وزوال الفراش، وليس هذا كما إذا بانَتْ زوجته بطلاق أو لعان وغيرهما، وانقضت عدَّتها بالإقراء، ثم أتت بولدٍ لما دون أربع سنين من وقْت البينونة، يلحقه الولد 1 إلا أن ينفيه باللعان؛ لأن هناك إنما يُحْكَم بانقضاء العدة ظاهراً، ومن الجائز أنها قد حاضت على الحَمْل، وكانت حاملاً يوم الإبانة 2 فألحقنا، الولد بالإمكان، وهاهنا نَقْطع ببراءة الرَّحِم بوضع الولد الأوَّل، فيكون الثاني حادثاً بعد البينونة، قال الشيخ أبو حامد -رحمه الله- وكذلك الحُكْم لو طلقها أو مات عنها، فانقضت عدَّتُها بوضح العمل، ثم أتَتْ بولدٍ لستة أشهر، فصاعدًا من يوم الوَضْع [لا] يلحقه الولد الثاني.
قال في "الشامل": ولا ينظر إلى احتمال حدوثه من وطء شبهة؛ لأن ذلك لا يَكْفِي لِلُّحوق، وإن كان محتملاً؛ لأنه بعد البينونة كسائر الأجَانِب، فلا بد من اعترافه بوطَء الشُّبْهة وادعائه الولد، وعن القفَّال: أنه إذ لم يُلاَعِن لنفْيِ الثاني، يلحقه الثاني، كما ذكرنا فيما إذا لاعن عن الولد المنفصل، ثم أتت بالثاني.
قال الرُّويانيُّ -رحمه الله-: وهذا غَلَطٌ، ولم يذكره غيره، وفي "المولَّدات" تفريعاً على ما عُهِدَ في الفصّل: أنه إذا أتتْ زوجته بولَدٍ، فنفاه باللعان، فإذا ألحق الثاني، لَحِق الأول، ولو كان بينهما ستة أشهر فأكثر 3، لحق الثاني دون الأول، ولو نَفَى الحمل، ومات، وولدت ولداً آخر، وبينهما أقل من ستة أشهر ينتفيان جميعاً؛ لأن العمل اسمٌ لجميع ما في البَطْن، وقد نفاه.
وأما قولُهُ "وبين التوءمين" إلى آخره، فإذا أتَتْ بولدَيْن من بطْنٍ واحدٍ، ونفاهما باللعان، فهما أخوان لأم أو أخوان لأب وأم.
فيه وجْهَان، قد أوردناهما في الفرائض:
أصحهما: أنهما أخوان لأمِّ لا غير، وقد ذكر في الكتاب المسأَلَة هناك، واقتصر على ذكر الأصحِّ، بم هاهنا تعرَّض للخلاف، ولا يختص الجواب بالتوءمين [المنفيَّيْن] بل يجري في غير التوءمين المنفيين بلعانٍ واحدٍ أو بلعانَيْن، وولدا الزنا يتوارثان بأخُوِّة الأم، وحكَيْنا في الفرائض وجْهاً آخر، وقد ذكر القاضي أبو الطيِّب وغيره أن ذلك الوجْه اختيار الداركيِّ، وقد يُجْمع بين المنفيين باللعان وولدي الزنا، ويقال: في كيفية توارثهما ثلاثة أوجه: الثالث: الفرق بين المنفيين باللعان فيتوارثان بأخوة الأبوين، وبين ولدَيِ الزنا، فيتوارثان بأخوة الأم، والفرق أن المنفيِّ باللعان يعرض اللحوق بأن يكذب نفسه، وولدا الزنا بخلافه، يُحْكَى وجْه الفَرْق عن أبَوَيْ علي بن أبي هريرة والطَّبَريِّ، -رحمهما الله-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): إِذَا مَاتَ الوَلَدُ فَلَهُ اللِّعَانُ (ح) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلوَلَدِ وَلَدٌ حَيٌّ وَلَوْ نَفَاهُ فَلَمَّا مَاتَ اسْتَلْحَقَهُ قَبْلُ وَوَرِثَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ نَفَى بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ اَسْتَلْحَقَ عَلَى الأَظْهَرِ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يجوز نفي الولد باللعان في حَيَاته، يجوز نفيه بعْد موته؛ لأنَّ نسبه لا ينْقَطِع بالموت بل يقال: مات ولد فلان، وهذا قبر 1 ابن فلان، ولأنه يحتاج إلى إسقاط مؤنة التجهيز والدفن، ولا فرق بين أن يخلف الميِّتَ وَلداً؛ بأن كان الرجُل غائباً، فكبر المولودَ، وتزوَّج، ووُلِدَ له، وبين أن لا يُخلِّف.
