العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 546-5

ابن أخيها أوابن عمها، ولا تمنعه البنوة عن التزويج بالجهة الأُخْرَى.
وقوله في الكتاب: "ثُمَّ الْجَدُّ، ثم الأخ" يجوز أن يكون عليه ميم؛ لأن صاحب الشَّامِلِ حكى عن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ الأخ مُقَدَّمٌ على الجد.
وقوله: "على ترتيبهم في الميراث"، لا يمكن رده إلى جميع المذكررين؛ لأن الأخ في الميراث لا يتأخر عن الجد، وإنما يُرْجِعُ إلى من بعدهما.
وقوله: "لا يُقَدَّمُ على الأخ من الأب" معلم بالحاء والميم والزاي.
وقوله: "وإن قدم في الميراث، وصلاة الجنازة، والوصية للأقرب" [التقديم في الميراث لا خلاف فيه، وفي صلاة الجنازة والوصية للأقرب] 1 طريقان ذكرناهما في البابين، فيجوز أن يعلما بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُعْتَقُ إِذَا مَاتَ فَعَصَبَاتُهُ، ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَاتُ مُعْتِقِهِ، وَتَرْتِيبُ عَصَبَاتِ المُعْتِقِ كَعَصَبَاتِ القَرَابَةِ، إِلاَّ أَنَّ أَخَ المُعْتِقِ يُقَدَم عَلَى جَدِّهِ عَلَى رَأَيٍّ وَيُسَاوِيهِ عَلَى رَأَيْ، وَابْنُ الأَخ أَيْضًا يُقَدَّمُ في وَجْه، وَيؤَخَّرُ في وَجْهٍ لِبُعْدِهِ، وَابْنُ المُعْتِقِ مُقَدَّمٌ عَلَى أَبِيهِ لأَنَّهُ العَصَبَةُ، وَإِذَا أَعْتَقَتِ المَرْأَة فَلَهَا الوَلاَءُ، وَتَزْوِيجُ العَتِيقَةِ إِلَى وَليِّ السَّيِّدَةِ، وَلاَ يُفْتَقَرُ إِلَى رِضَا السَّيِّدَةِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَيُزَوِّجُهَا أبو السَّيِّدَةِ في حَيَاتِهَا، وَابْنُهَا (و) بَعْدَ وَفَاِتِها.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَأَمَّا المعتق إِذَا مَاتَ فَعَصَبَاتُهُ ثُمَّ مُعتَقَةٌ ثُم عَصَبَاتُ مُعتَقَهِ الَّتي لَيْسَتْ لَهَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ النَّسَبِ وَعَلَيْهَا وَلا ينظر فيها إِنْ كَانَ قد أعتقها رَجُلٌ فولاية التزويج له فإن لم تكن أو لم يكنَ بصفة الولاء، فلعصباته، ثم لمعتقه، ثم لعصبات معتقه، وهكذا على ترتيبهم في الميراث، وترتيب عصبات المعتق في التزويج كترتيب عصبات النَّسَبِ إلا في صوَرٍ: إحداها: جد المرأة أولى من أخيها وفي جد المرأة المعتق وأخيه قولان كما ذكرنا في الميراث: أحدهما: أنهما يستويان.
والثاني: يتقدم الأخُ والتوجيه، والترجيح على ما بيناه هناك، وإذا اجتمع جد المعتق وابن أخيه، فإنْ قَدَّمْنَا الأخ على الجد فيقدم ابن الأخ أيضًا لقوة البنوة، وإن سوينا بين الأخ والجد، فيقدم الجد على ابن الأخ للقرب، وقد ذكرنا في الميراث وجهًا

في التفريع على هذا القول، أنهما يستويان، فيجوز أن يطرد هنا.
والثانية: ابنُ الْمَرْأَةِ لا يلي تزويجها وابن المعتق يلي ويتقدم على أبيه عند الاجتماع؛ لأنه العصبة والأب معه صَاحِبُ فَرْضٍ.
الثالثة: ذكرنا في النَّسَبِ قولين في الأخ من الأبوين، والأخ من الأب أنهما يستويان أو يتقدم الأخ من الأبوين، وإذا اجتمع أخو الْمُعْتَقِ من الأبوين وأخوه من الأب فطريقان: أحدهما: طرد القولين.
وأظهرهما: وبه أجاب الشَيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: القطع بتقديم الأخ من الأبوين؛ لأن التزويج بالولاء يتعلق بمحض العصوبة، وبالقرابة لا يتعلق بمحض العصوبة؛ ألا ترى أنَّ ابنَ الْمَنْكُوحَةِ لا يزوجها، وابن المعتق يلي التزويج، وَيتَقَدَّمُ عَلَى الأبِ، والأخ من الأبوين أقوى عصوبة بدليل الميراث.
وفي "النِّهَايَةِ" بدل هذه الطريقة طريقة قاطعة باستوائهما؛ لأن قرابة الأم لا أثر لها في الولاية [والولاء] 1 وقد استويا في قَرَابَةِ الأَب هذا إذا أعتقها رجل فإن أعتقتها امرأة، فلا ولاية لها، وإن كان لها الوَلَاءُ، لأنه لا عَبارة للنِّسَاءِ في النِّكَاحِ ومن يزوجها إن كانت [المعتقة] 2 حَيّةً فعن صاحب "التَّلْخِيْصِ" أنَّ السُّلْطَانَ يزوجها؛ لأن من له الولاء ليس له التزويج، فكيف يزوج من يدلي به.
والمذهب المشهور أنه يزوجها من يزوج المعتقة، ويجعلى الولاية عليها تبعًا للولاية على المعتقة، وعلى هذا فيزوجها أبو المعتقة، ثم جدها على ترتيب الأولياء، ولا تزويجها ابْنُ الْمُعْتَقَةِ، ويشترط في تزويجها رضاها وفي رضي المعتقة وجهان: أصحهما: أنه لا حَاجَةَ إليه؛ لأنه لا وَلاَيَةَ لَهَا وَلاَ إجْبَارَ.
والثَّانِي: يشترط؛ لأن الولاء لها والعصبات يزوجون [لإدْلاَيهِمْ] 3 بها فلا أقل من مراجعتها، فعلى هذا إن [عضلت] 4 ناب السُّلْطَانُ عَنها في الإِذن والتزويج إلى أوليائها، وَأَمَّا إذا ماتت المعتقة، فَمَنْ لَهُ الْوَلاَءُ على العتيقة من عصبات المعتقة هو الذي يزوجها، ويتقدم الابن علي الأب عند الإجتماع، وتعود الصورة المذكورة في مفارقة عصبات الولاء عصبات النسب فيما إذا كان المعتق رجلًا هذا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ في طريق حياة المعتقة وموتها، ووراءه وجهان:

أحدهما: أَنَّ أَبَا الْمُعْتَقَةِ هُوَ الَّذِي يُزَوِّجُهَا وَإِنْ مَاتَتْ الْمُعْتَقَةُ؛ لأنه كان أولى بتزويج المعتقة، فَيُسْتَدَامُ هذا الْحُكْمُ في حق العتيقة.
والثَّاني: حكاه الشَّيْخُ أبُو الْفَرَج السَّرْخَسِيُّ: أنه يزوج العتيقة في حياة المعتقة أيضًا ابنها؛ لأنه أحقّ بالعصوبة والولاء، وَهذا قد نقله الإِمَامُ أيضًا عن رواية الشَّيْخ أبي علي فَقَالَ: إنه حَكَى وَجْهَيْنِ فيما إذا كانت المعتقة حية أنه يزوج العتيقة أيضًا أبوها أو ابنها لكنه يتبين عند إمعان النَّظَرِ في كلام الشَّيْخُ أنه أراد حكاية الوجهين عند موتها لا في حياتها، وليعلم لما شرحناه.
قوله في الكتاب: "وتزويج العتيقة إلى ولي السيدة" بالواو وكذا قوله: "أبو العتيقة" -وكذا قوله: "وابنها بَعْدَ مَوْتِهَا".
فروع: مهما اجتمع عدد من عصبات المعتق في درجة كالبنين والأخوة، فهم كالأخوة في النَّسَبِ إذا زوجها أحدهم برضاها صح، ولا يُشْتَرَطُ رضي الآخرين.
ولو أعتق الأَمَةَ اثنان، فلا بدّ من رضاهما، فإما أن يوكلا أو يوكل أحدهما الآخر، أو يباشرا العقد معًا؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ المُعْتَقِيْنَ إنما يثبت له الولاء على بعضها بحسب الملك، فكما يعتبر اجتماعهما على التزويج قبل الإِعتاق يعتبر في التزويج بعده.
وإذا كَانَ المعتق واحدًا، فالولاء على الجميع له، وَكُلُّ وَاحِدٍ من ابنيه قائم مقامه في تزويج عتيقته.
ولو أراد أحد المعتقين أن يتزوج بها لم يجز إلاَّ بموافقة السلطان للآخر.
ولو مات أحدهما عن ابنين، أو أخوين كفي موافقة أحدهما المعتق الآخر.
وَلَو مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما عن ابنين كفي موافقة أحد ابني هذا أحد ابني ذلك.
ولَوْ مَاتَ أحدهما وورثه الآخر استقل بتزويجها؛ لأنه استحق الولاء على جميعها.
فَرْعٌ: لو كان المعتق خُنْثَى مشكلًا ينبغي أن يزوجها أبوه بإذنه، ليكون قد زوجها وكيله بتقدير المذكورة، أو وليها بتقدير الأنوثة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالرَّقِيقَةُ نِصْفُهَا يُزُوِّجُهَا المَالِكُ مَعَ الوَليِّ أَوْ مَعَ الْمُعْتِقِ أَوْ مَعَ القَاضِي فَفِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ.
قال الرافِعِيُّ: في التي بعضها حر وبعضها رقيق وجهان: أصحهما: أنه يجوز تزويجها وعلى هذا فالبعض الرقيق يتعلق تزويجه بمالكه، وفيمن يُزَوَّجُ معه اختلاف مبني على أنَّ مثل هذا الشَّخْصِ هل يورث؟.
وفيه قولان قدمناهما -فإن قلنا بالجديد- وهو أنه يورث؛ فوجهان: أصحهما: وبه أجاب ابنُ الْحَدَّادِ: أنه يزوجها معه الولي القريب فإن لم يكن

فمعتق البعض الحر فإن لم يكن فالقاضي وفاءً بِحَقِّ الحرية.
والثاني: أَنَّ الْقَرِيبَ لا يزوجها؛ لأن القرابة لا يجوز أن تثبت مع بعض الشخص دون بعض، فكذلك الولاية المرتبة عليها لا تتبعض.
وعلى هذا فوجهان: في وَجْهٍ: يزوجها معه معتق البعض؛ لأن الولاء قد ثبت على بعض الشخص فجاز أن تتبعض الولاية الثانية بها، وهذا أظهر عند الإِمَامِ.
وَفِي وَجْهٍ: يزوجها معه السُّلْطَانُ، والقريب يمنع المعتق من التزويج كما يحجبه عن الميراث.
وأما السُّلْطَانُ فإنه يزوج بالولاية العامة إذا تعذرت الأسباب الخاصة، وإن قلنا: إنه لا يورث فيبني على أن ما ملكه ببعضه الحر يكون لمالك البعض، أو لبيت المال -وفيه وجهان سَبَقَ ذِكْرُهِمَا.
فإن قلنا: إنه لمالك البعض فوجهان مرويان في "الشَّامِلِ": أحدهما: أنه ينفرد المالك بتزويجها كما يجوز مَالها.
والثاني: يزوجها معه معتق البعض بالولاء.
وإن قلنا: إنه لبيت المال فيزوجها معه السُّلْطَانُ.
والوجه الثاني: في أصل الْمَسْأَلَةِ: أنها لا تزوج أصلًا لضعف الملك والولاية لتبعض الرق والحرية.
وهذا كقول يُرْوَى في أنَّ السَّيِّدَ لا أم الولد يزوج لضعف الملك فيها فإذا تركت البناء واختصرت قلت: في الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ لا تزوج يزوجها مالك البعض استقلالًا يوافقه القريب موافقة معتق البعض يوافقه السلطان، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب "يزوجها المالك" بالواو للوجه الثاني، ولفظ "الولي" أراد به القريب وَإِلاَّ فالاسم ينظم المعتق والقاضي أيضًا.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في سَوَالِبِ الوِلاَيَةِ)

وَهُوَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ: الرِّقُّ) فَلاَ وِلاَيَةَ لِرَقِيقٍ، وَلَهُ عِبَارَةٌ فِي القَبُولِ، وَفِي التَّزْوِيج بِالوَكَالَةِ (و) بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَغَيْرِ إِذْنِهِ.

