العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 422-461

1 قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ وَالوَفَاةِ وَالاِسْتِبْرَاءِ أَمَّا عِدَّةُ الطَّلاَقِ فَفِيهَا بَابَانِ:

البَابُ الأَوَّلُ فِي عِدَّةِ الحَرَائِرِ وَالإِمَاءِ

وَهِيَ بِالأقْرَاءِ أَوْ بِالأَشْهُرِ أَوْ بِالحَمْلِ (النَّوْعُ الأَوَّلُ الأقْرَاءُ) وَجمِيعُ ذَلِكَ يَجِبُ لِلبَرَاءَةِ وَلَكِنْ يَكُفِي جَرَيَانُ سَبَبِ الشِّغْلِ مِنْ تَغْيِيبِ الحَشَفَةِ وَوَطْءِ الصِّبيِّ وَالخَصِيِّ وَيَجِبُ عَلَى المُعَلَّقِ طَلاَقُهَا عَلَى يَقِينِ البَرَاءَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: العدَّةِ؛ الاسم من الأعداد، يقال: أنفَذْتُ عِدَّة كتب أي جماعة كتب، وقد يُجْعل مصدراً، وعَدَدتُّ الشَّيْءَ عدًّا، فالاسم العَدَد والعَدِيدُ، واعتدَّتِ المرأة اعتداداً، ويقال: عَدّه فاعتدّ أي: صار مَعْدُوداً، ويقال: اعتد بكذا.
وفي الشريعة: العدة اسم لمُدَّة معدودةٍ تَتَرَبَّصُ فيها المرأة؛ لتعرف براءة الرَّحم.
والأصّل فيها الآيات كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] وقوله ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4] وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ [أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ]﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ [مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا]﴾ [البقرة: 234] والأخبار على ما سنذكرها إن شاء الله تعالى.
واعلم أن المُدَّة المستدَلَّ بمُضِيِّها على براءة الرَّحِم تتعلَّق تارة بالنكاح، ووطء الشبهة، وتشهر باسم "العِدَّة"، وأخرى بملك اليمين، إما حصولاً في الابتداء أو زوالاً في الانتهاء، وتشهر باسم "الاستبراء"، والنوع الأول ينقسم إلى: ما يتعلَّق بفرقة تحصل بين الزوجَيْن، والزوج حي؛ كفرقة الطلاق واللعان والفسوخ، وتشهر بعدة الطلاق؛ لأنه أظهر أسباب الفراق، وحكم العدة عن وطء الشبهة حُكْمُها، وإلى: ما تتعلق بفُرقة تَحْصل بموت الزَّوْج، وهو عدَّة الوفاة، فاشتمل الكتاب على ثلاثة أقسام: عدة الطلاق، وعدة الوفاة، والاستبراء.
القسم الأول: عدَّة الطَّلاَق، وما في معناه؛ وإنما تجب إذا حَصَلت الفُرْقة بعْد الدخول، فإن حَصَلتْ قبْله، لم يَجِبْ، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا]﴾ [الأحزاب: 49] الآية واستدخال المرأة مَنِيَّ الزوْج مقام الدخول في وُجُوب العِدَّة، وكذا في ثبوت النَّسَب 1، وكذلك استدخال مَاءِ مَنْ تظنُّه

زوجها 1 يقوم مقام وطء الشبهة، ولا اعتبار بِقَوْل الأطبَّاء: إن الماء إذا ضرَبَهُ الهواء، لم ينعقد منْه الولد، فهو شيْء مقول بالظَّنِّ لا ينافي الإمْكَان وفي "التتمة" حكاية وجه آخر: أن الاستدخال لا يوجب العدَّة إعراضاً عن النظر إلى شغل الرحم وإدارة للحكم على الإيلاج، ولا تقوم الخَلْوة مقام الدُّخول في القول الجديد، على ما مَرَّ في كتاب الصَّدَاق، قال الأئمة: ولمَّا كانَتِ عدَّة الطلاق لِطَلَب البراءة، لم تجب بالفراق عن مُطْلَق النكاح، بل اعتبر جريان سبب شغل الرحم؛ ليحتاج إلى معرفة براءته، ثم لا يُعتبر تَحقُّق الشغل، ولا تَوَهُّمُه، فإنَّ الإنزال خفيٌّ يختلف في حقِّ الاشخاص، وفي الشخص الواحد باعتبار ما يَعْرض له من الأشغال، فيعسر تَتبُّعه ويفتح، فأعرض الشرح عنْه، واكتفى بسَبَب الشّغل، وهو الوطء، الوطء بتغييب قَدْر الحشفة، وهذا صنيعه في تعْلِيق الأحكام بالمعاني الخفيَّة؛ ألا ترى أن للاعتقاد الصحيح الَّذي هو المطلوب.
وبه تحصل النجاة، لَمَّا كان أمراً خفيًّا؛ لكونه في الضمير، عُلِّقت الأحكام بالكلمة الظاهرة، حتَّى لو توفَّرت القرائن الدالَّة على أن الباطن يُخالِفُ الظَّاهر، كما إذا أُكْره على الإسلام بالسيف، لا يُبَالَي بها، ويدير الحكم على الكلمة، وأن مناط التكليف، وهو العقل والتمييز، لما كان خفيًّا يحصل على التدريج، ويختلف بالأشخاص والأحوال أعرضنا عن تتبعه ومعرفة كَمَالِهِ، وعلَّقنا البلوغ بالسن أو الاحتلام.
إذا عُرِفَ ذلك، فلو طلَّق الخَصِيُّ زوجته بعد ما دخل بها، وجبت العدة، وإن بَعُد احتمال العُلُوق منه، على أنَّا قد ذكرنا أنَّه يلْحَقه الوَلَد على الأظْهَر، والمراد من الخَصِيِّ المسلول الخصيتين البَاقِي الذَّكَرِ، وأما مجبوب الذَّكَر الباقي الأنثيين، فلا يوجد منه الدُّخُول، فلا تجب عدَّة الطلاق على زوجته، إذا كانت حَائِلاً، فإن ظَهَر بها حمْل فقد ذكرنا في اللعان: أنه يلحقه الولد، فعليها العدة بوَضْع الحمل، والممسوح الذي لم يبق له شَيْءٌ لا يِتَصوَّر منْه دخول، ولو أتت بولد لا يلحقه على الظاهر، فلا يجبُ على زوجته عِدَّة الطلاق، ووطء الصبي، وإن كان في سنٍّ لا يولد له، يكفي في إيجاب العدة من الطلاق لأن الوطء شاغلٌ في الجملة على ما ذَكَرْنا، ولذلك لو عُلِّق الطلاق على براءة الرَّحِم يقيناً، وحصَلَت الصفة، وقَع الطلاق، ووجبت العدة، إذا كانت مدخولاً بها، ثم إن المصنِّف أودع الكلام في عِدَّة الطلاق في بابَيْن: أحدهما: في كيفية العدة في الحرائر والإماء.
والثاني: في أنَّه إذا تعدَّد السبب الموجِبُ للعدة، متى تتداخل العدة، ومتى يمتنع التداخُل، وبَيَّن في صدْر الباب أن عدَّة الطلاق ثلاثة أنواع: الأقراء، والأشهر،

والحمل.
ولا مدخل للأقراء في عدَّة الوفاة، وإنما هي بأحد النوعين الآخرين، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالأَقْرَاءُ هِيَ الأَطْهَارَ (ح) وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً لَمْ يَقَعْ إلاَّ فِي الطُّهْرِ ثُمَّ بَقِيَّةُ الطُّهْرِ قرْءٌ وَاحِدٌ وَلَوْ لَحْظَةً وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الطُّهْرِ فَالانْتِقَالُ لَيْسَ عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ وَالقُرْءُ هُوَ الطُّهْرُ المُحْتَوَشُ بِدَمَيْنِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ فَبَقِيَّةُ طُهْرِ الصَّبِيَّةِ قَبْلَ الحَيْضِ لَيْسَ بقُرْءٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القَرْء بالفتح يُجْمع على أَقْراء وقُرُوء وأَقْرُؤ، ويقال أيضاً: قُرْء بالضم، وزعم بعضهم أن القَرْء بالفتح هو الطهر وهو الذي يجمع على فُعُول، كَحَرْب وحُرُوب، وضَرْب وضُرُوب، والقُرْء بالضم الحيْضُ، ويُجْمع على أَقْرَاء كفعل وأفعال، والصحيح أنه لا فَرْقَ بين الضم والفتح، ويقع هذا الاسم على الحيض والطهر جميعاً، والحيض هو المراد فيما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لفاطمة بنت أبي حُبَيش: "دَعِي الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ" وفي قولهم: دفع فلانٌ جارِيَتَهُ إلَى ثلاثة تقرئها أي تمسكها حتَّى تحيض عنْدها، للاستبراء والطُّهْر هو المراد، بما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال لابْن عمر -رضي الله عنه- وقد طَلَّق امرأته في الحَيْض "إنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ بِهَا الطُّهْرَ ثُمَّ تُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلقَةً" وقول الأعشى: ......................... لمَا ضَاعَ فِيهَا من قُروءِ نِسانكَا 1 والكناية راجعة إلى الفرقة؛ والَّذي يضيع في غيبة الزوج طُهْر المرأة، وأما الحيض، فيستوي في حال الحضور والغيبة، ويقال: أقرأت المرأة فهي مُقْرِئٌ، إذا حاضت، وأقرأت إذا طَهُرَت، وقد قيل: إن اللفظة مأخوذةٌ من قولهم: قَرَأْتُ الطَّعَامَ في الشِّدْف، وقرأْتُ الماء في الحوض، أي: جمعْتُه، وقد تُحْذَفُ الهمزة، فيقال: قَرَبْتُ المَاءَ.
وزمان الطهر تجمع الدم في الرحم، وزمان الحيض تجمع شيئاً وترسل شيئاً، إِلى أن يدفع الكُلُّ، فيحصل معنى الجمع فيهما، وقيل: الأصل فيه الضَّمُّ، يقال: ما قَرَأَتْ فلانة جنيناً أي: لم تَضُمَّ رَحِمُهَا على وَلَدٍ، ومنه يسمى القرآن قُرْآناً؛ لأنه يضم السور والآيات، وهذا والجمع متقاربان، وقيل: هو مأخوذ من القرء والقارئ، وهو الوَقْت الذي يأتي فيه الشَّيْء، يقال: أَقْرَأَتْ حاجَتُكَ، أي دَنَتْ وَأَقْرَأَتِ الريح، إذا هبت لوقتها، وأَقْرَأَتِ المَرْأةُ، إذا دنا وقْتُ حَيْضَها أو طُهْرها، والقرء ذلك الوقت.
ثم في كيفيَّة وقوع الاسم وجْهَان للأصحاب:

أحدهما: أنه حقيقة في الطُّهْر مجازٌ في الحيض، فإن الطُّهْر هو الذي يجمع الدم في الرحم، ويحبسه، وقد قيل: إنَّه مأخوذٌ من قولهم أَقْرَأْتُ النُّجُوم إذا تأَخَّر مَطَرها، وأيام الطهر هي التي يتأخَّر فيها خروج الدم.
وأصحهما: أنه حقيقة فيهما جميعاً، والوجهان مبنيَّان على أنَّه يعتبر في اللفظ خصوصُ المعنيين وأنه ليس عبارة عن المعنى المشترك بينهما، وإلاَّ كان وقوعه علَيْهما كوقوع الحَيَوان على الإنْسَان وغيره، ولم يكن حقيقةً في أحدهما 1، مجازاً في الآخر، لا مشتركاً بْينَهما.
هذا ما يَتعلَّق بحال اللفظ ثم المراد عنّدنا من القُرْء المذكور في القرآن، والمحسوب من العدة الأطهار، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: المراد الحَيْض، وبه الاعتداد، عن أحمد روايتان، كالمذهبين، واحتج الشافعيُّ -رضي الله عنه- بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُن [لِعِدَّتِهِنَّ]﴾ [الآية] 2 والمعنى: في زمان عدتهن، وقد توضَعُ اللاَّم موْضِع "في" كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] أي في يوم القيامة، وحذف لفظ "الزمان"؛ لأن العدة تستعمل مصدراً، والمصادر يُعَبَّر بها عن الزمان، يقال: آتيك خُفُوقَ النَّجْم أي زَمَانَ طُلُوعه وإشراقَهْ، وفعَلْتُ كذا مَقْدِمَ الحَجِيج أي زمان قدومهم، وإذا كان المعنى "فَطَلِّقُوهُنَّ في زمانِ عدتهن" كانت الآية إذْناً في زمان العدة، ومعلوم أن الطَّلاق في الحيض محرَّم، فينصرف الإذْن إلى زمان الطهر، ويتصف كونه زمان الطهر بكونه زماناً للعدة، وأيضاً قد مر في أول الطلاق أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم 3 - قرأ "لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ" وأن قَبْل الشَّيْء أوله، والطلاق المأذون فيه هو الطلاق في الطهر، فيكون ذلك أول العدة، ويروى أن الشَّافعيَّ وأبا عبيد القاسم بن سلام -رحمهما الله- تناظَرَا في القرء، وكان الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- يقول: إنه الحَيْض، وأبو عبيد يقول "إنه الطُّهْر" فلم يزل كل واحد منهما يقرِّر قوله حتى تفرَّقا، وقد انتحل كلِ واحد منهما مذْهَب صاحبه، وتأثَّر بما أورده من الحُجَج والشواهد، وهذه الحكاية تقتضي أن يكون للشافعيِّ -رضي الله عنه- قولٌ قديم أو حديث يوافق مذهب أبي حنيفة، ثم الطهر المُفَسَّر به القرء، كيف يعتبر؟ فيه قولان:

قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في كتاب "الرسالة": المُعْتَبَر فيه الانتقال إلى الحَيْض، وهو الذي يُسمَّى قرءاً؛ أخذاً من قولهم "قَرَأَ النَّجْمُ" إذا طلع، "وقرأ" إذا غاب، وقد يقال قرأ أي انتقل من برج إلى برج، وقد يقتضي الاشتقاق وقوع الاسم على الانتقال من الحيض 1 إلى الطُّهْر؛ لوقوعه على الانتقال [من الطهر إلى الحيض،] وذكَرْنا شيئاً من التفريع عليه في أوَّل الطلاق.
وقال أبو سعد المتولِّي: الانتقال من الحَيْض إلى الظهر لا يَدُلُّ على براءة الرَّحِم؛ فإنَّها قد تحبل من الوطء في زمان الحيض، ثم ينقطع فيها، والانتقالُ من الطهر إلى الحيض يدل على البراءة؛ لأن الغالب أن الحَامِل لا ترى الدَّم، فاعتبر الشرع هذا الانتقال، ولم يعتبر ذلك الانتقال.
وقال -رضي الله عنه- في "الأم": المعتبر طهر مُحْتَوَشٌ بدمين لا مجرَّد الانتقال من الطهر إلى الحيض؛ وفي هذه المدة يحْصُل معنى الجمع والضم، وقد ذكر صاحب "التهذيب" والقاضي الرُّويانيُّ وغيرهما أن هذا الثاني أصحُّ، لكنه يخالف ما حكينا في الطلاق؛ أن أكثرهم حكموا بوقوع الطلاق في الحَال، إذا قال للتي لم تحفل: أنتِ طالق في كل قرْءٍ طلقةً مع تعلُّق الصور بهذا الأصل، ويجوز أن يجعل ترجيحه، لوقوع الطلاق لمعنًى يختص بتلك الصورة، لا لرجحان القول بأن القُرْء هو الانتقال من الطهر إلى الحيض، وإذا طلَّقها، وقد بقيت من الطهر بقية، فتحسب تلك القية قرءاً، ويجوز أن يسمى بعْض القرء مع قرءين تامين ثلاثةَ أقراء، كما يقول القائل: خرجَت من البلد لثلاثٍ مضين مع وقوع خروجه في الثالثة، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ والمراد شوال، وذو القَعْدة، وبَعْضُ ذي الحجَّة، ولا فرق في الاعتداد بالبقية بين أن يكون قد جامَعَها فيه، أو لم يجامعْها، ويترتب على الخلاف في أن القرء الحيض أو الطُّهْر، قِصَرُ المدَّة وطُولُها، فمن قال: إنه الطهر، قال: إذا طلَّقها، وهي طاهر، فحاضت، ثم طَهُرت، ثم حاضت، ثم طَهُرت، ثم حاضت، فقد انقضت العدة، وإن طلقها في الحيض، فهذا شرعت في الحيْضة الرابعة، انقضت العدة [و] عنْد أبي حنيفة ومَنْ قال: إن القرء الحيض، إذا طُلِّقَت في الطهر، فلا تنقضي العدة ما لم تَطْهُر من الحيضة الثالثة وَلاَ تُحْتَسَب بقية الطُّهْر قرءاً، وإذا طُلِّقت في الحيض، لم تنقض العدة ما لم تطهر من الحيضة الرابعة.
واشترط أبو حنيفة مع الطهارة من الحيض أن تغتسل أو تتيمَّم عند العجز عن الماء أو يمضي عليها وقْت صلاة، إن انقطع دمها لما دون أكثر الحيض، وإن انقطع لأكثر، سَلَّم أنه لا يشترط شيْء من ذلك.