وعند أبي حنيفة: إن حلَّف ولداً، جاز نفْيُه باللعان، وإلا، فلا، ولو مات أحد التَّوْءَمَيْنِ قبل اللعان، فعندنا: له أن يلاعن وينفي الحي والميت جميعاً، وعنده: إذا مات أحدهما، استحكم نسبهما وبطل 2 النفي، ولو نفى ولداً باللعان، ثم مات فاستلحقه لحقه، وأخذ بالإرث ماله ودينه إن قُتِلَ، سواء خلَّف ولداً أو لم يُخلِّف، وذلك لأن النسب يُحْتَاط لثبوته، والظاهر: أنه لا يلزم نفسه الحدّ، ولا يلحق به غير ولده طمعاً في المال، وعنْد أبي حنيفة: إن خلَّف الميت ولداً، صح استلحاقه، وإلا، فلا، ولو نفاه بعد الموت، ثم عاد واستلحقه فيه وجهان:
احدهما: لا يلحقه؛ لأنَّه إذا نفاه بعْد الموت، فقد أسقط الإرْث، ولا رجُوع إلَيه، بخلاف النفْي في الحياة.
وأصحُّهما: اللحوق؛ لأن النَّسَب يُحْتَاط لثبوته، وإذا ثبت النَّسَب، ثبت الإرث، وعلى هذا، فلو قُسِّمت تركته، اتبعت القسمة بالنقض، وقد سب طَرَفٌ من هذا في الفرائض.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ) حَقُّ نَفْيِ الوَلَدِ عَلَى الفَوْرِ وَيسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ عَلَى قَوْلٍ وَلاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بالاِسْتِلْحَاقِ عَلَى قَوْلٍ وَيُمْهَلُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَوْلٍ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ عَلَى الفَوْرِ فَلَوْ صَبَرَ عِنْدَ الحَمْلِ إِلَى انْفِصَالِ الوَلَدِ جَازَ وَلَوْ قَالَ عَرَفْتُ الحَمْلَ وَلَكِنِ انْتَظَرْتُ الإِجْهَاضَ جَازَ عَلَي وَجهٍ وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَسْمَعِ الوِلاَدَةَ إِلاَّ مِنْ فَاجِرٍ فَلَمْ أُصَدِّقْ عُزِّرَ أَمَّا مِنْ عَدْلَيْنِ فَلاَ وَمِنْ عَدلٍ وَاحِدٍ فَوَجْهَانِ وَلَوْ قِيلَ لَهُ: مَتَّعَكَ اللَّهُ بِوَلَدِكَ فَقَالَ: آمِينَ فَهُوَ اسْتِلْحَاقٌ وَإِنْ قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً أَوْ أَسْمَعَكَ اللَّهُ مَا يَسُرُّكَ فَلاَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أتت امرأتُه بولَدٍ، فأقر بنسبه، لم يكن له النفْيُ بعد ذلك؛ لأن
للمولود حقًّا في النَّسَب، فإذا أقر، فقد التزم تلك الحقوق، ومَنْ أقر بما يُوجب عليه حقًّا من حقوق الآدميين، لم يتمكن من الرجوع عنه، وقد رُويَ عن عُمَر -رضي الله عنه- 1 أنه قال: "إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ"، وإن لم يُقِرَّ بِنَسَبه، وَأَراد نَفْيَهُ فقولان: الجديد: أن حق النفي على الفور؛ لأنه خيارٌ ثَبَت لدفع ضرر متحقَّق، فإذا لم يتأبد، كان على الفور، كالرَّد بالعَيْب.
والثاني: أنه لا يُشْترط وقوعه على الفَوْر؛ لأن أمر النسب خطيرٌ، وقد ورد الوعيد في نفْي مَنْ هو منه، وفي استلحاق مَنْ ليس منه، وقد يَحْتاج فيه إلى نظر وتأمُّل، فوجب أن يكون له مهْلة فيه، وعلى هذا فقولان:
أحدهما: أنه يمتد ثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-؛ لأنها مدة قريبة، وفيها مُهْلة النظر والتأمُّل، وقد قدَّر الشرْع بها مُدَداً.
