البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 45-84

كتاب الأقضية

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الناس؟ قال: لا، قال: هل عرفت صباحهما ومساءهما؟ قال؟ لا، قال: هل عاملتهما في الدراهم والدنانير التي تقطع بها الرحم؟ قال: لا، قال: يا ابن أخي ما تعرفهما.
ائتياني بمن يعرفكما).
ولا مخالف له في الصحابة.
ولأنه حكم شهادة، فلم يجز له تنفيذ إلا بعد معرفة عدالة الشهود في الباطن، كما لو شهدا بحد أو قصاص.
إذا ثبت هذا: فلا يخلو الشهود: إما أن يكون لهم عقول وسمت حسن وعفاف في الظاهر لا تسبق التهمة إليهم، أو كانوا بخلاف ذلك بحيث تسبق التهمة إليهم: فإن كانوا بحيث تسبق التهم إليهم.. فالمستحب للحاكم: أن يفرقهم قبل البحث عن عدالتهم، فإذا فرقهم.. سألهم عن الشهادة، وعن كيفية تحملها، وفي أي موضع وقعت وغير ذلك من الأمور التي يرى الحاكم السؤال عنها.
فإن اختلفوا.. علم كذبهم.
وقيل: إن أول من فرق الشهود دانيال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ وذلك: أن شهودا شهدوا عنده أن امرأة زنت، ففرقهم، ثم استدعى واحدا منهم، فشهد أنها زنت تحت شجرة كمثرى، وشهد آخر أنها زنت تحت شجرة تفاح، فعلم كذبهم، فدعا الله عليهم فنزلت نار من السماء فأحرقتهم.
وروي: (أن داود - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اتخذ حاجبا فجاءته امرأة في خصومة لها، فحجبها الحاجب وراودها عن نفسها، فامتنعت عليه، ثم وضع أربعة من الشهود فشهدوا: أن كلبا أتاها، فهم داود برجمها، فبلغ ذلك ابنه سليمان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ -، فدعا أربعة من الصبيان، فلقنهم حتى شهدوا على

امرأة أن كلبا أتاها، ثم دعاهم متفرقين، فسألهم عن كيفية الحال وصفة الكلب فاختلفوا، فبلغ ذلك داود - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فدعا بالشهود على المرأة متفرقين وسألهم عن كيفية الحال وكيفية الكلب فاختلفوا، فدرأ الحد عنها) وروي: (أن سبعة نفر خرجوا في سفر، فعاد ستة منهم وفقد السابع، فجاءت امرأته إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأخبرته، فدعاهم فسألهم فأنكروا، فأقام كل واحد منهم عند سارية ووكل به من يحفظه، ثم استدعى واحدا منهم فسأله فأنكر، فقال علي: الله أكبر ونحاه، فظن الباقون أنه قد اعترف فاعترفوا، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أما هؤلاء فقد أقروا على أنفسهم بالقتل، وأما أنت فقد شهدوا عليك بالقتل، فاعترف فقتلهم).
فدل على أن تفرقه الشهود عند الارتياب بهم مستحبة.
ولأن الشهادة إذا كانت صحيحة.. لم يختلف الشهود عند التفرقة، وإذا كانت زورا.. اختلفوا؛ لأنه قد سألهم عن شيء لم يتواطؤوا عليه.
فإن فرقهم وسألهم لم يختلفوا.. فالمستحب للحاكم: أن يعظهم ويخوفهم من شهادة الزور؛ لما روي: (أن شاهدين شهدا عند علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على رجل بالسرقة، فقال المشهود عليه: والله ما سرقت ولقد شهدا علي لتقطع يدي، فأقبل علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على الشاهدين يعظهما ويخوفهما، وازدحم الناس فدخلا في الزحمة، فدعاهما فلم يجيبا، فقال: لو صدقا لثبتا).
وروي: أن أبا حنيفة قال: (كنت عند محارب بن دثار قاضي الكوفة، فشهد عنده شاهدان على رجل بحق، فقال المشهود عليه: والذي قامت به السموات والأرض لقد كذبتما علي في شهادتكما، والذي قامت به السموات والأرض لو سألت عنهما الناس.. ما اختلف فيهما اثنان.
قال: وكان محارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا، ثم قال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي بما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار» فإن كنتما صدقتما.. فاثبتا، وإن كنتما كذبتما.. فغطيا رؤوسكما وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا).
فإن وعظهم ورجعوا عن الشهادة.. سقطت شهادتهم، وإن ثبتوا على الشهادة.. فهم بمنزلة من لهم سمت حسن وعفاف ظاهر، فيسأل الحاكم عن عدالتهم في الباطن، ولا يمكنه السؤال عنهم بنفسه، ولكنه يتخذ قوما من أصحاب المسائل، ويبعثهم للسؤال عنهم.
ويسأل عنهم في السر دون الجهر؛ لأن القصد معرفة عدالتهم دون فضيحتهم، فإن سأل عنهم جهرا ربما جرحوا فافتضحوا، ولأنه إذا سأل عنهم جهرا.. ربما استحيا المسؤول عنهم فعدلهم وليسوا بعدول، أو خاف من المشهود عليه فجرحهم وهم عدول، أو خاف من المشهود له فعدلهم وهم غير عدول، فكان السؤال عنهم في السر أولى.
فيكتب الحاكم أربعة أشياء: أحدهما: اسم الشاهد، ونسبه، وحليته، وصنعته، ومسكنه؛ حتى لا يشتبه بغيره.
والثاني: اسم المشهود عليه؛ لأنه قد يكون بينه وبين الشاهد عداوة، فلا يقبل شهادته عليه.
والثالث: اسم المشهود عليه؛ لأنه قد يكون ولده أو والده، ولا تقبل شهادته له.
الرابع: قدر المال الذي شهد به؛ لأن من الناس من يزكى في شهادته في الحق اليسير ولا يزكى في الحق الكثير.
ويكتب ذلك في رقعتين، ويدفع كل رقعة إلى رجل من أصحاب المسائل.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويخفي عن كل واحد منهم ما دفعه إلى صاحبه؛ لئلا يتواطأ على الجرح والتعديل).

ويشترط أن يكونا عدلين؛ لأن الخير لا يقبل إلا من عدل، ويكونا ذوي تيقظ وفهم؛ لئلا يسألا عدوا للشاهد ولا صديقا عن حاله؛ لأن العدو ربما جرحه وهو غير مجروح، والصديق ربما عدله وهو غير عدل.
ثم يأمرهما الحاكم يسألان عن الشاهد في جيران منزله؛ لأنه إن كان فيه فسق.. عرفه جيرانه فأخبروا عنه.
ويسألان عنه في موضع صلاته؛ لأنهم يعلمون توفره على الصلوات ولزوم الجماعة وتهاونه بها.
ويسألان عنه في سوقه؛ ليعرف كيف معاملته.
والحاكم بالخيار: بين أن يقول للذين بعثهم: اسألا فلانا وفلانا عنه، وبين أن يقول: اسألا عنه من شئتما من جيران منزله وجماعته وأهل سوقه.
ويكون المسؤولون عنه غير معروفين عند الشاهد والمشهود له والمشهود عليه؛ لأنهم إذا كانوا معروفين عند الشاهد والمشهود له.. ربما أعطاهم شيئا ليعدلوا الشاهد وهو غير عدل، وإذا عرفهم المشهود عليه.. ربما أرشاهم ليجرحوا له الشاهد وهو عدل.
ويكون المسؤولون عنه عدولا، وافري العقول، برآء من الشحناء فيما بينهم وبين الناس، بعداء من التعصب في نسب أو مذهب؛ لئلا يجرحوا عدلا ولا يعدلوا مجروحا.
والمستحب: أن لا يعرف بعضهم بعضا؛ لئلا يجمعهم الهوى على تعديل مجروح أو جرح عدل.

مسألة ثبوت الجرح والتعديل بعدلين

]: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ولا يثبت الجرح والتعديل إلا من اثنين)، واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فقال أبو إسحاق: أراد: أن التعديل لا يحكم به إلا بشهادة اثنين من الجيران، ولا يحكم به بقول أصحاب المسائل؛ لأنه شهادة على شهادة، فلم يصح مع حضور شاهد الأصل.

فعلى هذا: إذا بعث الحاكم أصحاب المسائل للبحث عن حال الشاهد، فرجع واحد منهم وأخبر الحاكم بجرح الشاهد.. فإن الحاكم لا يتوقف عن الحكم بشهادة الشاهد، ويقول للمشهود له: زدني في شهودك.
ولا يستحضر الحاكم الذي جرحه من الجيران ويسأله عنه؛ لأن الغرض معرفته بحال الشاهد دون فضيحته.
هكذا حكي عن أبي إسحاق.
وقال الشيخ أبو حامد: والذي يجيء على قياس قوله: أنه لا يتوقف عن الحكم بشهادة الشاهد حتى يخبره بالجرح اثنان.
وإن رجع واحد أو اثنان من أصحاب المسائل بعدالة الشاهد.. فإن الحاكم لا يحكم بعدالته بقولهما، ولكن يسألهما عن الذي عدله من الجيران، ويستدعي اثنين منهم ليشهدا على تعديله بلفظ الشهادة.
وقال أبو سعيد الإصطخري: بل أراد الشافعي: أن الجرح والتعديل يثبت بقول اثنين من أصحاب المسائل، وهو ظاهر النص؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (ولا يقبل إلا من اثنين ويخفي من كل واحد منهما ما دفع إلى الآخر).
وهذا إنما يكون في أصحاب المسائل دون الجيران؛ لأن المزكي من الجيران لا يلزمه الحضور إلى الحاكم للتزكية، ولا يجوز للحاكم إجباره على ذلك، فجاز الحكم بقول أصحاب المسائل في ذلك.
فعلى هذا: إذا بعث الحاكم اثنين من أصحاب المسائل للسؤال عن الشاهد على ما مضى.. نظرت: فإن رجعا فأخبرا الحاكم بعدالته.. حكم بعدالته.
وإن أخبراه بجرحه.. توقف عن الحكم بشهادته، ولا يظهر جرحه؛ لأنه ليس الغرض فضيحته، وإنما الغرض معرفة حاله، ولكن يقول للمشهود له: زدني في شهودك.
وإن جاء أحدهما فأخبر بجرحه، وأخبر الآخر بتعديله.. لم يحكم بجرحه ولا بتعديله؛ لأن الجرح والتعديل لا يثبتان بقول واحد.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويبعث ثالثا، فإن عاد بالجرح.. كملت بينة الجرح، وإن عاد بالتعديل.. كملت بينة التعديل.

