العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 365-375

كِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،

صفحات 365-375

لانتفاع الأوَّلِينَ بحضوره، وإنْ كان يُؤمَنُ، لم يستحِقَّ فهذا وجهٌ ثالثٌ، وعلى قياسِ المسألَة، قال الحَنَّاطِيُّ -رحمه الله-: "إذا أقاموا عَلَى حصْنٍ، وأشرفوا عَلَى فتحه، فَلَحِقَ مَدَدٌ قَبْلَ الفتح، شاركوهم في الغنيمة، وإن فَتَحُوا، ودخلوا آمِنِينَ، ثم جاءَهُمُ المدَدُ، لم يَشارِكُوهم".
الثانية: إذا غاب بعضُهُمْ في أثناء القتال منْهزِمَاً، لم يَعُدْ حتَّى انقضَى القتالُ، فلا حقَّ له وإنْ عاد قبل انقضائه، استحَقَّ من المحوز بعد عَوْدِهِ، دون المحوز قبل عَوْده، هكذا ذكره في "التهذيب" وقياسه أن يُقَالَ فيمن حَضَر قبل انقضاءِ القتال.
إِنَّه لا حقَّ له في الغنيمةِ المحوزةِ قبل حضوره، وكذلك نقله أبو الفَرَج الزاز عن بعض الأصحاب، وإنْ أطلقنا في المسألة السابقةِ 1، أنه يستحِقُّ، ولم يفصل، وإنْ وَلى مُتَحَرِّفَاً لقتال أو مُتَحَيِّزَاً إلَى فئة، لم يبطُلْ حقُّه عَلَى تفصيل مذكور في "السير" ومن هَربَ ثم ادَّعَى أنه كان مُتَحَرِّفاً أو متَحَيِّزاً، فالجواب في الكتاب أنَّه يصدَّق بيمينه، وقال في "التهذيب": إنْ لم يَعُدْ إلاَّ بعد انقضاء القتال، لم يصدَّق؛ لأنَّ الظاهرَ خلافُهُ 2، وإنْ عاد قبله، صُدِّق بيمينه، فإِنْ حَلَف، استحَقَّ من الكُلِّ، وإنْ نَكَلَ، لم يستحقَّ إلا من المحوز بَعْدَ عوده 3. الثالثة: إذا ماتَ واحدٌ من الغانمين قبل الشُّرُوع في القتال، فلا حَقَّ له، وإذا مات فَرَسُهُ، فليس له سهْمُ الفرس، وإنْ كان ذلك بَعْدَ دخوله دارَ الحَرْب فارساً، ولو سرق فرسه، أو عار، أو خرج من يده ببيعٍ أو هبة، فهو كما لو ماتَ، وفيما إذا عار وجهٌ: أنه يستحقُّ سهمه، نقله الشيخ أبو حامد، وضعفه.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-:"إذا دخل دارَ الحَرْب فارساَ، ثم مَاتَ الفرسُ، استحق سَهْمَ الفرس".
وعنْه فيما لو باعه أو وَهَبَهُ روايتان، واحتجَّ الأصحابُ بأنَّه حيوانٌ يُسْهَمُ له، فإذا مات قبل الشُّرُوع في القتال، لم يُسْهَمْ له كالفارس، لكن أقضى القضاة المَاوَرْدِيُّ روي عن أبي حنيفة -رحمهما الله- في: "الأحكامِ السُّلْطَانِيَّةِ": أنه إذا ماتَ هو، أو فرسَهُ بعد دخول دار الحَرْب، "يُسْهَمُ له" فسوَّى بين موت الفارِسِ ومَوْتِ الفرس، ولو مات واحدٌ منهم بَعْدَ انقضاءِ القتالِ، وحيازةِ المَالِ، انتقل حقُّه إِلَى ورثته وإنْ لم يدْخُلوا بَعد دارِ الإسْلاَم؛ خلافاً لأَبي حنيفة -رحمه الله- ولو مات فرسُهُ في هذه الحالةِ، استحَقَّ سهم الفرس، وَلو مات الغانمُ بعد انقضاء القتالِ، وقبل حيازة المال، فوجهان قال في "التهذيب":