والثاني: أن له النفي متى شاء، ولا يَسْقط إلا بالإسقاط، فهذه ثلاثة أقوال، وقد سبق في الشفعة وخيار العتق نظيرها.
وعن الشَّافعي -رضي الله عنه-: أنه قال في بَعْض كتبه: إذا عَلِمَ به، يعني بالولد، فله نفيه بعد يوم أو يومين، فعن ابن سلمة أن التقدير باليومين قولٌ آخرُ، ولم يثبته سائر الأصحاب قولاً آخر، وقالوا: المراد أو ثلاثاً إذا تقرَّر ذلك، فالفصْل يتضح بصُوَرٍ:
إحداها: إذا قلْنا: إن النفي على الفَوْر، فلو أخَره بلا عذر، سقَطَ حقُّه، ولزمه الولد، وإن كان معذوراً بأن لم يجد الحاكم لغيبته أو تعذَّر الوصول إليه، أو بلغه الخبر، فأخَّر، حتى أصبح، أو حضرَتْه الصلاة، فقدَّمها 2، أو أحرز ماله أولاً أو كان جائعاً أو عارياً، فأكل أو لبس أولاً، أو كان محبوساً أو مريضاً أو مُمَرِّضاً، لم يبْطُل حقُّه، ولكن إن أمْكَنَه الإشهاد، فعليه أن يَشْهد أنَّه على النفي، فإن لم يفعل، بَطَل حقه، وذكر ابن الصبَّاغ وغيره أن المريض، إن قَدَر على أن يُنفِذ إلى الحاكم، ويستدعي منه أن يبعث إليه نائباً، ليلاعن عنْده، فلم يفعل، بَطَل حقه، وإن لم يَقْدر، فيشهد حينئذ، وليَطرِدْ
هذا في المحبوس ومن يَطُول 1 عذْره.
وقال الشيخ أبو حامد وجماعة: المريض ومن يلازمه غريمهُ أو يلازم غريمه؛ لخَوْفِه من ضياع ماله لو تركه يبعث إلى الحاكم، ويعلمه أنه على النفي، وإن لم يقدر على ذلك، يُشْهِد، ويمكن أن يجمع بينهما، فيقال: يبعث إلى القاضي، ويُطْلعه على ما هو عليه، ليبعث إليه نائباً أو ليكون عالماً بالحال إن أخر بعث النائب، فإن ذلك أقوى من الإشهاد، وأما الغائب، فإن كان في المَوْضِع الذي غاب إلَيْه قاضٍ فنفى الولد عنْده، فذاك، ففي أمالي وإن أراد تأخيره حتى يرجع أبي الفرج: المنع من ذلك، والذي ذكره صاحب "التهذيب" و"التتمة" جوازه؛ لأن له عذراً ظاهراً فيه، وهو الانتقام منها بإشهار أمرها في قومها وبَلَدِها، وحينئذ، فإن لم يمكنه المسير في الحال لخوف الطريق وغيره، فينبغي أن يُشْهد، وإن أمكنه، فليأخذ في السَّيْر ويشهد، فإن أخَّر السير، بَطَل حقه، أشهد أو لم يُشْهد، وإن أخَذَ في السير، ولم يُشْهد، فكذلك في أصحِّ الوجهَيْن 2، وإن لم يكن هناك قاضٍ، فالحكم كما لو كان، وأراد التأخير إلى بلده وجوَّزناه.
الثانية: الحَمْل، وإن جاز نفيه، يجوز أن يؤخِّر نفيه إلى الوضع، فإن المتوهم حملاً قد يكون رِيحاً، فينفش، فلو صبر إلى أن انفصل الولد، وقال: أخَّرت؛ ليتحقق الحال، فله النفي، وإن قال: عَرَفْت أنه ولد، ولكني أخَّرت طمعاً في أن تُجْهَض؛ فلا احتاج 3 إلى كشف الأمر ورفع الستر ففيه وجهان:
أحدهما: أن له النفي؛ لأن الحَمْل لا يتيقن، فلا أثر لقوله: عرفه أنه ولد.
وأظهرهما، وهو المنصوص في "المختصر": أنه يبطل حقُّه؛ لتأخر النفي مع القدرة علَيْه ومعرفة الولد، فصار كما لو سكت عن نفْي الولد المنفصل طَمَعاً في أن يموت.