وقال غيره من أصحابنا: يبعث آخرين، فإن عادا بالجرح.. ثبتت بينة الجرح وسقط التعديل.
وإن عادا بالتعديل.. تمت بينة التعديل وسقط الجرح.
وإن عاد أحدهما بالجرح والآخر بالتعديل.. قدمت بينة الجرح على بينة التعديل؛ لأن من شهد بالتعديل.. شهد بأمر ظاهر، ومن شهد بالجرح.. شهد بأمر باطن خفي على بينة التعديل، فقدمت شهادته، كما لو شهد شاهدان: أن لرجل على رجل دينارا، وشهد آخر: أنه قد قضاه ذلك الدين.. فإن بينة القضاء تقدم.
قال أصحابنا: ولا تقدم بينة التعديل على بينة الجرح إلا في مسألتين: إحداهما: إذا شهد شاهدان على رجل بالجرح في بلد آخر، وانتقل ذلك الرجل إلى بلد آخر وشهد شاهدان على تعديله بالبلد الذي انتقل إليه.. فيقدم التعديل هاهنا؛ لأن العدالة هاهنا طارئة على الجرح، والتوبة ترفع المعصية.
الثانية: إذا شهد اثنان أنه زنى أو سرق، وشهد آخران أنه تاب من ذلك وحسنت حالته.. فإن العدالة هاهنا مقدمة؛ لأن التوبة رفعت المعصية.
واختلف أصحابنا في موضع الوجهين في اعتبار العدد في أصحاب المسائل: فقال ابن الصباغ: الوجهان إذا عين الحاكم لهم من يسألونه، فأما إذا لم يعين لهم من يسألونه وإنما رد إليهم الأمر.. فإن العدد شرط فيهم وفيمن يسألونه، فلا يقبلا إلا من اثنين، فإن عادوا إليه فشهدوا بالجرح أو التعديل بشهادة أنفسهم، فيسمع ذلك من اثنين.
وقال سائر أصحابنا: لا فرق بين أن يعين لهم من يسألونه أو لا يعين لهم، فالحكم في اعتبار العدد فيهم على الوجهين.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يكون المزكي واحدا).
دليلنا: أنه إثبات صفة، فافتقر إلى العدد، كالحصانة في الزاني والمقذوف.

فرع تفسير الجرح ضروري لقبوله

]: ولا يقبل الجرح إلا مفسرا، فإن قال: هو مجروح أو فاسق.. لم يحكم بجرحه في ذلك.
وقال أبو حنيفة: (يحكم بجرحه).
دليلنا: أن الناس مختلفون فيما يفسق به الإنسان وما يصير به مجروحا: فمنهم من يقول: إن من شرب النبيذ مستحلا بشربه.. يفسق به، ومن وطئ في نكاح المتعة.. يصير به فاسقا.
ومنهم من قال: لا يفسق به، فلم يجز أن يقبل من الشاهد مطلقا؛ لجواز أن يكون قد اعتقد فسقه بشيء لا يرى الحاكم أنه يفسق به، والاعتماد على اجتهاد الحاكم.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولقد شهدت بعض من يعرف بالصلاح وهو يجرح رجلا فصرح بجرحه، وقيل له: بم جرحته؟ فقال: لا يخفى علي ما يجرح به الشهود، فألح عليه في ذلك، فقال: رأيته يبول قائما، فقيل: ما في ذلك؟ فقال: ينضح البول على ثيابه، فيصلي ولا يغسله، فقيل له: رأيته يصلي ولا يغسله؟ فقال: أراه يفعل ذلك).
فدل على أنه لا بد من ذكر السبب.
إذا ثبت هذا: فسئل الجارح عن سبب الجرح، فذكر أن الشاهد زنى.. لم يكن قاذفا، سواء كان بلفظ الشهادة أو بغير لفظ الشهادة؛ لأنه لم يقصد بشهادته إثبات الزنى ولا إدخال المعرة عليه بالقذف، وإنما قصد بيان صفته عند الحاكم ليتبين للحاكم حكمه، فلم يجب عليه الحد.

فرع الجرح بالمعاينة أو السماع

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يقبل الجرح إلا بالمعاينة أو بالسماع).
واختلف أصحابنا في تأويل هذا:

فقال الشيخ أبو حامد: تأويلها على قول أبي إسحاق: إن صاحب المسألة إذا أخبر الحاكم بالجرح.. لا يعتمد على قوله، ولكن يستدعى الذي جرح من الجيران فيسأله عن ذلك، ولا يقبل منه الجرح إلا أن يصف معاينة فيقول: رأيته يزني أو يشرب، أو: إلى السماع، فيقول: أقر عندي بذلك.
وأما على قول أبي سعيد: فإنه يعتمد على قول أصحاب المسائل في الجرح، فإذا شهد صاحب المسألة أنه زنى أو سرق أو غير ذلك.. لم يسأله الحاكم أنه شاهد ذلك منه أو سمعه، ولكن لا يجوز لصاحب المسألة أن يشهد بذلك إلا إذا شاهده يفعل ذلك، أو سمع ذلك مستفيضا في الناس أنه زان فاسق، فيجوز له أن يجرحه بذلك.
وقال ابن الصباغ: ليس للحاكم أن يسأل الشاهد إذا شهد بالجرح من أين شهد بذلك بل يسمع منه الشهادة لا غير، كما يسمع شهادته في سائر الأشياء.
وقول الشافعي عائد إلى صاحب المسألة؛ فإنه لا يصير عالما إلا بمشاهدة منه لذلك أو بسماع متواتر، فإن لم يكن متواترا ولكن شاع في الناس.. فيجوز له أن يؤدي الشهادة مطلقا، كما يشهد بالموت والنسب.
فأما إن كان بخبر الواحد والعشرة.. فلا يصير عالما بذلك لكنه يشهد عند الحاكم بما يسمع ويكون شاهد فرع والذي يسمع منه شاهد أصل، ولا يثبت شاهد الأصل إلا باثنين.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أنه يجوز أن يكون الذي يخبر أصحاب المسائل من الجيران واحدا إذا وقع في نفوسهم صدقه، ويجب أن يشهد أصحاب المسائل عند الحاكم على شروط الشهادة.

فرع قبول عدالة الشاهد بقول المزكي

: هو عدل لي وعلي]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يقبل التعديل حتى يقول: هو عدل علي ولي).
واختلف أصحابنا في هذا: فقال أبو سعيد الإصطخري: يكفي أن يقول: هو عدل.
وبه قال أبو علي الطبري وأهل العراق؛ لأن القصد إثبات عدالته عند الحاكم، وعدالته تثبت بذلك، وقول الشافعي: (علي ولي) تأكيدا لا شرطا.
وقال أكثر أصحابنا: إن قوله: (علي ولي) شرط في التعديل، واختلفوا في تعليله: فقال أبو إسحاق: إن قوله: عدل لا ينبئ عن العدالة في كل شيء، بل يجوز أن يكون عدلا في شيء دون شيء، كما يجوز إذا قلت للإنسان: أنت صادق.. جاز أن يكون صادقا في شيء دون شيء، فإذا قال: عدل علي ولي.. ثبتت عدالته على الإطلاق.
ومنهم من قال: لأن التزكية لا تقبل إلا ممن تقبل شهادته له، ولا تقبل من الولد والوالد.
وكذلك الشهادة بالجرح، لا تقبل إلا ممن تقبل شهادته عليه ولا تقبل من العدو.
فأما إذا قال: عدل علي ولي.. انتفى بذلك أن يكون بينهما ولادة أو عداوة.
وهذا أشبه؛ لأن من كان عدلا في شيء دون شيء لا يوصف بالعدالة ولا يفتقر في التعديل إلى ذكر السبب الذي صار به عدلا؛ لأن أسبابها في الظاهر والباطن لا تنضبط.
فإن قال المزكي: لا أعلم منه إلا خيرا.. لم تحصل بذلك التزكية.
وحكي عن أبي يوسف: أن التزكية تحصل بذلك.
دليلنا: أنه لم يصرح بالعدالة، فلا يكون تعديلا، كما لو قال: أعلم فيه خيرا.

