العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 462-501

ثم يُنْظَر؛ إن لم يوجَدْ من الثاني إلاَّ الوطْء بالشبهة فتبني علي عدة الطَّلاق، كما فرغت من ذلك، وإن نَكَح ووَطِئ، فزمان كونها فراشًا له لايُحْسَب عن واحدةٍ من العدَّتَيْن وبم تنقطع عدة الطلاق؟ فيه اختلافٌ مذكورٌ في الكتاب من بعد ومتى 1 تعود إلى عدة الطلاق على وجهَيْن؟ أحدهما، ويُنْسَب إلى القَفَّال الشاشيِّ: أنها تعود إلَيْها من آخر الوطئات الواقعة في ذلك النكاح.
والثاني، وهو ظاهر المذهب: أنها إنما تَعُود إلَى عدة الطلاق، إذا فرق بينهما، وللزوج الرجْعة في عدته، إن كان الطلاق رجعيًّا، وكما راجَعَها تنْقطع عدته، وتشرع في عدَّة الوطء بالشبهة، وليس للزوج الاستمتاع بها إلى أن تقضي 2، وهَلْ له تجْدِيد نكاحِها، إن كان الطلاق بائنًا؟ فيه وجهان: أحدُهما: نعم، كما يجوز له رجْعَتها؛ لأنها في عدَّته، ثم كما نَكَحَها تسقط عدَّته، وتفتتح عدة الثاني.
والثاني لا؛ لأنه نكاح لا يستعقبه الحِلُّ، ويخالف الرجعة؛ فإنها إمساكٌ بحكم الدوام، فلا يشترط أن يستعقب الحِلّ، وهذا كما أن ابتداء نكاح المحرمة والمعتدة لا يجوز، وإذا عرض الإحرام والعدة في الدوام، لم يرتفع النكاح، وهذا الوجه الثاني يُحْكَى عن الشيخ أبي حامد، والأصح عند القَفَّال،: الأول، وبه أخذ صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهما ولو وطئت منكوحة إنسانٍ بالشبهة،،ثم طلَّقها زوجُها، وهي في العدة، ففيه وجهان: أحدهما: أنها تستمرُّ عدة الوطء، ثم تعتد عن الطلاق؛ لأن وُجُوب عدة الوطء سابق.
والثاني: يُقدم عدة الطلاق، ثم تعود إلى بقية عدة الشبهة، وذلك لأَنَّ سبب عدة الطلاق أقْوَى، فإنها تتعلَّق بالنكاح، وبوطء مستحق فيه، واختار بعض المتأخرين الوجْه الأوَّل، ويُحْكَى الثاني عن أبي إسْحَاق، وعند الأكثرين: أنه الأظهر، فإن قلنا: تقدم عدة الوطء بالشبهة، فللزوج الرجْعة في الطلاق الرجعيِّ، إذا اشتغلت بعدته 3 وهل له الرجعة قَبْل ذلك؟ فيه وجهان، كما ذكرنا في العدتين المختلفتين من شَخْص واحد، إذا قلْنا بعدم التداخل، ولذلك عرف في النكاح، فقال: "ففي الرجعة قبل اشتغالها بعدة

الزوج الوَجْهَان"، لكن ذكرناهناك أن في "التَّتِمَّة" ترجيح 1 ثبوت الرجعة، ويجيْء من بعد ما ينازع في ترجيحه هاهنا، ولا يجوز تجديد نكاحها في عدة الشبهة، إذا كان الطلاق بائنًا؛ لأنها في عدَّة الغَيْر، وإن قلْنا: تقدم عدة الطلاق، فتشرع فيه كما طلَّقها فيها، فإذا أتمَّت، عادت إلى بقية عدة الشبهة، وللزوج الرجْعة في عدَّته إن كان الطلاق رجْعيًّا، وهل له تجديد النكاح إذا كان بائنًا؟ فيه ما سَبَق من الوجهَيُن، وإذا طرأ وطء شبهة في عدة وطء شبهة، فتستمر عدة الواطئ الأول بلا خلاف، ولو نكح امرأة نكاحًا فاسدًا، ووطئها غيره بالشُّبْهة، ثم فُرِّق بينهما؛ لظهور فساد النكاح، في "التهذيب": تقدم عدة الواطئ بالشبهة وجْهًا واحدًا؛ لأن عدته من وقْت الوطء وعدة الناكح 2 مِنْ وقت التفريق، ومعناه أن عدة الواطئ قد سبق وجوبها وليس للنكاح الفاسدِ قوَّة الصحيح، حتى يرجح بها، فهما كواطئَيْن وَطئَا بالشبهة، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "لم تتداخل العدتان" مع الحاء والميم بالواو؛ لما سيأتي في الفرع الأول من الفروع المذكورة في الباب.
وقوله " [أو] 3 كان قد أحْبَل، فإن الحبل يُقَدَّم 4 بكل حال" هذا تعلق بالحالة الثانية؛ وهو أن يكون هنا حَمْلٌ، وسيأتي.
وقوله "ولا يجوز تجديد نكاحِها" إلى آخر الفصْل، يشمل ما إذا سبقت عدة الطلاق، وما إذا تأخَّرت، وفرَّعنا على أنَّها تُقدَّم، وهو صحيح، فجرى على إطلاقه على ما فصَّلناه.
واعلم أنَّه قد تُعوَّض إحدى العدتين فيما نحْن فيه بالأقراء، والأُخْرَى بالأَشْهُر مثْل أن يُطلِّقها زوجُها، ويمضي بها قرءان مثلاً، ثم ينكحها غيره، ويديم استفراشها، إلى أن تَبْلُغَ سنَّ اليَأْس، ثم يفرق بينهما، فتكمل عدة الزوج بشهر بدلاً عن قرء، ثم تعتد الثاني بثلاثة أشهر، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ رَاجَعَهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنَ الشُّبْهَةِ لَمْ يَحِلَّ الوَطْءُ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً مِنْهُ وَلَكِنْ فِي ذِمَّتِهَا عِدَّةُ الشُّبهَةِ فَفِي جَوَازِ الوَطْءِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي وَطْءِ الحَامِلِ مِنَ الزَّوْجِ إنْ وُطُئَتْ بِالشُّبْهَةِ هَذَا كُلُّهُ إِذَا عُلِم مَن مِنْهُ الحَمْلُ وَإِنْ احْتُمِلَ مِنْهُمَا عُرِضَ عَلَى القَائِفِ وَحُكِمَ بِمُوجِبِهِ لَكِنَّ الزَّوْجَ إنْ أَرَادَ الرَّجْعَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاجِعَ قَبْلَ الوَضْعِ وَبَعْدَهُ لِيَقَعَ ذَلِكَ فِي عِدَّتِهِ بِيَقِين ويَحْتَمِلُ الرَّجْعَةَ هَذَا الوَقْفُ عَلَى الأصَحِّ وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَحِلَّ (و) لَهُ وَإِن كَانَتْ بَائِنَةً فَعَقْدُ النِّكَاحِ مَرَّتَيْنِ فِيهِ وَجْهَانِ

وَجْهُ المَنْعِ أَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَحْتَمِلُ الوَقْفَ وَلاَ تُطَالِبُ بِالنَّفَقَةِ وَاحِدًا مِنْهُمَا فِي الحَالِ وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ عَلَى الوَاطِئِ بِالشُّبْهَةِ لأنَّهُ الآنَ مُشْكِلٌ فَإِنْ قَضَى القَائِفُ عِنْدَ الوَضْعِ لِلزَّوْجِ فَلَهَا المُطَالَبَةُ لِلزَّوْجِ وَإِنْ قَضَى لِلوَاطِئِ فَلاَ لِأَنَّ مُضِىَّ الزَّمَانِ يُسْقِطُ نَفَقَةَ القَرِيبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية: إذا كان هناك حَمْل، فتقدم عدة مَنِ الحْمل منْه سابقًا كان الحْمل أوْ لاحقاً، فإن عدَّة الحمْل لا تَقْبل التأخير، فإن طلَّقها زوْجُها، وهي حامل ثم وطئت بالشبهة، فإذا وَضَعَتِ 1، انقضت عدة الطلاق، وتَعْتدُّ بالأقراء للواطئ بعد أن تَطْهُر من النفاس، وللزوج أن يراجِعَها قبْل الوضع، إن كان الطلاق رجعيًّا لكن ذكر الرُّويانيُّ في البحر: أنَّه لا يراجِعُها في مدة اجتماع الثاني معَها؛ لأنها حينئذ خارجةٌ عن عدة الأول وفراشٌ لغيره، فلا يصِحُّ الرجعة في تلْك الحالة 2، وهل له تجْديد نِكَاحِها قبْل الوضع، إن كان الطلاق بائنًا؟ فيه الوجهان السابقان، ويجريان فيما لو وطئ امرأةً بالشبهة، وأحْبَلَها ثم وطِئَها بالشبهة آخَرُ، هل للأول أن ينكحها قبل الوضع؟ وليس له أن ينكحها في عدة الثاني بحال، وللثاني أن ينكحها في عدته، وإن كان الحمل وطء الشبهة، فإذا وضعت، انقضت عدة الوطء، وتعود إلى بقية عدة الطلاق بَعْد الوضع، وللزوج الرجْعة في تلْك البقية، إن كان الطلاقُ رجعيًّا، ولا فرق في ذلك بين مدة النفاس وغيرها؛ لأنها من جُمْلة العدة، كالحيض الذي يقع فيه الطلاق، وفي مدة النفاس وجْه: أنه لا رجْعة فيها، وإذا ثبتت الرَّجْعة، فلو طلَّقها يلحقها الطلاق، ولو مات أحدهما وَرِثه الآخر، وتنتقل بوفاة الزَّوْج إلى عدة الوفاة، وهل له الرجعة قبل الوضْع إن كان الطلاق رجعيًّا وتجديد النكاح إذا كان الطلاق بائنًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه لم تنقض عدته بعْد، وإنما تنقطع الرجْعة بالفراغ منْ عدته، وهذا حكاه الشيخ أبو حامد عنْ أبي إسحاق، وذكر أنه الصحيح، وهو موافق لِمَا قدَّمناه في العدتين المختلفتين من شَخْصٍ واحدٍ.
والثاني: المَنْع؛ لأنها في عدَّة غيْره، قال في "التهذيب": وهو الصحيح، ويُرْوى مثله عن أقضى القضاة الماوَرْدِيِّ، وقد يُفَرِّق الصائر إليه بين ما نحن فيه وبين العدتين من الشخص الواحد؛ فإنهما إذا كانتا من واحدٍ، كان الحقُّ له، ورعايةُ العَدَدِ ضَرْبٌ من

التعبد، والرجعةُ في أية عدة وقَعَتْ، لا تصادف حق الغير، كما هنا بخلافه ثمَّ في "التهذيب" أنه لو طلَّقها قبل الوضْع يَلْحَقها الطَّلاق، وإذا مَاتَ أحدُهما، ورثه الآخر، وإذا مات الزَّوج، تنتقل إلى عدة الوفاة، حتى إذا وضَعَت، تَعْتدُّ عن الزوج عدَّةَ الوفاة، وإن كانَ لا تصِحُّ رجعتُهُ؛ لأنا نَجْعَل زمان الرجْعة كزمان صُلْب النكاح، هذا لفظه، وإذا راجَعَها، وهي حاملٌ من الأجنبيِّ، وجوَّزناه، فليس له وطؤها 1 إلى أن تَضَع، كما إذا وطئت المنكوحة بالشُّبْهة فاشتغلَتْ 2 بالعدة، وإن كانَتْ حاملاً منْه، ولكن في ذمَّتها عدَّةُ الشبهة فراجعها تنقطع عدَّته في الحال، وتَبْقَى عدَّة الشُّبْهة مؤَخَّرة إلى أن تَضَع، وتعود إلى أقرائها، وهل له وطؤها في الحال؟ فيه وجهان: قيل: نعم؛ لأنها منكوحةٌ، وليست في الحال في عدَّة غيره.
وقيل: لا؛ لأنها متعرِّضة للعدة، والزَّوْج ممنوعٌ منْها حينئذٍ، ولا يليقُ بمحاسنِ الشَّرْع تسليطُهُ عليها في الحال، والمَنْع في الاستقبال، ومال صاحب "التتمة" إلى ترجيح الثاني، ومنْهم من رجَّح 3 الأوَّل، ويجري الوجهان فيما لو وطئت المرأة بالشُّبهة في صُلْب النكاح، وهي حاملٌ من الزوج، هل يُمْنَع منها قبل الوضْع؟ وخَرَّج مُخرِّجُون هَذا الخِلاَفَ على الخِلاَف في أنه هَلْ تَثْبُت الرجْعة في عِدَّة الشُّبُهة، وفي ذمتها عدَّة الطلاق؟ إنْ قلنا: نعم، جَعَلْنا عدَّة الطلاق التي ستنْتَهي إلَيْها كالموجودة في الحال، فيحرم الوطء وإلاَّ، فلا يَحْرُم، ولو كانت تَرَى الدم على الحَمْل، وجعلْنَاه حيْضاً، فعن القاضِي الحُسَيْن: أن العدة الأخرى تنقضي بالأقراء على قياس ما مَرَّ في العدتَيْنِ مِنْ شخْصٍ واحدٍ، وهذا ضعيفٌ عنْد الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- وقال في "البسيط": لأن فيه مصيرًا إلى تداخُل العدَّتَيْن مِنْ شخصين 4، وهو بعيدٌ على أصْل الشافعيِّ -رضي الله عنه-.
وجميعُ ما ذكرنا فيما إذا عُلِمَ أن الولَد منْ هذا أو من ذاك؛ لانحصار الإمكان في هذا أو ذاك ووراءه حالتان: إحداهما: إذا لم يُحْتَمل أن يَكُون الولَدُ مِنْ واحد منهما؛ بأن أتت به لأكثر من أربع سِنِينَ مِنْ طلاقِ الأوَّل، وهو بائنٌ أو رجعيٌّ على قول، ولِمَا دون ستة أشهر من

وطء الثاني، فالولد منفيٌّ عنْهما ولا تنقضي بالوَضْع عدَّةُ واحدٍ منهما على الوجْه الأشهر، بل تكمل بعْد الوضع عدَّة الأوَّل، ثم تستأنف عدة الثاني، وفيه وجه آخر عن الشيخ أبي حامد -رحمه الله-: أنها تَعْتدُّ بالوَضْع عن أحدهما، لا بعينه، لإمْكان كونه مِنْ أحدهما بوطء شبهة يفَرْض من الزوج بعد الطلاق أو يفرَضَ من الواطئ قبل وطئه الظاهر، والإمكانُ كافٍ في انقضاء العدَّة، ثم إذا وضَعَتِ اعتدَّتْ عن الآخر بثَلاَثةِ أقراء، وهذا ما ارتضاه الإمامُ، وقد نقل صاحب"المهذب" الوجهَيْن جميعًا، ويتفرَّع عليهما فرعان: أحدهما: [لو كانت ترى الدم والحالة هذه وجعلناه حيضًا قال الروياني: إن قلنا تنقضي عدة أحدهما بالوضع] لا تعتدُّ بأقرائها؛ لئلا تتداخل، عدَّتان في حقِّ شخصَيْن، وإن قلنا: لا تنقضي، ففي الاحتساب بأقرائها وجْهان: أشبههما: الاحتساب؛ فإنها لم تَعتدَّ بالحمل، كانت كالحائل 1، وهذا ما أورده ابن الصَّبَّاع في "الشامل" وقد يمنع قول القائل: إن القَوْل باعتدادها بالأقراء مع الاعتداد بالحَمْل مُصَيِّرٌ إلى التداخل [بأن] الذي ينكر أن يعتد بالقرء بالواحد مثلاً عن اثنين، وهاهنا لا تعتدُّ بشيْءٍ واحدٍ عنهما جميعًا، بل تعتد عن أحدهما بالحَمْل، وعن الآخر بالأقراء إلا أنَّهما وَقَعا في زمانٍ واحدٍ.
الثاني: إن قلْنا: تنقضي بالوضْع لحمْل إحدى العدتَيْن، فلا تصح رجعةُ الزوج في مدة الحَمْل، ولا رجعته في الأقراء بعْد الوضع للشَّكِّ في أن عدته هذه أو هذه، فإن راجَعَ مرَّةً في الحَمْل، وأُخْرى في الأقراء، ففي صحة الرجْعة وجهان مَحكيَّان عن "الحاوي" وسيأتي -إن شاء الله- نظيرهما 2. وإن قلْنا: لا تنقضي بالوضع 3 واحدةٌ من العدَّتَيْن، فتكمل بعْد الوضع عدَّةُ الأول، وهو الزوج، وله الرجْعة فيه، وهل له الرجْعَة في مدة الحَمْل قبله فيه الوجْهَان السَّابقان.
الحالة الثَّانِيَةِ: إذا احْتُمِل أن يكُون الوَلَد من الزوْح، واحتمل أن يكون من الواطئ بالشبهة، فيُعْرَض بعْد الوضْع على القائف، فإن ألْحَقَه بالزَّوْج أو الواطئ، فالحُكْم كما بَيَّنَّا فيما لو اختص الاحتِمَال به، وإن لم يَكُن قائف أو أشْكَل علَيْه أو ألْحَقَه بهما أو نَفَاه عنْهما أو ماتَ الولَد، وفات العرَض، فتنقضي عدَّة أحدهما بوضع الحَمْل؛