الثالثة: لو أخَّر النفي، وقال: أخَّرته؛ لأني لم أعْلَم أنها ولَدَت، فإن كان غائباً، قُبِلَ قوله بيمينه.
قال في "الشامل": إلا أن يستفيض وينتشر، وإن كان حاضراً، قُبل قوله في المدَّة التي يحْتَمِل أن يخفي الأمر، ولا يُقْبل في المدة التي لا تحتمل، ويختلف ذلك بين أن يكون في محلة أخرى أو في محلة المرأة وبين أن يكونا في دار واحدة أو دارين أو بيت
أو بيتين، ولو قال: أُخْبرت بالولادة، ولكن لم أصدِّق المخبَر، نُظِرَ؛ إن أَخْبَرَه فاسق أو صبيّ، صُدِّقَ بيمينه، وعُذِرَ، وإن أَخْبَرَه عدْلان، لم يُعْذَر؛ لأنهما مُصدَّقان شرعاً، وإن أخبره عدل واحد أو عبْدٌ ذكراً أو أنثى؟ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يُصدَّق، وُيعْذَر؛ لأنه أخبره مَنْ لا يثبت بشهادته الحق.
وأظهرهما، وهو المذكور في "التتمة": أنه لا يُصدَّق، ويسقط حقه؛ لأن روايته مقبولة 1، وهذا سبيله سبيل الإخبار، وقد ذكرنا في "الشفعة" نحو ذلك، ولو قال: عرفت الولادة، ولكن لم أعلم أن لي حَقَّ النفي، فإن كان فقيهاً، لم يُقْبل قوله، وإن كان حديثَ العَهْد بالإسلام أو ناشئاً في بادية بعيدَة، قُبِلَ، وإن كان من العَوَامِّ الناشئين في بلاد الإسلام، ففيه وجهان، كما سبق في خيار 2 العِتْق.
الرابعة: إذا هُنِّئ بالولد؛ فقيل له: متَّعَكَ الله بولدك أو جعَلَهُ لك ولداً صالحاً، أو هنئت فارساً؟ نُظِرَ؛ إن أجاب بما يتضمن الإقرار والاستلحاق؛ كقوله "آمين" أو "نعم" أو "استجاب الله دعاءك"، فليس له النفي بعْد ذلك، وإن أجاب بما لا يتضمَّن الإقرار؛ كقوله "جزاك الله خيراً"، أو "بارك عليك"، أو "أسمعك ما يسرك"، أو "رزقك مثله" لم يبْطُل حقه من النفي، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه لا يَتضمَّن الإقرار، والظاهر أنه قصد مكافأة الدعاء بالدعاء، والله أعلم.
فرُوعٌ وصور نختم بها اللعان، بمعونة الله تعالى:
إحداها: إذا اختلف الزَّوْجَان بعد قَذْف الزوج إيَّاها، فقالت الزوجة: قَذَفنِي قبل النكاح، فعلَيْكَ الحد ولا لعان، وقال الرجل: بل بعد النكاح، فهو المُصدَّق بيمينه؛ لأنه القاذف، فهو أعلم بوقْت القَذْف؛ ولأنهما لو اختلفا في أصْل القَذْف، كان القول قوله، فكذلك إذا اختلفا في وقْته، ولو اختلفا بعْد حصول الفُرْقة بيْنَهما، فقالت: قذفَتني بعْد ارتفاع النكاح، وقال الزوج: قبل ارتفاع النكاح، فكذلك الجواب، ولو قال: قذفْتُكِ وأنتِ زوجتي، وقالت: ما نكَحْتَني قطُّ، فهي المُصدَّقة بيمينها، ولو قال: قَذَفْتُك وأنْتِ مشركة أو أمَةٌ، وقالت: قذَفْتِنِي وأنا مسْلِمةٌ حرةٌ فإن علم لها حالةُ كُفْر أَوْ
رِقِّ، صُدِّق بيمينه، ولم يلزمه إلا التعزير، وإن لم يُعْلَم لها حالة كُفْر أو رِقٍّ، فالقول قولُها مع يمينها في أصح القولين.