القول في موانع الولاية

قال الرَّافِعِيُّ: من موانع الولاية "الرق" لما في الرقيق من النقصان وعدم تفرغه للبحث والنظر، ويجوز أن يتوكل عن غيره في قَبُولِ النِّكَاحِ إذا أذن السَّيِّدُ، وإن لم يَأْذَنْ فكذلك في أَصَحِّ الوجهين وقد ذكرنا الْمَسْأَلَةَ في "الوكالة"، ولو توكل في التزويج ففيه وَجْهَانِ أوردهما صَاحِبُ "الكتاب" في "الوكالة" وَادَّعَى أَنَّ الأَظْهَرِ الجواز وَبِهِ أجَابَ هُنَا، وَنَحْنُ قد بَيَّنَا هناك أنَّ الأَظْهَرَ عند عامة الأصحاب المنع؛ لأنه لا ولاية له على ابنته فلا ينوب فيها عن غيره، فليعلم قوله: "وفي التَّزْوِيجِ بالوكالة" بالواو.
وليعلم أنَّ

الأَظْهَرَ خلافه وَأَمَّا قوله: "وله عبارة في القَبُولِ" فيمكن أن يفصل عما بعده، وحينئذٍ فيكون الْمُرَادُ أَنَّ عبارته في القبول صحيحة في الجملة، ويمكن أن يجعل متصلًا بما بعده فيكون المعنى أن عبارته في القَبُولِ والإيجاب معًا بالوكالة صحيحة، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يجوز أن يعلم قوله: "وغير إذنه" بالواو للوجهين في جواب قبوله بغير إِذْنِ السَّيِّدِ.
وقوله في أول الْفَصْلِ الأَوَّلِ: "الرق" كان من حق لفظ "السوالب" أن يقول: الأولى والثانية: لأنها جَمْعُ سَالِبَةٍ إلاَّ أنه ذكر على المعنى وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي مَا يَسْلُبُ النَّظَرَ) كَالصَّبَا وَالجُنُونَ وَالعَتَهِ وَالسَّفَهِ وَالسُّكْرِ، والمَرَضِ الشَّدِيدِ المُلْهِي يَنْقُلُ الوِلاَيَةَ اِلَى الأَبْعَدِ، وَالإِغْمَاءِ يَنْقُلُهَا بَعْدَ ثَلاَثةِ أَيَّامِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَالجُنُونُ المُتَقَطِّعُ يَنْقُلُ (و) إِلَى الأَبْعَدِ، وَالعَمَى لاَ يَقْدَحُ عَلَى وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن موانع الوَلاَيَةِ مَا يَسْلُبُ النَّظَرَ وَالْبَحْثَ عَن حَالِ الأزواج واختيارهم، وَفِيْهِ صُوَرٌ: إحداها: الصِّبَا يمنع الولاية؛ فهذا كان الأقرب صبيًا زوجها الأبعد، ولا يخفى أن هذا إنما يتصور في غير الأب والجد، والجنون المطبق كالصَّبِي في منع الولاية ونقلها إلى الأبعد، وفي الْجُنُونِ الْمُنَقَطَّعِ وَجْهَانِ: أحدهما: أَنَّ الجوَابَ كذلك، ويزوجها الأبعد في يوم جُنُونه لبطلان أَهْلِيَّتِهِ وزوال ولايته في نفسه وماله، وَهَذَا أَصَحُّ عَنْدَ الْقَاضِي ابنِ كَجٍّ والإِمام، وهو المذكور في "الكتَابِ".
والثاني: أنه لا يزيل الولاية؛ لأنه يشبه الإغماء من حَيْثُ إنه يَطْرَأُ ويزول وَهَذَا أَصَحُّ عَنْدَ صَاحِب "التَّهْذِيْبِ" وعلى هذا فعن الحَنَّاطِيَّ وغيره وجه: أنه يزوجها الحاكم كما في الغيبة واَلمشهور أَنه ينتظر حتى يفيق وَالْخِلاَفُ جار في [الثَّيِّب] 1 المنقطع جنونها.
فعلى رأي: تزوج في حال الجنون.
وعلى رَأْيٍ: ينتظر إفاقتها لتأذن.
ولو وكل هذ الولي في نوبة إفاقته فيشترط أن يقع عقد الوكيل قبل معَاوَدَةِ الْجُنُونِ، وكذا إذا أذنت الثيب يشترط تقدم العقد على معاودة الجنون.
قال الإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا قصرت نوبة الإِفاقة جدًا لم يكن الحال حال تقطع الْجُنُونِ؛ لأنَّ السُّكُوتَ اليسير لا بدّ وأن يعرض مع إطباق الجنون، ونقل وجهين للأصحاب فيما إذا أفاق وبقيت فيه آثار من الخبل يحتمل مثلها ممن لا يعتريه الْجُنُونُ على حدة في الخلق أنه تعود الولاية، أو يُسْتدامُ حكم الجنون إلاَّ أن يصفو حاله عن الخبل.

الصورة الثانية: اختلال العقل والنظر إما لهرم أو لخَيَلٍ جبلي أو عارض يمنع ثبوت الولاية للعجز عن اختيار الأزواج، وعدم العلم بمواضع الحظ، وتنتقل الولاية إلى الأبعد وَالمُفْلِسُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ ولي لكمال نظره، والحجر عليه لحق الغرماء لا لنقصان فيه.
وَأَمَّا السَّفِيْهُ المحجور عليه فالمشهور أنه لاَ يَلِي لأَنَّ الْحَجْرَ عليه لنقصانه، فلا [يحسن أن يفوض إليه] 1 أمر غيره.
وَحَكَى صَاحِبُ "الْمُهَذَّب" مع هذا وجهًا جيدًا: أنه يلي لأنه كامل النظر في مصالح النِّكَاحِ، وإنما حُجِرَ عَلَيْهِ لئَلاَّ يضيع ماله، وإذا قلنا بالمشهور ففيه مُبَاحَثَةٌ وهي أن الحجر على السفيه قد يتعلق بِالْفِسْقِ كما يتعلق بالتَّبْذِيرِ حَتَّى لَو بلغ مفسدًا لماله وفي دينه يستمر الحَجْر عليه ولو بلغ مصلحًا لهما ثم عاد الفسق، أو التبذير ففي إعادة الْحَجْرِ خِلاَفٌ مذكور في موضعه، وِاذَا حَصَلَ الْفِسْقُ وَقُلنَا أَنَّهُ يَسْلُبُ الولاية، فَلاَ أَثَرَ للِتَّبْذِيْرِ ولا للحجر، وَإِنَّمَا يظهر أَثَرُهِمَا إِذَا لَمْ يوجد الْفِسْقُ أَوْ لَمْ يجعله سَالِبًا للولاية، وَإِذَ وجد التبذير المقتضي للحجر ولم نحجر عليه بَعْدُ، فما ينبغي أن تزول الولاية.
الصورة الثالثة: الإِغماء إن كان مما لا يُدُومُ غالبًا كهيجان المرة الصفراء، أو الصَّرَعُ فهو كالنَّوْمِ فينتظرَ إفاقته ولا يزوجها غيره، وَإِنْ كان مما يدوم يومًا أو يومين أو أكثر فوجهان: أَحَدُهُمَا: نقل الولاية إلى الأبْعَدِ كالجنون.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه قَرِيْبُ الزَّوَالِ، وعلى هذا ففي "التَّهْذِيبِ" وغيره: أنه ينتظر إفاقته كالنَّائِمِ ينتظر استيقاظه.
وقال الإمَامُ: ينبغي أن تعتبر مدته بالسَّفَر فإن كانت مدته مدة معلومة ينتظر فيها مراجعة الولي الغائب وقطع المسافة ذهابًا وإيابًا، فينتظر إفاقته، وإن كانت مدة لا يؤخر التزويج فيها لمراجعة الغَائِب ذِهَابًا وَإيابًا قيل يزوجها الحاكم فَكَذَا هنا، والرجوع في معرفة مُدَّتِهِ إلى أهل الخبرة، فإذا قالوا: إنه من القسم الثاني جاز تزويجها في الْحَالِ.
الصورة الرَّابِعَةُ: السُّكْرُ إن حَصَلَ بسبب يفسق به وقع الكلام في أَنَّ الفَاسِقَ هل يلي؟.
إن قلنا: لا يلي، فذاك.
وإن قلنا: يلي أوَ حَصَلَ بسبب لا يفسق به بأن كَانَ مُكْرَهًا أو غالطًا فإن لم ينفذ تصرف السَّكْرَانُ فالسُّكْرُ كَالإِغْمَاء، وإن جَعَلْنَا تَصرُّفَهُ كتصرف الصَّاحِي، فمنهم من صَحَحَ تَزْوِيْجَهُ، ومنهم من مَنَعَ لإختلال نظره وبه قال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ.

والظاهر من ذلك كُلِّه أنه لا يزوج، وَأَنَّهُ ينتظر إفاقته وبه أَجَابَ في "التَّهْذِيْبِ" ثم الخلاف فيما إذا بقي له تمييز، ونظر فأما الطامح الذي سَقَطَ تَمْيْيزُهُ بِالْكُلِّيَّةِ فكلامه لَغْوٌ.
الصورة الخامسة: الأسقام والآلام الشديدة الشاغلة عن النظر ومعرفة المصلحة تمنع الولاية وتنقلها إلى الأَبْعَدِ كالجنون.
هَذَا نَصُّهُ -وبه أخذ الأَصْحَابُ، لكن ليس سكون الألم الشديد بَأبْعَدَ من إفاقة الْمُغْمَى عليه، فإذا انتظرنا الإفاقة في الإِغماء وَجَبَ أَنْ ينتظر السكون هاهنا وبتقدير عدم الانتظار يجوز أن يقال: يزوجها السلطان لا الأبعد كما في صورة الغيبة؛ لأن الأهلية باقية وشدة الألم مانعة من النَّظَرِ كالغيبة.
الصورة السَّادِسَةُ: للأعمى أن يتزوج بِلاَ خِلاَفٍ وهل له أن يزوج بالولاية؟.
فيه وجهان: أحدهما: لا -لأَنَّهُ نقص يؤثر في الشهادة، فأشبه الصِّغَرَ.
وأصحهما: نعم؛ لأن المقصود يحصل بالبحث عن الغير والسَّمَاعِ منه، وإنما [لم] 1 تقبل شهادته لتعذر التَّحمُّلِ عليه، ولهذا تقبل شهادته فيما تحمله قبل العمى.
واحتج له أيضًا بأن شعيبًا عليه السَّلاَمُ زوج وهو مَكْفُوفٌ البصر 2، وَيَجْرِي مِثْلَ هَذِيْنِ الوَجْهَيْنِ في أَنَّ الأخْرَسَ هل يلي ومنهم من قَطَعَ بِأنَّهُ يَلِي، وَالْخِلاَفُ فيما إذا كانت له كناية، أو إشارة مُفْهَمَةٌ، فإن لم يكن فليس له التزويج، وَأَمَّا لَفْظُ الْكِتَابِ فقوله: "وَالْعَتَهُ" أَرَادَ به الْحَالَةُ الموجبة للإختلال في الرأي والنظر في اختيار الأزواج، وصاحب هذه الحالة قد يُحَافِظُ عَلَى المَالِ، وَالْمُرَادُ من "السَّفَهِ" التبذير المحوج إلى الحجر وقوله: "تنقل الولاية إلى الأبعد" ممكن رده إلى قوله أولًا.

الثاني: ما يسلب النظر، وعطف المرض الشديد على الصفات المذكورة قبله، ويمكن قطع المرض عما قبله والاكتفاء بفهم المقصود من عد ما قبله مما يسلب النظر، وَعُدَّ مَا يَسْلَبُ النَّظَرَ من سوالب الولاية، وقوله: "والإغماء ينقلها بعد ثلاثة أيام" -أَيْ للِسُّلْطَانِ- معلم بالواو للوجه المذكور في أنه تنتقل إلى الأَبْعَدِ وَأَرَادَ بقوله "بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ" أنه ينتظر هذه المُدَّةَ بعدما عرض الإِغماء، وَهَذَا شَيءٌ اخْتَارَهُ صَاحِبُ "الْكِتَابِ" عنده على ما بينه في "الوسيط"، ولم يتعرض له غيره.
وقوله: "والجنون المنقطع ينقل الولاية إلى الأبعد" معلم بالواو للوجه الذاهب إلى أنه ينقل إلى السلطان وللوجه الذاهب إلى أنه لا ينقل عنه أصلًا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) الفِسْقُ (ح) يَسْلُبُ الوَلاَيَةَ عَلَى أَضْعَفِ القَوْلَيْنِ، وَالكُفْرُ لاَ يَسْلُبُهَا (و) بَلْ وَلِيُّ الكَافِرَةِ كَافِرٌ، وَإنَّمَا يَسْلُبُهَا اخْتِلاَفُ الدِّينِ لِسُقُوطِ النَّظَرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مَسْأَلَتَانِ: المسألة الأولي: اختلف إشعار ألفاظ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في ولاية الْفَاسِقِ، وللأصحاب فيه طُرُقٌ: أشهرها: إثبات قولين: أحدهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ ومالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّهُ يلي؛ لأَنَّ الْفَسَقَةَ لم يمنعوا من التزويج في عصر الأولين 1.

والثاني: المنع؛ لأن الْفِسْقَ نقص يقدح في الشهادة، فيمنع الولاية كالرِّقِّ.
وقد روي عن ابنِ عَبَّاسِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَي عَدْلٍ" 1. وبهذا قَالَ أَحْمَدُ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
والطريق الثاني: القطع بالمنع وهو قضية إيراد أبي عَلِيٍّ بن أَبِي هُرَيْرَةَ والطَّبَرِي وابن الْقَطَّان.
والثالث: القطع بأنه يلي -وهو اختيار القاضي أبي حَامِدٍ، وبه قال القَفَّالُ، والشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ.
والرابع: أن الأب والجد يليان مع الفسق، ولا يلي غيرهما والفرق كمال شفقهما وقوة ولايتهما.
والخامس: قال أبو إِسْحَاقَ -رحمه الله- الأب والجد لا يليان مع الفسق وغيرهما يلي، والْفَرْقُ أنهما مُجْبَرَانِ فربما وضعاها تحت فاسق مثلهما.
وغيرهما يزوج بالإِذن، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ لَهَا نَظَرَتْ هِيَ لنَفْسِهَا قال الإِمام: -رَحِمَهُ اللهُ-: وقياس هذه الطَّرِيقَةِ أن يزوج الفاسق ابنته الْبِكْرَ برضاها، وَإِنْ لَمْ يجبرها.
والسَّادِسُ: إن كان فسقه يشرب الخمر لم يَلِ لاضطراب نظره، وغلبة السُّكْرُ عليه، وَإِنْ كَانَ بسبب آخر فَيَلِي.
وذكر الحَنَّاطِيُّ وجهين في أن من يستسر بفسقه هل يلي تفريعًا عَلَى أَنَّ الفَاسِقَ المعلن لا يلي، فيخرج من هذا طريق سابع فارق بين المعلن وغيره وأصحاب الطرق الأربع الأخيرة يحملون اختلاف [الألفاظ] 2 على اختلاف الحالين، ثُمَّ في الْمَسْأَلَةِ فُرُوْعٌ: الأَوَّلُ: عَنِ الشَّيْخِ عن أبي عَلِيٍّ والقاضي حُسَيْن.
وغيرهما إجراء الخلاف في ولاية المال بلا فَرْقٍ، ومنهم مَنْ [يدل كلامه] 3 على القطع بالمنع؛ لأنهم احتجوا لقول = ولأن الفاسق من أهل الولاية على نفسه فيكون من أهل الولاية على غيره ولأن ولاية الملك ثابتة له حتى يزوج أمته، ولأن الولاية حق يثبت بالتعصيب فلم يمنع منه الفسق كما لا يمنع من الميراث.