لأنه مِنْ أحدِهِما، ثم تعتدُّ بعد الوضع عن الآخَرِ ثلاثة أقراء؛ لأنه إنْ كان الوَلَد منَ الثَّاني، فعلها بعْد الوَضْع بَقِيَّة عدَّة الأول، وإنْ كان من الأوَّل، فتحتاج بعْد الوضْع إلَى عدَّةٍ كاملةٍ للثاني، فيُؤْخذ بالاحتياط، قال القاضِي الرُّويانيُّ: وقَوْل الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-: "فإن لم يكن قائفٌ" ليس المراد منه أن لا يوجد في الدنيا، بل المراد أن يوجد في موضع الولد وما قرب منه، وهي المسافة التي تُقْطَع في أقلَّ من يوم 1 وليلة، وفي موْضِع العَرْض على القائف كلامان: أحدهما: أن مَوضِعَه ما إذا ادعياه جميعًا، أما إذا ادعَى أحدهما دون الآخر، فوجهان: أشهرهما: العرض أيضًا لِحَقِّ الولَدِ وحَقِّ الشرع في النسب.
والثاني: أنه يختص بالذي يدَّعيه كما في الأموال.
والثاني: قال في "التتمة": إن كان الطلاقُ بائنًا، فيُعْرَض على القَائِف كما ذكَرْنا، وإن كان رجعيًّا، يُبْنَى على أن الرجْعِيَّة هل هي فراش أم لا؟ إن قلْنا: لا، فكذلك الجَوَاب، وإن قلْنا: إنَّها فراشٌ وأن السنين الأربع في حقِّها تعتبر مِنَ انْقِضاء العِدَّة، فالولَدُ مُلْحَق بالزوج، ولا يُعْرض على القائف، ثم في هذه الحالة الأخيرة مسألتان: أحدهما: إذا رَاجَع الزوجُ في مدَّة الحَمْل يُبْنَى على أن الزوج إذا تأخَّرت عدته؛ لإحبال الواطئ بالشبهة إياها، هل له الرجْعة في مدَّة الحمل؟ إنْ قلْنا: نَعَمْ، صحَّت رجعته؛ لأنه إما زمان عدته أو زمان عدة غيره الذي تصِحُّ فيه رجْعَتُه، وإن قلنا: لا، لم يُحْكَمْ بصحة الرجْعة؛ لجواز أن يكون الحَمْل من وطء الشبهة، فلو بأن بعْد الوضع أنَّ الحَمْل منْه بإلْحَاق القائف، فهَلْ يحْكُم الآن بأنَّ الرجْعة صَحَّتْ وحلَّتْ مَحلَّها؟ فيه وجهان مأخُوذَانِ مِنَ الخلاف فيما إذا باع مالَ مُوَرِّثهِ عَلَى ظَنِّ أنه حيٌّ، فبان أنه كان مَيِّتًا، والأظْهَر الحُكْم بالصِّحَّة، ولو راجعَ بعْد الوَضْع في الأقراء، لم يُحْكم بصحة رجعته أيضًا؛ لجواز أن يكون الحمل منه، وتكون عدته منقضيةً، فلو بان بإلْحاق القائِفِ أن الحَمْل من وطء الشبهة، ففي الحكم الآن بصحَّة الرجْعة الوجهان السابقان، وهذا إذا راجَعَ في القَدْر المستيقن بعْد الوضَعْ من الأقراء دون القَدْر الذي أوجَبْناه احتياطًا.
بيانه: لو وطئ الثاني بعْد مضيِّ قرء مِنْ بعد الطلاق، فالقَدْر الذي يتيقن لزومه بعد الوضْع قُرْءان؛ لأنه لو كان الحَمْل من الواطِئ بالشبهة، لم يلزمها إلا بقيَّة عدَّة الطَّلاق، والقرء الثالِثُ إنما نوجبه احتياطًا؛ لاحتمال كوْن الحَمْل من الزَّوْج، فلو راجع

في القرءين بعد الوضع، ثم بأن أن الحَمْل من وطء الشبهة، فهو موضع الوجهين.
أما إذا راجَعَ في القرء الثالث، فلا يحكم بالصِّحَّة؛ لأنه لَيْس مِنْ عدَّة الزوج يقينًا ولو راجع مرتين [مرة] 1 قبْل الوضع، وأخرى بعده في القرءين، ففيه وجهان: أصحُّهما، وبه قال القفَّال: أن رجعته صحيحةٌ؛ لوقوع إحدى اللفظتَيْن في عدته يقينًا.
والثاني: المَنْع؛ للإيهام والتردُّد في كلِّ واحدة منْهما، وأما تجديد النكاح إذا كان الطلاق بائنًا، فينظَر؛ إن نكَحَها مرةً واحدةً، إما قبل الوضع أو بعده، لم نَحْكُمْ بصحَّة النكاح؛ لجواز كونها في عدة الواطئ بالشبهة حينئذ، فإن كان الطلاق بائنًا، فيُنْظَر، إن نكَحَها مرةً واحدةً، إما قبل الوضع أو بعده، لم نَحْكُم بصحة النكاح، فإن بأن أنَّ العدة منه بإلْحاق القائف، ففي "التتمة": أنه على الخلاف المذكور في الرجْعة، قال: وليس ذلك من جنس وقْفِ العُقُود على الإجازة، وإنما هو وقف على ظهور أمر كان عند العَقْد، ولو نَكَحها مرَّتَيْن مَرَّةً قَبْل الوَضْع، ومرةً بعْده كما صوَّرْنا في الرجْعة، فوجهان كما ذَكَرْنا هناك؛ ورأى الإِمام الأصَحُّ هاهنا: المنع، وقال: الرجْعة تحتمل مَا لاَ يحتمل النكاحَ؛ ألا ترى أنها تَصِحُّ في حال الإحرام، ولا يصح النكاح، فجاز أن يحتمل الوَقْفَ، ولا يحتمل النكاح، والوجهان مبنيان على أنه يجوز للزوج تجديد النكاح في عِدَّته وفي ذمَّتها؛ عدة الوطء بالشبهة، وإلا، فيجوز أن يكون الحَمْل من الزوج حينئذٍ، فلا يَصِحُّ واحِدٌ من النكاحين، أما ما قبل الوضع؛ فلأَنَّ في ذمتها عدَّةَ الوطء بالشبهة، وأما بعد الوضع؛ فلكونها في عدة الوطء بالشبهة، ولو نكحها الواطئ بالشبهة قبل الوضع أو بعده في القرءين، لم يَصحَّ؛ لجواز كونها في عدَّة الزوْج حينئذٍ.
نعم، لو 2 نكَحَها بعد الوضع في القرءَيْن، ثم بان بإلْحَاق القائف أن الحَمْل من الزوج، ففي تبيُّنِ الصِّحَّة الخلافُ السَّابِق، ولو نكَحَها في القرء الثالث، صَحَّ النكاح؛ لأنها في القرء الثالث في عدَّته، إن كان الحْمل من الزوْج، وغير معتدة إن كان الحمل منْهُ.
المسألة الثانية: سنذكر -بعون الله تعالى جَدّه- من بَعْد: أن الرجعيَّة تَسْتحق النفقة في العدة، وأن البائنة لا تستحقها إلا إذا كانَتْ حاملاً، وسنذكر قولَيْن في أن تلْك النفقة للحَمْل أو للحَامِل؛ وقولَيْن في أن تلْك النفقة تُصْرَف إليها يومًا بيوم، أو يُصْرَف إلَيْها الجميع عنْد الوضع، وأن المعتدَّة عن وطء الشبهة لا نَفَقَةَ لها على الواطئ، إذا قلْنا: النفقة للحَامِل إذا عرَفَتْ هذه الجمل، فإن جعلْنا النفقة للحامِلِ، وهو الصحيح، فلا

تطالب المرأة بالنفقة مدَّة الحمل المحتمل الزوج، ولا الواطئ، أما الواطئ؛ فلأنه لا نفقة علَيْه على هذا القَوْل، وأما الزَّوْج، فإنما يطالب بالنفقة، إذا كان الحَمْل منه، والحَمْلُ مشكوك فيه، فلا تلزمه النفقة بالشك، فإذا وَضَعت، نُظِر؛ إن ألحقه القائف بالزوج، فلها مطالبته بنفقة مدَّة الحْمل الَّتي مضَتْ، وهذا إذا لم تَصِر فراشًا للثاني؛ بأن لم يوجد إلا وطء شبهة، ويشبه أن يستثنَى زمانُ اجتماعها مع الثاني على قياس ما حَكَيْنا عن "البحر" أنه لا رجْعَة في تلْك الحالة؛ لخروجها عن عدَّته، وإن صارتْ فراشًا له بأن نَكَحَها جاهلاً، وبَقِيَتْ في فراشه إلى أن وَضَعَت، فلا نفقة لها على الزوج؛ لكونها ناشزةً بالنكاح، وإن فَرَّق الحاكم بينهما قبل الوَضْع، طالبته بالنفقة من يوم التَّفْريق إلى يَوْم الوَضْع، ثم لا نفقة لها على الواطئ في عدَّتها عنه بالأقراء، وإن ألحقه القائف بالواطئ بالشبهة، لم يلزمْ واحدًا منهما نفقة مدة الحمل، ولَزِم الزوْج نفقة مدة القرءين بعْد الوضع، إن كان الطلاق رجعيًّا، وفي نفقة زمان النفاس وجهان: أحدهما: لا تَجِب؛ لأنه تابعٌ للحمل ومتولِّد منْه، وليس محسوبًا في عدة الزوج.
وأشبههما الوجوبُ كما أنَّ له أن يراجع في زمان النفاس، ويجوز أن لا يكون محسوبًا من العدَّة، وتجب نفقته كزمان الحَيْض الذي طلَّقها فيه، وإن لم يلحَقْه بواحدٍ منهما، أو إذا لم يكن قائفٌ، فلا نفقة على الواطئ، ولا على الزوج، إن كان الطلاق بائنًا؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ حال الحَمْل، ولا نفقة، إذا لم يكن حَمْلٌ، وإن كان رجعيًّا، فلا نفقة لمدة كونها فراشًا للثاني، ولها عليه الأقلُّ من نفقتها منْ وقْت التفريق إلى الوضع، ونفقتها 1 في القَدْر الذي يكمل عدة الطَّلاَق بعد الوضع، وهو قرءان في المثال الذي تَكَرَّر؛ لأن الأقل منْهما واجبٌ بيقين، [فإنه إن] 2 كان الحَمْل من الأول، فنفقة زَمَانِ الحمل عليه، وإن كان من الثاني، فنفقة العدَّة عليه، هذا إذا قلْنَا: إن النفقة للحامل، أما إذا قلْنا: للحمل، فعلى أحدهما نفقةٌ مدةَ الحَمْل بيقين، فإذا أشكل الحال، أنفقا عليه بالسَّويَّة، فإن قلْنا: يصرف الجميع إلَيْها بعْد الوضع، أخذت من كل واحد منهما نصْفَ نفقتها، هكذا رتب أبو نصر صاحب "الشامل"، والقاضي الرُّويانيُّ في "جمع الجوامع" وهو الأقوم، وسيأتي على الأثَر ما يشهد له، ومنْهم مَنْ أطلق القول بأنه لا تطالَبُ واحدٌ منهما بنفقتها في مدة الحَمْل؛ لأنه لا يَدْرِي أن الحَمْل من أيهما هو، ولا يفرق هؤلاء بين قولنا: إن النفقة للحامل أو للحَمْل، وهذا ما أورده في الكتاب، فقال: "ولا تطالَبُ بالنفقة واحدًا منهما [في الحال] وإن قلْنا: يجب على الواطئ بالشبهة؛ لأنه الآن مشكل"، وعلى هذا، فإذا وضعته، فألحقه القائف بالواطئ، ففي الكتاب أنَّه لا تُطَالَبُ

بالنفقة الماضية بِنَاءً على أن نفقة القريب تَسْقط بمُضِيِّ الزمان، وهكذا ذكره الإِمام، والذي أورده صاحب "التهذيب" وجماعة: أنه يُطَالَب بتلْك النفقة، وقالوا: هذه النفقة تَصِير دَيْنًا في الذمة، وليست هي كنفقات الأقارب، قال الإِمام -قدس الله روحه-: ولم يَصِرْ أحدٌ من الأصحاب إلى أنه إذا ألحقه القائفُ بالزَّوْج، لا يُطَالَب بالنفقة الماضية تفريعًا على أنها للحَمْل، وأنها تسْقُطُ بمضي الزمان، والقياس يقتضي المَصِيرَ 1 إليه، هذا هو الكلام في نفقة المرأة.
وأما نفقة الوَلَدِ بَعْد الوضْع، فَهُوَ عَلَى مَنْ أَلْحَقَهُ القائِفُ به منْهما، وكذا حضانَتُه، فإن لم يكُنْ قائفٌ أو أشْكَلَ عليْه، فالنفقةُ عليْهِما مُنَاصَفَةً إلى أن يُوجَد القائف أو يبلغ الصبيّ، فينتسب إلى أحدهما، وفيه وجْهٌ ضعيفٌ: أنهما لا يطالبان بالنفقة في زمان الإشكال، وفَرَّقوا على المذهب نفقة الولَد، حيث أوْجَبْنَا عليْهما نصفين، وبين نفقة المرأة حيْثُ لا نوجبها في مدَّة الحَمْل تفريعًا على أن النفقة للحَامِل، بان 2 وجوبها على أحدهما غير مستيقنٍ؛ لجواز أن يكون الحَمْل من الواطئ بالشبهة، ولا نفقة علَيْه على هذا القول، ونفقةُ الولد يستيقن وجوبها على أحدهما، وليس أحدهما بأوْلَى من الآخر، فوزعناها عليهما، وهذا يَشْهَد لِمَا مرَّ أن نفقتها في مدة الحْمل تَجِبُ عليهما وتوجد منهما إذا فَرَّعنا على النفقة للحَمْل؛ لأنَّا على ذلك القوْلِ نتيقن وجُوبَها عَلَى أحدهما؛ كما نتيقن هاهنا وجوب نفقة الولد، ثم إذا أنفقنا ثم 3 لحق الولد أحدهما إما بإلحاق القائف أو بانتسابه، فيرجع الآخر علَيْه بما أنفق بشرطَيْن: أحدهما: أن يكون الإنفاقُ بإذْن الحاكم، وإلا، فهو مُتَبَرِّعٌ.
والثاني: أن لا يكونَ مُدَّعِيًا للوَلَدِ، فإن كان يدَّعِيه، فلا رجُوع له؛ لأنه أنْفَقَ عَلَى ولده بزعمه، ويتعلق بما نَحْن فيه فرعان: أحدهما: لو مات المولودُ في زمان الاشكال، فتَكْفِينُه عليهما كنفقته، وللأم من ماله الثُّلُثُ، والباقي يوقف بيْن الواطئ والزوج، حتى يصطلحا، فإن كان لها ولَدَان آخرَانِ، أو كان لكلِّ واحدٍ من الزوج والواطِئ ولدان آخران، فلها السُّدُس، فإن كان لأحدهما ولدان دون الآخر، ففيما للأم وجهان: أحدهما: الثلث؛ للشَّكِّ في أنَّهُما أخَوَانِ للميِّتِ أَمْ لا.
والثاني: السدس؛ لأنه متيقنٌ.