والثاني: أن القول قوله بيمينه 1، ولا يجيء هذا القول في الصورة السابقة، وهي قولها: ما نكحتني أصلاً؛ لأن الزوج إذا قال: قذفْتُكِ وأنتِ مشركةٌ أو أمةٌ، لم يكن مقراً بقذف يوجِبُ الحدَّ، وإذا قال: قذفتك وأنتِ زوجتي، كان مقرًّا بقذف يوجب الحد، لكنه يَدَّعِي ما يتوصَّل به إلى رفع الحد، وهي تنكره، ذكره الشيخ أبو عليٍّ، ولو قال: قَذَفْتُكِ، وأنتِ مجنونةٌ، فهو كما لو قال: وأنتِ أمةٌ، ولو قال: وأنتِ صغيرةٌ وأنْكَرَتْ فالمُصدَّق القاذف بيمينه، ولا يخْفَى أن هذه الصورة لا تختص بالزوجين، وأن الكلام فيما إذا كان كلُّ واحد من الكلامين في محَلِّ الاحتمال، ولو قال لمن قذفه من زوجة وغيرها قذفتك، وكنتُ مجنوناً يوم القذف، وأنكر المقذوف وقوعه في الجنون.
فطريقان:
أحدهما: أنه إن عُرِف له جُنُون أو قامت عليه البينة، فقولان في أن المُصدَّق القاذف أو المقذوف؟ والقولان مبنيان عند بعضهم على القولَيْن فيما إذا قَدَّ ملفوفاً بنصفين، واختلف القادُّ ووارث الملفوف في أنه هل كان حيًّا حينئذ، وإن لم يثبت له جنون، فالمُصدَّق المقذوف؛ أخْذاً بأن الظاهر، والغالب السلامة.
والطريق الثاني: أنه، إن ثَبَت له جُنُون، فالمُصدَّق القاذف، وإن لم يَثْبُت فيُصدَّق أيضاً؛ لأن الأصْل براءة الذمة، أو يصدق المقذوف؛ لأن الأصل عدم الجنون؟ فيه قولان، ويخرج من الطريقين ثلاثةُ أقوال: تصديق القاذف مطلقاً، وتصديق المقذوف مطلقاً، والفرق بين أن يُعْهد له جنون؛ فيُصدَّق القاذف أوْ لاَ يُعْهد؛ فيُصدَّق المقذوف، وهو الأصحُّ، ولو قال: قذَفْتُكِ وأنا صبيٌّ، فالصبا كالجنون المعهود، ولو قال: جرى القذف على لساني، وأنا نائم، لم يُقْبَل؛ لبعده، ولو أقام القاذف بَيَّنةً على أن القَذْف كان في الصغر أو الجنون، والمقذوفُ بينةً على أن القَذْف في حالة الكمال، فإن كانت البَيِّنتَان مطلقتين أو مؤرختين بتاريخين [مختلفين] 2 أو إحداهما مطلقةً، والأخرى مؤرخةً، فلا تعَارُض، وهما قذْفَان، وعليه الحد؛ لِمَا وقع منهما في حالة الكمال، وإن كانتا مُؤَرَّخَتَيْن بتأريخ واحدٍ، فهما متعارضتان، وفي صورة التَّعارُضِ أقوالٌ معروفةٌ.
قال الإِمام -رحمه الله-: ولا يجري هاهنا القسْمة، ولا الوقف، وحكى عن القاضي الحُسَيْن -رحمه الله- قول القرعة، واستبعده، وقال: الوجه القطع بالتهاتر، وحينئذ، فالحكم كما لو لم تكن بيِّنة، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وحيث
صدَّقنا القاذف بيمينه، فلو نكل، وحلف المقذوف، وجَب الحدُّ على القاذف، ويجوز اللعان في الزوجة.
[الثالثة]: إذا صدَّقته المرأة في القذف، واعترفَتْ بالزنا بعْدَما لاَعَنَ الزوْج تأكد لعانه، وحَدُّ القذف مندفع عنْه، وحَدُّ الزنا واجبٌ عليها، فإن كانَتْ قد لاعَنَتْ، فعليها حدُّ الزنا؛ لاعترافها إلا أن ترجع عن الإقرار، وإن صدَّقته قبل لعانه أو في أثناء لعانه، سَقَط عنْه الحدُّ، ووجب عليها حد الزنا، والظاهر أنه لا يُلاعِن بعد ذلك، ولا يتم اللعان، إذا صدَّقته في أثنائه إلا أن يكون هناك ولَدٌ ينفيه، وعند أبي حنيفة: إذا صدقته لم يكن له اللعان، ولزمه الولد؛ لأنه لا يصح منها اللعان مع التصديق، ولا يلزمه الحَدُّ بالاعتراف مرة واحدة، وإذا سقط لعانها، سقط لعانه، وقال الشَّافعي -رضي الله عنه- كيف تَنْفِي ولد العفيفة، وتُلْزمه ولد الزانية المُقرَّة بالزنا.