ولا يقبل التعديل إلا ممن له خبرة باطنة وخبرة طويلة بالشاهد؛ لأن المقصود معرفة حال الشاهد في الباطن، وذلك لا يدركه إلا من خبر باطنه وطالت خبرته به، فأما من يعرفه في شهر أو شهرين.. فلا يقبل منه التعديل؛ لأنه ربما يكون قد تقدم منه فسق لم يعرفه، فلم يقبل تزكيته.
وأما الشهادة بالجرح: فتقبل ممن يخبر باطنه وممن لا يخبر باطنه؛ لأن الجرح يحصل بفعل واحد، فإذا علمه.. جرح به.

فرع الجهر بتزكية الشاهد بعد السؤال عنه سرا

فرع: [طلب الحاكم الجهر بتزكية الشاهد بعد السؤال عنه سرا]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويسأل عمن جهل عدالته سرا، فإذا عدل.. سأل عن تعديله علانية؛ ليعلم أن المعدل سرا هو هذا؛ لئلا يوافق اسمه اسما).
واختلف أصحابنا في تأويل هذا على حسب اختلافهم في المزكين: فقال أبو إسحاق: أراد به: أن أصحاب المسائل إذا أخبروا الحاكم بعدالة الشاهد سرا.. لا يقتصر على ذلك، بل يحضر المزكين من الجيران ويقول لهم: هذا الذي سألناكم عن عدالته، فيخبروه عن عدالته جهرا؛ لئلا يوافق اسمه اسما آخر ونسبه نسبا آخر.
وقال أبو سعيد الإصطخري: وأراد بذلك: أن أصحاب المسائل إذا أخبروا الحاكم بعدالة الشاهد سرا.. سألهم عن عدالته جهرا.
وإن ادعى رجل على رجل حقا فأنكره، فشهد له بذلك شاهد مجهول الحال عند الحاكم، فقال المشهود عليه: هو عدل.. فهل يجوز للحاكم أن يحكم عليه بشهادته؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن البحث عن عدالته لحق المشهود عليه، وقد شهد له بالعدالة.
والثاني: لا يجوز أن يحكم بشهادته حتى يبحث عن عدالته؛ لأن اعتبار العدالة في الشهادة حق لله تعالى؛ ولهذا: لو رضي المشهود عليه بالحكم عليه بشهادة الفاسق..

لم يجز للحاكم أن يحكم بذلك.
ولأن الحكم بشهادته حكم بتعديله، والتعديل لا يثبت بقول واحد منهما.
وإن عرف الحاكم عدالة الشاهد في وقت ثم شهد عنده بعد ذلك.. نظرت: فإن كان بينهما مدة قريبة، كاليوم واليومين والثلاث.. فإنه يحكم بشهادته ولا يفتقر إلى السؤال عنه؛ لأن عدالته لا تتغير في مثل ذلك، والأصل بقاؤها إلى أن يعلم خلافها.
وإن مضى له مدة طويلة.. ففيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: يحكم بشهادته ولا يسأل عن حالته؛ لأن عدالته قد ثبتت، والأصل بقاؤها إلى أن يعلم خلافها.
[والثاني]: قال أبو إسحاق: لا يحكم بشهادته حتى يسأل عن عدالته؛ لأن مع طول الزمان قد يتغير الحال.
فعلى هذا: ليس له حد مقدر، ولكن يرجع في ذلك إلى العرف والعادة في كل مدة يجوز أن يتغير حال الإنسان فيها.
وحكى أبو إسحاق: أن بعض الناس قال: يسأل عنه في كل ستة أشهر.
وليس هذا مذهبنا، ولكن على ما يراه الحاكم.

فرع شهادة المسافرين

]: وإن شهد مسافران عند الحاكم بشهادة وهو لا يعرفهما.. لم يحكم بشهادتهما حتى يزكيهما رجلان من أهل الرفقة، أو من أهل البلد ممن يعرفهما الحاكم.
وقال مالك: (إذا رأى الحاكم فيهما سيماء الخير.. حكم بشهادتهما وإن لم يعرف عدالتهما في الباطن ولا زكاهما من يعرفهما).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282] ومن لا يعرف عدالته غير مرضي.
ولأن عدالتهما في الباطن مجهولة عند الحاكم، فلم يصح الحكم بشهادتهما، كشاهدي الحضر.

مسألة حضور أهل الفقه عند القاضي لمشاورتهم

]: والمستحب: أن يكون بحضرة القاضي قوم من أهل الفقه من أهل مذهبه وغيرهم، حتى إذا حدثت حادثة.. ألقاها عليهم؛ ليذكر كل واحد منهم ما عنده فيها فيسهل عليه الاجتهاد فيها إذا سمع حجتهم.
وهو بالخيار: إن شاء.. أقعدهم معه في مجلسه، وإن شاء.. أقعدهم بالقرب من مجلسه حتى إذا احتاجهم.. استدعاهم.
فإن حكم بحكم لم يشاورهم فيه.. فليس لأحد منهم أن ينكر عليه؛ لأنه افتيات عليه، إلا أن يحكم بما يخالف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي.
وإذا أراد الحاكم أن يحكم بشيء، فإن كان أمرا واضحا لا يحتاج فيه إلى الاجتهاد؛ مثل الحكم الذي دل عليه النص: وهو الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي.. فإنه يحكم به ولا يشاور به من بحضرته من الفقهاء؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدا، فلم يحتج فيه إلى المشاورة.
وإن كان يحتاج فيه إلى الاجتهاد.. فالمستحب له: أن يشاور فيه من بحضرته من الفقهاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] قال الحسن: إن كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لغنيا عن مشاورتهم ولكن أراد: أن يستن الحكام بعده بذلك، ولم يرد أنه يشاورهم في الشرع:؛ لأن الشرع يؤخذ منه، وإنما أراد أن يشاورهم في تدبير الحرب.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38] وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شاور الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في أسارى بدر، فقال بعضهم: يقتلون، وقال بعضهم: يفادون».
و: «شاور أهل المدينة يوم الخندق فيما قاله مالك بن عوف».
و: (شاور أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في الجدة).
و: (شاورهم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في الجنين).
ولأن الإنسان لا يحيط علما بالشرع كله، وإنما يعلم البعض، وقد يخفى عليه البعض، فربما ذكر له من يستشيره ما يخفى عليه منه.
ولا يستحب له أن يشاور إلا من بلغ درجة الاجتهاد في الفقه؛ لأن القصد معرفة الأدلة، وهذا لا يدركه إلا من بلغ مبلغ الاجتهاد.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويشاور الموافق والمخالف، ويذكر كل واحد ما عنده فيها من المذهب والدليل؛ ليسهل عليه الاجتهاد).
وإذا شاور من عنده، وذكروا ما عندهم.. نظرت: فإن اتفق اجتهاد الحاكم واجتهادهم.. حكم بذلك ولا كلام.
وإن أداه اجتهاده إلى خلاف ما أداهم اجتهادهم إليه.. حكم بما أداه اجتهاده إليه، وليس لهم أن يعترضوا عليه؛ لأن في ذلك افتئاتا عليه.
وإن لم يؤد اجتهاده إلى شيء.، فإن كان الوقت ضيقا وخاف فوات الحكم إن اشتغل بالاجتهاد؛ بأن تحاكم إليه مسافران وخاف إن اشتغل بالاجتهاد فوات الرفقة.. فهل يجوز له أن يقلد غيره؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو العباس: يجوز له أن يقلد غيره ويحكم بقوله.
[والثاني]: قال أكثر أصحابنا: لا يجوز.
وأصل هذا الاختلاف بينهم: في البصير إذا لم يعرف القبلة وضاق عليه الوقت.. هل له أن يقلد غيره؟ فإن كان الوقت واسعا.. فلا يجوز له أن يقلد غيره ويحكم به،

وكذلك: لا يجوز للعالم أن يقلد غيره فيما يعمل به ولا فيما يفتي به وإن كان من يقلده أعلم منه.
قال أبو حنيفة: (يجوز للحاكم أن يقلد غيره ويحكم به)، وكذلك: (يجوز للعالم -عنده - أن يقلد غيره فيما يعمل به، ولا يجوز له أن يقلد غيره ليفتي به).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] [النساء: 59]، فأمر بالرد عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة، فمن قال: إنه يرد إلى التقليد.. فقد خالف ظاهر الآية.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: " بم تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله، قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله» ولم

يذكر التقليد.
ولأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قد اختلفوا في مسائل كثيرة، فما روي أن أحدا منهم قلد أحدا.
ولأن كل واحد منهم معه آلة للاجتهاد، فلم يجز لأحدهم تقليد الآخر، كالعالم والعامي في معرفة الله تعالى.