الثاني: أوصى إنسانٌ لهذا الحَمْل بشيْءٍ، وانفصل حيًّا، ثم مات، نُظِر؛ إن مات بعد قبول الزوج والواطئ الوصية، فالوصية مستقرة؛ لأن أحدهما أبوه، والمال لورثته، كما تبيَّن، وإن مات قبل أن يَقْبَلاَ، فحَقُّ القبول للورثة، ولو سَمَّى المُوصِي أحدَهُما؛ فقال: أوصَيْتُ لحَمْل فلان، فإن ألحقه القائف بغير المسمَّى، بَطَلَت الوصية، وإن ألحقه به صَحَّت، فإن نفاه باللعان، ففي بطلانها وجهان: وقوله "ويحتمل الرجعة هذا الوقف" كأنه يعني بالوَقْف ما في كل واحد من الرجعتين من التردُّد والتَّوقُّف.
وقوله "ولو اقتصر على إحداهما لم يحل" ليعلم بالواو؛ لما قدمناه، ويُشْبِه أن يرجح الحلُّ إذا اقتصر على الرجعة قَبْل الوضع، وليعلم أيضًا قوله "فإن قلنا يجب على الواطئ بالشبهة" بالواو، والأشْبَهُ أنها تُطَالِب على هذا القول، وكذا قوله "وإن قضى للواطئ فلا والأقرب المطالبة".
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ: الأَوَّلُ) العِدَّتَانِ مِنْ حَرْبِيَّيْنِ تَتَدَاخَلاَنِ عَلَى النَّصِّ لِأَنَّ اسْتِيلاَءَ الثَّاني يُبْطِلْ حَقَّ الأَوَّلِ وَقِيلَ: قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما ذكَرْنا أن العدَّتَيْن مِنْ شخصين لا تتداخلان، كان في الشخصَيْنِ المُحْتَرَمَيْنِ، فأما إذا طلَّق الحربيُّ زوجتَهُ فوطئها في العدَّة، حربي آخر بشبهة أو نكحها، ووطئها ثم أسلَمَتْ مع الثاني أو دَخَلاَ بأمان، وتَرَافَعَا إلينا، فقد حُكِيَ عن النصِّ أنه لا يجمع علَيْها بين عدتين، بل يكفيها واحدةٌ من يوم إصابة الثَّانِي، ورُبَّما نُسِبَ هذا النَّصُّ إلى باب التعريض بالخِطْبة، وعن القاضي أبي عليٍّ البندنيجي: إسناده إلى "الجامع الكبير" للمزنيِّ -رحمه الله- واختلف الأصحابُ في المَسْألَة على ثلاثة طرق: أحدها: القطْع بأنه لا تَكْتَفِي بعِدَّةٍ واحدةٍ، بل تُكَمِّلُ عدة الأوَّل، وتَسْتأنِفُ عدة الثاني كما في العدَّتَيْن عن مسلمَيْنِ، وذلك لأن العدَّة معتَبَرة في حقِّ الكفار، كما هي معتَبَرة في حقِّ المسلمِينَ، فيتساويان في حُكْمها، وهؤلاء لم يُثْبِتوا رواية النص.
والثاني: أن المسألة على قولَيْن: أحدهما: هذا.
والثاني: الاكتفاء بِعِدَّةٍ واحدة، لأنَّ حقوقهم ضعيفة، وماؤُهم غير محتَرَمٍ، فيراعى أصْل العدة، ويجعل جميعهم كالشخص الواحِدِ على هذه الطريقة، فالقول الثاني منْصوصٌ، والأول مُخرَّج من المَذْهب المقرّر في العدَّتَيْن منْ مسلِمَيْن، ونقل الشيخ أبو الفرج السرخسي، والقاضي الرُّويانيُّ: أن بعضهم خَرَّج من هذا النص فيما إذا كانت العدَّتان

من مسلِمَيْنِ أيضًا، وجَعَل الصورتَيْن على قولَيْن نقلاً وتخريجًا، وهذا غريبٌ 1 ضعيف.
والثالث: الأخْذُ بما نص عليه هاهنا، والقطْع به، وإذا قلنا: تَكْتفي بعدَّة واحدةٍ، فكيف التقدير؟ فيه طريقان: أحدهما: أن بقية العدة الأُولَى لا تَدْخُل في الثانية، بل تسقط؛ لأن حقوق الحربيين ضعيفةٌ متعرِّضة للسقوط بقهر الغير واستيلائه؛ ألا ترى أن الحرْبِيَّ يُسْتَرَقُّ، فتَبْطُل حقوقه في نفْسه وَتُسْتَرَقُّ زوجته، فيبطل نِكَاحُه، وتسترق مُعْتَدَّتُه، فتسقط العدَّة، ولو قهر حربيٌّ زوجة حربىِّ، يرتفع نكاح الأول، فكذلك استيلاء الثاني يبطل حقَّ الأوَّل.
والثاني: أن بقية العدَّة الأُولَى تدخل في الثانية، بخلاف عِدَّتَي المسلِمَيْنِ، وفرق بأن العدة عن الشخص المحترم تمنع سبب عدَّة أُخْرَى فلا تنقضي العدة الأخرى بالأقراء التي يمُرُّ بها حتى تتم العدَّة الأولى، والعدة عن غير المحترم 2 لا تمنع سبب عدة أخرى، حتى لو نكَحَها في العدَّة، وأسلما بعْد إنقضائها يُقَرَّانِ على النكاح، وإذا لم يمنع سبب عدة أخرى، لم يمنع ثُبُوت عدة أخرى، فجاز أن يجْتَمعا، والثانيةُ أقْوَى من الأولَى، فتدخل بقية الأولى فيها، وقد يختصر، ويقتصر على حاصل الخِلاَف، ويقال: في المسألة وجهان: أحدهما: تُكْمِل عدَّةَ الأولَى ثم تَعْتَدُّ عن الثاني.
والثاني: يَكْفِيها عِدَّةٌ واحدةٌ منْ وقْت إصابة الثاني، والأرْجَح منْهما: الأوَّل عنْد الإِمام والقاضي الرُّويانيُّ، وعليه جَرَى الأودني في المناظرة -رحمهم الله تعالى- والثاني عند البندنيجي وصاحب "التهذيب"، ونظْمُ الكتاب إلى هذا أقْرَبُ، ثم ذكر أبو سعْد المتولِّي -رحمه الله- أنه لو أسْلَمَتِ المرأةُ ولم يُسْلم الثاني، فلا بد من أن تكمل العدةَ

الأُولَى، ثم تعتدَّ عن الثاني؛ لأنَّه ليستِ العدَّة الثانية أقوى هاهنا، حتَّى تسقط بقية الأُولَى أو يدخل فيها، وأنَّ الأوَّل لو كان قد طلَّقها طلْقةً رجعيةً، وأسلمت مع الثاني ثم أسْلَم الأوَّل، وأراد الرجْعَة، فله الرجعة في بقيَّة عدته إن قلنا بدخولها في العدة الثانية، وإن قلنا بسقوطها، فَلاَ، وأنه، لو أراد الثاني أن ينكحها، فله ذَلِكَ، إنْ قلنا بسقوط بقيَّة العدَّة الأولى؛ لأنها في عدته، وإنْ قلنا بدخولها في الثانية، فلا، حتى تنقضي تلْك البقية، وأنَّها إن كانت حاملًا من الأول، لم يكْفِها عدةٌ واحدةٌ بل تستأنِفُ بعد الوضْع عدَّةَ الثاني، وان أحبلها الثاني، فإن قلنا: إن بقية العدة الأولى تَسْقُط، فكذلك هاهنا، ويكفيها وضْع الحَمْل، وإن قلْنا بالتداخل، فتعود بعْد الوَضْع إلى بقيَّة الأُولَى؛ لأن الحَمْل ليْسَ من الأوَّل، فلا تنقضي به عدته 1. ولو طلَّق الحربيُّ زوجَتُه، فوطئها في العدَّة حربيٌّ آخرُ في نكاح، وطلَّقها، جَرَى فيه الخلاف، وفيه صور الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- في "الوسيط" المسألة، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "على النص" بالواو؛ لإنكار من أنكر النص.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): البَائِنَةُ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ يُعَاشِرُهَا عَلَى الأَقْيَسِ (و) وَالرَّجُعِيَّةُ لاَ تَنْقَضِي عِدَّتهَا مَعَ المُجَالَسَةِ عَلَى الأَظْهَرِ فَإِن طَالَتِ المُفَارَقَةُ ثُمَّ جَرَتْ خَلْوَةٌ احْتَمَلَ أَنْ تَنْقَطِعَ وَاحْتَمَلَ أَنْ يُبْنَى مَا بَعْدَهَا عَلَيهَا وَمُخَالَطَةُ الأَجْنَبِيِّ لاَ تَمْنَعُ العِدَّةَ وَمُخَالَطَةُ الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ بَعْدَ انْجِلاَءِ الشُّبْهَةِ لاَ يُؤَثِّرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طلَّق زوجته، وهجرها، أو غاب عنها، انقضتْ عدتها بمضيِّ الأقراء أو الأشهر، ولو لم يهجُرْها، بل كان يطؤها، فإن كان الطلاق بائنًا، لم يمنع ذلك انقضاء العدة؛ لأنَّه وطأه زِناً لا حرمة له، وإن كان رجعيًّا، قال في "التتمة": لا تَشْرع في العدَّة ما دام يطؤها؛ لأن العدَّة لبراءة الرَّحِم، وهي مشغولَةٌ بما يشغل الرحم، وإن كان يطؤها، ولكن يخالِطُها ويعاشرها معاشرةَ الأزواج، في انقضاء العدَّة وجهان: أحدهما: أن ذلك يمنع الاحتساب؛ فإنَّها تشبه الزوجاتِ دون المطَلقات.
والثاني: لا يمنع؛ لأن المخالطة لا تقتضي عدَّة، فلا يمنع مضيَّ العدة بخلاف الوطء، وهذان الوجهان أطلقهما أبو سعْد المتولِّي، هكذا، ولم يفرِّق بين الطلاق البائن والرجعىِّ، كذلك نقل صاحب الكتاب في "الوسيط"، وأضاف وجْه المنع إلى قدماء الأصحاب، وحكي عن المحقِّقين أن القياس الاحْتِساب؛ لأن أمْر العِدَّة مبنيٌّ

على مضيِّ المدة والإخلال بما فيها من الواجبات؛ كالإحداد، وملازمة المسكن لا تمنع انقضائها، فكذلك الإخلال بالاعتزال 1، ثم حكي عن القاضي الحُسَيْن الفَرْق بين أن يكون الطَّلاق بائنًا أو رجعيًّا، فإن كان بائنًا، لم يمنع انقضاء العدة بالمخالطة والمعاشرة، وإن كان رجعيًّا امتنع وهذا الوجْه كوجْه فارق مضموم إلى الوجهَيْن المُطْلَقَيْن، وهو الحاصل مما رجَّحه صاحب الكتاب، وبه أخذ الأئمة -رحمهم الله- منْهم القَقَّال، وبه أجاب صاحب "التهذيب" في الفتاوى، وهو المذكور في "التهذيب"، وفي "الحلية" للقاضى الرُّويانيِّ، وفرق بأنه إذا كان الطلاق بائنًا، فالمخالطة محرمة بلا شبهة، فلا تؤثِّر في العدة كوطئها الذي هو زنا، وفي الرجعيَّة الشبهةُ قائمةٌ، وهو بالمعاشرة والمخالطة مستفرش لها، فلا يُحْسَب زمانُ الاستفراش من العدَّة، كما لو نكحت زوجًا في العدة، وهو جاهل، لا بحسب زمان افتراشه، فلا بد [من] 2 أن يقوى بالاعتزال، ومخالطةُ الأجنبيِّ لا تؤثِّر، كما أن وطاه لا يؤثر، فإن كانت المخالطة عن شُبْهة، فيجوز أن لا تُحْتَسب كما مَرَّ أنها في زمان الوطء بالشبهة خارجةٌ عن العدة، ومخالَطَةُ الزوْج بعْد ظهور الحال وانجلاء 3 الشبهة كمخالطة الأجانب، ثم في الفرع فائدتان: إحداهما: قال الشيخ الفراء -رحمه الله - في الفتاوى الذي عنْدي أنَّه لا رجعة للزوج بعد انقضاء الأقراء، وإن لم تنقض العدَّة بسبب المفارقة أخْذًا بالاحتياط من الجانبين، كما لو وطئ الرجعيَّة بعْد مضيِّ قرءين منْ وقت الطلاق، عليها أن تعتد بثلاثة أقراء منْ وقت الوطء، ولا تجوز الرجْعة في القرء الثالث منْها، وفي فتاوى القَفَّال -رحمه الله- ما يوافق هذا، وأما لحوق الطَّلْقة الثانية والثالثة، فيستمر إلى انقضاء العدة، فإنه مُقْتَضَى الاحتياط، وقد صرَّح به الرُّويانيُّ في "حليته".
والثانية في "البسيط": أنه يكفي في الحكم بالمعاشرة الخَلْوة، ولا يكفي دخول دار هي فيها، ولا يُشْترط تواصُلُ الخَلوة، بل يكفي أن يَخْلُوَ بها الليالي، ويفارقها الأيام، كما هو المعتاد بين الزوجين، ولو طالت مدة المفارقة، ثم جَرَتْ خَلْوة، ففيه احتمالان مذكوران في الكتاب: أحدهما: تنقطع العدَّة، ويجب الاستئناف؛ لأن تلفيق أوقات المفارقة بعيدٌ.
وأشبههما: البناء على ما مَضَى، وأُجُرِيَ الخلاف في الفَرْع فيما إذا طَلَّق زوجته

الأمة، فأخَذ السيد في معاشرتها، هل يمنع ذلك من الاحتساب بالعدَّة؟.
قال صاحب "التهذيب" في الفتاوى: وإذا طلَّق زوجته ثلاثًا، ونكحها في العدة على ظن أن عدَّتها قد انقضت، وأنها نكحت زوجًا آخر، فينبغي أن يقال: زمان استفراشه إيَّاها لا يُحْسب من العدة، كزمان استفراش الرجعيَّة، وهذا كما ذكرنا في مخالطة الأجنبي بالشبهة، وجميع ما ذكرناه فيما إذا كانت حائلاً، أما المعتدة بالحَمْل، فلا شك أن معاشرتها لا تَمْنع انقضاء العدة بالوَضْع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) إِذَا نَكَحَ مُعْتَدَّةً عَلَى ظَنِّ الصِّحَّةِ انْقَطَعَتْ عِدَّةُ النِّكَاحِ وَتَنْقَطِعُ بِمْجَرَّدِ العَقْدِ أَوْ بِمُجَرَّدِ الزِّفَافِ أَوْ بِحَقِيقَةِ الوَطْءِ فِيه تَرَدُّدٌ وَلاَ تُحَرَّمُ (م) المُعْتَدَّةُ عَلَى نَاكِحِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان: إحداهما: عرف 1 أنه إذا نكح معتدة على ظنِّ الصحة ووطئها، لم يُحْسب زمان استفراشه إيَّاها عن عدَّة الطلاق، ومِنْ أي وقت يُحْكَم بانقطاع العدة؟ فيه وجهان: وقيل قولان: أحدهما، وبه قال القفَّال الشاشيُّ -رحمه الله- مِن وقْت العقد؛ لأنها بعقد النكاح مُعْرِضة عن عدة الأول.
وأصحهما: من وقت الوطء لأنَّ النكاح الفاسد لا حرمة له، ولا تُجْعل المرأة فراشًا ما لم يوجد الوطء فإن قلْنا: من وقت العقد، فلو لم تُزَفُّ إليه، فجواب الإِمام، وهو الأقوى: أنه يَتَبَيَّن أن العدة لم تنقطع؛ لأنه لم يوجد إلا لفْظ فاسدٌ، وذلك بعيد عن تأثُّر العدَّة، وحكاية غيره عن الشاشيِّ تفهم أن مجرَّد النكاح قاطعٌ وإن لم يوجد وطء وزفاف، وإذا زُفَّت إليه، فكان يخلو بها ويعاشرها ولكن لم يطأها، فهل يكون ذلك كالوطء؟ أشير فيه إلى تردُّد، ويمكن أن يوجد ذلك من الخلاف؛ في أن مخالطة الرجعيَّة هل هي كوطئها؟ وأفصح صاحب "التجريد" بذكر الخلاف وروايته، فقال: لو تزوَّج امرأةً بنكاح فاسد، وخلا بها ولم يطأْها، هل تصير بهذه الخَلْوة فراشًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الخَلْوة تُسلَّط على الإصابة، فصارت كالاصابة، ذكره أصحابنا الخُرَاسانِيُّون.
والثاني، وهو الصحيح: أنها لا تصير فرشًا ما لم يطأْها؛ لأن العَقْد فاسد،