[الرابعة]: إذا مات أحد الزوجين قَبْل أن يتم لعان الزوج، ورثه الآخر، ثم إن كان المَيِّت الزوْج، استقر نسب الولد، فليس للوارث نفيه، وإن كان الوارث يلحق بإقراره النسب بالمورث، فان الاستلحاق أقوى من النفي؛ ولذلك يجوز الاستلحاق بعد النفي، ولا يجوز العَكْس: وإن ماتَتْ هي، فيجوز له إتمام اللعان، إن كان هناك ولدٌ، وإن لم يكن هناك ولَدٌ، نُظِر؛ إن لم يكن لها وارث غير الزوج؛ بأن كان ابن عمر، وفرَّعنا على الأصح، وهو أن حدَّ القذف يثبت لجميع الورثة، قرب الحد فيرث ويسقط وكذا لو لم يرثها غير الزوج وأولاده منها لأن الولد لا يجوز له أن يستوفي حدَّ القذف من أبيه، وإذا سقط الحد، ولا ولد، فقد مَرَّ أنه لا يجوز اللعان لسائر الأغراض، ولو كان يرثها غيْر الزوج وأولاده، فما يرثه الزوج وأولاده يسقط، ويجيْء الخلاف فيما إذا سَقَط بعْض الحد بِعَفْوِ بعْض الورثة، إن قلنا: يسقط الكل، فكذلك هاهنا، كما لو ورث جميع الحد، وإن قلنا: للباقين المطالبةُ بجميع الحد أو بقِسْطِهم، وطلبوا، فله اللعان للدفع، وفي جواز اللعان قبل المطالبة الخلافُ السابق.
[الخامسة]: عبد قذف امرأته ثم عَتَقَ، فطالبته المرأة، فله اللعان، فان نكل حُدَّ حَدَّ العبيد؛ لأنه وجب عليه في الرق، فلا يتغيَّر الواجب بانتقاله إلى الحرِّيَّة، وكذا لو زنى العبْدُ، ثم عَتَقَ، لا يُحَدُّ إلا حَدَّ العبد، والذمي إذا قَذَفَ أو زنا، ثم نقض العهد، فَسُبِيَ، واسترق، حُدَّ حَدَّ الأحرار، ولو كانت الزوجة أمةً، فنَكَلَتْ عن اللعان، فليس عليها إلا التعزير، وإن لاعن حُدَّتْ حَدَّ الإماء، وإن عَتَقَتْ بعْد القذف، وإن قذف المسلم زوجته الذمية أو الصغيرة أو المجنونة، ثم طلبت الذمية أو طلبتا بعد البلوغ والإفاقة، فإن نَكَل، فعليه التعْزير، وإن لاَعَنَ، ونَكَلَت الذمية، فعليها حدُّ الزنا، وإن نكلت الأُخرَيان، فلا شيْء عليهما.
[السادسة]: وفي "التتمة": أن الملاعن، لَوْ قَتَل الذي نَفَاه، وقلنا: يلزمه القصاص، فاستلْحقه، بحُكْم بثبوت النَّسَبِ وسقوطِ القِصَاص، وأن الذمِّيَ إذا نَفَى ولداً، ثم أسْلَم، لم يتبعه المنْفِيُّ في الإسلام، ولو مات وقسم ميراثه [بين] أقاربه الكفار، ثم استلحقه الذمي الذي أسلم، ثبت نسبه وإسلامه، واسترد المال، وصرف إليه، وأن المنفي باللعان، إذا كان قد وُلِدَ على الفراش الصحيح، لو استلحقه غيره لم يصح كما لو استلحقه قبل أن ينفيه صاحب الفراش؛ لأنه، وإن نفاه، فحق الاستلحاق باقٍ له، فلا يجوز إبطاله علَيْه، ولو كان يْلحَقُه نسبه بالشبهة أو بالنكاح الفاسد، فنفاه، ثم جاء غَيْره، واستلحقه، لَحِقَه؛ لأنه لو نازعه فيه قبل النفي، تسمع دعواه.