مسألة الاجتهاد في الأصول والفروع وأقوال العلماء في تعدد الحق فيهما

]: إذا اجتهد اثنان أو أكثر في حادثة، فأدى كل واحد منهم اجتهاده إلى خلاف ما أدى الآخر اجتهاده إليه.. نظرت: فإن كان ذلك في أصول الدين؛ مثل الرؤية، وخلق القرآن، وخلق الأفعال، وما أشبه ذلك.. فإن الحق في واحد من الأقوال؛ لأن الله تعالى قد نصب دليلا عليها كلف المجتهد إصابته، فإن أخطأه.. كان مذموما عند الله، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال عبيد الله بن الحسن العنبري: كل مجتهد في ذلك مصيب.
وهذا خطأ؛ لأن الخلاف في ذلك يعود إلى الاعتقاد، ولا يجوز أن يعتقد اثنان في شيء واحد اعتقادين مختلفين ويكونا مصيبين.
وإن كان في الفروع.. اختلف أهل العلم فيه على ثلاثة مذاهب:

فـ[الأول]: منهم من قال: الحق عند الله في واحد من الأقوال وقد نصب الله عليه دليلا وأمر بالتوصل إليه والنظر فيه، فمن أداه اجتهاده إليه.. كان مصيبا عند الله ومصيبا في الحكم، وله أجران: أجر لاجتهاده وأجر لإصابته الحق.
وإن أخطأه.. كان مخطئا عند الله مخطئا في الحكم، إلا أنه لا يأثم وله أجر.
وبه قال مالك وجماعة من أهل العلم.
و [المذهب الثاني]: منهم من قال: الحق عند الله تعالى في واحد من الأقوال، فمن أداه اجتهاده إليه.. كان مصيبا عند الله في الحكم، وله أجران.
فإن أخطأه.. كان مخطئا عند الله ومصيبا في الحكم وذلك فرضه وله أجر عليه.
وبه قال أبو حنيفة وأهل العراق.
و [المذهب الثالث]: منهم من قال: كل مجتهد مصيب، والحق في قول كل واحد من المجتهدين، وفرض كل واحد من المجتهدين ما يغلب على ظنه ويؤديه إليه اجتهاده.
وبه قالت الأشعرية والمعتزلة وأكثر المتكلمين.
واختلف أصحابنا في حكاية مذهب الشافعي في ذلك: فذهب أبو إسحاق المروزي، والقاضي أبو الطيب، وأكثر أصحابنا: إلى أن مذهبه هو الأول، قولا واحدا.
ومنهم من قال: بل له في ذلك قولان: أحدهما: أن الحق عند الله في واحد من الأقوال، إن أصابه.. كان مصيبا للحق عند الله وفي الحكم، وإن أخطأه.. كان مخطئا عند الله وفي الحكم، ولا إثم عليه.
والثاني: أن الحق عند الله في واحد من الأقوال، إن أصابه المجتهد.. كان مصيبا عند الله وفي الحكم، وإن أخطأه.. كان مخطئا عند الله مصيبا في الحكم.
واختار الشيخ أبو حامد هذا الطريق، قال: لأن للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - مسائل مثلها على قولين: منها: إذا اجتهد في القبلة، فصلى إلى جهة، ثم تيقن بعد الفراغ منها أنه صلى إلى غير جهة القبلة.

ومنها: إذا اجتهد الأسير فصام شهرا، فبان أنه صام قبل شهر رمضان.
ومنها: إذا دفع الصدقة إلى من ظاهره الفقر، ثم بان أنه غني.
والمشهور من المذهب هو الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79] [الأنبياء: 79].
وذلك: (أن غنما لقوم دخلت كرم قوم فأفسدته، فترافعوا إلى داود - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فأخبر سليمان - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بذلك، فقال: لا، ولكن يدفع الغنم إلى صاحب الكرم لينتفع بها ويدفع الكرم إلى مالك الغنم ليعمره، فإذا عاد إلى حالته.. رده إلى صاحبه، وردت الغنم إلى صاحبها، فبلغ ذلك داود، فرجع إليه، فأخبر الله سبحانه: أنه فهم القضاء سليمان.
فلو كان الحق في قول كل واحد منهما.. لكان كل واحد منهما قد فهم القضاء).
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب.. فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ.. فله أجر واحد».
فجعل أحدهما مصيبا والآخر مخطئا.
ولأنه فاضل بينهما في الثواب، فدل على اختلافهما في الإصابة.
إذا ثبت هذا: فإن المخطئ يؤجر للخبر، وبماذا حصل له الأجر؟ فيه وجهان حكاهما أصحابنا العراقيون، وحكاهما الخراسانيون قولين: أحدهما: أنه يؤجر على قصد الاجتهاد، كمن اشترى عبدا فأعتقه، فبان حرا.. فإن عتقه لم يقع موقعه ولكنه يؤجر على القصد، وكما لو رمى رجلان كافرا، فأصابه أحدهما.. فإن المصيب يؤجر للقصد والإصابة، والمخطئ يؤجر للقصد.
والثاني: أنه يؤجر للاجتهاد، كرجلين سلكا إلى الجامع أو إلى مكة طريقين بالاجتهاد، فضل أحدهما عن الطريق فلم يصل.. فإنه يؤجر على ما أتى به من الفعل.
والأول أصح.

مسألة تبين خطأ الحاكم بعد الحكم

وإن حكم الحاكم بحكم، ثم بان أنه أخطأ في ذلك الحكم، أو رفع إليه حكم غيره، وبان أنه أخطأ في حكمه.. نظرت: فإن كان الحكم الأول مما لا يسوغ فيه

الاجتهاد؛ مثل أن يكون قد خالف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي.. نقض الحكم الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] [النساء: 59].
وأراد به الكتاب والسنة.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] [المائدة: 49].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10] [الشورى: 10].
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «من أدخل في ديننا ما ليس فيه.. فهو رد».
يعني: مردودا.
وعن عمر: أنه قال: (ردوا الجهالات إلى السنة)، وكتب إلى أبي موسى: (لا يمنعنك قضاء قضيت به، ثم إذا راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شيء، وإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل).
وروي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى قال له الضحاك بن قيس: «كتب إلي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها».
فرجع عمر.
«وروي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان يفضل دية الأصابع بعضها على بعض، فقيل له: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: في كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل.
فرجع عن ذلك».
فإن كان الحكم الأول مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ بأن لم يخالف نص الكتاب أو السنة، أو إجماعا، أو قياسا جليا.. لم ينقضه على نفسه أو على غيره؛ لما روي: (أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حكم في مسائل باجتهاده، ثم خالفه عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيها ولم ينقض ما حكم به أبو بكر).
وروي: أن عمر قال: (لا أشرك بين الإخوة من الأب والأم، وبين الإخوة من الأم، ثم شركهم، فقيل له في ذلك، فقال: ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي).
وروي عنه: (أنه قضى في الجد بسبعين قضية)، وقيل: بمائة قضية، وكذلك روي عن علي ولا مخالف لهما في ذلك.
ولأن الاجتهاد الثاني كالأول، فلو نقض الأول بالثاني.. أدى إلى أن لا يثبت حكم؛ لأنه قد يتغير الثاني إلى غيره.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: واختلف أصحابنا في مسائل لأبي حنيفة: هل ينقض الحكم فيها على أصحاب أبي حنيفة، منها: النكاح بلا ولي، والحكم ببيع أم الولد، وحصول اللعان بأكثر كلمات اللعان، وحيث قالوا: لا تقبل شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، وقولهم: لا قصاص بين طرف الرجل والمرأة، وقولهم: لا يجب الحد بوطء الأم بالنكاح، وحكمهم بالشفعة للجار فمن أصحابنا من قال: ينقض حكمهم في ذلك كله؛ لأن الخطأ ظاهر في ذلك بدليل قاطع من الكتاب والسنة.
ومنهم من قال: لا ينتقض حكمهم في ذلك؛ لأن الخطأ فيها إنما ظهر بقياس غير جلي.
وأما إذا بان له الخطأ في اجتهاده قبل أن ينفذ حكمه.. فلا يجوز أن يحكم بالاجتهاد الأول؛ لأنه يعتقده خطأ، فلا يجوز له الحكم به.

مسألة لا يتعقب القاضي حكم الذي قبله

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وليس للقاضي أن يتعقب حكم من قبله).
وجملة ذلك: أن القاضي إذا عزل وولي بعده قاض، فإن كان الأول لا يصلح للقضاء.. نقضت أحكامه كلها، أصاب فيها أو أخطأ؛ لأنه لا يصح حكمه.
وإن كان يصلح للقضاء.. فلا يجب على الثاني أن يتصفح أحكامه من غير متظلم؛ لأن الظاهر منها الصحة.
وهل يجوز له أن يتصفحها من غير متظلم؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن فيه احتياطا.
والثاني: لا يجوز؛ لأن فيه ضربا من التجسس.

