين، وأن المطلوب أولى.
وروى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رد اليمين على طالب الحق».
وروي: (أن المقداد اقترض من عثمان دراهم، فقضاه أربعة آلاف درهم، فقال عثمان: إنما أخذت مني سبعة آلاف، فاختصما إلى عمر، فقال المقداد لعثمان: احلف أني أخذت سبعة آلاف، فقال عمر: إنه أنصفك، فامتنع عثمان عن اليمين، فلما ولى المقداد.. قال عثمان: والله إنه أخذ مني سبعة آلاف، فقال عمر: ما منعك أن تحلف؟ والله إن هذا القضيب بيدي، ووالله إن هذا ثوب! فقال عثمان: خشيت أن

توافق قدر بلاء فيقال: بيمينه)، ولا مخالف لهم في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. والدليل -على أنه لا يقضي عليه بنكوله -: أنه نكول عن يمين، فلم يقض بالحق بالنكول عن اليمين كالنكول عن القصاص.
فإن امتنع المدعى عليه عن اليمين.. لم يسأل عن سبب امتناعه، بل ترد اليمين على المدعي؛ لأنه بامتناعه.. سقطت اليمين عن جنبته وصارت في جنبة المدعي.
وإن سأل المدعى عليه أن يمهل عن اليمين لينظر في حسابه.. أمهل ثلاثة أيام؛ لأن ذلك قريب.
وإذا نكل المدعى عليه عن اليمين، ثم بذل اليمين بعد ذلك.. لم يسمع منه ذلك؛ لأن حقه قد سقط منها.
وإن كان القاضي يعلم أن المدعي لا يعلم أن اليمين قد صارت في جنبته.. قال له: أتحلف وتستحق؟ وإن كان يعلم ذلك.. فله أن يقول له ذلك، وله أن يسكت عنه.
وإن حلف المدعي.. استحق ما ادعاه في ظاهر الحكم، كما تسقط الدعوى عن المدعى عليه إذا حلف في ظاهر الحكم.
فإن امتنع المدعي عن اليمين.. سئل عن سبب امتناعه، فإن قال: امتنعت؛ لأن لي بينة أقيمها، أو لأنظر في حسابي ثم أحلف.. ترك ما شاء؛ لأن الحق له، ولا تسقط اليمين عن جنبته، بل متى شاء.. حلف واستحق.
وإن قال: امتنعت لأني لا أختار أن أحلف.. سقطت اليمين عن جنبته، ولا يعود اليمين إليه إلا إن ادعى ثانيا ونكل المدعى عليه عن اليمين.
والفرق بينهما حيث قلنا: (إنه لا يسأل المدعى عليه عن سبب امتناعه ويسأل

المدعي) أن المدعى عليه إذا امتنع عن اليمين.. انتقلت اليمين إلى المدعي، ففي سؤاله إضرار بالمدعي، وإذا امتنع المدعي.. لم تنتقل اليمين إلى جنبة غيره، فلا ضرر في سؤاله على أحد.
وإن حلف المدعي عند نكول المدعى عليه.. ففي يمينه قولان: أحدهما: يجري مجرى بينة يقيمها؛ لأنها حجة من جهته.
والثاني: يجري مجرى إقرار المدعى عليه، وهو الأصح؛ لأن اليمين إنما ترد لنكوله، فصارت يمين المدعي كإقرار المدعى عليه.

مسألة ادعاء يثبت بشاهد ويمين

وإن ادعى حقا يثبت بالشاهد واليمين، وأقام شاهدا، فإن حلف.. حكم له بما ادعاه.
وإن قال: لست أختار أن أحلف معه.. سقطت اليمين عن جنبته، وصارت في جنبة المدعى عليه، فإن أراد المدعي أن يحلف مع شاهده.. لم يكن له ذلك في هذا المجلس، إلا أن يتفرقا عن ذلك المجلس ويدعي عليه ثانيا وينكر، فله أن يقيم شاهده ويحلف معه؛ لأن يمينه قد سقطت في هذه الدعوى، فلم تعد إليه إلا في دعوى أخرى.
وإن انتقلت اليمين إلى جنبة المدعى عليه هاهنا.. نظرت: فإن حلف.. سقطت عنه المطالبة، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين.. لم يقض عليه بالنكول بالحق المدعى به عليه مع شاهد المدعي.
وقال مالك: (يقضي عليه هاهنا بنكوله بالحق المدعى به عليه مع شاهد المدعي).

دليلنا: أن الشاهد معنى تقوى به جنبة المدعي، فلم يقض به مع نكول المدعى عليه كاللوث في القسامة.
وإذا ثبت هذا: فهل ترد اليمين على المدعي؟ فيه قولان: أحدهما: لا ترد عليه؛ لأنها قد كانت في جنبته وقد أسقطها بالنكول، فلم ترد عليه، كما لو ادعى حقا ولا شاهد معه، فنكل المدعى عليه عن اليمين، فردت على المدعي، فنكل.. فإنها لا ترد على المدعى عليه.
فعلى هذا: يحبس المدعى عليه حتى يقر أو يحلف.
والثاني: ترد على المدعي، وهو الأصح؛ لأن هذه اليمين غير تلك اليمين التي نكل عنها؛ لأن تلك لقوة جنبته بالشاهد، وهذه لقوة جنبته بنكول المدعى عليه، ألا ترى أن تلك لا يقضى بها إلا في المال وما يقصد به المال، وهذه يقضى بها في جميع الحقوق؟

مسألة لا يقضى بالنكول عن اليمين إلا في مسائل وبسبب مقدم

]: قال ابن القاص: ولا يقضى بالنكول من غير يمين على قول الشافعي إلا في ست مسائل: إحداهن: إن كان لرجل مال تجب فيه الزكاة، وحال عليه الحول، وجاء الساعي وطالب بزكاته، فقال رب المال: قد بعته ثم اشتريته ولم يتم عليه الحول.. فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف.. برئ من الزكاة، وإن لم يحلف.. وجبت عليه الزكاة بنكوله.

الثانية: إذا كان له أربعون من الغنم، فحال عليها الحول، فجاء الساعي يطلب زكاتها، فقال: قد دفعتها إلى ساع غيرك، أو كان له ثمانون شاة في بلدين، فجاء الساعي يطلب منه الزكاة في بلد، فقال: قد دفعتها في البلد الآخر.. فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف.. برئ من الزكاة، وإن نكل.. وجبت عليه الزكاة بنكوله.
الثالثة: إذا كان له ثمار فخرصت عليه وضمن الزكاة، فجاء الساعي يطلب منه الزكاة، فادعى رب المال أن الثمرة سرقت أو هي أقل مما خرصت.. فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف.. سقطت عنه زكاة ما سرق وما نقص، وإن نكل.. وجبت عليه زكاة ذلك بنكوله.
الرابعة: إذا غاب رجل من أهل الذمة زمنا، ثم قدم بعد حؤول حوله، فطالبه الإمام بالجزية، فادعى أنه أسلم قبل الحول فسقطت عنه الجزية.. فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف.. سقطت عنه.
وإن نكل.. أخذت منه الجزية بنكوله.
الخامسة: إذا وقع في الأسر غلام مراهق من أولاد الكفار وكان قد أنبت، فادعى أنه إنما أنبت لمعالجة عالج بها نفسه وأنه لم يبلغ الآن.. فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف.. حكم بأنه لم يبلغ وجعل في الذراري، وإن لم يحلف.. حكم عليه بنكوله أنه بالغ، فيجعل في المقاتلة.
السادسة -ولم يحكها الشيخ أبو حامد عنه -: إذا حضر القتال غلام مراهق من أولاد المسلمين، وذكر أنه بالغ فطلب سهمه مع المقاتلين.. حلف وأخذ، وإن نكل.. حكم عليه بالنكول أنه غير بالغ ولم يعط السهم.
قال أصحابنا: أما المسائل الأربعة الأولى.. فهل اليمين عليه فيها واجبة أو مستحبة؟ على وجهين: أحدهما: أنها مستحبة، فإن لم يحلف.. فلا شيء عليه.