[السابعة]: فيما جمع في فتاوى القَفَّال وغيره: أن سقوط حد القذف عن القاذف، وعدم حد الزنا على المقذوف لا يجتمعان إلا في مسألتين:
إحداهما: إذا أقام القَاذِف بينة [على زنا المقذوفة، وأقامت هي بينة على] أنَّها عذراء.
والثانية: إذا أقام شاهِدَيْن على إقرار المقذوف بالزنا، وقلنا: الإقرار بالزنا لا يثبت بشاهدَيْن، ففي سقوط الحد عن القاذف وجْهان، والظاهر السُّقُوط، وكان المراد ما سوى صورة التلاعن، فإن الزوجَيْن إذا تلاَعَنَا، اندفع الحدان، ولو أقام البينة على إقرار المقذوف بالزنا، سقط عنْه الحد، رجع المقذوف عن الإقرار، سقَطَ عنْه حدُّ الزنا، ولا يُقْبل رجوعه في حقِّ القاذف، فلا يلزمه الحدُّ، وهذه مسألةْ أخرَى اجتمع فيها سُقُوط حدِّ القذف عن القاذف، وعدم الحد على المقذوف 1.
أتت زوجته 2 بولد، وادَّعَت أنها ولَدَتْه على فراشه، وأنكر الزوج، فقَدْ سَبَق أن القول قولُه، وعليها البينة وأنه، إن نكل، فالظاهر أن اليمين تُرَدُّ عليها، وأنها، إن نكَلَتْ، فتنتهي الخصومة نهايتها، وينقطع النسب عنه، أو توقف الأمر إلى أن يبلغ الولد، فيحلف؟ فيه وجهان، ذكر الشيخ أبو محمَّد -رحمه الله- في السلسلة أن هذَيْن الوجهَيْن ينبنيان على الوجهَيْن، فيما إذا ادَّعَى السيد أنَّه جُنِي على العبْد المرهون جنايةً
تُوجب المَالَ، واستحْلَف الجاني، فنكل، ورُدَّت اليمين على الراهن، فنكل، تنتهي الخصومة نهايتها أو ترد على المرتهن لتعلُّق حقه بالعبد؟ وأن الوجهَيْن في هذه المسألة مبنيَّان على وجهَيْن فيما إذا أقرَّ الراهن بان العَبْد المرهون كان قد جَنَى قبل الرَّهْن، وادعاها المجنيُّ عليه، وأنكر المرتهن، فقلنا: إنه يُصدَّق بيمينه، فلم يحلف، وقلنا: ترد اليمين على الراهن، فنكل، فهل تُرَدُّ اليمين على المجنيِّ عليه، وأن الوجهَيْن في هذه المسألة ينبنيان على قولَيْن فيما إذا أوْصَى لأم ولده بعبد فقُبِل قبل قَسامه، ومات السيد قبل القَسَامة، ونكل وارثه عن اليمين، هل تُرَدُّ اليمين على أمِّ الولد؟ وأن القولين في هذه المسألة مبنيان على قولَيْن، في أنَّ مَنْ باع منْ إنْسَان، فأفْلس المشتري، وهي مطلعة، فاختار البائع عين ماله، وتأبرت النخلة، واختلف المتبايعان، فقال المشتري: أبرتها قبل أن فسخت العقد، فالثمرة لي، وقال البائع: بل فسخت قبل التأبير، والثمرة لي، فعرضنا اليمين على المشتري؛ ليُعْمَل بقوله، فنكل، هل ترد اليمين على الغُرَماء؟ وأن القولين في هذه المسألة ينبنيان على قولَيْن، فيما إذا مات، وعليه دين، وأقام الوارث شاهداً واحداً على دَيْن لمورثه على إنسان، ونَكَل عن اليمين مع الشاهد، هل تُرَدُّ اليمينُ على الغريم؟ وهذه سلسلة طَوَّلَها الشيخ، وقد يقال: بناء الوجهين على مسألة على قولَيْن، في أخرى معهود، فأما بناء قولَيْن في مسألة على قولَيْن في أخْرَى، ووجهين في مسألة على وجهَيُن في أخرى، فلا يكاد يترجَّح عَلَى عكسه، والله أعلم.