فأقيمت الخَلْوةُ أو المخالطة مقام الوطء، فتنقطع العدة بالعَقْد المستعقب للخلوة، كما تنقطع بالعقد المستعْقب للوطء، وإذا قلْنا إن الانقطاع من وقت العقد، فينقطع بالزَّفَاف كما ينقطع بالوطء، إذا قلنا بالقول الآخر، ويخرج من ذلك ثلاثة مذاهب فيما تنقطع به العدة، كما أشار إليها في الكتاب.
الثانية: الجديد الصحيح أن المعتدَّة لا تُحرَّم مؤبدًا على من نَكَحَها في العدَّة جاهلاً ووطئها، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-، واحتج له بأنه وطء شبْهة، فلا يقتضي التحريم المؤبَّد، كالوطء [في] 1 النكاح بلا وليِّ ولا شهود، وعن القديم: أنها تُحَرَّم عليه على التأبيد، وبه قال مالك.
[ووجِّه بأنه استعجل الحق، قبل وقته، فأورث الحرمان] كما لو قتل مورِّثه، وعن أحمد -رحمه الله- روايتان، كالقولين، ومن الأصحاب مَنْ لم يجْعل المنقول عن القديم قولاً للشافعيِّ، وقال إنَّه يُحْكَى مذهب الغَيْر، وذكر الذين سلَّموه وجهَيْن في أن التحريم المؤبَّد، هل يشترط فيه تفريق الحاكم؟ فعلى وجْه، لا بد فيه من الحاكم، كتفريق اللعان، وعلى وجه: لا حاجة إليه كتحريم الرضاع، ونقل القاضي الرُّويانِيُّ إجراء القول القديم في كل وطء يفسد النسب كوطء زوجته الغير أو أمته بالشبهة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ) إِذَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَفِي جَوَازِ الاكْتِفَاءِ بِبَقِيَّةِ العِدَّةِ السَّابِقَةِ قَوْلاَنِ وَإِنْ كَانَتْ بَائِنَةً فَجَدَّدَ نِكَاحَهَا ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ يَكْفِيهَا (ح) بَقِيَّة العِدَّةِ السَّابِقَةِ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةِ عَادَتْ إِلَى نِكَاحِ كَانَ فِيهِ وَطْءٌ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لاَ تَسْتَأْنِفُ وَحَيْثُ نَقُولُ بِالاسْتِئْنَافِ فَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا فَيَكْفِيهَا وَضْعُ الحَمْلِ وَلَوْ رَاجَعَهَا فَوَضَعَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقُلْنَا بِالبِنَاءِ رَجَعْنَا إِلَى قَوْلِ الاسْتِئْنِافِ لِلضَّرُورَةِ وَتَعَذُّرِ البِنَاءِ وَقِيلَ: سَقَطَتْ عَنْهَا البَقِيَّةُ للتَّعذُّرِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ أَمَّا إِذَا رَاجَعَ الحَائِلَ فِي الطُّهْرِ الثَّالِثِ ثُمَّ طَلَّقَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهَا إِذْ بَعْضُ الثَّالِثِ كَجَمِيعِهِ فَلاَ بَقِيَّةَ عَلَيْهَا وَقِيلَ: البَعْضُ مِنْ أَوَّلِ الطُّهْرِ لاَ أَثَرَ لَهُ فَعَلَيهَا قُرْءٌ آخَرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طلق امرأته طلاقًا رجعيًّا، ثم راجعها انقطعَت العدة بالرجْعة، فإن طلَّقها بعْد ذلك، فإما أن تكون حائلاً أو حاملاً.
الحالة الأولى: أن تكون حائلاً، فيُنْظر؛ إن مسها بعد ما راجَعها، فلا بد من استئناف العدَّة؛ لأن المسيس يقتضي عدةً كاملةً، فإن لم يراجعْها ولم يَمَسَّها، فقولان: القديم، وُيرْوى عن مالك: أنها تبنى 2 على العدة السابقة، وتكفيها أيامها؛ لأنها

حُرِّمت عليه بالطلاق الأول، ولم يمَسَّها في الحل المستحدث، فأشبه ما إذا أبانها ثم جدَّد نكاحها، وطلَّقها قبل أن يَمَسَّها، فإنها تبني.
والجديد، وبه قال أبو حنيفة والمُزنيُّ: أنها تستأنف؛ لأنها بالرجْعة عادت إلى النكاح الذي مَسَّها فيه، فالطلاق الثاني طلاقٌ في نكاح وُجِد فيه المسيس، وصار كما إذا ارتدَّت المرأة بعْد المسيس وعادَتْ إلى الإِسلام ثمَّ طلَّقها تستأنف العدَّة، فإذا قلْنا بالبناء، فلو راجَعَها في خلال طُهْر مثل أن يراجعها في الطهر الثالث، فهَلْ يحسب ما مَضَى من الطهر قرءاً؟ حكى في الكتاب فيه وجهَيْن: أحدهما: نعم؛ لأن بعْض القرء نازل منزلة جميعه؛ فعَلَى هذا إذا كانت الرجْعة في الطهر 1 الثالث، ثم طلَّقها، فلا شيء عليها على قول البناء؛ لتمام الأقراء بما مضَى.
والثاني: لا، وعليها في هذه الصورة قرء ثالث، وإنما يجعل 2 بعض الطهر من آخره قرءاً؛ لاتصاله بالحيض، ودلالته على البراءة، وأما البَعْض من الأول، فلا معْنَى لجعله قرءاً، ونظْم الكتاب يقتضي ترجيح الوجْه الأول، ونسبه في "البسيط" و"الوسيط" إلى القَفَّال، ونسب الثاني إلى الشيخ أبي محمَّد، والظاهر الثاني، وهو الذي أورده صاحب "التتمة" والقاضي الروياني، وحكاه الرُّويانيُّ عن القفَّال، والله أعلم.
الحالة الثانية: أن تكون حاملاً، فإن طلَّقها ثانية 3 قبل وضع 4 الحمل، انقضت عدتها بالوضع، مسَّها أو لم يَمَسَّها، والبقيَّة إلى الوضع تصلح أن تكون [عدةً] 5 مستقبلة، وإن وضعت ثم طلَّقها، فإن مَسَّها، إما قبل الوضع أو بعده، فعليها استئناف العدَّة بالأقراء، وإن لم يمَسَّها، فإن قلْنا: الحامل تستأنف، فكذلك هاهنا، وإن قلْنا هناك بالبناء، فتتعذر [بناء] 6 الأقراء على الحَمْل، وفيها وجهان: أظهرهما: أنها تستأنف العدَّة بثلاثة أقراء؛ لأنه طلاق في نكاح وُجِدَ فيه المسيس، على ما ذكرنا، فيوجب العدَّة، والوضْعُ حَصَل في صُلْب النكاح، والعدَّة لا تنقضي بما يُوجَد في صُلْب النكاح.
والثاني: أنه لا عدَّة عليها، ويحكم بانقضائها بالوضْع، وإن كانتْ تحت الزوج، ويجوز أن تنقضي العدَّة بالحَمْل تحت الزوج، وإن كانت لا تنقضي بالأقراء والأشْهُر تحته، كما أن المعتدة لو وطئها واطئ بالشبهة، وأحْبَلَهَا، تنقضي عدتها عن الوطء بوضع الحمل، ولولا الحمْلُ، لكان لا ينقضي بالأقراء والأشهر؛ لاشتغالها بعدَّة الزوج، فهذا إذ

راجعها ثم طلقها ثانياً.
ولو لم يراجعْها، وطلَّقها طلقةً أخرَى، ففيه طريقان: أحدهما: أن وجوب الاستئناف على القولَيْن؛ لأن الطلاق مَعْنى لو طرأ على الزَّوْجة الممسوسة أوجب العدَّة، فإذا طرأ على الرجْعية أوجبها كالوفاة.
والثاني: القطْع بالبناء؛ لأنَّ الطلاق الثاني يُؤَكِّد الأول والعدَّةَ منْه، بخلاف الرجعة، فإنها تضادُّه فتنقطع العدة، [و] 1 لأنهما طلاقان لم يتخلَّلْها وطء [ولا رجعة،] 2 فصار كما إذا طلقها طلقتين معاً، وبهذه الطريقة قال أبو إسحاق، ورجَّحها غير واحد من الأصحاب، وبالأُولَى قال الإصطخريُّ وابن خيران، ورجَّحها القفَّال، واحتج بأن للشَّافعيِّ -رضي الله عنه- قولاً في "الإملاء" فيما إذا قال لامرأته: كلَّما ولدتِّ ولداً، فأنتِ طالقٌ، وولدت ثلاثة أنها تُطلَّق بالثالث الطلقة الثالثة، وأنها تستأْنف الأقراء، وذلك لا يُخَرَّج إلا على قولنا: إن الطلقة اللاحقة توجب استئناف العدة، وقد مرت المسألة في موْضِعِها، والظاهر هاهنا البناء، وإن قلنا بطريقة الخلاف، ولو راجعها ثم خالعها، فإن جعلْنا الخُلْع طلاقاً، فهو كما لو طلَّقها بعد الرجعة، وإن جعلْناه فسخاً، فطريقان: أحدهما: أن وجوب الاستئناف على القولَيْن في الطَّلاق.
والثاني: القطْع بالاستئناف؛ لأن الفَسْخ ليس من جنْس الطلاق، فلا تبنى عدَّة أحدهما على عدة الآخر، وهذا أظْهَر عند القاضي الرُّويانيِّ -رحمه الله-، ويجري الطريقان في سائر الفُسُوخ، وذلك مثْل أن ينكح عبْدٌ أمَةً ثم يُطلِّقها طلاقاً رجعيّاً ثم تُعْتَق الأمة، ويفسخ النكاح.
هذا كلامُنا في الطلاق الرجعيِّ.
ولو طلَّق امرأته الممسوسة على عوض أو خالَعَها، فله أن ينكحها في العدَّة، وفي "المهذب" أن المزنىِّ لم يجوز له أن يَنْكِحَها، كما لا يجوز لغيره، وهو غريبٌ، وإذا نكحها، فعن ابن سريج: أنَّه لا تنقطع العدَّة ما لم يطأْها كما لو نكحها أجنبيٌّ في العدَّة جاهلاً.
والصحيح: أنه تنقطع بنفس النكاح؛ لأنَّ نكاحَه صحيح، وإذا صارت المرأة زوجةً له، لم يجز أن تكون معتدَّة منه، ونكاح الأجنبىِّ فاسدٌ؛ وعلى هذا فلو طلَّقها بعْد التجديد، نُظِرَ؛ إن كانت حاملاً، انقضت عدتها بوضْع الحمل، وإن كانت حائلاً، فإن لم يدْخُل بها، بنت على العدة السابقة، ولم يَلْزمْه إلا نصْف المهر؛ لأن هذا نكاحٌ جديد طلَّقها فيه قبل المسيسى، فلا تتعلَّق به العدة وكمال المهر، بخلاف ما سبق في الرجعية، فإنها تعود بالرجعة إلى ذلك النكاح.

وقال أبو حنيفة: تستأنِفُ العدَّة، ويكمل مهرها، والله أعلم.
وأما لفْظ الكتاب فقوله "إذا راجعها ثم طلَّقها" يعني قبل أن يَمَسَّها، وفي تصريحه بذلك في مسْألة البائنة بعْده ما يفهم.
وقوله: "يكفيها بقيَّة العدة السابقة" ليعلم بالحاء وفي قوله "فالصحيح أنها لا تستأنِفُ" يمكن حَمْله على الصحيح من الطريقَيْن كما اختاره مختارون، وبمكن حمله على الصحيح من القولَيْن، جواباً على طرد الخلاف، وقوله فيما إذا وضعت بعد الرجعة ثم طلَّقها، "وقيل سقطت عنها البقية للتعذر" يجوز أن يقال معناه: إن البقية كان من حقِّها أن لا تكون في صلْب النكاح، فإذا وقعَتْ فيه، وتعذَّر تداركها، سَقَطَت، ولم يبق شيء تبنيه على ما مضى.
وقوله "أما إذا راجع الحائل في القرء الثالث" لما تأخَّرت الصورة عن الكلام في الحامل، احتاج إلى لَفْظ الحائل، ولو تقدَّمت عليه، لكان أحْسَنَ من تفرعه على قوْل البِنَاء، وإن لم يتعرَّض لفْظ الكتاب له، وأما على قول الاستئناف، فعليها ثلاثة أقراء أخرى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ) إِذَا خَالَعَ المَمْسُوسَةَ ثُمَّ جَدَّد وَوَطِئَ وَخَالَعَ انْدَرَجَتِ البَقِيَّةُ الأُولَى تَحْتَ هَذِهِ العِدَّةِ وَإِنْ مَاتَ فَهَلْ تَنْدَرجُ تِلْكَ البَقِية تَحْتَ عِدَّةِ الوَفَاةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكرنا الآن أنه إذا خَالَع الممسوسة، ثم جدَّد نكاحها ومسَّها، ثُمَّ طلَّقها أو خالَعَها 1 ثانياً، يلزمها استئناف العدَّة، ويدخل في العدة المستأنفة بقية العدة السابقة على قياس ما ذكَرْنا فيما إذا طلَّق ثم وطئ في 2 العدَّة في الصورتين جميعاً مِن شَخْص واحد، ولو مات هاهنا بعد التجديد، فقد حكى صاحب الكتاب وجهَيْن في اندراج تلْك البقية تحْت عدة الوفاة؛ لأن عدَّة الطلاق وعدة الوفاة مختلفا الجنْس 3، وهما كالوجهَيْن في التداخُل فيما إذا وطئ الزوْجُ المعتدَّةَ عن الطلاق، كانت إحدى العدتين بالحمل، والأخرى بالأقراء، واعلم أن نصْب الوجهين في الاندراج وعَدَمِه يُشْعر بلزوم البقية، ورد النظر إلى أنها هل تَدْخُل في عدَّة الوفاة؟ والذي أورده صاحب

"التهذيب" وغيره -رحمهم الله- أن تلْك البقيَّة تسْقُط كما لو مات عن الرجعيَّة يسقط ما بقي من عدتها، ويكفيها عدَّة الوفاة بلا خلاَفٍ، وهذه فروعٌ تتعلَّق بالباب نختمه بها.
نكحت المعتدَّة من الوفاة بعْد مضي شهرين مِنْ عدتها مثلاً، ووطئها الزوج جاهلاً، وأتت بولَدٍ يمكن أن يكون منْ كل واحد منْهما، ولا قائف، فعدتها تنقضي بوضْع الحمل مِنْ أحدهما، وعليها بعْد الوضع أقصى الأمرين مِنْ بقية عدة الوفاة أو ثلاثة أقراء، فإن مضت الأقراء قبل تمام عدة الوفاة، فعليها إكمال عدة الوفاة؛ لاحتمال أن يكون الحَمْل مِنَ الثَّانِي، وإن مضَتْ بقية عدَّة الوفاة قبْل تمام الأقراء، فعليها إتمام الأقراء؟ لاحتمال أن يكون الحَمْل منَ الأوَّل.
وطئ الشريكان الجارِيَةَ المشتركةَ، فعليها الاستبراء عنْ كلِّ واحدٍ منهما، ولا يتداخل الاستبراءان كما لا تتداخل العدَّتان عن شخصين، ونقل الرُّويانيُّ وجهاً: أنه يكفيها قرءٌ واحدٌ عنْهما، وضعَّفه.
أحبل امرأة عن وطء شبهة، ثم نكَحَها، ومات عنْها قبْل أن تضع الحَمْل، فهل تنقضي عدَّة الوفاة بوضع الحَمْل؟ فيه وجهان: لابن سريج في وجْه: تنقضي، وفي وجه: أنها تنقضي إذا مضى أكثر الأجلين من وضع الحمل ومدة عدة الوفاة، ولو طلَّقها بعد الدخول، ففي انقضاء العدتين بالوَضْع الوجهان.

القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ فِي عِدَّةِ الوَفَاةِ وَالسُّكْنَى

وَفِيهِ بَابَانِ قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الأَوَّلُ فِي العِدَّةِ)

وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ وَإِنْ لَمْ تَحِضْ (م) فَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً فَلَوْ وَضَعَتْ فِي الحَالِ حَلَّتْ لِلأَزْوَاجِ (و) وَيَحِلّ لَهَا غَسْلُهُ بَعْدَ الوَضْعِ وَبَعْدَ نِكَاحَ زَوْجٍ آخَرَ أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا مات زوْجُ المرأة، لزمتها عدَّة الوفاة بالإجماع والنصوص، وعدةُ الوفاة، إن لم تكن المرأة حاملاً، أربعةُ أشهرٍ وَعَشَرَةُ أيام بلياليها؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وكانت هذه العدَّة في ابتداء الإِسلام بسنة على ما قال تعالىَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: 240] ثم نُسِخَتْ وتستوي في عدَّة الوفاة الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها، والمدخول بها، وغيرها؛ أخذاً بإطلاق الآية؛ ولم تُخَصَّص بالمدخول بها، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] حيث خَصَّصت بالمدخول بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:

49] ولا يقاس المتوفَّى عنها على المطلَّقة؛ لأن عدَّة الوفاة لو شرط فيها الدخول لم يُؤْمن أن ينكر الدخول، حِرْصاً على الأزواج، وليس هاهنا من ينازعها، فيقضي الأمر إلى اختلاط المياه، وفي المطلَّقة صاحق الحق حَيّ ينازع، فلا يتجاسر على الإنكار 1 وأيْضاً ففُرْقَة الموت لا اختيار فيها، فأُمِرَتْ بالتفجع وإظهار الحزن؛ لفراق الزوج، ولذلك وجب فيه الإحداد، وفُرْقة الطلاق تتعلَّق باختيار المُطَلِّق، وقد جفاها بالطلاق، فلم يكن عليها إظهار التفجُّع والحزن، وأيضاً، فالمقصود الأعظم في عدة الطلاق تعرف براءة الرحم، ولذلك اعتبرت بالأقراء، وفي عدة الوفاة المقصود الأعظم حقُّ الزوج ورعاية حرمة النكاح؛ ولذلك اعتبرت بالشهور التي لا تقوى دلالتها على البراءة، وتعتبر مدة العدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شَهْر هلاليِّ، وكان الباقي أكْثَرَ من عَشَرة أيام، فتعتد بما بقي، ويحسب ثلاثة أشهر عقيبه بالأهلة، ويكمل ما بقي من شهر الوفاة ثلاثين من الشهر الرابع بعْد الثلاثة، وتضم إليها عَشَرة أيام، فإذا انتهت إلى الوقت الذي مات فيه الزوْجُ يوم مات، فقدإنتهت العدة، وإن كان الباقي أقلَّ من عشرة أيام فَتَعُدَّهُ وتحسب أربعة أشهر بالأهلة عقيبه، وتكمل الباقي من الشهر السادس، وإن كان الباقي عَشَرَةً بلا زيادةٍ ولا نقصان، فتعتد إليها، وتضم إليها أربعة أشهر 2 بالأهلة، وحكى أبو الفرج السرخسي عن أبي حنيفة وبعض أصحابنا: أنه إذا انكسر البَعْض، انكسر الكل، فيراعى العدد، وقد سبق مثله في نظائره، وإن انطبق الموت على أول الهلال، حُسِب أربعةَ أشهر بالأهلة، وضُمَّت إليها عشرة أيام من الشهر الخامس، ولو كانت محبوسةً لا تعرف الاستهلال اعتدت بالأيام، وهي مائة وثلاثون يوماً، والأمة تعتدُّ بنصف ما تعتدُّ به الحرة، وهو شهران وخمسة أيام، ولا فرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم الحيض على عادَتِها أو لا تراه، وتنقضي العدة على التقديرَيْن؛ لإطلاق الآية، وقال مالك -رحمه الله-: تُشْتَرَط أن تَرَى الحَيْض فيها على عادتها، وبعضهم ينقل أن الشرط عنده أن تحيض في المُدَّة.
واعلم قوله في الكتاب "وَإنْ لَمْ تَحض" بالميم؛ لما حكينا من مذْهبه، ولو مات الزَّوْجُ، والمرْأَةُ في عدَّة الطلاق، فإن كانت رجعيَّةً، سَقَط عنْها عدة الطلاق، وتنتقل إلى عدة الوفاة، حتى يلزمها الإحداد، ولا تستحق النفقة، وإنما قدمت عِدَّة الوفاة؛

