البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 537-44

كتاب الأقضية

صفحات 537-44
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب أدب القضاء

كتاب الأقضية

كتاب الأقضية باب أدب القضاء القضاء واجب.
والأصل في ثبوته في الشرع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26] [ص: 26]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65] [النساء: 65] وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: 58]

[النساء: 58]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48] [المائدة: 48].
ولأن الله تعالى ذم قوما امتنعوا من الحكم، ومدح قوما أجابوا إلى الحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: 48] [النور: 48]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51] [النور: 51].
وأما السنة: فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حكم بين الناس و: «بعث عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى اليمن للقضاء بين الناس».
وأما الإجماع: فإن الخلفاء الراشدين حكموا بين الناس و: (بعث أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنس بن مالك إلى البحرين ليقضي بين الناس)، و: (بعث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضيا)، و: (بعث عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضيا).

وأما القياس: فلأن الظلم من شيم النفوس، وطبع العالم، ولهذا قال الشاعر: والظلم من شيم النفوس فإن تجد... ذا عفة فلعلة لا يظلم فإذا كان كذلك.. فلا بد من حاكم لينصف المظلوم من الظالم.
إذا تقرر هذا: فقد وردت أخبار تدل على ذم القضاء، وأخبار تدل على مدحه.
فأما التي تدل على ذمه: فما روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم قال: «من استقضى.. فكأنما ذبح بغير سكين» قيل لابن عباس: وما الذبح؟ قال: (نار جهنم).
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يؤتى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من

شدة الحساب ما يود أنه لم يكن قضى بين اثنين».
«وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي ذر: " إني أحب لك ما أحب لنفسي: فلا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم».
وأما الأخبار التي تدل على مدحه: فما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب.. فله أجران، وإن أخطأ.. فله أجر واحد».
وروى ابن مسعود: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها».
وتأويل ذلك: أن الأخبار التي تدل على ذمه محمولة على من علم من نفسه أنه لا يقوم بالقضاء؛ إما لجهله أو لقلة أمانته.
والأخبار التي تدل على مدحه محمولة على من علم من نفسه القيام بالقضاء لعلمه وأمانته.
والدليل على صحة هذا التأويل: ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «القضاة ثلاثة،

واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة: فرجل علم الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فجار في حكمه، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من طلب القضاء حتى يناله، فإن غلب عدله جوره.. فهو في الجنة، وإن غلب جوره عدله.. فهو في النار».
وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا جلس القاضي.. بعث الله إليه ملكين يسددانه، فإن عدل.. أقاما، وإن جار.. عرجا وتركاه».

مسألة أحوال الناس في القضاء وطلب الإمام تولية رجل منهم

]: الناس في القضاء على ثلاثة أضرب: منهم من يجب عليه القضاء، ومنهم من لا يجوز له القضاء، ومنهم من يجوز له القضاء ولا يجب عليه.
فأما (من يجب عليه) فهو: أن يكون رجل من أهل الاجتهاد والأمانة، وليس هناك من يصلح للقضاء غيره، فيجب على الإمام أن يوليه القضاء، وإذا ولاه الإمام..

لزمه القبول، فإن امتنع.. أجبره.
فإن لم يعرفه الإمام.. لزمه أن يعرف الإمام حاله، وأن يعرض نفسه عليه للقضاء؛ لأن ذلك يجري مجرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو لم يكن من يصلح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا واحد.. لتعين ذلك عليه.
وأما (من لا يجوز له القضاء) فهو: أن يكون الرجل ليس من أهل الاجتهاد، أو كان من أهل الاجتهاد إلا أنه فاسق.. فهذا لا يجوز له القضاء، وإن ولاه الإمام.. لم تنعقد ولايته، وإن حكم.. لم يصح حكمه، خلافا لأبي حنيفة، ويأتي الدليل عليه في موضعه.
وأما (الذي لا يجب عليه القضاء ويجوز له) فهو: أن يكون هناك رجلان أو جماعة يصلح كل واحد منهم للقضاء.. فإن القضاء لا يجب على واحد منهم بعينه، بل وجوب القضاء عليهم على طريق الكفاية، وإذا قام به أحدهم.. سقط الفرض عن الباقين، وإن امتنعوا كلهم عن القضاء.. أثموا؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقدس الله أمة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه».
فإن طلب الإمام أن يولي رجلا منهم.. فهل يتعين عليه القضاء بتولية الإمام له، وهل يجوز للإمام أن يجبر واحدا منهم؟ فيه وجهان: أحدهما: يتعين عليه، ويجوز للإمام إجباره؛ لأنه دعاه إلى واجب فتعين عليه، ولأنه إذا امتنع هذا.. فربما امتنع الباقون، فيؤدي ذلك إلى تعطيل القضاء.
والثاني: لا يتعين عليه، ولا يجوز له إجباره؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنا لا نجبر على الحكم أحدا»، ولأنا لو قلنا يتعين عليه، ويجوز له إجباره.. لصار القضاء والقصاص متعينا عليه.
ومن جاز له الدخول في القضاء ولم يجب عليه.. فهل يستحب له القضاء إذا دعي إليه؟ ينظر فيه: فإن كان له مال يكفيه وهو مشهور يقصده الناس للفتيا والتدريس.. لم يستحب له ذلك؛ لأنه لا يأمن على نفسه من الخطأ، والأولى له أن يشتغل بالفتيا والتدريس؛ لأن ذلك أسلم.
وعلى هذا يحمل امتناع ابن عمر حين دعاه عثمان إلى القضاء.
وكذلك روي: (أن أبا ذر طلب للقضاء فهرب، فقيل له: لو وليت وقضيت بالحق؟ فقال: من يقع في البحر إلى كم يسبح؟).
وإن كان لا مال له يكفيه ويرجو بالقضاء أخذ الرزق عليه من بيت المال.. يستحب له القضاء؛ لأنه لا بد له من مكتسب، واكتسابه بتولي الطاعة أولى من الاكتساب بغيره.
وكذلك: إذا كان معه مال يكفيه إلا أنه خامل الذكر لا يقصده الناس للفتيا والتدريس.. فيستحب له القضاء؛ ليشتهر في الناس وينتفع بعلمه.
ومن استحب له ولاية القضاء إذا دعي إليه.. فهل يستحب له طلبه وبذل العوض منه لذلك؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يستحب له طلبه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إخبارا عن يوسف:

﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55] الآية [يوسف: 55] فطلب الاستئمان.
ويجوز له بذل العوض؛ ذلك لأنه يتوصل به إلى مطلوبه.
ومنهم من قال: لا يستحب له ذلك، ولا يجوز له بذل العوض؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعبد الرحمن بن سمرة: " يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة.. وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة.. أعنت عليها».
وروى أنس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من طلب القضاء فاستعان عليه.. وكل إليه، ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه.. أنزل الله تعالى إليه ملكا ليسدده».
ومن قال بالأول.. حمل الخبر على من طلب ذلك محبة للرياسة، فأما إذا طلب ذلك للقربة أو لحصول كفايته.. فلا بأس عليه بذلك.

