كِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍ
فأما إذا كانت متجاورة وأثبتنا خلطة الجوار فيزكون زكاة الخلطة كما قبل القسمة، وإن اقتسموا بعد بدو الصلاح زكوا زكاة الخلطة؛ لأنهم كانوا شركاء حالة الوجوب وهي بدو الصلاح، وبدُوّ الصلاح في الثمار كمضيّ الحول كله في المَواشي وهاهنا كلامان:
أحدهما: اعترض المزني، وقال: القسمة بيع، وبيع الربويات بعضها ببعض جُزَافاً لا يجوز، وبيع الرطب بالرطب على رُؤُوس النّخل بيع جُزَاف وأيضاً فبيع الرُّطَب بالرُّطَب لا يجوز عند الشَّافعي -رضي الله عنه- بحال ولا يندفع هذا الإشكال بأن يقال: الرطب لم يتمحّض عوضاً في واحد من الجَانِبَيْن، بل الجذْع يدخل في القسمة، لأن عند الشافعي -رضي الله عنه- لا يجوز بيع الرَّبَوي وشيء آخر بذلك الرَّبوي وشيء آخر، وأجاب الأصحاب بوجهين:
أحدهما: قالوا: الأمر على ما ذكرت إنْ فرعنا على أن القسمة بيع لكن له قول آخر: وهو أَنَّ القسمة إفراز حق، وعلى ذلك القول أجاب هاهنا.
والثَّاني: أنا وإن قلنا: إن القسمة بيع فيتصور فرض القسمة هاهنا من وجوه:
منها: أن تكون بعض النخيل مثمرة وبعضها غير مثمرة، فيجعل هذا سهماً وذاك سهماً ويقسم قسمة تَعْدِيل، فيكون بيع النَّخْل والرطب بمحض النخل وأنه جائز:
ومنها: أن تكون التركة نخلتين والوارث شخصين، فيشتري أحدهما نصيب صاحب من إحدى النخلتين جذعاً ورطباً بعشرة، ويبيع نصيب نفسه من صاحبه من النَّخْلة الأخرى جذعاً ورطباً بعشرة، ويتقاضان الدراهم قال الأئمة: ولا تحتاج إلى شرط القطع، وإن كانت الصفقتان قبل بدوِّ الصَّلاح؛ لأن المبيع جزء شائع من الثمرة والشجرة معاً فصار كما لو باع كلهما صفقة واحدة، وإنما تحتاج إلى شرط القطع حينئذ عند إفراد الثمرة بالبيع، ومنها أن يبيع كل واحد منهما نصيبه من ثمرة إحدى النخلتين نصيب صاحبه في جذعها فيجوز بعد بدوّ الصَّلاحَ ولا يلزم الرِّبَا وقبل بدو الصَّلاحَ لا يجوز إلا بِشَرْط القَطْع؛ لأنه بيع ثمرة تكون للمشتري على جذع البائع، ذكره صاحب "الشَّامل" وغيره، وقد حكى القاضي ابن كج عن بعض الأصحاب أن قسمة الثمار بالخَرْص جائزة على أحد القولين، والذي ذكره هاهنا جواب على ذلك القول، ولك أن تقول: هذا لو دفع إنما يدفع إشكال البيع جزافاً، فلا يدفع إشكال منع بيع الرطب بالرطب.
الكلام الثاني: قال أصحابنا العراقيون: تجوز القسمة قبل إخراج الزكاة بناء على أن الزكاة في الذمة، أما إذا قلنا: إنها تتعلق بالعَيْن فلا تصح القِسْمة.
واعلم أنه يمكن تصحيح القسمة مع التفريع على قول الْعَيْن بأن يخرص الثِّمَار عليهم ويضمنوا حق المساكين فلهم التَّصرف بعد ذلك، وأيضاً فإنَّا حكينا في البيع قَوْلَين
تفريعاً على التعلق بالعَيْن فكذلك القِسْمَة إذا جعلناها بيعاً، وإن جعلناها إفرازاً فلا منع، وجميع ما ذكرنا من المسألة فيما إذا لم يكن على الميت دين فأما إذا مات وعليه دين وخلف على ورثته نخيلاً مثمرة فبدا الصَّلاَح فيها بعد موته، وقبل أن تباع في الدين - ففي وجوب الزكاة فيها على الورثة قولان حكاهما الشيخ أبو علي:
أحدهما: لا يجب؛ لأن ملكهم فيها غير مستقرّ في الحال، إنما يستقر بعد قضاء الدَّيْن من غيره، فأشبه ملك المُكَاتب لما لم يستقر إلاَّ بتقدير أداء النُّجوم لم تجب الزكاة فيه قبل ذلك.
وأصحهما: وهو الذي أورده الجمهور: يجب؛ لأنها ملكهم ما لم تبع في الدَّين ألا ترى أن لهم أن يمسكوها ويقضوا الدين من موضع آخر؟ فإذا ملكوا وهم من أهل الزكاة لزمهم الزكاة، فعلى هذا القول في أنهم يزكون زكاة الخلْطَة والانْفِرَاد على ما سبق فيها إذا لم يكن على الميت دين.
قال الشيخ: ويمكن بناء القولين على الخلاف في أَنَّ الدين هل يمنع الميراث؟ فيه قولان وغيره يحكيه وجهين:
أحدهما: ويروى عن الإصطخري: نعم؛ لأن الله تعالى أثبت الإرث بعد الدَّيْن حيث قال: "مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ 1.
وأصحهما: لا، لأن الدَّين لا يستحق إلا التعلّق به وطلب الحق منه، فتكون الرَّقبة لهم كالمال المرهون، والعبد الجاني رقبتهما للمالك، فإذا فَرَّعنا على الأصح وهو وجوب الزَّكَاة عليهم، فإن كانوا موسرين أخذت الزكاة منهم، وصرفت النخيل والثمار إلى دين الغرماء، وإن كانوا معسرين فهل تؤخذ الزكاة منهم؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف في أن الزكاة تتعلق بالذمة أو بالعين إن قلنا بالذمة والمال مرهون بها، فيخرج على الأقوال الثلاثة في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدميين، فإن سوينا وزعنا المال على الزكاة، وحق الغرماء وإن قلنا: تتعلق بالعَيْن أخذت الزكوة سواء قلنا بتعلق الشركة أو بِمِثْل تعلق الأَرْش.
والطريق الثاني: وهو الأصح: أن الزَّكَاة تؤخذ بكل حال؛ لأن حق الزكاة أقوى تعلقاً بالمال من حق الرهن، ألا ترى أن الزكاة تسقط بتلف المال بعد الوجوب، وقبل إمكان الأداء، والدَّين لا يسقط بهلاك الرهن ثم حق المرتهن مقدم على الحق غيره فحق الزكاة أولى أن يكون مقدماً ثم إذا أخذت الزَّكاة من العَيْن ولم يَفِ الباقي بالدين غرم الورثة قدر الزكاة لغرماء الميت إذا أيسروا؛ لأن وجوب الزَّكَاة عليهم وبسببه تلف ذلك القدر على الغرماء.
قال صاحب "التهذيب": هذا إذا قلنا: الزكاة تتعلّق بالذّمة، فإن علقناها بالعَيْن لم يغرموا كما ذكرنا في الرَّهْن، ولو أن إطلاع النَّخِيل كان بعد موته فالثمار محض حقٍّ الورثة، ولا تصرف إلى دين الغرماء إلا إذا قلنا: الدين يمنع الميراث فحكمها حكم ما لو حدثت قبل موته.
قال الغزالي: وَلاَ يُضَمُّ حَمْلُ نَخْلَةٍ إلَى حَمْلِهَا الثَّانِي، وَلاَ حَمْلُ نَخْلَةٍ إلَى حَمْلِ أُخْرَى إِذَا تَأَخَّرَ إطْلاعُ الآخَرِ عَنْ جِدَادِ الأُولَى، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ زَهْوِهَا فَوَجْهَانِ، وَوَقْتُ الجِدَادِ كَالجِدَادِ عَلَى رَأْيِ.
قال الرافعي: لا خلاف في أن ثمرة العَام الثَّاني لا تضم إلى ثمرة العام الأول في تكميل النصاب، وإن فرض إطلاع ثمرة العام الثاني قبل جُذَاذ ثمرة العام الأول، ولو كانت له نخيل تثمر في العام الواحد مرتين فلا يضم الحمل الثاني إلى الأول؛ لأن كل حمل كثمرة عام، وفي هذه المسألة كلامان:
أحدهما: قال الأصحاب: هذا لا يكاد يقع: لأن النَّخْل والكَرْم اللَّذين يختصان بإيجاب الزَّكَاة في ثمارهما لا يحملان حملين وإنما نفرض ذلك في التِّين، وما لا زكاة فيه، وإنما ذكر الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- المسألة بياناً للحكم بتقدير التصَّور.
والثاني: أن القاضي ابن كج فصلّ فقال: إن أطلعت النخل للحمل الثَّاني بعد جُذَاذ الأول فلا ضمَّ وإن أطلعت قبل جُذَاذِه وبعد بُدُوِّ الصلاح فيه خلاف كما سنذكره في حمل نخلتين، وهذا لا يخالف إطلاق الجمهور عدم الضم، فإن السابق إلى الفهم من الحمل الثاني هو الحادث بعد جذاذ الأول، والله أعلم.
ولو كانت له نخيل أو كروم يختلف إدراك ثمارها في العام الواحد، إما بحسب اختلاف النوع أو بحسب اخْتِلاَف البلاد حرارة وبرودة، فهل يضم بعض ثمارها إلى بعض؟ نظر إن أطلع ما تبطؤ ثمارها قبل زهُوّ الأول وبدو الصلاح فيه وجب الضم لوجود حمل الثاني يوم وجوب الزكاة في الأول، والأشجار تطلع وتدرك ثمره على تدريج وتفاوت، وإن أطلع الثاني بعد جُذَاذ الأول ففيه وجهان:
أحدهما وهو الذي أورده القاضي ابن كج وأصحاب القفال: أنه لا يضم؛ لأن الثاني حدث بعد انْصِرَامِ الأول فأشبه ثمرة عامين، وهذا هو المذكور في الكتاب.
والثاني: وهو الذي قاله أصحاب الشيخ أبي حامد: أنه يضم؛ لأنها ثمرة عام واحد، ولهؤلاء أن يحتجوا على ما ذكروه بقول الشافعي -رضي الله عنه- وثمرة النخيل
تختلف فثمر النخل يجزُّ بِتِهَامة، وهو بِنَجْد بِسْرٌ وبَلَح فيضم بعد ذلك إلى بعض؛ لأنها ثمرة عام، وإن كان بينهما الشهر والشهران 1. فإن قلنا بالوجه الثاني فلو كان إطلاع الثاني قبد الجُذَاذِ وبعد بُدُوِّ الصَّلاح فهو أَولى بالضم، وإن قلنا بالأول فهاهنا وجهان:
أحدهما ويحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يضم لحدوث الثاني بعد وجوب الزكاة في الأول فصار كثمرة عامين، وذكر في "التهذيب" أن هذا أصح.
والثاني: يضم لاجتماعهما على رأس النخيل كما لو أطلع قبل زُهُوِّ الأول، ثم اختلف الصائرون إلى الوجه المذكور في الكتاب وهو اعتبار الجُذَاذ في أن وقت الجُذَاذ هل يقام مقام الجذاذ؟ على وجهين:
أحدهما: لا يقام لاجتماع الثَّمرتين قبل الجُذَاذ على رأس النخيل.
وأفقههما وهو الذي ذكره الصيدلاني: أنها تقام مقام الجُذاذ، فإن الثمار بعد دخول الوقت كالمجذوذة، ألا ترى أنه لو أطلعت النخلة العام الثاني، وقد تركت بعض ثمرة العام الأول عليها لا يثبت الضم، فعلى هذا قال إمام الحرمين للجذاذ أول وقت ونهاية ترك الثمار إليها أولى وتلك النهاية أحق بالاعتبار.
قال الغزالي: وَلَوْ ضَمَمْنَا نَخْلَةً إلَى أُخْرَى فَجَدَّت الَّتي أَطْلَعَتْ أَوَّلاً ثُمَّ أَطْلَعَتْ ثَانِياً قَبْلَ جَدَادِ الثَّانِيَةِ لَمْ نَضُمَّهَا إلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا ضَمًّا إلَى الأُولَى وَقَدْ أَطْلَعَتْ بَعْدَ جَدَادِهَا وَذَلِكَ يَتَسَلْسَلُ فَلاَ تُضَمُّ إلَى الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: أذكر المسألة في قالب المثال الذي ذكره الشافعي -رضي الله عنه- وتابعه الأصحاب فيه، ثم أعود إلى عبارة الكتاب فإن فيها لبساً.
اعلم: أن من المواضع التي يختلف إدراك الثمار فيها بحسب اختلاف الأهوية تِهَامة ونَجْد، فتهامة بلاد حارة، ونجد بلاد باردة، وثمر النخيل بتهامة أسرع إدراكاً منها بنَجْد، فإذا كانت للرجل نخيل تِهَامية وأخرى نَجْدية فأطلعت التِّهَامية ثم أطلعت النجدية لَذلك العام، واقتضى الحال ضم ثمرة النجدية إلى ثمرة التهامية على ما فصلناه في الفَصْل السابق فضممناها إليها، ثم أطلعت التهامية مرة أخرى فلا تضم ثمرة هذه المرة إلى ثمرة النجدية، وإن طلعت قبل بدو الصلاح فيها، لأن في ضمها إلى النجدية ضماً إلى ثمرتها المرة الأولى ولا سبيل إليه؛ لأن ثمرتها المرة الثانية إما حمل ثان على تصوير أن تكون تلك التِّهاميات ممَّا تحمل في كل سنة مرتين، وإما حمل سنة ثانية،
وعلى التقديرين فلا ضم على ما سبق، وهذا ما ذكره الأصحاب، ثم قال الصيدلاني وإمام الحرمين: ولو لم تكن ثمرة النَّجْدية مضمومة إلى حمل التِّهامية أوّلاً، بأن أطلعت بعد جُذَاذِ ذلك الحمل لكنا نضم حملها الثَّاني المطلع قبل جذاذ النجدية إليها، إذ لا يلزم هاهنا المحذور الذي ذكرناه، وهذا قد لا يسلمه سائر الأصحاب، لأنهم حكموا بضمِّ ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض وبأن ثمرة عام لا تضم إلى ثمرة عام آخر، ومعلوم أن إدراك ثمار التهامية في كل عام أسرع من إدراك ثمار النجدية، فيكون إطلاع التهامية ثانيًا للعام القابل، وما على النجدية من العام الأول.
وأما كلام الكتاب فأما إن أراد به الصورة التي نقلناها عن جمهور الأصحاب، وأما إن أراد به ما يشعر به ظاهر، فإن أراد تلك الصورة وهي التي أوردها في "الوسيط" فاللفظ هاهنا محال عن وجهه تصويراً وتعليلاً.
أما التصوير فلأن للجمهور صوروا في إطْلاع النخلة الأولى مرة أخرى، وهو صور في ثلاث نَخلات متغايرة أطلعت الثّالثة بعد جُذَاذ الأولى وقبل جُذاذ الثانية.