لأنها آكد؛ ألا تراها تجب قبْل الدخول وبعده، وإن كانت بائناً، تكمل عدة الطلاق، ولها النفقة إذا كانت حاملاً 1، ولا تنتقل إلَى عدة الوفاة وعنْد أبي حنيفة -رحمه الله- المبتوتة في مرض الموت يلزمها عدَّة الوفاة، ولا تسقط فيها عدَّة الطلاق فتعتد بأقصاهما، هذا إذا لم يكن المتوفَّى عنها زوجُها حاملاً، فإن كانَتْ حاملاً، فعدَّتها بوَضْع الحمل على الشرائط المذكورة في عِدَّة الطلاق، ولا فَرْق بيْن أن يتعجَّل الوضع، أو يتأخَّر.
قال الأئمة -رحمهم الله-: وظاهر الآية يقتضي وجوب الاعتداد بالمدة، وإن كانت حَامِلاً.
لكن ثبت أن سبيعة الأسلمية وَلَدَتْ بعد وفاة زوْجها بنصْف شهر، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 2: "حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ من الأزواج" وعن عمر 3 -رضي الله عنه- أنه قال: "لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى السَّرِيرِ 4، حَلَّتْ" وقد قدمنا في "كتاب الجنائز" أن الزوجة تُغَسِّل زوجها، ورُوِيَ 5 عن عائِشَةَ: أنها قالت: لو استقبلنا مِنْ أمرنا ما استَدْبَرْنا مَا غَسَّلَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا نساؤه، وغسل أبا بكر 6 زوجته أسماء بنت

عُمَيْس -رضي الله عنهما- وكان قَدْ أَوْصَى بذلك.
وإلى متى تُغَسِّلُه؟ فيه ثلاثة أوجه، ذكرناهاهناك، ففي وجه: تغسله ما لم تنقض عدتها؛ لبقاء أثر النكاح ما بقيت العدَّة، فعلى هذا، وضعت، والزوج لم يُغَسَّل بعْدُ، لم يكن لها غسله، وفي وجْهٍ: ما لم تَنْكِحْ زوجاً غَيْرِه، فإذا نَكَحَتْ، لم يجز، وشبه ذلك بامتداد لحوق النسب إلى أن تنكح غيره، والأظهر، وهو الذي أورده صاحب الكتاب: أنه لا ضبط، ولها غسله أبداً بحُكم النكاح الذي كان.
وقوله في ترجمة القسم "في عدَّة الوفاة والسكنى" كانه قصد إيراد السكْنَى بعد عدة الطلاق والوفاة، جميعاً؛ لأن لها مدخلاً فيهما جميعاً، أما في عدَّة الطلاق فوفاق، وأمَّا في عدة الوفاة، فعلى خلافٍ سيأتي، إنْ شاء الله تعالى.
فَرْعٌ: عدَّة الوَفَاة تَخْتَصُّ بالنكاح الصحيح، فاما إذا نكح نكاحاً فاسداً، ومات قبْل الدخول، لم تلزم العدة، وكذا لو فرق القاضي بينهما، وإن جرى دخولٌ ثم مات أو فُرْق بَيْنهما فتعتد للدخول، كما تعتد عن الوطء للشبهة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأتَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ البَيَانِ فَعَلَى إِحْدَاهُمَا عِدَّةُ الطَّلاَقِ وَعَلَى الأُخْرَى عِدَّةُ الوَفَاةِ فَعَلَيْهِمَا أَقْصَى الأَجَلَيْنِ إِنْ كُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الأَقْرَاءِ لِلاحْتِيَاطِ وَإِنْ كُنَّ حَوَامِلَ فَيَكْفِي الوَضْعُ أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الأَشْهُرَ فَيَكْفِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا طَلَّق إحْدى امرأتيه، ومات قبْل أن يبين التي أرادها، وقبل أن يعيِّن واحدةً منهما، إن أبهم، فيُنظر؛ إن لم تكونا ممسوستين، فعليهما الاعتداد بِعِدَّة الوفاة؛ لأن كل واحدة منهما تحتمل أن تكون مفارقة بالموت، كما يحتمل أن تكون مطلَّقة، فلا بد مِنَ الأخذ بالاحتياط، وإن كانتا ممسوستين، فإن كانَتَا مِنْ ذَوات الأشهر، فكذلك الجواب؛ لأن كل واحدةٍ بين أن يلزمها ثلاثة أشهر، وبين أن يلزمها أربعة أشهر وعشر، فيجب الأكثر، فإن كانتا حاملَيْن، فتعتدان بِوَضْع الحَمْل؛ لأن عدَّة الحامل لا تخْتَلف بالتقديرَيْن، وإن كانتا مِنْ ذوات الأقراء، فإما إنه أراد واحدة بعينها أو أبهم إن أراد واحدةً بعينها، فعلى كل واحدةٍ منهما الاعتداد بأقصى الأجلَيْنِ مِنْ عدة الوفاة 1 من ثلاثة اقراء؛ لأنها إن كانَتْ مطلْقةً، فعليها الأقراء، وإن كانت مفارَقَةً بالموت، فعلَيْها عدة الوفاة، فيطلب يقين البراءة، ثم الأقراء تُحْسب من وقت الطلاق، وعدة الوفاة [من حين الموت] حتى لو مضى قرء من وقت الطلاق، ثم مات الزوج، = وروى مالك في الموطإ عن عبد الله بن أبي بكر: أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر، قال البيهقي: وله شواهد عن ابن أبي مليكة، وعن عطاء، عن سعد بن إبراهيم، وكلها مراسيل، وقد تقدم في الجنائز.

فعليها الأقْصَى من عدة الوفاة، ومن قرءين من أقرائها، فلو مضَى قرءان، ثم مات الزوج، فعَلَيْها الأقْصَى من عدة الوفاة، ومن قروء 1 هذا هو الظاهر المشهور، وفي "البَحْر" نقل وجْه أنَّ الأقراء أيضاً تُحْسَب من وقْت الموت؛ لأنهما يُشْبِهان الزوجين إلى وقْت الموت، وعَلَى هذا، فيجب أن تكون الأقراء كلُّها بعد الموت، وهذا في الطلاق البائن، فان كان رجعيّاً، فالرجعة تنتقل إلَى عدَّة الوفاة، إذا مات زوْجُها، وهي في العدَّة، فعلَى كل واحدة منهما الاعتداد بِعِدَّة الوفاة، وإن كان قد أبهم الطلاق، ومات قبْل التعيين، فيبنى على أنَّه لو عيّن وقَعَ الطلاق مِنْ وقْت اللفظ أو مِنْ وقْت التعيين؟ وفيه خلافٌ مذكورٌ في الطلاق [من وقت اللفظ، فالحكم كما ذكرنا فيما إذا أراد واحدةً بعينها، وإن قلنا] 2 التعيين، فوجهان: أشهرهما: أن عليهما الاعْتِدادَ بأقْصَى الأجلَيْنِ أيضاً، لكن الأقراء هاهنا تُحْسَب من يوم الموت أيضاً؛ لأن بالموت حَصَل اليأس من التعيين.
والثاني، وهو المذكور في تعليق الشيخ أبي حامد: أن كل واحدة منهما تعتدُّ عدَّة الوفاة؛ لأنَّا نفرِّع على أن الطَّلاق يَقَع بالتعْيين، فإذا لم يُعَيَّن، فكأنه لم يُطلِّق، وإذا اختلف حال المرأتين، فكانت إحداهما ممسوسة، والأخرَى غَيْر مَمْسُوسةٍ أو إحداهما حاملاً، والأخرى ممن يَعْتَدُّ بالأقراء، فيراعى في كل واحدة منهما قضية الاحتياط في حقها كما تبيَّن، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَن انْدَرَسَ خَبَرُ زَوْجِها فَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ الصَّبْرُ إِلَى المَوْتِ على القَوْلِ الجَدِيدِ (ح م) نَعَمْ إِنْ لَمْ يَتْرُك النَّفَقَةَ فَلَهَا طَلَبُ الفَسْخِ بِسَبَبِهِ وَعَلَى القَدِيمِ إِنْ تَرَكَ النَّفَقَةَ فَلَهَا أنْ تَتَرَبَّصَ أَرْيَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفَاةِ وَتَنْكِحُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الغائب عَنْ زوجته، إن لم ينقطع خبره، وكان يأتي كتابه، وُيعْرف مكانه، فنكاحه على زوجته مستمرّ، وينفق الحاكم عليها من ماله، إن كان له في بلد الزوجة مالٌ، وإن لم يكن، كَتَبَ إلَى حاكم بلَدِهِ؛ ليطالبه بحقِّها، وإن انقطع خبره، ولم يوقف على حاله حتَّى يتوهم أو يظن موته.
فالقول الجديد: أنَّه لا يجوز للمرأة أن تنكح زوجاً آخراً؛ حتى يُتَيقن موته أو طلاقه؛ وتعْتد.
وعن القديم، وبه قال مالك وأحمد: أنها تتربَّص أربع سنين، وتعتد عدَّة الوفاة، ثم تنكح، ويروى ذلك عن عمر، وعثمان وابن عباس -رضي الله عنهم-، واحتج

للجديد بما رُوِيَ عَن المغيرة بن شُعْبة -رحمه الله- أنَّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- 1 قال: "إنَّ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ تَتَربَّصُ حَتَّى يَأْتِيَهَا يَقِينُ مَوْتِهِ أَوْ طَلاَقِهِا" 2 وعن علي -كرم الله وجهه- أنه قال "هَذِهِ امْرَأَةٌ ابْتُلِيَتْ فَلْتصْبِرْ" وبأنه لا يحكم بموته، مع انقطاع الخبر، في قِسْمة ماله وعِتْق أم ولده، فكذلك في فِرَاقِ زَوْجته، وبأن النكاح معلومٌ بيقين، فلا يُزَال إلا بيقين، وللقديم بأن عمر -رضي الله عنه- قَضَى بذلك، واشتهر من غَيْر إنكار، فَصَار مُجْمَعاً علَيه، وبأن للمرأة الخروج من النكاح بالجَبِّ والعُنَّة؛ لفوات الاستمتاعِ، وبالإعسار بالنفقة؛ لفوات المال، فَلأنْ تَخْرُج هاهنا، وقد اجتمع الضرران، كان أَوْلَى، وعن أبي حنيفة: أنها تصبر حتى يبلغ سنُّ الزوج مائةً وعشرين سنة، ثم تعتد عدَّة الوفاة وتنكح، وفي تعليق الشيخ أبي حامد: أن الرواية الصحيحة مثْل مذهبنا، وقوله في الكتاب "ومن اندرس خبر زوجها" تشمل المفقود في جَوْف البلد وفي السفر وفي القتال، وفيما إذا انكسرت سفينته، ولم يعلم حاله، فالحكم 3 في الكلِّ واحدٌ.
وقوله "فليس لها إلا الصبر إلى الموت" ويجوز، إعلامه بالميم والألف وبالحاء أيضاً؛ لما روينا [هـ]. وقوله "إلى الموت" يجوز أن يريد موتها، ولا يخفى أن المراد على هذا؛ إذا لم يَأْتها يقينُ موته ولا طلاقه، ويجوز أن يريد موته يعني تصبر إلى أن تَتَيَقَّنَ موته، وعلى هذا، فالمراد ما لم يَأتها يقين طلاقه.
وقوله "نعم، إن لَمْ يَتْرُكِ النَّفَقَة، فَلَهَا طَلَبُ الفَسْخِ بِسَبَبِهِ" ونقل في هذا الموضع، وهو مبيَّين في موضعه، لكنه لَمَّا حكم بانها تصبر، وفيه مشقة شديدة، وضررٌ ظاهرٌ، نبه على طريق الخلاص، وفيه مما تبين أن نفقتها تتوجَّه على الغائب، وذلك؛ لأنها ممكنة لا تقصير منها، ويمكن أن يُعْلَم قوله "فلها طلب الفسخ بِسَبَبِهِ" بعلامة من خالف عليه على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وقوله "وعلى القديم" يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن بعضهم ذكر أن القديم في المسألة مرجوعٌ عنه غير معدودٍ من المذهب؛ وعلى ذلك جرى صاحب الكتاب في "الوسيط" وإن أمكن حَمْل انقطاع الخبر على شدة البُعْد والإيغال في الأسفار، فقد

حَكَى الإِمام تَرَدُّداً في إجراء القول القديم، والظاهر إجراؤه، فيتفرَّع على القولَيْن صورٌ ومسائلٌ: منها: إذا قلْنا بالقديم، فتتربص أربع سنين، ثم يحكم الحاكم بالوفاة وحصول الفرقة، فتعتد عدة الوفاة، ثم تنكح، كذا 1 حكم العراقيُّون وغيرهم، وهل تفتقر مدة التربُّص إلى ضَرْب القاضي أم لا؟ وتحسب من وقْت انقطاع الخبر وفِقْدَان الأثر؟ فيه وجهان، ويقال قولان: أحدهما، وبه قال أبو إسحاق: أنها تفتقر إلى ضرب القاضي، ولا تعتد بما مضى قبْل ذلك؛ لأنَّ هذه مدَّة ثبتت بالاجتهاد فتفتقر إلى حكم الحاكم، كمدة العنة.
والثاني: أنها تُحْسَب من وقْت انقطاع الخَبَر؛ لإشعار الحال بالوفاة ودلالته عليها، وإيرادُ كثير من الأئمة يُشْعِر بترجيح الأوَّل، ومنهم من رجح الثانِيَ، وهو اختيار القَفَّال، ويروى عن أحْمَدَ -رحمه الله- وإذا ضرب القاضي مدة التربُّص بعد رفْعِها إلَيْه وظهور الحال عنْده، فمضت المُدَّة، فهل يكون ذلك حكماً بوفاته أم لا بُدَّ من استئناف حكم؟ قال في "التجربة": فيه وجهان محتملان: أحدهما: أن ضَرْب المدة حُكْم بالوفاة بعْد انقضائها، فإذا انقضت، شَرَعَت في العدة، [و] 2 لا تحتاج إلى معاودة الحاكم.
وأظهرهما: أنه لا بُدَّ من الحكم بالفرْقة بعْد انقضائها، كما لا بُدَّ من الحكم بعد انقضاء المدة المضروبة في العُنَّة، ثم حكم الحاكم بالفرقة ينفذ ظاهراً وباطناً أو ظاهراً لا باطناً؟ فيه وجهان أو قولان 3: وجه الأول: أنَّه فسْخٌ مجتَهَدٌ فيه، فأشبه الفَسْح بالعُنَّة والإعسار.
ووجْه الثاني: أن عمر 4 -رضي الله عنه- لمَّا عادَ المَفْقُود مكَّنه مِنْ أن يأخذ زوْجَتَه.