فرع أخذ الرزق على القضاء

]: وأما أخذ الرزق على القضاء.. فينظر فيه: فإن كان قد تعين عليه القضاء، فإن كان له كفاية.. لم يجز له أخذ الرزق عليه؛ لأنه فرض توجه عليه، فلا يجوز له أخذ الرزق عليه مع الاستغناء عنه.
وإن لم يكن له كفاية، أو كان مكتسبا وإذا اشتغل بالقضاء تعطل عليه الكسب.. جاز له أخذ الرزق عليه؛ لأنه إذا اشتغل بالقضاء.. بطل عليه كسبه وذهب معاشه.
وإن لم يتعين عليه القضاء، فإن كانت له كفاية.. فالمستحب له: أن لا يأخذ عليه رزقا؛ لأنه قربة في حقه، فكره له أخذ العوض عليه.
وإن أخذ الرزق عليه.. جاز؛

لما روي: (أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما ولي الخلافة.. خرج إلى السوق برزمة ثياب، فقالوا: ما هذا؟ فقال: أنا كاسب أهلي، فقالوا: لا يصلح هذا مع الخلافة، فاجتمعت الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وقدروا له كل يوم درهمين من بيت المال).
وروي: (أن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - جعلوا له كل يوم شاتين؛ شاة لغدائه وشاة لعشائه، وألف درهم في كل سنة.
فلما ولي عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لا يكفيني ذلك، فأضعفوا له ذلك).
وإذا ثبت ذلك في الإمامة.. كان في القضاء مثله؛ لأنهما في معنى واحد.
وروي: أن عمر قال: أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6] [النساء: 6].
وروي: (أن عمر رضي الله بعث إلى الكوفة عمار بن ياسر واليا، وعبد الله بن مسعود قاضيا، وعثمان بن حنيف ماسحا، وفرض لهم كل يوم شاة؛ نصفها وأطرافها لعمار، والنصف الآخر بين عبد الله وعثمان، وقال: إن بلدا يخرج منها كل يوم شاة لسريع خرابها)، و: (لما ولى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شريحا القضاء.. أجرى له كل شهر مائة درهم)، و: (لما ولاه علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.. أجرى له ذلك).
ولأن مال بيت المال للمصالح، وهذا من المصالح.
ولا يكون ما يأخذه القاضي أجرة، وإنما هو رزق، كالذي يأخذه الإمام والمؤذن.
وإن عقد الإجارة على القضاء.. لم يصح؛ لأنه عمل غير معلوم.
وإن وجد الإمام من يتطوع للقضاء من غير رزق يأخذه.. لم يول القضاء من يطلب الرزق.
ويدفع إلى القاضي مع رزقه شيء للقراطيس التي يكتب بها المحاضر والسجلات من

بيت المال؛ لأن ذلك من المصالح.
فإن لم يكن في بيت المال شيء، أو كان وهناك ما هو أهم منه يحتاج إليه لذلك.. قال القاضي لمن ثبت له الحق: إن اخترت أن تأتي بكاغد أكتب لك ذلك.. فافعل.
ويدفع للقاضي مع رزقه لمن يكون على بابه من الوكلاء؛ لأنه يحتاج إلى ذلك كما يحتاج إلى العامل في الصدقات.

فرع تولية الإمام قاضيا في بلده أو غيره

]: ويجوز للإمام أن يولي قاضيا في البلد الذي هو فيه؛ لما روي: «أن رجلين اختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمرو بن العاص: " اقض بينهما " فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر! قال: " اقض بينهما، فإن أصبت.. فلك أجران، وإن أخطأت.. فلك أجر واحد» وفي رواية: «إن أصبت.. فلك عشر حسنات، وإن أخطأت.. فلك حسنة واحدة».
وروي: (أن رجلين أتيا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال أحدهما: يا رسول الله، إن لي حمارا، ولهذا بقرة، فإن بقرته قتلت حماري، فأرسلهما إلى أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال: لا ضمان على البهائم، فأرسلهما إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال مثل ذلك، فأرسلهما إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال: أكانا مشدودين؟ فقالا: لا، قال: أفكانا مرسلين؟ قالا: لا، قال: فكانت البقرة مشدودة والحمار مرسلا؟ قالا: لا، قال: أكان الحمار مشدودا والبقرة مرسلة؟ قالا: نعم، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: على صاحب البقرة الضمان)، فدل على جواز القضاء بحضرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وأما الخبر فتأويله: أن أبا بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حملا الأمر على الظاهر

وأنهما كانا مرسلين، لا يد لأحد عليهما، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - استفصلهما وأوجب الضمان على صاحب البقرة، ويحتمل أنها كانت تحت يد صاحبها.
وإن كان الإمام ببلد واحتاج أهل بلد آخر إلى قاض.. وجب على الإمام أن يبعث إليهم قاضيا؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث عليا إلى اليمن قاضيا».
ولأنهم يشق عليهم قصد بلد الإمام لخصوماتهم.
فإن كان الإمام يعرف أهل الاجتهاد والعدالة.. بعث قاضيا منهم، وإن كان لا يعرفهم.. جمع أهل المذاهب في مجلسه وسألهم أن يتناظروا بين يديه، فإذا علم المجتهد منهم.. بحث عن عدالته، فإذا ثبتت عدالته.. ولاه القضاء وبعثه إليهم.

مسألة الشروط المطلوبة في القاضي والمفتي

]: ويشترط في القاضي والمفتي أن يكونا من أهل الاجتهاد، وهو: أن يكون عالما بالكتاب، والسنة، والإجماع، والاختلاف، ولسان العرب والقياس.
فأما الكتاب: فلا يشترط أن يكون عالما بجميع ما فيه من القصص والأخبار،

وإنما يشترط أن يكون عالما بأحكامه، وهو: أن يعرف العام منه، والخاص، والمحكم، والمتشابه، والمجمل، والمفسر، والمطلق، والمقيد، والناسخ، والمنسوخ.
وأما السنة: فلا يشترط معرفة المغازي ولا الآثار التي تتعلق بالأحكام، بل يعلم الأحكام منها التي ذكرناها في الكتاب، ويعرف الآحاد، والمتواتر، والمسند، والمرسل.
وأما الإجماع: فيعرف أقوال العلماء وما أجمعوا فيه وما اختلفوا فيه، ويعرف طرفا من لسان العرب ليمكنه أن يعرف أحكام الكتاب والسنة؛ لأنهما عربيان.