والثاني: أنها واجبة عليه، فإن حلف.. فلا شيء عليه، وإن نكل.. وجبت عليه الزكاة والجزية، ولم يجب عليه ذلك بالنكول كما قال ابن القاص، ولكن بالظاهر المتقدم وهو سبب الوجوب للزكاة والجزية، كما أن الزوج إذا قذف زوجته.. وجب عليه الحد، فإن لاعن.. سقط عنه الحد، وإن نكل.. وجب عليه الحد لا بالنكول ولكن بالقذف المتقدم.
وأما المسألة الخامسة: فقال الشيخ أبو حامد: اليمين واجبة فيها وجها واحدا؛ لأن دعواه تخالف الظاهر، فإن حلف.. حكم بأنه لم يبلغ، وإن لم يحلف.. حكم ببلوغه لا بالنكول ولكن بالظاهر المتقدم، وهو: أن الظاهر أن الشعر ينبت من غير علاج.
قال أبو علي السنجي: وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز قتله حتى يتحقق بلوغه.
قال أبو علي: وفي تحليفه شيء؛ لأن اليمين إنما تصح من البالغ، فكيف يثبت بيمينه صغره وسقوط القتل عنه إذا حلف؟ قال: ولعله إنما حلف؛ لأن معه أمارة تدل على بلوغه في الظاهر، وهو: الإنبات، فلا يكون كمن ادعى على مراهق شيئا، وادعى المراهق أنه غير بالغ.. لم يجز إحلافه إذ لا دليل على بلوغه.
وأما المسألة السادسة: فمن أصحابنا من خالفه وقال: إذا ادعى أنه بالغ واحتمل ما قال.. فالقول قوله بلا يمين؛ لأن احتلامه لا يعرف إلا من جهته، ويعطى من سهم المقاتلة.
ومنهم من وافقه وقال: يحلف؛ لاحتمال أن يكون كاذبا.
وهل اليمين واجبة أو مستحبة؟ على وجهين: فـ[الأول]: إن حلف.. أعطي، وإن نكل، فإن قلنا: إنها واجبة.. لم يعط، ولا يكون هذا قضاء بالنكول ولكن بالأصل المتقدم، وهو: عدم البلوغ.
والثاني: أنها مستحبة، فعلى هذا: يعطى.

فرع مسائل لا يمكن فيها رد اليمين

]: ذكر أصحابنا ثلاث مسائل لا يمكن فيها رد اليمين على المدعي: إحداهن: إذا مات رجل ولا وارث له غير المسلمين، فوجد في دفتره أن له دينا على رجل، أو شهد له بذلك شاهد واحد، وأنكر من عليه الدين ونكل عن اليمين.. فلا يمكن رد اليمين هاهنا على أحد وماذا يفعل فيه؟ قال أبو سعيد الإصطخري: فيه وجهان: أحدهما: يحكم على المدعى عليه هاهنا بالنكول، فيجب عليه الدين؛ لأنه موضع ضرورة.
والثاني: يحبس المدعى عليه حتى يقر أو يحلف، وهو الأصح؛ لأنه لا يمكن رد اليمين على القاضي؛ لأن النيابة في اليمين لا تصح، ولا على المسلمين؛ لأنهم لا يتعينون، ولا يحكم عليه بالنكول؛ لأن ذلك لا يجوز عندنا، فإن تعذر ذلك.. لم يبق إلا حبس المدعى عليه إلى أن يحلف أو يقر.
الثانية: أن يموت رجل، فادعى رجل أن الميت وصى إليه بتفرقة ثلثه على الفقراء والمساكين، فأنكر الورثة.. فإن شهادة الوصي لا تقبل، فإن حلف الورثة.. فلا كلام، وإن نكلوا.. فلا يمكن رد اليمين على الوصي؛ لأن النيابة لا تصح في اليمين، ولا على المساكين والفقراء؛ لأنهم لا يتعينون، وماذا يفعل؟ على الوجهين في التي قبلها.
الثالثة: أن يموت رجل وله طفل، فأوصى به إلى آخر، فادعى الوصي أن للطفل على رجل دينا ولا شاهد له به.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف.. فلا كلام، وإن نكل.. فلا يمكن رد اليمين على الصبي؛ لأن يمينه لا تصح، ولا على الوصي، لأن النيابة في اليمين لا تصح، فتوقف اليمين إلى أن يبلغ الصبي فيحلف ويستحق.
قال في " الفروع ": وقيل: يحكم هاهنا بالنكول أيضا.
والمشهور هو الأول.

فرع كراهة إعادة اليمين

]: قال الطبري في " العدة ": فإذا حلف المدعى عليه مرة على دعوى.. كره له أن يحلفه عليها ثانيا، فإن أراد تحليفه، فقال المدعى عليه: قد حلفني مرة، فأنكره المدعي، فقال المدعى عليه: حلفوه أنه لم يحلفني عليه.. فإنه يحلف المدعي عن اليمين أنه ما حلفه، فإن حلف المدعي أنه ما حلفه.. حلف له المدعى عليه، وإن نكل المدعي عن اليمين وقال: أحلفوه أني قد أحلفته.. قال الطبري في " العدة ": فإنه لا يجاب إلى اليمين؛ لأنه يؤدي بينهم إلى الدور.

فرع لزوم اليمين عند عدم البينة في حقوق المتداعين وماذا عن الدعوى

الموجبة للحد؟]: وكل حق لزم المدعى عليه الإجابة فيه عن الدعوى ولا بينة للمدعي فيه.. فإن اليمين تعرض على المدعى عليه، كالأموال والنكاح والطلاق والعتق والنسب وما أشبه ذلك، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحلف في النكاح وما يتعلق به من الدعوى في الطلاق والرجعة والإيلاء، ولا في العتق وما يتعلق به من الاستيلاد والولاء، ولا في النسب، فإن كان مع المدعي بينة.. لم يحلف المدعى عليه).
وقال مالك: (إن كان مع المدعي في غير الأموال شاهد.. استحلف المدعى عليه، وإن لم يكن معه شاهد.. لم يستحلف).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر».
ولم يفرق.
ولـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استحلف ركانة بن عبد يزيد على الطلاق».
ولأنها دعوى صحيحة مسموعة، فعرضت اليمين فيها على المدعى عليه، كالدعوى في المال.
وأما الدعوى بما يوجب الحد: فإن كان فيها حد القذف.. سمعت فيه الدعوى

وعرضت اليمين على المدعى عليه إذا لم يكن مع المدعي بينة.
وقال أبو حنيفة: (حد القذف حق لله تعالى، فلا تعرض فيه اليمين على المدعى عليه)، وقد مضى الدليل عليه: أنه حق لآدمي.
وهكذا: إن ادعى عليه شتما يوجب التعزير.. عرضت فيه اليمين على المدعى عليه، فإن لم يحلف.. حلف المدعي، وعزر الشاتم.
وأما حد الشرب: فلا تسمع فيه الدعوى ولا تلزم الإجابة عليه؛ لأن الدعوى لا تسمع إلا من خصم أو وكيل له، وهذا ليس بواحد منهما.
وأما الدعوى في الزنى: فلا تسمع ولا تعرض فيه اليمين على المدعى عليه إذا لم يتعلق به حق آدمي؛ لأنه مندوب فيه إلى الستر؛ ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هلا سترته بثوبك يا هزال».
ولأنه لا فائدة بذلك.
ولهذا: لو أقر ورجع.. قبل رجوعه وإن تعلق به حق آدمي، مثل أن يقذف رجلا فيطالب المقذوف بحد القاذف، فإن قال القاذف للحاكم: يحلف المقذوف أنه ما زنى.. سمعت منه هذه الدعوى ولزم المقذوف أن يحلف؛ لجواز أن يخاف من اليمين فيقر بالزنى فيسقط عن القاذف حد القذف.
وإن حلف المقذوف أنه ما زنى.. وجب على القاذف حد القذف.
فإن نكل المقذوف عن اليمين.. ردت اليمين على القاذف فيحلف أن المقذوف زنى، فإن حلف.. سقط حد القذف ولا يجب على المقذوف بذلك حد؛ لأن ذلك حق لله تعالى فلا يجب بيمين القاذف، سواء قلنا: يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة أو كالإقرار؛ لأنا إن قلنا: إنها كإقرار المدعى عليه.. فالحد يسقط بالإنكار بعد الإقرار.
وإن قلنا: إنها كالبينة.. فهي كالبينة في حق المتداعين، والحد لله تعالى وليس هو من حقوق المتداعين.
وأما الدعوى في السرقة: فإن كان المسروق منه قد وهب العين المسروقة من السارق، أو تلفت فأبرئ منها، أو استوفاها منه.. فلا تسمع فيها الدعوى ولا تعرض فيها اليمين؛ لأنه لم يبق إلا القطع وهو حق لله تعالى، فلا تسمع فيها الدعوى.

وإن كان المسروق منه لم يستوف حقه.. سمعت فيه الدعوى ولزمت عليه الإجابة، فإن أقام المدعي البينة أو أقر المدعى عليه.. لزمه الغرم والقطع، وإن لم تكن بينة ولا إقرار.. فالقول قول السارق مع يمينه، وإن حلف.. فلا غرم عليه ولا قطع، وإن نكل عن اليمين.. ردت اليمين على المسروق منه، فإذا حلف.. ثبت الغرم له، ولا يثبت القطع؛ لأنه حق لله تعالى، فلا يثبت بيمين المدعي.