المنع بالقياس على ولاية المال، وَالظَّاهِرُ فيها المنع؛ وإنْ ثَبَتَ فيه الخلاف؛ لأَنَّ الْمَالَ محل الخيانات الخفية وَلأَنَّ أمر النِّكَاحِ خَطِيرٌ فالاهتمام بشأنه، وإن كان الشخص فاسقًا أقرب.
الثّاني: في انعزال الإِمَامِ الأَعْظَمِ [بالفسق] 1 وجهان قَدَّمنَاهُما [و] الصحيح المنع، وَحِيْنَئِذٍ ففي تزويجه بناته، وبنات غيره بالولاية العامة وجهان تفريعًا على أَنَّ الْفَاسِقَ لا يَلِي.
أحدهما: أنه لا يزوج كغيره من الفسقة ويزوجهن من دونه من الولاة والحكام.
وأصحهما: أنه يزوج تفخيمًا لشانه، ولذلك لم يحكم بانعزاله 2. الثالث: إذا تاب الفاسق -ذكر صاحب "التهذيب" في هذا الباب أنَّ لَهُ التَّزْوِيجَ في الحال، ولا يشترط معنى مدة الاستبراء والقياس الظاهر، وَهُوَ الْمَذْكُورُ [في الكتاب] 3 في "الشهادات" -أنه يعتبر الاستبراء لعود الولاية حَيْثُ يعتبر لقبول الشهادة وَسَنفَصِّلُهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى 4. الرَّابعُ: في "تعليق" الشيخ ملكداد القزويني عَنِ الْقَاضِي أبي سعد وجه: أنه إِذَا لَمْ نُلْبِثِ الْوَلاَيَةَ لِلْفَاسِقِ لم يكن له أن ينكح لنفسه أيضًا، وَالصَّحِيْحُ خِلافُهُ؛ لأنَّ غايته أن يضر بنفسه، وَيُحْتَمَل في حَقِّ نَفْسِهِ مَا لاَ يُحْتَمَلُ في حَقِّ غَيْرِهِ، وَلهَذَا يقبل إقراره عَلَى نَفْسِهِ، ولا تقبل شهادته على غيره.
الْخَامِسُ: ذَكَرَ أبُو الْحَسَنِ العبادي وجهين في أنّا هل نثبت الولاية لذوي الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ إذا لم نثبتها للفاسق.
وقوله في "الْكِتَابِ": "والفسق يَسْلُبُ الولاية" معلم بالحاء والميم.

وقوله: "عَلَى أَضْعَفِ الْقَوْلَيْنِ" [معلم] 1 بالواو للطرق النافية للخلاف وسماه أضعف القولين؛ تَرْجِيحًا لقولنا أَنَّ الْفَاسِقَ يلي وبه يفتي أكْثَرُ مَتَأَخِرِي الأَصْحَاب لا سيما الخُرَاسَانِيُّونَ وَاخْتَارَهُ القاضي الرُّوْيَانِيُّ بعدما ذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ لا وَلاَيَةَ لَهُ، وَاحْتَجَّ مَنْ نصر إثبات الولاية بأن العضل فسق.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى أَنَّهُ تنتقل الولاية إلى الْقَاضِي دُونَ الأَبْعَدِ وقد يعترض عليه من وُجُوهٍ: أحدها: أن الحَنَّاطِيَّ حكاه في كتابه وجهًا: أَنَّ الْفِسْقَ أيضًا ينقل الولاية إلى السُّلْطَانِ.
والثَّاني: أَنَّ المذكور في العضل رُبَّما كانَ جَوَابًا عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يلي.
والثالث: أَنَّ الْفِسْقَ إِنَّما يتحقق بارتكاب الكَبِيْرَةِ أو الإِصرار على الصَّغِيْرَةِ والعضل ليس من الكبائر، وَإِنَّما يفسق به إذا عضل مرات أقَلها فيما حَكى بعضهم ثلاث، وَحِيْنَئِذٍ فالولاية للأَبْعَدِ إِذَا جَعَلْنَا الْفِسْقَ سَالِبًا لِلْوَلاَيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الكافر يلي تَزْوِيجُ ابْنَتِهِ الْكَافِرَةِ؛ لأنَّهُ أَقْرَبُ نَاظِرٍ، وهذا إذا كان لا يرتكب محظور في دينه، فإن كان يرتكبه فتزويج ابنته كتزوِيج الْمُسْلِمِ الفاسق ابنته وعن الْحَلِيْمِيِّ: أَنَّ الْكَافِرَ لا يلي التزويج، وَإِذَا أرَادَ مسلم أنْ يتزوج بذمية زوجها منه القاضي.
والمذهب الأول -وفرقوا بين الولاية والشهادة حيث لا تقبل شهادة الكافر، وَإِنْ كَانَ لا يَرْتَكِبُ مَحْظُورَ في دِيْنِهِ بأن الشهادة تخص ولاية على الغير، فلا يؤهل لها الكافر والولي في التزويج كما يرعى حظ المولية يرعى حق نفسه أيضًا بتحصينها ودفع الْعَارِ عَنْ النَّسَب، واختلاف الدِّيْنِ يمنع الموالاة والتوارث فلا يمنع يزوج المسلمة قريبها الكافر، بل يزوجها الأَبْعَدُ من أولياء النَّسَبِ أو الولاء أو السلطان 2. = أحدهما: أن المشروط في ولاية النكاح عدم الفسق لا قبول الشهادة ولهذا يزوج الولي المجبر وإن كان عدوًا على الأصح، ومدة الاستبراء إنما تعتبر لقبول الشهادة.
والثاني: أن العدالة والفسق بينهما واسطة، فإن العدالة ملكة تحمل على ملازمة التقوى، ويشترط فيها اجتناب الكبائر والفاسق إذا تاب زال عنه اسم الفسق بالتوبة ولا يكون عدلًا حتى يحصل له تلك الملكة والاستبراء يحصلها والولي في النكاح لا يشترط في العدالة وإنما يشترط عدم الفسق وهذه قاعدة عظيمة ينتفع بها في مواضع، وكذا الكافر إذا أسلم لا يحكم بعدالته حتى تختبر، وليس بفاسق ما لم يصدر منه كبيرة.

ولا يزوج الكافرة قريبها المسلم، بل الأبعد الكافر وإن لم يكن زوجها قاضي المسلمين بالولاية العامة، فإن لم يكن هناك قاضٍ للمسلمين.
حكى الإِمام عن إشارة صاحب "التَّقْرِيْبِ" أنه يجوز للمسلم قبول نِكَاحِهَا من قاضيهم والظاهر المنع.
وهل يزوج اليهودي النصرانية يمكن أن يلحق بالميراث ويمكن أَنْ يَمْنَعَ؛ لأن اختلاف المِلَلِ وإن كانت باطلة منشأ العداوة وسقوط النظر، والمرتد لا ولاية له على [المسلمة] 1 ولا على الكافرة وَلاَ عَلَى الْمُرْتَدَّةِ -قَالَهُ في "التتمة" 2. قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعُ) الإِحْرَامُ يَسْلُبُ (ح م) عِبَارَةَ العَقَدْ رَأْسًا، وَهَلْ يَمْنَعُ مِنَ الانْعِقَادِ بِشَهَادَةٍ وَمِنَ الرَّجْعَةِ وَبَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يَسْلُبُ بَلْ يُنْقَلُ إِلَى السُّلْطَانِ كَالغَيْبَةِ (ح م) إِلى مَسَافةِ القَصْرِ عَلَى وَجْهٍ، أَوْ مَسَافَةِ العَدْوَى عَلَى وَجْهٍ حَتَّى لاَ يَنْعَزِلَ وَكِيلُ المُحْرِمِ، كَمَا لاَ يَنْعَزِلُ وَكِيلُ الغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ الأَظْهَرُ أَنَّ الوَّكِيلَ لاَ يتَعَاطَى فِي حَالَةِ إِحْرَامِ المُوَكِّلِ بَلْ بَعْدَهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: هَذَا الْكَلاَمُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسْأَلَتَينِ: إحداهما: إحْرَامُ المتعاقدين، والمرأة يمنع صحة النِّكَاحِ خلافًا لأبي حَنِيْفَةَ -رَحِمَه اللهُ- 3.

.......................... = وقالوا: يصح النكاح، ولو كان كل من الزوج والزوجة والولي محرمًا.
واستدل المالكية، ومن معهم بالسنّة والأثر.
أما السنّة: -فما روي الجماعة إلا البخاري عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبي عثمان بن عفان يقول قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحُ"، زاد مسلم "وَلاَ يَخْطُبُ"، وزاد ابن حبان في صحيحه "وَلاَ يَخْطَبُ عَلَيْهِ".
ووجه الدلالة من الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى المحرم عن أن ينكح، أو ينكح وهذا يشمل الزوج، والزوجة، والولي، والنهي إذا رجع لذات المنهي عنه يقتضي فساده، فيكون النكاح مع إحرام أحد الثلاثة فاسدًا.
وأما الأثر: فما روي عن داود بن الحصين أن أبا غطفان المري أخبره أن أباه طريفًا تزوج امرأة، وهو محرم فرد عمر بن الخطاب نكاحه -ووجه الدلالة من هذا الأثر أن عمر بن الخطاب رد نكاح المحرم، وما ذلك إلا لفساده وإلا لما رده عمر وقد نوقشت هذه الأدلة بما يأتي.
أما الحديث فقد قيل لهم فيه -أن البخاري وهو معروف بدقته في الحديث ضعفه، فقد قال ابن العربي ضعف البخاري حديث عثمان وصحح حديث ابن عباس، فلو علم البخاري أن رواة حديث عثمان يساوون رواة حديث ابن عباس لصحح كِلاَ الحديثين، وعلى تسليم صحة حديث عثمان، وأن مُسَاوٍ لحديث ابن عباس نقول: إن معنى قوله -صلى الله عليه وسلم- "لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ" لا يطأ فهو محمول على الوطء، أو النهي لكراهة، لكونه سببًا في الوقوع في الرفث.
لأن عقده لنفسه ولغيره ممتنع، ولهذا قرنه بالخطبة، ولا خلاف في جوارها.
وإن كانت مكروهة، أو نقول أن النهي هنا ليس لذات المنهي عنه، بل لأمر خارج عنه، وهو الإِحرام، وهذا لا يقتضي فساد المنهي عنه.
ويقال لهم في الأثر المروي عن عمر بن الخطاب أنه معارض بما روي عن أنس بن مالك، فقد روي عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر قال: سألت أنسًا عن نكاح المحرم قال: وما بأس به هل هو إلا كالبيع، وإسناده صحيح.
وأما الحنفية فقد استدلوا على مذهبهم بالسنة والمعقول.
أما السنّة: -فما روى الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو مُحْرِمٌ.
ووجه الدلالة من هذا أن ابن عباس أخبر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج وهو محرم فدل ذلك على صحة نكاح المحرم؛ لأن ما صح له -صلى الله عليه وسلم- يصح لأمته إلا إذا قام دليل على الخصوصية، ولا دليل هنا.
وأما المعقول، فقد قالوا: إن النكاح عقد كسائر العقود التي يتلفظ بها من شراء الأمة للتسري وغيره، ولا يفسد شيء من العقود بسبب الإحرام.
وقد قيل للحنفية في حديث ابن عباس ما يأتي.
أولاً: -أن ميمونة وهي صاحبة القصة ردت أن تزوجها، وهو حلال وهي أعرف بالقضية من ابن عباس لتعلقها بها.
وثانياً: -أن المراد بالمحرم أنه في الحرم، فإنه يقال لمن في الحرم محرم، وإن كان حلالاً.
قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا أي في حرم المدينة.
=

وعن مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أنه ينعقد ثم يفرق بينهما بطلقة.
دليلنا ما رُوِي عَن عُثْمَانَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِم وَلاَ يُنْكَحُ" 1. وَهَذَا إِذَا كَانَ المزوج غير الإِمام والقاضي وفيهما وجهان: أحدهما: أَنَّ لَهُمَا التزويج في الإِحْرَامِ لِقُوَّةِ وِلاَيَتهِمَا.
وَأَصَحُّهِمَا: الْمَنْعُ 2 لإِطْلاَقِ الخبر.
= ثالثًا: -على تسليم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوجها وهو محرم، فإن فعله معارض بقوله: "لاَ يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ" وإذا تعارض القول مع الفعل يرجح القول على الفعل.
رابعًا: -أن ذلك من خصائصه عليه الصلاة والسلام.