وأما التعليل فلأن قوله: "لأن فيها ضمًّا" إلى قوله: "وذلك يتسلسل"، يشعر بأن امتناع الضم إلى حمل الثانية لتضمنه الضم إلى حمل الأولى وقد أطلع هذا بعد جذاذه ولا سبيل إلى ضم ما أطلع بعد المجذوذ إليه، ولو جوزنا ذلك للزم ضم نخلة إلى نخلة بلا نهاية، وهذا التعليل غير التعليل الذي سبق، وإن أراد ما يشعر به ظاهر الكلام فعدم الضم مما تنازع فيه كلام الأصحاب الدين قالوا بانضمام ثمار العام الواحد بعضها إلى بعض، ولم يبالوا بإطلاع الآخر بعد جذاذ الأول على ما أسلفناه، وفي ضبطهم بالعام الواحد ما يقطع التسلسل الذي ادعاه، ولا يخفى أن قوله: "لو ضممنا نخلة إلى أخرى" معناه حمل نخلة إلى حمل نخلة أخرى فحذف المضاف.
قال الغزالي: وَأَمَّا الذُّرَةُ لَوْ زُرِعَت بَعْدَ حَصْدِ الأُولَى فَعَلَى قَوْلٍ: هُمَا كَحَمْلَيْ شَجَرَةٍ فَلاَ يُضَمُّ، وَعَلَى قَوْلٍ: يُضَمُّ مَهْمَا وَقَعَ الزَّرْعَانِ وَالحَصَادَانِ فِي سَنَةٍ، وَعَلَى قَوْلٍ: يُكْتَفَى في الضَّمِّ بِوُقُوعِ الزَّرْعَيْنِ فِي سَنَةٍ؛ لأنَّهُ الدَّاخِلُ تَحْتَ الاخْتِيَارِ، وَعَلَى قَوْلٍ يُنْظَرُ إلَى اجْتِمَاعِ الحَصَادَيْنِ فَإنَّهُ المَقْصُود، وَعَلَى قَوْلٍ: إنْ وَقَعَ الزَّرْعَانِ وَالحَصَادَانِ أَوْ زَرْعُ الثَّانِي وَحَصَدْ الأَوَّلِ اكْتَفَى بِهِ، وَالزَّرْعُ بَعْدَ اشْتِدَادِ الحَبِّ كَهُوَ بَعْدَ الحَصَادِ عَلَى أَحَدِ الرَّأيَيْن، وَالزَّرْعُ بِتَنَاثُرِ الحَبَّاتِ لِلأوَّلِ وَبِنَقْرِ العَصَافيرِ كَهُوَ بِالاخْتِيَارِ، وَقيلَ: إنَّهُ يُضَمُّ لأنَّهُ تابعٌ، وَلَو أُدْرِكَ أَحَدُ الزَّرْعَيْنِ وَالآخَرُ بَقْلٌ فَالظَّاهِرُ الضَّمُّ، وَقيلَ: يُخَرَّجُ عَلَى الأَقْوَالِ.
قال الرافعي: الأصل الذي لا بدَّ من معرفته أولاً أَنَّ زرع عام لا يضم إلى زرع
عام آخر في تكميل النِّصاب 1، واختلاف أَوْقَات الزِّرَاعة لضرورة التَّدريج فيها كالَّذي يبتدئ الزِّراعة ولا يزال يزرع إلى شهر أو شهرين فلا يقدح، بل هي معدودة زرعاً واحداً يضم بعضها إلى بعض عند اتحاد الجنس إذا عرفت ذلك ففي الفصل مسألتان:
إحداهما: أن الشَّيء قد يزرع في سنة واحدة مراراً كالذرة تزرع في فصول مختلفة في الخريف والربيع والصيف، ففي ضم البعض إلى البعض أقوال:
أحدها: أن المزروع بعد حصل الأولى لا يضم إليه كما لا يضم أحد حملي الشجر إلى الآخر.
والثاني: يضم إن وقع الزرعان والحصادان في سنة؛ لأنهما حينئذ بدان زرع سنة واحدة، بأن يكون بين الزَّرع الأول وحصد الثَّاني أقلّ من اثني عشر شهراً عربية، كذا قال صاحب "النهاية" و"التهذيب"، فإن كان بينهما سنة فصاعداً فلا يضم.
والثَّالث: أن الاعتبار بوقوع الزَّرْعَين في سنة ولا نظر إلى الحصاد؛ لأن الزرع هو المتعلق بالاختيار، والحصاد لا اختيار في وقته ويختلف باختلاف حال الأرض والهواء، وأيضاً فإنَّ الزرع هو الأَصْلُ والحصاد فرعه وثمرته، فيعتبر ما هو الأصل فعلى هذا يضم وإن كان حصاد الثَّاني خارجاً عن السنة.
والرابع: أن المعتبر اجتماع الحَصَادين في سنة فإذا حصل وجب الضَّم، وإن كان زرع الأول خارجاً عن السنة لأن الحصاد هو المقصود، وعنده يستقر الوجوب فاعتباره أولى، وهذه الأقوال الأربعة مدونة في "المختصر".
والخامس: ويحكي عن رواية الربيع: أنه إن وقع الزَّرْعَان أو الحصادان أو زرع الثَّاني وحصد الأول في سنة ضم أحدهما إلى الثاني، وهذا بعيد عند الأصحاب، لأنه يوجب ضم زرع السنة إلى زرع السنة الأخرى، فإنَّ العادة ابتداء الزرع الثاني بعد مضي شهر من حصد الأول، هذا بيان الأقوال على الوجه المذكور في الكتاب، واختلفوا في الأظهر منها، وكلام الأكثرين مائل إلى تَرْجِيحِ القول الرابع، ونقل المَسْعُودِي في "الإفصاح" القول الخامس على وجه أخص مما ذكرنا، فقال: الاعتبار بجميع السنة بأحد الطرفين.
إما الزرعين أو الحصادين، ولم يلحق بهما زرع الثَّاني وحصد الأول، والشيخ أبو حامد في طائفة جعلوا الفصل بدلاً عن السنة في حكاية القول الثَّاني والثَّالث والرابع، واعتبروا على القول الثاني أن يكون الزرعان في فصل واحد، وما المعنى بالفصل؟ ذكر القاضي الروياني أن المعنى بالفصل هاهنا أربعة أشهر، والطريقة التي تقدمت أوفق للفظ "المختصر"، وهي التي اعتمدها القاضي ابن كج، ونقلها أصحاب القفَّال وغيرهم، وعن أبي إسحاق أنه خرج قولاً أن ما يعد زرع سنة يضم بعضه إلى بعض، ولا أثر لاختلاف الزرع والحصاد، قال: ولا أعني هاهنا بالسَّنة اثني عشر شهراً، فإن الزرع لا يبقى هذه المدة، وإنما أعني بها ستة أشهر إلى ثمانية، وإذا جمع جامع بين ما نقلناه من الروايات انتظمت في المسألة عشرة أقوال فتأملها، وهذا كله فيما إذا كان زرع الثَّاني بعد حصول الأول ووراء ذلك حالتان:
إحداهما: أن يكون زرع الثَّاني بعد اشْتِدَاد حب الأول، فالخلاف فيه مرتب على الخلاف فيما إذا كان زرع الثَّاني بعد حصد الأول، وهاهنا أولى بالضَّم لاجتماعها في النَّبَات في الأرض والحصول فيها.
وقوله في الكتاب: "على أحد الرِّوَايتين" المراد منه طريقان يتولدان من هذا الترتيب:
أحدهما: القطع بالضَّم.
والثّاني: إثبات الخلاف وهو أظهر.
والثانية: أن يكون الزَّرعَان معاً أو على التَّوَاصل المعتاد ثم يدرك أحدهما، والثاني بعد بَقْل لم يشتد حَبُّه أصلاً ففيه طريقان:
أصحهما: القطع بالضم، لأن ذلك يعد زرعاً واحداً، والثاني -وحكاه الإمام عن أبي إسحاق- أنه على الأقوال 1 لاختلافهما في وقت الوجوب بخلاف ما لو تأخر بدو الصَّلاح في بعض الثمار، فإنه يضم إلى ما بدا فيه الصَّلاح لا محالة؛ لأن الثمرة الحَاصِلَة هي متعلق الزَّكَاة بعينها والمنتظر فيها صفة الثمرة، وهاهنا متعلق الواجب الحب ولم يخلق بعد، والموجود حشيش محض.
المسألة الثانية: قال الشافعي -رضي الله عنه- الذُّرَة تزرع مرة فتخرج فتحصد، ثم يستخلف في بعض المواضع فتحصد أخرى فهو زرع واحد وإنْ تأخَّرت حصدته الأخرى
اختلف المُفَسِّرون لكلامه في المراد بهذه الصورة على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد يها ما إذا تَسَنْبَلَت الذُّرة واشتدت فانتثر بعض حَبَّاتها بنفسها أو بنقل العَصَافير أو بهبوب الرياح، فسقى الأرض فنبتت تلك الحبات المنثورة في تلك السّنة مرة أخرى وأدركت ومنهم من قال: المراد بهذا ما إذا نبتت فالتفت وعلا بعض طاقاتها فغطى البعض، وبقي ذلك المغطّى مخضرّاً تحت ما علا فإذا حصد العالي أثرت الشَّمس في المُخْضر فأدرك.
ومنهم من قال: المراد بها الذُّرَة الهِنْدِيّة تحصد سنَابِلُهَا ويبقى سَاقُهَا فيخرج سنابل أخرى، ويحكى هذا الوجه الثاني عن ابن سريج، ثم اختلفوا في الصور الثَّلاَث بحسب اختلافهم في المراد من النَّص، واتفاق الجمهور على أن ما ذكره قطع بالضم وليس جواباً على بعض الأقوال التي سبقت، فذكروا في الصورة الأولى طريقين:
أحدعما: أنها على الأقوال في الزَّرعَين المختلفي الوقت فإنه زرع مفتتح بعد زرع.
والثاني: القطع بالضَّم لأنه تابع للأول غير حاصل بالقصد والاخْتيار، وإيراد الكتاب يشعر بترجيح الأول، وهو قضية ما في "التهذيب"، وذكروا في الصُّورة الثَّانِية طريقين أيضاً:
أحداهما: القطع بالضَّم؛ لأنها حصلت دفعة واحدة وإنَّمَا تفاوت الإدراك.
والثاني ويحكى عن أبي إسحاق: أنها مخرجة على الأقوال، وذكروا في الثالثة ثلاثة طرق:
أحدها: أنها على الخلاف فيما لو حصد زرع ثم زرع آخر.
والثاني: لا يضم قولاً واحداً كالنَّخْلة تحمل في السَّنة حملين.
والثالث: يضم قولاً واحداً بخلاف الزَّرْع بعد الزَّرع، فإن أحدهما مفصول عن الآخر وهاهنا الزرع واحد وإنما تفرق رِيعُه، وبخلاف حملي النَّخْلة فإنها شجرة لها ثمر بعد ثمر فحملاها في سنة كحملها في سنتين، والذُّرَة زرع لا يبقى فالخارج من ساقها ملحق بالأول كزرع تعجّل إدراك بعضه وتأخّر إدراك بعضه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" والله أعلم.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّاني، فِي الوَاجِبِ، وَهوَ العُشْرُ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاء، وَنِصْفُ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ، وَالقَنَوَاتُ كَالسَّمَاءِ، وَالنَّاعُورُ الَّذِي يُديرُ المَاءَ بِنَفْسِهِ كَالدَّوَالِيبِ.
قال الرافعي: الأصل في قدر الواجب في هذا النوع ما روى ابن عمر -رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوِ الْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيّاً الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْح نِصْفُ الْعُشْرِ" 1. ويروى "وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ غَرْبٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ" 2. قالَ في "الصِّحاح": العَثَرِيّ بالتحريك: الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر.
وقال الأزهري: وسقيه بالنّضْح أن يستقي له من ماء النهر أو البِئْر بسانية وغيرها، وتسمى السَّوَاني نواضح الواحدة: سَانيَة والغَرْب الدَّلْو الكبيرة.
إذا عرف ذلك فيجب فيما سقي بماء السماء من الثمار والزروع العشر، وكذا البَعل وهو الذي يشرب بعروقه لقربه من الماء، وكذا ما يشرب من ماءٍ ينصب إليه من جبل أو نهر أو عين كبيرة كل ذلك فيه العشر، وما سقى بالنّضح أو بالدِّلاَء أو بالدَّوَالِيب ففيه نصف العشر وكذا ما سقى بالدَّالية.
قال في "الصحاح": وهو المَنْجَنُون تديرها البقرة، وما سقي بالنَّاعُور وهو الذي يديره الماء بنسه؛ لأنه تسبب إلى النَّزْح كالاسْتِقَاء بالدلاء والنَّواضِح، والمعنى الكلي الذي يقتضي التَّفَاوت أنَّ أمر الزكاة مبني على الرفق بالمالك والمساكين، فإذا كثرت المؤنة خف الواجب أو سقط كما في المعلوفة، وإذا خفت المؤنة كثر الواجب كما في الرِّكَاز، وأما القَنَوات وفي معناها السَّواقي المَحْفُورة من النهر العظيم إلي حيث يسوق الماء إليه، فالذي ذكره في الكتاب أن السقي منها كالسَّقي بماء السماء، وهذا هو الَّذي أورده طوائف الأصحاب من العراقيين وغيرهم، وعَلَّلوا بأن مؤنة القَنَوات إنما تتحمل لإصلاح الضَّيْعَة، والأنهار تشق لإحياء الأرض فإذا تهيأت وصل الماء إلى الزرع بطبعه مرة بعد أخرى بخلاف السَّقي بالنَّوَاضح ونحوها، فإن المُؤْنَة ثم تتحمل لنفس الزرع.
وادعى إمام الحرمين اتفاق الأئمة على هذا، لكن أبا عاصم العبادِيَّ ذكر في "الطَّبَقات" أن أبا سهل الصُّعْلُوكي أفتى بأن الَمسْقِيّ من ماء القَنَاة فيه نصف العشر، لكثرة المُؤْنة، وفصّل صاحب "التهذيب" 3 فقال: إن كانت القناة أو العَيْن كثيرة المؤنة بأن كانت لا تزال تنهار وتحتاج إلى اسْتِحْداث حفر فالمسقى بها كالمسقى بالسَّواقي، وإن لم يكن لها مؤنة أكثر من مؤنة الحفر الأول وكَسحها، في بعض الأوقات، ففي السقي بها العشر والمشهور الأول.
نوع: أشار القاضي ابن كَجِّ إلى أنه لو احْتَاج إلى شراء الماء كان الواجب نصْف العشر، ونقله عنه صريحاً صاحب "الرّقم"؛ ولو سقاه بماء مغصوب فكذلك لأن عليه الضمان، وهذا حسن جَارٍ على كل مأخذ، فإنه لا يتعّلق به صلاح الضيعة بخلاف القناة 1، ثم حكى القاضي عن أبي الحُسَيْن وجهين فيما لو وهب منه الماء، ورجح إلحاقه بما لو غصب لما في قبول الهِبَة من المنة العظيمة، فصار كما لو علف ماشيته بِعَلَف موهوب 2 والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوِ اجْتَمَعَ السَّقْيَان عَلَى تَسَاوٍ وَجَبَ ثَلاثةُ أَرْبَاعِ العُشْرِ فِي كُلِّ نِصْفٍ بِحِسَابِه وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَغْلَبَ اعْتِبَر الأَغْلَبُ فِي قَوْلٍ، وَوُزِّعَ عَلَيْهِمَا فِي القَوْلِ الثَّانِي، وَالأَغْلَبُ يُعْرَفُ بالعَدَدِ فِي وَجْهٍ وَبِزِيادَةِ النُّمُوِّ وَالنَّفْعِ فِي وَجْهٍ، وَإذَا أَشْكَلَ الأَغْلَبُ فَهُوَ كَالاسْتِوَاءِ.