وعن أحمد تفريعاً على أن القُرْء الحيض: أن العدة لا تَنْقَضِي حتى تغتسل، سواء انقطع الدم للأكثر أو لما دونه، قال الشَّافعي -رضي الله عنه-[و] 1 ليس في الكتاب والسنة ما يدل على اشتراط الغُسل في انقضاء العدة، وهل يُحْكَم بانقضاء العدة برؤية الدم للحيضة الثالثة أو الرابعة؟ الذي رواه الربيع والمزنيُّ: أنَّا نحْكُم به، وعن رواية البويطيِّ وحرملة اعتبار مضي يوم وليلة، وفيهما طريقان [للأصحاب:] 2 أشهرهما: أن المسألة على قولَيْن: أحدهما: أنه يعتبر مضيه، ليُعْلَم أنه دم حيض.
وأصحهما: المنع؛ لأن الطاهر أن الذي طهر دم حيض، ولا يجب للعدة إلا ثلاثة قروء وقد رُوِيَ عن عائشة وزيْدِ بن ثابت -رضي الله عنهما- أنهما قالا: إذَا طَعَنَتِ المُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ.
وعن عثمان وابن عمر -رضي الله عنهما-: [أنَّها] "إذا طَعَنَتْ في الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَلاَ رَجْعَةَ لَهُ".
والثاني أن رواية الأولين محمولةٌ على ما إذا [رأت الدم على عادتها، ورواية الآخرين محمولة على ما إذا] رأته على خلاف عادتها، وإذا حكمنا بانقضاء العدة برؤية الدم، فلو لم يبلغ أقل الحيض، ولم يعد حتى مضي أقل الطهر بان خلاف ما ظَنَنَّاه، ولم تكن العدة منقضيةً حينئذ، ولحظة رؤية الدم أو اليوم والليلة إن اعتبرناهما [هل هما] من نفس العدة أو يتبين بهما انقضاء العدة، وليسا من نفس العدة؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني، ثم في الفصل صورتان متعلقتان بالخلاف في أن القُرْء طُهْر محتَوَش بدَمَيْن، أو هو الانتقال من الطُّهر إلى الحيض: إحداهما: إذا قال: أنتِ طالقٌ في آخر طُهْرِكِ 3 أو في آخر جزء من أجزاء طُهْرِكِ، فهل يعتد بذلك الجزء أقراءً؟ فيه وجهان: إن قلنا: القرء الانتقال منَ الطُّهْر إلى الحيض، فقد حصل، وإن قلنا: طُهْر محتوش بدَمَيْن، لم يمض عقيب الطلاق طُهْرُ، هذا حالُهُ، ولا بَعْضٌ، فيشْتَرَط بعد الحيضة المتصلة بالطلاق ثلاثةُ أطهار كاملة.
الثانية: التي لم تحض أصْلاً، قرؤها طهر أم لا؟ إن قلنا: القرء الانتقال، فَنَعْم، وإن قلنا: طُهر محتوش بدمين، فلا، وقد سبق ذكْر هذا فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً

في كل قرء طلقة، وسيعود في العدة لغرض آخر.
ونختم ما أوردناه بكلامين 1: أحدهما: إذا أجَدتَّ التأمل فيه، عرفت أن قولهم "القرء هو الطهر المحتوش بدمين أو الانتقال من الطهر إلى الحيض" مَا عَنَوْا به الطهر بتمامه، كما هو قضية ظاهر اللفظ؛ لأنه لا خلافَ عنْدنا في أن بقيَّة الطهر محسوبٌ قرءاً، ولكن المُرَاد به، هل يعتبر من الطُّهر المُحْتَوَش شيْءٌ أم يكفي الانتقال؟ والمكتفون بالانتقال قالوا: الانتقال وحده قرء ثم إن وجد شيء من الطهر قبْله، فقد لا يخرجونه عن الاعتبار، ويجعلونه متناولاً باسم القرء؛ ألا ترى أنهم ذكَرُوا فيما إذا قال للتي لم تحض: أنتِ طالقٌ في كل قُرْء طلقةً؛ تفريعاً على هذا القول: أنه يقع الطلاق في الحال، ولم يؤخِّروا الوقوع إلى أن تحيض للانتقال، وهذا كما أن اسمْ البَدَن يقع على الجُنَّة التي لا يَدَ لَهَا، ثم اليَدُ مِنْ سليم اليَدَيْن متناولةٌ باسم البدن.
والثاني: لِيُعْلَم قوله في الكتاب "والأقراء هي الأطهار" بالحاء، والألف، ولو عُلِّم بالواو للمناظرة المحكية لم يبعد.
وقوله "ولو قال: أنتِ طالقٌ في كل قرء طلقةً لم يقع إلا في الطهر" تفريع يتضح به معنى القرء، والمسألة بأحوالها مذكورةٌ في كتاب الطلاق.
وقوله "ثم بقيَّةُ الطهر قرءٌ" مُعْلَم بالحاء والألف، وقوله "أنت طالق مع آخر جزء من الطهر، فالانتقال ليس قرءاً على القول الجديد" لفظ: "الجديد" محمول على "الأمّ"، و"الرسالةُ" أيضاً تُحْسَب من الجديد، والقول بأنه ليس بقرء هو القول الذاهب إلى أنه طُهْر محتوش بدَمَينْ، فلو لم يتعرض لذكر الوجهين بعْده، ولم يقل "والقرء هو الطهر المحتوش بدمين على أحد الوجهين" وقال "فالانتقال ليس قرءاً على الجديد، بل هو الطهر المُحْتَوشَ بدَمَيْنِ، فبقية طُهْرِ الصبية قبل الحيض ليس بقرء" كان حسناً مُفيداً، وكأنه قصد بالسياق الذي ذكره أن في الطهر المحتوش قولَيْن: أن القرء هو مجرَّد الانتقال منه، أو يعتبر مع الانتقال كل الطهر أو بعضه.
وأما غير المحتوش، فهل الانتقال منْه مع بعضه طُهْرٌ أم لا؟ فيه وجهان: قَالَ الغَزَالِيُّ: وَعِدَّةُ الحُرَّةِ ثلاَثَةُ أَقْرَاءٍ وَعِدَّةُ الأَمَةِ قُرْآنِ فَإِنْ أُعْتِقَتْ فِي أَثْنَاءِ العِدَّةِ فَهِيَ كَالحُرَّةِ فِي قَوْلٍ وَكَالأَمَة في قَوْلٍ.
وَفي القَوْلِ الثَّالثِ إِنْ كَانَتْ رَجْعيَّة التْحَقَتْ بالحُرَةِ، وإِنَّ كَانَتْ بَائِنَةً فَتَعْتَدُّ بِقُرْءَيْنِ وَلَوْ وَطِئَ أَمَةً عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَعَلَيْهَا ثَلاَثَةُ أَقْرَاءٍ عَلَى أَحَدٍ الوَجْهَيْنِ وَلَوْ وَطِئَ حُرَّةً عَلَى ظَنِّ أنَّهَا أَمَةٌ لَمْ يُؤَثِّرِ الظَّنُّ أَصْلاً.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: مسألتان: إحداهما: الحُرَّة التي تَطْهر وتحيض، تعتد من الطلاق بثلاثة قروء، والأَمَة تَعْتدُّ بقرءين عن عمر -رضي الله عنه 1 - أنَّه قال: "يُطَلِّقُ العَبْدُ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الأمَةُ بِقُرْءَيْنِ".
ويُرْوى ذلك عن ابن عمر 2 موقوفاً ومرفوعاً، قال الأئمة -رحمهم- الله تعالى: ومقتضى الأصول أن تعتد بقرء ونِصْفٍ؛ لأن كلَّ عددٍ يُؤَثِّر فيه الرِّقُّ بالنقصان، يكون الرقيق فيه على النصف مما عليه الحر كالحدود وعدد المنكوحات والقَسْم، إلا أن القروء لا تتبعض، فكُمِّل، كالطلاق، ووجَّهوا قولهم أن القُرْء لا يَتبعَّض، بأن القرء مُفسَّر بالانتقال نصفه أو بالطُّهْر بَيْن الدمَيْن، والانتقالُ لَيْس شيئاً يَتبعَّض، والطُّهْرُ بَيْنَ الدَّمَيْن إنَّما يظهر نصفه إذا طهر كلُّه يعود الدم، فلا بد من الانتظار إلى أن يَعُود الدَّم والمكاتبة وأم الولد [والمدبرة] في العدة؛ كالقُنَّة، وكذا مَنْ بعضها رقيقٌ، ولو وُطِئَت أمةٌ بنكاح فاسد أو بشبهة نكاحٍ اعتدت 3 بقرءين كما في الطلاق عن النكاح الصحيح، وإن وُطِئَتْ بشبهةِ مِلْكِ اليمين فتَسْتَبْرئ بقُرْء واحد.
وإن عَتَقَتِ الأمة المُطَلَّقة في العدَّةِ، نُظِرَ؛ إن كانت رجعيَّة، فقولان: الجديد واحد القولين في القديم: أنه يجب عليها تكميل عدة الحرائر.
والثاني، من قولَيِ القديم: أنَّها تقتصر على ما وجب في الابتداء، وهو قرءان، وإن كانت بائنة، فالقديم وأحد قولَي الجديد: أنها تعتد بقرءَيْن.
وللثاني أنها يُكَمِّل عدة الحرائر، وإذا أطلقت، قلت فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تقنع بقرءين بائنةً كانت أو رجعيَّةً، وبه قال مالك -رحمه الله-؛ لأن الحرِّيَّة طرأت بعْد دخول العدَّة علَيْها، فلا يتغير الواجب بها.
والثاني، وبه قال المزنيُّ، أنها تكمل عدة الحرائر بائنةً كانت أو رجعيةً؛ لأنه وُجِدَ سبَبُ العدة الكاملة في أثْنَاء العدَّة، فتنتقل عليها كما لو رأَت الدم في خلال الأشهر.
والثالث، وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: إن كانت رجعيةً، تكمل 4 عدة الحرائر، وإن كانت بائنةً، فلا؛ لأن الرجعية كالمَنْكُوحة في كثر الأحكام، فصار كما إذا عَتَقَت قبْل الطلاق، وهذا كما أن الرجْعِيَّة تنتقل إلى عدَّة الوفاة، لو مات عنها زوْجُها، والبائنة لا تنتقل، وهو أصَحُّ الأقوال، فيما ذكر صاحب "التهذيب" وجماعة.

وعن أبي إسحاق الثاني -الذي اختاره المزني-، وعلى ذلك جرى المحامليُّ وصاحب "المهذب" وغيرهما: ولو طلَّق العَبْد زوْجَتَه طلاقاً رجعيًّا، فَعَتَقَتْ في العدَّة، فقد مر في خيار العتق أن لها أن تفسخ 1 في الحال أو تؤخر، وأنَّها إنْ فسَخَت، فتستأنف عدَّةٌ أخْرَى أوْ تُبْنَى على تلْكَ العِدَّة فيه خِلاَف يُذْكَر فيما إذا طَلَّق الرجعية طلقةً أخرى، وعن أبي إسحاق وغيره: القَطْع بأنها تبني، ويجري الطريقان فيما لو أخَّرت الفسْخَ، حتى راجعها الزوج ثم فسَخَتْ قبْل الدخول، قال في "التتمة": والمذهب أنها تستأنف؛ لأنها فسَخَت، وهي زوجه، والفَسْخ يوجب العدة، وحيث قلنا: تستأنف فتستأنف عدة الحرائر، وإذا قلْنا تبني، فتكمل عدة الحرائر أو تقتصر على عدة الإماء؟ فيه الخلافُ المذكُورُ فيما إذا عَتَقَتْ في عدتها، ولا فَسْخَ، وعن ابن أبي إسحاق: القَطْع بأنها تستأنف؛ لأن الفسْخ سَبَبٌ لانقضاء العدَّة.
الثانية: [ولو] 2 وطئ أمةَ إنسانٍ على ظنِّ أنها أمته، قال في "التتمة": لا يلزمها إلا قرء واحدٌ؛ لأنها في نَفْسها مملوكة، والشبهة شبهةُ ملك اليمين، ولو ظنها زوجته المملوكة، حكى فيه وجهَيْن: أحدهما: أنه يجب قرء واحدٌ؛ لأنها مملوكَةٌ في الحقيقة.
وأظهرهما، وبه أجاب العبَّادِيُّ: أنه يجب قرءان؛ لأن الزوجة المَمْلوكة كذلك تَتربَّص وهو يعتقدها زوجة مملوكة، وإن ظنها زوجته الحُرَّة فهذه صورةُ الكتاب، وفيها الوجهان: إن اعتبرنا اعتقاد 3 الرجل، فعليها ثلاثة أقراءٍ، وإلا ففي "التتمة" أنه لا يجب إلا قرء واحدٌ، وفي "الوسيط" وغيره: أنه يجب قرءان؛ لأن الزوجة المملُوكَةَ هكذا تتربَّص 4، ولو وطئ حرَّةً على ظَنِّ أنها أمته المملوكة، فقد قطع قاطعون بأنه يلزمها 5 ثلاثة أقراء؛ لأن الظنَّ يُؤثِّر في الاحتياط لا في المساهلة، وأجرى المتولِّي الوجهَيْن، إن اعتبرنا حالها، وجب ثلاثة أقراء، وإلا، فيكفيها قرءٌ واحدٌ؛ لأن الزَّوْج يعتقد أنَّه وطئها وطْئاً لا يوجب الاستبراء، وأجرى الوجهَيْن فيما إذا ظنها زوجته المملوكة، ففي وجْهٍ: يجِبُ ثلاثة أقراء، وفي وجْهٍ قرءان، والأشبه النَّظَر إلى ظَنِّ الرجل، واعتقاده فإن العدة إنما تجب رعايةً لحقه، وأنها كانت على ظَنِّه، فكما يؤثر الظنُّ في أصل العدَّة جاز أن يؤثر الظن في صفة العدة وقدرها 6.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالعِدَّة بِالأَقْرَاءِ ظَاهِرَةٌ فِي المُسْتَقِيمَةِ العَادَةِ وَكَذَلِكَ فِي المُسْتَحَاضَةِ المُمَيِّزَةِ أَوِ الحَافِظَةِ لِلعَادَةِ وَأَمَّا النَّاسِيَةُ فَيَكْفِيهَا ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ بِالأَهَلَّةِ فَإِنْ طُلِّقَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً فَيَكْفِيهَا بَقِيَّةُ الشَّهْرِ وَشَهْرَانِ آخَرَانِ وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ فَلاَ بُدَّ مِنْ ثَلاَثِينَ يَوْماً لِلشَّهْرِ المُنْكَسِرِ وَشَهْرَيْنِ آخَرَيْنِ وَقِيلَ: يَكْفِيهَا شَهْرَانِ آخَرَانِ وَقِيلَ: إِذَا انْكَسَرَ شَهْرٌ انْكَسَرَ الثَّلاَثُ فَلاَ بُدَّ مِنْ تِسْعِينَ يَوْماً وَقِيلَ: إِنَّ عَلَى النَّاسِيَةِ الصَّبْرِ إِلَى سِنِّ اليَأْسِ أَوْ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ لأَنَّ الطُّهْرَ رُبَّمَا زَادَ عَلَى أَشْهُرٍ وَهَذَا يُسْتَمَدُّ مِنْ قَوْلِ الاِحْتِيَاطِ وَلَكِنْ لاَ يَجْرِي هَذَا فِي الرَّجْعَةِ وَالسُّكُنَى بَلْ فِيمَا عَلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المرأة بالقِسْمة الأُولَى؛ إما أن ترى دماً أو لا تراه، إن كانَتْ تراه؛ فإما أن يكون لها طُهْرٌ وحيضٌ صحيحانِ، وإما أن تكون مستحاضةٌ، وإن كانَتْ لا تراه، فإما أن تفْقِده بسبب يُعْهَد، ويستمر كالصغيرة الَّتي لم يُفَاتِحْها الدم والآيسة، وإما أن تفْقِده، لأمر عارضٍ فهؤلاء أصنافٌ مِنَ النِّسْوة، الصنف الأول: اللواتي لهن حَيْضٌ وَطُهْر صحيحان، فيَعْتَدِدْن باقرائهن، وإن تباعد حيْضُهن، وطال طهرهن.
والثاني: المستحاضات فإن كان للمستحاضة مَرَدٌّ، فتعتد بالأقراء المردود إلَيْهَا، وقد عَرَفْت في الحيض أن المعتادة مردودة إلَى عادتها، وأنَّ المميِّزة مردودةٌ إلى التمييز، وأن في المبتدأة قولَيْن: أحدهما: الرد إلى الغالب، وأصحهما: الردُّ إلى الأقل، وعلى القولَيْن: إذا مضت ثلاثة أَشْهُرٍ، فقد انقضت عدَّتُها لاشتمال كلِّ شَهْر على حَيْض، وطهر غالباً وشَهْرها 1 ثلاثون يوماً، والحساب من أول رؤية الدَّم، هكذا أطلق، ويمكن أن يعتبر بالأهلة على ما سنَذْكر في الناسية، وقد أشار إلَيْه مُشيرون 2، وإن لم يكن لها مَرَدٌّ، وهي الناسية المتحيرة، فقد ذكرنا في الحَيْض قولين: أحدهما أنها كالمبتدأة.