ثم أثر الإِحرام ماذا.
فيه وجهان: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَثَرَه سلب الولاية، وَنَقَلَهَا إلى الأبعد كالجنون.
وأظهرهما: أَنَّ أَثَرَهُ مجرد الامتناع دُونَ زَوَالِ الوَلاَيَةِ لبقاء الرُّشْدِ وَالنَّظَرِ، وعلى هذا فيزوج السلطان كما في صورة الغيبة ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الإِحْرَامُ بالحج، أَوْ بالْعُمْرَةِ، ولا بين أنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا.
وحكى الحَنَّاطِيُّ وجهًا: أنَّ الإِحْرَامَ الْفَاسِدَ لا يمنع صحة النِّكَاحِ وفي انعقاد النِّكَاحِ بشهادة المحرم وجهان.
قال الإِصْطَخْرِيُّ: لا ينعقد، لأَنَّهُ روي في بعض الروايات: "لا ينكح المحرم ولا يشهد" 1. وَالأَظْهَرُ الانْعِقَادُ؛ لأنَّهُ ليس بعاقد ولا مَعْقُودٍ عليه لَكِنَّ الأَوْلَى أن لا يحضر، وَفِي جَوَازِ الرَّجْعَةِ فِي الإِحْرَامِ وجهان: أحدهما: الْمَنْعُ كَابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وأصحهما: الْجَوَازُ؛ لأَنَّها استدامة، فَأَشْبَهَتِ الإِمْسَاكُ في دَوَام النِّكَاحِ، وقد يبنى هذا الخلاف على أَنَّ الرَّجْعَةَ هل تفتقر إلى حُضُورِ الشُّهُودِ، فَإِنْ قلنا: نعم -أجريناها مَجْرَى الابتداء.
وفي جَوَازِ النِّكَاحِ بين التحللين قَوْلاَنِ مَذْكُورَانِ في "الحج" بشرحهما.
وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ "الكِتَاب" اكتفى بما سبق عن إعادته هنا لَجَازَ ومن فاته الحج، فهل له أن ينكح قبل التحلل بعمل عمرة، فيه وجهان رَوَاهُمَا الحَنَّاطِيُّ، ولو وكل حلال حلالاً بالتزويج، ثم أحرم أحدهما، أو أحرمت المرأة، ففي انعزال الوكيل وجهان بناءً على الخلاف السَّابِقِ في أَنَّ الإِحْرَامَ هل يزيل الولاية أم لا، والظاهر أنه لا [ينعزل] 2، حَتَّى يَجُوزَ لَهُ التزويج بعد التحَلل بالوكالة السابقة، وَهَلْ لَهُ التزويج قبل تحلل الموكل أثبت صَاحِب "الْكِتَابِ" فيه وجهين حَيْثُ قَالَ: "وإن كان الأظهر [أن الوكيل] 3 لاَ يَتَعَاطَى في حالة إحرام المَوكل بل بعده"، وَلَمْ أَرَ للخلاف ذكرًا، فيما عثرت عليه مِنْ كُتُبِ الأَصْحَاب، ولم يتعرض له في "الوسيط"، ولا ذكره الإمام وإنما قَالاَ: قال الصَّيْدَلاَنِيّ لا يزوج الوكيل؛ لأن تنفيد تصرف النائب مع عجز الأصل بعيد، وهذا لا يوجب الخلاف، ولو جَرَى التَّوْكِيل في حال إحرام الموكل أو الوكيل أو المرأة، فينظر إن وكل

ليعقد في حال الإِحرام لَم يَصِحْ وَإِنْ قال ليزوج بعد التحلل [صَحَّ] 1؛ لأن الإِحرام يمنع العقد دُونَ الإِذْنِ، ومن ألحق الإِحرام بالجنون لم يصححه في حال إحرام الموكل.
وَلَو أَطْلَقَ التَّوْكِيلُ، فَهُوَ كالتقييد بما بعد التحلل، وَلَو قَالَ: إذا حَصَلَ التَّحْلُّلُ، فَقَد وَكَّلْتُكَ فهنا تعليق الوكالة، وقد سبق الخلاف فيه وإذن المرأة في حال إحرامها على التفصيل المذكور في التوكيل، ولو وكل حلال محرمًا ليوكل حلالاً بالتزويج، فَأصَحُّ الوجهين الجواز؛ لأنه سفير محض لَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَقْدِ شَيء: واعلم أَنَّ إيْرَادَ الْكِتَابِ يشعر بترجيح الوجه الصائر إلى أن الإِحرام يزيل الولاية، ويوجب النَّقْلَ إلى الأبعد وانعزال الوكيل، والأقرب عند الأكثرين خلافه كما بَيَّنَّا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذا لم يكن الولي الأَقْرَبُ حاضرًا ينظر، فَإنْ كَانَ مفقودًا لا يعرف مكانه ولا موته ولا حياته، فيزوجها السلطان، لأَنَّ نِكَاحَهَا قَدْ تُعَذَّرَ من جهته، فَأشْبَهَ ما إذا عضل، وإِذَا انتهى الأَمْرُ إلى غاية يحكم فيها بالموت، ويقسم ماله بين ورثته على ما بَيَّنَّا في "الفرائض"، فَلا بُدَّ من نقل الولاية إلى الأبعد، وإن كان غائبًا يعرف مكانه، فان كانت الغيبة إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، فيزوجها السُّلْطَانُ أيضًا، ولا يزوج الأبعد؛ لأن الغائب ولي بدليل: أَنَّهُ لو كان له وَكِيْلٌ لا ينعزل ويصح تزويجه في الغيبة، والتَّزْوِيجُ حَقٌّ عليه، فإذا تعذر استيفاؤه منه ناب عنه القاضي.
وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ فيما روى الحَنَّاطِيُّ أنَّ الغَيْبَةَ تنقل الولاية إلى الأَبْعَدِ كالجنون.
وَحَكَى القَاضِي ابنُ كَجٍّ عن القاضي أبي حَامِدٍ سماعًا: أنه يفرق بين الملوك وأكابر الناس، فتعتبر مراجعتهم، وبين التُّجَّارِ، وأوساط الناس فلا تعتبر، وظاهر المذهب الأول.
وإن كانت الغيبة إلى مسافة لا تَقْصُرُ فيها الصَّلاَةُ فوجهان: أحدهما: أَنَّ الْحُكْمَ كما في المسافة الطويلة؛ لأنَّ التزويج حق لها، وَقَد يَفُوتُ الكُفْء الراغب بالتأخير، فتتضرر به وهو ظاهر لَفْظِ "الْمُخْتَصَرِ" فإنه قال: "وإن كان أولاهم مفقودًا أو غائبًا غيبة بعيدة كانت، أو قريبة زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ".
وأظهرهما: ويحكى عن نَصِّهِ في "الإِملاء": أنها لا تزوج حَتَّى تُرَاجَعَ فتحضر، أو توكل؛ لأنَّ الغيبة إلى المسافة القصيرة كالإِقامة، ولو كان مقيمًا في الْبَلَدِ لم يُزَوِّجْهَا الحاكم، فكذلك هاهنا ولفظًا "الْمُخْتَصَرِ" محمول عَلى بعد مدة الغيبة وقربها دون المسافة.
هكذا ذكر العراقيون من الوجهين أصحابنا وأخرون وفضل مفصلون فقالوا: إن غاب إلى حيث لا تُقْصَرُ فيه الصَّلاَةُ نُظِرَ إن كان بحيث أن يتمكن المبكر إليه من الرجوع

إلى منزله قبل مجيء الليل فَلا بُدَّ من مراجعته قطعًا، والوجهان فيما يجاوز ذلك، وهذا ما أورده صَاحِبُ "الْكِتَابِ" وإذا جمعت بين الطرفين تحصلت على ثلاثة أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا الْفَرْقُ.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: إن كانت الغيبة منقطعة انتقلت الْوَلاَيَةُ إلى الأبعد، والغيبة المنقطعة [أن تكون] 1 بحيث [تصل القوافل] 2 إليه في السنة إلاَّ مَرَّةً، وفي تفسيرها رِوَايَاتٌ أُخَرُ.
وقَوْلُهُ في الْكِتَابِ: "كَالْغَيْبَةِ إِلى مَسَافَةِ الْقَصْرِ على وجه، أو على مسافة العدوى على وجه" ومسافة العدوى، فيما فَسَّرَ الإِمام غيره، وهي التي يمكن قطعها في اليوم الواحد ذِهَابًا وإِيَابًا كما قدمنا، وَأَمَّا لَفْظُ "العدوى" -ففي "الصِّحَاحِ" أنه الاسم من الإِعداء وَهِي الْمَعُونَةُ.
يُقَالُ: أعدى الأَمْيِرُ فلانًا على فُلاَنٍ، أي: أَعَانَهُ عَلَيْهِ -وَالْعَدْوَى أَيْضًا ما يعدى من جرب وغيره وَهُوَ مُجَاوزته من صاحبه إلى غيره، فَقِيْلَ لهذه المسافة مسافة العدوى؛ لأنَّ الْقَاضِي يعدي من استعداه على الغائب إليها، فيحضره ويمكن أنْ يُجْعَلَ مِنَ الإعْداء بالمعنى الثَّانِي لسهولة المجاوزة من أَحَدِ الموْضِعَيْنِ، إلى الآخر.
وإذا عرف ذلك، فمن حق هذا التَّفْسِيْرِ أن نقول: أو فوق مَسَافَةِ العدوى في وجه؛ لأَنَّ الغيبة إلى الحد المذكور لا عبرة بها على هذا الوجه، وَقَدْ ألحق لفظة فوق في النسخ المحدثة باللفظ.
وَقَالَ فِي "الْوَسْيِطِ": السُّلْطَانُ يزوج إذا كَانَتْ الغيبة فوق مسافة الْقَصْرِ، ولا يزوج إِذَا كَانَتْ دون مَسَافَةِ العدوى، وفيما بينهما وجهان، ولفظة "دون" على التَّفْسِيرِ المذكور مَطْرَحُةُ.
ولفظة "فوق" في مسافة الْقَصْرِ غير محتاج إليها.
فَرْعٌ: عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ السُلْطَانَ لا يزوج الَّتِي تدعي غيبة وليها، حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لهَا وَلِيٌ حَاضِر، وأنها خَلِيَّةٌ عَنِ النِّكَاحِ والعدة، وَاخْتَلَفَ الأَصْحَابُ.
فمن قائل أَنَّهُ واجب احتياطاً للأبضاع إذ لا يؤمن أن يكون الولي قد زوجها في غيبته.
من قائل إنه مجبوب ويجوز التَّعْوِيلُ على قولها، فإنَّ الرُّجُوعَ في العقود إلى قول أَرْبَابِهَا وعلى هذا فلو ألحت على المطالبة، ورأى السُّلْطَانُ التَّأْخِيرَ هَلْ لَهُ وَذَلِكَ.
فيه وجهان: رواهما الإِمَامُ عَنِ الأُصُولِيِّينَ، وَلاَ يُقْبَلُ فِي هَذَا الْبَابِ إلاَّ شَهَادَةُ من يطلع على باطن حالها كما في شهادة الإِعْسَارِ، وحصر الورثة، وإن كَانَ الولي الغائب

ممن لا يزوج إلاَّ بالإِذن فقالت: ما أذنت له، فَلْلِقَاضِي تَحْلِيفُهَا عَلَى نَفْي الإِذْنِ (1) والأولى أن يأذن الْقَاضِيُ للأبعد إِذَا غَابَ الأَقْرَبُ الْغَيْبَةَ الْمُعْتَبَرَةَ، حَتَّى يزوج أو يزوج القاضي بإذن الأَبْعَدِ للخروج من الخلاف، واللهُ أعْلَمُ.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ فِي تَوَلِّي طَرَفَي العَقْدِ)

وَالأَبُ يَتَوَلَّى طَرَفَي العَقْدِ فِي مَالِ طِفْلِهِ، وَلاَ يَتَوَلَّى الجَدُّ (ح م) طَرَفَي النِّكَاحِ عَلَى حَافِدِيهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِلتَّعَبُّدِ، وَالقَاضِي وَالمُعْتِقُ وَابْنُ العَمِّ لَيْسَ لَهُمْ (ح م و) تَوَلِّي طَرَفَي النِّكَاحِ، وَلاَ يَكْفِيهِمُ التَّوْكِيلُ بَلْ يُزَوَّجُ مِنْهُمُ الحَاكِمُ، وَالإِمَامُ الأَعْظَمُ يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَالوَكِيلُ مِنَ الجَانِبَيْنِ لاَ يَتَوَلَّى طَرَفَي البَيْعِ وَالنِّكَاحِ (ح).
قال الرَّافعِيُّ: قوله: "الأب يتولى طرفي العقد في مال طفله" قد ذكره من قبل، ولم يتولاهما.
قيل: لقوة ولايته وكمال شفقته وقيل: لِعُسْرِ مُرَاجَعَهِ السُّلْطَانِ في كُلِّ بَيْعٍ وشراء.
وقيل لمجموع المعنيين والجد في ذلك كالأب.
ثُمَّ في الفصل مَسَائِلُ: إحداها: هل يتولى الْجَدُّ طرفي النِّكَاحِ في تزويج بنت ابنه الصغيرة أَوِ الْبَالِغَةِ من ابن ابن آخر فيه وجهان: أحدهما: نَعَمُ -لِقُوَّةِ وِلاَيَتِهِ.
والثَّانِي: لا؛ لأَنَّ خطاب الإِنسان مع نفسه لا ينتظم، لاانما جوزنا في البيع لكثرة وقوعه، وأيضًا فقد رُوِيَ مرفوعًا وموقوفًا أنَّهُ لا نِّكَاحَ إلاَّ بأرْبَعَةٍ: خَاطِبٌ وَوَليٌّ وَشَاهِدَينِ.
والوجه الأولى: هو اختيار ابن الْحَدَّادِ والقَفَّالِ وَصَاحِبِ "الشَّامِلِ".
والثاني: اخْتِيَارُ صَاحِبِ "التَّلْخِيصِ، وجماعة من المتأخرين 2. فإن قلنا إنه يتولى الطرفين، فيشترط الإِتيان بشقي العقد أم يكفي أحدهما؟.
فِيْهِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْخِلاَفِ فِي الْبَيْع إذا تولى طرفيه، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في كتاب "الْبَيْعِ" وَالنِّكَاحِ أَوْلَى باعتبارهما لما خص به من التعبدات، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابنُ الْحَدَّادِ.
فإن قلنا: لا يتولاهما فإن كانت بالغة فيزوجها السلطان بإذنها ويقبل الجَدُّ النِّكَاح1