مسألة البينة مقدمة على اليمين في ثبوت الحق

وتكفي لوحدها بشرط العدالة]: وإن كان مع المدعي بينة فيما ادعاه.. حكم له بها، وقدمت على يمين المدعى عليه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»، «وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحضرمي: " ألك بينة؟ " قال: لا، قال: " لك يمينه».
فبدأ بالبينة على اليمين، فثبت أنها مقدمة.
ولأن البينة حجة من غير جهة المدعي فلم تلحقها التهمة، واليمين قول واحد، وقول اثنين أقوى من قول واحد، فقدم القوي على الضعبف.
إذا ثبت هذا: فأحضر المدعي شاهدين.. فإن الحاكم لا يسألهما حتى يقول له المدعي: قد حضر الشاهدان فاسألهما؛ لأن الحق في سماع البينة له، فلا يفعله الحاكم بغير إذنه.
فيقول لهما القاضي: ما تقولان، أو أي شيء عندكما؟ ولا يقول لهما: اشهدا؛ لما روي عن شريح: أنه قال للشاهدين: ما دعوتكما، فإن قمتما.. لم أمنعكما، وأنا أتقي الله فيكما فاتقيا الله في أنفسكما.
فإن شهدا شهادة غير صحيحة.. فإن القاضي يقول للمدعي: زدني في شهودك.
وإن شهدا شهادة صحيحة.. فإن القاضي يتعرف عدالتهما إن كان لا يعرفهما، على ما مضى.
فإذا ثبتت عدالتهما عنده.. فإنه لا يجوز له أنه يحكم بشهادتهما حتى يسأله المدعي أن يحكم بشهادتهما؛ لأن الحكم بذلك حق له فلا يفعله إلا بإذنه.
فإن سأل المدعى عليه أن يحلف المدعي مع شاهديه أنه يستحق ما شهدا له به عليه.. لم يلزمه أن يحلف، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.

وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز للحاكم أن يحكم للمدعي حتى يحلف مع شاهديه.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر».
فجعل على المدعي البينة فقط، ومن قال: عليه مع البينة اليمين.. فقد خالف الظاهر.
«ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحضرمي: " ألك بينة؟ " قال: لا، قال: " لك يمينه، ليس لك إلا ذلك».
وهذا نص أنه ليس له عليه البينة واليمين؛ لأنه لم يقل: ألك بينة ويمين.
ولأن البينة قد سمعت، واستحلاف الخصم على ما شهدت به البينة طعن فيها، فلم تجب.
وإن ادعى عليه دينا، فقال المدعى عليه: قد قضيتك كذا أو أبرأتني منه.. فإن هذا إقرار منه له بالدين، ويكون المدعى عليه مدعيا للبراءة أو القضاء.
فإن أقام على ذلك البينة.. برئ، وإن لم يقم البينة وسأل أن يحلف المدعي أنه لم يقض ولم يبرئه.. لزمه أن يحلف؛ لأن الأصل عدم القضاء أو البراءة، ولا يكون ذلك طعنا في البينة؛ لأنها يمين في دعوى غير ما شهدت به البينة.

فرع للمدعي بينة غائبة أو حاضرة ولم يقمها أو كذبها

]: وإن كان للمدعي بينة غائبة وقال: لا أتمكن من إقامتها.. فهو بالخيار: إن شاء استحلف خصمه، وإن شاء تركه.
فإن استحلفه.. جاز، وإن لم يستحلفه وتركه.. لم يجز له ملازمته ولا مطالبته بالكفيل.
وقال أبو حنيفة: (له ملازمته ومطالبته بالكفيل إلى أن يقيم البينة).
دليلنا: «قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحضرمي: " ألك بينة؟ " قال: لا، قال: " لك يمينه، ليس لك إلا ذلك» "، فجعل له اليمين ولم يجعل له الملازمة، فمن قال: له ملازمته.. فقد خالف ظاهر الخبر.
فإن حلف له المدعى عليه، ثم حضرت بينة المدعي بالحق الذي حلف عليه

المدعى عليه.. حكم للمدعي بها.
وبه قال شريح، والشعبي، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم.
وقال ابن أبي ليلى، وداود: (لا يجوز سماعها ولا الحكم بها بعد ذلك).
دليلنا: ما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة).
ولأنها حالة لو اعترف المدعى عليه بالحق الذي حلف عليه.. لحكم به عليه، فإذا قامت البينة.. حكم عليه بها كما قبل اليمين.
وإن قال المدعي: لي بينة حاضرة وأتمكن من إقامتها، ولكني لا أقيمها، بل يحلف لي المدعى عليه.. أحلف له؛ لأنه ربما يرجو منه أن يخاف من اليمين فيقر، وإثبات الحق من جهة الإقرار أسهل من إثباته بالبينة.
ولأنه قد يكون له غرض في أن يحلفه ثم يقيم عليه البينة ليفضحه، فإذا حلف المدعى عليه، ثم أقام عليه البينة.. سمعت؛ لما مضى.
فإن قال المدعي: ليس لي بينة حاضرة ولا غائبة، أو قال: كل بينة تشهد لي فهي كاذبة، وطلب يمين المدعى عليه فحلف له، ثم أقام المدعي بينة بالحق الذي حلف عليه المدعى عليه.. فهل تسمع بينته ويحكم له بها؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها - وبه قال محمد بن الحسن -: أنه لا يحكم له بها؛ لأنه قد كذبها.
والثاني: إن كان المدعي هو الذي تولى الإشهاد بنفسه.. لم تسمع بينته بعد ذلك؛ لأنه قد كذبها.
وإن كان وكيله هو الذي تولى الإشهاد، أو كان الشاهدان تحملا الشهادة له ولم يشهدهما ولا علم له بهما.. سمعت بينته وحكم له بها؛ لأنه لم يكن عالما بها.
والثالث: أنها تسمع ويحكم له بها بكل حال، وبه قال أبو يوسف، وهو الأصح؛

لأنه يجوز أن يكون تولى الإشهاد له غيره، أو تولى الإشهاد بنفسه ثم نسيه، أو تحملت البينة الشهادة من غير أن يتولى استشهاد أحد، فيكون قوله: (لا بينة لي) راجعا إلى ما يعتقده.
إذا ثبت هذا: فإن أقام شاهدين.. حكم له بالحق، وإن أقام شاهدا وحلف معه، أو شاهدا وامرأتين، والحق مما يقبل فيه ذلك.. حكم له به.
وإن نكل المدعى عليه عن اليمين فردت اليمين على المدعي، وقال: لست أختار أن أحلف، وأقام شاهدا واحدا، وأراد أن يحلف معه وكانت الدعوى في مال.. فهل له أن يحلف معه؟ على القولين فيمن ادعى مالا وأقام شاهدا ولم يحلف معه، فردت اليمين على المدعى عليه فلم يحلف.. فهل ترد اليمين على المدعي، وقد مضى توجيههما.

فرع إقامة المدعي البينة وجرح المدعى عليه لها

]: وإذا أقام المدعي البينة بما ادعاه وثبتت عدالتهما عند الحاكم، فإن كان الحاكم يعلم أن المشهود عليه لا يعلم أن له دفع البينة بالجرح.. قال له: قد شهد عليك فلان وفلان وقد ثبتت عدالتهما عندي، فهل تعرف فيهما شيئا يجرحهما فإن ادعى جرحهما، أو سأل أن يمهل إلى أن يقيم البينة على جرحهما.. أمهل يوما أو يومين أو ثلاثا؛ لأنه قريب ولا يجوز أن يمهل أكثر من ثلاث إلا برضا المشهود له؛ لأن ما زاد على الثلاث كثير.
فإن أقام البينة على جرحهما.. لم يحكم بشهادتهما.
فإن مضت المدة التي استمهل لإقامة البينة فيها فلم يقم البينة على جرحهما.. حكم بشهادتهما؛ لما روي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال في كتابه إلى أبي موسى الأشعري: (واجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة.. أخذت له حقه، وإلا استحللت له القضية عليه؛ فإنه أتقى للشك وأجلى للعمى).
قال الشيخ أبو إسحاق: وللمدعي أن يلازم المدعى عليه إلى أن يقيم البينة

بالجرح، وكذلك إذا ادعى البينة بالقضاء أو البراءة.. فله أن يلازمه إلى أن يقيم البينة بذلك.
فإن ادعى المدعى عليه: أن المدعي يعلم أن الشهود الذين أقامهم مجروحون، وسأله أن يحلف على ذلك.. فهل يلزمه أن يحلف على ذلك؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "]: أحدهما: لا يلزمه أن يحلف، كما لا يلزم المزكي والقاضي أن يحلف.
والثاني: يلزمه أن يحلف، كما لو قذف ميتا فطالبه وارث المقذوف بحد القذف، فسأله أن يحلف: ما يعلم أن مورثه زنى.. فإنه يلزمه أن يحلف، فكذلك هذا مثله.
وإن طلب المشهود عليه يمين الشاهد: ما هو مجروح.. لم يلزمه أن يحلف؛ لأنا لو حلفناه.. صار خصما، فيؤدي إلى أن يصير جميع الشهود خصوما.
وإن أقام المدعي شاهدين ولم تثبت عدالتهما، وسأل أن يحبس له الخصم إلى أن تثبت عدالتهما، أو أقام شاهدا وسأل أن يحبس له الخصم إلى أن يقيم الآخر؛ وقد مضى بيانه في (حد القذف).