قال الرافعي: إذا اجتمع السّقيان في زرع وكان يسقى بماء السَّماء مدة وبالنَّضْح مدة فلا يخلو إما أن يكون الزرع منشأ على هذا القصد، أو بني أمره على أحد الشقين ثم اعترض الآخر واجتمعا.
الحالة الأولى: وهي المقصودة في الكتاب أن ينشأ الزرع على قصد السقي بهما جميعاً ففيه قولان كالقولين فيما إذا تنوعت إبله أو غنمه.
أظهرهما: أنه يقسط الواجب عليهما لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم- إذا تنوعت: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ نِصْفُ العُشْرِة".
فعلى هذا لو كان ثلثا السّقي بماء السّماء والثّلث بالنّضح وجب خمسة أسداس العشر ثلثا العشر للثلثين، وثلث نصف العشر للثلث، ولو سقى على التَّسَاوي وجب نصف العشر ونصف نصف العشر، وذلك ثلاثة أرباع العشر.
والقول الثاني وحكاه في "الشَّامل" عن أبي حنيفة وأحمد-: أن الاعتبار بالأغلب فإن كان السّقي بماء السماء أغلب ففيه العشر، وإن كان السّقي بالنضح أغلب ففيه نصف العشر، لأن النظر إلى أعداد السقي وأزمنته مما يشق ويعسر، فيدار الحكم على الغالب
تخفيفاً، وعلى هذا لو استويا ففيه وجهان حكاهما الإمام:
أحدهما: أنه يجب العشر نظراً لِلْمَسَاكين، وهذا هو الَّذِي حكاه المَسْعُودي تفريعاً على القول الثَّاني.
وأصحهما: وهو الَّذِي أورده في الكتاب أنا نقسط الواجب عليهما كما ذكرنا على القول الأول لانتفاء الغَلَبة من الجانبين، وعلى هذا فالحكم حالة الاستواء واحد على القولين فينتظم أن يقال: إن استويا وجب ثلاثة أرباع العشر فإن كان أحدهما أغلب فقولان.
وهكذا أورد صاحب الكتاب والأكثرون ثم سواء قلنا بالتقسيط أو اعتبرنا الأغلب فالنظر إلى ماذا في معرفة المقادير؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ النظر إلى عدد السَّقَيات؛ لأن المُؤْنة بحسبها تقلّ وتكثر ولا شك أن الاعتبار بالسّقَيَات المفيدة دون ما لا تفيد أو تضر.
وأوفقهما لظاهر نصه: أن الاعتبار بعيش الزَّرع ونمائه أو بأحدهما أكثر أو لا وكذا عيش التَّمْر فإنه المقصود.
وقال في "النهاية": وعبر بعضهم عن هذا بعبارة أخرى فقال: النظر إلى النَّفع وقد تكون السّقية الواحدة أنفع من سقيات كثيرة، قال: وهما متقاربان، إلاَّ أن صاحب العبارة الثانية لا ينظر إلي المدة وإنما ينظر إلى النفع الذي يحكم به أهل الخبرة، وصاحب العبارة الأولى يعتبر المدة.
واعلم أن اعتبار المدة هو الذي ذكره الأكثرون على الوجه الثاني، وذكروا في المثال أنه لو كانت المدة من يوم الزرع إلى يوم الإدراك ثمانية أشهر، واحتاج في ستَّة أشهر زَمَاني الشّتاء والربيع إلى سَقْيَتَيْن، فسقى بماء السماء وفي شهرين، وهو زمان الصيف إلى ثلاث سقيات فسقى بالنضح، فإن اعتبرنا عدد السقيات فعلى قول التوزيع يجب خمسا العشر وثلاثة أخماس نصف العشر، وذلك ثلاثة أخماس العشر ونصف خمسه، وعلى قول اعتبار الأغلب يجب نصف العشر؛ لأن عدد السقيات بالنضح أكثر، وإن اعتبرنا المدّة فعلى قول التّوزيع يجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر، وعلى قول اعتبار الأغلب يجب العشر؛ لأن مدة السَّقي بماء السماء أطول، ولو سقى الزرع بماء السماء والنضح جميعاً لكن أشكل مقدار كل واحد منهما فعن ابْنِ سُرَيج وتابعه الجمهور: أنه يجب ثلاثة أرباع العشر أخذاً بالاستواء؛ وذكر القاضي ابن كج وجهاً آخر: أن الواجب نصف العشر؛ لأنه اليقين، والأصل براءة ذمته عن الزيادة.
وإذا عرفت ما ذكرناه يتبيَّن لك أو الوجهين في قوله: "والأغلب يعرف بزيادة العدد.... " إلى آخره لا يختصان بالأغلب، بل يجريان فيما يعتبر به الاستواء أيضاً.
وقوله: "إذا أشكل الأغلب فهو كالاستواء" إنما صور الإشكال في الأغلب؛ لأنه قصد التفريع على قول اعتبار الأغلب، وإلاّ فلو لم يعرف هل أحدهما أغلب من الآخر كما لو عرف أن أحدهما أغلب، وشك في أنه هذا أم ذاك.
والحالة الثانية: أن يبنى الأمر على أحد السّقيين ثم يعرض الآخر فهل يستصحب حكم قصدة أو لا يعتبر الحكم؟ فيه وجهان؟
أصحهما: الثاني، ثم في كيفية اعتبارهما الخلاف الذي ذكرنا.
فرع: لو اختلف الساعي والمالك في أنه بماذا سقى؟ فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم وجوب الزيادة.
آخر: لو كان له زرع مسقى بماء السَّماء، وآخر مسقى بالنّضح، ولم يبلغ واحد منهما نصاباً، ضم أحدهما إلى الثاني في حق النصاب، وإن اختلف مقدار الواجب.
قال الغزالي: وَيجِبُ أَنْ يُخْرَجُ العُشْرُ مِنْ جِنْسِ المُعَشَّرِ وَنَوْعِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فَمِنْ كُلِّ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ عَسُرَ فَالوَسَطُ.
قال الرافعي: وقوله: "ويجب أن يخرج العشر من جنس المعشر" ولا يجوز أن يعلّم بالحاء؛ لأن أبا حنيفة -رحمه الله- يجوز إخراج القيم في الزكاة، فلا يجب عنده إخراج الجنس.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "خُذْ مِنَ الِإِبِلِ الإبِلِ" 1 الخبر.
وقوله: "ونوعه" ليس مجري على إطلاقه، فإنه لو أخرج الأجود عن الأردأ جاز، إنما الواجب ألا يخرج أردأ مما عنده، وغرضَ الفصل أنه لو كان الجنس الذي يملكه من الثمار والحبوب نوعًا واحداً فيؤخذ منه الزكاة، وإن اختلف أنواعه كما إذا ملك من التَّمر البَرْديّ والكَبِيس وهما نوعان جيّدان والجُعْرُور ومصْرَان الفَأرَة وَعِذْق الجَبِيق، وهي أَنْوَاع رديئة، ومنهم من يجعل الجُعْرُور وسطاً، فإن لم يعبر أخذ الواجب من كل نوع بالحصّة بخلاف نظيره في المَوَاشي حيث ذكرنا فيه خلافاً من قبل والفرق أن التَّشْقِيص في الحيوان محذور بخلاف ما في الثّمار، أَلاَ ترى أن في المواشي وإن قلنا بالتقسيط فإننا نعتبر قيم الأنواع ونأخذ ما يقتضيه التوزيع ونأمره بدفع نوع منها على ما يقتضيه التَّوزيع، ولا يأخذ البَعْض من هذا والبعض من ذاك، وهاهنا بخلافه، وطرد
القاضي ابْن كَجٍّ القولين هاهنا والمشهور الفرق، وإن عسر أخذ الواجب من كل نوع فإن كثرت الأنواع وقل مقدار كل نوع فما الذي يؤخذ.
حكي عن صاحب "الإفصاح" فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يكلف بالإِخْرَاج من كل نوع لما فيه من العسر، ولا يكلف بالإخراج من الأجود ولا نرضى بالرديء، بل يؤخذ من الوسط رعاية للجانبين.
والثاني: أنه يؤخذ من كل نوع بالقسط كما إذا قلَّت الأنواع.
والثالث: أنه يؤخذ من الغالب ويجعل غيره تبعاً له، وروى القاضي ابن كج في المسألة طريقين:
أحدهما: القطع يأخذ الوسط.
والثانى: أَنَّ فيه قولين:
أحدهما: أخذ الوسط.
والثاني: أخذ الغالب.
إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: "فإن عسر فالوسط" بالواو، واعلم أنه ليس المراد وجوب إخراج الوسط حتى لا يجوز أخذ غيره، بل لو تحمل العسر وأخرج من كل نوع بالقسط جاز ووجب على الساعي قبوله، فإذا أراد الساعي أخذ العشر كيل لرب المال تسعة وأخذ الساعي العاشر، وإنما يبدأ بجانب المالك؛ لأن حقه أكثر ولأن حق المساكين إنما يتبين به، ولو بدأ بجانبهم فَرُبَّمَا لا يفي الباقي بحقّه فيحتاج إلى رد ما كِيلَ لهم، وإن كان الواجب نصف العشر كِيلَ لربِّ المال تسعة عشر، وأخذ الساعي العشرين، وإن كان الواجب ثلاثة أرباع العشر كِيلَ لرب المال سبعة وثلاثون، وللمساكين ثلاثة ولا يهز المِكْيَال ولا يزلزل ولا توضع اليد فوقه ولا يمسح؛ لأن ذلك مما يختلف فيه، بل يصب فيه ما يحتمله ثم يفرغ.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ، فِي وَقْتِ الوُجُوبِ وَهُوَ الزَّهْوُ فِي الثِّمَارِ وَالاشْتِدَادُ فِي الحُبُوبِ، فَينْعَقِد سَبَبُ وُجُوبِ إِخْرَاجِ التَّمْرِ وَالحَبِّ عِنْدَ الجَفَافِ وَالتَّنْقِيَةِ، فلَوْ أَخْرَجَ الرُّطَبَ فِي الحَالِ كَانَ بَدَلاً.
قال الرافعي: وقت وجوب الصَّدَقَة في النَّخْل والكَرْم والزّهو وهو بدوُّ الصلاح؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ حِينَئِذِ يَبْعَثُ الْخَارِصَ لِلْخَرْصِ" 1.
ولو تقدم الوجوب عليه لبعثه قبل ذلك، ولو تأخر عنه لما بعثه إلى ذلك الوقت، ووقت الوجوب في الحبوب اشتدادها؛ لأنها حينئذ تصير طعاماً كما أن حمل النَّخْل والكَرْم عند بدو الصَّلاَح يصير ثمرة كاملة، وهو قبل ذلك بَلْحٌ وحِصْرٌ، هذا هو المشهور.
وفي "النهاية" أن صاحب "التقريب" حكى قولاً غريباً أن وقت الوجوب هو الجَفَاف والاشتداد، ولا يتقدمِ الوجوب على الأمر بالأداء، وفي "الشامل" أن الشيخ أبا محمد حكى عن القديم أنه أوْمَأَ إلى أن الزَّكَاة تجب عند فعل الحصاد 1، فيجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "وهو الزهو في الثمار والاشتداد في الحبوب" لهذين.
والكلام في معنى بدو الصلاح، وأن بدو الصلاح في البعض كبدوه في الكلّ على ما هو مذكور في كتاب البيع 2، ولا يشترط تمام اشتداد الحب، كما لا يشترط تمام الصلاح في الثمار، ويتفرع على المَذهب المشهور أنه لو اشترى نخيلاً مثمرة أو ورثها قبل بدوِّ الصَّلاحَ ثم بدا الصَّلاحَ بعد ذلك فعليه الزَّكَاة، ولو اشترى بشرط الخيار فبدا الصَّلاحَ في زمان الخِيَار، فإن قلنا: الملك للبائع فالزكاة عليه، وإن أمضى البيع، وإن قلنا: للمشتري فالزكاة عليه وإن فسخ البيع، وإن قلنا بالوقف فأمر الزكاة موقوف أيضاً.
وفرع ابن الحداد على هذا الأصل أنه لو باع المسلم نخيله المثمرة قبل بدو الصَّلاح من ذمِّي فبدا الصَّلاح في ملكه فلا زكاة على واحد منهما، أما الذِّمي فظاهر، وأما المسلم فلأن الثمرة لم تكن في ملكه وقت الوجوب، ولو عاد إلى ملكه بعد بدو الصلاح ببيع مستأنف أو بهبة أو تقابل أورد بعيب فلا زكاة عليه أيضاً؛ لأنه لم تكن في ملكه حين الوجوب، والبيع من المُكَاتب كالبيع من الذِّمِّي فيما ذكرنا، ولو باع النَّخل من مسلم قبل بدو الصلاح فبدا الصلاح في ملك المشترى ثم وجد بها عيباً، فليس له الرَّدُّ إلا برضا البائع؛ لأنها تعلق بها حق الزكاة فكان كعيب حدث في يده، فإن أخرج المشتري الواجب إما من تلك الثمرة أو من غيرها، فالحكم على ما ذكرنا في زكاة النَّعَم في الشرط الرابع أما إذا باع الثمرة وحدها قبل بدو الصلاح فهذا البيع لا يصحّ إلاَّ بشرط القطع، فإن شرطه ولم يتفق القطع حتى بدا فيها الصَّلاحَ فقد وجب العشر، وينظر فإن رضيا بإبقائها إلى أوان الجُذَاذ جاز والعشر على المشتري، وعن الشيخ أبي حامد أن الشيخ أبا إسحاق حكى قولاً آخر: أنه ينفسخ البيع؛ لأنه لو اتفقا عليه عند البيع لبطل البيع، فإذا وجد هذا الشرط المبطل بعده ينفسخ والصحيح الأول، وإن لم يرضيا
بالإبقاء لم تقطع الثمرة؛ لأن فيه إضراراً بالمساكين 1، ثم فيه قولان:
أحدهما: ينفسخ البيع لتعذر إمضائه، فإن البائع يبتغي القَطْع لشرطه وهو ممتنع لما ذكرنا.
وأصحهما: أنه لا ينفسخ فإنه عيب حدث بعد البَيْع، لكن إن لم يرض البائع بالإبقاء ينفسخ البيع، وإن رضي البائع بالإبقاء وَأَبَى المشتري إلا القَطع فوجهان:
أحدهما: يفسخ أيضاً.
وأصحهما: أنه لا يفسخ؛ لأن البائع قد زاده خيراً، والقطع إنما كان لحقه حتى لا تَمْتَصُّ الثمرة ماء الشجرة، فإذا رضي تركت الثمرة بحالها ولو رضي البائع ثم رجع كان له ذلك؛ لأن رضاه إعارة، وحيث قلنا: يفسخ البيع ففسخ فعلى من تجب الصدقة؟ فيه قولان:
أحدهما: على البائع؛ لأن الفسخ كان لشرط القطع فاستند إلى أصل العَقْد.
وأصحها: أنها على المشتري لأن بدو الصلاح كان في ملكه فأشبه ما لو فسخ بعيب، فعلى هذا لو أخذ السّاعي من غير الثمار رجع البائع على المشتري.