وإن كانت صغيرة وَجَبَ الصَّبْرُ إلى أن تبلغ فتأذن أو يبلغ الصغير فيقبل.
وكذلك حَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وغيره وَذَكَرَ الإِمَامُ تفريعًا على مَنْعِ التَّوْكِيلِ أَنَّهُ يرفع الأمر إلى السُّلْطَانَ، حَتَّى يتولى أحد الطرفين ويحتمل أَنْ يُقَالَ: يتخير ويتولى ما شاء منهما، ويحتمل أن يقال: يأتي بما يستدعيه الْوَلِيُّ.
وهذا إن كان مَفْروضًا فيما إذا كان ابنُ الابنِ صغيرًا، فَهُو مخالف للأصل المقرر أن غير الأب وَالْجَدِّ لا يزوج الصغيرة والابن الصغير ولكن يمكن فرضه فيما إذا كانت الولاية عليه بسبب الجنون، وَهَلْ لِلْعَمِّ تَزْوِيجُ بِنْتِ أَخِيْهِ وَلابْنِ الْعَمِّ تزويج بِنْتِ الْعَمِّ مِنَ الابْنِ الْبَالِغِ فَيْهِ هنا وَجْهَانِ: أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ؛ لأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ.
والثَّانِي: لا؛ لأنَّهُ متهم في حَقِّ وَلَدِهِ وَرُبَّمَا عَرَفَ فِيْهِ مَنْفَعَةً فأخفاها، ومنهم مَنْ قَطَعَ بِالأَوَّلِ وَاسْتَشْهَدَ بهِ لِلْوَجْهِ الذَّاهِبِ إِلَى تَجْويْزِ بَيْع الوكيل المطلق من ابنه، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ في "الوكالة" وَهَذَا إذا أَطلقت الإِذن وَجَوَّزْنَاهُ، فأَمَّا إذا أذنت في التزويج منه فلا كَلاَمَ في جَوَازِهِ وإن زوجها من ابنه الطفَل، فإن لم نجيز في البالغ فَهَا هُنَّا أوْلَى، وَإنْ جَوَّزْنَا هناك فهاهنا وجهان.
والظاهر: المنع؛ لأنه نكاح يحضره أربعة.
المسألة الثَّانِيَةُ: ولي الْمَرْأَةِ إذا كان يجوز له نِكَاحُهَا كابن العم والمعتق والقاضي، وَرَغَب فِي نِكَاحِهَا لم يجز له أن يزوجها من نفسه، فيتولى الطرفين لما مرَ من الخبر، وَلَكِنْ يزوجها من في دَرَجَتِهِ كما إذا كان هناك ابنُ عَمِّ آخَرَ، وإن لم يكن في دَرَجَتْهِ غيره زَوَّجَهَا مِنْهُ الْقَاضِي، وإذا كَانَ الرَّاغِبُ القاضي زوجها منه من فوقه من الولاة، أو خرج إلى قاضي بلدة أُخْرَى ليزوجها منه، أو اسْتَخْلَفَ خَلِيْفَةً إذا كان له الاستخلاف فيزوجها منه -هذا هو ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ، وهو المذكور في الكتاب هاهنا، وفي ابن العم وَجْهٌ آخَرُ أنه يتولى الطرفين وقد أورده صاحب "الْكِتَاب" في "باب الوكالة"، ويجيء مِثْلُهُ في المعتق وفي القاضي أيضًا وَجْهٌ بَعِيْدٌ، ويقال إِنَّ أبَا يَحْيَى البلخي ذَهَبَ إليه وأنه حين كان قاضيًا بِدِمَشْقَ تزوج امْرَأَةً ولى أمرها من نفسه، وفي الإِمام الأعظم وجهان معروفان: أحدهما: أنَّ له تولي الطرفين؛ لأنه ليس فوقه من يزوجها.
وَأَصَحُّهُمَا: المنع فيزوجها القاضيُ منه بالولاية كما يزوج خليفة القاضي من القاضي.
ولو أَرَادَ أحد هؤلاء تزويجها من ابنه الصَّغِيْرِ، فَهُوَ كما لو أراد تزويجها مِنْ نَفْسِهِ، وَحَيْثُ جوزنا لأحدهم التزويج من نفسه، فَذَاكَ إذا سمته في إذنها، فأما إذا طَلَبَتِ الإذْنَ وجوزنا، ففيه وَجْهَانِ حكاهما الحَنَّاطِيُّ.

المسألة الثالثة: من منعناه من تولي الطرفين لو وكل في أحد الطرفين، أو وَكَّلَ شخصين بالطرفين فيه وجهان: أَحَدُهِمَا: أنه يجوز؛ لأن المقصود رِعَايَةُ التعبد في صورة العقد، وقد حصل.
وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ؛ لأن فعل الوكيل فعل الموكل، وليس ذلك كتزويج خليفة القاضي من القاضي والقاضي من الإِمام الأعظم، فإنهما يتصَرَّفَانِ بالْوِلاَيَةِ لا بالوكالة، ومنهم من جَوَّزَ للجَدِّ التَّوْكِيلَ، ولم يجوزه لابن الْعَمِّ وَمَنْ في مَعْنَاه؛ لأن الجَدَّ ولي تام الولاية من الطرفين، وابن العم وَليٌّ من طرف وخاطب من طرف.
ولو وكل الولي رجلاً ووكله الْخَاطِبُ أيضًا ليتولى التزويج، والتزوج فَفِيْهِ خِلاَفٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في "باب الوكالة"، وكذا في "الْبَيْعِ" لَو وَكَّلَ البَائِعُ والمشتري رجلاً، فالأصَحُّ المنع، وبه أَجَابَ هنا، ويجري الْخِلاَفُ فيما لو وكل رجلًا بِأنَّ يزوج ابنته من نفسه.
واعلم قوله في الكتاب: "والأب يتولى طرفي البيع" بالحاء؛ لِمَا رُوِيَ عَن أبي حَنيْفَةَ أنَّ الْوَليَّ وَالْوَكِيلَ يتوليان طرفي النِّكَاحِ دون الْبَيْعِ.
وقوله: "لا يتولى الجَدُّ طرفي النِّكَاحِ" بالحاء والميم؛ لأَنَّ عندهما يجوز للجَدِّ تولي طرفي النِّكَاحِ.
وكذا قوله: "ليس لهم تولي طرفي النِّكَاحِ" بالواو أيضًا لما قَدَّمْنَاهُ.
وقوله: "ولا يكفيهم التَّوْكِيلُ"بالواو والألف؛ لأنَّ عند أَحْمَدَ يكفيهم التَّوْكِيلُ.
وقوله: "وَالْوَكِيلُ من الجانبين لا يتولى" بالواو.
وقوله: "والنِّكَاحُ" بالحاء.

فُرُوعٌ:

أحدها: هل للسَّيِّدِ تَزْوِيجُ أَمَتِهِ مِنْ عَبِدِهِ الصَّغيرِ؟.
إِذا جَوَّزنَا له إجباره فيه وجهان، كتولي الجدَّ طرفي النكاح.
الثاني: ابنا عَمِّ أحدهما لأب، والآخر لأب وأم، وَأَرَادَ الأَوَّلُ نِكَاحَهَا يزوجها منه الثاني، وَإِنِ أَرَادَ الثَّانِي نِكَاحَهَا، فَإنْ قُلْنَا إنَّهُمَا يستويان يزوجها منه الأول، وإلاَّ فالقاضي.
الثالث: إِذَا قَالَتْ لابْنِ العَمَّ أو المعتق: زَوِّجْنِي أو زوجي مِمَّنْ شئت لم يكن للقاضي تزويجها منه بهذا الإِذن؛ لأنَّ الْمَفْهُومُ منه التزويج من الغير، فَإِنْ قَالَتْ: زَوَّجْنِي مِنْ نَفْسِكَ.
حَكى صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" عن بعض الأصحاب: أنه يجوز للقاضي تزويجها منه بذاك الإِذن.

قال: وعندي لا يجوز؛ لأنها إنما أذنت له لا للقاضي.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الخَامِسُ في التَّوْكِيلِ)،

وَلِلْمُجْبِرِ أنْ يوَكِّلَ وَعَلَيْهِ تَعْيِينُ الزَّوْجِ في قَوْلٍ، وَإِذَا أَذِنَتْ لِغيْرِ الْمُجْبِرِ مِنْ غَيْرِ تَعْيينِ زَوْجٍ جَازَ في أَقْوَى القَوْلَيْنِ، وَإِذَا قَالَتْ: زَوِّجْنِي مِمَّنُ شِئْتَ لَمْ يُزَوِّجْ إِلاَّ مِنْ كُفْءٍ، وَإِذَا مَنَعَتْ غَيْرَ الْمُجْبِرِ مِنَ التَّوْكِيلَ لَمْ يُوَكَّلْ، وَإِنْ أَطْلَقَتِ الإِذْنَ كانَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التَّوْكِيلُ بالتزويج، وَالتَّزْوُجُ جائِزٌ لِمَا مَرَّ في كتاب الوكالة، ثم الولي لا يخلو إما أن يكون متمكناً من الإِجبار، أو لا يكون فإن تمكن من الإجبار، فَلَهُ التَّوْكِيلُ من غير إذن الْمَرْأَةِ.
وفي كتاب الحَنَّاطِيِّ وجه: أنه لا بُدَّ من إذنها وعلى هذا فلو كانت صغيرة امتنع التوكيل بتزويجها، وهكذا حَكَى القَاضِي ابنُ كَجٍّ عن رواية القاضي أَبِي حَامِدٍ وَالْمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
وإذا وكل فهل يشترط تَعْيِينُ الزوج؟.
فيه قولان -ويقال وجهان: أحدهما: ويحكى عن نصِّهِ في "الإِملاء"-: نَعَمْ لإختلافِ الأَغْرَاضِ باختلاف الأزواج، وليس للوكيل شفقة داعية إلى حُسْنِ الاخْتِيَارِ.
وأصحهما: أنَّهُ لا يشترط؛ لأنه يَمْلِكُ التَّعْييْنَ في التوكيل، فيملك الإِطلاق كما في "البيع"، وسائر التصرفات، وشفقته تدعوه إلى ألا يوكل إلاَّ من يثق بنظره واختياره، وأجرى هذا الخلاف في إذن الثَّيِّب في النِّكَاح وفي إذن الْبِكْرِ لغير الأب والجد هل يشترط فيه التعيين.
ومنهم من قطع هاهنا بعَدَمِ الاشْتِرَاطِ فرقًا بِأَنَّ الأِذْنَ للولي يصادف من يعتني بدفع الْعَارِ عن النَسَبِ، ويحافظ على المصلحة، والتفويض إلى الوكيل بخلافه قَالَ الإِمَامُ: وَظَاهِرُ كَلاَمِ الأَصْحَابِ يقتضي طَرْدُ الْخِلاَفِ، وإن رَضيتِ الْمَرْأَةُ بترك الكفاءة لكَن الْقِيَاسَ تخصيص الخلاَفِ فيما إذا لم تَرْضَ به، فَأَمَّا إذا أسقطت الْكَفَاءَةَ، ولم تطلب الحظ، فلا معنى لإعتبار التعيين، وإن جَوَّزْنَا التَّوْكِيلُ الْمُطْلَق فَعَلَى الْوَكِيلِ رِعَايَة النَّظَرِ، فَلَو زَوَّجَ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ لَمْ يَصْح.
وفي كِتَاب القاضي ابنُ كَجٍّ وَجْهٌ آخَرُ: أنه يصح، ولها الْخِيَارُ فإن كانت صغيرة خُيِّرَتْ عَنْدَ البُلُوغ، ولو خطب كفئان وأحدهما أشرف فزوج من الآخر لم يصح، وإذا جوزنا الإِذن المطلق فلو قالت: زوجني مِمَّنْ شِئْتَ، فهل له تزويجها من غير كُفْءٍ فيه وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: نَعَمْ -كما لو قالت: زَوِّجْنِي مِمَّن شِئْتَ كُفئًا كان، أو غير كفء، وهذا أظهر عند الإمام، وأبي الْفَرَجِ السَّرْخَسِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
والثَّانِي: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجوز؛ لأنَّ الكْفَاءَةَ لا تهمل ظاهرًا، وَكَأنَّهَا قالت: زَوِّجْنِي مِمَّنْ شِئْتَ من الأكفاء وهذا إذا كان الولي متمكنًا من الإِجبار، فأمَّا إِذَا لَمْ يَكُن إمًا؛ لأنه غَيرُ الأبَ والجد، أَوَ لأَنَّهَا ثَيِّب فهاهنا صور: إحْدَاهَا: إذا نهت عن التوكيل لم يكن له التوكيل؛ لأنها إنما تزوج بالإِذن، ولم يأذن في تزويج الوكيل.
والثَّانِيَة: أذنت في التزويج، وفي التوكيل في التزويج فله كل [واحد] 1 منهما.
والثَّالِثَةَ: قَالَتْ وكل بتزويجي واقتصرت عليه فله التوكيل وهل له أن يزوج بنفسه؟.
فيه خلاف، وجه الجواز أنه يَبْعُدُ مَنْعُهُ مما له التوكيل فيه، وَكَانَ هَذَا أَظْهَرُ؛ لأنه قال في "النّهَايَةِ" لو قالت: أذنت لك في التوكيل بتزويجي، ولا تزوجني بنفسك، فَالَّذِي ذَهَبَ إليه الأئَمَّةُ أَنَّهُ لا يَصِحُّ الإِذْنُ على هذا الوجه؛ لأنَّهَا مَنَعَتِ الْوَلِيَّ، وَرَدَّتِ التَّزْوِيجُ إلى الوكيل الأجنبي، فأشبه التفويض إليه ابتداء.
والرابعة: أذنت له في التزويج هل له التوكيل؟.
فيه وجهان: أحدهما: المنع؛ لأنه مَنْصَرِفٌ بالإِذن، فلا يوكل إلاَّ بالإِذن كالوكيل.
وأصحهما: نعم؛ لأنه متصرفُ بالولاية فأشبه الوصي، والقيم يتمكنان من ولاية التوكيل من غير إذن، ولو أنه وكل من غير مراجعة المرأة واستئذانها فَوَجْهَانِ: أصحهما: على ما ذكر صَاحِبُ "التَّهْذِيبُ" [وغيره] 2 أنه لا يجوز؛ لأنَّهُ لا يملك التَّزْوِيْجَ بِنَفْسِهِ حِيْنَئِذٍ فكيف يوكل غيره.
والثاني: يجوز؛ لأنه يلي تزويجها بشرط الإِذن، فَلَهُ تَفْوِيضُ ماله إلى غيره، وعلى هذا فيستأذن الولي أو الوكيل للولي، ثُمَّ يزوج، ولا يَجُوزُ أن يستأذن لنفسه، ثُمَّ إِذَا وَكَّلَ غَيْرُ المجبر بعد إذن المرأة هل يشترط تعيين الزوج إن أطلقت المرأة الإِذن، ففيه وجهان كما في توكيل المجبر.
قال الإِمَامُ -رحمه الله-: وإذا كَانَتْ قَدْ عَيَّنَتَ الزَّوْجَ [سَوَاءً] 3 اعْتَبَرْنَا التَّعْيِيْنَ في