ويعرف القياس على ما بين في أصول الفقه.
قال ابن داود: شرط الشافعي في الحاكم والمفتي شروطا لا توجد إلا في الأنبياء.
ومن أصحابنا من قال: شرط الشافعي شروطا في الحاكم والمفتي تمنع أن يكون أحد بعده حاكما أو مفتيا.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد يسهل تعلمه الآن؛ لأنه قد دون وجمع.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: أما القاضي: فعلى ما مضى، وأما المفتي: فإن الرجل إذا عرف مذهب إمام حبر ولم يبلغ مبلغ المجتهدين.. فهل يجوز له أن يفتي على مذهب ذلك الإمام؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، وهو اختيار القفال.
والثاني: لا يجوز.
وأصل هذا: أن المستفتي، هل هو مقلد للمفتي أو للميت وهو صاحب المذهب؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: إنه مقلد لصاحب المذهب.. جاز له أن يفتي.
وإن قلنا: إنه مقلد للمفتي.. لم يجز له أن يفتي.
هذا مذهبنا، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا تشترط هذه الشرائط في القاضي، بل يجوز أن يكون عاميا ويقلد العلماء ويحكم).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48] [المائدة: 48]، والتقليد ليس مما أنزل الله.
ولما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق وحكم به فهو في الجنة، ورجلا عرف الحق فجار في حكمه فهو في النار، ورجل قضى بين الناس على جهل فيه فهو في النار»، والمقلد يقضي بجهل.
ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأن المفتي لا يلزم المستفتي ما يفتيه به، فإذا لم يجز أن يكون المفتي عاميا.. فلأن لا يجوز أن يكون القاضي عاميا أولى.
ويشترط أن يكون القاضي مع كونه مجتهد - عدلا كاملا.
فأما (العدل): فلا يجوز أن يكون كافرا ولا فاسقا، فإن تولى القضاء وهو عدل ثم فسق.. بطلت ولايته.
وقال الأصم: يجوز أن يكون فاسقا.
دليلنا: أن القضاء يتضمن الولاية في التزويج والنظر في أموال السفهاء واليتامى والوقوف، والفسق ينافي هذه الولايات، فلم ينعقد مع القضاء.
وأما (الكمال): فيشترط أن يكون كاملا في الحكم والخلق.
و: (الكمال في الحكم): أن يكون ذكرا، بالغا، عاقلا، حرا.
وقال ابن جرير: يجوز أن تكون المرأة قاضية في جميع الأحكام، كما يجوز أن تكون مفتية.
وقال أبو حنيفة: (يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود، ولا يجوز أن تكون قاضية في الحدود).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما أفلح قوم وليتهم امرأة».
وروي: «ولوا أمرهم امرأة»، وضد الفلاح الفساد، فاقتضى الخبر: أنها إذا وليت القضاء.. فسد أمر من وليتهم.

وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في النساء: " أخروهن من حيث أخرهن الله»، والمرأة إذا وليت القضاء.. كانت مقدمة والرجال مؤخرين عنها، فلم يجز.
ولأن حال القضاء آكد من حال الإمامة في الصلاة، فإذا لم يجز أن تكون المرأة إمامة للرجال.. فلأن لا يجوز أن تكون قاضية أولى.
ولا يجوز أن يكون الخنثى المشكل قاضيا؛ لجواز أن يكون امرأة.
وأما (الكمال في الخلق): فلا يجوز أن يكون القاضي أعمى، ولا أصم، ولا أخرس؛ لأن فقد هذه الحواس يمنع من استيفاء الحكم بين الخصمين.
وحكى الشيخ أبو إسحاق في الأخرس وجها آخر: أنه يصح أن يكون قاضيا إذا فهمت إشارته.
والمشهور هو الأول.
وهل يصح أن يكون القاضي أميا لا يكتب؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه من أهل الاجتهاد والعدالة، وفقد الكتابة لا يؤثر فيه، كما أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان لا يكتب وهو إمام الأئمة وحاكم الحكام.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يحتاج أن تقرأ عليه المحاضر والسجلات، ويقف على ما يكتب كاتبه، فإذا لم يكن كاتبا.. ربما غير القارئ والكاتب.
ويفارق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فإن كونه لا يكتب من معجزاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأن أصحابه كانوا عدولا تؤمن منهم الخيانة في الكتاب له، ولو خان أحد منهم في ذلك.. أعلمه الله به.
ويستحب أن يكون القاضي مع هذه الشرائط حليما، ذا فطنة وتيقظ، عالما بلغات أهل قضائه، جامعا للعفاف، بعيدا عن الطمع، لينا في الكلام، ذا سكينة ووقار؛ لما روي: (أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ولى أبا الأسود القضاء ساعة ثم عزله، فقال له: لم عزلتني، فوالله ما خنت؟! فقال: بلغني أن كلامك يعلو كلام الخصمين إذا تحاكما إليك).
ويستحب ألا يكون القاضي جبارا متكبرا؛ لأن ذلك يمنع الخصم من استيفاء حجته.
ويستحب ألا يكون القاضي ضعيفا مهينا؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة.. انبسط الخصمان بالشتائم، وذكر السخف بين يديه، وربما انبسط عليه بالكلام.
ويستحب أن يكون بين هاتين الحالتين؛ لما روي عن بعض السلف: أنه قال في صفة القاضي: (شدة من غير عنف، ولين من غير ضعف).
وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (لقد هممت أن أنزع هذا الأمر من هؤلاء وأضعه فيمن إذا رآه الفاجر فزع منه).
وروي: (فرق منه).

مسألة يعقد القضاء الإمام أو نائبه وماذا لو عزله

؟]: ولا يصح عقد القضاء إلا من الإمام أو النائب عنه.
فإن عقد الإمام القضاء لرجل يصلح للقضاء، ثم عزله وهو يصلح للقضاء.. فهل ينعزل؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا ينعزل، كما لو عقد أهل العقد والحل الإمامة لمن يصلح لها، ثم عزلوه من غير سبب.
والثاني: ينعزل؛ لما ذكرناه من عزل علي لأبي الأسود.
فإن قلنا بهذا: فقال له الإمام: قد عزلتك.. انعزل بذلك.
وإن كتب إليه: عزلتك.. فهل ينعزل قبل أن يعلم بالعزل؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما قلنا في الوكيل.
وقال الشيخ أبو زيد المروزي: لا ينعزل حتى يبلغه العزل قولا واحدا؛ لأنا لو قلنا: ينعزل قبل أن يبلغه العزل.. أدى إلى فساد عظيم؛ لأنه يزوج ويقيم الحدود.
وإن كتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فأنت معزول.. لم ينعزل قبل أن يأتيه الكتاب.
فإن كتب إليه: إذا قرأت كتابي هذا فأنت معزول.. لم ينعزل قبل أن يقرأ كتابه.
وإذا ولى الإمام قاضيا ثم مات الإمام.. لم ينعزل القاضي؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ولوا قضاة فلم ينعزلوا بموتهم.