والثاني، وهو الأصح: أن عليها الاحتياطَ، فإن جعلناها كالمبتدأة، فتنقضي عدتها إذا مضت ثلاثة أشهر، وإن قلنا بالاحتياط، فوجهان: أصحُّهما، وهو المذكور في الكتاب، في "باب الحيض": أن الجواب كذلك كيلا تبقى معلَّقة طُولَ عُمْرها، وليس كالاحتياط في العبادات، فإن المَشَقَّة فيها لا تَعْظُم عِظَم مشقة الانتظار، والتعطيل إلى سنِّ اليأس.
والثاني، عن رواية صاحب "التقريب" وغيره: أنها تُؤْمَر بالاحتياط، كما سنذكر في التي تباعد حيْضها، وعلى هذا تُؤْمر بالتربُّص إلى سن اليأس، أو أربع سنين أو تسعة أشهر، ولا نقول بامتداد الرجعة وحق السكْنَى جَمِيعَ هذه المدَّة؛ لأن الزوج يتضرَّر به، بل لا يزيد ذلك على ثلاثة أشْهُر، ويختص الاحتياط بما يتعلَّق بها، وهو تحريم النكاح، وإذا قلنا: تنقضي عدتها بثلاثة أشهر، فالاعتبار بالأشهر الهلالية، فإن انطبق الطلاق على أول الهلال، فذاك، وإن وقع في أثناء الشَّهْر الهِلالِيِّ؛ فإن كان الباقي أكْثَرَ مِنْ خمسةَ عَشَرَ يَوْماً، يُحْسَبُ ذلك قُرْءاً أيضاً وإن كان خمسة عَشَر فما دونها يحتسب قرءاً؟ فيه وجهان: أحدهما نعم لأن الغالب أنه طُهْر، وأن الحيض يكون في أول الهلال.
وأظهرهما، على ما ذكره الإِمام وغيره، وبه أجاب الشيخ أبو حامد: أنه لا يُحْسَب ذلك قرءاً؛ لاحتمال أن يكون كُلُّه حيضاً، والتوجيه المذكور غير مُسلَّم، ولا معلومٍ، وعلى هذا، فقد ذكر أكثرهم أنَّ ذلك الباقي لا اعتبار به، وتدخل في العدة عنْد استقبال الهلال، فتمكث ثلاثة أشهر، وتنقضي بها عدتها، والمفهوم مما لهم من تصريح وتلويح: أن الشُّهور ليست متأصِّلة في حق الناسية، ولكن يحسب كلُّ شهر في حقِّها قرءاً؛ لاشتماله على حَيْض وطُهْر في الغالب، وأشار بعْضُهم إلى أن الشَهور أصْلٌ في حقها، كما في حقِّ الصَّغِيرة والمجنونة 1، وقضية هذا أن تدخل في العدة من وقت

الطلاق، وتكون كما إذا طَلَّق ذَاتَ الأَشْهُر في أثناء الشهْر الهلاليِّ، فتعد المنكسر، وتمكث شهرَيْن بالأهلة، وتتم المنكسر ثلاثين أو تَعُدّ تسعين من يوم الطلاق، على خلاف سنذكره، وعلى هذا، ينطبق قوله في الكتاب "وإن بَقِيَ أقلُّ فلا بدَّ من ثلاثين يوماً للشهر المنكسر" إلى آخره، وهذا لم أره في المستحاضة الناسية، إلا في هذا الكتاب، واعلم أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- قال في "المختصر": فإذا أهلَّ الهِلاَل الرَّابع، انقضتْ عدَّتها، يعني الناسية، [و] في رواية الربيع -رحمه الله-: أنه قال: إذا أهلَّ الهلالُ الثالثُ، انقضَت عدَّتُها، وكذلك نُقَل عن رواية المزنيِّ في "الجامع الكبير" وللأصحاب فيهما طريقان، فالذين جعلوا الباقي من الشَّهْر قرءاً كم كان قالوا: إنه عُدَّ على رواية المزنيِّ الشَّهْر الذي وقع فيه الطلاق من الأهِلَّة؛ لأنه محسوب من الأقراء، فكذلك يُحْسَب من الأهلة، وعلى رواية الرَّبيع: لم يعدَّه من الأهلة؛ لأنَّه متقدِّمِ على وقوع الطلاق، ولا خلاف في الحقيقة، والذين شَرَطوا أنْ يكون الباقي أكْثر من خَمْسة عشر، حَمَلوا رواية المزنيِّ على ما إذا كان الباقي خمْسةَ عَشَر فما دونها، وقالوا: الذي ذكره ذَهَابٌ إلى أنه لا يُحْسَب قرءاً وتعتد بعده بثلاثة أشهر، فإذا أهلِّ الهلال الرابعُ، انقضت العدة، وحملوا رواية الرَّبِيعِ على ما إذا كان الباقي أكْثَرَ منْ خمسة عشر، فتعتد به قرءاً، وتمكث بعده شهرين، فإذا أهل الثالث، انقضت العدةُ، والشَّهرُ الَّذي وقع فيه الطلاقُ على هذه الطريقةِ غَيْر محسوب من الروايتين جميعاً، ولو كانت الناسية منقطعة الدم ترى يوماً دماً، وآخر نقاءً، فلا تنقضي عدتها ما لم يمض ثلاثة أشهر، سواءٌ قلنا بالتلفيق، أو لم نَقُلْ، والأطْهار والنَّاقصة المتخلِّلة بين الدماء لا تنقضي بها العدَّةُ بحال، وهذا قد وَقَع التعرُّض له في الحيض، وقوله في الكتاب "والعدة بالأقراء ظاهرة في المستقيمة العادة" عني بالمستقيمةِ العادةِ التي لها حَيْضٌ وطُهْرٌ صحِيحَانِ، وفي بعض النسخ "والحيض والأقراء ظاهرة" وهو قويم أيضاً.
وقوله: "وكذلك في المستحاضة المميِّزة الحافظةِ للعادة" يعني أن الأمر ظاهر في حقهما أيضاً؛ لأن لهما مرداً يردان إليه حيضاً وطُهْراً.
وقوله "وأما الناسية، فيكفيها ثلاثة أشهر بالأهِلَّة" يجوز أن يُعلَم قوله "بالأهلة" بالواو؛ لأنه حُكِيَ عن القفَّال وجْه: أن الناسية لو كانَتْ قد جُنَّت في الصِّغَر، ثم أفاقت = والطهر سوى الهلال.
وقال في المطلب: الصحيح أن الأشهر غير مقصودة لعينها بل لجرها، وعليه نص في الأم.
انتهى.
الثاني: ما حكاه عن إشارة بعضهم من قضية كلام ابن أبي هريرة في تعليقه وأدخلها في الآية وبذلك صرح الماوردي، وأن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر من وقت الطلاق سواء طلقها في ابتداء شهر أو في أثنائه، وادعى أنه ظاهر النص.

بعد البلوغ، وقد استمر بها الدَّمُ، ولا يُعرف أنه كيف كان حيضها وطهرها، يجعل ابتداءُ شهرها يوم إفاقتها، وتَعْتَدُّ من يومئذٍ ثلاثين ثلاثين، وقد ذكَرْنا هذا طرفاً منه في "كتاب الحيض".
وقوله "وإن بقي أقلُّ فلا بد من ثلاثين يوماً للشهر المنكسر وشهرين آخرين" يجوز إعلامه بالواو؛ لأمرين: أحدهما: للوجه الذاهب إلى أن الباقي، وإن كان أقلَّ من خمسةَ عَشَرَ، يُحْسب قرءاً، ويكفيها معه شهران آخران.
والثاني: ما ذكرنا أنه من تفرُّدَات الكتاب، وأن الذي يُوجَد لغيره تفريعاً على أن الباقي إذا كان دون خمسةَ عَشَرَ لا يُحْسب قرءاً؛ لأنها تمْكُث ثلاثةَ أشْهُرٍ بالأهلَّة بعد تلك البقية.
وقوله "وقيل: إنَّ عَلَى النَّاسِية الصَّبْرَ إلَى سِنَّ اليَأْسِ" هو الوجه المفرَّع على قول الاحتياط، المقابل لقوله أولاً "فيكفيها ثلاثة أشهر بالأهلة" والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا) الصَّغِيرَةُ وَالآيِسَةُ فَتُعْتَدَّانِ بِالأَشْهُرِ وَلَوْ رَأَتِ الصَّغِيرَةُ دَماً قَبْلَ تِسْعِ سِنِينَ فَدَم فَسَادٍ وَإِنْ رَأَتْ بَعْدَ الاعْتِدَادِ بِالأَشْهُرِ لَمْ تَسْتَأنِفْ وَإِنْ رَأَتْ قَبْلَ الفَرَاغِ اسْتَأْنَفَتْ (وَأَمَّا الأَمَةُ) فَتَعْتَدُّ بِشَهْرَيْنِ بَدَلاً عَنْ قُرْءَيْنِ وَقِيلَ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ لأَنَّهُ التَّبْعِيضَ وقيلَ بِثَلاَثِةِ أَشْهُرٍ أَخْذاً مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي أُمِّ الوَلَدِ إِذَا عَتَقَتْ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ وَبِشَهْرٍ عَلَى قَوْلٍ بَدَلاً عَنْ قُرْءٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصِّنْف الثالث: اللواتي لا يَريْنَ الدم لِصِغر أو يأْس يعتَدِدْنَ عن الطلاق بثلاثة أشهر، قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] وليس المراد من الصغيرة التي لم تَبْلُغ بل التي لم تَحِضْ كما هو لَفْظ القرآن، سواء بلَغَتْ سن المحيض، أو لم تبْلُغ، وعن أحمد في إحدى الروايتين: أن التي بلَغَتْ سنَّ المحيض تتربَّص تسعة أشهر، هي غالب مدة الحمل؛ لتظهر براءة الرَّحِم، وثلاثة أشْهُر بعدها.
وقوله في الكتاب "ولو رأَتِ الصَّغيرة دماً قبْل تسْعِ سِنِينَ، فدَم فَسَادٍ" لا ضرورة إلى ذكره هاهنا، فالقول في سن الحيض قد سَبَق في "كتاب الحيض"، والمذكور هاهنا هو الجواب الأصح، ويجوز أن يُعْلَم بالواو؛ للوجه الذاهب إلى أنَّ أوَّل السنة التاسعة أوَّل إمكان الحيّض، والوجه الآخر، أنَّه يدْخل وقْت الإمكان بمضي ستة أشهر منْها، والكلام في سنِّ اليأس سيأتي من بعد، ولو ولَدَتِ المرأة ولم تر حيضاً قبل الولادة ولا تقاسا بعدها، فتعتد بالشُّهور؛ لظاهر الآية أو هي كمن انقطع دمُها بلا سببٍ ظاهر؛ لأن الحَمْل لا يكون إلا لذوات الأَقْراء، فيه وجهان، وينسب الأول إلى الشيخ أبي

حامد 1 -رحمه الله- ثم الأشهر: معتبرة بالخلال، وعليه تَدُور المواقيت الشرعية، فلو انطبق وقوع الطلاق على أول الشهْر الهلالي، فلا إشكال، وان وقع في أثنائه، وانكسر ذلك الشهْر، فيعتبر بعده شهران بالهلال، ويكمل المنكسر ثلاثين، سَوَاءٌ كان ذلك الشهر كاملاً أو ناقصاً، وعن ابن بنْتِ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-: أنه إذا انْكَسَر شهْر، انكسر كل شهر؛ لأن المنكسر يتمم بما يليه، فينكسر أيضاً، والظاهر الأَوَّل، وقد مرَّ للمسألة نظائرُ، وعن أبي حنيفة: مثل ما عن ابن بنت الشَّافعي؛ والأثبت عنه: أن الشهرَيْن بعْد المنكسر، يعتبران بالهلال، ويُتَدَارك من الرابع قدْرُ ما فات من المنكسر، وإذا وقع الطلاق في أثناء النهار أو الليل، أدخل الباقي في الحساب، وعن مالك: أنه لا يَدْخُل، وتُحْسب العدة من أول الليل أو النهار، وانطباقُ الطَّلاق على أول الشهر يَظْهر فيما إذا علّق الطلاق بانسلاخ الشَّهْر أو بأول الشهر الَّذي عليه، أما التنجز فإنه، وإن ابتدأ به في أول الشهر، فإلى أن يتمَّ لفْظه، يذهب جزء من الشهر وينكسر، وقد يُصوَّر الابتداء باللفظ، بحيث يعتمد 2 الفراغ منه بأول الشهر، ولو اعتدت الصغيرة بالأشْهُر، ثم حاضت بعْدها، لم يجب الانتقال إلى الأقراء، ولو وجَب، لم يَحْصُل الاعتداد بالأشهر؛ لأن الغالب من كل 3 صغيرة الانتهاء إلى الأقراء؛ فإن حاضت قبل تمام الأشْهُر، فقد قدرت على الأصل قبل الفراغ من البدل، فتنتقل إلى الأقراء، كالمتيمم إذا وَجَد الماء في خلال التيمم، وهل يُحْسَب ما مضي قرءاً فيه وجهان: أحدهما، وبه قال ابن سُرَيْج: نعم؛ لأنه طُهْر يعقبه حيْض.
والثاني، وبه قال أبو إسحاق: لا، كما أن ذات الأقراء إذا يئست قبل تمام الأقراء