وقوله: "فينعقد سبب وجوب إخْراج الثمرة والحَب عند الجَفَاف" معناه إنا وإن قلنا: إن بدو الصلاحّ واشتداد الحب وقت الوجب، فلا نكلفه بالإخراج في الحال، لكن ينعقد حينئذ سبب وجوب إخراج الثمرة والزبيب والحب المصلى، ويصير ذلك مستحقاً للمساكين يدفع إليهم بالأجرة، ولو أخرج الرطب في الحال لم يجز؛ لما روي عن عتَّاب بن أَسِيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي زَكَاةِ الْكَرْمِ أَنَّهَا تُخْرَصُ كَمَا تُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيباً كمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ الرَّطَبِ تَمْراً" 2.
ولأن المُقَاسَمَة بيع على الصَّحِيح وبيع الرطب بالرطب لا يجوز، فلو أخذ السَّاعي الرطب لم يقع الموقع، ووجب الرد إن كان باقياً، وإن كان تالفاً فوجهان الذي نص عليه وقاله الأكثرون أنه ترد القيمة.
والثاني: أنه يرد المثل، والخلاف مبنى على أن الرّطب والعِنَب مِثْلِيّان أم لا، وقد
ذكر الخلاف فيه في الكتاب في "باب الغَصْب" وجعل الأظهر أنهما مِثْليان، فمن قال به حمل النص على ما إذا لم يوجد المثل 1.
ولو جف عند الساعي نظر إن كان قدر الزكاة أجزأ وإلا رد التَّفَاوت أو أخذ، هكذا قال العراقيون، والأولى وجه آخر ذكره القاضي ابن كَجٍّ وهو أنه لا يجزئ بحال لفساد القبض من أصله.
وقوله في الكتاب: "فلو أخذ الرطب في الحال كان بدلاً" أراد به أنه لا يقع الموقع؛ لأن البدل لا يجزئ في الزَّكاة إلا إذا فرضت ضرورة.
واعلم أن ما ذكرناه أصلاً وشرحاً في أخذ الرطب مما يجيء منه التّمر والزبيب، فإن لم يكن كذلك فسيأتي.
قال الغزالي: وُيسْتَحَبُّ (ح) أَنْ يُخَرّصَ عَلَيْهِ فَيُعْرَفَ مَا يَرْجِعُ إلَيهِ تَمْرًا، وَيَدْخُلُ فِي الخَرْصِ جَمِيعُ النَّخِيل، وَلاَ يُتْرَكُ بَعضُهُ (و) لِمَالِكِ النَّخِيلِ، وَهَلْ يَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ كالحَاكِمِ أَوْ لاَ بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ كَالشَّاهِدِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: الأصل في الخَرْص ما روينا من حديث عتاب بن أسيد 2. وروي أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "خَرَصَ حَدِيقَةَ امرَأَةٍ بِنَفْسِهِ" 3. وإنما يكون ذلك في الثمار دون الزروع؛ لأنه لا يمكن الوقوف عليها لاستتتارها، وأيضاً فإن الزروع لا تؤكل في حال الرّطوبة والثمار تؤكل، فيحتاج المالك إلى أن يخرص عليه، ويمكن من التصرف فيها ووقته بدُّو الصلاح.
لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَبعَثُ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ خَارِصاً أَوَّلَ مَا تَطِيبُ الثَّمَرَةُ" 4.
وكيفيته أن يطوف بالنَّخلة ويرى جميع عَنَاقِيدها ويقول: خرصها كذا رطباً، ويجيء منه من التمر كذا، ثم يأتي نخلة أخرى فيفعل بها مثل ذلك إلى أن يأتي على جميع ما في الحديقة، ولا يقتصر على رؤية البعض وقياس الباقي عليه؛ لأنها تتفاوت، وإنما يخرص كل نَخْلة رطباً ثم تمراً؛ لأن الأَرْطَاب تَتَفَاوت فمنها: ما يكون أكثر نماء وأقل تمراً، ومنها ما يكون بخلاف ذلك، فإن اتَّحَدَ النوع جاز أن يخرص الجميع رطباً ثم تمراً، وفي الفصل بعد هذا مسألتان:
إحداهما: هل تدخل النّخيل كلها في الخرص؟ الصَّحيح المشهور إدخال الكُل لإطلاق النّصوص المقتضية لوجوب العشر.
وعن صاحب "التقريب" أن للشافعي -رضي الله عنه- قولاً في القديم أنه يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكل منها أهله، ويختلف ذلك باختلاف حال الرجل في قلة عياله وكثرتهم 1. قال: وذلك في مقابلة قيامه بتربية الثمار إلى الجُذَاذ وتعبه في التَّجفيف.
وقد يحتج له بما روي أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا خَرَصْتُمْ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَتْرُكُوا الثُّلُثَ، فاتْرُكُوا لَهُمُ الرُّبُعَ" 2.
ومن قال بالصحيح قال: إما مؤنة الجُذَاذ والتَّجْفِيف فهي من خالص مال المالك، وكذا مؤنة التَّنْقِية في الحُبُوب لما سبق أن المستحق لهم هو اليَابس، وأما الخبر فهو محمول على ترك البعض لربِّ المال عند أخذ الزَّكَاة ليفرقه بنفسه على أقاربه وجيرانه، أي: لا يؤخذ بدفع جميع ما خرص عليه أولاً.
الثَّانية: هل يكفي خارص واحد أم لا بدَّ من اثنين؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أنه لا بد من اثنين؛ لأن الخرص تقدير للمال فأشبه التقويم.
وأصحهما وبه قال أحمد: أنه يكفي واحد؛ لأنه يجتهد ويعمل على حسب اجتهاده، فهو كالحاكم، وقد روي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- "بَعَثَ عبد الله بْنَ رَوَاحَةَ خَارِصاً 3 "، وروي "أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُ غَيْرَهُ" 4. فيجوز أن يكون ذلك في دفعتين، ويجوز أن يكون المبعوث معه معيناً أو كاتباً.
وحكى القاضي ابن كج وغيره قولاً ثالثاً: وهو إن كان الخَرْص على صبي أو مَجْنُون أو غائب فلا بد من اثنين وإلاَّ كفى واحداً.
والطريق الثاني وبه قال ابن سُرَيج والإصْطَخْري: القطع بأنه يكفي خارص واحد، وسواء أكتفينا بواحد أو اعتبرنا اثنين فلا بد من أَنْ يَكُون الخارص مسلماً عدلاً عالماً بالخَرْص، وهل تعتبر الذُّكُورة والحرية؟
قال في "العدة": إن اكتفينا بواحد فيعتبران، وإن قلنا: لا بد من اثنين جاز أن يكون أحدهما عبداً أو امرأة، وعن الشَّاشِي حكاية وجهين في اعتبار الذكورة مطلقاً، ولك أن تقول: إن اكتفينا بواحد فسبيله سبيل الحكم فينبغي أن تعتبر الحرية والذكورة، وإن اعتبرنا اثنين فسبيله سبيل الشهادات، فينبغي أن تعتبر الحرية أيضاً، وأن تعتبر الذكورة في أحدهما، وتقام امرأتان مقام الثاني.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "ويستحب أن يخرص عليه" يجوز أن يُعَلَّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- في الخَرْص روايتان:
إحداهما: أنه لا يجوز أصلاً.
والثانية: أنه لا يتعلق به التَّضمين كما هو أحد قولينا، ويجوز إعلامه بالواو أيضاً؛ لأن صاحب "البيان" ذكر أن الصيمري حكى وجهاً أن الخَرْص واجب.
وقوله: "فيعرف ما يرجع إليه تمراً" تمثيل لا تخصيص، فإن الكرم أيضاً يخرص فيعرف ما يرجع إليه زبيباً.
وقوله: "ولا يترك بعضه لمالك النخيل" مُعَلَّم بالواو؛ لما رواه صاحب "التقريب" وبالألف؛ لأن عند أحمد لا يحسب عليه ما يأكله بالمعروف ولا يطعم جاره وصديقه.
وقوله: قبله ويدخل في الخرص جميع النخيل لو اقتصر عليه ولم يذكر "ولا يترك بعضه، لمالك النخيل" لكان بسبيل منه.
وقوله: "أَوْ لاَ بُدَّ من اثنين"، يجوز إعلامه بالألف لما سبق.
وقوله: "قولان" بالواو للطريقة القاطعة بالاكتفاء بواحد.
قال الغزالي: وَمَهْمَا تَلِفَ بِآَفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى المَالِكِ لِفَوَاتِ الإمْكَانِ، وَلَوْ كَانَ بِإِتْلاَفِهِ غُرِّمَ قِيمَةَ عُشْرِ الرُّطَبِ عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ الخَرْصَ عِبْرَةٌ، أَوْ قِيمَةُ عُشْرِ التَّمْرِ عَلَى قَوْلنَا: إنَّهُ تَضْمِينٌ، ثُمَّ إِذَا ضَمَّنَّاهُ التَّمْرَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ فِي الجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ نُضَمِّنَهُ نَفَذَ فِي الأَعْشَارِ التِّسْعَةِ وَلَمْ يَنْفَذْ فِي العُشْرِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: الزَّكَاة لاَ تَتَعَلَّقُ بِالعَيْنِ.
قال الرافعي: حكى الأئمة قولين في أن الخَرْصَ عبرة، أو تضمين.
أحدهما: أنه عبرة أي هو لاعتبار المقدار، ولا يصير حق المساكين بجريانه في ذمّة ربّ المال بل يبقى على ما كان؛ لأنه ظنّ وتَخْمِين فلا يؤثر في نقل الحق إلى الذمة.
وأصحهما: أنه تضمين أي: حق المساكين ينقطع به عن عين الثمرة وينتقل إلى ذمة رب المال 1، لأن الخَرْص يسلطه على التَّصرف في الجَمِيع على ما سيأتي وذلك
يدل على انْقِطاع حقهم عنها، ولم أر نقل الخلاف في هذا الأصل هكذا إلاَّ لأصحاب القَفّال ومن تابعهم، وإن تعرضوا لإثاره، وجعله القاضي ابن كج وجهين لابن سريج، وذكر أن أبا الحسين قال بالثاني، وإن قلنا: الخرص عبرة فلو ضمن الخارص المالك حق المساكين صريحاً وقبله المالك كان لغواً ويبقى حقهم على ما كان، وقد فسر الإمام قولنا: إنه عبرة بأنه يفيد الإطْلاَع على المقدار ظَنًّا وحسباناً ولا يغير حكماً، وذكر صاحب الكتاب مثله في "الوسيط"، وليس الأمر فيه على هذا الإطلاق؛ لأنه يفيد جواز التصرف على ما سيأتي، ولو أتلف رب المال الثمار أخذت الزكاة منه بحسب ما خرص عليه، ولولا الخرص لكان القول قوله في ذلك، وإن قلنا: إنه تضمين، فهل يقول نفس الخرص تضمين أو لا بد من تصريح الخارص بذلك؟ نقل الإمام فيه وجهين.
قال: والذي أراه أنه يكفي تضمين الخارص إن اعتبرناه، ولا حاجة إلى قبول المخروص عليه وما عليه الاعتماد، وأورده المعظم أنه لا بد من التَّصريح بالتضمين وقبول المَخْروص عليه، فإن لم يضمنه الخَارص أو لم يقبله المَخْروص عليه بقي حق المَسَاكين على ما كان.
وهل يقوم وقت الخرص مقام الخرص؟ ذكروا فيه وجهين أيضاً 1، وجه قولنا: نعم، أن العُشر لا يجب إلا تمراً، والخرص يظهر المقدار لا أنه يلزم بنفسه شيئاً، وينبغي أن يرتب هذا على المسألة الأولى، إن قلنا: لا بد من التصريح بالتضمين لم يقم وقت الخرص مقامه بحال، وإن أغنينا عنه فحينئذ فيه الخلاف.
وقوله في الكتاب: "على قولنا: إنه تضمين" يجوز أن يُعَلَّم بالحاء، لما ذكرنا من الرواية الثانية عن أبي حنيفة -رحمه الله- في الفصل قبل هذا.
إذا تقرر هذا الأصل ففيه ثلاث مسائل:
إحداها: لو أصابت الثمار آفة سماوية أو سرقة إما من الشجرة أو من الجَرِين قبل الجَفَاف نظر إن أصابت الكل فلا شيء عليه لفوات الإمكان وهذه الحالة هي المرادة في الكتاب، ولا يخفى أن الفرض فيما إذا لم يكن منه تقصير.
فأما إذا أمكن الدّفع فأخر أو وضعها في غير الحِرْز ضمن.
قال الإمام: وكان يجوز أن يقال تفريعاً على أن الخرص تضمين: أن الضَّمَان يلزم بكل حالٍ ويلزم بالخرص ذمته التمر إلزام قرار، لكن قطع الأصحاب بخلافه، وإن تلف = من اليهودي جاز ذلك وضمن عبد الله بن رواحة اليهود الزكاة الواجبة على الغانمين وهذا الحكم.
ودليله ذكره الشيخ أبو حامد في تعليقه والماوردي في الحاوي وغيرهما.
وقال الماوردي: إلا أن يكون رب المال مما لا يصح ضمانه لصغر أو جنون أو سفه فلا يجوز تضمينه إلا أن يضمنها وليه.
(قاله الزركشي).
بعض الثمار دون بعض فإن كان الباقي نصاباً زكاة، وإن كان أقل من نصاب فيبنى على أن الإمكان شرط الوجوب أو الضّمان إن قلنا بالأول فلا شيء عليه، وإن قلنا بالثاني فعليه حصة الباقي.
الثانية: لو أتلف المالك الثمرة أو أكلها، نظر إن كان قبل بُدُوّ الصّلاح فلا زكاة عليه، لكنه مكروه إن قصد الفرار من الزَّكَاة وإن قصد الأكل أو التخفيف عن الشجرة أو غرضاً آخر فلا كراهة، وإن كان بعد بدو الصلاح ضمن للمساكين ثم له حالتان:
إحداهما وهي المقصودة في الكتاب: أَنْ يَكُونَ ذلك بعد الخَرْص، فإن قلنا: الخَرْص عبرة فيضمن لهم قيمة عشر الرطب أو عشر الرطب فيه وجهان: مبنيان على أن الرطب مثلى أو مُتَقَوّم، والذي أجاب به الأكثرون إيجاب القيمة، وهو المذكور في الكتاب، لكن الثاني هو المطابق لقوله في "الغصب" والأظهر أن الرطب والعنب مِثْلي، وبه أجاب في "الوسيط"، وإن قلنا: الخرص تضمين غرم للمساكين عشر الثمر، فإن ذلك قد ثبت في ذمته بالخرص على التفصيل الذي سبق.
إذا عرفت ذلك قوله: "غرم قيمة عشر الرطب" بالواو، واعلم أن الصواب في عبارة الكتاب على القول الثاني أو عشر التمر على قولنا إنه تضمين، وفي أكثر النسخ أو قيمة عشر التمر وهو غلط.
والحالة الثانية: أن يكون الأكل والإتْلاَف 1 قبل الخَرْص فيتقرر عليه، والواجب عليه ضمان الرطب 2، إن قلنا: لو جرى الخَرْص كان عبرة، وإن قلنا: لو جرى لكان تضميناً فوجهان حكاهما الصيدلاني.
أصحهما: أن الواجب عليه ضمان الرّطب أيضاً؛ لأن قبل الخَرْص لا يصير التَّمْر في ذمته.
والثاني: عليه عشر التمر؛ لأن الزَّكَاة قد وجبت ببدو الصَّلاح، وإذا أتلف فهو الذي منع الخَرْص فصار كما لو أتلفه بعد الخرص.
وحكى القاضي ابن كَجٍّ وجهاً آخر عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة في هذه الحالة: أنه يضمن أكثر الأمرين من عشر التمر أو قيمة عشر الرطب.