فرع التحاكم عند من له أهلية القضاء

فرع: [صحة التحاكم عند من له أهلية القضاء]: وإن تحاكم رجلان عند رجل يصلح للقضاء وليس بقاض، فحكم بينهما.. صح حكمه؛ لما روي: (أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى زيد بن ثابت)، و: (تحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم).
فإن قيل: كان عمر وعثمان الإمامين في وقتهما، وإذا ردا ذلك إلى غيرهما.. صار حاكما؟ فالجواب: أنه لم ينقل عنهما أكثر من الرضا بالحكم، وبذلك لا يصير حاكما.
وبأي شيء يلزم حكمه بينهما؟ فيه قولان: أحدهما: لا يلزمهما حكمه إلا برضاهما بحكمه بعد الحكم؛ لأنه لما اعتبر رضاهما في ابتداء الحكم عنده.. اعتبر رضاهما بلزوم حكمه.

والثاني: يلزمهما حكمه بنفس الحاكم؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حكم بين اثنين تراضيا بحكمه، فلم يعدل.. فعليه لعنة الله»، فلما توعده على ترك العدل في الحكم.. دل على أنه إذا عدل.. لزم حكمه، ولأن من صح حكمه.. لزم حكمه بنفس الحكم، كالحاكم إذا ولاه الإمام.
فعلى هذا: إذا حكم بينهما.. لم يكن لأحدهما الامتناع، وإن امتنع أحدهما بعد شروعه في الحكم وقبل تمامه.. ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن رضاهما لم يوجد حال الحكم، فهو كما لو امتنع أحدهما قبل شروعه في الحكم.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنا لو جوزنا له ذلك؛ لأدى إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحاكم ما لا يوافقه.. رجع، فيؤدي إلى إبطال المقصود.
واختلف أصحابنا في الموضع الذي يصح فيه حكمه: فمنهم من قال: يصح في جميع الأحكام؛ لأن من صح حكمه في حكم من الأحكام، صح في جميع الأحكام، كالحاكم إذا ولاه الإمام.
والثاني: يصح حكمه في جميع الأحكام إلا في أربعة أحكام: النكاح، واللعان، وحد القذف، والقصاص؛ لأن هذه الأحكام غلظ بها في الشرع، فلا يجوز أن يتولاها إلا الإمام أو من ولاه الإمام.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال المسعودي [في " الإنابة "]: إذا حكما بينهما حاكما، فحكم.. فهل ينفذ حكمه؟ فيه قولان.

إذا ثبت هذا: فإن التحكيم من الخصمين يجوز، سواء كان في البلد حاكم أو لم يكن حاكم.
وإذا رفع حكمه إلى الحاكم الذي ولاه الإمام.. لم ينقض حكمه إذا كان مثله لا ينقض.
وقال أبو حنيفة: (إذا رفع حكم إلى الحاكم الذي ولاه الإمام.. فله أن ينقضه إذا خالف رأيه، وإن كان مما لا ينقض مثله على الحاكم الذي ولاه الإمام.. قبله).
دليلنا: أنه حكم قد صح ولزم، فلم يكن له فسخه لمخالفته رأيه، كما لو كان من حاكم قبله ولاه الإمام.

مسألة تعدد القاضي

مسألة: [جواز تعدد القاضي]: ويجوز للإمام أن يجعل قضاء بلد إلى اثنين أو أكثر على أن يحكم كل واحد منهما في موضع، أو على أن يحكم أحدهما في حق والآخر في حق آخر، أو على أن يحكم كل واحد منهما في زمان؛ لأنهما يملكان الحكم بإذنه، فكان على حسب ما أذن فيه لهما.
وهل يجوز أن يجعل إليهما القضاء في مكان واحد، في زمان واحد، وحق واحد؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، كما يجوز ذلك في سائر الأشياء التي يجوز النيابة فيها.
والثاني: لا يجوز؛ لأنهما قد يختلفان في الحكم فيبطل المقصود.
ولا يجوز أن يعقد القضاء على أن يحكم بمذهب إمام بعينه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26] [ص: 26]، والحق لا يتعين في مذهب إمام بعينه، بل الحق ما دل عليه الدليل.

مسألة ما يستحب للإمام أو القاضي بعد توليته

]: إذا ولى الإمام رجلا القضاء على بلد.. فالمستحب له: أن يكتب له كتاب العهد والتولية؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما بعث عمرو بن حزم إلى اليمن.. كتب له

عهدا»، و: (كتب أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأنس حين بعثه إلى البحرين).
ويأمره في العهد بتقوى الله، والتثبت في القضاء، ومشاورة أهل العلم، وما يحتاج إليه من القيام بحفظ أموال اليتامى والوقوف، ومراعاة حال الشهود، وغير ذلك.
فإن كان البلد الذي ولاه القضاء عليه بعيدا عن البلد الذي فيه الإمام؛ بحيث لا ينتشر الخبر بتوليته إليهم.. أحضر شاهدين عدلين وقرأ عليهما كتاب العهد، أو قرئ عليهما بحضرته وهما ينظران الكتاب لئلا يغير القارئ شيئا، وقال لهما الإمام: أشهدكما أني قد وليت فلانا القضاء على البلد الفلاني وأني تقدمت إليه بما في كتاب العهد، ويمضيان معه إلى البلد الذي ولي القضاء عليها ليقيما له الشهادة بها على توليته.
وإن كان البلد الذي ولي القضاء عليها قريبا من بلد الإمام؛ بحيث ينتشر الخبر إليهم بتوليته.. ففيه وجهان.
[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: لا يفتقر إلى الإشهاد؛ لأن الخبر ينتشر إلى البلد القريب فيقع لهم العلم بتوليته ذلك.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: يفتقر إلى الإشهاد؛ لأنه عقد، فلم يثبت بالاستفاضة، كالبيع.
وهذا مثل اختلافهما في الوقف، والعتق، والنكاح: هل يثبت بالاستفاضة؟ وإذا أراد الحاكم أن يسير إلى بلد ولايته.. فإنه يبحث عمن ببلد الإمام من ذلك البلد، فإن وجد فيها ثقة.. سأله عن البلد الذي ولي عليها ومن فيها من العلماء والأمناء والشهود العدول.
فإن لم يجد ببلد الإمام من يخبره عن ذلك.. بحث عن ذلك في طريقه ليقدم له الخبر بذلك، فإن لم يجده في طريقه.. بحث عنه في البلد.
والمستحب: أن يدخل البلد الذي ولي القاضي عليها يوم الاثنين؛ لـ: «أن

النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل المدينة لما هاجر إليها يوم الاثنين».
والمستحب: أن ينزل وسط البلد ليتساوى أهل البلد في قصده، ثم يأمر مناديا ينادي في البلد: ألا إن فلانا بن فلان القاضي قد قدم إليكم قاضيا، فاجتمعوا لسماع عهده لوقت كذا.
فإن كان البلد كبيرا.. نودي يومين أو ثلاثا ليتصل بجميعهم النداء.
وإن كان صغيرا.. نودي فيه يوما.
وإن كانت قرية يمكن جمع أهلها في ساعة.. جمعهم فيها في موضع بارز وقرأ عليهم العهد، ثم رجع إلى منزله وابتدأ في النظر على ما نذكره فيما بعد.