مسألة القضاء بعلم القاضي

إذا علم القاضي حال المحكوم فيه، ولم تقم عنده بينة؛ مثل أن يعلم أن رجلا غصب من رجل مالا أو اقترض منه، أو علم أن رجلا زنى أو سرق.. فهل يجوز له أن يقضي فيه بعلمه؟ نظرت: فإن كان في حقوق الآدميين.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز له أن يقضي فيه بعلمه.. وبه قال شريح، والشعبي، ومالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4].
فأمر بجلد القاذف إذا لم يأت بأربعة

شهداء على القاذف، ولم يفرق بين أن يعلمه الحاكم أو لا يعلمه.
«ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحضرمي: " شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك»، فاقتضى أنه لا يجوز الحكم بغير ذلك.
وروي: أن رجلا ادعى على رجل عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حقا، فقال عمر: (من يشهد لك؟) فقال: أنت، فقال عمر: (إن شئت شهدت لك ولم أحكم، وإن شئت حكمت لك ولم أشهد).
ولأنه لو كان علم الحاكم بمنزلة الشاهدين.. لانعقد النكاح به وحده.
والثاني: يجوز له أن يحكم بعلمه.
وبه قال أبو يوسف، واختاره المزني، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26] [ص: 26]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] [المائدة: 42]، والحق هو ضد الباطل، ولم يفرق بين أن يحكم القاضي بالبينة أو بعلمه.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو سمعه».
وروي: «أن هندا قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سرا، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، فقضى لها رسول الله بأن تأخذ نفقتها من ماله؛ لكونها زوجته بعلمه، ولم يقم على ذلك بينة.
ولأنه إذا جاز أن يقضي بالشاهدين وأنه إنما يعلم صحة ما شهد به من طريق

الظن.. فلأن يجوز أن يقضي بما علمه بنفسه من طريق القطع أولى.
وإن كان ما يقضي به من حقوق الله تعالى، كالحد في الزنا، والقطع في السرقة.. فهل يجوز له أن يقضي فيه بعلمه من غير بينة؟ يبنى على القولين في حقوق الآدميين: فإن قلنا: لا يجوز له أن يقضي علمه في حقوق الآدميين.. لم يجز له أن يقضي به في حقوق الله تعالى.
وإن قلنا: يجوز له أن يقضي في حقوق الآدميين.. ففي حقوق الله تعالى قولان: أحدهما: يجوز له أن يقضي فيه بعلمه؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يجوز له، وهو الأصح؛ لما روي عن أبي بكر: أنه قال: (لو رأيت رجلا على حد.. لم آخذه به حتى تقوم به البينة عندي).
ولأن الحد مندوب إلى الستر فيه، فلم يجز أن يحكم فيه بعلمه.
إذا ثبت هذا: فقد قال الربيع: مذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أن القاضي يحكم بعلمه، وإنه يوقف فيه لفساد القضاة، ولا فرق عندنا بين أن يعلم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، في عمله أو في غير عمله.
وقال أبو حنيفة، ومحمد: (إن علمه قبل ولايته أو في غير عمله.. لم يجز أن يقضي فيه بعلمه، وإن علمه بعد ولايته في عمله.. جاز له أن يقضي فيه بعلمه).
دليلنا: أنه يعلم صحة ذلك، فجاز له القضاء به، كما لو علمه بعد ولايته في عمله، هذا الكلام في المدعى عليه إذا أقر وأنكر، فأما إذا سكت فلم يقر ولم ينكر.. فإن القاضي يقول له: أجب عن دعواه، فإن أجبت، وإلا.. جعلناك ناكلا وردت

اليمين على المدعي، فإذا حلف.. قضيت عليك بالحق الذي ادعاه.
والمستحب: أن يقول له ذلك ثلاثا، فإن أجاب، وإلا.. جعله ناكلا، ورد اليمين على المدعي، فإذا حلف.. قضى له بالحق الذي ادعاه؛ لأنه لا يخلو إذا أجاب: إما أن يقر أو ينكر، فإن أقر.. فقد حكم عليه بما يجب على المقر، وإن أنكر.. فقد وصل إنكاره بالنكول، وقد قضى عليه بما يجب على الناكل.

فرع شروط المترجم في القضاء

]: إذا كان القاضي عربيا فتحاكم إليه أعجميان لا يعرف لسانهما، أو كان القاضي أعجميا فتحاكم إليه عربيان لا يعرف لسانهما.. لم يقبل الحاكم في الترجمة إلا شاهدين عدلين.
وقال أبو حنيفة: (يقبل في الترجمة واحدا).
دليلنا: أنه يثبت إقرارا فافتقر إلى العدد، كما لو شهد على إقراره في غير مجلس الحكم.
فعلى هذا: إن كان الحق لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين.. لم يقبل في الترجمة عنه إلا شاهدان ذكران.
وإن كان مما يقبل فيه الشاهد والمرأتان.. قبل في الترجمة عنه الشاهد والمرأتان.
فإن كان إقراره بالزنا.. فهل يقبل عنه في الترجمة شاهدان، أو لا يقبل فيه إلا أربعة؟ فيه قولان، بناء على أنه: هل يحكم بالإقرار بشاهدين؟ وفيه قولان يأتي بيانهما.

مسألة الادعاء على الغائب بما لا يوجب حدا

]: إذا ادعى على غائب عن مجلس الحكم بحق، فإن لم يكن مع المدعي بينة بما ادعاه.. لم يسمع الحاكم دعواه.. لأنه لا فائدة في سماعها.

فإن كان معه بينة بما ادعاه.. نظرت في المدعى عليه: فإن كان غائبا عن البلد.. وجب على الحاكم أن يسمع الدعوى عليه والبينة.
وكذلك: لو كان المدعى عليه حاضرا في البلد مستترا لا يصل المدعي إليه.. فإنه يجب على الحاكم أن يسمع الدعوى والبينة عليه.
وكذلك: لو حضر مجلس الحكم فلما ادعى عليه أنكر، فلما أراد المدعي إقامة البينة عليه قام المدعى عليه وهرب.. فإن الحاكم يسمع البينة عليه.
وأما إذا كان المدعى عليه حاضرا في البلد غائبا عن مجلس الحكم غير ممتنع عن الحضور.. فهل يجوز سماع الدعوى عليه والبينة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، وهو المذهب؛ لأنه يمكن إحضاره في مجلس الحكم، فلم يجز سماع الدعوى عليه والبينة.
والثاني: يجوز؛ لأنه غائب عن مجلس الحكم، فهو كما لو كان غائبا عن البلد.
فإذا قلنا بهذا: وكان المدعى عليه حاضرا في مجلس الحكم.. فهل يجوز للحاكم أن يسمع البينة عليه ويقضي عليه قبل سؤاله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه حاضر يمكن سؤاله.
والثاني -حكاه أبو علي السنجي -: أنه يجوز أن يسمع البينة عليه ويقضي عليه قبل سؤاله؛ لأنه لا يخلو من: أن يقر بعد سماع البينة عليه والقضاء أو ينكر، فإن أقر.. فهذا قضاء على المنكر، فلم يكن في سؤاله فائدة، فإن أنكر.. فقد زاد البينة قوة.
والأول هو المشهور.
فإذا قلنا: لا تسمع الدعوى إلا على الغائب عن البلد.. فإن أصحابنا العراقيين لم يشترطوا حدا في الغيبة، وإنما اشترطوا خروجه عن البلد لا غير.
وأما الخراسانيون: فاختلفوا في حد الغيبة في ذلك: فمنهم من قال: أقلها مسافة القصر.
ومنهم من قال: إذا كانت المسافة من موضع المدعى عليه إلى موضع القاضي بحيث لا يمكن قطعها والرجوع إليها بالليل.. فهذا يجوز سماع الدعوى عليه والبينة، وإن كانت دون ذلك.. فهو بمنزلة الحاضر.