واعلم أن الحالتين جميعاً مفروضتان في الرّطب الذي يجيء منه التمر، والعنب الذي يجيء منه الزّبيب، فإن لم يكن كذلك فالواجب في الحالتين ضمان الرطب بلا خلاف.
ولك أن تقول ينبغي أن يكون الواجب في الرّطب الَّذي يجيء منه التَمر ضَمَان التمر مطلقاً، وإن فرعنا على قول العبرة؛ لأن الواجب عليه ببدو الصلاح التمر أَلاَ تَراه قال في الكتاب: "عند بود الصلاح ينعقد سبب وجوب إخراج التمر" فإذا وجب لهم التمر فلم يصرف إليهم الرطب أو قيمته غايته أن الواجب متعلق به، لكن إتْلاَف متعلّق الحق لا يقتضي انقطاع الحق، وانتقاله إلى غرامة المتعلق، أَلاَ تَرَى أنه لو ملك خمساً من الإبل وأتلفها بعد الحول يلزمه للمساكين شاة دون قيمة الإبل؟ نعم لو قيل: يضمن الرطب ليكون مَرهُوناً بالتَّمْر الواجب إلى أن يخرجه كان ذلك مناسباً، لقولنا: إن الزَّكَاة تتعلَّق بالمَال تعلّق الدين بالرَّهْن.
المسألة الثالثة: في تصرف المالك فيما خرص عليه بالبيع والأكل وغيرهما، وهو مبني على قولي التَّضْمين والعبرة، فإن قلنا بالتضمين فله التصرف في الكل بيعاً وأكلاً، وقد روي أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال في آخر خبر عتَّاب: "ثُمَّ يُخَلَّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أهْلِهِ" 1.
وكان من مقاصد الخَرْص وفوائده التَّمكين من التَّصرف شرع ذلك لما في الحجر على أصحاب الثمار إلى وقت الجفاف من الحرج العظيم، وإن قلنا بالعبرة فقد ذكر الأئمة أن تصرفه في قدر الزَّكَاة مبني على الخلاف في تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بالعَيْن أو بالذِّمة كما سبق، وأما فيما عدا قدر الزَّكَاة فينفذ.
حكى الإمام قطع الأصحاب 2 به ووجهه بأن أَرْباب الثِّمَار يتحملون مؤنة تربيتها إلى الجَفَاف، فجعل تمكينهم من التَّصرف في الأَعشار التسعة في مقابلة ذلك بخلاف المواشي حيث ذكرنا في التَّصرف فيما وراء قدر الزَّكاة منها خلافاً، وإن بقي قدر الزَّكاة وحجة الإسلام تابعه على دعوى القَطْع في "الوسيط"، لكنك إذا راجعت كتب أصحابنا العراقيين ألفيتهم يقولون: لا يجوز الْبَيع ولا سائر التصرفات في شيء مكن الثِّمَار في ذمته بالخَرْص، فإن أرادوا بذلك نفي الإباحة ولم يحكموا بالفساد فذلك، وإلا فدعوى القطع غير مسلمة والله أعلم.
وكيف ما كان ظاهر المَذْهب نفوذ التَّصرف في الأَعْشار التسعة، سواء أفردت
بالتَّصرف أو وردت بالتَّصرف على الكُلِّ؛ لأنا وإنْ حكمنا بالفساد في قدر العُشْر فلا نعديه إلى البَاقي على ما سيأتي في باب تَفْرِيق الصَّفقة، فهذا حكم التَّصَرف بعد الخرص، وأما قبله فقد قال في "التهذيب": لا يجوز أن يأكل شيئاً ولا أن يصرف في شيء، فإن لم يبعث الحاكم خارصاً، أو لم يكن حاكم تَحَاكم إلى عَدْلَين يخرصا عليه.
واعلم أن مَنْ أَجَاد النظر في قولي العبرة والتضمين وتأمل ما قيل فيهما تَفْسيراً وتوجيها ظهر له أنهما مبنيان على تعلّق الزكاة بالعين، فأما إذا علقناها بالذِّمَّة فكيف نقول بالخَرْص ينقطع حقّهم عن العين ويتعلق بالذمة وكان قبله كذلك.
وقوله في الكتاب: "ولم ينفذ في العشر" يجوز إعلامه بالواو، لأنا وإن علقنا الزَّكاة بالعَيْن فقد ينفذ التَّصَرُّف على بعض الأقوال على ما بيناه من قبل.
قال الغزالي: وَمَهْمَا ادَّعىَ المَالِكُ جَائحَةً مُمْكنَةً صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإنِ ادَّعىَ غَلَطَ الخَارِصِ صُدِّقَ أَيْضاً إلاَّ إِذَا ادَّعىَ قَدْراً لاَ يُمْكِنُ الغَلَطُ فِيهِ أَوِ ادَّعَى كَذِبَهُ قَصْداً.
قال الرافعي: إذا ادعى المالك هلاك الثِّمَار المخروصة عليه أو هلاك بعضها، نظر إن أسنده إلى سبب يكذبه الحس 1 فيه كما لو قال: هلك بحريق وقع في الجَرين، ونحن نعلم أنه لم يقع في الجَرِين حريق أصلاً، قال: فلا يبالي بكلامه، وإن لم يكن كذلك، نظر إن أسنده إلى سبب خفي كالسرقة فلا يكلف بالبينة عليه ويقبل قوله مع اليمين.
وهل هي واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان: قال في "العدة" وغيره: أصحهما الثاني، وإن أسند إلى سبب ظاهر كالنّهب والبَرْد والجَرَاد ونزول العسكر، فإن عرف وقوع هذا السبب وعموم أثره صدق ولا حاجة إلى اليمين، فإن اتَّهم في هلاك ثماره بذلك السّبب حلف وإن لم يعرف وقوعه فوجهان:
أظهرهما الَّذي ذكره المعظم: أنه يطالب بالبينة عليه لامكانها ثم القول في حصول الهَلاَك بذلك السَّبَبِ قوله مع اليمين.
والثَّاني عن الشيخ أبي محمد: أن القول قوله مع اليَمِين ولا يكلّف البينة؛ لأنه مؤتمن شرعاً فيصدق في الممكن الذي يدعيه كالمودع إذا ادعى الرد، ورأيت في كلام الشيخ أن هذا إذا لم يكن ثقة، فإذا كان ثقة فيغني عن اليَمِينِ أيضاً، وما في الكتاب جواب على الوجه الثاني، فإنه جعل القول قوله مع اليمين ولم يشرط إلا الإمكان فيجب إعلامه بالواو.
وحيث قلنا: يحلف ففي كون اليمين واجبة أو مستحَبَّة ما سبق من الوجهين هذا كله إذَا أسند الهلاك إلى سبب فإن اقتصر على دعوى الهلاك، فالمفهوم من كلام الأصحاب قبوله مع اليَمِين حَمْلاً على وجه يغني عن البينة 1.
وإن ادعى المالك إجْحَافاً في الخَرْص، فإن زعم أن الخَارِص تعمد ذلك لم يلتفت إلى قوله -كما لو ادَّعى الميل على الحَاكِم، والكَذب على الشَّاهد لا يقبل إلا ببينة 2، وإن ادعى أنه غلط فإن لم يبين المقدار لم تسمع أيضاً، ذكره في "التهذيب"، وإنْ بين فإن كان قدراً يحتمل في مثله الغلط كخمسة أوْسق في مائة قُبِل، فإن اتهم حلف وحط، وهذا إذا كان المُدّعى فوق ما يقع، أما لو ادَّعَى بعد الكَيْل غلطاً يسيراً في الخَرْص قدر ما يقع بين الكَيْلَيْن فهل يحط؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لاحتمال أَنَّ النُّقْصَان وقع في الكيل، ولعله يَفي إذا كِيلَ ثانياً، وصار كَمَا لو اشْتَرى حِنْطَة مُكَايَلَةً وباعها مُكَايَلَةً فانتقض بقدر ما يقع بين الكَيْلَيْن لا يرجع على الأول؛ لأنه كما يجوز أن يكون ذلك لنقصان في الكيل الأول يجوز أن يكون لزيادة في الثاني.
وأصحهما: نعم، لأن الكيل يقين والخرص تَخْمين وظن فالإحالة عليه أولى 3، وإن ادْعى نُقْصاناً فاحشاً لاَ يَجُوز لأهل النظر الغلط بمثله فلا يقبل.
قوله: في حظ ذلك القدر، وهل يحط القدر المحتمل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأنه ادعى مُحَالاً في العادة فالظاهر كذبه.
وأصحهما: نعم، وبه قال القَفَّال استنباطاً مما إذا ادعت ذات الإِقْرَاء انقضاء عدّتها قبل زمان الإمكان وكذبناها فأصرت على دعواها حتى جاء زمان الإمكان فإنا نحكم بانقضاء عدتها عند أول زمان الإمكان.
وقوله في الكتاب: "وادَّعى كذبه قصداً" معطوف على قوله: "إلا إذا ادعى قدراً لا يمكن الغلط فيه" وهو مستثنى من دعوى الغلط، لكن استثناء الكذب قصداً من الغلط لا يكاد ينتظم فليُؤَوَّلْ والله أعلم.
قال الغزالي: وَمَهْمَا أَصابَ النَّخِيلَ عَطَشٌ يَضُرُّ بِإبْقَاءِ الثِّمَارِ جَازَ للمَالِكِ قَطْعُهُ لِأَنَّ فِي إبْقَاءِ النَّخِيلِ مَنْفَعَةً لِلْمَسَاكِينِ ثُمَّ يُسَلَّمُ إلَى المِسْكينِ عُشْرُ الرُّطَب إِذَا قُلْنَا: القِسْمَةُ إفْرَازُ حَقّ أَوْ ثَمَنُهُ إِذَا مَنَعْنَاهُ القِسْمَةَ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ إِذْ لاَ يَبْعَدُ جَوَازُ القِسْمَةِ لِلحَاجَةِ كمَا لاَ يَبْعَدُ أَخْذُ البَدَلِ لِلْحَاجَةِ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الآخَرِ.
قال الرافعي: إذا أصاب النخيل عطش، تركت الثمار عليها إلى وقت الجُذَاذ لأضرت بها لامْتِصَاصها ماءها جاز قطع ما يندفع به الضرر إما كلها أو بعضها؛ لأن إبقاء النَّخِيل أنفع للمالك والمساكين من إبقاء ثمرة العام الوَاحِد وهل يستَقِلُّ المالك بقطعها أو يحتاج إلى اسْتئْذَان الإمام والسّاعي؟
ذكر الصَّيدلاَنِي وصاحب "التهذيب" وطائفة: أنه يستحب الاستئذان، وقضيته جواز الاستقلال، وذكر آخرون: أنه ليس له الاستقلال، ولو قطع من غير اسْتِئْذَان عزِّر إن كان عَالِماً 1، ويجوز أن يكون هذا الخِلاَف مبنياً على الخِلاَف في وجه تعلُّق الزَّكَاة.
إذا عَرفت ذلك فلو أعلم السَّاعي به قبل القطع وأراد المُقَاسَمَة بأن يخرص الثِّمار ويعين حق المساكين في نخله، أو نخلات بأعيانها، فقد حكوا في جوازه قولين مَنْصُوصَيْن، وقالوا: أهما مبنيان على أن القسمة إفراز حق أو بيع؟
إن قلنا: إفراز فيجوز للسَّاعي أن يبيع نصيب المَسَاكين من المالك أو غيره، وأن يقطع ويفرق بينهم يفعل ما فيه الحظ لهم، وإن قلنا: إنه بيع فَلاَ يَجُوز، وعلى هذا الخلاف يخرج القسمة بعد قطعها، فإن جعلناها إفرازاً فيجوز، وإن جعلناها بيعاً فقد ذكر الإمام أن قسمتها تخرج على بيع الرّطب الذي لا يُتَتَمَّر بمثله وفيه خلاف يذكر في البيع، فإن جاز جازت القسمة بالكيل وإن لم يجز ففيه وجهان:
أحدهما: أن مُقَاسمته للساعي جائزة أيضاً؛ لأنها ليست بمعاوضة وإنما هي استيفاء حق، فلا يراعي فيه تعبدات الرِّبا، وأيضاً فإنها وإن كانت بيعاً فإن الحاجة ماسة إلى تجويزها
فتستثنى عن البياعات الصريحة، ويحكي هذا الوجه عن أبي إسحاق وابْنِ أَبِي هريرة.
وأصحهما: عند القاضي أبي الطَّيِّب وابن الصَّبَّاغ والأكثرين: أنها غير جائزة؛ لأنا نفرع على أن القِسْمة بيع وبيع الرطب بالرطب لا يجوز، وعلى هذا فالمفروض طريقان:
أحدهما: أخذ قيمة العشر من الثَّمَار المقطوعة، وهي إنْ كَانَتْ بدلاً لكن جوز بعضهم أخذها للحاجة على ما سبق نظيره فيما إذا وجب شقص من حيوان.
والثاني: أين يسلم عشرها مشاعاً إلى السَّاعي لتعيين حق المساكين فيه، وطريق تسليم المشاع تسليم الكل، فإذا جرى ذلك فللساعي أن يبيع نصيب المساكين من رَبِّ المال أو غيره أو يبيع مع رب المال الجميع ويقتسما الثّمن، ولا خلاف في أن هذا الطَّرِيق جائز وهو متعين عند من لم يجوز القِسْمة وأخذ القيمة، وخيَّر بعض الأَصْحَاب السَّاعي بين القِسْمة وأخذ القيمة، وقال: كل منهما على خلاف القاعدة الممهّدة، ولا بد من مخالفتها في أحدهما بسبب الحاجة، فيفعل ما فيه الحظ للمساكين، هذا بيان الخلاف في المسألة، وقد اختلفوا بحسبه في تفسير نصه في "المختصر"، ويؤخذ منه ثمن عشرها أو عشرها مقطوعة، فمن جَوَّز القسمة وأخذ القيمة جَمِيعاً حمل اللَّفظ على ظاهر التّخيير، وقال: أراد بالثمن القيمة ومن لم يجوزهما قال: هذا تعليق قول بناء على أن القسمة إفراز أو بيع، فإن قلنا بالأول أخذ عشرها وإن قلنا بالثَّاني بيع الكُل على ما قَدَّمنا واقتسما الثّمن أو باع نَصِيبَ المَسَاكِين من رَبِّ المَال بعد القَبْض وأخذ الثمن.
وقوله في الكتاب: "أو ثمنه إذا منعناه القسمة" أي إذا جعلناها بيعاً فإنها حينئذ تمتنع في الرّطب وهو جواب على جواز أخذ القيمة، فيجوز أن يُعَلَّم بالواو للوجه الذَّاهِب إلى امتناعه، وإيراد "التهذيب" يقتضي ترجيح ذلك الوجه، وكان يجوز تأويل قوله: "أو ثمنه" على تقدير البيع كما ذكروا في نَصّ الشَّافعي -رضي الله عنه- إلاَّ أنه صرح بما ذكرنا في "الوسيط".
واعلم: أن ما ذكرناه من الخلاف والتَّقْسيم في إخراج الواجب يجري بعينه في إخراج الواجب، وعن الرطب الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يَتَزَبَّب، وفي المسألتين مستدرك حسن لإمام الحرمين -رحمه الله- قال: إنما يثور الإشكال على قولنا: إن المسكين شريك في النصاب بقدر الزكاة، وحينئذ ينتظم التَّخْريج على القَوْلَين في القسم، فأما إذا لم نجعله شَرِيكاً، فليس تسليم جزء إلى الساعي قسمة حتى يأتي فيه قولاً القسمة بل هو تَوْفِيَةُ حق على مستحق 1.