مسألة الإذن في الاستخلاف للقاضي

مسألة: [استحباب الإذن في الاستخلاف للقاضي]: وإن ولى الإمام رجلا القضاء على بلد.. فالمستحب له: أن يأذن له أن يستخلف فيما يمكنه القيام به وفيما لا يمكنه؛ لأنه قد يحتاج إليه.
فإذا أذن له في الاستخلاف.. جاز له أن يستخلف، وإن نهاه عن الاستخلاف.. قال الشيخ أبو إسحاق: فليس له أن يستخلف؛ لأنه نائب عنه فتبع أمره ونهيه.
وقال القاضي أبو الطيب: إن كان ما ولاه يمكنه القيام به.. لم يجز له أن يستخلف، وإن كان لا يمكنه القيام به.. فوجود النهي هاهنا وعدمه سواء.
وإن كان ولاه ولم يأذن له في الاستخلاف ولا نهاه عنه.. نظرت: فإن كان ما ولاه يمكنه النظر فيه بنفسه.. فهل يجوز له أن يستخلف؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أنه يجوز له أن يستخلف؛ لأن الغرض بتولية القضاء الفصل بين الخصمين، فإذا فعله بنفسه أو بغيره.. جاز.
ولأنه ينظر في مصالح المسلمين، فجاز أن ينظر بنفسه وبغيره.

والثاني: لا يجوز أن يستخلف، وهو الأصح؛ لأنه نائب عن الإمام فلم يجز له الاستخلاف فيما يقدر عليه، كالوكيل في البيع.
وإن كان ما ولاه لا يقدر على النظر فيه بنفسه؛ بأن يولي الإمام رجلا القضاء على اليمن.. فله أن يستخلف فيما لا يمكنه النظر فيه بنفسه - كما قلنا فيمن وكل وكيلا في بيع ما لا يقدر عليه بنفسه - وهل له أن يستخلف فيما يقدر على النظر فيه بنفسه؟ على الوجهين الأولين: فكل موضع قلنا: له أن يستخلف فيه، فاستخلف وحكم الخليفة بحكم.. فإنه يلزم بنفس الحكم، كالحكم الحاكم الذي ولاه الإمام.
وكل موضع قلنا: ليس له أن يستخلف فيه، فاستخلف وحكم الخليفة فيه.. فهو كما لو تحاكم خصمان إلى من يصلح للقضاء وليس بقاض على ما مضى.

مسألة مدى صلاحية حكم القاضي في بلده أو غيرها

]: وإذا ولى الإمام رجلا القضاء على بلد، فحضر إليه خصمان في البلد الذي ولي القضاء عليها من غير أهل ذلك البلد.. جاز أن يحكم بينهما.
وإن خرج القاضي عن البلد الذي ولي القضاء عليها إلى بلد آخر.. لم يجز له أن يكتب إلى حاكم آخر بما ثبت عنده ليحكم به، أو بما حكم فيه لينفذه، فإن فعل ذلك.. لم يعتد بكتابه.
وهكذا: إن وصل إليه كتاب من حاكم، فقرأه في بلد غير بلد عمله وشهد به عنده شاهدان بذلك.. لم يجز له العمل بموجب ما كتب إليه حتى يرجع إلى بلد عمله ويقرأ الكتاب ثانيا ويعيد الشاهدان الشهادة؛ لأنه في غير بلد عمله كسائر الرعية.
وإن حضر إليه خصمان في غير بلد عمله، فحكم بينهما.. لم يعتد به سواء كانا من بلد عمله أو من غيرها؛ لأنه هناك كسائر الرعية.
هكذا قال أصحابنا.
والذي يقتضي المذهب: أنه يكون كما لو تحاكم رجلان إلى من يصلح للقضاء وليس بقاض على ما مضى.

ولو أذن الإمام للقاضي أن يحكم بين أهل ولايته حيثما كانوا.. جاز له أن يحكم بينهم وإن كانوا في ولاية غيره.
وإن اجتمع حاكمان في غير عملهما، فأخبر أحدهما الآخر بحكم حكم به أو بشيء ثبت عنده.. لم يصح ذلك الإخبار، ولا يجوز للسامع أن يحكم بما أخبره به الآخر بثبوته عنده، ولا أن ينفذ ما أخبره أنه حكم به؛ لأن الخبر وسماعه لم يصح.
وأما إذا التقيا في عمل أحدهما؛ بأن اجتمع قاضي الجند وقاضي زبيد في الجند، فإن أخبر قاضي زبيد قاضي الجند بشيء ثبت عنده أو بحكم حكم به.. لم يصح إخباره، ولا يجوز لقاضي الجند العمل بموجب خبره؛ لأن قاضي زبيد في الجند كسائر الرعية.
وإن أخبر قاضي الجند قاضي زبيد بشيء ثبت عنده أو بحكم حكم به.. صح الإخبار؛ لأن قاضي الجند في موضع عمله، فصح إخباره.
فإذا رجع قاضي زبيد إلى موضع عمله.. فهل يجوز له أن يعمل بموجب ما أخبره به قاضي الجند؟ فيه قولان بناء على القولين في القاضي، هل يجوز له أن يحكم بعلمه، ويأتي بيانهما في موضعهما.

مسألة لا يجوز للقاضي الحكم لنفسه

وماذا يترتب عليه تجاه أصله أو فرعه؟]: ولا يجوز للقاضي أن يحكم لنفسه، كما لا يجوز أن يشهد لنفسه.
فإن اتفق بينه وبين غيره خصومة.. تحاكما إلى الإمام أو إلى بعض القضاة الذين ولاهم الإمام، فإن تحاكما إلى خليفة القاضي المخاصم.. صح؛ لـ: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تحاكم مع أبي بن كعب إلى زيد بن ثابت)، و: (تحاكم عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مع طلحة إلى جبير بن مطعم)، و: (تحاكم علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مع يهودي في درع إلى شريح).
ولا يجوز له أن يحكم لوالده وإن علا، ولا لولده وإن سفل.
وقال أبو ثور: (يجوز).
دليلنا: أنه لا تقبل شهادة له، فلم يصح حكمه له، كنفسه.
وإن تحاكم إليه والده وولده.. فهل يصح حكمه بينهما؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، كما لا يصح حكمه بين أحدهما وبين أجنبي.
والثاني: يصح؛ لأنهما سواء في البعضية منه، فارتفعت عنه تهمة الميل.
فإن أراد القاضي أن يستخلف والده أو ولده.. جاز؛ لأنهما يجريان مجرى نفسه.
وإن فوض إليه الإمام أن يختار قاضيا.. لم يجز أن يختار أحدهما، كما لا يجوز أن يختار نفسه.

مسألة أخذ الرشوة بالنسبة للقاضي

مسألة: [حرمة أخذ الرشوة]: ويحرم على القاضي أخذ الرشوة؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم».
ولأنه إذا أخذ الرشوة في الحكم ليحكم بغير الحق..