وكل موضع قلنا: يجوز سماع الدعوى على الغائب.. فإن الحاكم إذا سمع الدعوى عليه، وشهدت البينة عنده بالحق وعرف عدالتهما، وسأله المدعي أن يحكم له بذلك.. فلا يجوز له أن يحكم له بذلك حتى يحلف المدعي: أن هذا الحق -ويسميه - ثابت له إلى الآن، ما اقتضاه بنفسه ولا بغيره ولا شيئا منه، ولا أبرأه منه بنفسه ولا بغيره ولا شيئا منه، ولا أحال به بنفسه ولا بغيره ولا بشيء منه.
هذا مذهبنا في القضاء على الغائب، وبه قال مالك، والليث، والأوزاعي، وابن سيرين، وأحمد، إلا أن أحمد قال: (لا تجب اليمين).
دليلنا عليه: أن الحاكم مأمور بالاحتياط في حق الغائب، ومن الاحتياط أن يحلف له المدعي، كما لو كان حاضرا فادعى ذلك.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يجوز القضاء على الغائب).
دليلنا: ما روى أبو موسى الأشعري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا حضرا الخصمان وتواعدا موعدا، فوفى أحدهما ولم يوف الآخر.. قضى للذي وفى على الذي لم يوف».
ومعلوم أنه لم يرد أنه يقضي له بدعواه، وإنما يقضي له بالبينة، فدل على أن القضاء على الغائب جائز.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه»، ولم يفرق بين أن يكون المدعى عليه حاضرا أو غائبا.
ولأنه لو لم يجز القضاء على الغائب.. لجعلت الغيبة والاستنظار طريقا إلى إبطال الحقوق.
إذا ثبت هذا: فقدم الغائب.. نظرت: فإن قدم بعد سماع البينة وقبل الحكم عليه.. فإن الحاكم يستدعيه ويخبره: بأن فلانا قد ادعى عليك بكذا، وقد شهد عليك بذلك فلان وفلان، وقد ثبتت عدالتهما عندي، فإن كانت لك بينة بالجرح أو بالإبراء أو بالقضاء.. فأحضرها.
فإن استمهل ثلاثة أيام.. أمهل، فإن لم يأت بالبينة.. حكم عليه.

فإن قدم بعد الحكم.. استدعاه وأخبره: بأن فلانا ادعى عليك بكذا، وشهد له بذلك فلان وفلان، وثبتت عدالتهما عندي، وحكمت له بذلك، فإن كانت لك بينة بالجرح أو الإبراء أو القضاء.. فأحضرها.
فإن أحضر بينة بشيء من ذلك.. نقض الحكم، وإن لم يحضر بينة بذلك.. استقر الحكم.

فرع القضاء على غائب بحد ببينة

]: وأما القضاء على الغائب بالحدود بالبينة: فنقل أصحابنا العراقيون: أنه لا يجوز؛ لأنه ليس بمأمور بالاحتياط فيها، بل إن قامت البينة على رجل غائب بالسرقة.. حكم عليه بالغرم دون القطع.
وقال الخراسانيون: هل يقضى بالحدود على الغائب؟ فيه قولان: أحدهما: لا يقضى بها؛ لما ذكرناه.
والثاني: يقضى بها عليه، فيكتب القاضي المشهود عنده بذلك إلى القاضي في بلد المشهود عليه، ليقيم عليه الحد؛ لما ذكرناه في حقوق الآدميين.
والأول هو المشهور.

فرع ادعى على ميت أو صبي أو مجنون حقا وأقام بينة

]: وإن ادعى رجل على ميت حقا وأقام عليه البينة.. سمعت الدعوى والبينة عليه.
فإن كان له وارث معين.. كان إحلاف المدعي إليه إن ادعى عليه قضاء أو إبراء، وإن لم يكن له وارث معين.. وجب على الحاكم أن يحلف المدعي مع بينته؛ لأن الوارثين له لا يتعينون فقام الحاكم مقامهم.
وإن كانت الدعوى على صبي أو مجنون، وكان للمدعي بينة.. وجب على الحاكم سماعها والحكم بها بعد يمين المدعي؛ لأن الجواب متعذر من جهتهما، فجاز القضاء

عليهما بالبينة مع اليمين، كالغائب.
ويكتب القاضي في المحضر على الغائب والصبي والمجنون؛ لأن المدعى عليه على حجته، فإذا بلغ الصبي وأفاق المجنون، وأقام البينة على جرح الشهود عند الشهادة، أو على الإبراء، أو على القضاء.. نقض الحكم.

مسألة كتابة قاض إلى آخر بحكم ثبت أو بشهادة شهدت عنده

]: يجوز للقاضي أن يكتب إلى القاضي فيما حكم به وفيما ثبت عنده.
وكذلك: يجوز للإمام أن يكتب إلى القاضي، وللقاضي أن يكتب إلى الإمام.
ويجوز للمكتوب إليه أن يعمل بما كتب إليه به؛ والدليل -على ذلك -: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 29] الآية [النمل: 29].
«وروي عن الضحاك بن قيس -وقيل: الضحاك بن سفيان - أنه قال: (ولاني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعض الأعراب، ثم كتب إلي أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فورثتها».
وكان عمر لا يورث المرأة من دية زوجها حتى «قال له الضحاك بن قيس: (إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إلي بذلك»، فورثها عمر من دية زوجها.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جهز جيشا، فأمر عليه عبد الله بن رواحة، ودفع إليه كتابا مختوما، وقال: " لا تفكه إلا بعد ثلاث، فإذا مضت ثلاث.. ففكه واعمل بما فيه».
«وروى عبد الله بن حكيم قال: (أتانا كتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل موته بشهر: ألا لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إلى قيصر: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى عظيم الروم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: 64] الآية [آل عمران: 64] "، فلما وصل إليه الكتاب.. قبله ووضعه على رأسه ووضعه في المسك، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " ثبت ملكه».
و: «كتب إلى كسرى بن هرمز: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى كسرى بن هرمز، أما بعد.. أسلموا تسلموا "، فلما بلغه الكتاب.. مزقه، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " تمزق ملكه» فملك الروم باق إلى اليوم، وملك المجوس تمزق وذهب.
وأجمعت الأمة: على جواز الكتاب والعمل به؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك.
إذا ثبت هذا: فإن كتب القاضي بما حكم به.. قبله المكتوب إليه ونفذ حكمه، سواء كانت بينهما مسافة قريبة أو بعيدة.
وإن كتب إليه يعلمه بشهادة شاهدين على رجل قبل أن يحكم بشهادتهما.. فإنه يقول: شهدا عندي بكذا، ولا يقول: ثبت عندي؛ لأن ثبوته عنده حكم منه به، فلا يجوز للمكتوب إليه العمل به إلا إذا كان بينهما مسافة تقبل فيها شهادة الفرع على شهادة الأصل، وفي قدرها وجهان: أحدهما: مسافة القصر.
والثاني: ما لا يمكنه أن يمضي من أحد الموضعين إلى الآخر أول النهار ويأوي إليه بالليل من حيث مضى.
وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة: (أنه يجوز له العمل به في المسافة القريبة والبعيدة).
دليلنا: أن القاضي الكاتب كشاهد الأصل، والشهود على الكتاب كشاهد الفرع، وشاهد الفرع لا يقبل على شاهد الأصل فيما قرب من المسافة، فكذلك هذا مثله.
والفرق بين أن يكتب إليه فيما حكم به، وفيما شهد به عنده ولم يحكم به هو: أن ما حكم به.. قد لزم الحكم به، فوجب على كل أحد تنفيذه وإمضاؤه.
وما شهد به

عنده لم يحكم به، وإنما هو إخبار وإعلام، فهو بمنزلة الشهادة على الشهادة، فلم يعمل به إلا في المسافة التي تعمل فيها الشهادة على الشهادة.

فرع قبول كتاب القاضي يحتاج لشاهدين

]: ولا يجوز له قبول الكتاب والعمل بموجبه إلا أن يشهد عليه شاهدان على ما بينته، ولا يقنع فيه بمعرفة الخط والختم، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال أبو ثور: (يجوز قبوله والعمل به من غير شهادة عليه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكتب ويعمل بكتبه من غير شهادة عليها).
وقال مالك والحسن البصري وسوار القاضي وعبيد الله بن الحسن العنبري: (إذا عرف المكتوب إليه خط الكاتب وختمه.. جاز له قبوله والعمل به).
وبه قال أبو سعيد الإصطخري من أصحابنا.
دليلنا: أن الخط يشبه الخط، والختم يشبه الختم، فلا يؤمن أن يزور على خطه وختمه، ويمكن إثبات الكتابة بالشهادة، فلا يقتصر فيها على معرفة الخط والختم، كإثبات الشهادة.
إذا ثبت هذا: وكتب القاضي الكتاب.. استدعى رجلين عدلين يخرجان غلى البلد الذي فيه القاضي المكتوب إليه ويقرأ القاضي الكاتب عليهما الكتاب، أو يقرؤه غيره بحضرته وهو يسمع.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وأحب للشاهدين أن ينظرا في الكتاب عند قراءته؛ لئلا يغير منه شيء، فإن لم يفعلا ذلك.. جاز؛ لأن الاعتماد على ما يسمعان).
فإذا قرئ الكتاب عليهما.. قال لهما: أشهدكما أني كتبت إلى فلان بن فلان بما سمعتماه فيه، وإن قال: هذا كتابي إلى فلان بن فلان.. أجزأه.
فإن كان