تعتد بثلاثة أشهر، ولا يُحْسَب ما مضى شهراً، وهذا أقرب إلى ظاهر 1 النصِّ، وقد تَبيَّن الخلاف على ما مَضَى أن القرء طُهْر محتَوَش بين دمَيْن أو هو مجرَّد الانتقال، هذا حكم الصغيرة والآيسة الحرتين، أما إذا كانت الأمة صغيرةً أو آيسة فبم تعتد؟، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تعتدُّ بشَهْرَيْن؛ لأن الشُّهور بَدَلٌ عن الأقراء، والأمة تعتد بقرءين، إن كانت من ذوات الأقراء، فإذا لم تكُنْ تعْتَدُّ بشهرين.
والثاني: تعتدُّ بشَهُّر ونصف، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الأصْلَ فيما ينقص بالرِّقّ من الأعداد النِّصْف، والشهر قابل للتنصيف، بخلاف الأقراء، و [صار] كما أنها تعتد عن الوفاة بشهْرَيْنِ وخَمْس ليالٍ.
والثالث: أنَّهَا تعتدُّ بثلاثة أشْهُر؛ لأنَّ الماءَ لا يَظْهر أَثَره في الرَّحِم إلا بَعْد هذه المدة؛ إذِ الولد يَتَخَلَّق في ثمانين يوماً، ثم يتبيَّن الحمل بعْد ذلك، وما يتعلَّق بالطبع لا يختلف بالرِّقِّ والحرية، وهذا القول الثالث؛ يخرج من أحد قولَيْه في المستولدة، إذا أعتقت أنها تعتدُّ بثلاثة أشهر، وفيها قول آخر: أنها تعتد بشهر بدلاً عن قرء، وهو كقول الشهرين هاهنا، ولا مجال للشَّهْر والنصف، وعن أحمد ثلاث رواياتٍ؛ كالأقوال، وذكر المحامليُّ -رحمه الله- أن الصَّحيح من الأقوال: أنها تعتد بثلاثة أشْهُر، واختاره الرُّويانيُّ؛ للاحتياط، وقال: إن القياس وظاهر المذهب: الشَّهْر والنَّصْف، وعليه جمهور أهل خراسان من أصحابنا، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) الَّتِي تَبَاعَدَتْ حَيْضَتُهَا بِرِضَاعٍ أَوْ عِلَّةٍ فَعَلَيْهَا انْتِظَارُ الحَيْضِ وَلاَ تَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ وَالَّتِي لَمْ تَحِضْ أَصْلاً وَإِنْ كَبِرَتْ فَتَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ وَإِنْ كَانَ الانْقِطَاعُ بَعْدَ الحَيْضِ بغَيْرِ عِلَّة فَالقَوْلُ الجَدِيدُ أَنَّهَا تَصْبِرُ إِلَى سِنِّ اليَأْسِ ثِمَّ تَعْتَدُ بِثَلاَثةِ أَشْهُرٍ وَالقَوْلُ القَدِيمُ أَنَّهَا تَتَرَبّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِنَفْي الحَمْلِ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَقَوْلٌ ثَالِثٌ قَدِيمٌ أنَّهَا تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصنف الرابع: اللواتي فَقَدْنَ الدم، على خِلاَف المعْهُود؛ لعارض، يُنْظَر فيهن، فان انقطع دمُها؛ لعلةٍ تعرف كرضاعٍ، ونفاس، ومرض وداءٍ بَاطِنٍ، فتصبر إلى أنْ تحيض 2، فتعتد بالأقراء أو إلى أن تَبْلُغ سنَّ اليأس، فتعتد بالأشهر، ولا تبالي

بطول مدة الانتظار، وقد روي أن حبان 1 بن منقذ طَلَّق امرأته طلقةً واحدةً، وكانَتْ لها [منه] بُنَيَّة صغيرة تُرْضِعها، فتباعد حيضها، ومَرِضَ حبان، فقيل له: إنَّكَ إنْ مِتَّ وَرَثَتْكَ، فَمَضَى إِلَى عُثْمَانَ وَعِنْدَهُ عَلِيُّ وَزَيدٌ -رضي الله عنه- فسأله عن ذلك فقال لِعَلِيٍّ وزَيْدٍ -رضي الله عنهما-: ما تَرَيَانِ، فَقَالاَ: تَرَى أنَّهَا إِنْ مَاتَتْ، وَرِثَهَا، وَإِنْ مَاتَ وَرِثَتْهُ؛ لأنها ليست من القواعد اللائي يئسْن من المحيض، ولا من اللائي لم يَحِضْنَ، فرجع حبان إلى أهْلِهِ، فانتزع البِنْتَ منْها، فعَادَ إلَيْها الحَيْض، فحاضَتْ حيضتين، ومات حبان قَبْل انقضاء الثالثة، فَوَرَّثَهَا عثمانُ -رضي الله عنه-.
وإن انقطع لا لعلة تُعْرف، ففيه قولان: الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنها تصبر إلى أن تحيض، فتَعْتَدُّ بالأقراء أو تبلغ سن اليأس، فتعتد بثلاثة أشهر؛ لأنَّ الاعتداد بالأشْهُر إنما وَرَدَ في اللائي لم يَحِضْن أو يئسن وهذه خرجت عن اللائي لم يحضن، فينتظر دخولُها في اللائي يئسن، وأيْضاً، فإنها مطلَّقة ترْجو عَوْدَ الدَّم، فلا تعتدُّ بالشهور، كما لو انقطع دَمُها لِعَارض معْلُوم 2، وروي أن علقمة طلَّق امرأته طلقةً أو طلْقَتَيْن، فحاضَتْ حيْضَةً ثم ارتفع حيْضُها سبعةَ عشَرَ شَهْراً، ثم ماتت، فأتى ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال: "حَبَسَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِيرَاثِهَا"، وَوَرَّثَهُ مِنْهَا، والقديم: أنها تتربَّص زمان الحمل؛ لتعرف فراغ الرحم، ثم تعتد بثلاثة أشْهُر؛ وذلك لأن الانتظار إلى سن اليأس مما يشتدُّ ضرره؛ أما في حقِّ الزوجة، فلأنها تبقى محبوسة إلى سن اليأس، ولا يكاد يُرْغَب فيها بعْد تلك الغاية، وبتقدير أن يرغب راغبٌ، فلا يمكن تدارُكُ ما فات، ولا يعود الشباب، وأما في حقِّ الزوج؛ فلأنه يلْزَمُه النَّفَقَة، إن كانت رجعيَّة، وكذلك السُّكْنَى، على هذا، فقولان: أظهرهما، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: أنها تتربَّص مدة العمل غالباً، وهي تسعة أشهر، فإذا انقضت، اعتدت بثلاثة أشهر، وهذا مذهب عمر -رضي الله عنه- وروي 3 أنه قال: "أيّمَا امرأة طُلِّقَتْ، فحَاضَتْ حَيْضَةً أو حَيْضَتَيْن، ثمِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا، فإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فإنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَاكَ وَإلاَّ، اعْتَدَّتْ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ وَحَلَّتْ ". والثاني: أنها تتربَّص أربع سنين لتتيقن براءة الرَّحِم، فهي أكثر مدَّة الحمْل، ثم تعتد بعده بثلاثة أشهر، وقد تجب العدة تعبُّداً مع معرفة البراءة، كما إذا علق الطلاق بوَضْع العمل، فوضعت، يلزمها العدة، وإن تَحقَّقت البراءة، فهذه ثلاثة أقوال، إذا

جُمِعَت؛ جديدٌ وقديمان، ونسب أبو الفرج الزاز الأول من القديمين إلى رواية الزَّعْفَرَانِيِّ، والثاني إلى رواية البُوَيْطِيِّ، وذكر أن بعض أصحاب خَرَّج قولاً ثالثًا على القديم؛ وهو اعتبار أقل مدة الحَمْل، وهو ستة أشْهُر؛ لأنه تظهر أمارات الحمل في هذه المدة وإن لم تَلدْ، فإذا لم تظْهَر، اعتدت بالأشهر، وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرُّويانِيِّ وغيره: أن بعض الأصحاب رَجَع عمَّا قاله في القديم صريحًا، ولْيُعْلَم قوله "تصبر إلى سن اليأس" بالميم والألف، وقوله "تَتَرَبَّصُ تسعة أشهر" و"تتربَّصُ أربع سنين" بالحاء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى القَدِيمِ فَحَاضَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالعِدَّةِ وَالنِّكَاحِ اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ وَإنْ حَاضَتْ قَبْلَ تَمَامِ التِّسْعَةِ بَطَلَ التَّرَبُّصْ وانْتَقَلَتْ إِلَى الأَقْرَاءِ فَإنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا اسْتَأْنفَتِ التَّرَبُّصَ وَالعِدَّةَ جَمِيعًا وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ بِالتِّسْعَةِ وَلَكِنْ فِى العِدَّةِ اسْتَأنفَتِ التِّسْعَةَ وَلَكِنْ هَلْ تَبْنِي عَلَى الثَّلاَثةِ أَمْ تَسْتَأْنِفُ فِيهِ خِلاَفٌ فَإِنْ قُلْنَا بِالبنَاءِ اسْتَكمَلَتْ ثَلاَثةَ أَشْهُرٍ بِالحِسَابِ وَقِيلَ: يَكْفِيهَا شَهْرَانِ وَمَا مَضَى يُجْعَلُ قُرْءًا وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ البَدَلِ وَالمُبْدَلِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَلَوْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ المُدَّتَيْنِ وَقَبْلَ النِّكَاحِ فَالنَّصُّ أنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الأَقْرَاءِ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ العِدَّةَ قَدْ تَمَّتْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصْل للتفريع على القديم، والذي يليه التفْريع على الجديد.
أما تفريع القديم؛ فلو أن التي أمرناها التربُّص، والعدة حاضَتْ، فلها أحوال: إحداها: أن تحيض بعْد التَّربُّص والعدة، وبعد ما نَكَحت زوجاً آخر، فيستمر النكاح لِحَقِّ الثاني، ولا أثر لرؤية الدم بعْد ما ترتَّب على بدله مقصودُه، كما لو رأى المتيمِّم الماء بعْد ما صلَّي، ويُخَرَّج مما في أمالي أبي الفرجالسرخسي وجْهٌ: أنه يتبين بطلان النكاح؛ لأنها إذا حاضَتْ، تبيَّن أنها لم تكن من ذوات الأشهر.
والثانية: إذا حاضَت قبل تمام التربُّص، يبطل التربُّص، وتنتقل إلى الأقراء، ويُحْسب ما مضى قرءاً، فتَضُمُّ إليه قرءين آخرين، وإنما وجَب الانتقال إلى الأقراء؛ لأنها الأصْل، وقد قَدرت عليها قبل الشروع في البَدَل، فإن لم يعاودْها الدم، ولم تتم الأقراء، استأَنَفَتْ مدة التربص؛ لتعتد بعده بالأشهر، وذلك التربُّص قد بَطَل بظهور الدم، وقال في "التتمة": إنما أَمرْناها باستئناف التربص؛ لأنَّا على هذا القَوْل لا تَعتبر اليأس، إنما تَعْتبر ظهور براءة الرَّحِم، وقد ظهرت البراءةُ وَرُؤْيَةُ الدم تولِّد ظن البراءة، والمشهور الأول.
والثالثة: إذا حاضت بعد التربُّص، ولكن في مدة العدة، تنتقل إلى الأقراء كما في الحالة الثانية، فإن لم يعاودْها الدم، عاد المشهور، والمذكور في "التتمة" وإذا تربَّصت

فتبني الأشهر على ما مضى من الأشهر الثلاثة أم تستأنف الأشهر؟ فيه وجهان: أحدهما: تستأنف كما تستأنف مدة التربص.
وأظهرهما: أنها تبني؛ لأن ما مَضَى من الأشهر كان من صلب العدَّة فلا معنى لإبطاله، بخلاف مدة الانتظار، وعلى هذا، ففي كيفية البناء وجهان: أحدهما، ويُحْكى عن رواية صاحب "التلخيص": أن ما مضى يُعَدُّ قرءاً؛ لأنها انتقلت منْه إلى الحَيْض، ويبقى عليها قرءان، فتعتد بدلها بشهرين 1 وعلى هذا، فلو حاضت مرتين، ضمت إليهما شهراً بدلاً عن القرء الثالث.
وأصحهما، ويقال إنَّه المنصوص: أنها تنظر فيما مضى، وتضم إليه ما يَبْلُغ ثلاثة اْشهر، ولا تضمُّ ببعض الأشهر إلى بعْض الأقراء؛ فإنَّ المشهور بَدَل الأقراء، والواجب الواحد لا يُؤَدَّى ببعض الأصْل، وبعض البدل كما في خصال الكفَّارة، وكما في الوضوء مع التيمُّم، وهذا معنى قوله في الكتاب "وهَذا جَمْعٌ بين البدل والمبدل" وهو بعيد، هذا [على] 2 ما ذكره الأصحاب -رحمهم الله- فيما إذا لم يعاودْها الدم في الحالة الثانية والثالثة، ولم يقولوا: إذا لم يعد إلى مدة كذا [ويشبه أن يضبط بعادتها القديمة أو بغالب عادات النساء].
والرابعة: إذا حاضت بعد التربّص والأشهر، وقبل النكاح وجهان أو قولان: أحدهما، ويُنْسب إلى النص: أَنَّها تنتقل 3 إلى الأقراء؛ لأن البَدَل لم يتَّصل بالمقصود، ولم يتعلَّق بها حقُّ زوج آخر، وكان يكتفي 4 بالأشهر على ظن أنها لا تَرَى الدم، فقد ظهر خلافُه.
والثاني: المنع؛ لأنا قد حكَمْنا بانقضاء العدَّة، فلا تُغيِّر الحكْم بما يوجد 5 من بعدُ، كما لو حاضَتْ بعد نكاح زوج آخر، ورجَّح القاضي الرُّويانيُّ -رحمه الله- هذا الوجْه، ونَظْم الكتاب يُشْعِر بترجيح الأول، وبه قال الشيخ أبو حامد وغيره -رحمهم الله- وعن ابْن أبي هريرة: أنها إن اعتدَّت بالأشهر بحكم الحاكم، لم يُنْتَقَضِ الحُكْم، ولم تنْتقل إلى الأقراء، وإن اعتدت بها بمجرد الفتوى، انتقلت إلى الأقراء.
وأحكامُ هذه الأحوال لا تختلف بين أن تَجْعل مدة التربُّص تسعة أشهر أو ستةً أو أربع سنين.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأمَّا إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الجَدِيدِ فَسِنُّ اليَأْسِ أَقْصَى مُدَّةِ يَأْسِ امْرَأَةٍ فِي العَالَمِ مِمَّنْ تُعْرَفُ عَلَى قَوْلٍ أَوْ نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا عَلَى قَوْلٍ وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالعَصَبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَقِيلَ: يُنْظَرُ إِلَى البَلَدِ لاَ إِلَى العَالَمِ وَعَلَى هَذَا القَوْلِ لَوْ رَأَتِ الدَّمَ قَبْلَ مُضِيِّ الأَشْهُرِ بَعْدَ سِنِّ اليَأْسِ انْتَقَلَتْ إِلَى الأَقْرَاءِ فَإِن لَمْ يُعَاوِدْهَا فَتَسْتَأنفُ (و) الأَشْهُرِ قَطْعًا لأَنَّ المَطْلُوبَ اليَقِينُ وَهَلْ عَلَيْهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعُ سِنِينَ لِلتَّرَبُّصِ إِذْ زَالَ اليَأْسُ بِالحَيْضِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ أَمَّا إِذَا رَأَتْ بَعْدَ الأشْهُرِ فَلاَ يُؤَثِّرُ عَلَىٍ قَوْلٍ وَيُؤَثِّرُ عَلَى قَوْلٍ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النِّكَاحِ وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ قَبْلَ النِّكَاحُ يُؤَثِّرُ وَبَعْدَهُ لاَ يُؤَثِّرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التفريع على الجديد: يُتبيَّن غرضه بمسألتين: إحداهما: النظر في سِنِّ اليأس إلى جميع النساء أو بعضِهن؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يُنْظر إلى جميعهن، فتعتبر أقْصَى مدة يأس النِّساء فَتُؤْمَرُ بالتربُّص إليه؛ احتياطًا وطلبًا لليقين.
قال الإِمام -رحمه الله-: ولا يمكن طوف 1 العالَمِ والفحص 2 عن سكانه، وإنما المراد ما تبلغ خبره، ويعرف؛ وعلى هذا القول: الأشْهَر أن سن اليأس اثنان وستُّون سنةً، وفي "اللطيف" لأبي الحسن بن خيران وغيره وجهان: أحدهما: أن سن الياس ستون سنة.
والثاني: خمسون.
وذكر أبو الفرج السرخسي أن المرأة، إنما تَبْلُغ سن الياس، إذا جاوزت تسعين سنةً، وحُكِيَ أن امرأة حاضت لِتِسْعين سنَةً.
والقول الثاني: أنَّ النَّظَر إلى بعْضِهن، وعلَى هذا فالمَشْهور، ويُحْكَى عن نصه في الأم: أنه يُنْظر إلى يأس نِسَاء عشيرتها منَ الأبوين؛ لتفاوتهن في الطَّبْع والخُلُق والخَلْق ونزوع بعضهم إلى بعض، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حِيَضُهن، ولم تر دَمَاً، فقد بلغَتْ سنَّ اليأس، وحُكِيَ وجهان آخران: أحدهما: أن الاعتبار بنساء العَصَبَات؛ كمهر المثل، إلا أن مَهْر المثل يتعلّق بالرغبات، والنسبُ من أركان الرغبة، فاختص مهْر المثل بالعصبات، وهاهنا بخلافه.
والثاني: أن الاعتبار بنساء البَلَد؛ لأن للأهوية تاثيرًا في الأمزجة وتفاوت الطباع،