أصحهما: انتقال حقِّه إلَى ورثته أيضاً، ويجري الوجهانِ فيما إذا مات فرسُهُ في هذه الحالة هلْ يستحقُّ سهم الفرس لحُصُولِ الغنائم بحضوره فارساً، وإنْ مات في أثناء القتالِ، فالحكاية عن النصِّ سقوطُ حقه، وفيما إذا مَات فرسه في أثناء القتالِ: أنه يستحِقُّ سهم الفرس، وللأصحابِ فيها طُرُقٌ: أظهرها: تقريرُ النصَّيْن؛ فرقاً بأنَّ الفارس متبوعٌ، فإذا مات فات الأصل، والفرس تابع؛ فإذا مات، جاز أنْ يبقَى سهمه للمتبوع.
والثاني: أنَّ فيهما جميعاً قولين: وجْه الاستحقاقِ: شهودُ بعْضِ الوقعة، ووجْهُ المَنْع: اعتبارُ آخر القتال؛ فإنَّه وقت الخَطَر؛ والظَّفر.
وعن الشيخ أبي زيد: أنه إنْ حصَلَتْ حيازة المال بنصب قتالٍ جديدٍ، فلا استحقاقَ، لا في موت الفرس، ولا في موت الفارس، وعليه يُحْمَلُ نصه في موت الفارسِ، وِإنْ أفضَى ذلك القتالُ إلى الحِيَازَةِ، ثبت الاستحقاقُ في الصورتَيْنِ، وعليه يحمل لَهُم في صورة الفَرَسِ.
الرابعةُ: إذا شهد الوقْعَةَ صحيحاً، ثمَّ مرضَ نُظِر: إنْ كان مرضاً لا يمتنع معه القتالُ؛ كالحُمَّى الخفيفةِ، والصُّدَاعُ أو كان يرجَى زوالُه، لم يبطُلْ حقُّه، وإنْ كان غير ذلك؛ كالزَّمَانة، والفَالج، والعمَى، فقولان، أو وجهان: أحدهما: يبطُلُ، لخروجه عن أهليَّةِ القتالِ، كما لو مات.
والثاني: المَنْع؛ لأنه يُنْتَفَعُ برأيه ودُعَائِهِ بِخِلاَفِ الميِّت؛ ولأنه يحتاج إلى العلاج والإياب؛ بخلاف الميت، وفي إبطالِ حقِّه ما يمنعه عن الجهادِ، وهذا أصحُّ عند صاحب "التهذيب" وغيره وإيراد الكتاب يُشْعِرُ بترجيح الأول؛ وهو الذي أورده القاضي ابن كج، ولو جُرحَ في الحَرْب، ففي "التهذيب" يُنَزَّلُ منزلةَ المرضِ، فينظرُ في الجراحةِ، وحصول الأثخان بها، وعدمه، وفي "الشَّامل" وغيره ترتيبُ الجراحةِ على المَرضَ، إنْ قلنا: يستحقُّ المريضُ، فالمجروحُ أولَى، وإلا، ففيه خلافٌ؛ لأنَّ ما أصابه إنَّما أصابه بسبب الحرب، فلا يحسُنُ حرمانُهُ، ثم الأكثرون أطلَقُوا القَوْل في رجاءِ الزوال وعدمه، وحكَى بعض أصحاب الإمام: أنَّ المعتبر رجاءُ الزوال قبل انْجِلاءِ القتال 1، وإذا لم يستحقَّ المريضُ، فَيَرْضَخُ له، وكذلك ذكره الحَنَّاطِيُّ وآخرون، والمريض بعد إنقضاء القتال؛ وقَبْلَ حيازةِ الغنيمةِ، على الخلافِ الَّذي سَبَقَ في المَوْت.
الخامسة: المُخَذِّلُ للجَيشِ يُمْنَعُ من الخروج مع الناس، والحُضُور في الصفِّ،

فإن حضر، لم يُعْطَ شيئاً، لا السَّهْم، ولا الرَّضْخ؛ لأنَّ ضرر حضورِهِ فَوْقَ ضرر انهزامِ المُنْهَزِمِ؛ والمخذِّل هو الذي يُكثِرُ الأَراجِيفَ؛ وَيُكَسِّر قُلُوبَ الناسِ، وَيُثَبطهُم، فيقول: لا تنفروا في الحر؛ وإنَّ في العَدُوّ كثرةٌ، وما أشبه ذلك، ولا يلحق الفاسقُ بالمُخَذِّل، وذكر القاضي ابن كج: أنَّ أبا الحُسَيْن حكَى وجْهاً: "أنه لاَ يُسْهَمُ له؛ لأنه لا يُؤْمَنُ منه الغَدْرُ والتخْذِيل" 1. قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ إِذَا وَجَّهَ الإِمَامُ سَرِيَّة فَغَنِمْتَ شَيْئاً يُشَارِكُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا جَيْشُ الإمَامِ، إِذَا كانُوا بِالقُرْب مُتَرَصِّدِينَ للِنُّصْرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو بعث الإمامُ أو قائدُ الجيشِ سريَّةَ إلَى دار الحرب، وهو مقيمٌ في بلده، فَغَنِمَتْ شيئاً، لم يشركْهُمُ الإمام ومَنْ معه من الجَيْش 2؛ كانت السرايَا تَخْرُج من المدينة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتغنم، فلا يشاركُهُمُ المُقيمونَ بها، ولو بعث سريتَيْنِ إلى جهتين، فلا تشارك إحْدَاهما الأخرَى فيما تغْنَمُ، نعم؛ لو أوغلنا في ديار الكفر، والتقتا في موضع، فيَشْتَرِكَانِ فيما يغْنَمَانِ بعد الاجتماع، ولو بعثهما إلَى جهةٍ واحدةٍ، فإن أَمَّرَ عليهما أسيراً واحداً أو كانت إحداهُمَا قريبةً من الأخرى؛ بحيث تكونُ إحداهما عَوْناً للأخرَى، فيشتركان في الغنائم، وإلا، فلا، ولو دخل الإمامُ دارَ الحَرْب، أو دخَلَها قائدُ الجَيْش، فوجَّه سريةً إلَى ناحيةِ فغنِمَتْ شاركهم جيشُ الإمام، ولو غنم الجيش، شاركته السريةُ؛ لاستظهارِ كلِّ فرقة منها بالأخْرَى، وقد رُوِيَ أنَّ جيش المسلمين تَفَرَّقُوا، فَغَنِمَ بعضُهم بـ"أوْطَاس" ومنهم بخيبر فشركوهم، ولو وجه سريتَيْنِ إلَى جهةٍ واحدةٍ، اشترك الكلُّ فيما يغْنَمُ كلُّ منهم، ولو وجههما إِلَى جهتين، فكذلك في ظاهر المَذْهَب؛ لأنَّ كل واحدةٍ منهما تستظهرُ بجَيْش الإمام، وهو كالجامِعِ لهما؛ بخلاف ما لو بعثهما إلَى جهتين، وهو في بلدِهِ، حيث لا تُشَارك إِحداهما الأخْرَى؛ لأنه لا جامِعَ هناك، ولا تستظهر واحدةٌ منهما بالأخُرَى، وفيه وجهٌ: أنه لا مشاركةَ بين