الإِذن أو لم نعتبره، فليذكر الولي للوكيل الزوج؛ فإن لم يفعل وزوج الوكيل من غيره لم يصح، وإن اتفق التزويج منه.
قال: الأَظَهَرُ عندنا أنَّهُ لاَ يَصِحُّ التَّزْوِيجُ؛ لأَنَّ التفويض مطلق، والمطلوب معين فاسد، وَهَذَا كما لو وكل الولي ببيع مَالِ الطِّفْلِ بما عَزَّ وَهَانَ، فباع بالغبطة، فإنه لا يصح لفساد صيغة التفويض، ولك أن تفرق بينهما بأن قوله "بما عَزَّ وَهَانَ" إذن صريح في البيع الممتنع شرعاً.
وقوله: وَكَّلْتُكَ بتزويجها لا تصريح فيه بالنِّكَاحِ الْمُمْتَنَعِ وَإِنَّمَا هُوَ لَفْظٌ مُطْلَقٌ، وكما يتقيد بالكفء جاز أن يتقيد بالكفء بالمعين وليعلم قوله في الكتاب: "وللولي الْمُجْبَرِ أن يوكل" بالواو.
وقوله: " [أقوى] (1) في القولين" بالواو للطريقة [القاطعة بِعَدَمِ الاشْتِرَاطِ، وقوله: "لم تزوج إلاَّ مِنْ كُفْءٍ" بالواو] (2) أيضًا وكل ذلك لما قدمناه وقوله: "وإن أطلقت الإِذن"، أي: في التزويج أما إذا أَذَنَتْ في التَّوْكِيل فَلَهُ التَّوكِيلُ لاَ مَحَالَةَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلْيَقُلِ الوَلِيُّ لِلْوَكِيلِ بالقَبُول: زَوَّجْتُ مِنْ فُلاَنٍ وَلاَ يَقُولُ: زَوَّجْتُ مِنْكَ، وَيقُولُ الوَكِيلُ: قَبِلْتُ لِفُلاَنٍ فَلَوْ قَالَ: قَبِلْتُ لَمْ يَكْفِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قِبَلَ نِكَاحًا وَنَوَى مُوَكِّلَهُ لَمْ يقَعُ لِلمُوَكِّلِ بِخِلاَفِ البَيْعَ.

فصل في بيان لفظ الوكيل في عقد النكاح

قال الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الْفَصْلِ بَيَانُ لَفْظِ "الْوَكِيلِ" في عَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِذَا كان يزوج وكيل الولي من الخاطب، فيقول: زَوَّجْتُ بِنْتَ فُلاَنٍ مِنْكَ، وإذا كان يزوج الولي ويقبل وكيل الخاطب، فيقول: زَوَّجْتُ بِنتِي مِنْ فُلاَنٍ، ويقول الْوَكِيلِ: "قَبْلِتُ نِكَاحَهَا له"، فلو لم يَقُل "لَهُ"، فعلى الوجْهَيْنِ الْمَذْكُورَينِ فيما إذا قَالَ الزَّوْجُ: "قَبِلْتُ" ولم يَقُلْ "نكاحها أو تزويجها".
ولو قال: زَوَّجْتُ بِنْتِي مِنْكَ، فقال: "قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لِفُلاَنٍ" لم ينعقد وَإِنْ قَالَ: "قَبِلْتُ نِكَاحَهَا" وقع العقد لِلْوَكِيلِ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ بِالنِّيَّةِ إِلَى المُوَكِّلِ.
وَلَو جَرَى النِّكَاحُ من الوكيلين، فقال وكيل الولي: زَوَّجْتُ فُلانَةً مِنْ فَلاَنٍ، وقال وكيل الْخَاطِبِ: قَبلِتُ نِكَاحَهَا لِفُلاَنٍ يصح وفي "البيع" يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الْبَائِعُ لِوَكِيلِ الْمُشْتَرِي: بعت منك، ويقول [الوكيل] 3 اشتريت، وينوي موكله، فيقع العقد له، وإن لم يسمه وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ:12

أحدهما: أنَّ الزَّوْجَيْنِ في النِّكَاح بمثابة الثَّمَنِ والمثمن في البيع وَلاَ بُدَّ من تسمية الثَّمَنِ والمثمن في الْبَيْعِ فَلاَ بُدَّ من تَسمِيَةِ الزَّوْجَيْنِ في النِّكَاحِ.
والثاني: أَنَّ الْبَيْعَ يرد على المال وأنه يقبل النقل من شَخْصٍ إلى شَخْصٍ، فيجوز أن يَقَعَ الْعَقْدُ للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل والنِّكَاحُ يرد على البضع، وأَنه لا يقبل النقل، ولهذا لو قبل النِّكَاحَ وِكَالَةً عن غَيْرِهِ، وأنكر ذلك الغير الوكالة لا يصح النِّكَاحُ.
ولو اشترى بالوِكَالَةِ وَأَنْكَرَ الوِكَالَةَ وَقَعَ الْعَقْدُ لِلْوَكِيلِ.
ولو قال وَكِيلُ الزَّوْجِ أَوَّلاً: قَبِلْتُ نِكَاحَ فُلانَةٍ مِنْكَ لِفُلاَنٍ.
ثم قال وَكِيلُ الوَلِيِّ: زوجتها من فُلاَنٍ جاز، ولو اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ زَوَّجْتُهَا ولم يقل مِنْ فُلاَنٍ، فَعَلَى الخلاف السابق، وإذا قَبِلَ الأَبُ النِّكَاحُ لابنه بالوِلاَيَةِ فيقول المُزَوِّجْ: زوجت فلانة من ابنك ويقول الأب: قَبِلْتُ النِّكَاحَ لابني، وهذا كله؛ لأَنَّ التزويج يقع من الموكل والوالي، عليه لا مِن الْخَاطِبِ، والبيع يتعلق بالمخاطب دون من له العقد كما بَيَّنَّا في "الوكالة".
ولهذا لو قال: زوجها من زيد، فقبل النِّكَاحَ لِزَيْدٍ وكيله صَحَّ، ولو حَلَفَ ألاَّ ينكح فقبل له وكيله يحنث، فلو قال: بع من زيد فَبَاعَ من وكيل زيد لا يصح، ولو حلف لا يشتري فاشترى له وكيله لم يحنث.
وَهَذِهِ صُوَرٌ أُخَرُ، فيما يتعلق بالتوكيل إذا كانت ابنته منكوحة أو معتدة، فقال: إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وانقضت عِدَّتُهَا، فقد وكلتك بتزويجها، ففي "التَّهْذِيْبِ" أنه على القولين كما لو قال: إذا مضت سَنَةٌ فقد وَكَّلْتُكَ بتزويجها واللهُ أَعْلَمُ.
وهذا جواب على أنه لو قال: وكلتك بتزوج ابنتي إذا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا يصح كما إذا قال زوجها: إذا مضت سَنَةٌ؛ لكن في صحة هذا التوكيل وَجْهٌ آخَرُ: وقد ذكرنا حالهما في "الوكالة".
ولا يشترط في التوكيل بِالتَّزْوِيجِ ذكر الْمَهْرِ لكن لو سمى قدرًا لم يصح التزويج بما دونه كما لو قال: زوجها في يوم كذا، أو في مكان كذا، فَخَالَفَ الْوَكِيلُ لَم يَصِحْ.
ولو أطلق التوكيل فزوج الوكيل بما دون مَهْرِ الْمِثْلِ، أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَهْرِ أو نفاه، فيه خلاف نورده في آخر الباب الثاني من "كتاب الصداق"؛ لأن صاحب "الكتاب" ذَكَرَ ما يُقَارِبُ الْمَسْأَلَةَ هناك.
ولو وَكَّلَ رجلًا بقبول نِكاَحِ امرأة وسمى مَهْرًا لم يصح القبول بما زاد عليه، وَإنْ لَمْ يسم فليقبل نكاح امرأة تكافئه بمهر المثل، أو أقل فإن قَبِلَ نِكَاحَ من لا تكافئه لم يصح، وإن قبل بأكثر من مهر المثل أو بغير نقد البلد أو بعين من

[أعيان] (1) أموال الموكل أو من مال نفسه فوجهان: أحدهما: يَصِحُّ النِّكَاحُ وعلى الموكل مَهْرُ الْمِثْلِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ.
وبه قال أَبُو حَنِيْفَةُ -رَحِمَهُ اللهُ-.
والثاني: لا يصح كما لو باع الوكيل [بالبيع] (2) بغير نَقْدِ الْبَلَدِ أو بأقل من ثمن المثل.
هكذا فَصّلَ الْمَسْأَلَةَ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" ولك أن تَتَوَقَّفَ فِيْ مَوْضِعَيْنِ: أحدهما: إِطْلاَقُ التوكيل في [قبول] (3) نِكَاحِ امرأة؛ لأنه قَدْ مَرَّ أَنَّهُ لو وكله بشراء عَبْدٍ أو ثَوْبٍ، فلا بُدَّ من أن يُفَصِّلَهُ، ويبين نوعه إذا لم يكف الإطلاق هناك فلأن لا يكفي هاهنا بل أولى.
والثَّانِي: الحكم بالبُطْلاَنِ إذا قبل نِكَاحَ من لا تكافئه؛ لأنا سنذكر أنَّ للولي أَنْ يزوج من الصغير من لا يكافئه، وإذا جاز ذلك للولي، فليجز للوكيل عند إطْلاَقِ التَّوْكِيلِ.
وَلَوْ قَالَ: إقبل لي نِكَاحَ فُلانَةٍ على عَبْدِكَ هذا فَقَبِلَ فالنِّكَاحُ صَحِيْحٌ، وَفِي العَبْدِ وَجْهَانِ: أصحهما: أنَّ الْمَرْأَةَ لا تملكه، بل على الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
والثاني: تملكه، وعلى هَذَا فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الزَّوْجِ، أو مَوْهُوبٌ منه ففيه وَجْهَانِ.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ السَّادِسُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الوَلِيِّ)،

وَيجبُ (و) عَلَى الأَخِ الإِجَابَةُ إِذَا طَلَبَتَ النِّكَاحَ إنْ كَانَ مُتَعَيَّنًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَخٌ آخَرُ لَمْ يَجَبْ في وَجْهٍ، وَإِنْ عَضَلُوا زَوَّجَ السُّلْطَان، وَعَلَى المُجْبِرِ تَزْوِيجُ المَجْنُونَة إِذَا تَاقَتْ، وَلاَ يَجُوزُ تَزْوِيجٌ مِنَ الصَّغِيرِ، وَلاَ تَزْوِيجُ الصَّغِيرَةِ قَبْلَ البُلُوغِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الولي إما مجبر أو غيره: إن كان مجبرًا فقد ذَكَرْنَا أنَّ عَلَيْهِ الإِجَابَةَ إلى التزويج إذا الْتَمَسَتِ الْمَرْأَةُ، ويجب عليه تَزْوِيجُ الْمَجْنُونَةِ، والتزويج من المَجنون عَنْدَ مَسِيْسِ الْحَاجَةِ إمَّا بظُهُورِ أَمَارَاتِ التَّوَقَانِ، أو بتوقع الشِّفَاءِ عَنْدَ إِشَارَةِ الأَطِبَّاءِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّزْوِيجُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، ولا يزوج البنت الصغيرة؛ لأنَّه لاَ حَاجَةَ في الحَالِ لكن لو ظَهَرَتِ الْغِبْطَةُ في تزويجها، ففي الوجوب نَظَرٌ للإمَامِ، وجه الْوُجُوبِ أنَّهُ يجب عليه بيع مَالِهِ إذا طَالَبَ بزيادة، فكذلك هاهنا، وَقَد يُحْتَجُّ لَه بِمَا رُوِيَ أنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِعَلِيٍّ -رَضِيَ123