ونَظْمُ "التهذيب" يُشْعِر بترجيح القول الثاني؛ وهو أن الاعتبار بنساء العشيرة، وإيرادُ أكثرهم يقتضي ترجيح الأول، وفي "جمع الجوامع" للرُّويانيِّ: أن أبا إسحاق قال: لعله أصحُّ القولَيْن، ويذكر أن القولَيْن في الأصل مبنيان على أنَّه يُرَاعَى اليقينُ أو الغالب؛ إن اعتبرنا اليقين، تفحَّصنا حال النساء كلِّهن، وإن اكتفينا بالغَالِب، كفى النظر إلى النسوة اللاتي تقاربهن، وأما إذا قلنا بالقول الثاني، فالغالب من نساء العَجَم أن لا يَحِضْنَ بعْد خمسين سنةً، ومن نساء العَرَب أن لا يحِضْنَ بعد ستين، وقيل: إن العربيَّة لا تحيض إذا بلَغَتْ ستين سنةً إلا أن تكُون قرشيَّةً.
ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "أقصى مدة بأس امرأة في العَالَم" بالواو؛ لأن عن أبي علي الطَّبَرِيِّ تخريجَ وَجْه: أنه يُعتبر سنُّ اليأس غالباً، ولا يُنْظَر 1 إلى الأقْصَى، كما يعتبر في المستحاضة المبتدأة إلى ذلك الغَالِب في قَوْل.
المسألة الثانية: لو رأت الدَّم بعْد سن اليأس، نُظِرَ؛ إن رأته قبْل تمام الأشْهُر، فينتقل 2 إلى الأقراء؛ لأن ما تراه حيضٌ، ولا اعتداد بالأشهر مع الأقراء، وما مضى يُحْسَب قرءًا بلا خلاف، فتَضُمُّ إليه قرءين آخرين.
واعلم أنا إذا اعتبرنا أقصَى سن اليأس في العالَمِ، وبلغت ذلك السنن؛ ثم رأت الدم، فيصير أقْصَى السن الَّتي رأَت الدَّم فيها، ويعتبر بعد ذلك غيرها بها، وإن لم يعاودْها الدم، فيرجع إلى الأشْهُر، وهل تؤمر بالتربص بتسعة أشهر أو أربع سنين قبل الأشهر؟ ذُكِر فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ استظهارًا واحتياطًا، والأصح: المنع؛ لأنَّها قد بلَغَتْ سنِّ اليأس 3، والدمُ العارض قد زَالَ، فعاد ظن اليأس، وحينئذ، فلا حاجة إلى التربص، وفي "التتمة" أنها تعتدُّ بشهرين بدلاً من قرءين، والذي صحَّحه الأئمة، وحكَوْه عن القفَّال وغيره: أنها تعتدُّ بثلاثة أشهر تستأنفها ولا تبني، ولا يَجِيْء فيه الخلاف المذكور: أنها تبني أو تستأنف تفريعًا على القديم، وفرَّقوا بأنا على القديم نَكْتَفِي بالظن الغالب، وفي الجديد: يطلب اليقين أو القرب منه، وإذا رأت الدم، بَطَل ما ظنَنَّاه من اليأس، وبَطَل ما ترتَّب عليه من العدة، فوجب الاستئناف، وليس هذا على الخلاف في أنها هل تُؤْمر بالتربُّص إن قلنا: لا تُؤْمَر به، فلا بد من إكمال ثلاثة أشهر؛ لأن ما دون ثلاثة

أشهر لا يدل على البراءة، وإنما اكتفينا بالبناء على أحد الوجهين؛ تفريعًا على القديم؛ لأنه قد مضت مدة العمل عقيب الإقراء، ووجد ما يدل على البراءة، فجاز أن لا يستانف، وهاهنا بخلافه، وإن قلنا تؤمر بالتربص، فيشبه أن يجيْء في البناء والاستئناف الخلاف المذكور في التفريع على القديم، وإن رأت الدم بعْد تمام الأشهر، فإن لم تنكح بعْد، ففيه قولان: أحدهما: أنها لا تنتقل إلَى الأقراء لانقضاء عدتها في الظاهر بالأشهر، وصار كما إذا رأت الصغيرةُ بعد الأشْهر دماً.
وأصحُّهما: الانتقال؛ لأنه تبيَّن أنها ليست من اللاتي يئسْن، فتكون من ذوات الأقراء، وتخالف الصغيرة، فإنها تعتدُّ بالأشهر من حيث إنها لم تحض، ورؤية الدم لا تمنع صدْق القول، بانها لم تحض، وقرَّب القفَّال وغيره هذا الخلاف من الخلاف فيما إذا أناب المعضوب فشفى، أو رأَوْا سوادًا، فظَنُّوه عَدُوًّا، وصلَّوْا صلاة شدة الخوف، فبان خلافه، وإن كانت قد نكحت، فطريقان: أحدهما: أن القولَيْن يَطَّردان، فإن قلنا: تنتقل إلى الأقراء، تبيّن بطلان النكاح.
والثاني: وهو الذي أورده صاحب "الشامل" و"التتمة" في كتابهما: القطع بعدم الانتقال؛ لِتعلُّق حق الزوج والشروع في المقصود كالمتيمم إذا رأى الماء بعد الشروع في الصلاة، وإذا أطْلَقْتَ، قلتَ: في المسألة ثلاثة أقوال، كما في الكتاب.
ثالثها: الفرق بين مَا إذا نُكِحت أو لم تُنْكح، وهذا أشبه بالرُّجْحان على ما يدل عليه كلام أكثرهم، وفي "التهذيب": أن الصحيح [لزم الانتقال] بكل حال، وإذا عرفت ما ذكرنا، أعلمت قوله في الكتاب "فتستأنف الأشهر قطعاً" بالواو، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (النَّوْعُ الثَّالِثُ) هُوَ العِدَّةُ بِالحَمْلِ فَإِنَّ النَّوْعُ الثَّانِيَ هُوَ الأَشْهَرُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَلانْقِضَاءِ العِدَّةِ بِهِ شَرْطَانِ: (أَحَدُهُمَا): أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ ممن مِنْهُ العِدَّةُ أَوْ يُحْتَملُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ كَوَلَدَ اللِّعَانِ أَمَّا المَنْفِىُّ قَطْعًا كَوَلَدِ الصَّبيِّ وَالمَمْسُوحِ (ح) فَلاَ تَنْقَضِي (ح) العِدَّةُ بِهِ وَلَوْ أتتْ زَوْجَةُ البَالِغِ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لاَ يَلْحَقُهُ وَلَكِنْ يَنْقَضِي العِدَّةُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لاحْتِمَالِ جَرَيَانِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ قَبْلَ النِّكَاحِ وَلاَ تَنْقَضِي (ح) عَلَى وَجْهٍ لأَنَّهُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا وَعَلَى ثَالِثٍ لَوِ ادَّعَتْ وَطْءَ شُبْهَةٍ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لأَنْ القَوْلَ فِي العِدَّةِ قَوْلُهَا وَإِنْ نَكَحَ (م) حَامِلاً مِنَ الزِّنَا وَهِيَ تَرَى الأَدْوَارَ وَقُلْنَا: إِنْهَا حَيْضٌ فَفِي انْقِضاءِ العِدَّةِ بِهِ وَجْهَانِ لأَنَّ حَمْلَ الزِّنَا كَالمَعْدُومِ فِي حَقِّ العِدَّةِ وَالتَّحْرِيمِ (م).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مر أن عدة الطلاق ثلاثة أنواع: الأقراء، والأشهر، ووضع الحمل.
ثم إن صاحب الكتاب لمَّا شرع في النوع الأول، وهو الأقراء، واندفع في ذِكْر

أصناف النسوة وأحوالهن في الحَيْض والطُّهر تأدى ذلك إلى القول في الأشهر وكيفية الاعتداد بها، ويولج النوع الثاني في الأول.
أما الثالث: فوضع الحمل أحد أسباب انقضاء لعدة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] ويشترط في انقضاء العدة بالحمل شرطان: أحدهما: أن يكون الحْمل منسوبًا إلى مَنْ العدة منه إما ظاهراً وإما احتمالاً، فالأول: ظاهرٌ، والثاني: كالولد المنفي باللِّعان، وإذا لاعن عن الحامل، ونفى الحَمْل ثم وضعته، انقضت عدتها به، وإن انتفى الولد في الظاهر؛ لأنه يمكن أن يكون الأمر كما تزعمه، والقَوْل في العدة قول المرأة إذا تحقَّق الإمكان، أما إذا لم يُتصوَّر أن يكون الولد منه، كما إذا مات الصبيُّ الذي لا ينزل، ولا يجامع، وامرأته حاملٌ، لم تنقض عدَّتها بوضع الحمل، بل تعتد بالأشهر، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إن مات، وحملها ظاهر، انقَضَتْ عدتها بوَضْع الحَمْل، وإن ظَهَر الحمل بعْد موته لم تنقض العدة.
لنا: أنه منفيٌّ عنه يقيناً، فأشبه ما سلمه.
والممسوح الذي لم يتق ذكره وأنثياه، لو مات وامرأته حاملٌ لم تنقص عدتها بالوضع؛ بناءً على ما مَرَّ أنه لا يلْحَقه الولَدُ في ظاهر المَذْهب، وعن أبي بكر الصيرفي والإصطخري: أنه يلحقه الولد، وهو جواب القفَّال، ويُحْكَى ذلك قولاً للشافعيِّ -رضي الله عنه-، وقد قدمنا ذكْره، وعلى ذلك القول تنقضي عدَّتها بالوضّع، والمسلول الخصيتين الباقي الذَّكَرِ كالفحل في لحوق الولد على الظاهر، فتنقضي العدة عنه بالوضع سواء في ذلك عدة الوفاة والطلاق.
وفيه وجه: أنه لا يلحقه الولد، فعلى ذلك الوجه لا تنقضي العدة، وعن حكايته القاضي أبي الطيِّب وجه: أنه إن كان مسلول الخصية اليمنَى، لا يلحقه الولد، وإن بقيت اليسرى؛ لأنه يقال: إن الماء من الخصية اليُمْنى، والشَّعْرُ من اليسرى، ونقل القاضي الرُّويانيُّ -رحمه الله- في "جمع الجوامع": أنه كان الإِمام أبو بكر بْن الحدَّاد فقيد الخصية اليمنى، وكان لا يُنْزِل، وكانت لحيته طويلةً، وهذا شيء لم يعتمده الأكثرون.
والمجبوب الذكر الباقي الأثنيين، قد تقدَّم أنه يلحقه الولد، فتعتد امرأته عن الوفاة بوَضْع الحمل، ولا تجب عدة الطلاق عليها؛ لأنها إنما تجب بعْد الدخول، ولا يُتصوَّر منْه 1 دخول.

ومَن مات عن زوجته أو طَلَّقها، وهي حامل بولد، [لا]، يمكن أن يكون منه؛ بأن وضَعَتْه لدون ستة أشهر مِنْ يوم النكاح أو لأكثر، وبين الزوجين مسافةٌ لا يُقْطَع في تلك المدة، فلا تنقضي العدة به، كما ذكرنا في وجْه الصبي؛ لأنه 1 ليس منه، هذا هو الظاهر، ولم يورد غيره الأكثرون، وأورد في الكتاب فيه وجهَيْن آخرَيْن: أحدهما: انقضاء العدة؛ لاحتمال أنه جرى وطء شبهة قبل النكاح، فيكفي في انقضاء العدة به قيام الاحتمال، كما في المنفي باللعان.
والثاني: أنها إن ادعت وطء شبهة، حكَمْنا بانقضاء العدة؛ لأن القوْل في العدة قولُها، إذا حصل الإمكان، ولم يذكر في"الوسيط" و"البسيط" الوجهين في صورة الكتاب، لكن ذكر الوجوه الثَّلاثة فيما إذا قال لامرأته: إذا ولَدَتِّ، فأنت طالق، فولدَتْ، وشرعت في العدة، ثم ولدَتْ بعْد ستة أشهر ولداً آخر.
والثالث الفرق بين أن تدعي وطئًا محترمًا من الزوج بعْد الولادة الأولى، فتنقضي العدة أو لا تدعي، فلا يحكم بانقضاء العدة، فإذا قلنا بظاهر المذهب، فإنْ كان الحَمْل الذي وضعته ملحقًا بغيره بوطء شبهة أو في عقدٍ فاسدٍ، انقضت عدة الوطء بوضْعه، وتعتد عن الزوج بعْد ذلك، وإن كان مِنْ زنا، فتعتد عدة الوفاة من يَوْم الموت أو عدة الطلاق مِنْ يوم الطلاق، وتنقضي الأشهر مع الحَمْل في عدَّة الوفاة؛ وفي عدة الطَّلاق إذا كانت المرأة منْ ذوات الأشهر وإن كانت من ذوات الأقراء، فإن لم تر الدم أو قلنا: ما تراه الحامل ليس بحيض، [فكذلك] وإن كانت تراه، وقلنا: إنه حيض، ففي انقضاء العدة بأطهارها، وهي حامل، وجهان: أحدهما: لا تنقضي؛ لأنها لا تدُلُّ على براءة الرحم، والعدَّة ما تدل على البراءة، وأظهرهما: الانقضاء؛ لأن حمْل الزنا كالمعدوم في إثبات التحريم وإيجاب العدة، فلا تمنع العدة، وعلى هذا، فلو زنت في عدة الطلاق أو الوفاة، وحبلت من الزنا، لم يَمْنَغْ = وتارة بالوضع فهي واجبة مطلقاً، وإن لم يجز ما يقتضي الدخول، أمام عدة الطلاق فقد لا تحسب حيث لم يظهر سبب يقتضيها؛ لأنها إنما تجب بالدخول ولا دخول، فإن ظهر سبب من حمل أو استدخال اعتدت بالوضع في صورة الحمل وبالأقراء أو الأشهر في صورة الاستدخال؛ لأنه تنزل في إيجاب العدة منزلة الوطء، وما قاله من عدم تصور الدخول ممنوع كما حكي عن الماوردي من إمكان سحاقها وينزل في فرجهاكاستدخال مني الفحل، وقد جزم في الذخائر بالاعتداد، وأول كلام الأصحاب فقال: وتعتد به عن الطلاق، وقول أصحابنا زوجة المجبوب لا تعتد عنه عدة الطلاق يكون بالدخول ولا دخول إنما يريدون بذلك إذا لم يكن حمل، وأما إذا كان حمل فلا بد من التربص إلى وضعه، والظاهر كما قال فإنه إذا طلقها والولد منه، ولا حق فيه، وإنما يلحق به لاحتمال ألا يزال، وقد رجح الرافعي أن استدخال المني يوجب العدة.