السريَتَيْنِ هاهنا أيضاً، وأشار في "الشامل" إلَى خلافٍ في التشريكِ هناك أَيْضاً، ثم ذكر القاضِي ابن كج والإمام -رحمهما الله تعالى-: أنَّ شرط الشركةِ أن يكُونُوا بالقُرْب مترصِّدين للنُّصْرة، وحَدُّ القربِ أن يبلغَهُمُ الغوث والمَدَدُ منْهم، إنْ احتاجوا، وعلَى ذلك جَرَى في الكتاب، ولم يتعرَّض أكثرهم لذلِكَ، واكتفوا باجتماعهم في دار الحرب (1) وهكذا حكاه صاحب الكِتاب عن القَفَّال، واستبعده، فعلى الأول؛ ولو كانت إِحداهما قريبةً، والأخرَى بعيدةً، اختصَّت القريبةُ بالمشاركة.

" فَرْعٌ":

بعث الإمامُ جاسوساً، فَغَنِمَ الجَيْشُ قبل رجوعه: فأحد الوجهَيْنِ: أنه لا يشاركهم؛ لأنَّه لم يشْهَدِ الوقعة.
وأشبَهُهُمَا: وبه قال الدَّارِكِيَّ -رحمه الله- أنه يشاركهم؛ لأنه فارقهُمْ؛ لمصلحتِهِم، وخاطَرَ بما هو أعظَمُ من شهود الوَقْعَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ مَنْ حَضَرَ لاَ لِقَصْدِ الجِهَادِ كَالأَجِيرِ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ إِنْ لَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يَستَحِقَّ (و)، وَإِنْ قَاتَلَ فَثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، فِي الثَّالِثِ يُخَيَّرُ بَيْنَ إِسْقَاطِ الأُجْرَةِ مِنِ ابْتِدَاءِ القِتَال وَبَيْنَ إِسْقَاطِ الغَنِيمَة، وَفِي التَّاجِرِ هَذَانِ القَوْلاَنِ وَلاَ يَجْرِي الثَّالِثُ، وَأَمَّا الأَجِيرُ للِجِهَادِ فَإِنْ كَانَ كَافِراً اسْتَأْجَرَهُ الإِمَامُ اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِماً فَلاَ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ الغَنِيمَةَ أَيْضاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، لأَنَّهُ أَعْرِضَ عَنْهَا، وَأَمَّا الأَسِيرُ إنْ كَانَ مِنْ هَذا الجَيْشِ وَعَادَ اسْتَحَقَّ قَاتِلَ أَوْ يُقَاتِلْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جَيْشٍ آخَرَ وَلَمْ يُقَاتِل فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ والْتَحَقَ بِجُنْدِ الإِسْلاَمِ اسْتَحَقّ وإنْ لَمْ يُقَاتِل عَلَى الأَظْهَرِ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ المسأَلَةِ الكلامُ في صُوَرٍ: إحداها: إذا شَهِدَ الأجيرُ مع المستأْجِرِ الوقْعَة، نُظِر: إنْ كانتِ الإجارةُ لعَمَلٍ في الذمَّة من غير تعِيينِ مدَّةٍ؛ كخياطة ثَوْبٍ، وبناءِ حائِطٍ، فخرج، وشَهِدَ الوقعةَ، فله السَّهْمُ بِلاَ خلاَفٍ، والعمل المستأجر علَيْهِ دَيْنٌ في ذمته، وإن تعلَّقت الإجارة بمدة معيَّنةٍ، كما إذا استأْجَرَ لسياسَةِ الدوابِّ، وحفْظِ الأمتعة شَهْراً، وخرج به، نَقَلَ جماعةٌ منهم المصنِّفُ، وصاحب "التهذيب" أَيْضاً؛ أنه إنْ لم يقاتِلْ، لم يستحقَّ السَّهْم، وإنْ قاتَلَ، فثلاثة أقوال، وأطلَقَ المسعودِيُّ وآخرون الأقوال من غير فصل بين أن يقاتل أو لا يقاتل، وكذلك أطلقها الشافعيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر".1