المكتوب قليلا يحفظانه.. اعتمدا على حفظهما، وإن كان كثيرا.. كتب كل واحد منهما ما سمعه في نسخة وقابله بالكتاب ليتذكر به ما أشهد عليه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويقبضا الكتاب قبل أن يغيبا عنه).
وقال أبو حنيفة: (إنه لا يصح العمل بالكتاب، إلا أن يكتب ويقول: هذا كتابي إلى فلان بن فلان القاضي وإلى كل قاض من قضاة المسلمين يبلغه هذا الكتاب).
دليلنا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكتب كتبا إلى أقوام بأعيانهم ولم يقل فيها إلى كل من بلغ إليه ويعملون بها، فدل على: أنه لا يشترط ما ذكره.
فأما إذا كتب الكتاب وختمه واستدعاهما، وقال: هذا كتابي إلى فلان بن فلان، ولقد أشهدتكما بما فيه على نفسي، ولم يقرأ الكتاب.. لم يصح التحمل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف: إذا ختمه بختمه وعنونه.. جاز لهما أن يتحملا الشهادة عليه مدرجا.
دليلنا: أنهما تحملا الشهادة بما لم يعلماه، فلم يصح.
وإذا وصل الشاهدان إلى المكتوب إليه.. قرآ الكتاب عليه أو قرأه القاضي أو غيره وهما يسمعان، ثم قالا: نشهد أن هذا كتاب فلان بن فلان القاضي إليك، وأشهدنا على نفسه بما فيه في مجلس حكمه.
وإن لم يقرآ الكتاب ولكن دفعاه إلى المكتوب إليه، وقالا: نشهد أن فلان بن فلان كتب إليك هذا الكتاب وأشهدنا على نفسه بما فيه.. لم يصح؛ لأنه ربما زور عليهما الكتاب.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولقد حضرت بعض الحكام ورد عليه كتاب مختوم من بعض القضاة وشهد به شاهدان، ففضه وقرأه فتوقف فيه، وقال: قد ورد إلي كتاب في مثل هذا المعنى بخلاف هذا، ثم كتب إلى ذلك القاضي كتابا يخبره بذلك، فكتب إليه القاضي يخبره: أنه كتب إليه كتابا ووضعه بين يديه، فأخذ الكتاب من بين يديه وزور كتاب آخر مكانه فظن أنه الكتاب الذي أنفذه).
فإن انكسر الختم.. لم يؤثر؛ لأن المعول على ما في الكتاب، فإن محي الكتاب أو بعضه، فإن كان الشاهدان يحفظان ما في الكتاب أو معهما نسخة أخرى.. جاز أن يشهدا.
وإن كانا لا يحفظانه ولا معهما نسخة أخرى.. لم يجز أن يشهدا؛ لأنهما لا يعلمان الذي كان في الكتاب.
وإن أشهد على الكتاب رجلا وامرأتين.. لم يعمل بشهادتهم؛ لأن ذلك ليس بمال؛ لأن المقصود إثبات الكتاب عند المكتوب إليه.

فرع كتب إلى قاض وأشهد على نفسه بما فيه ولم يذكر اسمه

]: إذا كتب كتابا إلى قاض، وأشهد على نفسه بما فيه، ولم يكتب اسم المكتوب إليه في عنوان الكتاب ولا في باطنه.. جاز للمكتوب إليه العمل به.
وقال أبو حنيفة: (إذا لم يكتب اسمه في باطن الكتاب؛ بأن يقول: هذا كتاب من فلان بن فلان.. فلا يجوز قبوله.
وكذلك إذا ذكر اسمه في العنوان دون باطنه.. لم يكفه ذلك).
دليلنا: أن المعول فيه على شهادة الشهود على الكتاب وذلك موجود.

فرع معرفة القاضي الكاتب والمكتوب إليه لعدالة الشهود

]: قال المسعودي [في " الإبانة "]: ومعرفة القاضي الكاتب لعدالة شهود الحق تكفي، فيكتب: ثبت عندي بشهادة شهود عدول، ولا يفتقر إلى ذكر أسمائهم.
فإن لم تثبت عدالتهم عنده.. كتب أسماءهم وأنسابهم، أو خلاهم ليبحث المكتوب إليه عن عدالتهم.

فأما عدالة شهود الكتاب: فيجب أن تثبت عند المكتوب إليه، فإن عدلهم الكاتب.. لم تثبت.
وقال القفال الشاشي: تثبت.
وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى تزكية الشاهد بقوله، فلم تصح.

فرع ادعاء دين في الذمة أو عين وثبوته عند القاضي

]: إذا كان المدعى دينا في الذمة وثبت عند القاضي بإقرار أو بينة.. جاز أن يكتب به على ما مضى، ويعمل المكتوب إليه بموجب ما كتب به إليه.
وإن كان المدعى عينا في بلد المكتوب إليه، فإن كانت عينا متميزة عن غيرها، كالعقار المحدود، أو العبد المشهور الاسم والصفة، أو دابة مشهورة الاسم والصفة.. جاز قبول الكتاب والعمل به في ذلك؛ لأنها متميزة عن غيرها فيمكن إلزام تسليمها.
وإن كانت العين غير مشهورة، مثل أن يشهد الشاهدان عند الكاتب له بعبد من صفته كذا وكذا.. فهل يجوز قبول الكتاب فيه والعمل به؟ فيه قولان، حكاهما أصحابنا العراقيون: أحدهما: لا يجوز قبول الكتاب فيه ولا العمل به.
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، واختاره المزني؛ لأن المشهود به مجهول العين فلا يكفي فيه الوصف، ألا ترى أنه لا يصح أن يكون المشهود له موصوفا؟ فكذلك المشهود به.
والثاني: يجوز قبول الكتاب به؛ لأنه يمكن ضبطه بالصفة؛ ولهذا يثبت في الذمة بالعقد، فأشبه الدين، ويخالف المشهود له؛ لأنه لا حاجة به إلى ذلك.
فعلى هذا: يأمر المكتوب إليه المشهود عليه أن يحضر تلك العين، فإن أحضر عينا بالصفة التي شهد بها الشهود عليه عند الكاتب وادعاها المدعي.. ختم عليها المكتوب إليه بختمه وأنفذها مع المشهود له إلى الكتاب، وكانت في ضمان المدعي.

فإذا وصل الكاتب.. أحضر الشاهدين اللذين شهدا للمدعي بها ونظرا إلى العين، فإن شهدا أنها هي العين التي شهدا بها أنها له.. أخذها المشهود له وبرئ من ضمانها، وإن لم يشهدا على عينها.. ردها الكاتب إلى المكتوب إليه، وكان على المشهود له قيمتها إن تلفت وأجرة منفعتها تلك المدة.
فإذا قلنا بهذا: وكان المشهود به جارية.. فهل يبعث بها إلى القاضي الكاتب؟ فيه وجهان، المشهور: أنه يبعث بها.
وحكى أصحابنا الخراسانيون فيها قولا ثالثا: أن العين تنزع من يد المشهود عليه ويدفع المشهود له قيمتها، فإن شهد الشاهدان له بها.. رد المشهود عليه ما أخذه من القيمة، وإن ضاعت العين في الطريق.. استقر ملك المدعى عليه على القيمة.

فرع كتب القاضي كتابا لقاض آخر ثم مات أو عزل

]: إذا كتب قاض كتابا إلى قاض بشيء، ثم مات القاضي الكاتب أو عزل قبل وصول الكتاب إلى المكتوب إليه.. فإن المكتوب إليه يقبل الكتاب ويعمل به.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال أبو يوسف: إن مات قبل خروجه من يده.. لم يعمل به المكتوب إليه، وإن مات بعد أن خرج من يده.. عمل به المكتوب إليه.
دليلنا: أن المعول فيه على ما شهد به الشاهدان وهما حيان، فلم يؤثر موت الكاتب، كما لو مات شاهد الأصل.
ولأنه إن كان الكتاب مما حكم به.. فيجب على كل واحد إمضاؤه، وإن كان فيما شهد به عنده عليه.. جرى مجرى الشهادة على الشهادة، وموت شاهد الأصل لا يؤثر في الشهادة عليه.
وأما إذا فسق القاضي الكاتب.. نظرت:

فإن كان الكتاب فيما حكم به.. لم يؤثر فسقه وجاز قبول الكتاب والعمل به؛ لأن فسقه بعد حكمه لا يؤثر في حكمه.
وإن كان الكتاب فيما ثبت عنده.. نظرت: فإن فسق بعد وصول الكتاب إلى المكتوب إليه وبعد حكمه به.. لم يؤثر فسق الكاتب، كما لا يؤثر فسقه في حكمه، وإن فسق قبل وصول الكتاب إلى المكتوب إليه، أو بعد وصوله وقبل حكمه به.. لم يجز له الحكم به، كما لا يجوز الحكم بشهادة الفرع بعد فسق شاهد الأصل.