ذلك انقضاءَ العدة، ولو كان الحْمل مجْهولَ الحال، حُمِل على أنَّه من زنا؛ قال الرُّويانِيُّ في "جمع الجوامع" 1 ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الممسوح" من الكتاب بالواو؛ للوجه الذي بيناه.
وقوله "فلا تنقضي العدة" بالحاء، وكذا قوله في مسألة البالغ "ولا تنقضي على وجه" لأن أبا حنيفة -رحمه الله- قال في مثل قوله في امرأة الصبيِّ.
وقوله "وإن نكح حاملاً من الزنا" صَحَّ، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها ليست في نكاح ولا عدة من الغير.
وعن مالك خلافه، ثم إذا نكحها، فهل لَهُ وطْؤها قبْل الوضع؟ ذهب ابن الحدَّاد إلى منْعه، وبه قال أبو حنيفة؛ لما رُويَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم 2 - قال: "لاَ تَسْق مَاءَكَ زَرْعَ غَيْرِكَ" والظاهر جوازه؛ لأنه لا حُرْمة لحَمْل الزنا ولو منع الوطء، لمنع صحة النكاح كوطء الشبهة، ويجوز أن يُعْلَم قوله "والتحريم".
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الشَّرطُ الثَّانِي) وضْعُ الحَمْلِ التَّامِّ فَلاَ تَنْقَضِي العِدَّة بِوَضْعِ أَحَدِ التَّوْءَمَيْنِ وَأَقْصَى المُدَّةِ بَيْنَ التَّوْءَمَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلاَ تَنْقَضِي بِانْفِصَالِ بعْضِ الوَلَدِ بَلْ هُوَكالجَنِينِ فِي الأَحْكامِ كُلِّهَا وَقِيلَ: هُوَ كَالمُنْفَصِل إِلاَّ فِي العِدَّةِ وَلاَ تَنْقَضِي بِإِسْقَاطِ العَلَقَةِ وَتَنْقَضِي إِذَا ظَهَرَتِ الصُّورَةُ وَالتَّخْطِيطُ وإنْ خَفِيَ وإنْ كَانَ لَحْمًا فَالنَّصُّ أَنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بِهِ وَلاَ تَجِبُ بِهِ الغُرَّةُ وَلاَ يَحْصُلُ بِهِ الاسْتِيلاَدُ وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وضعَتِ الحمل بتمامه على ما قال تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] ويتعلَّق بذلك صور: إحداها: لو كانت حاملاً بتوءمين، فإنما تنقضي العدة، إذا انفصل الثاني بتمامه، حتى لو كانت رجعيَّة، وولدت أحدهما، فله الرجعة إلى أن تلد الثاني، ومهما وقَع بيْن

الولدَيْن ستة أشهر فصاعدًا، فالثاني حمْلٌ آخر، وإنما يكون الولدان توءمين، إذا كانت المدة بينهما دون ستة أشْهُر أو وُلِدًا معاً، وقوله في الكتاب: "وأقصى المدة بين التوءمين ستة أشهر" فيه اختلال؛ فإن هذه المدة: مدة أقل الحمل، وإذا تخلَّلت ستة أشهر، كان الثاني حملاً آخر، والشرط أن يكون المتخلِّل أقلَّ من ستة.
الثانية: لا تنقضي العدَّة بخروج بعْض الولد؛ لأنه لا تَحْصل به براءة الرحم ولا وضْع الحمل، وإذا خرج بعضُه منفصلاً أو غير منفصل، ولم يخرج الباقي، بقيتِ الرجعة في الرجعية، ولو طلَّقها، يقع الطلاق، ولو مات أحدهما، ورثه الآخر، وكذلك تبقى سائر أحكام الجنين في الذي خرج بعْضه دون بعض؛ كنفي توريثه وسراية العتق إليه من الأم، وعدم إجزائه عن الكفَّارة، ووجوب الغُرَّة عند الجناية على الأم، وتبعته الأم في البيع والهبة وغيرهما.
وفي وجْه: إذا صَرَخ واسْتَهَلَّ، كان حكمه حكم الولد المنفصل في جميع ما ذكَرْنا، إلا في العدة؛ فإنها لا تنقضي إلا بفراغ الرَّحِم، وُينْسَب هذا إلى القفَّال -رحمه الله- في "البسيط"، وهو منقاس، وان كان بعيدًا عن المذهب، وسيعود ذكْر هذا الخلاف في غرة الجنين.
الثالثة: تنقضي العدة بانفصال الولد حيًّا أو ميِّتاً، ولا تنقضي بإسقاط العَلَقة والدم 1، فليس ذلك بولد، ولا يُتَيَقَّن أنه أصْل ولد، ولا يكاد يسمى حَمْلاً، ولو أسقطت قطعةً، فلها أحوال.
إحداها: أن يظهر فيها شيْء من صور الآدميين وخلقتهم؛ كيد وأصبع وظفر وغيرها، فتنقضي العدة به، ولو سَقَط مثْل هذا اللحم بجنايةِ جَانٍ، وجَبَت الغرة والكفارة، ولو أسقطت الأمة مثْلَها من سيدها، صارت أُمَّ ولَدٍ له.
والثانية: إذا لم تَظْهر الصورة والتخطيط لكل أحد، ولكن قالت القوابل وأهل الخبرة من النساء: إنَّ فيه صورةً خفيةً، وهي بينة لنا، وإن خفيت على غيرها، فتُقْبَل شهادتهن، ويحكم بانقضاء العدة وثبوت سائر الأحكام أيضاً.
ويقال: إن الإصطخريَّ أتى بسقط على هذه الصفة 2، فلم يحكم بثبوت الاستيلاد، فجاءت القوابل فَصَبَبْنَ عليه ماءً حارًا وغسلنه، فظهرت الصورة.
والثالثة: إذا لم تكن فيه صورة ظاهرة ولا صورة خفية تعرفها القوابل، ولكنهن

قلْن: إنَّه أصل آدمي، ولو بقي، لتصوَّر؛ وتخلَّق، فقد نص الشافعيُّ -رضي الله عنه 1 - على أن العدة تنقضي به [في الحال،] 2 ونص في الجنايات على أنه لا تجب فيه الغرَّة، وأشعر كلامه في أُمَّهات الأولاد بأن الاستيلاد لا يثبت به، وللأصحاب -رحمهم الله- طرق: أحدها: إثبات قولَيْن في الصور بالنقل والتخريج: أحدها: أنَّه تنقضي العدَّة، وتجب الغرة، ويحصل الاستيلاد؛ لأن القوابل شهِدْن بأنه أصْل الولد، فأشبه ما إذا شَهِدْن بالتخطيط، وقد رُوِيَ عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "كَيْفَ تُتْبِعُهُنَّ وَقَدْ خَالَطَتْ لُحُومُنَا لُحُومَهُنَّ وَدِمَاؤُنَا دِمَاءَهُنَّ 3 وإذا أسقطت بهذه الصفة سقطًا، فقد حصلت المخالطة".
والثاني: لا يثبت شيْء من هذه الأحكام؛ لأنها منوطة بالولدِ، واسمُ الولد لا يقع عليه، فصار كما إذا ألقت عَلَقَةً.
والثاني: تقرير النصَّيْن، والفرق أن الأصل براءة الذِّمَّة، فلا تجب الغرة إلا عند تيقُّن الولدِ، وأمومةُ الولد إنما تَثْبُت تبعًا، وأما العدة فإنها لبراءة الرحم، فإذا ألقته حصلت البراءة.
والثالث: القَطْع بأنه لا يتعلَّق به شيْء من هذه الأحكام، وحمل نصُّهُ في العَدَّة على ما إذا كانت فيه صورةٌ خفيةٌ وتخطيطٌ دقيقٌ.
والرابع: القطْع بتعلُّق جميع الأحكام به، وحمل المَنْعُ على ما إذا لم يُعْلَم أنه مبتدأ خلق آدمي، وإذا شكَّت القوابل في أنه لحم آدمي أم لا، فلا خلاف في أنه لا يَثْبُت [شيْء] 4 من هذه الأحكام، والأصح من الطرق عند صاحب "التهذيب" الطريقة الثالثة، ويشبه أن تُرَجَّح طريقة القولين، وأن يقال: الأظهر انقضاء العدة 5 وعدم الاستيلاد، وكذلك ذكره أبو الحسن بن خيران في "اللطيف" والقاضي الرُّويانيُّ وإبراهيم المروزي.

ولو اختلف الزوجان، فقالت الزوجة: كان السقْط الذي أسقطته بحيث 1 تنقضي به العدة بوضعه، وأنكر الزوج، وقد ضاع ما أسقطته، فالقول قولها؛ لأنها مؤتمنة في العدَّة.
وقوله في الكتاب: "وتنقضي إذا ظهرت الصورة والتخطيط وإن خفي" أي إذا ظهرت لأهل الخبرة، وإن خفيت على سائر الناس.
وقوله "وإن كان لحمًا" إلى آخره، المراد باللحم الذي يشهد القوابل بأنه أصْل آدمي.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ: الأَوَّلُ) المُرْتَابَةُ بِالحَمْلِ بَعْدَ الأَقْرَاءِ لِثِقَلِ بَطْنِهَا لاَ تُنْكَحُ إنْ ظَهَرَ الأثَرُ وَمجَرَّدُ الشَّكِّ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ وَقِيلَ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْ وَقْفِ العُقُودِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كانَتْ تعتدُّ بالأقراء أو الأشهر، فظَهَر بها حمْلٌ من الزوج، فتعتد بوَضْع الحمل، ولا اعتبار بما مَضَى من الأقراء والأشهر؛ لأنهما إنما يدلان 2 على البراءة ظاهراً، ووضع الحمل يدل عليها قطعًا، وإنما يكتفي بالظاهر بَدلاً عن القَطْع المطلوب؛ لتعذُّر تحصيله، فإذا قَدَرْنا على الأصْل، بطل البدل، وإن لم يَظْهر الحمل بأمارة، ولكنها ما كانت [ترتاب؛] 3 لثقلٍ وحركةٍ تجدهما 4، فيُنْظَر؛ إن كان ذلك قبل تمام الأشهر أو الأقراء، فليس لها أن تنكح بعد تمامها حتى تَزُول الريبة، ولو نكحت، كان النكاح باطلاً؛ للتردُّد في انقضاء العدَّة، وإن عرضت الريبة بعْد تمام الأقراء والأشهر، فإما أن تَعْرض بعدما نكحت زوجًا، فلا يُحْكم ببطلان النِّكَاح؛ لحكمنا بانقضاء العدة ظاهرًا، وتعلُّق حق الزوج الثاني، لكن لو تحقَّقنا كونها حاملاً يوم النكاح؛ بان ولدَتْ لأقل من ستة أشهر من يوم النكاح تبيَّن بطلان النكاح، وإن ولدت لستة أشهر فصاعدًا، فالولد للثاني، والنكاح مستمرُّ، وإمَّا أن يعرض قبل أن تنكح زوجاً آخر، فالأَوْلَي أن تصبر 5 إلَى زوال الريبة، فإن لم تفعل، ونكحت، فقد قال في "المختصر".
والأم: هو موقوف، إن بان أنَّها حائل 6، بان صحته وإن بان الحَمْل، بان بطلانه في الحال؛ لأنَّا قدْ حكمنا بانتهاء العدة بالاجتهاد، فلا ينقض الحكم بمجرَّد الشك، وحمَلُوا نصَّ البطلان على ما إذا ارتابَتْ في أثناء الأقراء والأشهر ونكحت قبل زوال الريبة.
والثاني: أن في المسألة قولَيْن 7، واختلف الصائرون إلَيْه، فمنهم من قال: هما

مبنيان على القولَيْن في وقْف العقود، إن قلنا: إن العُقُود لا توقف؛ فالنكاح باطل، وإلا، فينعقد موقوفاً، قال الشيخ أبو عليٍّ: وهذا فاسدٌ؛ لأن العُقُود لا تُوقَف على الجديد، والقول بالوقف هاهنا منقولٌ عن الجديد.
ومنْهم من بناهما 1 على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه، على ظَنِّ حياته، فبان موته، هل يَصِحُّ البيع؟ أو على القولين في أن مَنْ شَكَّ في عدد الركعات بَعْد الفراغ من الصَّلاة، هل يؤمر بالتدارك؟ ويُحْكَي هذا عن القفَّال.
والثالث: عن ابن سُرَيْجٍ: أن رواية المزنيِّ محمولةٌ على ما إذا حدَثَت الريبة بعدما انقضَتِ الأقراء، ونكحت، فلا يبطل النكاح، ويتوقَّف الزوج عن الوطء إلَى أن يتبين الحال، فأمَّا إذَا نكحت والريبة حاصلةٌ، فلا يَصِحُّ النِّكَاح؛ لأنَّها لا تدري أعدتها بالأقراء أو الأشهر؟ وقد حلت بمضيها أو بوضْع الحمل، ولم تحلَّ، فلا تنكح إلا بيقين، قال ولو قلنا بصحة هذا النكاح، لجعلناه موقوفًا، والعقود لا تُوقَف على أصْل الشَّافعي -رضي الله عنه- في الجَدِيد، وأجيب عنْه: بان المذكور في الجديد هُوَ التوقف في الانعقاد ابتداءً، وقد تخلَّف شرط الصَّحة إلى أن يوجد ذلك الشَّرْط، كالوقف على إجازة المالك، وهاهنا لا يتوقَّف في الانعقاد، بل يُحْكم بأن النكاح منْعَقِدٌ؛ بِناءً على الظاهر، ثم إن بان خلافُه غَيَّرْنا 2 الحكم، وهذا كما أنَّه إذا حدثت الريبة بعد ما نكحت، لا يحكم ببطلان النكاح، لكن إذا تحقَّق الحمل يوم النكاح، 3 تَبيَّن أنه كان باطلاً، والمذكور في الكتاب من الطُّرُق الثلاث الأولَى والثانية.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانيِ) إِذَا أَتَتْ بَعْدَ العِدَّةِ بِوَلَدٍ لأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ لَحِقَ الزَّوْجَ وَإنْ لَمْ تَنْكِحْ زَوْجاً آخَرَ وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً حَسَبَ أَرْبَعَ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ انْصِرَامِ العِدَّةِ أَوْ مِنْ وَقْتِ الطَّلاَقِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ فَإِنْ قُلْنَا مِنْ وَقْتِ تَصَرُّمِ العِدَّةِ تَمَادَي الإِلْحَاقُ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ وَزِيَادَة إِذِ الطُّهْرُ قَدْ يَتَبَاعَدُ سِنِينَ وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يُحْتَمَلُ فَلاَ يُحْسَبُ لِلعِدَّةِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلاَثةِ أَشْهُرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأصل الَّذِي تبنى عليْه المسألةُ، ومسائل كثيرة مذكورة من قَبْل، = الثاني: سكت عن مسألة مهمة وهي مراجعة الزوج في حال ارتيابها بعد انقضاء الأقراء، وقال الشَّافعي في المختصر: توقف الرجعة، فإن بان حمل فالرجعة ثابتة وإلا فباطلة، ولو راجعها بعد وضع ولد وهي تجد حركة، ولوقفنا الرجعة فإن ولدت آخر أو أسقطت سقطًا تبين فيه خلق آدمي فرجعته ثابتة.
انتهى.

ومن بَعْد أن أكثر مدَّة الحَمْل أربع سنين، وبه قال مالك، وهو روايةٌ عن أحْمَدَ، واحتج لَهُ بأن عُمَر -رضي الله عنه 1 - قال في امرأة المفقود: تتربَّص أربع سنين، ثم تعتد بَعْد ذلك، وسبب التقدير بأربع سنين أنها نهايةُ مدة الحَمْل، وعن مالك: أنه قال: هذه جارتنا امرأة محمَّد بن عَجْلان امرأة صِدْق، وزوجها رَجُلُ صِدْقٍ، حملت ثلاثة أبْطُن في اثنتي عشر سنَةً تحمل كل بطن أربع سنين.
وروى القتيبي أن هرم بن حيان حملت به أمُّه أربع سنين.
وقال أبو حنيفة: أكبر مدَّة الحَمْل سنتان.
وعن مالك روايتان أُخْرَيَان: إحداهما: خَمْس سنين.
والثانية: سَبْع.
إذا عرف ذلك، فلو أبان زوجته بالخُلْع أو باستيفاء عَدَد الطلاق، أو بأن فَسَخ النكاح بعَيْب 2 أو بأن لاَعَنَها ولم ينف الحمل، ثم أتت بولد لأربع سنين فما دونها مِنْ يوم الفراق، فهو ملحق بالزوج؛ لمكان الإمكان، هكذا أطلقوه في أربع سنين، واعترض منصور التميمي 3 في المستعمل، وقال: إذا لحقه الولد الذي أتت به لأربع سنين منْ وقْت الطلاق، لزم أن تكون مدَّة الحَمْل أكبر من أربع سنين؛ لتقدم العلوق على الطلاق، فينبغي أن يقال: لأربع سنين من وقْت إمْكان العلوق قبْل الطلاق، وهذا قويم وفي الإطْلاق تساهلٌ، ولا فرق بين أن تقر المرْأة بانقضاء عدَّتها به وبيْن أن لا تقر؛ لأن النسب حق الولدِ، فلا ينقطع بإقرارها، وقد تبني إقرارها على الغالب، فتبين خلافه، ويظهر أنها كانت تحيض على الحبل، وهذا قول مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا أقَرَّتْ بانقضاء عدَّتها ثم وَلَدَت، لم يلحقْه الولد إلا أن يأبى به لِمَا دون ستة أشهر مِنْ وقت الإقرار، وبهذا 4 قال ابن سُرَيْج، وشبَّهه بما