أظهرها: أن له السهْمَ؛ لَشُهودِ الوقعة.
والثاني: المنع؛ لأنَّ منفعته مستحَقَّةٌ للغَيْرِ، وكان كالعبد، إذا شَهِدَ الوقْعَةَ وعلى القولَيْنِ يستحقُّ الأجرةَ بمقتضَى الإِجَارَةِ.
والثالث: أنه يخيَّر بين الأُجْرَةَ، و [بين] سَهْمِ الغنيمة، فإنْ اختار الأجْرَةَ، فلا سَهْمَ لَهُ، وَإِنِ اختارَ السَّهْم، سقَطَتِ الأجرة؛ ليخلصَ سعيه للجهادِ وقد توجه له، و [قد] احتج له بأن التسليم الواحدَ لا يوجِبُ بدَلَيْنِ مختلفَيْنِ، وأيهما اختَارَ سَقَطَ الآخَرُ؛ كالقِصَاص، والدِّية، وهذا القول الثالثُ موضِعُ البحث من جهَةِ أنَّ الإِجارة عقْدٌ لازمٌ، فكيف يخيَّر الأجير فيها، وبتقدير التخْيِير، فإذا اختار السَّهْم سقط أجرة جميع المدة، أم كَيْفَ الحالُ؟ ومتَى يخيَّر، قبل شهودِ الوقعة، أو بعده؟ فالجواب: أما الأَوَّلُ: فعن صاحب "الإفصاح": "أنَّ القولَ الثَّالِثَ فيما إذا استأجر الإِمَامُ؛ لِسَقْيِ الغزاة، وحفْظِ دوابِّهم مِنْ سَهْم الغزاةِ مِنَ الصَّدَقات، فشهد الأجيرُ الوقْعَة، فيخيره فالإمام فأما أجيرُ آحادِ النَّاس، فلا يجيء فيه هذا القَوْلُ؛ لأنَّ الإجارة لازمةٌ إلاَّ أن يكون الجارِي بينهما صورةَ الجَعَالَةِ، وأيضاً فإِن أجير الآحاد يسلم الأجرة للمستأجِرِ، وُيؤْخَذ السهم من الغانمين، وهو بَعِيدٌ، والذي استأجَره الإمامُ؛ لمصلحةِ الغُزَاة: إِن اختَارَ السهْمَ، سلمت الأجرة للغُزَاةِ، وإن اختار الأجرةَ، سلم السهم لهُمْ، والأكثرون أَجرُوه في الأجيرين، كما أطلقه الشافعيُّ -رضي الله عنه- وقالوا: "لزوم الإجارةُ لا يختلف في الصورتَيْنِ" وأما سلامةُ الأجرةِ للمستأْجِرِ، فلا يُعَدُّ فيما إذا مرض إذ الغرض أنْ يُخْلِص عمله للجِهَاد، وللقربة، فليقدِّر الغانِمُونَ أنه لم تجر إجارة، وأما ما يَسْقُطُ من الأجرةِ، إِذا اختار السهْمَ ففيه وجْهَان: أحدهما: أنَّها تسقُطُ منْ وقتِ دخولِ دَارِ الحَرْبِ.
وأظهرهما: مِنْ وَقْتِ شهودِ الوَقْعة؛ لأنَّ استحقاقَ الغنيمةِ يتعلَّق به، فلا يجبُ معه الأجرة، فأما فيما قَبْلَهُ، وبَعْدَه، فلا يجمع الحقَّان، وأمَّا أنه متَى يخيَّر، ففي "الشامل": أنَّ الأصحابَ قَالُوا: يُخيَّر قبل القِتَالِ وبَعْدَه، فيقال قَبْلَه: إنْ أردت الجهادَ، فاطَّرِح الأجرة،.
وإنْ أردتَّ الأجرةَ، فاطَّرِحِ الجهاد، ويقال بعده: إنْ كنتَ قَصَدَتَّ الجهادَ، فلا أجرة لك، وإن قصدتَّ الأجرةَ، فَخُذْهَا، ولا سَهْمَ لك والمراد أنَّ الغَرَضَ يَحْصُلُ بكلِّ واحدٍ منهما إلا أنه يخير في الحالَتَيْنِ جميعاً، والله أعلَمُ.
وإذا قلْنا: يُسْهَمُ للأَجيرِ، فله السَّلَب، إذا قَتل، وإن قلْنا: لا يُسْهَمُ له، فوجْهَانِ، وله الرَّضْخُ؛ كالعبيد والمرَأة، وحكى القاضِي ابن كج وجهاً: "أنه لا يُرْضَخُ له"؛ لأنه لم يُسْهَمْ له، وهو من أهله، فلا يُرْضَخُ له، هذا في سائر الأُجَرَاءِ، وأما الأجيرُ للجهادِ، فالكَلاَمُ في استئْجَارِ المُسْلِمِ واستئْجَارِ الذِّمِّيِّ للجهاد مؤخر إلَى كتاب "السير" وإذا