فالحكم بغير الحق محرم، وكذلك الأخذ عليه.
وإن أخذ الرشوة ليوقف الحكم.. فإمضاء الحكم واجب عليه، فحرم الأخذ على إيقافه.
وإن أخذ الرشوة ليحكم بالحق.. لم يجز؛ لأنه يأخذ الرزق من الإمام، فلم يجز له أن يأخذ عوضا آخر.
وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد والقاضي أبا الطيب قالا: إذا كان القاضي لا يأخذ رزقا من الإمام، فقال: لست أقضي بينكما حتى تجعلا لي عوضا.. جاز.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون أخذه لذلك من أحدهما ليحكم بالحق، ويجري مجرى الهدية على ما نذكرها.
وأما الراشي: فإن كان الراشي يطلب بما يدفعه أن يحكم له بغير الحق أو على إيقاف الحكم.. حرم عليه ذلك، وعليه تحمل لعنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للراشي.
وإن كان يطلب بما يدفعه وصولا إلى حقه.. لم يحرم عليه ذلك وإن كان ذلك حراما على آخذه، كما لا يحرم عليه فكاك الأسير وإن كان ذلك يحرم على آخذه.

فرع الهدية للقاضي أو العامل

]: وإن أهدي للقاضي أو إلى العامل في الصدقة هدية.. نظرت: فإن كان المهدي ممن لم تجر له العادة بالهدية إليه قبل الولاية.. حرم عليه قبول الهدية منه؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من وليناه ورزقناه فما أخذه بعد ذلك.. فهو غلول».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعمل على الصدقة رجلا من الأعراب يقال له: ابن اللتبية، فلما قدم، قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فصعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر وخطب، فقال: " ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي! ألا جلس في بيت أمه -وروي: على أريكته - فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ منها شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته».
قال ابن الصباغ: وأصحابنا يحتجون بهذا الخبر، وليس فيه حجة ظاهرة؛ لأن العامل قبل الهدية ممن له عليه الصدقة، وكلامنا فيمن لا يكون له عليه شيء.
ولأن من لم تجر العادة له بالهدية إلى القاضي قبل الولاية إذا أهدى إليه شيئا.. فالظاهر أنه أهدى له ذلك بخصومة حاضرة، فلم يجز له قبولها.
وأما إذا أهدى له من كانت له عادة بالهدية إليه قبل الولاية بقرابة أو بصداقة، فإن كانت له حكومة.. لم يجز قبولها؛ لما روي: (أن زيد بن ثابت كان يهدي إلى عمر بن الخطاب في كل عشية لبنا، ثم إنه استقرض منه من بيت المال فأقرضه مائتي دينار، فأهدى زيد لعمر من عشيته شيئا من اللبن، فلم يقبل وقال: لعله إنما قدم لنا لما أقرضناه، فلم يقبل ذلك حتى قضى زيد دينه).
وإن لم يكن له حكومة.. فهل يجوز له قبولها؟ حكى ابن الصباغ والطبري فيه وجهين:

أحدهما: لا يجوز له قبولها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هدايا العمال غلول»، وروي: «سحت» ولم يفرق.
الثاني - وهو المنصوص، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره -: (أن الأولى له أن لا يقبل؛ لجواز أن يكون قد أهدى إليه لحكومة منتظرة.
فإن قبلها.. جاز؛ لأن العادة قد جرت بإهدائه إليه لا لأجل الحكومة، فلم تلحقه التهمة).
وذكر الشيخ أبو إسحاق: إذا لم يكن له حكومة، فإن كان أكثر مما كان يهدي إليه أو رفع منه.. لم يجز له قبوله.
وإن كان مثل ما كان يهدي إليه.. جاز له قبولها.
هذا ترتيب أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: إن كان المهدي أحد المتحاكمين.. لم يجز له قبول الهدية منه.
وإن كان غير المتحاكمين، فإن كان من أهل ولايته.. لم يقبل منه، سواء كان يهدي إليه قبل الولاية أو لا يهدي إليه.
وإن كان من غير أهل ولايته.. فالأولى أن لا يقبل منه.
فإن قبل منه.. جاز، والأولى إذا قبل منه.. أن يثيبه عليها.
وإن خرج القاضي عن بلد ولايته، فأهدي إليه.. فهل يجوز له قبولها؟ فيه وجهان:

المنصوص: (أنه يجوز له قبولها)؛ لأنه هناك كسائر الرعية.
والثاني: لا يجوز له قبولها، كما لا يجوز له أخذ الرشوة هناك.
وكل موضع قلنا: لا يجوز له قبول الهدية فقبلها.. فإنه لا يملكها؛ لأنا قد حكمنا بتحريمها عليه.
وإلى من يردها؟ فيه وجهان: أحدهما: يردها إلى المهدي؛ لأن ملكه لم يزل عنها.
والثاني: يردها إلى بيت المال، وهو ظاهر المذهب؛ لأنه أهدى إليه لمكان ولايته وهو منتصب لمصلحة المسلمين، وكأن المهدي أهدى إلى المسلمين فصرف ذلك في مصالحهم.
وكذلك الوجهان في العامل إذا قبل الهدية: أحدهما: يردها إلى المهدي.
والثاني: يجعلها في الصدقات.
هذا ترتيب أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: هل يملكها المهدى إليه؟ فيه وجهان:

مسألة استجابة القاضي لدعوة الوليمة

]: إذا دعي القاضي إلى الوليمة.. فالمستحب له: أن يجيب؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو أهدي إلي ذراع.. لقبلت، ولو دعيت إلى كراع.. لأجبت».
ولأن الإجابة من فرائض الكفايات والقاضي من أهل الكفايات.
وإن كثرت عليه الدعوات إلى الولائم وكان حضوره فيها يشغله عن الحكم.. لم يحضرها؛ لأن حضورها فرض على الكفاية ولم يتعين عليه، والحكم قد تعين عليه لما صار قاضيا.
والمستحب له: أن يعتذر إلى من دعاه، ويعرفه اشتغاله بالحكم، ويسأله أن يحلله من الحضور.

ولا يختص بالإجابة قوما دون قوم؛ لأن في ذلك ميلا إلى من حضر عنده، وكسرا لمن لم يحضر عنده.
قال الطبري في " العدة ": وقد قيل: إن هذا عند تساوي أحوال أصحاب الولائم وتقارب أحوالهم وفضلهم وعلمهم وصلاحهم، فأما من ليس في درجتهم من الفساق أو السوقة.. فلا بأس عليه أن لا يجيبهم وإن كان يجيب غيرهم.
والأول هو المشهور.
هذا ترتيب أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إن دعاه الخصمان أو أحدهما إلى الضيافة.. لم يجب؛ لأن أحدهما ربما زاد في إكرامه ما لا يزيده الآخر.
وإن دعاه غير الخصمين إلى الضيافة، فإن دعاه إلى غير الوليمة.. لم يجب.
وإن دعاه إلى الوليمة، فإن كانت الدعوة حفلا؛ بأن فتح الباب لكل من أراد أن يدخل.. لم يجب.
وإن كانت الدعوة نقرى؛ بأن يخص قوما من أهل كل طائفة بأعيانهم.. لم يجب.
فإن دعا كل طائفة واستوعبهم، فإن كان الحاكم يجد من طبعه أنه يجيب غيره.. أجابه.
وإن كان يجد من طبعه أنه لا يجيب غيره.. لم يجبه.