إذا صارت الأمة فراشًا بالوطء، ثم استبرأها سيِّدُها، ثم أتَتْ بوَلَدٍ بعْد الاستبراء لستة أشهُرٍ فصاعدًا، لم يلحقْه الولد، نص عليه، واختلفوا في الجواب عَنْ هذا الاحتجاج.
فمنْهم من جَعَل المسألة على قولَيْن بالنقل والتخريج.
ومنهم من جَعَل مسألة الأمة على قولَيْن، وما تخرج من الأمة فيما نَحْن فيه، وعلى التقديرَيْن، فالمذكور هناك جوابٌ على أحَدِ القولَيْن، والجمهور امْتَنَعوا من التَّخْريج في الطرفين 1، وفرَّقوا بأنَّ فراش النكاح أسرع ثبوتًا؛ ألا ترى أنه يثبت النسب فيه بمجرَّد الإمكان، وفي الأَمَة لا يثبت بمجرَّد الإمكان، بل يعتبر الإقرار بالوطء، فإذا استبرأها، جاز 2 حكْم الوطء في الظاهر، وبقي مجرَّد الإمكان، فلا يقنع به، وفي الحُرَّة الإمْكَان باقٍ، وإنْ أقرَّت بانقضاءِ العدَّة فينتفع به لإِثْبات النَّسب، وإن أتت بالولد لأكثر من أربع سنين، فهو منفي عنه بلا لعان؛ لأنه لا إمكان، ونقل المزنيُّ أنه ينتفي عنه باللِّعان، واعترض علَيْه، فقال: يشبه أن يكون هذا غَلَطاً منْ غير الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-، قال الأصحاب: والأمر على ما ذكَرَه، وقد نصَّ -رضي الله عنه- في رواية الرَّبيع: أنه ينتفي بلا لعان، ولو طلَّقها طلاقًا رجعيّاً؛ ثم أتت بالولد، فالحُكْمُ على التفصيل المذكور إلا أن السنين الأربع تُحْسب من وقت انصرام العدة أو من وقت الطلاق فيه قولان: أحدهما: من وقت انصرام العدة لأن الرجعيَّة كالمنكوحة في مُعْظَم الأحكام.
وأصحُّهما، على ما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: من وقْت الطلاق؛ لأنها كالبائنة 3 في تحريم الوطء، فكذلك في أمر الولد الذي هو نتيجته، وهذا الخلاف كالخلاف الَّذي يذكر في أن الرجعية هل هي فراش أم لا أو هو هو؟ وإذا قلْنا بالاحتساب منْ وقْت انقضاء العدَّة، فقد أطلق الشيخ أبو حامد وابن الصَّبَّاغ وغيرهما حكاية وجْهَيْن عن أبي إسحاق: أنه يلحقه متَى أتت به من غير تقدير مدَّة؛ لأن الفراش على هذا القول إنما يزول بانقضاء العِدَّة، قالوا: والأصح أنه إذا مضَتِ العدَّة بالأقراء أو الشهور، ثُمَّ ولَدت لأكثر من أربع سنين من انقضائها لم يلْحقه؛ لأنا نتحقَّق أن الحَمْل لم يكن موجودًا في الأقراء والأشهر، فتبيَّن بانقضائها، ويكون كما لو بانت 4 بالطلاق، ثم أتت بولَدٍ لأكثر من أربع سنين، ولك أن تقول: هذا إن استمر في الأقراء لا يستمر في الأشهر، فإن التي تَحْمل من النساء، لا تعتَدُّ بالأشهر، فإذا حمَلَتْ، بان أن عدتها لم تُنْقَض بالأشهر، وسيأتي نظيرُ هذا، ثم هذا الخلاف على ما ذكره القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة" وغيرُهُ، فيما إذا أقرت بانقضاء العدَّة، وذكر أنها إذا لم تقر

بانقضائها، فالولد الذي تأتي به يلحقه، وإن طال الزمان؛ لأن العدة قد تمتدُّ ويتباعد الطُّهْر، وأن القفَّال نقل وجهًا ضعيفًا: أنه إذا مضت ثلاثة أشهر، ثم أتت بالولد لاكثر من أربع سنين، لم يلْحقْه؛ لأن الغالب انقضاءُ العدة في ثلاثة أشهر، وليُحْمَل الخلافُ المذكور في الكتاب على هذه الحالة؛ لأنه مائل إلى ترجيح اللُّحوق من غير التقدير بمدة، وفيما إذا أقرت بانقضاء العدَّة، رجَّح أكثرهم التقدير، وحكَوْه عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه-، فالأحْسَنُ أن يوافق اخْتِياره اختيار مَنْ قبله، ومتى حكَمْنا بثبوت النسب، فتكون المرأة معتدَّة إلى الوَضْع حتى يثبت للزوج الرجعةُ، إذا كان الطلاق رجعيًا، ولها النفقة والسُّكنَى.
فرْعان: أحدهما: لو أتت الولد لأكثر من أربع سنين، لكن ادعت في الطلاق الرجعيِّ أن الزوج راجَعَها أو ادعت أنَّه جدَّد نكاحها أو أنه وطئها بشُبْهة، وأنها ولَدَت على الفراش المجدَّد، نُظِرَ؛ إن صدَّقها الزوج، ألزم بموجب إقراره، فعليه المَهْر في التجديد، والنفقة والسكنى في الرجعة والتجديد، ويَلْحَقه الوَلَد بالفِرَاش، [وإن أنكر استحداثَ فِرَاشٍ]، فهو المُصدَّق بيمينه، وعليها البينة، فإذا نكل، حلفت، وثبت النسب إلا أن ينفيه باللعان، ونقل أبو الفرج الزاز قولاً: أنه إذا نَكَل، لا ترد اليمين عليها؛ لأنَّها لو حلَفَتْ، لثبت نسب الولد، ويبعد أن يحلف الإنسان؛ لفائدة غيره، فلو لم يحْلِفْ أو نكَلَتْ، فهل يَحْلِف الولَدُ إذا بلغ؟ فيه خلاف مذكورٌ في نظائره 1، وإن سلم الفراش الجديد، وأنكر وِلاَدَتَها، وادعى أنها التقطته أو استعارته، فيُصدَّق بيمينه، [وعليها البينة] 2 على الولادة، فإن نَكَلَ، حلفت وثبتت الولادة والنسب بالفراش، إلا أن ينفيه باللعان، ويعود في تحليفها الخلافُ السابقُ، ثم قال الأئمة -رحمهم الله-: العدة تنقضي بوضعه 3، وإن حلف الرجل على النفي، لم يثبت ما ادعته؛ لأنها تزعم أن الولد منه، فكان كما لو نفى الرجلُ حمْلَها باللعان، فانه، وإن انتفى الولد، تنقضي العدة بوضْعه؛ لزعمها أنه منْه 4، وإن ادَّعَتْ عَلَى الوارث بعْد موت الزوج أنَّ الزوج

كان قَدْ راجَعَها أو جَدَّد نكاحها، فإن كان الوارث ممَّن لا يحجب، نُظِرَ؛ إن كان ابنًا 1 واحدًا، فالحكم كما إذا ادَّعَت على الزوج، إلاَّ أن الوارث يحْلِف على نفْي العلم، وإلا أنه إذا ثبت النسب، لم يكن نفيه باللعان، وإن كان له ابنان، وادَّعت عليهما، فإن صَدَّقاها، أو كَذَّبا وحَلَفَا أو نكلا، فحلفت، أو صدَّقها أحدُهما، وكذَّب الآخرُ، وحلَف، ثَبَت المهر والنفقة، بحصة 2 المصدِّق.
ولا يثبت النسب؛ لأن جميع الورثة لم يتفقوا، وهل يثبت ميراث الزوجة في حصَّة المصدِّق؟ فيه خلاف مذكور في موضعه، وإن كان الوارث مِمَّن يُحْجِب كالأخ، فإن صدَّقها، فذاك، ولا يرث الولد إن ثبت نسبه؛ لئلا يخرج الأخ عن كونه وارثًا بحجبه، وإنْ كذَّبها، فعلى ما تبيَّن.
والثاني، وقد سبق طَرَف منه في الطلاق: علَّق 3 طلاق امرأته بولدتها، فولدت ولدين، نُظِرَ؛ إن كان بينهما دون ستة أشهر، لحقاه جميعاً، وطُلِّقت بوضع الأول، وانقضت عدَّتها؛ بالثاني وإن كان ستة أشهر وأكثر، طُلِّقت بولادة الأول، ثم إن كان الطلاق بائنًا، لم يلْحَقْه الثاني؛ للعلم بأن العلوق بالثاني لم يكن في النكاح، بخلاف ما إذا لم يعلق بالولادة حيث يلحقه الولد إلى أربع سنين؛ لاحتمال العلوق في النكاح، وإن كان الطلاق رجعيًّا، فيبنى على أن السنين الأربع تعتبر من وقْت الطلاق أو من وقت انقضاء العدَّة، إن قلْنا بالأول، لم يلحقه، وإن قلْنا بالثاني، لحقه إذا أتتْ بهِ لما دون أربع سنين من ولادة الأوَّل، وتنقضي العدة بوضعه، لحقه أو لم يلحقه؛ لاحتمال وطء الشبهة بعد البينونة.
قاله ابن الصبَّاغ، ولو أتتْ بثلاثة أوْلاَد، فإن كان الكلُّ حملاً واحدًا؛ بأن كان بين الأول والثالث أقل من ستة أشهر، فتُطلَّق بالأول؛ وتنقضي العدة بالثالث، ولحق الكل، وإن كان بين الأولين أقل من ستة أشهر، وبين الثاني والثالث أكثر منها، لحقه الأول، وانقضت عدتها بالثاني، ولا يلحقه الثالِث للعِلْم بأن العَلُوق به لم يكن في النكاح ولا في العدة، وإن كان بَيْن الأول والثاني أكثر من ستَّة أشهر، وبين الثاني والثالث دون الستة طُلِّقت بالأول، ولم يلحقه الآخران، إن كان الطَّلاق بائناً، وإن كان رجعيًّا، فعلى الخلاف، ولو زاد ما بيْن الأولين على ستة أشهر، وكذا ما بينهما وبين الثالث، فالثالث غير لاحق، وكذا الثاني، إن كان الطلاق بائنًا، وإن كان رجعيًّا، فعلى الخلاف، ولو كان ما بيْن الأولين دون الستة، وكذا ما بينهما وبين الثالث، وكان ما بين الأول والثالث أكثر من الستة، فالأوَّلان لاحقان دون الثالث.

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) إِذَا نُكِحَتْ ثم أَتَتْ بِوَلَدٍ لِزَمَانٍ يُحْتَمَلُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أُلْحِقَ بِالثَّانِي إنْ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحاً إِذْ لاَ سَبِيلَ إِلَى إِبْطَالِ الصَّحيحِ وَإِنْ كانَ فَاسدًا يُعْرَضُ عَلَى القَائِفِ لأَنَّهُ كَوَطْءِ شُبْهَةٍ ثُمَّ مُدَّةُ احْتِمَالِ الثَّانِي تُحْتَسَبُ مِنَ العَقْدِ الفَاسِدِ أَوْ مِنَ الوَطْءِ فِيهِ خِلاَفٌ وَكَذَلِكَ عِدَّةُ النِّكَاحِ الفَاسِدِ يُبتَدَأُ بَعْدَ آخِرِ وَطأةٍ أَوْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ بِانْجِلاَءِ الشُّبْهَةِ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كان الفرع الثاني مصوَّراً فيما إذا لم تَصرْ بعد الطلاق فراشًا لغيره، حتى أتت بولد، فإن صارتْ فراشًا لغيره؛ كما إذا نكحت بعْد انقضاء العدَّة، ثم ولَدَتْ، نُظِرَ؛ إن ولَدَتْ لما دون ستَّة أشهر من النكاح الثاني، فكأنها لم تنكح، والحكم 1 على ما مَرَّ، وإن أتت به لستة أشهر فأكثر، فالولد 2 للثاني، وإن أمكن أن يكون من الأوَّل؛ لأن الفراش للثاني حاضرٌ قائمٌ، فالإلحاق به أَوْلى من الإلحاق بفراشٍ قَدِ انقطع وانقضى، وأيضًا، فإنَّ النكاح جرى على الصَّحة ظاهرًا، وعلى تقدير أن يكون الولَدُ من الأول، يكون في العدة ويبطل النكاح، ولا سبيل إلى إبطال الصحيح بالاحتمال، ولو نُكِحَت نكاحًا فاسدًا؛ بأن نُكِحَت في العدة، لم يَقْطع بمجرَّد العقدِ العدةَ، ولكن تسقط نفقتها وسكناها؛ لنشوزها، ثم إن وطئها الزوج عالمًا بالتحريم، فهو زان لا يؤثِّر وطؤه في العدة، وإن جهل التحريم، إما لظنه انقضاء العدة، أو لظنه أن المعتدة لا يَحْرُم نكاحها، فتنقطع به العدَّة؛ لصيرورتها فراشًا للثاني.
وقال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: لا تنقطع، قال القاضي الرُّويانيُّ: دعواه الجَهْلَ بأنها معتَّدة تُقْبَل بكل حال، ودعوى الجَهْلِ بأنَّ نكاح المعتدة حرامٌ لا يقبل إلا من قريب العهْد بالإِسلام، ثم إذا فرق بينهما، تكمل عدة الأول، ثم تعتد عدة الثاني، ولو أن هذه المنكوحة أتتْ بولد لزمان الامكان من الأول دون الثاني، فيلحق الولد بالأول، وتنقضي عدته بوضْعه، ثم تعتد للثاني، فإن أتت به لزمان الإمكان من الثاني دون الأول؛ بأن أتت به لأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، فإن كان الطلاق بائنًا، فهو ملحق بالثاني، وإن كان رجعيًّا، فالجواب كذلك: أو يقال: فراش الأول باقٍ، فيعرض على القائف؟ فيه قولان، وإن أتت به لزمان الإمكان منها جميعًا، فيعرض على القائف، فإن ألحقه القائف بأحدهما، فالحكم كما لو أتَتْ به لزمان الإمْكان منْه خاصَّةً، وإن ألحقه بهما أو نفاه عنهما أو اشتبه الحال علَيْه أو لم

يكن [ثَمَّ] 1 قائفٌ، انتطر بلوغه وانتسابه لنفسه، وإذا وضعته، ومر بها ثلاثة أقراء، حلَّت للأزواج، وإن أتتْ به لزمان لا يمكن أن يكون مِنْ واحد منهما، بأن كان لما دون ستة أشهر من نكاح الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول، فلا يلحق بواحد منهما، إن كان الطلاق بائنًا، وإن كان رجعيًّا، عاد الخلاف في أنها هل هي فراش؟ وإذا نفيناه عنهما، فعن الشيخ أبي حامد: أنه لا تنقضي العدَّة بالوضع عن واحدٍ منهما، بل بعد الوضع تكمل العدة عن الأول، ثم تعتد عن الثاني، قال صاحب "الشامل": وقياس ما ذكرنا فيما إذا علَّق طلاقها بالولادة، فولدت ولدَيْن بينهما ستة أشهر: أن الثاني لا يلحقه، وتنقضي العدة بوضعه أن نقول هاهنا بانقضاء العدة عن أحدهما، ومدَّةُ الإمكان من الزوج الثاني تُحْسب من وقت النكاح الفاسد أو من وقت الوطء؟ فيه وجهان: أحدهما، ويُحْكَى عن القفَّال الشاشيِّ -رحمه الله-: أنها تُحْسَب من وقْت النكاح، كما في النكاح الصحيح، وأظهرهما: الاحتساب من وقت الوطء، ولا عبرة بمجرَّد العقد الفاسد، وقرب من هذا الخلافِ الخلافُ في أن العدَّة في النكاح الفاسد تحسب من 2 آخر وطأة أو من وقت التفريق بينهما [بانجلاء] 3 الشبهة وظهور الفساد.
والأصحُّ على ما ذكر في "التهذيب" أنها تُحْسب من وقت التفريق؛ لأن الاستيلاد 4 ينقطع، والفراش حينئذ يزول، قال: والتفريق بأن فرق القاضي بينهما في معْناه ما إذا اتفق الزوجان على المفارقة، وما إذا مات الزوج عنها أو طلَّقها على ظنِّ الصحة، ولو غاب 5 عنها على عزم أن يعود إليها لم تحسب مدة الغيبة من العدة، ولو عزم أن لا يعود، فمدة الغيبة من العدَّة، وخُرِّجَ على الخلاَف المذكور: أن لحوق الولد في النكاح الفاسد، هل يتوقَّف على إقراره بالوطء، كما في ملك اليمين أو يكفي فيه مجرَّد العقد كما في النكاح الصحيح [وأما] إذا أحوجناه إلى الإقرار بالوطء، فهل ينتفي الولد بدعوى الاستبراء كما في ملك اليمين أَوْ لاَ ينتفي 6 إلا باللعان؟ والظاهر الاحتمال الثاني، ولو وطئت في العدة بالشبهة، وأتت بولد لزمان الإمكان من الزوج، والواطئ، فيعرض الولد على القائف، كما ذكرنا في النكاح الفاسد، ولو وُطِئَت بعد انقضاء العدَّة، فهل هو كالنكاح الثاني في قَطْع فراش الأول؟ فيه وجهان: أحدهما: لا بل يُعْرض الولد على القائف، كما لو وُطِئت في العدة.