صحَّتِ الإجارةُ، فللأجير الأجرةُ، ولا سَهْم، ولا رضخ وينبغي أنْ يجيء عَلَى وجهٍ ذُكِرَ في صحَّة استئْجَارِ المُسْلِم على الجهادِ الأقوالُ الثلاثةُ، وإذا لم تصحَّ الإجارة، فلا أجْرَةَ له، وفي سلم الغنيمة، فوجهان: أحدُهُما: أنه يستحقُّه لشهودِ الوَقْعَة.
والثاني: وهو المذكورُ في "التهذيب": المنْعُ، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنه أعرضَ عَنْه بالإجارة، ولم يحضُرْ مجاهداً، والوجهانِ فيما ذكر الشيخ أبو محمَّد -رحمه الله- مبنيَّانِ على القولَيْنِ فيما إذا أحْرَم الأجيرُ عن المستأجِرِ، ثم صرف النية إلَى نفسه، هل يستحقُّ الأجرة، وهما شبيهانِ بالوجْهَيْنِ فيما إذا شَرَطَ في المضاربة كلَّ الربح للمالِكِ، هل يستحقُّ الأجرة، قوله في الكتاب: "إنْ لم يقاتِلْ، لم يستحق"، يجوز إعلامه بالواو؛ للطريقة المطْلقة.
وقوله: "وبيْنَ إسْقَاط الأجْرَةِ من ابتداءِ القتالِ، وبين الغنيمة" أي: وبين إسقاطِ الغَنِيمَةِ، وإلاَّ فإسقاطُ الأجرةِ إثباتُ الغنيمةُ، فلو لم يضمن في الغنيمةِ الإسْقَاط، لم يكُنْ فيه تعرض للطَّرَفَينِ، وقوله: "من ابتداء القتال" مرقومٌ بالواو؛ للوجه الآخر، وقوله: "وإنْ كان كافراً، اسْتَأجَرَهُ الإمام" أشار به إلَى أنَّ استئجار الآحادِ ممنوعٌ منه، وفيه خلافٌ مذكورٌ في السير وقوله: "وإن كان مسلِماً فلا" يجُوزُ إعلامه بالواو لشيء يُذكَرُ هناك.
الثانية: تُجَّار العَسْكر وأهْلُ الحِرَفِ، كالسَّرَّاجين الخياطين البزازين والبقالين، وكلَّ من خرج لغَرَضِ تجارةٍ أو معاملةٍ، إذا شهد الوقعةَ، هل يُسْهَمُ له؟ فيه قولانِ؛ كما في الأجير، ولا يجيءُ فيهم قولُ التخيير، وفي موضعِ القولَيْنِ طُرُقٌ: أظهرها: أنَّ القولَيْنِ فيما إذا قاتلوا، فإنْ لم يقاتِلُوا، لم يستحقُّوا قولاً واحداً، وهذا ظاهر لفظ "المختصر" وهو الذي يقتضيه نَظْمُ الكتاب.
والثاني: وهو الذي قال به القاضي أبو حامد: "أنَّ القولَيْنِ فيما إذا لم يقاتلوا، وأما إذا قاتَلُوا، استحقُّوا بلا خلاف، لأنَّا عرفنا بقتاله أنَّ قصْده لمْ يَكُنْ لمحْضِ التجارةِ، فصار كما لو خرج للجِهَاد، وحمل مع نفسه متاعاً يبيعه.
والثالث: وبه قال أبو إسحاق، وابْنُ القطان -رحمهما الله تعالَى- أنهما يُطْرَدَانِ في الحالَتَيْنِ، وبهذا أجاب القاضي الرُّويانيُّ -رحمه الله- في "الحلية" وقال: أصحُّ القولَيْنِ: أنه يُسهَمُ للتاجر؛ لتكثيره سوادَ المُسْلِمين" وإذا قلنا: لا يُسْهَمُ للتاجر، فهل يُرْضَخُ له؟ فيه وجهانِ، كما في الأجير؛ الأصحُّ: نعم.
الثالثةُ: لو أفلت الأسيرُ من يد الكافِرِ، وشهد الوقعةَ مع المسلمين؛ فإِنْ كَانَ من