فإن خالف وتصفحها ووجد فيه منتقضا.. قال ابن الصباغ: فإن كان يتعلق بحق الله؛ كالطلاق والعتاق.. نقضها؛ لأن النظر في حقوق الله تعالى إليه.
وإن كان يتعلق بحق آدمي له عليه ولاية نقضها؛ لأنه لا مطالب له بحقه غيره.
وإن كان يتعلق بحق آدمي لا ولاية له عليه.. لم يجز نقضه؛ لأنه لا يستوفى من غير مطالبة من له الحق.
وإن تظلم منه متظلم وسأل القاضي أن يحضره.. لم يجز للقاضي الثاني أن يحضره حتى يسأل المتظلم منه عن دعواه عليه؛ لأنه ربما لا يكون له عليه حق، وإنما قصد ابتذاله بالحضور، وللقاضي أعداء، فلم يجز إحضاره من غير تحقيق الدعوى.
وإن سأله عما يدعي عليه، فقال: غصب مني مالا، أو عليه لي دين، أو أخذ مني رشوة على حكم.. أحضره إلى مجلسه وحكم بينهما بذلك.
وإن قال: حكم علي بغير الحق، أو حكم علي بشهادة عبدين أو فاسقين.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه يحضره، كما لو قال: غصب مني مالا.
والثاني: لا يجوز له إحضاره حتى يقيم البينة بما ادعاه؛ لأن المحكوم عليه بذلك لا يتعذر عليه إقامة البينة عليه.
فإذا قلنا بهذا: فاختلف أصحابنا في كيفية الشهادة التي لا يجوز إحضاره إلا بها: فمنهم من قال: لا يحضره حتى يقيم بينة على إقرار القاضي المعزول: أنه حكم عليه بغير حق، أو على حكمه بشهادة عبدين فاسقين؛ لأن من شرط البينة أن تكون موافقة للدعوى.
ومنهم من قال: إذا أقام بينة: أنه قضى عليه قضاء ما.. أحضره؛ لأنه يتعذر عليه إقامة البينة على ما زاد على ذلك.
فإن قلنا: لا يحتاج إلى البينة في إحضاره، أو قلنا: يجوز أن يحضره إذا أقام عليه بينة: أنه قضى عليه قضاء ما، فأحضره بذلك.. نظرت: فإن أقر: أنه حكم عليه

بغير حق، أو أقر: أنه حكم عليه بشهادة فاسقين أو عبدين.. لزمه الضمان.
وإن أنكر فأقام المدعي بينة ذلك.. لزمه الضمان.
وإن قال: ما حكمت عليه إلا بشهادة حرين عدلين.. فالقول قول القاضي المعزول مع يمينه، وهل يقبل قول من غير يمين؟ فيه وجهان: أحدهما -وهو قول أبي سعيد -: أنه يقبل قوله من غير يمين؛ لأن قوله: (قضى علي) إقرار له بالأمانة، والأمين إذا ادعيت عليه خيانة.. قبل قوله من غير يمين.
والثاني: لا يقبل قوله من غير يمين، وهو الأصح؛ لجواز أن يخاف من اليمين فيقر فيلزمه الغرم.
هذا مذهبنا: وقال أبو حنيفة: (إذا أقر أنه قضى عليه.. لزمه الضمان حتى يقيم البينة أنه قضى عليه بحق).
دليلنا: أن قوله: (قضى علي) إقرار منه بالأمانة له، والأمين إذا ادعيت عليه خيانة.. كان القول قوله كالمودع.
وإن قال المدعي: جار علي في الحكم.. نظر الحاكم فيما حكم عليه به: فإن كان مما لا يسوغ فيه الاجتهاد.. نقضه.
وإن كان مما يسوغ فيه الاجتهاد، فإن أدى الثاني اجتهاده إلى ما أدى الأول اجتهاده إليه.. نفذ حكمه وأمضاه.
وإن أداه اجتهاده إلى خلاف ما أدى الأول اجتهاده إليه بعد.. ففيه قولان يأتي بيانهما.

فرع الادعاء على القاضي المعزول بالقتل أو إخراج العقار ظلما

]: قال ابن القاص: إذا ادعى رجل على القاضي المعزول: أنه قتل ابنه ظلما.. فإنه يستحضره ويسأله، فإن أقر.. حكم عليه بموجب إقراره، وإن أنكر فأقام عليه المدعي بينة.. حكم له، وإن لم يكن له بينة.. لم يستحلف القاضي المعزول.

قال ابن الصباغ: وهذه يجيء فيها الوجهان، كالوجهين في التي قبلها: أحدهما: لا يحضره إلا ببينة.
والثاني: يحضره من غير بينة.
وهل يحلف القاضي؟ على الوجهين في التي قبلها أيضا.
وإن قال المدعي: أخرج من يدي عقارا أو عينا فدفعها إلى فلان بغير حق، فقال المعزول: بل فعلت ذلك بحق.. كان القول قول المعزول بلا يمين.
وأما الذي في يده العقار أو العين، فإن صدق القاضي بأنه حكم له بذلك.. لم يقبل قوله من غير بينة.
وهل يكون قول القاضي بعد عزله: حكمت له بذلك شهادة مقبولة؟ فيه وجهان: أحدهما: تكون شهادته مقبولة؛ لأنه ليس فيه أكثر من أنه شهد على فعل نفسه بما لا يجز به إلى نفسه نفعا فقبل، كما لو شهدت المرضعة على إرضاعها.
والثاني: لا تكون شهادة مقبولة؛ لأن شهادته بالحكم تضمنت إثبات العدالة لنفسه، فلم يصح.
وإن قال الذي في يده العقار أو العين هذا ملكي.. لم يحكم لي به القاضي.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الظاهر مما في يده أنه يملكه.

فرع شهدا على رجل بطلاق ونحوه فادعى كذبهما وطلب إحضارهما

قال ابن الصباغ: إذا شهد شاهدان على رجل بعتاق أو طلاق أو حد، فادعى عليهما أنهما شهدا عليه في ذلك زورا وسأل إحضارهما.. فإنهما يحضران؛ لجواز أن يقرا فيلزمهما الغرم.
فإذا حضرا، فإن أنكرا، فأقام المدعي عليهما البينة.. لزمهما الغرم، وإن لم يقم بينة بذلك.. فإنهما لا يستحلفان؛ لأن إحلافهما يطرق عليهما الدعوى في الشهادة والامتهان، وربما منع ذلك من إقامة الشهادة.

مسألة آداب القضاء وهيئة القاضي

]: وإذا أراد القاضي الخروج إلى مجلس حكمه.. فإنه يخرج راكبا إن كان له مركوب، وإن لم يكن له مركوب.. خرج ماشيا.
ويستحب له أن يدعو بما روت أم سلمة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا خرج من بيته.. قال: " اللهم إني أعوذ بك من [أن أضل أو أضل] أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي».
ويسلم على من في طريقه من المسلمين في يمينه ويساره وبين يديه؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " يسلم الراكب على القائم والماشي، والقائم على القاعد، والماشي على القائم، والقليل على الكثير».
فإذا بلغ إلى موضع حكمه، فإن كان قد سبق إليه قوم.. سلم عليهم؛ لما ذكرناه من الخبر.
فإن لم يكن مسجدا.. لم تسن له الصلاة لتحيته، وإن كان مسجدا.. سن له أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس.
فإذا أراد أن يجلس.. بسط له بساط ليجلس عليه؛ لأنه أهيب له.
ويجلس منفردا على الناس؛ ليهتدي إليه الخصوم.
ويستحب له أن يجلس مستقبل القبلة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير المجالس ما استقبل به القبلة».

ويستحب أن يجلس وعليه السكينة والوقار؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى رجلا متكئا على يساره، فقال: " هذه جلسة المغضوب عليهم».
ويستحب أن يكون على رأسه محضر يقدم المتقدم من الخصوم، ويؤخؤ المتأخر، ويكون ثقة أمينا؛ لئلا يقدم المتأخر ويؤخر المتقدم.
ويكون القمطر بين يديه مختوما؛ ليجعل فيه ما يجتمع من المحاضر والسجلات.
وإن كان له كاتب.. فهو بالخيار: إن شاء أجلسه عنده، وإن شاء أجلسه بالبعد منه.
فإن أجلسه عنده.. فالمستحب: أن يجلسه بين يديه؛ لينظر ما يكتب ولا يحتاج أن يلتفت إليه.
وإن أجلسه بالبعد منه وأقر الخصم.. بعثه إليه ليكتب إقراره.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويكتب الحاكم اسم المقر؛ لئلا يجحد الإقرار عند الكاتب).
قال أبو بكر الصيرفي: كنت عند بعض الحكام، فتقدم إليه خصمان، فادعى أحدهما على الآخر، فأقر المدعى عليه بذلك، فبعث بهما إلى الكاتب ليكتب إقرار المقر منهما، فلما حصلا عند الكاتب.. قال كل واحد منهما للآخر: أنت الذي أقررت، فردا إلى الحاكم، فلم يعرف عين المقر منهما، فضاع الحق المقر به.
ويستحب للقاضي أن يجمع الشهود في موضع قضائه، فإن قلنا: إن للقاضي أن يحكم بعلمه.. فهو بالخيار: إن شاء أجلسهم بحضرته، وإن شاء أجلسهم بالبعد منه حتى إذا احتاج إلى إشهادهم.. أحضرهم.
وإن قلنا: ليس له أن يقضي بعلمه..

احتاج أن يجلسهم بالقرب منه ليسمعوا كلام المتخاصمين، فيحفظوا إقرار المقر منهما، فيشهدوا عليه إذا أنكر الإقرار.