فرع كتب القاضي لآخر فوصل كتابه إلى من ولي القضاء بعده

فرع: [كتب القاضي لآخر فوصل كتابه إلى من ولي القضاء بعد عزل المكتوب إليه]: وإن كتب القاضي كتابا إلى قاض، فمات المكتوب إليه أو عزل أو فسق، وولي غيره ووصل الكتاب إليه.. فإنه يقبل الكتاب ويعمل به.
وبه قال الحسن البصري؛ وذلك: أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية وكان قاضيا بالبصرة، فوصل الكتاب وقد عزل وتولى مكانه الحسن البصري، فقبل الكتاب.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز للثاني قبول الكتاب ولا العمل به).
دليلنا: أن المعمول فيه على ما شهد به الشهود، فإن كان الكتاب فيما حكم به.. فعلى كل من بلغه إمضاؤه، وإن كان فيما ثبت عنده.. فهو بمنزلة الشهادة على الشهادة، وعلى كل أحد أن يحكم بالشهادة على الشهادة.

فرع كتابة الإمام أو القاضي لخليفته ثم موته أو عزله قبل وصول الكتاب

]: إذا كتب الإمام إلى خليفته كتابا، فمات الإمام أو خلع نفسه قبل وصول كتابه، ثم وصل كتابه.. فإن المكتوب إليه يقبل الكتاب فيعمل به؛ لأنه لا ينعزل بموته.
وإن كتب قاض إلى خليفته كتابا، ثم مات الكاتب أو عزل، ثم وصل كتابه.. فهل يعمل بكتابه؟ فيه وجهان -حكاهما الشيخ أبو حامد -:

أحدهما: أن الخليفة القاضي لا ينعزل بانعزاله، كما لا ينعزل القاضي بانعزال الإمام الذي ولاه ولا بموته.
فعلى هذا: يجوز له قبول كتابه والعمل به.
والثاني: أنه ينعزل بانعزاله؛ لأنه نائب عنه، وإذا بطلت ولاية المنوب عنه.. بطلت ولاية النائب عنه.
والفرق بينه وبين الإمام: أنا لو قلنا: إن القضاة ينعزلون بموت الإمام أو عزله.. لأدى ذلك إلى الضرر بالمسلمين.
فعلى هذا: لا يقبل كتابه.

فرع كتب إلى قاض آخر بحكم على رجل سماه

]: إذا كتب القاضي إلى قاض بحكم حكم به على رجل سماه في بلد المكتوب إليه، فوصل الكتاب إلى المكتوب إليه فاستدعاه الحاكم وأخبره بكتاب القاضي، فقال: ألست فلان بن فلان؟ فإن لم يكن مع المدعي بينة أنه فلان بن فلان.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإذا حلف.. سقطت عنه المطالبة بالدعوى؛ لأن الأصل براءة ذمته.
وإن أقام المدعي بينة أنه فلان بن فلان، أو أقر المدعى عليه بذلك إلا أنه قال: لست فلان بن فلان الذي ذكره القاضي في كتابه، وإنما ذلك رجل غيري.. لم يقبل منه حتى يقيم البينة أن له من يشاركه في ذلك الاسم والصفة؛ لأن الأصل عدم من يشاركه.
فإن أقام البينة على أنه له من يشاركه في ذلك الاسم والصفة التي وصفه بها.. أحضره الحاكم وسأله، فإن اعترف أنه المحكوم عليه وصادقه المدعي على ذلك.. لم يسأل عن الأول، وإن أنكر أن يكون المحكوم عليه.. توقف الحاكم حتى يعرف من المحكوم عليه منهما، وكتب إلى الحاكم الكاتب ليرجع إلى الشاهدين الذين شهدا عنده على المدعى عليه؛ ليزيدا في وصف المشهود عليه منهما.
فإن أقام صاحب الاسم والصفة بينة أنه كان له من يشاركه في الاسم والصفة التي يسمى بها إلا أنه ميت، فإن لم يعاصر المشارك المدعى عليه؛ بأن مات قبل أن يولد المدعي.. فهو كما لو لم يكن هناك مشارك.
وإن عاصر المدعي، فإن كان موته بعد

الحكم.. فهو كما لو كان حيا على ما مضى، وإن كان موته قبل الحكم.. ففيه وجهان: أحدهما: يقع الإشكال؛ لجواز أن يكون الميت هو المحكوم عليه.
والثاني: لا إشكال فيه؛ لأن الظاهر أن الحاكم إنما حكم على حي؛ إذ لو حكم على ميت.. لذكر ورثته.
وإذا ألزم المكتوب إليه المشهود عليه الحق فدفعه فقال: اكتب لي كتابا إلى القاضي الكاتب بذلك، أو ليكون في يدي؛ لئلا يدعي علي خصمي مرة أخرى.. ففيه وجهان: أحدهما -وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أنه يلزمه أن يكتب له إليه ليتخلص من الحق المدعى المشهود به عليه.
والثاني: أنه لا يلزمه؛ لأن الحاكم إنما يكتب بما حكم به أو ثبت عنده، وهذا لم يحكم عليه بشيء، ولا ثبت عنده عليه شيء، وإنما كان ذلك عند الكاتب.
وأما تخليصه من الحق المشهود به: فيمكنه ذلك؛ بأن يشهد على الأداء.
وإن طالبه أن يدفع إليه الكتاب الذي ثبت به الحق.. لم يلزمه دفعه.
وكذلك كل من كان له كتاب بدين فاستوفاه أو بعقار فباعه.. لم يلزمه دفع الكتاب إليه؛ لأنه ملكه.

مسألة كتابة القاضي للمحاضر والسجلات

]: إذا حضر عند القاضي خصمان، فادعى أحدهما على الآخر حقا، فأقر له به.. لزمه ما أقر به، فإن سأل المقر له الحاكم أن يشهد له شاهدين على إقراره.. لزمه أن يشهد له؛ لأن القاضي إن كان لا يحكم بعلمه.. فربما جحد المقر، وإن كان يحكم بعلمه.. فربما نسي الإقرار أو عزل فلزمه أن يشهد.
فإن قال المقر له: اكتب لي محضرا بذلك.. كتب له:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حضر القاضي فلان بن فلان، وهو يلي القضاء من قبل الإمام فلان بن فلان، أو: خليفة القاضي فلان بن فلان قاضي الإمام فلان بن فلان، أو من يلي القضاء من قبل فلان بن فلان وفلان بن فلان، إذ حكمه الخصمان فلان بن فلان وفلان بن فلان -يعني الخصمين - ويرفع في أسمائهما وأنسابهما حتى يتميزا عن غيرهما، وإن كان يعرفهما.. فالمستحب: أن يحليهما مع ذلك، فادعى فلان بن فلان على فلان بن فلان بكذا وكذا، فأقر له به في وقت كذا وكذا، شهد عليه بذلك فلان وفلان.
ولا يحتاج أن يقول: في مجلس حكمه؛ لأن الإقرار يصح في غير مجلس حكمه.
ويكتب تحت المحضر: أقر بذلك عندي، ويكتب على رأسه علامة: حسبي الله، أو الحمد لله رب العالمين، أو ما أشبه ذلك.
وإن أنكر المدعى عليه، فأقام المدعي البينة بما ادعاه.. حكم له بذلك على ما مضى، فإن سأل المدعي الحاكم الإشهاد له على ذلك.. فهل يلزمه الإشهاد له عليه؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: لا يلزمه الإشهاد؛ لأن للمدعي بالحق بينة، فلا يلزم القاضي تجديد بينة له أخرى.
والثاني: يلزمه الإشهاد؛ لأن في إشهاده على نفسه بذلك تعديلا للبينة الأولى وإلزاما لخصمه.
فإن سأله أن يكتب له بذلك محضرا.. كتب له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حضر القاضي فلان بن فلان -ويذكر من ولاه القضاء - فلان بن فلان وفلان بن فلان في مجلس قضائه، فادعى فلان بن فلان على فلان بن فلان بكذا وكذا فأنكر، فسأل

الحاكم المدعي البينة فأحضر فلان بن فلان وفلان بن فلان -يعني الشاهدين - وسأل الحاكم سماع شهادتهما فشهدا بكذا وكذا، وعرف الحاكم عدالتهما لما رأى قبول شهادتهما، فسأل فلان بن فلان أن يحكم له بشهادتهما فحكم له بذلك في وقت كذا، ويكتب العلامة على رأس المحضر، وتحت المحضر: شهدا عندي بذلك.
وإن كان للمدعي في هذه والتي قبلها كتاب بالإقرار أو بالشهادة.. جعله القاضي محضرا، وكتب العلامة في رأسه، وكتب تحته: شهد عندي بذلك.
فإن لم يكن للمدعي بينة، فحلف المدعى عليه على ما مضى، وسأل المدعى عليه الحاكم أن يكتب له بيمينه محضرا، ليكون له وثيقة حتى لا يدعي عليه بذلك الحق مرة ثانية.. كتب له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حضر القاضي فلان بن فلان -ويذكر من ولاه القضاء - فلان بن فلان في مجلس حكمه وقضائه، وادعى المدعي على فلان بن فلان بكذا وكذا فأنكره، فطالب القاضي المدعي بالبينة فلم تكن له بينة، ثم طالب المدعي القاضي بإحلاف خصمه فحلفه له -فيذكر كيف حلفه له - في وقت كذا وكذا، ويكتب العلامة على رأسه.
فإن نكل المدعى عليه عن اليمين ورد اليمين على المدعي فحلف، وسأل المدعي الحاكم أن يشهد له على ذلك.. لزمه أن يشهد على ذلك؛ لأنه لا حجة له غير الإشهاد.
فإن سأله أن يكتب له بذلك محضرا.. كتب له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حضر القاضي فلان بن فلان -ويذكر من ولاه القضاء - فلان بن فلان في مجلس حكمه، وادعى على فلان بن فلان بكذا فأنكره، فسأل القاضي المدعي البينة فلم تكن له بينة، فسأل المدعي الحاكم استحلاف المدعى عليه، فعرض عليه اليمين فلم