هذا الجيش استحَقَّ السهْمَ، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنه خرج للجهاد وقَهْرِ العَدُوِّ بالإفلات، وشهد الوقعة، وإنْ كان من جيش آخَرَ، أسر من قبل، فقوْلان؛ وجه المنع: أنه لم يَقْصِدِ الجهاد، ووجْهُ الاستحقاقِ: شهودُ الوَقْعة، وفي محلِّ القولَيْن طريقان عن أبي إسحاقَ وغيره، طَرْدُ القولَيْنِ فيما إذا قَاتَلَ أو لم يقاتل [فأظهرهما، وهو المنصوصُ في "المختصر": أن القولين فيما إذا لم يقاتل] 1 فإن قاتل، استحقَّ بلا خلاف؛ لأنه قد بانَ بالقتال أن قصْدَه الجهادُ، وأنَّ الخلاصَ لم يتمحَّض عوضاً له، فصار كما لو اختلط أن أحاط المشركون بأهل قرية لا يُسْهَمُ للمقيمين بها، حتَّى يقاتلوا؛ ليمتاز المجاهِدْ عن المقيم، حُكِيَ هذا التوجيهُ والشبه 2 عن أبي يعقوب الأبيوردي، هذا إذا أفلت قبل الحرب، وحيازة الغَنِيمَةِ، وإنْ أفلَتَ بعد الحرب، وقبل الحِيَازة، فعلى ما مَرَّ في لحوق المَدَدِ، وإنْ أفلت بعد الحيازة، قال في "الشامل": إن قلنا: تملك الغنيمة بالحيازة، فلا سهم لَه، وإلا فَهُوَ كما لو أفْلَتَ قبل الحيازة ولم يقاتِلْ، وإذا لم نَجْعَلْ للأسير السهْمَ، ففي الرضْخِ الخلافُ السابِق وعند أبي حنيفة -رحمه الله- حكمُ الأجيرِ والتاجِرِ والأسيرِ واحدٌ، إن قاتلوا، استحقُّوا السهْمَ، وإلا فلا.
الرابعة: لو أسلم كافرٌ، فالتحقَ بجُنْدِ الإِسلام، استحَقَّ السهم، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنَّه قصد إعلأَ كلمةِ الله تعالَى بالإِسلام، وشهودِ الوَقْعَة فيقبح حرمانُهُ.
وقوله: "استحقَّ السهْمَ وإنْ لم يقاتل علَى الأظْهَر" هكذا هو في متْن الكتاب، وقضيته إثباتُ خلافٍ في المسألة وخطَّ بعض المعنيين بهذا الكتاب عَلَى كلمة "على الأظهر" لأنه لم يذكر في "الوسيط" خلافاً فيه، بل قال: "يستحقُّ السهْمُ قَاتَلَ أو لم يُقَاتِلْ" لكن يجوز أنْ يترك بحالها لأنَّ أبا الحسن العباديَّ قال في "الرقم لو أسلم كافرٌ، وحضر المعسكر إنْ قاتَلَ، استحق، وإنْ لم يقاتِلْ، لم يستحق" قال: وأصْلُ هذه المسائِلِ إنَّ القصْدَ إلى الجهَادِ، هل هو شرطٌ يعني من الابتداء، واختلافُ جوابِ الأئمةِ يُوجِبُ الخلاف.
واعْلَمْ أنَّ الحكم في هذه الصُّوَرِ بالترتيب، فالكافِرُ الذي أسْلَم أولَى بالاستحْقَاقِ، ويليه الأسيرُ لما في الإفْلاَتِ من قهْرِ الكفار، ويليهما التاجِرُ والأَجير والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ يُسَوَّى (ح م) بَيْنَ الجَمِيعِ فِي القِسْمَةِ إلاَّ لِأَصْحَابِ الرَّضْخِ فإنَّهُمْ يَنْقُصُونَ، وَإلاَّ الفَارِسَ فَإنَّهُ يُعْطَى (ح) ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ وَللِرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلاَ يُعْطَى إلاَّ لِرَاكِبِ الخَيْلِ، ثُم لاَ فَرْقَ فِي الفَرَسِ (و) بَيْنَ العَرَبيِّ وَالعَجَمِيِّ وَالتُّركِيِّ، وَلاَ يُعْطَى