فرع شهود القاضي الجنائز

وعيادة المرضى]: ويجوز للقاضي أن يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويأتي مقدم الغائب؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «عائد المريض على مخارف الجنة حتى يرجع»، و: «عاد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سعدا وجابرا وغلاما يهوديا كان في جواره، وعرض عليه الإسلام فأسلم»، و: «كان يصلي على الجنائز».
فإن كثر ذلك عليه، وخاف أن يشغله عن الحكم.. فله أن يفعل من ذلك ما لا يقطعه عن الحكم، ويترك ما يشغله.

والفرق بينه وبين حضور الولائم: أن الحضور في الولائم لحق أصحابها، فإذا حضر عند بعضهم دون بعض.. كان في ذلك ميل.
والحضور في هذه الأشياء لطلب الثواب، فجاز أن يحضر بعضها دون بعض.

مسألة تولي القاضي البيع ونحوه

مسألة: [كراهة تولي القاضي البيع ونحوه]: ويكره للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما عدل وال اتجر في رعيته»، وروي عن شريح أنه قال: (شرط علي عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين ولاني القضاء أن لا أبتاع، ولا أبيع، ولا أرتشي، ولا أقضي وأنا غضبان).
ولأنه إذا تولى ذلك بنفسه.. حاباه من عامله، والمحاباة بمنزلة الهدية، وقبول الهدية محرم عليه.
ولأنه إذا اشتغل بالبيع والشراء.. شوش خاطره.
وإن احتاج إلى البيع والشراء.. اتخذ وكيلا مجهولا، لا يعرف أنه وكيله؛ لئلا يحابى.
فإن عرف أنه وكيله.. استبدل به غيره.
فإن باع واشترى بنفسه.. صح؛ لأن المحاباة أمر مظنون، فلا يبطل البيع بأمر مظنون.
قال الشافعي: (وأكره للإمام النظر في أمر ضيعته ونفقة منزله وعياله، بل يوكل وكيلا؛ لأنه إذا تولى ذلك بنفسه.. اشتغل به وشوش خاطره).

مسألة القضاء في حالة الغضب والجوع

مسألة: [كراهية القضاء في حالة الغضب والجوع وغيره]: ويكره للقاضي أن يقضي وهو غضبان؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقضي القاضي [بين اثنين] وهو غضبان»، وروت أم سلمة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين.. فلا يقضين وهو غضبان».
وقال شريح: (شرط علي عمر أن لا أقضي وأنا غضبان)، وكان شريح إذا غضب.. قام ولم يقض.
ولأن الغضب يغير العقل والفهم، وذلك يمنعه من الاجتهاد ويورثه النسيان.
ويكره أن يقضي في كل حالة ويشوش فيه فهمه، مثل أن يصيبه الجوع الشديد، أو العطش الشديد، أو الغم الشديد، أو الفرح الشديد، أو النعاس الغالب له، أو كان يدافع الأخبثين، أو بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان، ولا مهموم، ولا مصاب حزين، ولا جائع».
وحكي: أن الشعبي كان يأكل مع طلوع الشمس، فقيل له في ذلك، فقال: آخذ حلمي، ثم أخرج إلى الحكم.
ولأن هذه الأشياء تمنع من التوفر على الاجتهاد، فكره فيها القضاء، كحالة الغضب.

فإن حكم في حالة الغضب.. صح؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حكم على الأنصاري في حالة الغضب».

مسألة القضاء على منصة وفي مكان واسع ومريح

مسألة: [استحباب القضاء على منصة وفي مكان واسع ومريح]: ويستحب أن يقضي في مكان بارز للناس؛ ليصل إليه كل أحد.
ويستحب أن يكون الموضع واسعا؛ لئلا يلحقه الملل والضجر من ضيقه فيمنعه من التوفر على الاجتهاد، ويلحق المتخاصمين ذلك فلا يمكنهم استيفاء الحجة.
ويستحب أن لا يكون بقربه ما يتأذى به من دخان أو رائحة منتنة وما أشبهه؛ لما روي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتب إلى أبي موسى الأشعري: (إياك والقلق والضجر)، وهذه الأشياء تفضي إلى الضجر، وتمنع الحاكم من التوفر على الاجتهاد، وتمنع الخصوم من استيفاء الحجة.
فإن حكم في هذه المواضع المكروهة.. صح حكمه، كما يصح في حال الغضب.

فرع كراهة اتخاذ المسجد محكمة

وماذا لو كان في بيته أو اتخذ حاجبا؟]: ويكره للقاضي أن يجلس في المسجد للحكم.
وبه قال عمر وابن المسيب.
وقال الشعبي ومالك وأحمد وإسحاق: (لا يكره).
وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: (يكره).
والثانية: (لا يكره إلا في المسجد الأعظم).

دليلنا: ما روى معاذ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «جنبوا مساجدكم: صبيانكم، ومجانينكم، ورفع أصواتكم، وخصوماتكم، وحدودكم، وسل سيوفكم، وبيعكم، وشراءكم».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمع رجلا ينشد ضالته في المسجد، فقال النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " لا وجدتها، إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة».
فدل على أنه ما عدا هذين ينهى عنه في المساجد.
ولأنه قد يكون في الخصوم من لا يمكنه اللبث في المسجد، كالجنب والحائض.
ولأن الخصوم يجري بينهم التكاذب والتشاتم، فينزه المسجد عن ذلك.
فإن دخل الحاكم المسجد للصلاة أو الاعتكاف، أو كان ينتظر الصلاة، فحضر خصوم.. لم يكره له أن يحكم بينهم؛ لما روي: (أن عمر حكم بين الناس في المسجد).
وروى الحسن قال: (دخلت مسجد المدينة، فرأيت عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقد كوم كومة من حصى، فوضع عليها رداءه ونام، فجاء سقاء ومعه قربه ومعه خصم له، فتحاكما إليه، فجلس وقضى بينهما).
وروي: (أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قضى في المسجد).
وإن جلس الحاكم في بيته لغير الحكم وحضره خصمان.. لم يكره أن يحكم بينهما؛ لما روي عن أم سلمة: أنها قالت: «اختصم رجلان من الأنصار في مواريث متقادمة فقضى بينهما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيتي».
وروي: (أنه كان بين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب خصومة في مواريث، فأتيا زيد بن ثابت في منزله ليحكم بينهما، فقال زيد: يا أمير المؤمنين، لو أمرتني لأجبتك، فقال عمر: في بيته يؤتى الحكم).
ولا يحتجب القاضي من غير عذر؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ولي من أمور المسلمين شيئا، فاحتجب دون فاقتهم وحاجتهم.. احتجب الله دون حاجته وفاقته وفقره».
وروي: (أن عمر ولى سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قضاء الكوفة، فقضى زمانا بلا حاجب، ثم اتخذ حاجبا، فعزل عمر حاجبه).
ولأن الحاجب لا يؤمن منه أن يقدم المتأخر من الخصوم، ويؤخر المتقدم.
فإن دعته حاجته إلى اتخاذ حاجب.. اتخذ حاجبا أمينا بعيدا من الطمع، ويوصيه بتقديم الأول فالأول من الخصوم؛ لأنه موضع حاجة.
ولا يكره للإمام أن يتخذ حاجبا؛ لـ: (أن عمر وعثمان وعليا اتخذ كل واحد منهم حاجبا)؛ لأنه موضع حاجة، ولأنه ينظر في جميع المصالح، وقد تدعوه الحاجة إلى الاحتجاب في وقت؛ لينظر في مصلحة من المصالح.