اللهُ عَنْهُ: "لا تؤخر أَرْبعًا" 1 وذكر منها تَزْوِيجَ "الْبِكْرِ إذا وجدت لها كُفْئًا"، وأجرى التردد في التَّزْوِيجِ من الصَّغِيرِ عَنْدَ ظُهُورِ الْغِبْطَةِ؛ لكن الوُجُوبَ فيه أبعد لما يلزمه من المؤن، وَأمَّا غير المجبر فإن كان متعينًا كأخ واحد وعم واحد، فَعَلَيْهِ الإِجَابَةُ إذا التمست التزويج، كالمجبر ويجيء فيه الْخِلاَفُ المذكور هناك، فيجوز إعْلاَمُ قوله، ويجب على الأخ الإجابة بالواو، وإن لم يكن متعينًا كالأخوة والأعمام والتمست التزويج من بعضهم، ففي الإِجابة وجهان كالوجهين فيما إذا كان في الواقعة شهود، فدعي بعضهم إلى أداء الشهادة، والأظهر وُجُوبُ الإِجَابَةِ وإذا عَضَلَ الوَاحِدُ أو الجماعة، يزوج السُّلطَانُ كما سبق قوله "قبل البلوغ" ضائع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيجِبُ حِفْظُ مَالِ الطِّفْلِ وَاسْتِنْمَاؤُهُ قَدْرًا لاَ يَأْكُلُهُ النَّفَقَةَ، فَإنْ تَبَرَّمَ الوَلِيُّ بِهِ فَلَهُ أنْ يَسْتَأجِرَ مَنْ يَعْمَلُ، وَلَهُ أَنْ يَأخُذ أُجْرَةَ يُقَدِّرُهَا القَاضِي لَهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ البَيْعُ إِذَا طَلَبَ مَتَاعَهُ بِزِيَادَةٍ، وَكَذَلِكَ الشِّرَاءُ إِذَا بِيعَ رَخِيصًا إِذَا لَمْ يَشْتَرِ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا قَبِلَ النِّكَاحَ لابْنِهِ لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا لِلمَهْرِ في الجَدِيدِ، وَإذَا تَبَرَّعَ أَجْنبيُّ بِحِفْظِ مَالِ الطِّفْلِ لَمْ يَكُنْ لِلأَبِ (و) أَخْذُ الأُجْرَةِ، ولَلأُمِّ أُجْرَةُ الإِرْضَاعِ وَإنْ وَجَدْنَا (و) أَجْنَبِيَّةً مُتَبَرِّعَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المَسَائِلُ وإن كانت متعلقة بتصرف الولِي للطفل؛ لكن لا اختصاص لها بباب النِّكَاحِ إلاَّ بمسالة واحدة وهي: أن الأب إذا قَبِلَ النِّكَاحَ لابْنِهِ هَلْ يَكُونُ ضَامِنًا للِمَهْرِ ولنقدمها فنقول: إذا قَبِلَ لابنه الصغير أو المجنون نكاح امرأة بصداق من مَالِ الابن، فإن كان عينًا فذاك، ولا تعلق له بالأب وإن كان دينًا فقولان: القديم: أنَّ الأَبَ يكون ضامنًا للمهر بالعقد للعرف.
والجديد: أَنَّهُ لا يكون ضامنًا إلاَّ أَنْ يَضْمَنَ صريحًا كما لو اشترى لطفله شيئًا يكون الثمن عليه لا على الأب، وتكلموا في موضع القولين من وجهين: [أحدهما] 2 قال القَاضِي ابنُ كَجٍّ -رَحِمَهُ اللهُ-: القولان فيما إذا أطلق، فأَمَّا إذا شرط كونه على الابن، فهو على الابن لا غير.
والثَّانِي: العراقيون والشيخ أبو علي وعامة الأصحاب خَصُّوْا القولين بما إذا لم يكن للابن مَالٌ، وقطعوا فيما إذا كان له مَالٌ بأن الأب غير ضامن، وَمِنْهُم من طَرَدَ القَوْلَيْنِ في الحالين وهو الموافق لإِطلاق لفظ الكتاب.
التفريع: إذا قلنا بالجديد، فلو تبرع بالأداء لم يرجع وكذا الأجنبي وإن ضمن

صريحًا وغرم فقصد الرجوع هاهنا ينزل منزلة إذن المضمون عنه، فَإِنْ ضمن على قصد الرجوع وغرم بقصد الرجوع يرجع، وإلاَّ فعلى الخلاف المذكور في الضَّمَانِ بغير الإِذن، والأداء بغير الإِذن، وإن ضمن بشرط براءة الأصيل فعن القاضي الحَسْين أنّا إن لم نصحح الضمان بشرط براءة الأصيل فهذا ضَمَانٌ بشرط فَاسِدٌ شرط في عقد الصداق، وقد سبق ذكر القولين في أنَّ شَرْطِ الضَّمَانِ الْفَاسِدِ وَالرَّهنُ الْفَاسِدُ في العقد هَلْ يَتَضَمَّنُ فَسَادَ الْعَقْدِ؟ وإن صححنا الضمان بشرط براءة الأصيل فهاهنا يجب أن يكون الشرط فاسدًا؛ لأن العقد يستدعي ثُبُوتَ الْعِوَضِ في ذِمَّةِ الْمَعْقُودِ له، وفي غير هذه الصُّورَةِ الدِّينُ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌ، فلا يبعد سقوطه، وإذا فسد الشرط ففي فساد الضمان وجهان مذكوران في "الضَّمَانِ".
وإذا قلنا بالقديم فغرم.
فجواب الشَّيْخِ أبي علي أنه لا يرجع به على الابن كما لا ترجع العاقلة على الجاني؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ منهما غرم لزم بالشَّرْعِ ابتداء.
ويحكى مثله عن القاضي الحسين واعترض الإِمام بأن الأب نُصِّب للنظر ورعاية مصلحة الابن، فكيف نجعل نظره وتصرفه موجبًا للمغارم الثقيلة عليه وليس كذلك العاقلة مع الجاني، وتحقق الْفَرْقُ أنه تتوجه المطالبة على الابن ولا تتوجه على الجاني، فعلى هذا يرجع إن قصد الرجوع عند الأداء، وهذا ما أورده صاحب "التَّهْذِيبِ" ولو شرط الأب ألا يكون ضامنًا فعن القاضي الحسين أنه يبطل العقد على القديم.
قال الإِمَامُ: وَهَذَا وَهُمٌ مِنَ الآخِذِيْنَ عنه، فإن النِّكَاحَ لا يفسد بمثل ذلك، ولعله قال: يبطل الشرط ويلزم الضمان.
ثم في الفصل مَسْأَلَتَانِ: المسألة الأولى: يجب على الولي حفظ مال الطفل وصونه عن أسباب التَّلَفِ، وعليه استنماؤه قدر ما تأكل النفقة والمؤن المال إن أمكن ذلك، ولا يجب عليه المبالغة في الاستنماء، وطلب النهاية فيه، وإذا طلب متاعه بأكثر من ثمنه وجب بيعه.
ولو كان شيء يباع بِأَقَلَ مِنْ ثَمَنِهِ، وللطفل مال، وجب أن يشتريه إذا لم يرغب فيه لنفسه.
هكذا أطلق الإمام وصاحب "الْكِتَابِ" في الطرفين، ويجب أن يتقيد ذلك بشرط الغِبْطَةِ، بل بالأموال التي هي معدة للتجارة، أما ما يحتاج إلى عينه، فَلاَ سَبِيْلَ إلى بَيْعِهِ، وإن ظَهَرَ طَالِبٌ بالزِّيَادَةِ، وكذا العقار الذي يحصل منه ما يكفيه، وكذلك في طرف الشِّرَاءِ قد يؤخذ الشيء رخيصًا؛ لكنه عرضة للتَّلَفِ أولاً يتيسر بيعه لقلة الرَّاغِبينَ فِيهِ، فيصير كَلاًّ على مَالِكِهِ.

المسألة الثَّانِيَةُ: إِذَا تَبَرَّمَ مَالُ الأَب بِحِفْظِ مَال الطِّفْلِ والتصرف فيه، فله رفع الأَمْرِ إلى القاضي، لينصب قيماً بأجرة، وله أَن ينصب بنفسه.
ذكره في "النِّهَايَةِ".
ولو طلب من القاضي أن يثبت له أجرًا على عمله، فالذي يوافق كلام أكثر الأصحاب أنه لا يجيبه إليه غنيًا كان أو فقيرًا، إلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فَقِّيرًا ينقطع عن كَسْبِهِ فَلَهُ أنْ يأكل منه بالمعروف على ما سبق في "الحَجْر"، وقد ذكر الإمام أن هذا هو الظَّاهِرُ.
قال: ويجوز أنْ يُقَالَ: يثبت له أجرًا؛ لأَنَّ له أَنْ يَسْتَأْجِرَ من يعمل فإذا جاز له بذل الأجرة لغيره جاز له طلب الأجرة لنفسه، وبهذا الاحتمال أجاب صَاحِبُ "الْكِتَاب": وَمَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ: لاَ بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الْقَاضِي وَلَيْسَ لَهُ الاسْتِقْلاَلُ به، وهذا إذا لم يَكُنْ هناك متبرع بالحفظ والعمل، فإن وجد متبرع وطلب الأب الأجرة، فَقَدُ أَشَارَ في "النَّهَايَةِ" إلى وَجْهَيْنِ أيضًا: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّه لا يثبت له أُجْرَة لحُصُولِ الْغَرَضِ مَعَ حِفْظِ مَالِ الطِّفْلِ عَلَيْهِ.
والثَّانِي: يثبت لزيادة شفقته، كما أنَّ الأمَّ تَأْخُذُ أُجْرَةَ الإِرضاع عَلَى قَوْلٍ، وَإِنْ وجدت متبرعة أجنبية.
وَاعْلَم أَنَّ صَاحِبَ "الْكِتَاب" أَطْلَقَ الْقَولَ هاهنا بأن للأُمِّ أُجْرَةَ الإِرضاع، ولم يحك فيه خلافًا، لكنه حَكَى فيه قولين في كتاب "النَّفَقَاتِ" ونحن نشرح الْمَسْأَلَةَ وكيفية الْخِلاَفِ فيها هناك إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ السَّابعُ فِي الكَفَاءَةِ)

وَهِيَ مَرْعِيَّةٌ في خَمْسِ خِصَالٍ (ح م و) النَّقَاءُ مِنَ العُيُوبِ الَّتِي تُثْبِتُ الخِيَارَ وَالحُرَّيَّة وَالنَّسَب إِلَى شَجَرَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَإِلَى العُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ المَشْهُورِينَ دُونَ الخَامِلِينَ، وَالصَّلاحُ في نَفْسِ النَّاكِحِ دُونَ الاشْتِهَارِ، وَالتَّنَقِّي مِنَ الحِرَفِ الدَّنِيئَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى خِسَّةِ النَّفْسِ، وَاليَسَارُ (ح) لاَ يُعْتَبَرُ في أَشْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَالجَمَالُ لاَ يُعْتَبَرُ أَصْلاً، وَلاَ يُجْبَرُ فَضِيلَةُ نَسَبِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِفَضِيلَة أُخْرَى، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَد تَقْضِي العَادَةِ بِجَبْرِ نَقِيصَةٍ بِفَضِيلَة بِحَيْثُ يَنْتَفي العَارُ.
"

القول في الكفاءة في النكاح

" قال الرَّافِعِيُّ: الْكَلاَمُ في خِصَالِ الكفاءة، ثم في أَثَرِ فُقُدَانِهَا.
أمَّا الْفَصْلُ الأَوَّلُ -في خِصَالِهَا: وهي التَّنَقِّي مِنَ الْعُيُوبِ المثبتة للخيار؛ لأنَّ النَّفْسَ تُعَافُ صُحْبَةَ مَنْ بِهِ تِلْكَ العيوب وقيل بها مقصود النكاح، واستثنى صاحب

"التهذيب" من العيوب المثبتة للخيار "العُنة" وقال: إنها لا تتحقق فَلاَ نَظَرَ إليها في الكفاءة.
وفي "تعليق" الشيخِ أَبِي حَامِدٍ وغيره التَّسْوِيَةِ بين العُنة وغيرها صريحًا، وإطلاق الأكثرين يوافقه.
إذا عَرَفَ ذَلِكَ، فمن به بعض تلك العيوب لا يكون كفئًا للسليمة عنها، ولو كان لكل واحد منهما عيب منها فإن اختلف العيبان فلا كفاءة أيضًا، وإن اتفقا وما بالرجل أفحش، أو أكثر فكذلك، وإن تساويا، أو كان ما بها أكثر فوجهان بناءً على أنه هل يثبت الخيار والحالة هذه؟.
ويجري الوجهان فيما إذا كان مَخبُوبًا والمرأة رَتْقَاءُ.
وزاد القاضي الرُّوْيانِيُّ على العيوب المثبتة للخيار فقال: والعيوب التي تنفر النَّفْسُ منها كالعمى والقطع وتشوه الصورة تمنع الكفاءة عندي، وبه قال بَعْضُ أَصْحَابِنَا، واختاره الصيمري.
ومنها الحرية؛ لأنَّ الْحُرَّةَ تتعير بكونها فراشًا للعبد وتتضرر بأنه لا ينفق إلاَّ نفقة المعسرين، فالرقيق لا يكون كفئًا للحرة أصلية كانت، أو عتيقة، والعتيق لا يكون كفئًا للحرة الأصلية، ولا من مس الرق أحد أبائه للتي لم يمس الرق أحدًا من أبائها، ولا من مس الرق أبًا أقرب في نسبه للتي مس الرق أبًا أبعد من نسبها ويشبه أن يكون جريان الرق في الأمهات أيضًا مؤثرًا ولذلك تعلق به الولاء 1. ومنها: النَّسَبُ فالعجمي ليس كفئاً للعربية، ولا غير القرشي من العرب للقرشية، ولا غير الهاشمي والمطلبي من قريش للهاشمية والمطلبية، وبنو هاشم وبنو المطلب أكفاء لقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "نَحْنُ وَبَنُو المُطَّلِب شَيءٌ وَاحِدٌ" 2 وفي قريش بعضهم من بعض.
وَجْهٌ آخَرُ وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةٌ -رضي اللهُ عَنْهُ-: أنَّهُمْ جميعًا أكفاء كما أنهم يستوون في الأَهْلِيَّةِ للإِمامة.
والصحيح الأول؛ لما روي أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ" 3 وكما يعتبر النسب في العرب يعتبر في العجم.