قال الغزالي: النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ وَالنَّظَرِ فِي قَدْرِهِ وَجِنْسِهِ (أَمَّا القَدَرُ) فَنِصَابُ الوَرِقِ مَائَتَا دِرْهَمٍ، وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَاراً، وَفِيهِمَا رُبْعُ العُشْرِ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ، وَلاَ وَقْصَ (ح) فِيهِ.
قال الرافعي: الكلام في هذا النوع في القدر الواجب فيه، ثم في جنسه.
أما الأول فنصاب الورق مائتا درهم، ونصاب الذَّهَبِ عِشْرُون ديناراً، وفيهما رُبُعُ العُشْرِ، وهو خمسة دراهم ونصف دينار، ولا شيء فيما دون ذلك.
روي عن أبى سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" 1. والأوقية: أربعون درهماً؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا بَلَغَ مَالُ أَحَدِكُمْ خَمْسَ أَوَاقٍ مَائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ" 2 ويجب فيما زاد على المائتين والعشرين بالحساب قَلَّ أو كثرَ، ولا وَقْصَ فِيهِ، خِلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا يجب فيما زاد على المائتين شيء حتى يبلغ أربعين دِرْهماً، ولا فيما زاد على عِشْرين ديناراً حتى يبلغ أربعة دنانير، ففيها ربع العشر، ثم كذلك في كل أربعين درهماً أربعة دنانير.
لنا: ما روي عن علي -كرم الله وجهه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "هَاتُوا رُبْعَ العُشْرِ مِنَ الْوَرَقِ، وَلاَ شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ مَائَةَ دِرْهَمٍ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ" 3.
وروي مثله في الذَّهَبِ وفي النَّقْدَيْنِ جميعاً، لا فرق بين التّمْر والمَضْرُوب، والاعتبار بالوزن اِلذي كَانَ بَمكَّة: لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أْهْلِ الْمَدِينَةِ" 4 وذلك ظاهر في الدَّنَانِير، وقد ذكر الشَّيْخُ أبو حامد وغيره أن المِثْقَال لم يختلف في جَاهِلِيَّةٍ ولا إسلام، وأما الدراهم فلا شك أنها كانت = وبقي بعضه، ولم يعرف الساعي ما تلف، فإن عرف المالك ما أكل، زكَّاه مع ما بقي.
فإن اتهمه، حلفه استحباباً على الأصح، ووجوباً على الآخر، وإن قال: لا أعرف قدر ما أكلته، ولا ما تلف.
قال الدارمي: قلنا له: إن ذكرت قدراً ألزمناك بما أقررت به، فإن اتهمناك حلَّفناك، وإن ذكرت مجملاً، أخذنا الزكاة بخرصنا.
قال أصحابنا: ولو خرص، فأقر المالك بأنه زاد على المخروص، أخذنا الزكاة من الزيادة، سواء كان ضمِنَ، أم لا].
ينظر الروضة (2/ 117).
مختلفة الأوزان، والذي استقر الأمر عليه في الإسلام أن وزن الدرهم الواحد ستة دوانيق، كل عشرة منها سَبْعَةَ مَثَاقِيلٍ مِنْ ذَهَبٍ، وذكروا في سبب تقديرها بهذا الوزن أموراً.
أشهرها: أن غالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عَصْرِ الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصَّدْرِ الأول بعده نوعان البغلية والطبرية.
والدرهم الواحد من البَغْلِيَّة ثمانية دوانيق، ومن الطَبَرِيَّة أربعة دوانيق فأخذوا واحداً من هذه وواحداً من هذه وقسموهما نصفين، وجعلوا كُلَّ وَاحِدٍ دِرْهماً، يقال: فعل ذلك في زمان بني أمية، وأجمع أهل ذلك العصر على تقدير الدراهم الإسلامية بها، ونسب أقضى القضاء المَّاوَرْدِي ذلك إلى فِعلِ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: ومتى زدت على الدرهم الواحد ثلاثة أسباعه كان مثقالاً، ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهماً، وكل عَشْرَة دراهم سَبْعَةُ مَثَاقِيلٍ.
وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهماً وسبعان، وحكى المسعودي أنه إنما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذَّهَبِ؛ لأن الذهب أوزن من الفِضَّة، وكأنهم جربوا قدراً من القصة، ومثله من الذهب فوزنوهما، وكان وزن الذَّهَبِ زائداً على وزن الفِضَّةِ بمثل ثلاثة أسباعها.
وروى الشيخ أبو محمد قريباً من هذا عن كلام القَفَّالِ -رحمه الله-.
وأما المواضع المستحقة للعلامات من الفصل فقوله: "وما زاد فبحسابه".
وقوله: "ولا وقص فيه" مُعَلَّمَان بالحاء؛ لما حكيناه، ويجوز أن يعلم قوله: "عشرون مثقالاً"، وقوله: "مائتا درهم" بالميم والألف لأنهما يحتملان النقصان اليسير.
قال الغزالي: وَإِنْ نَقَصَ مِنَ النِّصَابِ حَبَّةٌ فَلاَ زَكاةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يَرُوجُ (ح) رَوَاجَ التَّامِّ، وَيُعْتَبَرُ (ح) النِّصَابُ فِي جَمِيعِ الحَوْلِ، وَلاَ يُكْمَلُ (ح) نِصَابُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالآخَرِ وَلَكِنْ يُكَمَّلُ جَيِّدُ النَّقْرَةِ بِرَديئهَا ثُمَّ يُخْرَجُ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِهِ، وَلاَ زَكَاةَ فِي الدَّرَاهِمِ المَغْشُوشَةِ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْرُ نُقْرَتِهَا نِصَاباً، وَتَصِحُّ المُعَامَلَةُ مَعَ الجَهْلِ بِقَدْرِ النُّقْرَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كالغَالِيَة وَالمَعْجُونَاتِ.
قال الرافعي: في الفصل صور:
إحداها: لو نقص عن النِّصَاب شيء فلا زَكَاة وإن قَلَّ كالحبة والحبتين، ولا فرق بين أن يَرُوج رَوَاجَ التَّام، أو يفضل عليه وبين ألا يكون كذلك، وفضله على التام إنما يكون لجودة النوع، ورواجه رواج التام قد يكون للجودة، وقد يكون لندارة القدر الناقص وقوعه في محل المسامحة.
وعن مالك: أنه إذا كان الناقص قدر ما يسامح به فيؤخذ بالتام يجب الزكاة.
ويروى عنه: أنه إذا نقص حبة أو حبات في جميع الموازين فلا زَكَاة، وإن
نقص في ميزان دون ميزان وجبت.
وعن أحمد: أنه لو نقص دانق أو دانقان تجب الزَّكَاة.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" 1 وسائر الأخبار.
وحكى في "العدة": وجهين فيما لو نقص في بعض الموازين وتَمَّ في بَعضٍ.
أصحهما: أنه لا يجب، وهذا هو الذي أورده المُحَامِلِيُّ وقطع به إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بعد ما حكى عن الصيدلاني الوجوب.
الثانية: يشترط ملك النصاب بتمامه في جميع الحول خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: "يشترط في أول الحول وآخره ولا يضر نقصان في خلال الحول" وطرد ذلك في المواشي وغيرها، ولم يشترط الإبقاء شيء في النصاب.
لنا 2 الخبر المشهور: "لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 3 والحادث بعد نقصان النِّصَابِ لَمْ يَحُلْ عليه الْحَوْلُ.
الثالثة: لا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر، لأنهما جِنْسَان مُخْتَلِفَان؛ كما لا يكمل التمر بالزَّبِيب، وقال مالك وأبو حنيفة: يكمل نصاب أَحدهما بالآخر.
وبه قال أَحْمَدُ في أصَحِّ الرَوايتين، ثم عنده وعند مالك الضَّمُ بالأجزاء، فيحسب كَمَّ الذهب من نصابه، وَكَمّ الفِضَّة من نِصَابها، فإذا بَلَغَا نِصاباً وجبت الزَّكَاة.
وعند أبي حنيفة: الضم بالقيمة، وبأيهما كمل النصاب وجبت الزَّكاة، وبكمل الجَيِّدُ بِالرَّدِي من الجنس الواحد كأنواع الماشية.
وأما الذي يخرج قال في الكتاب: "يخرج من كل واحد بقدره" وهذا إذا لم تكثر الأنواع وهو الغالب في الذهب والفضة، فإن كثرت وشق اعتبار الكل أخرج من الوسط، ذكره صاحب "الشامل" و"التهذيب" وغيرهما.
وليس المراد من الجيد والرديء الخالص والمغشوش، وإنَّمَا الْكَلام في مَحْضِ النقرة، وجودته ترجع إلى النعومة والصبر على الضرب، ونحوهما، والرداءة إلى الخشونة، والتَّفَتُّتْ عند الضرب.
ولو أخرج الجيد عن الرديء فهو أفضل، وإن أخرج الرديء عن الجَيِّد فالمشهور المنع، وروى الإمام عن الصيدلاني الإجزاء، وَخَطَّأه فيه، ويجوز إخراج الصَّحيح عن المكسر، ولا يجوز عكسه، بل يجمع المستحقين ويصرف إليهم الدينار الصَّحيح، أو يسلِّمه إلى واحد بإذن الباقين، هذا هو المذهب المشهور في المذهب.
وحكى أبو العباس الروباني في "المسائل الجرجانيات" عن بعض الأصحاب أنه يجوز أن يصرف إلى كل واحد منهم ما يخصه مُكَسَّراً.
وعن بعضهم أنه يجوز ذلك، ولكن مع التفاوت
بين المكسر والصحيح.
وعن بعضهم أنه إن لم يكن في المعاملة فرق بين الصحيح والمكسر جاز أداء المكسر عن الصحيح.
الرابعة: إذا كانت له دراهم، أو دنانير مَغْشُوشة فلا زكاة فيهما ما لم يبلغ قدر قيمتهما نصاباً، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: "إن كان العشر أقلّ وجبت فيها الزَّكاة".
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرَقِ صَدَقَةٌ" 1. فإذا بلغت نقرتها نصاباً أخرج قدر الواجب نقرة خَالِصَة، أو أخرج من الْمَغْشُوشِ ما يعلم أنه مشتمل على قدر الواجب، ولو أخرج عن ألف درهم مغشوشة خمسة وعشرين خالصة فى تطوع بالفضل، ولو أخرج عن مائتي درهم خالصة خمسة مغشوشة لم يجز، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: القياس على ما لو أخرج مريضة عن الصِّحاح وبل أولى؛ لأن الغش ليس بورق، والمريضة إبل، وإذا لم يجزه فهل له الاسترجاع، حكوا عن ابن سريج فيما فرع على "الجامع الكبير" لمحمد فيه قولين:
أحدهما: لا؛ كما لو أعتق رقبة معيبة يكون متطوعاً بها.
وأصحهما: نعم؛ كما لو عَجَّل بالزكاة فتلف ماله.
قال ابن الصَّباغ: وهذا إذا كان قد بين عند الدفع أنه يخرج عن هذا المال، ثم ذكر الشَّافعي -رضي الله عنه- في هذا الموضع كراهة الدرهم المغشوش، فقال الأصحاب في شروحهم: يكره للإمام ضرب الدراهم المغشوشة 2؛ لئلا يغش بها بعض النَّاس بعضاً، ويكره للرَّعِيَّة ضَرْب الدراهم وإن كانت خالصة، فإنه من شأن الإمام، ثم الدراهم المغشوشة إن كانت مضبوطة العيار صَحَّت المعاملة 3 بها إشارة إلى عينها الحاضرة والتزاماً لمقدارِ منها في الذِّمة، وإن كان مقدار النّقرة منها مَجْهُولاً ففي جواز المُعَامَلة بأعيانها وجهان: أصحهما الجواز: لأن المقصود رَوَاجُهَا وهي رائجة بمكان السِّكة، ولأن بيع الغالية والمعجونات جائز، وإن كانت مختلفة المقدار فكذلك هاهنا.
والثاني: المنع، وبه أجاب القفال؛ لأنها مقصودة باعتبار ما فيها من النقرة وهي مجهولة القدر، والإشارة إليها لا تفيد الإحاطة بقدر النقرة فأشبه بيع تراب المعدن وتراب الصاغة، فإن قلنا بالأول فلو باع بدراهم مطلقاً ونقد البلد مغشوش صَحَّ العقد ووجب من ذلك النَّقْد، وإن قلنا: بالثاني لم يَصِحّ العقُدُ، ومواضع العلامات من الفَصْل بَيِّنَةٌ.
قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَهَبٌ مَخْلُوطٌ بِالفَضَّةِ قَدْرُ أَحَدِهِمَا سِتِّمَائَةٍ وَقَدْرُ الآخَرِ أَرْبَعْمَائَةٍ، وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ وَعَسُرَ التَّمْييزُ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ سِتَّمَائَةٍ ذَهَباً وَستِّمَائَةٍ نُقْرَةً لِيَخْرُجَ مِمَّا عَلَيْهِ بِيَقِينٍ.
قال الرافعي: لو كان له ذهب مخلوط بفضَّة فإن عرف قدر كل واحد منهما أخرج زكاته، وإن لم يعرف كما لو كان وزن المجمَوع ألفاً وإحداهما ستمائة والآخر أربعمائة وأشكل عليه أن أكثر الذَّهب، أو الفِضَّة فإن أخذ الاحتياط فأخرج زكاة ستمائة من الذَّهَب وستمائة من الفضة فقد خرج عن العُهْدَة بيقين، ولا يكفيه في الاحتياط أن يقدِّر الأكثر ذهباً، فإن الذهب لا يُجْزِئ عن الفِضَّة وإن كان خيراً منها، وإن لم يطب نفساً بالاحتياط فليميز بينهما بِالنَّار 1.
قال الأئمة: ويقوم مقامه الامتحان بالماء بأن يوضع قدر المخلوط من الذَّهب الخالص في ماء ويعلَّم على الموضع الذي يرتفع إليه الماء، ثم يخرج ويوضع مثله من الفضة الخالصة ويعلَّم على موضع الارتفاع أيضاً، وتكون هذه العلامة فوق الأولى؛ لأن أجزاء الذهب أشد اكتنازاً ثم يوضع فيه المخلوط وينظر إلى ارتفاع الماء به أهو إلى علامة الذَّهَب أقرب، أو إلى علامة الفِضّة، ولو غلب على ظَنِّه أن أكثر الذَّهب، أو الفضة فهل له العمل بمقتضاه؟ قال الشيخ أَبُو حَامِدٍ ومن تابعه: إن كان يخرج الزَّكاة بنفسه فله ذلك، وإن كان يسلم إلى الساعي لا يعمل بظنه بل يأخذ بالاحتياط أو يأمر بالتمييز.
وقال الإمام: الذي قطَع به أَئمتنا أنه لا يجوز اعتماد الظَّنِّ فيه، ويحتمل أن يجوز له الأخذ بما شاء من التقديرين وإخراج الواجب على ذلك التقدير؛ لأن اشتغال ذمَّتَه بغير ذلك غير معلوم.
وصاحب الكتاب حكى هذا الاحتمال وجهاً في "الوسيط".