مسألة للقاضي النظر في المسجونين

مسألة: [يستحب للقاضي النظر في المسجونين أو لا ثم الأهم فالأهم]: وإذا جلس القاضي في مجلس حكمه.. فالمستحب: أن يبدأ بالنظر في المحبسين؛ لأن الحبس عذاب، وربما يكون فيهم من يجب إطلاقه، فينفذ ثقة إلى حبس القاضي الذي كان قبله، ويكتب اسم كل محبوس ولمن حبسه وبماذا حبس في رقعة، ثم يأمر القاضي مناديا فينادي في البلد يومين أو ثلاثا على قدر البلد، فيقول المنادي: ألا إن فلان بن فلان القاضي يريد النظر في أمر المحبسين في موضع كذا وكذا، وفي وقت كذا وكذا، فمن كان له محبوس.. فليحضر ذلك الوقت.
فإذا كان ذلك الوقت وحضر القاضي وحضر الناس.. ترك الرقاع التي فيها أسماء المحبسين بين يديه، ومد يده وأخذ واحدة منها ونظر اسم من فيها من المحبسين، وقال: من خصم فلان بن فلان؟ فإذا قال رجل: أنا.. بعث معه ثقة إلى الحبس فأخرج خصمه، ويفعل ذلك في قدر ما يعلم أنه يمكنه النظر بينهم في ذلك اليوم، فيخرجهم من الحبس ولا يخرج معهم غيرهم، وينظر فيهم الأول فالأول.
فإذا حضر المحبوس وخصمه.. فإن الحاكم لا يسأل خصم المحبوس بم حبسه؛ لأن الظاهر أنه حبسه بحق، ولكن يسأل المحبوس، فيقول له: بم حبست؟ فإن قال: حبست له بدين وأنا مقر علي به.. فإن الحاكم يقول له: اقضه دينه وإلا رددناك إلى الحبس.
فإن قال: حبست له بدين وأنا مقر به إلا أني معسر، فإن كان الدين قد ثبت عليه بعوض؛ مثل القرض أو البيع، أو ثبت عليه من غير عوض؛ كالمهر أو الجناية، إلا أنه قد عرف له مال.. لم يقبل قوله: إنه معسر من غير بينة؛ لأن الأصل بقاء المال في

يده.
فإن لم يعرف له مال.. فالقول قوله مع يمينه: إنه معسر؛ لأن الأصل فيه الإعسار، فإذا حلف.. أمر القاضي من ينادي: هل له خصم غيره؟ فإذا كان له خصم يدعي عليه جناية أو حدا.. نظر بينهما، وإن لم يحضر له خصم.. أطلقه من غير استحلاف بأنه لا خصم له؛ لأن الظاهر أنه لا خصم له غيره.
وإن أقام خصمه بينة أن للمحبوس الدار الفلانية، فإن صدقه المحبوس.. فلا كلام، وإن قال: ليست لي، وإنما هي لغيري، ولم يعين المقر له.. لم يلتفت إلى إقراره وبيعت في الدين.
وكذلك إن قال: ليست لي ولا أدري لمن هي.. لم يلتفت إلى قوله وبيعت، وقضى صاحب الدين دينه من ثمنها.
وإن قال: هي لزيد.. نظرت: فإن كذبه زيد.. لم يلتفت إلى إقراره وبيعت، وقضى صاحب الدين دينه من ثمنها.
وإن ادعى زيد أنها له، فإن أقام زيد بينة أنها له.. حكم له بها؛ لأنه معه بينة وقد أقر له صاحب اليد -وهو المحبوس - باليد، فاجتمع له بينة ويد.
فإن لم يكن مع زيد بينة.
ففيه وجهان: أحدهما: لا تباع في الدين، بل يحكم بها لزيد؛ لأن البينة شهدت بملكها للمحبوس وهو لا يدعيها، فلم يحكم له بها، وقبل إقراره بها لزيد؛ لأنها في يده.
والثاني: تباع في الدين؛ لأن البينة شهدت للمحبوس بالملك، وللخصم بقضاء الدين من ثمنها، فإذا أسقط المحبوس حقه.. بقي حق الخصم.
فإذا قلنا: تباع.. بيعت.
أو قلنا: لا تباع.. فإنه ينادي عليه: هل له خصم آخر، فإن لم يحضر له خصم آخر.. أطلق من غير استحلاف.
فإن قال المحبوس: حبست في حق واجب في بدني، إما قصاص أو حد.. فيستوفى

ذلك الحق منه، ثم ينادى عليه: هل له خصم آخر، فإن لم يحضر له خصم آخر.. خلي من غير استخلاف.
وإن قال المحبوس: حبست بحق شهد به علي شاهدان لم تثبت عدالتهما، فإن قلنا: يجوز حبسه لذلك.. رده إلى الحبس إلى أن يكشف عن عدالة الشاهدين.
وإن قلنا لا يجوز حبسه لذلك.. أمر من ينادي عليه: هل له خصم، فإن لم يحضر له خصم.. خلاه.
وإن قال المحبوس: حبسني بقيمة كلب قتلته عليه على قول مالك، أو بقية خمر أتلفتها على ذمي على مذهب أبي حنيفة.
فإن أدى هذا الحاكم اجتهاده إلى ما أدى الأول اجتهاده إليه في ذلك.. أنفذ حكم الأول وأمضاه.
وإن كان أداه اجتهاده إلى خلاف اجتهاد الأول في ذلك.. فالحكم في هذا كالحكم في القاضي إذا تصفح حكم القاضي قبله فوجد في حكمه ما يسوغ فيه الاجتهاد وخالف اجتهاده اجتهاده، وفي ذلك قولان: أحدهما: يمضي حكم الأول؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله.
والثاني: لا يمضيه؛ لأنه يعتقد بطلانه، ولا ينقضه؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله، ولكن يتوقف فيه ويجتهد أن يصطلحا بينهما.
وعلى القولين يرد المحبوس إلى الحبس.
وإذا قال المحبوس: حبست لغير خصم.. فإن الحاكم يأمر مناديا ينادي: من كان خصما لفلان بن فلان فليحضر، فإن حضر رجل وقال: أنا خصمه وحبس لي، فإن أقر المحبوس بذلك.. نظر بينهما على ما مضى، وإن أنكر وقال: لست بخصم له ولا أعرفه، فإن كان مع المدعي بينة تشهد أنه حبس بحقه.. كان الجواب على ما مضى.
وإن لم يكن معه بينة.. قيل للمدعي: ادع عليه الآن، ويحكم الحاكم بينهما.

وإن لم يظهر له خصم.. لم يطلقه الحاكم من الحبس حتى يحلفه: أنه لم يحبس لخصم له عليه حق؛ لأن الظاهر أنه لم يحبسه إلا بحق عليه.
فإذا فرغ الحاكم من النظر في أمر المحبسين.. نظر في أمر الأوصياء؛ لأنهم ينظرون في أمر من لا يمكنه أن يطالب بحقه.. فيستدعي الوصي ويسأله عن وصيته، فإن أقام بينة أن الحاكم الأول قد أنفذ الوصية إليه.. لم يعزله ولم يسأل عن حاله؛ لأن الظاهر أنه لم ينفذ الوصية إليه إلا وهو ممن يصلح أن يكون وصيا، إلا أن يظهر فسقه فيعزله؛ لأن العدالة شرط في الوصي.. وإن كان عدلا ضعيفا.. ضم إليه الحاكم عدلا أمينا لينظر معه.
فإن لم يقم البينة أن الأول أنفذ الوصية إليه، إلا أنه قد أقام البينة على أن الوصية إليه.. نظر الحاكم فيه: فإن كان عدلا قويا.. أنفذ الوصية إليه، وإن كان فاسقا.. عزله وجعل الأمر إلى عدل قوي، وإن كان عدلا ضعيفا.. ضم إليه غيره.
وإن كان قويا ولم يثبت عنده فسقه ولا عدالته.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: يقر المال في يده؛ لأن الظاهر منه أنه لما أوصي إليه أنه عدل أمين.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: ينزع المال من يده حتى يعلم عدالته؛ لأن الذي رضيه ليس بحاكم يسكن إلى فعله، والأصل عدم العدالة حتى تعلم.
وإن ادعى رجل: أن فلانا أوصى له بالنظر في أولاده، ولم يقم على ذلك بينة.. لم يقبل قوله؛ لأن الأصل عدم الوصية إليه.
فإن كان عدلا قويا.. فالأولى للحاكم أن يجعل أمرهم إليه؛ لجواز أن يكون قد أوصى إليه بهم.
وإن جعل أمرهم إلى غيره.. جاز.
وكذلك: إذا قامت بينة عند الحاكم أن رجلا أوصى بتفرقة ثلث ماله إليه، وادعى

آخر: أنه أوصى إليه بذلك ولم يقم بينة على ذلك.. فهو كما لو ادعى: أنه أوصى إليه بالنظر في أولاده الصغار، ولم يقم بينة على ذلك على ما مضى.
وإن ادعى فاسق: أن رجلا أوصى إليه بدفع شيء من ماله إلى قوم، فدفعه إليهم، وأقام بينة على ذلك.. نظرت: فإن كانت الوصية لقوم معينين وقد وصل إليهم ما وصى لهم به وهم من أهل القبض.. صح الدفع إليهم، ولا ضمان عليه؛ لأن المقصود وصول ذلك إليهم وقد وصل.
وكذلك لو أخذهم الموصى لهم بأنفسهم.. صح قبضهم.
وإن كانت الوصية لغير معينين؛ مثل: أن أوصى للفقراء والمساكين، فأوصل إليهم.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: لا يلزمه الضمان؛ لأنه دفع المال إلى مستحقه، فأشبه إذا كانت الوصية لمعينين.
والثاني - وهو المشهور -: أنه يلزمه الضمان؛ لأن التفرقة على هؤلاء تفتقر إلى الاجتهاد، والفاسق ليس من أهل الاجتهاد، فإذا فرق.. لزمه الضمان.
قال ابن الصباغ: وإن أقام رجل البينة أن فلانا أوصى بثلث ماله ولم يوص إليه، لكنه فرقه خوفا عليه، فإن كانت الوصية لمعينين.. فلا ضمان عليه، وإن كان لغير معينين.. ففيه وجهان، ودليلهما ما مضى.
فإذا فرغ القاضي من النظر في أحوال الأوصياء.. نظر في أمر الأمناء -والأمين: من نصبه الحاكم لينظر أمر الأطفال والمجانين والسفهاء ويعرفه بيت المال - فمن كان منهم من أهل الولاية والنظر.. أقره، ومن علم فسقه.. عزله وأقام غيره مقامه، وإن عرف ضعفه مع عدالته.. ضم إليه غيره.
فإذا فرغ من النظر في ذلك.. نظر في اللقطة والضالة، فمن كانت عنده.. أمره بتعريفها إن اختار تملكها، وإن لم يختر تملكها.. أمر أمينا بقبضها وحفظها على صاحبها، فما خاف عليه التلف.. باعها وحفظ ثمنها، وما لا يخاف عليه التلف.. حفظه على صاحبه.