ومنْها: إذا جرى الحَاكِم عَلَى مُوجِب القول القديم، فهل ينقض قضاؤه تفريعاً على الجديد؟ فيه وجهان، رواهما صاحب "الحاوي" وغيره

-[رحمهم الله]-

. والأظهر منهما عند أكثرها، وهو الذي أورده صاحب الكتاب -رحمه الله- في أدب القضاء منْسوباً إلى النص: أنه ينقض، واستبعد الوجهَيْن هنالك.
وإذا نَكَحَتْ بعد التربص والعِدَّة، ثم بان أن المفقود كان مَيِّتاً وقْت الحكم بالفرقة، ففي صِحَّة النِّكاح على الجديد وجهان؛ بناءً على الخلاف فيما إذا بَاعَ مال ابْنِه على ظَنِّ حياته، فبان أنه كان ميِّتاً.
ومنها: لو طلَّقها المفقود أو آلَى أو ظاهر عَنْها أو قَذَفَها، نظر؛ إن كان ذلك قبل رفْع الأمر إبى القاضي أو بعده؟ وقيل: أن يحكم القاضي بالفرقة، فلهذه التصرفات أحكامها، وإنْ كان بَعْد حكمه بالفرقة، فقد ذكروا أن عَلَى الجديد تَلْزَمُه أحكام هذه التصرُّفات؛ لأنها زوْجَتُه، ولَيْس للحاكم التفْرِيق بينهما؛ [وليكن] 1 هذا جواباً على أنَّه ينفض حكم مَنْ جرى على موجب القول القديم، وإذا قلنا بالقديم، فإن قلنا: ينفذ حكمه ظاهراً وباطناً تثبت أحكام هذه التصرفات، وإن قلنا ينفذ ظاهراً وباطناً فهو كالأجنبي يباشرها.
ومنها نفقها واجبة على المفقود؛ لأنها مسلمة نفسها غير مقصرة، فإن رفعت الأمر إلى الحاكم، وطلبت الفرقة، فنفقة مُدَّة التربُّص عليه أيْضاً؛ لكونها محبوسةً علَيْه، فإذا = تتربص أربع سنين، من حين رفعت أمرها إليه، ثم دعا وليه فطلقها، ثم أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً، ثم جئت بعد ما تزوجت، فجرني عمر ليها وبين الصداق الذي أصدقتها، ورواه ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن جعدة عن عمر به، وروى البيهقي [7/ 446] من طريق سعيد عن قتادة عن أبي نضرة عن ابن أبي ليلى أن رجلًا من قومه من الأنصار خرج يصلي مع قومه العشاء، ففقد، فانطلقت امرأته إلى عمر فقصت عليه، فسأل قومه عنه، فقالوا: نعم خرج يصلي العشاء ففقد، فأمرها أن تتربص أربع سنين، فتربصتها، ثم أتته فسأل قومها، قالوا: نعم، فأمرها أن تتزوج، فتزوجت، ثم جاء زوجها يخاصمه في ذلك إلى عمر: يغيب أحدكم الزمان الطويل لا يعلم أهله حياته، فقال: إن لي عذراً خرجت أصلي العشاء، فأخذني الجن، فلبثت فيهم زماناً طويلاً، فغزاهم جن مؤمنون، فقاتلوهم فظهروا عليهم، فسبوني فيما سبوا منهم فقالوا: نراك رجلاً مسلماً، ولا يحل لنا سباؤك، فخيروني بين المقام وبين القفول إلى أهلي، فاخترت القفول إلى أهلي، فأقبلوا معي أما بالليل فلا يحدثونني وأما بالنهار فعصار ريح اتبعها، قال: فما كان طعامك إذ كنت فيهم، قال: الفول، وما لا يذكر اسم الله عليه؛ والشراب ما لا يخمر، قال فخيره عمر بين الصداق وبين امرأته، قال سعيد وحدثني مطر عن أبي نضرة أنه أمرها بعد التربص أن تعتد أربعة أشهر وعشراً.

انقضَتْ، وحكم الحاكم بالفرقة والاعتداد، قال الأئمة: إن قلْنا بالقديم، فلا نفقة لها في مدة العدَّة؛ لأنَّها عدَّة الوَفاة، وفي استحقاقها السُّكْنَى قولان، قال في"البسيط": إلا إذا عاد المفقود، ورأينا أن النكاح لا ينفسخ باطناً، فيحتمل أن يقال: لا نفقة لها 1 إلا إذا كانَتْ ناشزةً بقَصْد الاعتداد، ويجوز ألَّا تُجْعَل ناشزةً بمجرَّد القصد حتى يَتَّصِل به نكاح، وإن قلنا بالجديد، فالنفقة على المفقود؛ لأنها زوجته، ويستمر ذلك إلى أن تنكح، فحينئذ يسقط؛ لأنها ناشزة بهذا النكاح، وإن كان فاسد.
وعن القاضي أبي الطيِّب: القَطْع بان نفقة مدة العدَّة علَيْه عَلَى القولين جميعاً كما في مدة التربُّص، والأظهر الأول، وإذا فرّق بينهما وقد عاد المفقود، فسلمت إليه، عادت نفقتها، وإن كان الثاني دخل بها، لم يلزم المفقودَ نفقةٌ زمانَ العدة؛ لأنها مانعةٌ نفْسَها مدَّةَ العدة كمدة النكاح، وإن لم يعد المفقود، وعادت هي بعْد التفريق إلى بيته، فالمفهوم من كلامه في "المختصر" عود النفقة.
وقال في "الأم": لا تعود، وللأصحاب طريقان: أشهرهما: أن فيه قولَيْنِ: وجه العَوْد: أن سقوط النفقة كان بسَبَب النُّشوز، وقد زال النشوز، ووجْه المَنْع أنَّ التسليم الأوَّل قد بَطَل، فتحتاج إلى تسليم آخر، والتسليم لا يَحْصُل إلا بالتسليم منه، وقد شبه بما إذا ترك المودع الخيانة.
والثاني: حملهما على حالتين، إن أنكحت نفْسها من غير أن يحكم حاكمٌ عادَتِ النفقة؛ لأنها سقَطَتْ بفعلها، فتعود بِفِعْلها، وإن نكحت بحكم الحاكم، لم تعد النفقة إلا بتسْلِيمٍ جديدٍ.
قال القاضي الرُّويانيُّ: والأصحُّ: أنها لا تعود، فينبغي أن يُقْطَع به، إذا لم يَعْلَم الزوج عودها إلى الطاعة، قال، وهو الذي ذكَرَهُ القفَّال -رحمه الله-: وأمَّا النفقة على الزَّوْج الثاني فلا يخفى حُكْمها على القديم، وأما على الجديد، فقد قالوا: لا نفقة علَيْه في زمان الاستفراش؛ لأنه لا زوجية بينهما، وإن أنْفق لم يَرْجِع عليها؛ لأنه مُتَطَوِّع إلا أن يُلْزِمَه الحاكِمُ الإنفاقَ، فيرجع عليها، وذُكر وجهاً أنه إذا ألزمه، رجع عَلَى الأول، وإذا شرعت في عدته، فلا نفقة لها أيضاً إلا أن تكون حاملاً، ففيه قولان مبنيان على أن النفقة للحَمْل أو للحَامِل.
ومنْها: إذا ظَهَر المفقود، فقلنا بالجديد، فهي زوجته بكل حال، فإن نَكَحَت غيره، فإنما يطؤها المفقود إذا انْقَضت عدتها من الثاني، وإن قلنا بالقديم، ففيه طرق:

أحدها عن أبويْ عليِّ بن أبي هريرة والطبريِّ: أن الجواب كذلك؛ لأن الحاكم إنما حكم بوفاته، وأمرها بِعِدَّةِ الوفاة؛ باجتهاده، فإذا بان حيَّا، تيقن الخطأ في اجتهاده، فينقضه كما لو حكم باجتهاده، ثم وجد نصًّا بخلافه، وهذا أصحُّ عند القاضي الرُّويانيِّ.
والثاني عن أبي إسحاق: أنه يبني الحُكْم على الخلاف في أن الحُكْم بالفرقة يَنْفُذ ظاهراً وباطناً أو يقتصر النفوذ على الظاهر؟ إن قلنا بالأول، فقد ارتفع نكَاحُ المَفْقُودِ، كما في الفسخ بالإعسار والعُنَّة، وإن نكحت غيره، فهي زوجته، وإن قلنا بالثاني، فالحكم كما ذكرنا في الجديد.
والثالث عن الداركيِّ قال: سمعت أبا إسحاق مرَّةً أخْرَى يقول: إن ظهر، وقد نكحت زوجاً غيره، لم تُرَدَّ إليه، فإن لم تَنْكِحْ غَيْرَه، رُدَّت إليه، وإن حَكَم المحاكم بالفُرْقة؛ لأن المقصود من هذه الفرقة إزالةُ الضرر عنها وتمكِينُها من نكاح غيره، فإذا لم يَحْصُل مقْصُود الفرقة، كان الأوَّل أولَى.
والرابع: القطع بأنها لا تُرَدُّ إلى الأول، ويُحْكَى ذلك عن "الحاوي".
والخامس: عن الكرابيسيِّ عن الشافعيِّ -رضي الله عنه-: أن المفقود الخيار بيْن أن ينزعها من الثاني، وبيْن أن يتركها، ويأخذ مهر المثل منه، وبِهذَا قال مالك وأحمد - رحمهما الله- وينسب إلى حكايته الشخَيْن أبي محمَّد والصيدلانىِّ؛ ومسْتَنَدُهُ أن عمر -رضي الله عنه 1 - كذلك قَضَى، وعن القاضي الحُسَيْن زيادةٌ فيه؛ وهو أنه إن فَسَخ، غُرِّمَ للثاني مهْرَ مثلها.
والسادس: أن ذلك النكاح قد ارتفع بما جَرَى بلا خلاف، ولكن إذا ظهر المفقود، هل يُحْكَم ببطلان النكاح الثَّاني؟ فيه وجهان: أظهرهما: المنع لكن للمفقود الخيارُ كما ذكَرْنا، وإذا قلنا ببطلان النكاح الثَّاني، فكيف التقدير أنقولُ: وقع صحيحاً، ثم إذا ظهر المفْقود، بَطَل أو نقول: نتبين بظهور المفقود أنه وقع باطلًا؟ ذُكِرَ فيه وجهان؛ فعلى الثاني، يجب مهْر المثل، إن جرى دخولٌ، وإلا، لم يجب شيْءٌ، وعلى الأول، الواجبُ: المسمَّى أو نصْفُه، وإذا ظهر المفقود، وقد ماتت المرأة بعْد ما نكحت زوجاً آخَرَ، يرثها الأول أو الثاني؟ فيخرج على هذه الطرق.
ومنها: لو نكحت زوجةُ المفقودِ غيره عَلَى الصورة المجوَّزة في القديم، وأتت

بولدٍ لزمانٍ يُمْكِن أن يكون من الثَّاني، وجاء المفقود، ولم يَدَّعِ الولد، فهو للثاني؛ لأنَّ بِمُضِيِّ أربع سنين يتحقَّق فراغ الرَّحِم من المفقود، وإن ادعاه، فوجهان: أظهرهما: أنه يُسْأل عن جهة ادعائه، فإن قال: إنه ولَدِي؛ لأن زوْجَتي ولدته على فراشِي، بيَّنَّا له بطلان هذه الجهة، وقلنا له: إن الولد لا يبقى في الرحم هذه المدة؛ وإن قال: قدِمْتُ عليها في خلال هذه المدة وأصبتها، وكان ما يقوله مُمْكناً، فيُعْرض الوَلَدُ على القائف، والثاني: أنه يُعْرض على القائف، من غير بحث واستفصال، وفي "البحر" أن هذين الوجهين أُخِذَا من وجهَيْن نُقِلَا في أن هذه المرأة لو أتَتْ بولدٍ من غير أن يتزوَّج، هل يُلْحق بالمفقود؟ إن قلنا: نعم، فلا حاجة إلى الاستفصال، وإن قلنا: لا، وهو الظاهر، فلا بد منه، وعن أبي حنيفة: يُلْحَق الولد بالأول، ادَّعاه أو لم يدعه، وإن طالت المدة، وحيث قلْنا: الولد للثاني، وحكَمْنا ببقاء نكاح المفقود، فله منعها من إرضاع الوَلَدِ إلا اللبن الذي لا يعيش إلا به، وكذا إذا لم يكن بُدٌّ من الارضاع، ولم يوجد غيْرُها، ثم إن لم تخرج من بيت الزوج، وأرضعته فيه، ولم يقع خَلَلٌ من التمكين، فعلى الزوج نفقتها، قال في "الشامل": سواء وجَبَ عليها الإرضاع أو لم يجب، وإن خرَجَتْ للإرضاع بغير إذنه، سقَطَتْ نفقتها، وإنْ خَرَجَتْ بإذنه، فوجهان، كما لو سافرت في حاجتها بإذنه، وإن كان الإرضاع واجباً، فعليه أن يأذن.
ومنْها، إذا نكَحَتْ زوجاً آخر بعْد العدَّةِ والحكم بالفُرْقة، ودخل بها، ثم عُرِف أن الأول كان حيًّا وقت نكاحه، وأنه مات بَعْد ذلك كلِّهَ، فإن قلنا بحصول الفُرْقة ظاهراً وباطناً، فهي زوْجة الثاني، وبموت الأول، لا يلزمها عدَّة، وإن قلنا: لم تَحْصُل الفرقة أو لم تحْصُل إلا ظاهراً، فعليها عدَّة الوفاة عن الأوَّل، ولكنْ لا تشرع فيها، وهي فراش للثاني حتَّى يموت الثاني أو يفرق بينه وبينها، وحينئذ، فتعتد للأول عدَّة الوفاة، ثم تعتد عن الثاني ثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر، ولا تتداخل العدتان؛ فإنهما لشخصَيْن، وإن مات الثاني أَوَّلًا أو فرق بينهما، شَرَعَتْ في الأقراء، فإن تمَّت الأقراء، ثم مات الأوَّل، اعْتدَّت عن الأول عدَّةَ الوفاة، وإن مات الأول قَبْل تمام الأقراء، فأظهر الوجهَيْنِ: أن الأقراء تنقطع، فتَعْتَدُّ عن الأول عدَّة الوفاة، ثم تعود إلى بقية الأقراء، والثاني أنها تُقَدِّم ما شرَعَتْ فيه أَوَّلاً وإن ماتا معاً، أو لم يعلم، هل سبق مَوْتُ أحدهما موْتَ الآخر أو عُلِمَ سبْقُ موتِ أحدِهِما، ولم يُعْلَم السابق، فتعتد بأربعة أشهر وعَشْرٍ وبعدها بثلاثة أقراء؛ لتبرأ ذمتها عن العدتين بيقين، ولو لم يُعْلَمْ موتهما حتى مَضَت أربعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ، وثلاثة أقراء بَعْدها، فقد انقضت العدَّتان، ولو كانَتْ حاملاً من الثاني، فتعتد منْه بالوضع، ثم تعْتدُّ عن الأول عدَّة الوفاة، وأصحُّ الوجْهَيْن: أنه يُحْسَب منها زمان النفاس؛ لأنه ليس من عدَّة الثاني.

والثاني: لا يُحْسب؛ لتعلُّقه بالحمل.
فَرْعٌ: عن القَفَّال -رحمه الله- أن زوجة الغائب، إذا أخبرها عدْلٌ بأن زوْجَها ماتَ، حَلَّ لها أن تَنْكِحَ فيما بينها وبين الله تعالى؛ لأنَّ ذلك خبَرٌ، وليس بشهادة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَجِبُ الحِدَادُ فِي عدَّةِ الوَفَاةِ وَهُوَ تَرْكُ التَّزْيِينِ بِلُبْسِ الإِبْرَيْسَمِ أَوِ المَصْبُوغِ لِلزِّينَةِ دُونَ الأَسْوَدِ وَالأَكْهَبِ الكَدِرِ وَيَجُوزُ الأَبْيَضُ مِمَّا سِوَى الإِبْرَيْسَمِ وَلاَ يَجُوزُ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالَّلآلِئِ ويَحْرُمُ كُلُّ طَيِّبٍ يَحْرُمُ عَلَى المُحْرِمِ وَكَذَا تَدْهِينُ الشّعْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ وَفِي المَصْبُوغِ الخَشِنِ تَرَدُّدٌ وَلاَ يَجُوزُ المَصْبُوغُ وَإِنْ صُبغَ قَبْلَ النَّسْجِ يَجُوزُ لُبْسُ الكَتَّانِ وَالخَزِّ وَالدَّبِيقِيِّ الأَبْيَضُ يَجُوزُ التَّزُيِينُ في الفَرْشِ وَأَثَاثِ البَيْتِ وَلاَ تَكْتَحِلُ البَيْضَاءُ بِالإِثْمِدِ إِلاَّ بِسَبَبِ الرَّمَدِ لَيْلاً وَتَمْسَحُهُ نَهَاراً وَلاَ بَأْسَ بِالتَّخَتُّمِ بِخَاتِمٍ يَحِلُّ لِلرِّجَالِ وَلاَ بَأسَ بِالتَّنَظُّفِ بِالقَلَمِ وَالاسْتِحْدَادِ وَإِزَالَةِ الوَسَخِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يقال: أَحَدَّتِ المرأة 1 تَحِدُّ إحداداً، وحَدَّت تَحُدُّ حِدَاداً، وذلك من