إذا عرفت ذلك علمت قوله في الكتاب: " (فعليه زكاة ستمائة ذهباً وستمائة نقرة) بالواو"، لهذا الوجه، ولأن على ما ذكره العراقيون قد يجوز الأخذ بِالظَّنِّ فلا يلزم إخراج ستمائة من هذا أو ستمائة من ذلك ثم قوله: "وعسر التمييز فعليه كذا" ليس هذا
على الإطلاق إذ قد يعسر التمييز ويمكن الامتحان بالماء ومعرفة المقدارين فلا يجب ستمائة من هذا وستمائة من ذاك، وعسر التمييز بأن يفقدا الآت السَّبْك، أو يحتاج فيه إلى زمان صالح، فإن الزكاة واجبة على الفور، ولا يجوز تأخيرها مع وجود المُسْتَحِقّينَ، ذكر ذلك في "النهاية"، ولا يبعد أن يجعل السبك أو ما في معناه من شروط الإمكان.
قال الغزالي: وَلَوْ مَلَكَ مَائَةً نَقْداً وَمَائَةً مُؤَجَّلاً عَلَى مَلِيِّ وَلَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ تَعْجِيلَ زَكَاةِ المُؤَجَّلِ وَجَبَ إِخْرَاجُ حِصَّةِ النَّقْدِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ المَيْسُورَ لاَ يَتَأخَّرُ بِالْمَعْسُورِ.
قال الرافعي: لو ملك مائة درهم نقد في يده ومائة مؤجلة على مَلِيِّء فكيف يُزَكِّي؟ يبني ذلك على أن الدِّيْن المُؤَجَّل هل تَجِب فيه الزَّكَاة أم لا؟ والصحيح الوُجُوب، وعلى هذا فهل يجب الإخراج في الحال أولاً يجب إلا بعد الاستيفاء؟ فيه وجهان والصحيح الثاني، وقد شرحنا الخلاَفين من قبل، فإن قلنا: لا زكاة في الدَّيْنِ المُؤَجَّل فَلاَ شَيْءٍ عَلَيْهِ في المَسْأَلَةِ، وإن إوجبنا إخراج زَكَاته في الحال فهو كما لو كان في يده جميع المائتين، وإن أوجبنا فيه الزّكاة ولم نوجب أخراجها في الحال وهو المراد من قوله في الكتاب: (ولم نوجب عليه تعجيل الزكاة عن المؤجل)، فهل يَلْزَمَه الإِخْرَاجُ عَمَّا في يَدِه بِالْقِسْطِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن ما في يَدِهِ نَاقِصٌ عنْ النِّصَابِ، فإذا لم يجب إخْرَاجُ زكاة جميع النِّصَاب لا يجب إخراج شيء.
وأصحهما: نعم؛ لأن الميسور لا يتأخر بالمعسور، وبنوا الوجهين على أن الإمكان شرط الوجوب أو شرط الضمان؟ إن قلنا بالأول: فلا يلزمه إخراج شيء في الحال؛ لأنه رُبَّمَا لا يصل إليه الباقي، وبهذا القول أجاب في "المختصر" في هذا الفرع، وإن قلنا بالثاني: أخرج عن الحاضر بالقسط؛ لأن هلاك الباقي لا يسقط زكاة الحاصل في يده ومتى كان في يده بعض النِّصاب، وما يتم به النصاب مغصوب أو دين على غيره، ولم نوجب فيهما الزكاة، فإنما يَبْتَدِيءُ الحَوْلَ من يوم قبض ما يتم به النِّصَاب.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي جِنْسِهِ، وَلاَ زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ نَفَائِسِ الأمْوَالِ إلاَّ فِي النَّقْدَينِ، وَهُوَ مَنُوطٌ بجَوْهَرِهِمَا عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفِي الثَّانِي مَنُوطٌ بِالاسْتِغْنَاءِ عَنْ الانْتِفَاعِ بِهِمَا حَتَّى لَوْ اتَّخِذَ مِنْهُ حُلِيٌّ عَلَى قَصْدِ اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى قَصْدِ اسْتِعمَالٍ مَحْظُورٍ كَمَا لَوْ قَصَدَ الرَّجُلُ بِالسِّوَارِ أَوِ الخُلْخَالِ أَنْ يَلْبَسَهُ أَوْ قَصَدَتِ المَرْأَةُ ذَلِكَ فِي الْمِنطَقَةِ وَالسَّيْفِ لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ، لِأَنَّ المَحْظُورَ شَرْعاً كَالمَعْدُومِ حِسًّا،
بَلْ لاَ يَسْقُطُ إِذَا قَصَدَ أَنْ يَكْنِزَهُمَا حُلِيًّا لِأنَّ الاسْتِعْمَال المُحْتَاجَ إِلَيْهِ لَمْ يَقْصِدْهُ.
قال الرافعي: لا زكاة فيما سوى النقدين من الجواهر النفيسة، كاللؤلؤ، والياقوت ونحوهما، ولا في المسك والعنبر، روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "لاَ شَيْءَ فِي الْعَنْبَرِ" 1. وعن عائشة -رضي الله عنها-: أنه: "لاَ زَكَاةَ فِي اللُّؤلُؤِ" 2. وبما تناط زكاة النقدين أتناط بجوهرهما؟ أم بالاستغناء عن الانتفاع بهما؟ فيه قولان:
في قول: يناط بجوهرهما كالربا في قول بالاستغناء عن الانتفاع بهما؛ إذ لا يتعلق بذاتهما غرض، وبقاؤهما في يده يدل على أنه غَنِيّ عن التوسل بهما، ويبنى على العبارتين وجوب الزَّكَاة في الحُلِيّ 3 المباح: فعلى الأولى تجب.
وبه قال عمر وابن عباس وابن مسعود -رضي الله عنهم- 4 وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله-؛ لما روي: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أتَتَا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَفي أيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ، قالَتَا: لاَ فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم- أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ بِسِوَارَينِ مِنْ نَارٍ، قَالَتَا: لا، قال: فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ" 5. وعلى العبارة الثانية لا تجب الزكاة فيه.
وبه قال ابن عمر، وجابر وعائشة 6 -رضي الله عنهم- وهو مذهب مالك وأحمد؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ" 7؛ ولأنه مُعَدٌّ لاستعمال مباح كالعوامل من البقر والإبل، وهذا أظهر القولين.
ولك أن تعلم لما ذكرنا قوله: (منوط بجوهرهما) بالألف والميم، وقوله: (منوط بالاستغناء عن الانتفاع بهما) بالحاء، والقولان في الحلي المباح.
أما المحظور فتجب فيه الزَّكاة بالإجماع، وهو على نوعين: محظور لعينه، كالأواني والقصاع، والملاعق، والمجامر الذَّهبية، والفِضِّية.
ومحظور باعتبار القصد، كما لو قصد الرجل بحلى النساء الذي اتخذه أو ورثه، أو اشتراه كالسوار والخلخال أن يلبسه، أو يلبسه غلمانه، أو قصدت امرأة بِحُلِيِّ الرِّجَالِ كالسيف، والمنطقة أن تلبسه أو تلبسه جواريها، أو غيرهن من النساء 1، وكذا لو أَعَدَّ الرجل حُلِيَّ الرِّجَالِ لِنِسَائِهِ وجَوَاريه، أو أعدَّت المرأة حلى النساء لِزَوْجهَا وِغِلْمَانِهَا، فكل ذلك مَحْظُورٌ، وعلَّلَ في الكتاب وجوب الزَّكاة في الْحُلِيّ المحظور، بأن المحظور شرعاً كالمعدوم حِسًّا، ولم يرد به إلحاق المحظور بالمعدوم على الإطلاق، لكن المراد أن الحكم المخصوص بضرب من التخفيف، وإطلاق التَّصَرُّف إذا شرطت فيه منفعة، فيشترط كونها مباحة، وإلا فهي كالمعدومة، وهذا كما أنه يشترط في البيع كَوْنُ المَبِيعِ منتفعاً به، فلو كانت فيه منفعة محظورة كما في آلات الملاهي، كان كما لو لم يكن فيه منفعة، ثم التعليل المذكور في المحظور لعينه أظهر منه في المحظور، باعتبار القصد؛ لأن الصَّنْعَةَ في المحظور لعينة لا حرمة لها إذا منعنا اتخاذه فأمَّا المحظور باعتبار القصد لتحريم فيه يرجع إلى الفعل والاستعمال لا إلى نفس الحُلِيّ، والصَّنْعَةُ محترمة غير مكسرة، وإن فسد القصد فَهَلاَّ كان ذلك بمثابة ما لو قصد بالعروض التي عنده استعمالها في وجوه محترمة لا تجب الزَّكَاةُ.
قال الإمام- قدَّسَ الله رُوحَه- في دفع هذا الإشكال الزكاة: تجب في عين النقد، وعينه لا تنقلب باتخاذ الحلي منه، فلا يلتحق بالعروض إلا بقصدٍ ينضم إليه، وهذا كما أن العروض لما لم تكن مال الزكاة في أعيانها، لا تصير مال الزكاة إلا بقصد ينضم إلى الشراء وهو قصد التِّجارة، وإذا لم تسقط الزكاة بمحض الصنعة واحتيج إلى قصد
الاستعمال فمتى قصد مُحَرَّماً لغى ولم يؤثر في الإسقاط وإن اتخذ حُلِيّاً، ولم يقصد به استعمالاً مباحاً ولا محذوراً ولكن قصد جعله كنْزاً فالذي ذكره في الكتاب، وأورده الجمهور: أنه لا تسقط الزكاة قولاً واحداً؛ لأنه لم يَصِرْ مُحْتَاجاً إليه، ولا استعماله، بل المكنوز مستغنى عنه، كالدراهم المضروبة، وحكى الإمام فيه خلافاً لقصد الإمساك، وإبطال هيئة الإخراج.
وهل يجوز اتخاذ حُلِيّ الذَّهَب للذكور من الأطفال؟ فيه وجهان: ويجئ فيه الوجه الثَّالِثُ الذي ذكرناه في إلباسهم الحرير 1.
قال الغزالي: وَلَوْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ قَصْدٌ أَصْلاً فَفِي السُّقُوطِ وَجْهَانِ: يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى حُصُول الصِّيَاغَةِ، وَفِي الثَّانِي: إلَى عَدَمِ قَصْدِ الاسْتِعْمَالِ، فَإِنْ قَصَدَ إجَارَتَهمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَالقَصْدُ الطَّارِئ بَعْدَ الصِّيَاغةِ فِي هَذِهِ الأُمُورِ كَالقَصْدِ المُقَارِنِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث صور، تتفرع على أن الزَّكَاة لا تجب في الْحُلِي:
إحداهما: لو اتخذ حليّاً مباحاً في عينه ولم يقصد أن يكنزه ولا قصد به استعمالاً مباحاً، ولا محظور فهل تسقط عنه الزكاة؟ فيه وجهان:
أحداهما: لا؛ لأن وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَنُوطٌ باسم الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، ولا ينصرف إلا بقصد الاستعمال، ولم يوجد.
والثاني: نعم؛ لأن الزَّكاة تجب في مَالٍ نَامٍ، والنقد غَيْرُ نَامٍ بنَفْسِهِ إنما يَلْتَحِقُ بالنَّامِيات؛ لكونه مُتَهَيِّئاً للإخراج، وبالصياغة بَطُلَ التَّهَيُّوء.
قال: في "العدة": وهذا الثَّانِي ظاهر المذهب.
وقوله في الكتاب: (ينظر في أحدهما إلى حصول الصياغة) يقتضي إثبات الخلاف فيما إذا قصد أن يكنزه، وإن لم يذكره؛ لأنه جعل عِلَّة السُّقُوطِ حصولُ الصِّيَاغة وهي موجودة في تلك الصورة، ويجوز أن يكون افتراق الصورتين في الأظهر باعتبار أن نية الكنز صارفة لهيأة الصياغة عن [استعماله] 2 ولم يوجد هاهنا نيةٌ صَارِفَةٌ، والظَّاهِرُ كَوْنُ الصِّيَاغَةِ للاسْتِعْمَال وإفْضَاؤُهَا إليه.
الثانية: لو اتَّخَذَ الحُلَيَّ ليؤاجره ممن له استعماله، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تسقط عنه الزَّكاة؛ لأنه معد للنماء، فأشبه ما لو اشترى حُلِيًّا ليَتَّجِرَ فيه.
وأصحهما: أنه تسقط كما لو اتخذه ليعيره، ولا اعتبار بالأجرة كأجرة العوامل من
الْمَاشية.
وذكر في "الشامل": أن الوجه الأول قول أحمد، والثَّاني: قول مالك.
الثالثة: حكم القصد الطارئ في جميع ما ذكرنا بعد الصِّياغة حكم المقارن 1.
بيانه لو اتخذه على قصد استعمال محظور، ثم غير قصده إلى مباح بَطَل الحول، فلو عَادَ إلى القصد الفاسد ابتدأ حول الزَّكاة، ولو اتخذه على قصد الاستعمال، ثم قصد أن يكنزه جرى في الحول، وعلى هذا قِسْ نظائره.
قال الغزالي: وَلَوِ انْكَسَرَ الحُلِيُّ وَاحْتَاجَ إِلَى الإِصْلاَحَ لَمْ يَجْرِ فِي الْحَوْلِ لِأَنَّهُ حُلِيٌّ بَعْدُ.
وَقِيلَ: يَجْرِي لِتَعَذُّرِ الاسْتِعْمَالِ، وَقِيلَ: يُنْظَرُ إلَى قَصْدِ المَالِكِ لِلْإِصْلاحَ أَوْ عَدَمِهِ.
قال الرافعي: مما يتفرع على نَفْي الزَّكَاة في الحلى القول في انكساره.
وله ثلاثة أحوال:
إحداهما: أن ينكسر بحيث لا يمنع الاستعمال، وهذا لا تأثير له.
والثَّانِية: أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال، ويحوج إلى سَبْكِ وَصَوْغ جديد، فَتَجِبُ فيه الزَّكَاةُ؛ لخروجه عن صلاحية الاستعمال، ويبتدئ الحول من يوم الانكسار.
والثالثة: وهي المذكورة في الكتاب: أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال، لكن لا يحوج إلى صَوْغ جديد، بل يقبل الإصْلاَح باللِّحَام، فإن قصد جعله تِبْراً، أو دراهم، أو قصد أن يكنزه انعقد الحول عليه من يوم الانكسار، وإن قصد إصلاحه فوجهان:
أظهرهما: أنه لا زكاة وإن تمادت عليه أحوال؛ لدوام صورة الحُلِيّ وقصد الإصلاح.
والثاني: يجب؛ لتعذر الاستعمال، وإن لم يقصد لا هذا ولا ذاك ففيه خلاف.
منهم من يجعله وجهين ويقول بترتيبهما على الوجهين، فيما إذا قصدا الإصلاح، وهذه الصورة أولى بأن تجري في الحول، ومنهم من يجعله قولين:
أحدهما: أنه تَجِبُ الزَّكَاةِ، لأنه غير مستعمل في الْحَال، ولا مُعَدٍّ له،
وأظهرهما: المنع؛ لأن الظَّاهِرَ استمراره على ما سبق من قصد الاستعمال، وذكر
في "البيان" أن هذا هو الجديد، والأول القديم، فإذا جمعت بيت الصورتين قلت: في المسألة ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب:
ثالثها -وهو الأظهر-: الفرق بين أن يقصد الإصلاح، وبين ألا يَقْصِد شَيْئاً.
وموضع الخلاف عند الجمهور ما إذا لم يقصد جعله تِبْرا، أو دراهم، وإن كان لفظ الكتاب مطلقاً.