فرع اتخاذ السجن والدرة

فرع: [استحباب اتخاذ السجن والدرة]: ويستحب للحاكم أن يتخذ سجنا؛ لـ: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اتخذ سجنا)

و: (اتخذ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سجنا).
ولأنه قد يحتاج إليه للتأديب ولاستيفاء الحق به من المماطل مع الغنى.
ويستحب له أن يتخذ درة يؤدب بها؛ لأن عمر اتخذ درة يؤدب بها.

مسألة كتابة القاضي بنفسه أو يستعين بآخر وشروط الكاتب

]: فإن تولى القاضي الكتابة بنفسه بين الناس.. جاز.
وإن اتخذ كاتبا.. جاز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان له كتبة منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت.
وروي «عن زيد بن ثابت: أنه قال: قال لي النبي: " أتحسن السريانية؟ فإن اليهود يكتبون إلي وما أحب أن يقف على كتبي كل أحد " فقلت: لا، قال: " فتعلمها "، فتعلمتها في نصف شهر -وروي في بضعة عشر يوما - فكنت أقرأ كتبهم على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأكتب له إليهم».
ولأن الحاكم يشتغل بالاجتهاد وتنفيذ الحكم، وقد يحتاج إلى كاتب يكتب له المحاضر والسجلات، فجاز له اتخاذ الكاتب.
ومن شرط الكاتب أن يكون حافظا؛ لئلا يغلط وأن يكون ثقة لئلا يزور عليه وينقل عليه سره وأخبار مجلسه إلى غيره.
ويستحب أن يكون فقيها ليعرف مواقع الألفاظ، ويفرق بين الجائز والواجب.
ويستحب أن يكون فصيحا، عالما بلغات الخصوم، فطنا، متيقظا، لا يخدع بغرة، منزها من الطمع، ولا يستمال بهدية، قوي الخط قائم الحروف.
وهل يشترط أن يكون مسلما أو لا يشترط؟ فيه وجهان: أحدهما: أن الإسلام شرط فيه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: 118] [آل عمران: 118]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1] [الممتحنة: 1].
وإذا كان الكاتب كافرا.. فقد اتخذه بطانة ووليا.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» أي برأيهم.
وهذا قد استضاء بهم في الكتابة.

وروي: (أن أبا موسى قدم على عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ومعه كاتب له نصراني، فأعجب به عمر لما رأى من حفظه، فقال له: قل لكاتبك يدخل حتى يقرأ على الناس كتابا في المسجد، فقال له: إنه نصراني لا يدخل المسجد، فانتهره عمر، وهم به، وقال: لا تأمنوهم وقد خونهم الله، ولا تدنوهم وقد أقصاهم الله، ولا تعزوهم وقد أذلهم الله).
ولأنهم أعداء المسلمين، فلا يؤمن أن يكتب ما يبطل به حقوقهم.
فعلى هذا: لا يجوز أن يتخذ كاتبا فاسقا.
والثاني: أن ذلك ليس بشرط فيه، بل هو مستحب؛ لأنه لا بد أن يقف الحاكم على ما يكتب.
فعلى هذا: يجوز أن يتخذ كاتبا فاسقا.
والأول أصح.

مسألة اتخاذ شهود راتبين

مسألة: [عدم اتخاذ شهود راتبين]: ولا يجوز للحاكم أن يتخذ شهودا راتبين يسمع شهادتهم ولا يسمع شهادة غيرهم.
وقيل: إن أول من اتخذ هذا إسماعيل بن إسحاق المالكي.
والدليل -على أنه لا يجوز له ذلك -: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282] الآية.
فعم ولم يخص.
ولأن في هذا ضررا على الناس؛ لأنه ربما لا يمكن الناس إشهادهم، وربما إذا علم الشهود الراتبون أن الحاكم لا يقبل غير شهادتهم.. لا يتحملون الشهادة إلا بعوض فيؤدي إلى الضرر بالناس.

مسألة العلم بحال الشهود وصفاتهم

]: وإن ادعى رجل على آخر حقا فأنكره، وأقام عليه المدعي شاهدين بما ادعاه.. نظرت: فإن علم الحاكم فسقهما ظاهرا وباطنا، أو فسقهما في الباطن.. لم يقبل

شهادتهما.
وإن علم عدالتهما ظاهرا وباطنا.. قبل شهادتهما بلا خلاف بين أهل العلم في ذلك.
وإن جهل الحاكم حالهما.. نظرت: فإن جهل إسلامهما.. رجع في ذلك إلى قولهما؛ لما روي: «أن أعرابيا شهد عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برؤية الهلال، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " فقال: نعم.
قال: " أتشهد أن محمدا رسول الله؟ " فقال: نعم، فصام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأمر الناس بالصيام».
وإن جهل حريته.. ففيه وجهان: أحدهما: يرجع في ذلك إلى قوله، كما يرجع إليه في إسلامه.
والثاني: لا يرجع إلى قوله؛ لأن حريته لا تثبت بقوله، وإسلامه يثبت بقوله.
وإن عرف الحاكم إسلام الشاهدين وحريتهما، وجهل عدالتهما.. فلا يجوز أن يحكم بشهادتهما، حتى يبحث عن عدالتهما في الظاهر والباطن، سواء شهدا بحد أو قصاص أو مال.
وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (إن شهد بحد أو قصاص.. لم يحكم بشهادتهما حتى يبحث عن عدالتهما.
وإن شهدا بمال أو نكاح أو غير ذلك.. فإنه يقتصر في العدالة على الظاهر ولا يسأل عن ذلك في الباطن، إلا أن يجرحهما الخصم، أو يقول: هما فاسقان، أو غير ذلك.. فحينئذ يحتاج أن يسأل عن عدالتهما في الباطن).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] إلى قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]، ولا يعلم أنه مرضي حتى يبحث عن عدالته.
وروي: (أن رجلا ادعى على رجل حقا عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأنكر، فشهد بذلك شاهدان، فقال عمر: لا أعرفكما ولا يضركما أن لا أعرفكما، فأتياني بمن يعرفكما، فأتياه برجل، فقال: أتعرفهما؟ فقال: نعم، فقال: أكنت معهما في السفر الذي يتبين فيه جواهر

جارٍ التحميل