قال ابن الصباغ: وإن رأى أن يخلط الضالة بمال بيت المال، حتى إذا جاء صاحبها أعطاه قيمتها من بيت المال.. فعل.
ثم ينظر في الأوقاف العامة، وغير ذلك من المصالح، يبدأ الأهم فالأهم.
وبالله التوفيق

باب ما على القاضي في الخصوم والشهود

المستحب: للقاضي أن يقدم رجلا إلى مجلس حكمه، يكتب أسماء الحاضرين للدعوى، الأول فالأول.
فإذا حضر القاضي وقد حضر هناك جماعة من الخصوم، أو حضروا بعد جلوسه في مجلس الحكم.. فإنه يقدم الأول في الحضور في الحكم؛ لأن له مزية بالسبق، والاعتبار بسبق المدعي في الحضور دون المدعى عليه؛ لأن الحق للمدعي.
وإن حضر مدعيان أو مدعون في وقت واحد، أو سبق بعضهم بعضا، وأشكل السابق منهم.. أقرع الحاكم بينهم، فمن خرجت له القرعة.. قدم.
وإن شاء الحاكم.. كتب اسم كل واحد منهم في رقعة، وجعلها بين يديه مطوية، ومد يده إلى واحدة منها، فمن خرج اسمه.. قدمه في الحكم؛ لأنه لا مزية لبعضهم على بعض.
وإن ثبت التقديم لأحدهم بالسبق أو بالقرعة، فاختار من ثبت له التقديم أن يقدم غيره على نفسه.. جاز؛ لأن الحق له.
فإذا ثبت التقديم لواحد، فنظر الحاكم في خصومة بينه وبين رجل، فقال له المدعي: لي دعوى أخرى.. لم يسمع منه؛ لأنه قد قدمه لسبقه في خصومة، فيقدم من بعده، ويقول له: اجلس حتى إذا لم يبق أحد من الحاضرين.. نظرت في دعواك هذه.
فإذا نظر فيهم واحدا بعد واحد، فقال الأخير -بعد أن نظر بينه وبين خصمه -: لي دعوى أخرى.. لم يسمع منه هذه الدعوى حتى يسمع الدعوى الثانية من الأول؛ لأنه قد سبق إليها، ثم يسمع الدعوى الثانية من الأخير.
هذا ترتيب أصحابنا العراقيين.

وقال الخراسانيون: إذا ثبت التقديم لواحد وله خصمان.. لم يقدم إلا في الدعوى على أحدهما، ولا يمكن من الدعوى على الثاني حتى تخرج له القرعة الثانية، وإن أراد أن يدعي بالدعوى الثانية على الخصم الذي ادعى عليه بالأولى.. فهل يمكن منها قبل خروج القرعة له ثانيا؟ فيه وجهان.

مسألة حضر مسافرون ومقيمون عند القاضي أو نساء ورجال

]: وإن حضر عند القاضي مسافرون ومقيمون للحكم.. نظرت: فإن سبق المسافرون.. قدمهم لسبقهم.
وإن حضر المسافرون والمقيمون في وقت واحد، فإن كان المسافرون قليلين لا يدخل على المقيمين ضرر بتقديمهم وهم على الخروج.. جاز للحاكم أن يقدمهم على المقيمين.
وحكى الشيخ أبو إسحاق وجها آخر: أنه لا يجوز له تقديمهم إلا برضا المقيمين؛ لتساويهم في الحضور.
والأول هو المنصوص؛ لأن الله تعالى خص المسافرين بالتخفيف في العبادة، فجاز للحاكم تقديمهم.
قال ابن الصباغ: وإن سبق المقيمون المسافرين في الحضور، والمسافرون قليلون.. جاز للحاكم تقديم المسافرين؛ لما ذكرناه.
وإن كان المسافرون كثيرون يساوون أهل البلد أو يزيدون عليهم.. لم يجز للحاكم تقديمهم على المقيمين؛ لأن على المقيمين ضررا بتقديمهم عليهم.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وكذلك إذا حضر رجال ونساء في وقت واحد.. جاز للحاكم أن يقدم النساء على الرجال.

فرع سبق أحد الخصمين في الدعوى أو ادعاؤهما دفعة واحدة

]: فإن حضر خصمان عند القاضي، فادعى أحدهما على الآخر بدعوى، فقال المدعى عليه: أنا الذي أحضرته لأدعي عليه.. قدم السابق بالدعوى؛ لأنه قد ثبت له السبق بالدعوى، فإن أجاب عن دعواه.. كان له أن يدعي عليه.
وإن حضر خصمان وادعى كل واحد منهما على الآخر دفعة واحدة.. فقد حكى ابن المنذر اختلاف الناس فيه: فمنهم من قال: يقرع بينهما.
ومنهم من قال: يقدم الحاكم من شاء.
ومنهم من قال: يصرفهما الحاكم إلى أن يصطلحا.
ومنهم من قال: يسمع منهما، ويحلف كل واحد منهما: أنه سبق صاحبه.
قال الشيخ أبو حامد: ولا نص فيها، والذي يجيء على أصلنا: أنه يقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، فأقرع بينهما، كما لو جاءا في وقت واحد.

مسألة تسوية الحاكم بين الخصمين

]: ويسوي الحاكم بين الخصمين في دخولهما عليه، فلا يقدم أحدهما على الآخر في الدخول عليه للحكم، وفي الإقبال عليهما، ورد السلام، والاستماع منهما، ولا يرفع صوته على أحدهم دون الآخر؛ لما روت أم سلمة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ابتلي منكم بالقضاء بين المسلمين.. فليسو بين الخصمين في المجلس، والكلام، والإشارة، والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين دون الآخر».

وروي: أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري: (آس بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك).
وروي: (أنه كان بين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبين أبي بن كعب حكومة، فترافعا إلى زيد بن ثابت ليحكم بينهما، فقال زيد: لو أمرنا أمير المؤمنين لأتيناه، فقال عمر: (في بيته يؤتى الحكم، فأومأ زيد إلى مخدة، فقال عمر: هذا جور! سو بيننا في المجلس، فلما توجهت اليمين على عمر.. جعل زيد يشفع إلى أبي بن كعب ويقول: لو عفوت عن أمير المؤمنين عن اليمين، فقال عمر: ما تدري ما القضاء حتى تسوي بين الخصمين).
ولا مخالف له، ولأنه إذا قدم أحدهما عن الآخر بشيء من ذلك.. انكسر قلب الآخر، وربما عجز بذلك عن إيراد حجته.
فإن كان الخصمان مسلمين أو كافرين.. أجلسهما بين يديه؛ لما روى ابن الزبير: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى أن يقعد الخصمان بين يدي القاضي».
ولأنه أمكن للقاضي في الإقبال عليهما.
وإن كان أحدهما مسلما والآخر كافرا.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق والمسعودي [في " الإبانة "]: أحدهما: يسوي بينهما في المجلس كما يسوي بينهما في دخولهما عليه وإقباله عليهما.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد والصباغ غيره -: أنه يرفع المسلم عليه في المجلس؛ لما روي: أن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رأى درعه مع يهودي، فقال: هذه درعي، سقطت مني يوم الجمل، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، فترافعا إلى شريح ليحكم بينهما، فلما رآه شريح.. قام من مجلسه وأجلسه فيه،

وجلس شريح مع اليهودي بين يديه، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لولا أني سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا تسووا بينهما في المجلس، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشيعوا جنائزهم، واضطروهم إلى أضيق الطرق» لجلست معه بين يديك.
إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في ذلك: واجب أو مستحب؟ فذكر الشيخ أبو حامد: أنه يجب على الحاكم أن يسوي بينهما في الدخول والإقبال والاستماع والمجلس؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (وينبغي للقاضي أن ينصف بين الخصمين في المدخل عليه للحكم والإنصات).
وقال ابن الصباغ: هو مستحب غير واجب.

فرع لا يضيف القاضي أحد الخصمين وغير ذلك مما فيه ميل لأحدهما ظاهر

]: قال الشافعي: (ولا ينبغي أن يضيف الخصم دون خصمه).
وجملة ذلك: أنه لا يجوز للقاضي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر؛ لما روي: أن رجلا ورد على علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فأقام عنده أياما، ثم إنه أدلى بخصومة -يعني: ذكر خصومة - فقال علي: ألك خصم؟ قال: نعم، قال: تحول عنا؛ فإني سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا يضيف القاضي أحد الخصمين إلا ومعه خصمه».