الضَّعِيفُ وَالأَعْجَفُ عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ، وَلَوْ أَحْضَرَ فَرَسَيْنِ لَمْ يُعْطَ (و) إِلاَّ لأحَدِهِمَا، وُيعْطَى لِلفَرَسِ المُسْتَعَارِ وَالمُسْتَأْجِرِ، وَكَذَا المَغْصُوبُ، (و) وَلَكِنَّهُ لِلغَاصِبِ، أَوِ للمَالِكِ فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قدْ مَرَّ أنَّ المَالَ المغنوم يبدأُ منه بالسَّلَب والمُؤَن، ثم يقسَّم الباقي خمسةَ أقسامٍ، ويجعلُ أربعةُ أخماسِهَا للغانِمِينَ، يُسوَّى بينهم في ذلك، ولا يُفَضَّل بعضُهُم على بعضٍ إلاَّ بشَيْئَيْنِ: أحدُهُما: النُّقْصَان المقْتَضِي للرَّضْخِ، عَلَى ما سبق، وهذا مفرَّع عَلَى أنَّ الرضْخَ من الأخماس الأربعة.
والثاني: أنَّ الفارسَ يُفضَّل على الراجِلِ، ويعطَي الفارسُ ثلاثةَ أسهُم؛ سهماً له، وسهمين لفرسه، ويعطي الراجل سهماً، لمَا رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "ضَرَبَ لِلْفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ، وللفارس بسهم" 1. وعند أبي حنيفة -رحمه الله-: للفارس سهمان؛ سهمٌ له، وسَهْمٌ لفرسه، وللراجِلِ سهْمٌ واحدٌ، ويتعلَّق بهذا الأصْلِ مسائلُ.
إحداها: لا يلحقُ راكبُ البعير، والفِيلِ، والحِمَارِ، والبَغْلِ براكب الخَيْل؛ لأَنَّ هذه الدوابَّ لا تصلُحُ للحَرْبِ صلاحَيَةَ الخَيْل، ولا يتأتى منْها الكَرُّ والفَرُّ، ولكنْ يعطَى للراكب سهْمٌ، ويرضَخُ لهذَه الدوابِّ، ويجْعَلُ رضْخُ الفيل أكثر من رضْخِ البَغْل، ورَضْخُ البغْلِ أكثَرَ من رَضْخِ الحمَارِ، ولا يبلغ رضخُهُمَا سهْمَ الفَرَس 2. الثانية: لا فرق في الخَيْلِ بين الَّذي أَبَوَاهُ عربيَّانِ، ويقال: له العَتِيقُ، والذي أبواه عَجَمِيَّانِ، ويقال: له البِرْذَوْنُ، والذي أبوه عَرَبِيٌّ، وأمه عجميةٌ، وهو الهَجينُ، والذي أبوه عجميٌّ، وأمه عربيَّةٌ، وهو المقرف؛ لأن الكَرَّ والفر يجيء من هذه الأنواع، وقد روي أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نواصِيَها إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" الأجر والمغنم 3،

فأطلق لَفْظَ الخيل، وفيه قول: أنه لا يسهم للبِرْذَوْنِ، بل يُرْضَخُ له؛ لأنَّه لا يعمل عَمَلَ العربيِّ، ومن قال بالظَّاهِر شبه تفاوتهما بتفاوُتِ الراكب القَوِيِّ، والراكِب الضعيف، وعن أحمد -رحمه الله- في أصحِّ الروايتين: "أنَّه يجعل لما سِوَى العربيِّ سهْمٌ لا سَهْمَانِ".
الثالثة: ليتعهد الإمامُ الخيلَ، إذا أرادَ دُخُول دارِ الحَرْب، فلا يُدْخِلُ إلاَّ فرساً شديداً، ولا يُدْخِل حطماً وهو قحماً وهو الهرم الفاني ولا ضرعاً، وهو الصغيرُ الضعيفُ، ولا أعجف رازحاً والأعجف الهزولُ والرازح البين الهزال 1، فلو أدْخَلَ بعضُهم شيئاً منْها، نُظِرَ: إن نهى الإمامُ عن إدخاله، وبلغه خبر النَّهْيِ، لم يسهم لفرسه، وإن لم يَنْه الإمام أو لم يبلُغْهُ خَبَرُ النهْيِ، فقولان: أحدهما: أنه يُسْهَمُ لهُ، كما يُسْهَم للشَّيْخ الضعيف، إذا حَضَر.
وأصحُّهما: المَنْع؛ لأنه لا فائِدَةَ فيه، بل هو كلٌّ عَلَى صاحبه، بخلاف الشيْخِ، فإنَّه ينتفع برأْيِهِ.
ودعائه، وعن أبي إسحاق أنه لا خِلاَف في المسألة، بل القولُ الأوَّل محمولٌ عَلَى ما إذا أمكَنَ القتَالُ عَليه، والثانِي عَلَى ما إذا لم يُمْكِنْ.
الرابعةُ: من حَضَرَ بفرسَيْنِ، لم يُسْهَم إلا لواحدٍ، لما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يُعْطِ الزُّبَيْرَ -رضي الله عنه- إلا لفَرَسٍ واحدٍ، وَقَدْ حَضَرَ يَوْمَ خيبر 2 بأفراس".
وقال أحمد -رحمه الله-: "يعطي لفرَسَينِ" ولا يزادُ لحديثٍ وَرَدَ 3 فيه، ورواه راوُونَ قولاً عن الشافعيِّ -رضي الله عنه-.