وأصحهما: نعم؛ لانقطاع النكاح الأول 1 والعدة عنه على الظاهر؛ فعلى هذا، لو أتت بولدٍ، لزمان الإمكان منها يلحق بالواطئ، كما يلحق بالزوج الثاني، والله أعلم بالصواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ) لَوْ قَالَ: طَلَّقَتْ بَعْدَ الوِلاَدَةِ فَأَنْكرَتْ وَقَالَتْ: بَلْ قَبْلَهَا فَالقَوْلُ قَوْلُهُ سَوَاءْ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الوِلاَدَةِ أَوْ أُبْهِمَ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الوِلاَدَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الطَّلاَقِ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا وَلَوِ ادَّعَتْ تَقَدُّمَ الطَّلاَقِ فَقَالَ: لاَ أَدْرِي فَعَلَيْهِ يَمِينٌ جَازِمَةٌ أَوِ النُّكُولُ فَإِنْ جَزَمَ الزَّوْجُ فَقَالَتْ: لاَ أَدْرِي فَلَهُ الرجْعَةُ وَلَيْسَ يُقْبَلُ دَعْوَاهَا مَعَ الشَّكِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ولَدَتِ المرأة، وطلَّقها زوجها ثم اختلف الزوجان، فقال الزوج: طلَّقْتُك بعد الولادة، فأنْتِ في العدَّة، ولي الرجعة، وأبت المرأة فقالت: طلَّقْتَني قَبْل الولادة، وانقضت عدتي بالوَضْع، نُظِرَ؛ إن اتفقا على وقْت الولادة كيوم الجمعة، وقال: طَلَّقْتك يوم السبت، وقالت: بل يوم الخميس، فهو المُصدَّق بيمينه؛ لأن الطلاق بيده، فيُصدَّق في وقته، كما يُصدَّق في أصله؛ ولأن الأصل عدَمُ الطلاق يوم الخميس، وإن اتفقا على وقْت الطلاق، كيوم الجمعة، واختلفا في وقْت الولادة، فقال: وَلَدتُّ يوم الخميس، قالت، بل يوم السبت، فهي المُصدَّقة بيمينها؛ لأن القول في أصْل الولادة قولها، فكذلك في وقْتِها؛ ولأن الأصْل عدم الولادة يوم الخميس، ولو لم يتفقا على وقْت الولادة، ولا وقْت الطلاق، وادعى الزَّوْج تَقدُّم الولادة، وهي تقدِّم الطلاق، فهو المُصدَّق؛ لأن الأصْل بقاء سلطة النكاح، ولو ادعتِ المَرْأة تقدُّم الطلاق، فقال الزوج: لا أدْرِي، لم يُقْنَع 2 منه بذلك، بل إما أن يَحْلِف يمينًا جازمة على أن الطَّلاق لم يَتقدَّم أو يَنْكُلِ لِتَحْلِف هي؛ لأن الزوج بقوله "لا أدري" منكرًا؛ فتُعْرَض 3 عليه اليمين، وإن أعاد كلامه الأول جُعِل ناكلاً، فتحلف المرأة ولو لم يُفعل ذلك، لعجز المُدَّعَى عليه في الدعاوى كلِّها عن الدفع بهذا الطريق، وإذا حلَفَتِ المرأة، فلا عدة عليها ولا رجعة للزوج، وإن نَكَلَت، فعليها العدَّة وقال الأصحاب: وليس ذلك قضاء بالنكول، لكن الأصْل هنا بقاء النكاح، وآثاره، فيُعْمَل بهذا الأصْل، إذا لم يَظْهر دافع، وإن جزم الزَّوْج بِتقدُّم الولادة، وقالت هي: لا أدري، فله الرجْعة، فله يقنع منها بقولها "لا أدري" والورع أن لا يُرَجِعَها، وكذا 4 الحكم لو قالا جميعًا "لا تَدْرِي السابقَ منهما" وليس لها أن تنكح حتى تمضي ثلاثة أقراء 5.

وقوله في الكتاب "وليس يقبل دعواها مع الشك" يعني أن الأصل ثبوت الرجعة، وهي مدعية لما يَدْفَعه، فلا بد من دعْوَى صحيحةِ، ودعوى الشَّاكِّ غَيْرُ صحيحة.

البَابُ الثَّانِي فِي تَدَاخُلِ العِدَّتَيْنِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالعِدَّتَانِ المُتَّفَقَتَانِ بِالأَقْرَاء أَوِ الأَشْهُرِ تَتَدَاخَلاَنِ (و) مِنْ شَخْصٍ واحِدٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَطَأَهَا الزَّوْجُ فِي العِدَّةِ فَيَكْفِيهَا ثَلاثةِ أقْرَاءٍ مِنْ وَقْتِ الوَطْءِ لَكِنِ الرَّجْعَةُ لاَ تَتَجَاوَزُ ثَلاَثةَ أَقْرَاءٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلاَقِ أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا بِأَنْ كَانَ إِحْدَاهُمَا بِالحَمْلِ انْدَرَجَتِ الأُخْرَى تَحْتَ الحَمْلِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ وَانْقَضَتَا بِالوَضْعِ وَدَامَتِ (و) الرَّجْعَةِ إِلَيْهِ فَإِنْ قُلْنا: لاَ يَنْدَرجُ فَإِنْ كَانَ الحَمْلُ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ انْقَطَعَ عِدَّةُ الطَّلاَقِ فَتَعُودُ إِلَى بَقِيَّتهَا بَعْدَ الوَضْعِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ أَوْ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ فِي البَقِيَّةِ وَهَلْ يَجُوزُ الرَّجْعَةِ قَبلَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَمَهْمَا ثبَثَ الرَّجْعَةَ ثبَتَ المِيرَاثُ وَسَائِرُ الأَحْكَامِ وَلَوْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَهِيَ حَامِلٌ انْقَضَتِ العِدَّةُ الأُخْرَى بِالأَقْرَاءِ مَعَ الحَمْلِ عَلَى الأَظْهَرِ لِأَنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّعَبُّدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمعَتْ على المرأة عدتان، فإما أن يكونا من شَخْصٍ واحدٍ أو مِنْ 1 شخصَيْن.
القِسْمُ الأَوَّل: إذا كانا من شَخْصٍ واحدٍ بأن طَلَّق زوجته، وشرعت في العدة بالأقراء أو الأشهر، ثم وطئها في العدة، إما جاهلاً إن كان الطلاقُ بائنًا، وإما جاهلاً، أو عالمًا، إن كان الطلاق رجْعيًّا، فتَتَداخل العِدَّتان، ومعْنَى التداخل: أنها تعتد بثلاثة أقراء أو بثلاثة أشهر من يوم الوطء، ويندرج فيها ما بقي من عدة الطلاق، وقدر تلك البقية يكون مشتركًا واقعًا عن الجهتَيْن جميعًا، ويجوز له الرجْعة في تلك البقية إن كان الطلاق رجعيًّا، ولا رجعة بعْدها، ويجوز تجديد النكاح في تلْك البقية وبعدها، إذا لم يكن عَدَدُ الطلَّاق مستوفَّى.
هذا هو المشهور والأظْهَرُ، ووراءه تقديران، قد أخذ بكلِّ منهما آخذون.
أحدهما: أن عدة الطلاق تنقطع من الوطء [بما طرأ] 2 من الوطء ويسقط باقيها وتَتمخَّض العدَّة الواجبة عن الوطء، هذا حكاه أبو الحسن العَبَّاديُّ عن الحليمىِّ قال: وقياسه أن لا تثبت الرجْعة في البقية، لكن الإجماع صد 3 عنه، وقد ينقطع

أثر 1 النكاح في حُكْم دون حُكْم.
والثاني: أن الباقي من عدَّة الطلاق ينقضي متمحضًا عن الطلاق، والوطء لا يوجب إلا ما وراء ذلك إلى تمام ثلاثة أقراء، وهذا ضعيفٌ، وإن كانت العدَّتان من جنْسين بأن كانت إحداهما بالحَمْل، والأخرى بالأقراء، إما بأن طلقها 2، وهي حائل، ثم وطئها في 3 الأقراء وأحبلها 4 أو بأن طَلَّقها، وهي حامل، ثم وطئها قبل الوَضْع، فهل تدْخل العدة الأُخْرَى في الحمل؟ فيه وجْهان: أشبههما الدُّخول؛ لأنَّهما من شخْص واحدٍ، فأشبهتا 5 المتجانستَيْن، فإن قلنا بالتداخل، فتنقضي العدتان جميعاً بالوضع، وله الرَّجْعة في الطلاق الرجعيِّ إلى أن تضعه إن كانَتْ عدة الطلاق بالحَمْل، وطَرَأَ الوطء، وإن كانت عدة الطلاق بالأقراء وَحَدَثَ 6 الحَمْل من الوطء، فوجهان: أظهرهما: أن الجواب كذلك؛ لأنها في عدة الطَّلاق، وإن وجَبَتْ عدة أخرى، وهذا هو المذكور في الكتاب.
والثاني: أنه لا رجْعة له؛ بناء على أن عدة الطلاق قد سَقَطَتْ، وهي الآن معتدَّة عن الوطء، وإن قلنا: لا يتداخلان، فإن كانَتْ حاملًا عند الطلاق، ووطئها قبل الوضع، فتعتد بعْد وضع الحمل بثلاثة أقراء، ولا رجْعَةَ إلاَّ في مدة الحَمْل، وإن كانت تعْتدُّ عن الطلاق بالأقراء، وحده الحْمل من الوطء فهي معتدة بالحمل عن الوطء إلى أن تَضَع، فإذا وضعت، عادت إلى بقية عدة الطلاق، وله الرجعة في تلك البقية إن كان الطلاق رجعيًّا، وهل تجوز الرجْعةُ قبْل الوضع فيه وجهان أصحهما نعم، وله تجديد النكاح قبل الوضع وبعْده، إذا لم يكن الطلاقُ رجعيًّا، ولم يحتج إلى المُحَلِّل؟ فإن العدة منْه.
وإن لم يَدْرِ أنَّ الحَمْل حدث من الوطء أو كانت حاملاً عنْد الطلاق.
قال في "التتمة": يلزمها الاعتداد بثلاثة أقراءٍ كاملة بعْد الوضع؛ لجواز أن تكون عدة الطلاق الوَضْع، وفي الفَصْل بعد هَذا مسألتان: إحداهما: حيث قلنا بثبوت الرجعة، فلو مات أحدهما، ورِثَهُ الآخر، ولو طلَّقها، لحقها الطلاق، ويَصِحُّ الظهار، والإيلاء عنها، ولو مات الزَّوْج، انتقلت إلى عدة = لشخص، وقلنا يكتفي بعدة واحدة وان بقية العدة أولى سقط أنه لا رجعة له وكذا يأتي مثله فيما إذا حملت من وطئه في العدة فكيف يحسن ادعاء الإجماع بعدم جريانه.
انتهى.

الوفاة، وحيث قلنا: لا تثبت الرجْعة، لا يثبت شيء من هذه الأحكام.
الثانية: في جميع ما ذكرناه فيما إذا كانَتْ لا ترى الدم على الحَمْل أو كانت تراه، وقلنا إنَّه ليس بحيض، فأما إذا جعلْناه حيضًا، فهل ينقضي مع الحَمْل العدة الأخرى بالأقراء؟ فيه وجهان: أظهرهما: نَعَمْ، وبه قال الشيخ أبو حامد، والقاضي الحسين 1؛ لأن البراءة معلومةٌ بالوضع، والحُكْمُ بعدَم التداخُل مع اتحاد الشَّخْص ليس إلا للتعبد برعاية صورة العدتين، وقَدْ حَصَلت.
والثاني، وبه قال الشيخ أبو محمَّد، وإلى ترجيحه مال الإِمام: أنها لا تنقضي؛ لأن الأقراء إنما يُعْتدُّ بها إذا وقَعَت في مظنة الدلالة على البراءة، وهاهنا الشُّغْل معلوم، فإن قلنا: تنقضي، فلو كان الحمل حادثًا من الوطء، فمضت الأقراء قبل الوضع، فقد انقضت عدَّة الطلاق، وليس للزوج الرجْعة بعْد ذلك، فإن وضعت الحْمل قبل تمام الأقراء، فقد نقضت عدة الوطء، وعليها بقية عدة الطلاق.
قال صاحب "التهذيب": وللزوج الرجْعة قبل الوضْع وبعده إلى تمام البقيَّة بلا خلاف 2؛ لأنها كانت ترى الدم على الحبل، وجعلناه حيضًا، فزمان الحمل محسوب من عدة الطلاق، ولو كانت حاملًا عند الطلاق، ووطئها قبل الوضع، فالأقراء محسوبة من عدَّة الوطء، وللزوج الرجْعة إلى وَضْع الحمل، فإن وضعت قبل تمام الإقراء، اكملت ما بقي من عدة الوطء، ولا رجْعة فيه.
وقوله في الكتاب "والعدتان المتفقتان بالأقْرَاء أو الأشْهر تتداخلان" يمكن أن يُعْلَم بالواو، ولأن من قال "يسقط الباقي 3 من عدة الطلاق، والعدة الواجبة ممحضة 4 لا

يحكم بدخول شَيْء من هذه في هذه، وكذا صاحب الوجه الآخر لا يقول بدخول إحداهما في الأخرى".
وقوله "وله الرجعة 1 أو تجديد النكاح في البقية" تجديد النكاح: لا يختص بالبقية، بل يجوز قبل الوضع أيضًا، وكان الأحسن أن يؤخره عن مسألة الرجعة بتمامها، ويبين جوازه على الإطلاق، واعلم أن أكثر مسائل الفَصْل مذكورةٌ في الكتاب في "باب الرجعة" معادةٌ هاهنا، وهذا الباب أحق بها ولما ذكرنا هناك في شرْحها ما فيه مقْنَعٌ ضمَمْنا أطراف الكلام هاهنا في مواضع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا كَانَ وَطْءُ الشُّبْهَةِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يتَدَاخَلَ العِدَّتَانِ (ح م و) وَلَكِنْ إِنْ سَبَقَ الطَّلاَقُ اسْتَتَمَتْ عِدَّةُ الطَّلاَقِ ثُمَّ اعْتَدَّتْ عَنِ الشُّبْهَةِ وَإِنْ سَبَقَ الوَطْءُ فَقَدْ قِيلَ: يُقَدَّمُ عِدَّةُ السَّابِقِ وَقِيلَ: النِّكَاحُ أَقْوَى فَإِنْ قَدَّمْنَا عِدَّةَ الشُّبْهَةِ أَوْ كَانَ قَدْ أَحْبَلَ فَإِنَّ الحَمْلَ يُقَدَّمُ بِكُلِّ حَالٍ فَفِي الرَّجْعَةِ قَبْلَ اشْتِغَالِهَا بِعِدَّةِ الزَّوْجِ وَجْهَانِ وَلاَ يَجُوزُ تَجْدَيدُ نِكَاحِهَا إِنْ كَانَتْ بَائِنَةً فِي حَالَةِ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ أَمَّا فِي حَالِ عِدَّتِهِ إِذَا كَانَ فِي ذِمَّتِهَا عِدَّةُ الشُّبْهَةِ فَوَجْهَانِ: قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: إذا كانت العدَّتان من شخصَيْن، كما إذا كانَتْ في عدة نكاحٍ؛ إما في عدة وفاةٍ أو طلاقٍ، أو في عدَّة وطء شبهة، فوطئها بالشبهة غيره أو نَكَحها جاهلاً، ووطئها، أو كانت المنكوحة في عدة وطء شبهة، فطلقها زوجها، فلا يتداخلان، بل تعتد عن كل واحد منهما عدةً كاملةً، وبه قال أحمد -رحمه الله-.
وقال أبو حنيفة: يتداخلان، فيكفيها عدة واحدة من وقت حدوث سَبَب الثانية، وهو أظهر الروايتين عن مالك.
لنا، بعد الأثر عن عمر وعلي -رضي الله عنهما- أنهما حقَّان مقصودان لآدمِيِّيْن، فلا يتداخلان كالديتين؛ واحتج الأودني بأن العدَّة نوع حبس يستحقه 2 الرجُل على المرأة، فلا يجوز أن تكون محبوسةً لاثنين في وقت واحدٍ، كالنكاح.
إذا عرف ذلك، فإمَّا أن يكون هناك حملٌ أو لا يكون؛ إحدى الحالتين إذا لم يكن [هناك] 3 حمْلٌ، فإن سبَق الطلاق، وطء الشبهة، أتمت عدة الطلاق؛ لتقدمها 4 ولقوتها؛ فإنها تَسْتَند إلى عَقْدٍ جائز، وسبب مسوِّغٍ، فإذا فرغت، استأنفت عدة الثاني،

جارٍ التحميل