يحلف، ورد اليمين على المدعي فحلف له على كذا في وقت كذا، ويكتب العلامة في أوله، ويكتب تحته: حلف عندي.
وإن سأل صاحب المحضر القاضي أن ينفذ الحكم له ويسجله له، ويشهد عليه.. كتب له: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا ما أشهد عليه القاضي فلان بن فلان -ويذكر من ولاه القضاء - في مجلس حكمه: أن فلان بن فلان ثبت له حق بكتاب نسخته كذا -ويكتب الذي ذكر في المحضر - فحكم به وأنفذه وأمضاه بسؤال فلان بن فلان المدعي، وشهد على إنفاذ القاضي فلان بن فلان بجميع ما في هذا الكتاب في وقت كذا فلان بن فلان، ويكتب العلامة في رأسه.
وإن كان القاضي لا يعرف الخصمين.. حضر رجل ذكر أنه فلان بن فلان، وأحضر رجلا ذكر أنه فلان بن فلان، ولا بد من ذكر حليتهما؛ لأن الاعتماد عليها.
وقال ابن جرير: إذا لم يعرفهما القاضي.. لم يجز له أن يسجل؛ لأنهما ربما يزوران النسب والاسم.
وهذا غلط؛ لأنه لا بد أن يذكر حليتهما، ولا يمكنهما تزوير الحلية.
إذا ثبت هذا: فهل يلزم القاضي كتب المحضر والسجل؟ ينظر فيه: فإن لم يجعل له شيء من بيت المال لما يشتري به الورق، ولا أحضر الخصم ورقة يكتب له بها.. لم يلزم القاضي ذلك؛ لأن الذي يلزمه: أن يحكم، ولا يلزمه أن يغرم الورق للمحكوم له.
وإن سلم إليه شيئا لثمن الورق، أو أتاه المحكوم له بورقة وسأله أن يكتب له فيها.. ففيه وجهان:

أحدهما: يلزمه؛ لأنه وثيقة للمحكوم له، فلزمت الحاكم، كالإشهاد.
والثاني: لا يلزمه؛ لأن الوثيقة فيما يثبت به الحق من الإقرار أو البينة أو اليمين دون المحضر والسجل.
فعلى هذا: يستحب له أن يكتب له؛ لأنه زيادة في الوثيقة.
فإذا قلنا: يلزمه أو يستحب له.. فإنه يستحب له أن يكتب ذلك نسختين: نسخة تكون مع المحكوم له، ونسخة تكون مع القاضي في ديوان الحكم، فإذا هلكت إحداهما.. اكتفي بالأخرى، ويكتب على ظهرها: سجل فلان بن فلان المحكوم له، ويضم ما يجتمع عنده من السجلات، ويشدها إضبارة على قدر اجتماعها في اليوم أو الأسبوع أو الشهر أو السنة، ويختم على الإضبارة بختمه، ويكتب على ظهرها: محاضر أو سجلات يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا، أو: سجلات أسبوع كذا في شهر كذا من سنة كذا، حتى إذا حضر من يطلب شيئا منها.. سأله عن وقت ذلك، فيسهل عليه استخراجها، ولا يشتغل بتفتيش جميع الكتب.
فإذا عزل القاضي وكانت عنده محاضر وسجلات للناس.. سلمها إلى الذي ولي القضاء بعده؛ لأنه كان له نظر وولاية، وقد صار النظر والولاية للثاني، فكان أولى بذلك.

فرع حكم القاضي بحجة بخطه وختمه أو بحجة الذي قبله

]: إذا حضر خصمان عند القاضي فادعى أحدهما على الآخر حقا فأنكر، فقال المدعي: لي حجة في ديوان الحكم، فطلبها الحاكم، فوجد له حجة بخطه وختمه.. نظرت: فإن كان الحاكم ذاكرا لحكمه له بذلك، ولم يشهد عنده بذلك شاهدان.. قال الشيخ أبو حامد: فهل يجوز له أن يحكم له بذلك؟ فيه قولان، بناء على القولين في أن القاضي له أن يقضي بعلمه.
وقال ابن الصباغ: لا يكون هذا قضاء بالعلم، وإنما هو إمضاء ما حكم به.

وإن كان غير ذاكر لما حكم به، ولم يشهد عنده بذلك شاهدان، إلا أنه عرف خطه وختمه.. فلا يجوز له أن يحكم له بذلك، وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يجوز له أن يحكم له به إذا عرف خطه وختمه.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] [الإسراء: 36ٍ] يعني: لا تقل ما ليس لك به علم، وما لا يذكره ولا شهد عنده به.. ليس له به علم.
ولأنه لا يؤمن أن يكون قد زور على ختمه وخطه.
وإن رأى بخطه شهادة له وهو لا يذكرها.. لم يجز له أن يشهد بها، وحكى أصحابنا العراقيون: أن أبا يوسف وافق على ذلك.
وحكى أصحابنا الخراسانيون: أن أبا يوسف قال: يجوز له أن يشهد بذلك.
ودليلنا عليه: ما مضى.
وإن رأى بخط أبيه دينا له بعد موته.. جاز له أن يحلف عليه؛ لأنه يمكنه الرجوع بما حكم به إلى الذكر واليقين؛ لأنه فعل نفسه، وما وجده بخط أبيه لا يمكنه الرجوع إلى اليقين، فكفى فيه الظن.
قال ابن الصباغ: وإن وجد بخط نفسه حقا له على غيره.. لم يجز له أن يطالب به ويحلف عليه، إلا أن يتيقنه وإن وجد له سماعا بخطه ولا يذكره.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: فإن لم يغب عنه ذلك.. جاز له أن يرويه؛ لأن الإخبار أوسع من الحكم والشهادة.
وإن غاب عنه.. لم يجز له أن يرويه؛ لجواز أن يكون قد زور عليه.
وإن شهد عنده شاهدان للمدعي.. نظرت: فإن شهدا على إقرار المدعى عليه.. حكم له بشهادتهما؛ لأنهما لو شهدا على إقراره في غير مجلس الحكم.
لحكم له بهما، فكذلك إذا شهدا على إقراره في مجلس الحكم.
وإن شهدا على حكمه له بذلك على المدعى عليه وهو لا يذكر ذلك.. لم يجز له أن يحكم له بذلك، وبه قال أبو حنيفة.

وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يجوز له أن يحكم له بذلك.
دليلنا: أنهما لو شهدا على رجل أنه شهد لفلان بكذا، والشاهد لا يذكر ذلك.. لم يجز له أن يشهد بذلك، فكذلك الحاكم لا يجوز له أن يحكم له بشهادتهما إذا كان غير ذاكر له.
وإن كانت الحجة بخط القاضي قبله وختمه.. فلا يجوز له أن يحكم للمدعي بذلك حتى يشهد بذلك شاهدان على حكم القاضي قبله له بذلك.
فإن كان القاضي الثاني قد حضر عند الأول عند حكمه لهذا المدعي بهذه الحكومة.. فهل يجوز له أن يقضي له بذلك؟ فيه قولان، بناء على القولين في الحكم بالعلم.
وإن أقام المدعي بينة على أن القاضي الأول حكم له بذلك، وأقام المدعى عليه بينة أن القاضي الأول توقف في ذلك.. لم يجز للثاني أن يحكم له بذلك.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه يجوز له أن يحكم له بذلك.
والمشهور هو الأول؛ لأن الثاني فرع للأول، فلا يجوز للثاني إنفاذ الحكم مع توقف الأول، كما لو شهد شاهدان على شهادة رجل، وشهد آخران على توقف شاهد الأصل.. فإنه لا يجوز الحكم بشهادة من شهد على شهادته.

فرع يندب للحاكم أن يوجه للصلح

]: قال في " الأم ": (إن بان للحاكم وجه الحكم.. ندبهما إلى الصلح، وأخر الحكم اليوم واليومين)؛ لأن الصلح مندوب إليه.
ويسألهما أن يحللاه من تأخير الحكم، فإن لم يجتمعا على تحليله وطالباه بالحكم.. وجب عليه الحكم؛ لأن الحكم إذا بان وجهه.. وجب على القاضي إنفاذه.
هكذا ذكر ابن الصباغ، والذي يقتضي المذهب: أن التحليل بتأخير الحكم إنما يطلب من المحكوم له، وكذلك

جارٍ التحميل