قال الغزالي: فَإِنْ قِيلَ: مَا الانْتِفَاع المُحَرَّم فِي عَيْنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ ﴿قُلْنَا﴾: أَمَّا المُذَهَّبُ فَأصْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَعَلَى التَّحْلِيلِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَلاَ يُحِلُّهُ لِلْرِّجَالِ إِلاَّ تَمْوِيهٌ لاَ يَحْصُلُ مِنْهُ الذَّهَبُ أَوِ اتِّخَاذُ أنْفٍ لِمَنْ جُدِعَ أَنْفُهُ.
قال الرافعي: جرت عادة الأصحاب بالبحث عما يحل وَيحْرُم من التَحَلِّي بالتبرين؛ ليعلم موضع القطع بوجوب الزَّكَاةَ، وموضع القولين:
فأما الذَّهَبَ فَأَصْلُه على التَّحرِيم فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وعلى التحليل في حق النِّساء؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في الذَّهَب والحرير: "هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لإنَاثِهِمْ" 1 واستثنى في الكتاب عن التَّحرِيم نوعين:
أحدهما: التَّمْوِيه الذي يحصل منه شَيْءٌ" وفي جوازه في الخاتم والسيف وغيرهما وَجْهَان سَبَقَ في "الأوَانِي" ذِكْرُهُمَا، وبالتَّحْرِيم أَجَابَ الْعِرَاقِيُّونَ هاهنا، وقد عرفت بما ذكرنا أن قوله: (إلا تمويه) ينبغي أن يُعَلَّمَ بالواو.
والثاني: يجوز لمن جُدِعَ أَنْفُهُ اتخاذ أَنْفٍ من ذَهَبٍ وإن أمكن اتخاذه من الفضَّة؛ لأن الذَّهَب لا يَصْدَأ 2.
وقد روى أنَّ رَجُلِاً قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلاَبِ، فَاتَّخَذَ أَنْفَاً مِنْ فِضَّةٍ فَأنْتِنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَنْ يَتَّخِذَ أنْفاً مِنْ ذَهَبٍ" 3 وفي معنى الأنف السِّن والأنملة، فيجوز
اتخاذهما من الذَّهَبِ، وكل ما جاز من الذَّهَبِ فهو من القصة أجوز ولا يجوز لمن قطعت يده، أو أُصبعه أن يتخذهما من ذهَبٍ، أوَ فِضَّةٍ؛ لأنها لا تعمل، بخلاف الأنملة يمكن تحريكها، وهل يجوز لِلرَّجُلِ أن يَتَّخِذَ لخاتمه سِنَّا أو أسناناً من الذَّهَبِ.
قال الأكثرون: لا، وهو الذي أورده في "التهذيب" ونظم الكتاب يوافقه، فإنه لم يستتن من التَّحْريم إلا التَّمْويه واتخاذ الأنف.
وقال الإمام: لا يبعد تشبيه القليل منه بالضَّبَّةِ الصغيرة في الأواني، وبتطريف الثَّوب بالحرير.
وللأكثرين أن يقولوا: الخاتم ألزم للشَّخْصِ من الإناء واستعماله أدوم، فجاز الفرق بين أسنانه وبين الضَّبَّة، وأما التَّطْرِيفَ بالحرير فأما الحرير أَهْوَن؛ لأن الخُيَلاَء فيه أدنى.
واعلم أن كل حلي يحرم لبسه على الرجال يحرم لبسه على الخنثى؛ لجواز كونه رَجُلاً، وهَلْ عليه زَكَاتُه الأظهر: أَنَّها تجب؛ لكونه حراماً.
وبه أجاب أبو العَبَّاس الرّوَيانِي في "المسائل الجرجانيات" وقيل: هو على القولين في الْحُلِي المباح، وأشار في "التتمة" إلى أن له لبس حلى الرجال والنساء جميعاً؛ لأنه كان له لبسهما في الصِّغر، فيستصحب إلى زوال الإشْكَال.
قال الغزالي: وَأَمَّا الفضَّةُ فَحَلاَلٌ لِلنِّسَاءِ، وَلاَ يَحِلُّ لِلرِّجَالِ إلاَّ التَخَتُّمُ بِهِ، وَتَحْلِيَةُ آلاَتِ الحَرْبِ كَالسيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ، وَفِي السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَجْهَانِ، وَيَحْرُمُ علَى المَرْأَةِ آلاتُ الحَرْبِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ.
قال الرافعي: يجوز للرجل التختم بالفِضَّة؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم-: "اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ الفِضَّةِ" 1 وهل له لبس ما سوى الخاتم من حلي القصة كالسوار والدملج والطرق؟ لفظ الكتاب يقتضي المنع حيث قال: (ولا يحل للرجل إلا التختم به) وبه قال الجمهور.
وقال أبو سعيد المتولي: إذا جَازَ التختم بالفِضَّة فلا فرق بين الأصابع وسائر الأعضاء كَحُلِيِّ الذَّهَب في حَقِّ النِّسَاءِ، فيجوز له لبس الدملج في العضد، والطرق، في العنق، والسّوار في اليد وغيرها، وبهذا أجاب المصنف في "الفتاوى" وقال: "لم يثبت في الفضة إلا تحريم الأواني وتحريم التَّحَلِّي على وجه، يَتَضَمَّن التشبه بالنساء"، فأعلم لهذا قوله: (ولا يحل للرجل إلا التختم به) ويجوز للرجل تحلية آلات الحرب بالفضة، كالسيف، والرمح، وأطر اف السهام، والدرع والمنطقة، والرانين، والخف وغيرها؛ لأنه
يغيط الكفار، وقد ثبت: أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَتْ مِنْ الْفِضَّةِ" 1.
وفي تحلية السرج واللجام والثغر وَجْهان:
أحدهما: وبه قال ابن سَلَمَةَ: يجوز كالسيف، والمنطقة.
وأصحهما: المنع كالأاني بِخِلاَفِ آلاَتِ الْحَرْبِ الْمَلْبُوسَة، ويروى هذا عن نَصِّه في رواية البويطي، والربيع، وموسى بن أبي الجارود، وأجرى هذا الخلاف في الركاب، وفي برة الناقة من الفِضَّة.
ورأيت كثيراً من الأئمة قَطَعُوا في تَصَانيفهم بتحريم القلادة للدَّابة، ولا يجوز تحلية شيء مما ذكرنا بالذَّهَبِ؛ لعموم المنع فيه.
ويحرم على النِّسَاءِ تَحْلِيَةُ آلات الحرب بالذَّهَب وَالفِضَّة جميعاً؛ في استعمالِهِنَّ لها تَشَبهاً بِالرِّجَالِ، وليس لهن التَّشَبُّه بالرِّجَال، وهكَذا ذَكَرَه الجَمْهُورُ، واعترض عليه صاحب "المعتمد" بأن آلات الحرب من غير أن تكون محلاة، إما أن يجوز للنساء لبسها واستعمالها، أو لا يجوز.
والثاني: باطل؛ لأن كونه من ملابس الرجال [إنما] يقتضي الكراهية [دون التحريم].
ألا ترى أنه قال في الأم: "ولا أكره للرَّجُلِ لبس اللؤلؤ إِلاَّ للأدب، وأنه من زِيِّ النِّسَاء، لا للتحريم" فلم يحرِّم زِيّ النساء على الرجال، وإنما كرهه، فكذلك حكم العكس، وقد ذكرت نحواً من هذا في "صَلاَة الْعِيد" وأيضاً فإن الحراب جائز للنِّسَاء في الجملة، وفي تجويز الحراب تجويز استعمال آلات الحرب، وإذا ثَبَت جواز استعمالها وهي غير مُحَلاَّة، فيجوز استعمالها وهي محلاة؛ لأن التَّحَلِّي لَهُنَّ أجوز مِنْهُ لِلرِّجَال، وهذا هو الحق -إن شاء الله تعالى 2 -، وبتقدير ألا يجوز لَهُنَّ استعمالها وهي غير مُحَلاَّة، فلا يكون التَّحْرِيم ناشئاً من التَّحْلِيَة، فلا يحسن تعليقه بِهَا.
ويجوز للنِّسَاء لبس أنواع الحُلِيّ من الذَّهَبِ، والفِضَّة، كالقُرْط، والطَّوْقِ، والخاتم، والخُلْخَال، والسّوَار، والتعاويذ، وفي اتخاذهم النِّعال من الذَّهَبِ والفضة وجهان:
أحدهما -ويحكى عن الماوردي-: أنه لا يجوز؛ لما فيه من الإسراف.
وأصحهما -ويحكى عن القاضي حسين-: أنه يجوز كسائر الملبوسات، وأما التَّاج فقد ذكروا أنه إن جرت عادة النِّسَاء يلبسه كانَ مُبَاحاً، إلا فَهُو مما يلبسه عُظَمَاءُ الْفُرْس فَيَحْرُمُ، وكان هذا إشارة إلى اختلاف الحكم بحسب اختلاف النَّواحي فَحَيْثُ جرت عادة النساء بلبسه جاز لبسه، وحيث لم تَجْرِ، لا يجوز تَحَرُّزاً عن التَّشَبُّهِ بالرِّجَالِ، وفي الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل في القلادة وجهان حَكَاهما القاضي الرّوَيانِي: أظهرهما: المنع؛ لأنها لم تخرج بالصَّوْغِ عن النَّقْدِية، وفي لبس الثياب المنسوجة بالذَّهَبِ والفِضَّة وجهان:
أصحهما: الجواز، وذكر ابن عَبْدَان أنه ليس لهن اتخاذ زر القميص، والجبة، والفرجية منهما، ولعَلَّ هذا جواب على الوجه الثاني.
وكل حلي أبيح للنساء فذلك إذا لم يكن فيه سرف، فإن كان كخلخال وزنه مائتا [دينار] 1 ففيه وجهان: الذي ذكره معظم العراقيين المنع، وأوجبوا فيه الزكاة قولاً واحداً، وفي معناه إسراف الرجل في تَحْلِيَة آلات الحرب ولو اتخذ الرجل خواتيم كثيرة، أو المرأة خَلاَخِلَ كثيرة ليلبس الواحد منهما بعد الواحد فلا يمتنع، وليس كالواحد الثَّقِيل، وطرد ابْنُ عَبْدَان فيه الوجهين، وهذا كُلّه فيما يُتَحَلَّى بِهِ لِبْساً.
قال الغزالي: فَأمَّا فِي غَيْرِ التَّحَلِّي فَقَدْ حَرَّمَ الشَّرْعُ اتِّخَاذَ الأَوَاني مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَفِي المُكْحُلَةِ الصَّغِيرَةِ تَرَدُّدٌ، وَفِي تَحْلِيَةِ السِّكِّينِ لِلْمِهْنَةِ بِالْفِضَّةِ إِلْحَاقاً لَهَا بِآلاَتِ الحَرْبِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: استعمال أواني الذَّهَبِ والفِضَّة حرام على الرِّجَال والنِّسَاء كما بَيَّنَّا في "كتاب الطَّهَارَةِ" وفي اتخاذها خلاف، وجواب الكتاب هاهنا وفي الطهارة التحريم، ويجوز إعلام قوله: "اتخاذ الأواني" بالواو؛ للخلاف الذي شرحناه في الطهارة [ومثله] 2 المكحلة، وقد ذكرها مَرَّة هناك، ونقل الإمام التَّردد فيها عن صاحب "التقريب"، وقيد بما إذا كانت من فِضَّة، وفيه كلام ذكرناه في شرحها ثم.
الثانية: في تحلية سكاكين المهنة، وسكاكين المقلمة بالفِضَّة، وجهان:
أحدهما: الجواز إلحاقاً لَهَا بآلات الحرب.
وأصَحُّهُمَا: المنع؛ لأنها لاَ تُرَاد لِلْحَرْب.
قال الإمام: وهذا الخلاف في استعمالها للرجال، ويثور منه اختلافٌ في حق النساء إَن ألحقناها بآلات الحرب، فليس للنِّسْوَة استعمالها، إلا ففيه احتمال.
قال الغزالي: وَفِي تَحْلِيَةِ المُصْحَفِ بِالفِضَّةِ وَجْهَانِ لِلْحَمْلِ عَلَى الإكْرَامِ، وَفِي تَحْلِيَتِهِ بِالذَّهَبِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَتَحْلِيَةُ غيْرِ المُصْحَفِ مِنَ الكُتبِ لاَ يَجُوزُ أَصْلاً كَتَحْلِيَةِ الدَّوَاةِ وَالسَّهْمِ وَالسَّرِيرِ وَالمَقْلَمَةِ، وَقِيلَ بِجَوَازِ تَحْلِيَةِ الدَّوَاةِ بِالفِضَّةِ، وَيَلْزَمُ علَى قيَاسِهِ المَقْلَمَةُ وَالكُتُبُ، وَتَحْلِيَةُ الكَعْبَةِ وَالمَسَاجِدِ بِالقَنَادِيلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّة قِيلَ: إنَّهُ مَمْنُوعٌ وَلاَ يَبْعَدُ تَجْوِيزُهُ إِكْرَاماً كَمَا فِي المُصْحَفِ.
قال الرافعي: هَلْ يَجُوز تحلية المُصْحَف بالفِضَّة؟ فيه وجهان:
أحدهما: كالأواني.
وأظهرهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- إكراماً لِلْمُصْحَفِ، وجعل أبو القاسم الكرخيّ هذا الخلاف قولين، وقال في "سير الوَاقدي" ما يدل على حَظْرِها، وفي القديم والجديد، وحرمله ما يدل على الجواز، وفي تحليته بالذَّهَبِ ثلاثة أوجه:
أحدها -وبه أجاب الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر"-: الجواز إكراماً، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: المنع إذ ورد في الخبر ذَمُّها.
والثالث: الفرق بين أن يكون للمرأة فيجوز، وبين أن يكون للرِّجَال فلا يجوز، طَرْداً للمنع من الذَّهَبِ في حق الرِّجَال، وكلام الصَّيْدَلاَنِيِّ والأكثرين إلى هذا أَمْيَلُ.
وذكر بعضهم: أنه يجوز تحلية نفس المصحف دون غلافة المنفصل عنه، والأَظْهَرُ التَّسْوِية، وأما سائر الكتب فقال في الكتاب: إن تحليتها لم تجز أصلاً، وذلك لأن الأئمة لم يحكوا فيها خلافاً؛ بل قاسوا وجه المنع في المُصْحَف على سَائِرِ الكتب إشعاراً بالاتفاق فيها، وذَكَرُوا وجهين في تحلية الدواة، والمرآة، والمقلمة، والمقراض بالفِضَّة.
أصَحُّهُمَا: المنع كالأواني.
والثاني: الجواز كالسيف، والسكين، وبه أجاب في "مختصر المختصر"، وأراد صاحب الكتاب بقوله: (وقيل: يجوز تحلية الدواة بالدواة بالفِضَّة) حكاية وجه، وقاس عليه المقلمة وسائر الكتب، وفي تحلية الكعبة وسائر المَسَاجِد بالذَّهَبِ، والفِضَّة، وتعليق قناديلها فيها وجهان مرويان في "الحاوي" وغيره.
أحدهما: الجواز تعظيماً كما في الْمُصْحَف، وكما يجوز ستر الكعبة بالدّيبَاجِ.
وأظهرهما: المنع، ويحكى ذلك عن أبي إسحاق، إذ لم ينقل ذلك عن فعل السَّلَف، وحكم الزَّكَاة مبني على الوجهين: نعم، لو جعل المتخذ وقفا فلا زكاة فيه بحال.
وقد تعرض في الكتاب للوجهين معاً حيث قال: (قيل: إنه ممنوع) ولا يبعد