الخامسةُ: يُسْهَم للفَرَسِ المستعارِ والمستأْجَرِ، ويكونُ ذلك للمستعِيرِ والمستأْجِرِ، وعن رواية: ابن القَطَّان -رحمه الله- وجه: أنه يكونُ سَهْمُ الفرسِ المستعارِ للمُعِير، وأما الفرسُ المغْصُوب، فوجهان في أنَّه، هل يسهم له: وجْه المنع: أنَّ ركُوبَهُ وإحضارَهُ حرامٌ شرعاً، فكان كالمعدومِ، والأصحُّ الإثبات؛ لحصول الغناء به، وعلى هذا، فهو للمالِكِ (1) أو للغَاصِب الراكِب فيه قولان، ويقال: وجهَان؛ وجه الأَوَّل: أنَّ منافعَ الفَرَسِ وفوائِدَهُ للمالِكِ، وَالأصحُّ الثانِي؛ لأنه الذي أحْضَرَهُ، وشَهِدَ به الوقعةَ، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد -رحمه الله- "بناءُ هذا الخلافِ عَلَى أنَّ ربح الدراهِمِ المغْصُوبَة، للمالك أو للغَاصِب" وقد عرفْتَ بما ذكرنا أنَّ قوله في الكتاب يُسَوَّى بين الجميعَ في القسْمَة يعني قسْمَةَ الأخماس الأربعةِ، ولو حمل عَلَى جميع الغنيمة، لاحتيج إلى استثناء أصْحَاب النَّقَل والسَّلَب أيضاً، ثم هو مُعْلَمٌ بالحاء والميم؛ لأن عندهما يجوز للإمام تفْضيلُ بعض الفارِسين عَلَى بعض، وبعض الراجلين على بعض، كما يراه، وجوز مالك -رحمه الله-: أن يعطي غَيْرَ مَنْ شَهِدَ الوقعة أيضاً.
وقوله: "إنه يعطي ثلاثة أسهم" معلَمٌ بالحاء، ويجوزُ أن يعلم قوله "إلا لراكب خَيْل" بالألف؛ لأن عند أحمد: يجعلُ للبَعِير سهم.
وقوله: "ثم لا فَرْقَ في الفَرَسِ" مُعْلَمٌ بالألف والواو، وكذا قوله: "لم يُعْط إلاَّ لأحدهما"، وقوله: "وكذا للمغصوب" بالواو، ويمكِنُ أنْ يعلم قوله "فقولان" بالواو؛ لأنَّ صاحِبَ "الشامل" رأَى القَطْعَ بأنه للغَاصِبِ.

فَرْعٌ:

إذا كان القتالُ في ماءٍ أو حصنٍ، وقد أحضر الفرس، أسْهم لفرسه؛ لأنَّه قد يحتاج إلى الركوب، حكى ذلك عن نَصِّه في "الأمِّ" وحمله القاضي ابن كج: "عَلَى ما إذا كَانُوا بالقُرْبِ من السَّاحِل" واحتملَ أنْ يَخْرُجَ، ويَرْكَبُ، فأما إذا لم يَحْتَمِلِ، الحالُ الرُّكُوبَ، فَلاَ معنَى لإعطاءِ سَهْمِ الفَرَسِ.
ولك أن تقولُ: قضيةُ التوْجِيهِ المذْكُور أنْ يسْهِمَ لفرَسَيْنِ وأكثر؛ لأنَّه قد يحتاجُ إلَى ركوب الثانِي والثالِثِ، وقد التزم مؤنتهما، وُيرْضَخُ للصبيِّ والذميِّ والفارسين أكثَرَ مما إذا كَانَا راجِلِينَ، ولو أحضر اثنان فرساً مشتركاً بينهما، فلا يعطَيَانِ سهْمَ الفرس؛ لأنه لم يَحْضَر واحدٌ منهما بفرس تام، أو يعطَى كلُّ واحدِ منهما سَهْمَ فرس؛ لأنَّ معه1

فرساً، قد يركبه أو يُعْطَيَانِ سهم فرس مناصَفَةً؟ فيه ثلاثة أوجه 1 مذكورة في "أمالي أبي الفرج السرخَسِيِّ" -رحمه الله- ولو ركب اثنان فَرَساً وشهدا الوقْعَةَ، حكى القاضي ابن كجٍّ عن أبي الحُسَيْن عن بعض الأصحاب: "أنَّهُمَا كفارِسَيْنِ، يجعل لهما ستَّةُ أسهم" واستبعَدَهُ، وعن بعْضِهِمْ أنهما كراجِلَيْنِ، لتعذُّر الكرِّ والفرِّ، قال: "وعندي يجب أنْ يُجْعَلَ لهما أربعة أسهمٍ، سهمان لهما، وسهمان للفرس" 2 والله أعلم.

جارٍ التحميل