المَنْع؛ لأنها تمتنع عن التزيُّن، ويجب عَلَى المرأة الإحْداد في عدَّة الوَفَاة، رُوِيَ عن أمِّ عطيَّة أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 1 - قال: "لاَ تُحَدُّ المَرْأَةُ 2 فوق ثَلاَثٍ 3، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً" وَلاَ تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلاَ تَكْتَحِلُ، وَلاَ تَمسُّ طِيباً إِلاَّ إِذَا طهرت نُبْدةً من قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ" وعن أم سَلَمة -رضي الله عنها- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "المُتَوَفَّى عنْهَا زَوْجُهَا لاَ تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَاب، وَلاَ المشقة وَلاَ الحُلِىَّ وَلاَ تَخْتَضِبُ وَلاَ تَكْتَحِلُ" والعصب: ضَرْبٌ من بُرُودِ اليَمَنِ 4، ويقال: هو ما صبغ غزلُه قَبْل أن ينسَج، والنبذة: الشَّيْء اليسير، ويقال: ذهب مالُهُ، وبقي نبذ منه وأَصَابَ الأَرْضَ نبذٌ مِنَ المَطَرِ أيْ شَيء يَسِيرٌ، وأُدْخِلَ فيه الهاء؛ لأنَّه نَوَى القِطْعَة.
وقوله "من قُسْطٍ أو أظفار" وهما نوعان من البخورِ ويقال: القُسْط من عقاقير البحر، والمعنى: "لاَ تَمَسُ طِيباً إلاَّ إذَا طَهُرَت مِنَ الحَيْضِ تَمَسُّ شَيْئاً يَسِيراً مِنْها يقطع الرائحة الكريهة، والممشقة: المصبوغة بالمشق وهو المغرة ويقال: شبه المغرة، وهي الطين الأحمر، وقد تُحَرَّك الغَيْن، وعن عائشة وحفْصَة -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْم الآخِرِ أن تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً" 5 قال الأئمة: إِلَّا على زَوْج مُسْتَثنًى، وقوله "لا يحل" ظاهِرُهُ لا يقتضي إلا الجواز، لكن أجْمعوا على أنه أراد الوُجُوب، وأنه استثنى الواجب من الحَرَام، ولا يجب الإحْداد في عدَّة الرجعة؛ لبقاء أحكام النِّكَاح فيها، وتوقع الرجعة، لكن في رواية أبي ثَوْر عن الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- أنَّهُ يُستحَبُّ لها الإحْداد، ومن الأصحاب مَنْ قال الأَوْلَى أن يتحمَّل وتتزيَّن بما يدعو الزَّوْج إلى رجْعَتها، وفي عدَّة البائن إما بالخُلْع أو 6 استيفاء الطلقات الثلاث قولان: القديم، وبه قال أبو حنيفة: أنه يَجِبُ الإحداد؛ لأنَّها بائنٌ معتدَّةٌ عنْ نكاح، فأشبهتِ المتوفَّى عنْها زوجُها.
والجديدُ، وبه قال مالك: يُسْتحب، ولا يجب؛ لأنَّها معتدَّة عن طلاق، فأشبهت

الرجعيَّة، وأيضاً فهي مجفُوَّة بالطلاق، فلا يليق بها تكلُّف التفجع بخلاف المتوفَّى عنْها زوجُها، وعن أحمد روايتان كالقولَيْن، وفي المَفْسُوخ نكاحُها بعيب ونحوه طريقان: أشبههما: أنه على القولَيْنِ، والثاني: القطع بأنه 1 لا إحْداد علَيْها؛ لأن الفسْخ لمعنًى فيها أو هي المباشرة لَه، فلا يليق إظْهَار التَّفَجُّع بحالها ولا إحداد على المعتدَّة في الوطء بالشبهة والنكاح الفاسد وأم الولد؛ لأنهُنَّ غير معتدات عن نكاح، والإحْدادُ لإظْهَار الحُزْن على الزوج وما فات من عصمة النكاح.
وقوله -صلى الله عليه وسلم 2 -: "لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللهِ" الحديث، قد يُحْتَجُّ به لتحْريم الحِدادِ على الموطوءة بالشبهة وأم الولد.
والذمية والأمة والصبيَّة والمجنونة، كغيرهن في الإحداد، ووليُّ الصبيةِ والمجنونةِ يمْنَعُها مِمَّا تمتنع 3 منه العاقلة البالغة.
وقال أبو حنيفة: لا إحداد عليهن، وإذا عَرَفْتَ أن الإحداد على من يَجِب، فالكلام بعْده في كيفيته، فالواجب 4 ترك التزيُّن في الثياب الملُبُوسة، والحلي والتطيب، فهي ثلاثة أنواع، هي: النَّوْع الأوَّل: الثياب، فلا يحْرُم جنْس القُطْن، والصوف، والوبر، والشعر، بل يجوز لبس المنسوج منها على ألوانها الخِلْقيَّة، وكذا الكتان، والقصب، والدبيقي، وإن كانَتْ نفيسة ناعمةً؛ لأن نفاستها وحُسْنها مِن أصل الخِلْقة، لا من زينة دخَلَتْ عليها، وأما الإبريسم، فلم يُنْقَل فيه نصُّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- هو عنْد معظم الأصحاب، كالكتان وغيره، إذا لم تَحدث فيه زينة، وذهب القفَّال إلى أنه يَحْرُم عليها لُبْس الإبريسم، وإن كان المنسوج منْه على لونه الأصليِّ، وقال: إن لُبْسَه تزيُّن، وهي ممنوعة في حالة الإحداد 5 عن التزيُّن، وهذا ما اختاره الإِمام، واورده المتولِّي وصاحب الكتاب، وعلى هذا، فلا تلبس العتابي الذي غلب فيه الإبريسم، وأما الخَزُّ فلها لُبْسه، قال في "البَحْر"؛ لأن الإبريسم فيه مستتر بالصوف، وللرجل لُبْسُ الخَزِّ، وهذا التوجيه يتفرَّع على تحريم لُبْس الإبريسم إذا لم يكن مستتراً، وما لا يحرم في جِنْسه، لو صُبَغ، يُنْظَر في صَبْغه، إن كان ممَّا يقصد به الزِّينة غالباً؛ كالأحمر والأصفر والورد، فليس لها لُبْسه؛ لما مَرَّ من الأخبار، ولا فرق بين أن يكون لَيِّناً أو خَشِناً في ظاهر المذْهب، وهو المنصوص في "الأمِّ" وعن صاحب "التقريب" حكايته قولٍ آخر 6 أنَّه إذا تفاحَشَت الخشونة، لم يُعَدَّ لابِسه متزيَّناً، ويدخل في هذا

القسم الدِّيباج المُنَقَّش، والحرير الملوَّن، فيحرم لبسها، ولم يحرم الإبريسم على لونه الأصليِّ، والمصبوغُ غَزْله قبْل النسيج؛ كالبرود -كالمَصْبوغ بعْد النسج على المَذْهب وعن أبي إسحاق: أنه لا يحرم المصبوغ قبل النسج، قال أبو سليمان الخطَّابِىُّ، وهو أشبه بالحديث، وذلك لأنه ق الذي حديث أم عطية: "إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ" على ما سَبَق، ومن قال بالظاهر احتجَّ بأنَّه قال: لا تلبس المُعَصْفَر ولا المُمَشَّق، ولم يفصل وعارَض قَوْلَه "إلا ثوب عصب" ما روي أنَّه قال: "ولا ثوب عصب"، وربما أوَّله على الصبغ الذي لا يحرم كالأسود، وإن كان الصبغ مما لا يقصد به الزينة، بل يعمل للمصيبة واحتمال الوسخ كالأسود والكُحْليِّ، فلها لُبْسه؛ إذ لا زينة فيه، وهو أبلغ في الحداد، على أن في "الحاوي" حكايةَ وَجْهٍ أنه يجب عليها لُبْس السواد في الحداد، وإن كان الصبْغ متردَّداً بين الزينة وغيرها، كالأخضر والأزرق، فإن كانا برَّاقَيْن صَافِيَي اللون، لم يكن لها لُبْسة؛ لأن [النقيَّ] والصافِيَ منهما مستحْسَنٌ يُتَزَيَّن به، وإن كانا كَدِرَيْنِ أو مُشْبَعَين، فلا بأس؛ لأن المُشْبَع من الأخْضَر يقارب السواد، ومن الأزرق يقارب الكُحْلِيَّ، وفي معناهما الأكْهَب، والكهبة لونٌ يضرب إلى الغُبِرةِ، والطرازُ على الثوب إن كان كبيراً منع جواز اللبس؛ لظهور الزينة، وإن كان صغيراً، ففيه ثلاثة أوجُه؛ يفرق في الثالث بيْن المنسوج مع الثوب وبين المركب علَيْه بعْد نسج الثوب، فيحرم؛ لأنه محْض زينة.
والنوع الثاني: الحليُّ، فليس لها لُبْسه يستوي فيه الخلخال، والسوار، والخاتم، وغيرها ولا فَرْق بين أن يكون مِنْ ذهب أو فضة؛ لإطْلاق الخبر حيث قال: "لاَ تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَاب وَلاَ الممشقَة وَلاَ الحُلِيَّ" وهذا ما أورده الأكثرون، وذكر الإِمام: أنه يجوز لها التختُّم بَالخاتم الَّذي يَحِلُّ للرجال، وهو خاتم 1 الفضة؟ وإنما المُحرَّم عليها ما يختص النساءُ بتحليله في غير حالة الحداد 2، وهذا ما أورده في الكتاب التحلِّي باللآلئ تردُّدٌ للإمام؛ لأنها ليست كالذهب، وكذلك لم يحرم على الرجال، لكن الزينة ظاهرة فيها، وهذا أظهر، وهو الذي أورده في الكتاب.
فرعان: عن البحر: أحدهما: قال بعض الأصحاب: لو كانت تلْبَسُ الحليَّ ليلاً، وتَنْزَعُه نهاراً، جاز، لكنه يكره لغير حاجة، ولو فعلَتْه؛ لإحراز المال، لم يكره.
والثاني: لو تحلَّت بالصفر والرصاص، فإن كان مُمَوَّهاً بالذهب والفضة، أو مشابهاً لهما؛ بحيث لا يُعْرف إلا بعْد التأمل، لم يجز، وإلا، فإن كانت المعتدَّة منْ قوم يتزيَّنون بمثل ذلك، لم يجز أيضًا، وإن كانت من قوم لا يتزيَّنون، ولا يتحَلَّوْن به، لكنهم يستعملونه؛ لمنفعةٍ يتوهمونها، جاز.

والنوع الثالث: الطِّيب، فليس لها أن تتطَيَّب في بدنها وثيابها، روي عن أم عطية -رضي الله 1 عنها- قالت: "كُنَّا نُنْهَى أَنْ نحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَأَنْ نَكْتَحِلَ وَأَنْ نَتَطَيَّبَ وَأَنْ نَلْبَسَ ثَوْباً معصفراً، ونُنْهَى أَنْ نَكْتَحِلَ" وتفصيل القول في الطِّيب قد سَبَق في الحجِّ، وإلى ذلك أشار بقوله في الكتاب: "ويحرم كل طيب يَحْرُم على المُحْرِم" ولا تَدْهن رأسها سواءٌ كان في الدُّهْن طيبٌ أو لم يكُنْ، لما فيه من تزيِّين الشَّعر، حتى لو كانَتْ لها لحية، لم يكن لها تدْهِينُها، ويجْوز لَهَا تدْهِين البَدَن بما لا طيب فيه مِنَ الأدْهَان، كالشِّيرج، والسمن والزيت، ولا يجوز بما فيه طِيَبٌ [كدُهْنِ الوَرْد والبنفسج، وكذا لا يجوز لها أكْل طَعَام فيه طيبٌ]، ولا أن تتكحل بكُحْل فيه طِيبٌ، وأما الكُحْل الذي لا طيبَ فيه، فإن كان أسود، وهو الإِثْمُدِ، فلا يجوز لها الاكتحالُ به؛ لأن فيه زينةً وجمالًا للعَيْن، وعن الماسرجسي وجْه: أنه يجوز الأكتحال به للمرأة السوداء، فإنه لا يفيدها جمالاً، وُيرْوَى ما يقرب من هذا عن القَفَّال، وفي "النهاية" أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- نصَّ في بعض المواضع على جواز الاكتحال بالإِثْمِدِ، وأن الأصحاب حمَلُوه على العربِّيَات؛ لأنهن إلى السواد، فلا يزينهن الإثْمِدُ، أما البيض فلا يكتحلن به، ووجْه الفرق هو الذي أورده في الكتاب، حيث قال: ولا تكتحل البَيْضَاء بالإثمد، والظاهر عنْد الأكثرين: أنه لا فَرْق بين البيضاء والسوداء، وقالوا: أثر الكحل يَظْهر في بياض العَيْن، ويدل عليه إطْلاق الأخْبَار، وإذا احتاجَتْ إلى الاكتحال به؛ لرمدٍ وغَيْره، اكتحلت لَيْلاً، ومسحته نهاراً، فإن دعَتِ الضرورة إلى الاستعمال نهاراً [أيضاً،] 2 عُذِرَتْ، ولا بأس باستعماله في غير العَيْن إلا الحاجب، فإنه لا تَتزيَّن به، وأما الكحل الأصفر، وهو الصبر، ففي "التهذيب": أنه لا يجوز الاكتحال به؛ لأنه أصفر يُحسِّن العين، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم 3 - دَخَلَ عَلَى أم سلَمَة -رضي الله عنها- وهي حادَّة على أبي سلمة وقد جعلت على عينها صبراً، فقال: ما هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ هُوَ صَبْرٌ لاَ طِيبَ فِيه، قال: "اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ" وفي "التتمة": أنه يَحْرُم الاكتحال به على السوداء دون البيضاء، والأَظهر الأول ولو طَلَتْ به

وَجهَهَا، لم يجز أيضاً؛ لأنه يُصَفِّر الوجه، فهو كالخضاب، فكان بأم سلمة حاجة إلى استعماله، فقال اجعليه بالليل دُون النَّهَار، والكُحْل الأبيض الذي يقال له بالفارسي تُوتَيا ونحوه، فلا زينة فيه، ولا مَنْع من الاكتحال به، وفي "البحر" وجه أنه تمنع منه المرأة البيضاء، حيث تتزين به، ولا يجوز لها استعمال الدمام وقد فسر ذلك بما يُطْلَى به الوجه للتحسين، ويقال له الكُلْكُون الذي يُحَمِّر الوجه، وكذا في استعمال الاسفيداج، ويحرم عليها أن تَخْتَضِب بالحِنَّاء 1 ونحوه؛ لما سبق من الخبر، وذلك فيما يظهر من البَدَن؛ كالوجه واليدين والرجلين، ولا مَنْع منه فيما تحْت الثياب، ذكره القاضي الرُّويانيُّ، والغاية، وإن ذهبت رائحتها كالخضاب؛ لأنَّها تسود، قال الإِمام -رحمه الله-: وتجعيد الأصداع وتصفيف الطرة 2 لا نقل فيه عن الأصْحاب، ولا يمنع أن يكون كاستعمال الحُلِيِّ.
ويجوز للمُحِدّة التزيُّن في الفرش والبُسُط والسُّتور وأثاث البَيْت؛ لأن الحداد في البَدَن لا في الفراش والمكان، ولها التنظيف بغسل الرأس، والامتشاط، ودخول الحمام 3، وقَلْم الأظفار، والاستحداد، وإزالة الأوساخ؛ فإنها ليست من الزينة.
فرْعٌ: عن بَعْض الأصحاب: أنا إذا قلْنا: لا يجب الإحداد على المبتوتة، ففي تحريم التطيب عليها وجْهانِ؛ لاختصاصه بتحريك الشهوة.
آخر: قصة قوله -صلى الله عليه وسلم- "لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ" الحديثُ فيه إشعارٌ بأنه يَجُوز الإحْداد ثلاثة أيام فما دونها على غَيْر الزَّوْج من الموتى، وكذلك أورده صاحب الكتاب.
في "البسيط" وأبو سعْد المتولِّي -رحمهما الله- تعالى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَعَلَيْهَا مُلاَزَمَةُ المَسْكَنِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ فَإن تَرَكَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ عَصَتْ، وَانْقَضَتِ العِدَّةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القول فيمن تستحق السّكْنَى من المعتدَّات، ومَنْ لا تستحق، وفي أنَّ المعتدة يجب عليها ملازمة المَسْكَن الَّذي تعْتَدُّ فيه، ولا يجوز لها الخروج منه إلا بضرورة أو حاجة، وفي سائر أحكام السُّكْنَى سيأتيك مجموعاً في الباب الثاني، والغَرَضُ الآن أنَّها لو تركت واجب الملازمة، وكانت تَخْرج مِنْ غير حاجةٍ، كانت عاصيةً لكن تنقضي العدَّة بمضيَّ المدة، كما لو بلغها خَبَرُ وفاةِ الزَّوْج الغائب بَعْد أربعة أشعر تكون العدة منقضية، وكذا لو تركت الإحْداد الواجب عليْها في مدة العدة أو بعْضها، عَصَتْ، وانقضت العدة، والله أعلم.