ولأنه إذا ضيف أحدهما.. انكسر قلب الآخر، وربما لا يمكنه استيفاء حجته.
ولا يسار أحدهما دون الآخر؛ لأن ذلك يكسر قلب الآخر.
ولا يجوز له أن يلقن أحدهما حجته؛ لأن عليه أن يسوي بينهما، وإذا لقن أحدهما الإقرار.. أضر به، وإن لقنه الإنكار.. أضر بخصمه الآخر.
وكذلك لا يجوز له أن يلقن الشاهد الامتناع من الشهادة إذا أراد أن يشهد؛ لأن فيه إضرارا بالمشهود له، ولا يلقنه الشهادة إذا رآه ممتنعا منها؛ لأن فيه إضرار بالمشهود عليه.
ويجوز للقاضي أن يدفع ما وجب على أحد الخصمين من مال نفسه؛ لأن في ذلك نفعا لهما، ويجوز له أن يشفع لأحدهما إلى الآخر بالإنظار أو بالإسقاط؛ لما روي: «أن بريرة لما أرادت أن تفسخ النكاح.. قال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لو راجعتيه؛ فإنه أبو ولدك " فقالت: أبأمرك يا رسول الله؟ قال: لا، إنما أنا شفيع».
فدل على: أنه يجوز للحاكم أن يشفع، وأن للمشفوع إليه أن يجيبه وله أن يرده، فلا ضرر عليه في ذلك.
ولا يجب على القاضي أن يسوي بين الخصمين في محبة القلب، بل لو أحب أحدهما ولم يظهر منه ذلك بقول ولا فعل.. لم يأثم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: 129] [النساء: 129]. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (أي: لا تتبعوا أفعالكم أهواءكم).
وإذا ثبت هذا في النساء؛ لأنه لا يمكنه ذلك.. ثبت بين الخصمين مثله.

فرع لا ينتهر القاضي أحد الخصمين أو كلاهما أو شاهدا إلا بحق

]: ولا يجوز للقاضي أن ينتهر الخصمين أو أحدهما، ولا يصيح عليهما؛ لأنه إذا فعل ذلك.. انكسر قلب من انتهره، وربما منعه ذلك من استيفاء حجته.
فإن بان من أحد الخصمين لدد، وهو: الالتواء في الخصومة وشدة الخصومة، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204] [البقرة: 204]، وقال الله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: 97] [مريم: 97]، وذلك بأن لا يستوي على وجهة واحدة؛ مثل: أن يسأل الحاكم أن يستحلف له خصمه، فلما استحلفه بعض اليمين.. قال له: اقطع اليمين، فلي بينة أقيمها، فانصرف، ثم عاد ورفعه ثانيا ولم يقم عليه بينة وما أشبه ذلك، فإذا فعل الخصم ذلك مرة.. نهاه الحاكم عن ذلك، فإن عاد إليه.. زجره بالكلام، فإن فعله ثالثا.. أدبه بالضرب أو بالحبس على ما يرى فيه من المصلحة.
فإن أغلظ الخصم للحاكم بالقول؛ مثل أن يقول: جرت علي في الحكم أو حكمت علي بغير حق وما أشبه ذلك.. فعلى الحاكم ما يرى فيه من المصلحة من تعزيره أو ترك تعزيره.
فإن كان الخصم جاهلا يرى أن ترك تعزيره للعجز عنه.. عزره؛ لئلا ينبسط عليه بأكثر من ذلك.
وإن كان عاقلا، إلا أنه أخطأ في ذلك.. زجره بالكلام.
ولا يتعنت شاهدا، وهو: أن الحاكم متى شهد عنده شاهدان وتوسم فيهما سيما الخير والعدالة.. لم يفرقهما، ولم يسألهما: أين شهدتما؟ ولا في أي موضع شهدتما؟.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا ينتهر شاهدا ولا يعنفه).
و (الانتهار): أن

يصيح عليه، و (التعنيف) هو: أن يداخله في كلامه ويتعقبه في ألفاظه؛ لأن ذلك كله يكسر قلب الشاهد ويمنعه من إقامة الشهادة، وربما دعاه ذلك إلى ترك تحمل الشهادة خوفا من ذلك الأذى، فيؤدي إلى ضياع الحقوق.

مسألة وجوب القدوم لدعوة القاضي وماذا لو استعدى إليه رجل

؟]: إذا كان بين رجلين خصومة، ودعا أحدهما الآخر إلى مجلس الحاكم.. وجبت عليه الإجابة إلى الحكم ومدح من أجاب إلى الحكم، فقال: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: 48] [النور: 48].
وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51] [النور: 51].
وإن استعدى رجل الحاكم على رجل في البلد.. وجب عليه أن يعديه، سواء بين دعواه أو لم يبين.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان الرجل المستعدى عليه من أهل الصيانة والمروءة واستعدى عليه من يتهم أنه قصد ابتذاله بذلك.. لم يستحضر إلى مجلس الحاكم، لكن ينفذ إليه الحاكم من يحكم بينهما ويحلفه له إن وجبت له عليه يمين في مسجده أو منزله.
والمشهور هو الأول، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (لا يعديه عليه إلا إذا علم أن بينهما معاملة).
وروي ذلك عن علي كرم الله وجهه.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»، ولم يفرق بين أن يكون بينهما معاملة أو لا يكون بينهما معاملة.
ولأنه قد يكون له عنده وديعة أو عارية جحدها، أو غصب منه شيئا، فوجب عليه أن يعديه عليه، كما لو علم بينهما معاملة.

والمستحب: أن يكون عند القاضي خواتم من طين على كل واحد منها مكتوب اسمه، أو: أجب القاضي فلانا، فيدفع إلى من استعداه خاتما من تلك الخواتم ليدفعه إلى الذي استعدى عليه، فإذا دفعه إليه.. وجب عليه أن يجيب معه للآية.
قال أبو العباس: فإذا حضر، فإن كان الرجل من أهل الصيانة والمروءة.. أدخله القاضي إلى داره وحكم بينهما هناك صيانة له.
وإذا دفع إليه الختم وامتنع من الحضور أو كسر الختم.. بعث إليه القاضي عونا من أعوانه وسأله أن يحضر، فإن حضر، وإلا.. أرسل القاضي إلى صاحب الشرطة ليحضره، وإذا حضر.. سأل القاضي شاهدين على امتناعه عن الحضور أو على كسر الخاتم.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويسأل عن عدالتهما ويحقق السؤال، فإذا ثبت ذلك.. عزره على حسب ما يرى في حاله من الزجر بالكلام أو كشف العمامة أو الحبس أو الضرب).
فإن اختفى على من يحضره.. بعث القاضي من ينادي على بابه ثلاثة أيام: أنه إن لم يحضر.. سمر بابه وختم عليه.
ويستحب له: أن يجمع أماثل جيرانه ويشهدهم على إعدائه، فإن لم يحضر، وإلا.. سمر بابه وختمه.
وقال ابن القاص: ومذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنه يوكل عليه وكيلا بعد أن يبعث الحاكم من ينادي على بابه بحضرة شاهدي عدل: إن لم يحضر مع خصمه فلان بن فلان، وإلا.. وكل عليه.
والمستحب: أنه يعزز إليه في ذلك ثلاثا، فإن لم يحضر.. وكل عليه وكيلا ليناظر عنه المدعي، فإن ثبت عليه حق ووجد له مالا.. قضاه منه.
وإن كان الحق على بدنه وعرف له مكانا.. أمر القاضي بالاقتحام عليه،

فينفذ الخصيان والغلمان الذين لم يبلغوا والثقات من النساء، ويبعث معهم ذوي عدل من الرجال، فيدخل النساء والغلمان، فإذا حصلوا في صحن الدار.. دخل الرجال، ويؤمر الغلمان والنساء بالتفتيش عنه، والنساء يتفقدن النساء، فإذا وجد.. أخرج، وحكم عليه بما وجب عليه.
وأما إذا كان المستعدى عليه غائبا عن البلد، فإن كان في بلد ليس للقاضي المستعدى إليه ولاية عليها.. لم يجب عليه الإعداء عليه، بل لو أقام عليه المدعي البينة وحكم عليه القاضي.. كان حكما على غائب على ما يأتي بيانه.
وإن كان في بلد ولاية القاضي المستعدى إليه، فإن كان للحاكم في ذلك البلد خليفة.. لم يحضره بل يكتب إلى خليفته لينظر بينهما، فإن لم يكن هناك خليفة له، وهناك رجل من الرعية يصلح للقضاء ورأى القاضي أن يكتب إليه لينظر بينهما.. فعل.
وإن أراد أن ينفذ من يحكم بينهما هناك.. فعل.
وإن لم يمكن شيء من ذلك وسأل الخصم إحضاره.. نظرت: فإن لم يحرر دعواه.. لم يجز له إحضاره؛ لجواز أن يدعي عليه بما لا حق عليه، مثل أن يقول: سعى بي إلى السلطان، أو يدعي عليه بالشفعة للجار، أو بقيمة كلب، والحاكم لا يرى وجوب ذلك.
ويخالف الحاضر في البلد حيث قلنا: يلزمه أن يعديه عليه وإن لم يحرر الدعوى عليه؛ لأنه لا مشقة على من في البلد في الحضور، وعلى الغائب عن البلد مشقة في الحضور.
وإن حرر دعوى صحيحة عليه.. وجب على القاضي أن يعديه عليه، سواء كانت المسافة بينهما قريبة أو بعيدة.
وقال أبو يوسف: لا يحضره إلا إذا كان يمكنه أن يحضر وينصرف في يومه.
وقال بعض الناس: لا يحضره إلا إذا كانت في مسافة يوم وليلة، ولا يحضره إذا كانت المسافة أكثر من ذلك.
وقال بعضهم: يحضره من مسافة ثلاثة أيام، ولا يحضره في مسافة أكثر من ذلك.

جارٍ التحميل