البَابُ الثَّانِي فِي السُّكْنَى

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ في أَمْرَيْنِ: (الأَوَّلُ في المُسْتَحِقَّةِ) وَهِيَ المُعْتَدَّةُ عَنْ طَلاَقٍ بَائِنَةً كَانَتْ أَوْ رَجْعِيَّةً وَفِي المُعْتَدَّةِ عَنِ الوَفَاةِ قَوْلاَنِ وَفِي المُعْتَدَّةِ عَنِ الفَسْخِ طَرِيقَانِ وَقِيل: قَوْلاَنِ وَقِيْلَ: لاَ سُكْنَى لَهَا قَطْعاً، وَإِنْ كَانَ الفَسْخ تَعَلَّقَ باختِيَارِهَا أوْ عَيْبِهَا وَإِنْ كَانَ بِرِدَّةِ الزَّوْج فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ضمن الكلام في السكنى طرفين: أحدهما: فيمن تستحق السكْنَى.
والثاني: فيما يتعلَّق بتوفية هذا الحَقِّ، ولكل واحدٍ من الطرفين أصولٌ ومسائلُ أُخَرُ تتعلَّق بالسكنى لا تُنْبِئ عنها الترجمتان، أما الطَّرَف الأول، فالمعتدات أنواع: منها: المعتدة عن طلاق رجْعِيِّ أو بائن؛ لكونه على عوض، أو لاستيفاء الثلاث، فلها السكْنَى حاملاً كانت أو حائلاً، قال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: 6]، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [وَلَا يَخْرُجْنَ]﴾ [الآية] 1 [الطلاق: 1] وذهب أحمد إلى أنه لا سُكْنَى للبائنة، و [قد] روى أبو سليمان الخَطَّابِيُّ عنه موافقة الجمهور.
ومنْها: المعتدَّة عن الوفاة في استحقاقها السُّكْنَى قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزنيُّ: المنع؛ لأنه لا نفقة لَهَا، وإن كانت حاملاً، فلا سُكْنَى لها كالموطوءة بالشبهة، وُيرْوَى أن عليًّا -عليه السلام- نقل ابنته أم كلثوم بعدما استشهد عمر -رضي الله عنه- بسبع ليالٍ.
والثاني: تستحق، وبه قال مالك وأحمد؛ لما رُوِيَ أن فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخُدْرَيُّ قُتِلَ زوجها، فسألَتْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ترجع إلى أهْلِها، وقالت: إنَّ زَوْجي لم يَتْرُكْني في منْزِلٍ يملكه، فأَذِنَ لها في الرجوع، قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرة أو في المسجد دعاني، فقال: "امكثي في بَيْتِك، حتى يبلغ الكتابُ أجَلَه، قالت فاعتددتُّ فيه أربعة أشْهُرٍ وعشْراً" ومَنْ قال بالأوَّل، قال: قوله "امكثي في بيتك" ندْبٌ لها إلى الاعتداد في ذلك البيت، والمذكرر أوَّلاً بيان أنه لا سكْنَى لها، وذَهَب كثيرٌ من الأصحاب إلى بناء القولَيْن على التردُّد في أن حديث فريعة مُنزَّلٌ على هذا التنزيل أو الأول حكم بأنه لا سكنى لها، والذي ذكره آخراً ينسخ الأول، وربما

أشير إلى حَمْل الأول على السهو، والثاني: على التدارك، وقد يسهو النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنه لا يُقرّ على الخطأ، والأصحُّ من القولَيْن، على ما ذكره منصور التميمي في "المستعمل"، وصاحب الكتاب في "الخلاصة": أنه لا سكنى لها ومقابله عند الشيخ أبي حامد والعراقيين، وتابعهم القاضي الروياني وغيره.
ومنها: المعتدَّة عن النكاح بما سوى الطلاق من أسباب الفراق في الحياة، كالتي فُسِخَ نكاحها بالردة أو الإِسلام أو الرضاع، ففيها طرق: أحدها: إطلاق قولَيْن في استحقاقها السكنى، كما في عدة الوفاة، في قول: تستحق؛ كالمطلقة؛ تحصيناً للماء.
وفي قول: لا تستحق؛ لان إيجاب السُّكنَى بعْد زوال لنكاح؛ كالمستبعد؛ ولذلك لم تجِبِ النفقة، ونص السكنى إنما ورد في المطلَّقة، فيبقى حُكْم غيرها على الأصلْ.
والثاني: إن كان لها مَدْخَلٌ في ارتفاع النِّكاح، بأن فسخت بخيار العِتْق أو بعيب 1 الزوج أو فسخ هو بعيبها، فلا سُكْنى لها قَطعاً، وإن لم يكن لها مدْخَل في ارتفاع النكاح، كما إذا انفسخ بإسلام الزوْج أو ردَّته أو الرِّضاع من الأجنبي، ففي استحقاقها السكْنَى القولان، وهذان الطريقان هما المذكوران في الكتاب 2 والثالث: في تعليقه إبراهيم المروروذي التفصيل المذكور في الطريق الثاني مع القطع باستحقاق السُّكْنَى في القِسْم الأوَّل.
والرابع: في "التهذيب": أن الفُرْقة، إن كانت بالعيب أو الغرور، فلا سُكْنَى لها، وإن كانت بسبب رضاع أو صهرية، أو خيار عِتْقٍ وجهان: أحدهما: أن الجَوَاب كذلك.
والمذهب أنها كالمُطَلَّقة، وفُرِّق بأن الفُرْقة بالرَّضَاع والصهرية وخيار العتق لم تكُنْ بسبب موجودٍ يوْمَ العَقْد، ولا [بسبب] يستند إليه الفسخ، فيجعل مفسوخاً مِنْ أصْله بدليلِ وجوبِ المسمَّى، وفي العيب، والغرور كانت بسبب في العقد، ولذلك يُوجَب مَهْر المِثْل، هَذا لفْظُه في الفرق، قال: والملاعنة كالمُطلَّقة ثلاثاً.
والخامس: القطْع بأنها تستَحِقُّ السكنى؛ لأنَّها معتدَّةٌ عن 3 فراق النكاح في حياة الزوج، فأشبهت المُطلَّقة قال في "التتمة": وهذا هو المذهب 4، وقد يؤيد ذلك بأن

الفسخ كالطَّلاق في إيجاب العدة، فكذلك في كيفيتها وحُقُوقها، ولذلك قلْنا: إن الأشبه التسويةُ بينهما في الإحْدَاد.
ومنْهَا: المعتدة عن الوطء بالشبهة، وعن النكاح الفاسد، وأم الولد، إذا أعتقها سيدها لا سُكْنَى لهن؛ لأن أسباب التربُّص فيهنَّ لا تتأكَّد حُرْمَتُها، فلا تُلْحق بالنكاح الصَّحيح، وأيضاً، فإنه لا سُكْنَى لها في النكاح الفاسد، فكذلك في التربُّص الذي هو من آثاره، بخلاف النكاح الصحيح؛ هذا هو الكلام لِمَنْ تستحق السكْنَى، ومن لا تستحق، وأما القول في النفقة والكسوة فمؤخَّر إلى كتاب النفقات.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَنْ لاَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي النِّكَاحِ فَلاَ سُكْنَى لَهَا كَالصَّغِيرَةِ وَالأَمَةِ عَلَى وَجْهٍ وَالنَّاشِزَةِ وَفِي وُجُوبِ لُزُوم المَسْكَنِ عَلَى الأَمَةِ إِذَا كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الَّذِي عَيَّنَ المَسْكَنَ وَقُلْنَا: لَيْسَ لِلزَّوْجِ ذَلِكَ تَرَدُّدٌ وَالظَّاهِرُ أنَّهُ لاَ يَجِبُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور: إحداها: الصغيرة الَّتي لا تحتمل الجِمَاعَ، هل تستحق السكنى؟ يُبْنَى ذلك عَلَى أنه هل تستحق النفقة في النكاح؟ وفيه خلافٌ يُذْكر في موضعه، فإن استحقت النفقة في النكاح، استحقت السُّكْنَى في العدَّة، وإلا، فلا.
الثانية: الأمة المزوَّجة قد مَرَّ أنَّه ليس على السيِّد أن يسلمها ليلاً ونهاراً بل [له أن] 1 يستخدمها نهاراً، وكذلك الحال في زَمَان العدة، فإن سلَّمها ليلًا ونَهَاراً ورفع اليد عنها، فلها السكنى، كما تستحق النفقة، والحالة هذه، في صُلْب النكاح، وإن كان يستخدمها نَهاراً، فيبنى استحقاق السُّكْنَى في العدة على النفقة في صُلْب النكاح إن استحقتها [استحقت] 2 السكنى، وإلا، فلا، ولكن للزوج أن يسكنها حالة فراغها من خدْمة السَّيِّد؛ ليْحْصنها.
هذا ما ذكره الأصحاب، وزاد الإِمام: فبنى استحقاقها السكْنَى على أنَّه هل يجب عليها ملازمة المسكن في العدة؟ وبنَى وجوب الملازمة على أنها في صُلْب النكاح تكون في المسكن الذي يعينه الزوج أم للسيد أن يُبَوِّئ لها بيتاً، وفيه خلاف، فإن قلْنا: تكون في المسكن الذي عيَّنه الزوج، فعليها ملازمة المسكن، وإلا، فإذا طلَّقها، وهي في البيت الذي عينه السيد، ففي وجوب ملازمته وجهان: = باب مثبتات الخيار في النكاح حيث قال: لا تجب السكنى، ونقل هناك عن ابن سلمة طريقة في العيب لم يذكرها هنا وهو أنه إن كان بعيب حادث وجبت وإلا فلا، ثم قال وإذا لم توجب السكنى فأراد أن يسكنها لما به فله ذلك، وعليها الموافقة.
قاله أبو الفرج السرخسي.
انتهى.

وجه الوجوب: أنه المسكن الذي تراضَوْا به، وكانت في صُلْب النكاح فيه.
وأظهرهما: المنع؛ لأن العدة فرْع النكاح، وأثره، فإذا لم تستحق إسكانها في صُلْب النكاح لم يستحقَّه في العدة.
الثالثة: إذا طلَّقها، وهي ناشزة، لم تستحق السكنى في العدة؛ لأنَّها لا تَسْتحِقُّ النفقة والسكنى في صلْب النكاح؛ لتعدِّيها؛ فَلأَنْ لا تستحق بَعْدَ البينونة كان أوْلَى.
هكذا حكي عن القاضي حُسَيْن، وزاد صاحب "التتمة" فقال: وكذا لو نَشَزَتْ في العدة، تسقط سكناها، ولو عادت إلى الطاعة، عاد حق السكنى، قال الإِمام: إذا طُلِّقت في مسْكن النكاح، فعليها ملازمة المَسْكن؛ لِحَقِّ الشرع، فإذا أطاعت، [فتستحق السكنى، فيتجه] أن يقال: لا يلزمه مؤنة السكنى، وعبَّر بعضهم عن كلام الإِمام -رحمه الله- بأنها إن نَشَزت على الزوج، وهي في بيته، فلها السكنى في العدَّة، وإن خرجت من بيته، واستعصت عليه مطلقاً، فلا سكنى لها، ويجوز أن يُعْلَم لهذا قوله في الكتاب "والنَّاشِزَةِ" لأنه مُطْلَق موافق لما حكي عن القاضي.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإنَّمَا يَجبُ مُلاَزَمَةُ مَسْكَنِ النِّكَاحِ فَلَوْ طُلِّقَتْ بَعْدَ الاِنْتِقَالِ لاَزَمَتِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ فَإنْ أَذِنَ في الاِنْتِقَالِ وَطَلَّقَهَا فِي الطَّرَيقِ فَالمَسْكَنُ هُوَ الأَوَّلُ عَلَى وجْهٍ وَالثَّانِي عَلَى وَجْهٍ وَالعِبْرَةُ في الاِنْتِقَالِ بِالبَدَنِ لاَ بِالأَمْتِعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من استحقت السكنى من المعتدات، تَسْكن في المسكن الذي كانت فيه عنْد الفراق، إلا أن يَمْنع منه مانع، على ما سيأتي 1، فلَيْس للزوج ولا أهْلِه إخراجُها منْه، ولا لها أن تخْرُج؛ على ما ورد به الخبر، فلو اتفق الزوجان على أن تنتقل إلَى مسكن آخر منْ غير حاجة، لم يَجُزْ، وكان للحاكم المَنْع؛ لأن في العدة حقَّ الله تعالى، وقدْ وجَب في ذلك المَسْكَنُ، فكما لا يجوز إبطال أصل العدة، باتفاقهما لا يجوز إبْطال صفاته وتوابعه، وليس كما في صُلْب النِّكَاح يسكنان، وينتقلان كيف شاءا لأن هناك الحقَّ لهما على الخُلُوص، ولو تركا المكث والاستقرار، وأداما على السيْر والسفر، جاز، وهاهنا بخلافه.
إذا عَرَفْتَ ذلك، فلو انتقلت مِنْ مَسْكن إلى مسكنٍ بغير إذن الزوج، ثم طلَّقها أو

مات عنها، فعليها أن تعود إلى الأَوَّل، وتعتد فيه، ولو أذِنَ لها بعْد الانتقال في أن تقيم، فيه، كان كما لو انتقلت بالإذْن، وإذا انتقلَتْ بالإذن، ثم طَلَّق أو مات، فتَعْتَدُّ في المنْتَقَل إليه؛ لأنه المسْكِن عند الفراق، وإن خرَجَتْ مِنَ المَسْكن الأول، ولم تصل إلى الثاني، فطَلَّقها في الطريق، ففيه ثلاثة أوجه: أحدُها: أنها تعتد في المسْكَن الأوَّل؛ لأنَّها لم تحْصُل في مسكن آخر قبْل الفراق.
وأصحَّهما، ويحكى عن نصِّه -رضي الله عنه- في "الأم" وبه قال أبو إسحاق: أنها تعتد في المسكن الثاني؛ لأنَّها مأمورةٌ بالمقام فيه ممنوعةٌ من غيره.
والثالث: تتخيَّر بينهما؛ لأنَّها غير مستقرةٌ في واحد منهما، ولها تعلُّق بكل واحدٍ منهما، وفي "البحر" بدل الوجه الأول وجه آخر؛ وهو أن يعتبر القُرْب، فإن كانت إلى المسكن الأول أقرب.
[عادت إلَيْه، واعتدت فيه، وإن كانت إلى الثاني أقرْب،] مضَتْ إليه، والاعتبار في الانتقال بالبَدَن لا بالأمتعة والخدم حتَّى لو كانت قد انتقلت إلى المسكن الثاني بنفسها، ولم تنْقل الرحلُ [و] الأمتعة، فمسكنها الثاني، ولو نقلت الأمتعة، ولم تنتقل هي، فالمسكن الأول كما أن حاضر المسجد الحرام مَنْ هو بمكة لا مَنْ رحله، وأمتعته بمكة، وعند أبي حنيفة: الاعتبار بالأمتعة لا بالبدن، والحكم على العَكْس، ولو أَذِنَ لها في الانتقال إلى المَسْكن الثاني، فانتقلت، ثم عادت إلى الأوَّل؛ لنقل متاع وغيره، وطلَّقَها، فالمسكن الثاني فتعتد فيه وهو كما لو خرجت عن المسكن لحاجة، فطلقها، وهي خارجة، قال الإِمام -رحمه الله-: وهذا إذا كانَتْ قد دخَلَتِ الثاني دُخُولَ قَرَارٍ، فأما إذا لم تدْخُلْه على قَصْد القرار، بل كانت تتردَّد بينهما، وتنقل أمتعتها، فإن طلَّقها، وهي في المسكن الثاني، فتعتد فيه، وإن طلَّقها، وهي في الأول، ففيه احتمالان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي سَفَرٍ وَطَلَّقَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ عُمْرَانِ البَلَدِ فَلَهَا الانْصِرَافُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَيْلاَ يُبْطِلَ عَلَيْهَا أُهْبَةَ السَّفَرِ وَإِنْ كَانَ في الطَّرِيقِ لَمْ يَلْزَمْهَا (وح) الانْصِرَافُ وَكَانَ لَهَا إِتْمَامُ حَاجَتِهَا، وَيجِبُ الرُّجُوعُ اِلَى المَسْكَنِ بَعْدَهُ لِبَقِيَّةِ المُدَّةِ وَإِنِ انْقَضَتِ المُدَّةُ فَلاَ يَجِبُ وَإِنْ كَانَ سَفَرَ نُزْهَةٍ وَأَذِنَ الزَّوْجُ مُدَّة فَفِي جَوَازِ اسْتِيفَاءِ المُدَّةِ قَوْلاَنِ وَكَذَلِكَ في وُجُوبِ الاِنْصِرَافِ عَنِ الطَّرِيقِ وَفِي وُجُوبِ ترْكِ الاِعتكاف المَأْذُونِ فِيهِ خِلاَفٌ وَلَوْ خَرَجَتْ مَعَ الزَّوْجِ فَطَلَّقَهَا وَجَبَ عَليْهَا الاِنْصِرَافُ إِذْ لَيْسَ يُبْطلُ أهْبَتَهَا إِذَا خَرَجَتْ بِأُهْبَةِ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو أذِنَ لها في الانتقال إلى بَلَدٍ آخر، ثم طلَّقها أو مات عنْها،

جارٍ التحميل