وعن القَفَّالِ، والشيخ أبي عَاصِمٍ: أنه لا يعتبر النسب في العجم؛ لأنهم لا يعتنون بحفظ الأنساب، ولا يَدَوُنُوَنَهَا، والظَّاهِرُ الأول، وقضيته للاعتبار فيمن سُوَى قُرَيشٍ من العَرَب أيضًا، لكن ذكر ذاكرون أنَّهُمْ أكفاء 1، وَاحْتَجُّوا بما رُوِيَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ قُبَيْلَةٌ لِقِبَيْلَةٍ، وَحَيٌّ لِحَيٍّ، وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ إِلاَّ حَائِكًا، أَوْ حجامًا" 2. والاعتبار في النسب بالأَبِ فالذي أبوه أَعْجَمِيٌّ، والأم عربية ليس بِكُفْءٍ للتي أبوها عربي، والأم عجمية.
ومنها: الدِّينُ والصَّلاَحُ: فالكافر ليس بِكُفْءٍ للمسلمة، وَالَّذِي أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ ليس بِكُفْءٍ للتي لها أبوان، أو ثلاثة في الإِسلام.
وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ وغيره وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُمَا كفئان، واختاره القاضي الرُّويانِيُّ، وذكر بعض المتأخرين أنه لا ينظر إلاَّ إلى إِسْلاَمِ الأَبِ الأَوَّلِ والثاني، فيمن له = تنبيه: لا يعارض هذا ما رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين موتوا في الجاهلية، الحديث.
لأنه محمول على المفاخرة المفضية إلى احتقار المسلم، وعلى البطر، وغمض الناس، وحديث واثلة تستفاد منه الكفاءة، ويذكر على سبيل شكر المنعم قاله الحافظ.

أبوان في الإِسْلاَمِ كُفْءٌ لِلَّتِي لَهَا عَشْرَةٌ آبَاءٍ في الإِسلام؛ لأنَّ الأَبَ الثَّالِثَ لا يذكر في التعريف، فلا يلحق العار بسببه، وَالظَّاهِرُ الأَوَّلُ، والفاسق ليس كُفْئًا للعفيفة ولا ينظر إلى الشهرة، بل الذي لا يشتهر بالصلاح كفئًا للمشهورة به وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْفَاسِقُ كَفْئًا للعفيفة فالمبتدع أولى ألا يكون كفئًا للنسيبة وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي الرُّويَانِي.
ومنها الحرفة: فأصحاب الحرف الدَّنِيَّةِ ليسوا بأكفاء للأشراف ولا لسائر المحترفة، ويدل على اعتبارها اللفظ الذي تقدم إلا "حائك أو حجام"، فالكناس والحجام وقيم الحمام والحارس والراعي لا يكافئون ابنة الخياط، والخياط لا يكافئ ابنة التَّاجِرِ والبَزَّازِ ولا المحترف ابنة القاضي، والعالم، وذكر في الحلية أنه يراعي العادة في الحرف والصناعات؛ لأن في بعْضِ الْبِلاَدِ التِّجَارَةُ أولى من الزِّرَاعَةِ، وفي بعضها الأمْرُ بالعكس.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحِرَفَ الدَّنِيَّةَ في الأَبَاءِ، والاشْتِهَارُ بِالْفِسْقِ مما يُعَيَّر به الولد، فيشبه أن يكون حال الذي كان أبوه صاحب حرفة دنية، أو مشهورًا بالفسق مع التي أبوها عدل كما ذكرنا في حَقِّ من أَسْلَمَ بنفسه مع التي أبوها مسلم، وَالْحَقُّ أن تجعل النظر في حال الآباء دينًا وسيرة وحرفة من حيز النسب، فَإِنَّ مَفَاخِرَ الأَبَاءِ وَمَثَالِبَهُمْ هي التي يدور عليها أمر النَّسَبِ، وهذا يؤكد اعْتِبَارَ النَّسَبِ في حَقِّ العُجْمِ، ويقتضي ألاَّ تُطْلَقَ الكفاءة بين غير قريش من العرب.
ومنها اليسار: وهل هو من خِصَالِ الْكَفَاءَةِ؟.
فيه وجهان: أظهرههما: لا؛ لأن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- اخْتَارَ الْفَقْرَ 1؛ وَلأَنَّ الْمَالَ غادٍ ورائَحٌ، ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر.
والثاني: نَعَمْ؛ لأنه إذا كان مُعْسِرًا لم ينفق على الولد، وينفق عليها نَفَقَةَ المعسرين فتتضرر به.
وعلى هذا فوجهان:

أحدهما: أَنَّ المُعْتَبَرَ الْيَسَارُ بقدر النفقة، وَالْمَهْرِ، فإذا أيسر بهما فهو كفء كصاحب الأُلُوفِ.
وأظهرهما: أَنَّهُ لاَ يَكْفِي ذَلِكَ ولكن الناس أصناف: غني وفقير ومتوسط، وَكُلُّ صَنْفٍ أكفاء، وإن اختلفت الْمَرَاتِبُ.
وليس من الخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ في الكفاءة الْجَمَالُ ونقيضه نعم.
ذَكَرَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ أَنَّ الشَّيْخَ لا يكون كفئًا للشابة على المختار من الوجهين 1، وذكر أيضًا أنَّ الْجَاهِلَ لا يكون كفئًا للعالمة، وهذا فَتْحُ بَابٍ وَاسِعٍ، فَهَذِهِ خِصَالٌ الكفاءة، وهل يقابل بعضها ببعض؟.
قَضِيَّةُ كَلاَم الأكْثَرِينَ الْمَنْعُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وأبو الفرج السَّرْخَسِي، حَتَّى لا يزوج سليمة من العيوب دنية من معيب نسيب، ولاَ حَرَّةً فَاسِقَةً من عَبْدٍ عَفِيْفٍ، وَلاَ عَرِبِيَّةٌ فَاسِقَةٌ مَن عَجَمِيٍّ عَفِيفٍ، ولا عفيفة رقيقة من فاسق حُرٍّ، ويكفي صفة النقص مانعة من الكفاءة.
وفضل الإمام فقال: السَّلاَمَةُ من العيوب لا تقابل بسائر فضائل الزوج، ولذلك يثبت بها حَقّ الْفَسْخِ، وإن كان في المعيب فضائل جَمَّةٍ، وكذا الحرية لا تقابل بفضيلة أخرى، وكذا النَّسَبُ، نِعْمَ الصِّفَةُ الظَّاهِرَةُ في الزَّوْجِ هل تنحاز دناءة نسبه؟.
فيه وجهان: أظهرهما: المنع.
قال: والتنقي من الْحرفِ الدَّنِيَّةِ يعارضه الصَّلاَحُ، وفاقاً واليسار إن اعتبرناه يعارض بِكُلِّ خِصْلَةِ من خِصَالِ الْكَفَاءَةِ، وَالأَمَةُ الْعَرَبِيَّةُ -جوابًا على استرقاق العرب- إذا زُوِّجَتْ من الْحُرِّ العجمي كان على هذا الخلاف في حصول الانحياز والله أعلم.
وَلْنَعُدِ الآن إلى ما يتعلق بألْفَاظِ الْكِتَابِ قوله: وهي مرعية في خَمْسِ خِصَالٍ -أراد به الْخِصَالَ الْمَعْدُودَةَ قَبْلَ اليسار، ومنهم من يضيف إلى الخمس الإِسلام، وَقَدْ يُعَبَّرُ بالدِّيْنِ عَنِ الإِسْلاَمِ والعدالة جميعًا، ولم يدرج صَاحِبُ "الْكِتَاب" الإِسلام في خِصَالِ الكفاءة، وَلَهُ وَجْهٌ، وهو أنَّ الفَضَائِلَ الْمُعْتَبَرَةَ في الْكَفَاءَةِ هي التي يحتمل فواتها عند التَّرَاضِي، وَإِسْلاَمُ الزَّوْجِ لاَ يَحْتَمِلُ فوَاتُهُ، فحَسَنَ ألاَّ يُعَدَّ مِن خصال الكفاءة، ويجوز

أَنْ يعلم قوله: "في خَمْسِ خِصَالٍ" بالحاء؛ لأنَّ أَبَا حَنَيْفَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- لا يعتبر السَّلاَمَةِ عن العيوب، وحكى بعض أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لا يعتبر الحرفة أيضًا وبالميم والواو؛ لأن صَاحِبَ "الشَّامِلِ" حكى عن مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أنَّ الْكَفَاءَةَ في الدِّينِ وَحْدَهُ، وذكر أَنهُ قَوْلٌ للشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَن البُوَيْطِيِّ وبالألف؛ لأَنَّ في رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: لا يَعْتَبِرُ إلاَّ الدِّينَ والنَّسَبَ، والأصح عنه مثل مذهبنا.
وأما قوله: "والنَّسَبُ إلى شَجَرَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" إلى آخره.
فاعلم أنَّ كَلاَمَ أَكْثَرِ الأصْحَابِ في النَّسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَذَكَرَ الإِمَامُ قَدَّسَ اللهُ رَوحَهُ أَنَّ شَرَفَ النَّسَبِ يَثْبُتُ مِنْ ثَلاَثِ جِهَاتٍ.
إحداها: الانتماء إلى شَجَرَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ويرعى القرب والبعد منه وعليه بني عُمَرُ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- دَيْوَانَ المُرْتَزِقَةِ.
والثانية: الانتماء إلى العلماء، فإنهم وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ 1 صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِمِ، وبهم رَبَطَ اللهُ تَعَالَى حِفْظَ الْمِلَّةِ.
والثالثة: الانتماء إِلَى أَهْلِ الصَّلاَحِ والتَّقْوَى -قال الله تعالى عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82].
فبين شرف الانتساب ويعتبر أن يكون من إليه الانتماء مشهورًا بين الناس بالصَّلاَحِ، فالشرف حِيْنَئِذٍ يحصل، ولا عبرة بالانْتِسَابِ إلى عَظَمَاءِ الدُّنْيَا والظلمة المستولين على الرِّقَابِ، وإن كَانَ النَّاسُ قد يَتَفَاخَرُونَ بهم.
وَنَحَا صَاحِبُ "الْكِتَاب" نحو هذه الطريقة وفيها تصريح بأن الانتساب إلى كل واحد من هذه الجهات يقتضي الفضيلة برأسه وعلى هذا فلا يمكن إطلاق القول بأنا العجم أكفاء، وكذا من سُوَى قُرَيْشٍ من العرب، وكذ بنو هَاشِمٍ، وما ذكر أن الانتساب إلى عظماء الدُّنْيَا لا عَبْرَةَ بِهِ فَكَلاَمُ النَّقَلَةِ لاَ يُسَاعِدُهُ هَذَا.
واعلم أنَّ صَاحِبَ "التتمة" يقول: وللعجم عُرْفٌ في الكفاءة فيعتبر عُرْفُهُم.
وَقَوْلُهُ: "وإلى الصُّلَحَاءِ المشهورين" لفظ "المشهورين" يمكن رده من جهة النظم إلى الْعُلَمَاءِ أيضًا، لكنه أَرَادَ الرَّدَّ إلى الصُّلَحَاءِ خاصة عَلَى مَا هُوَ مبين في "الوسيط" و"النهاية".
وقوله: "واليسار لا يعتبر" معلم بالألف؛ لأن أحمد يعتبر اليسار وبالحاء؛ لأن أَبَا حَنِيْفَةَ يعتبره بقدر الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ.

واعلم قوله: "والتنقي من العيوب".
وقوله: "والتنقي من الحرف" بالحاء لما ذكرنا.
وقوله: "وما وراء ذلك، فقد تقتضي العادة بجبر نقيصة بفضيلة" ظاهرة تقتضي انجبار بعض الصفات ببعض بعد الاشترك في النسب، لَكِنَّ هَذَا الظَّاهِرَ غيرُ مَعْمُولٍ بِهِ لا على تفصيل الإمام، وَلاَ عَلَى إِطْلاَقِ غَيْرِهِ، وَقَد بَيَّنَّا الطَّرِيْقَيْنِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالكفَاءَةُ حَقُّهَا وَحَقّ الأَوْلِيَاءِ، فَإِنْ رَضُوا بِتَرْكَهَا جَازَ (ح)، فَيَحَلُّ لِغَيْرِ العَلَوِيِّ نِكَاحُ العَلَوِيَّةِ، وَإِنْ رَضِيَ الأَوْلِيَاءُ فَلِلْمَرْأَةِ الِإبَاءُ، وَإِنْ رَضِيَتِ المَرْأَةُ وَوَليٌّ وَاحِدٌ فَلِلبَاقِينَ فَسْخُ النِّكَاحِ (ح) فِي قَوْلٍ، وَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ أَصْلًا (ح) فِي قَوْلٍ، وَلاَ يَصِحُّ تَزْوِيجُ الأَبِ الصَّغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يَصِحُّ وَلَهَا الخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ (ح)، وَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجِ مِنَ الصَّغِيرِ غَيْرَ كُفْءٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ في الْفَصْلِ الأَوَّلِ في خِصَالِ الكفاءة، والكلام الآن في الفصل الثاني من أثر فقدان الكفاءة، والكَفَاءَةُ حَقُّ الْمَرْأَةِ، ومن يلي أمرها واحدًا كان أو جَمَاعَةً مستويين في الدَّرَجَةِ، فَإِنَّ زَوْجَهَا وَلِيُّهَا مِنَ غيْرِ كُفْءٍ برضاها، أو أحد الأَوْلِيَاءِ برضا الآخرين ورضاها صَحَّ النِّكَاحُ، حَتَّى يَجُوزَ لغير الْعَلَوِيِّ نِكَاحُ الْعَلَوِيَّةِ، وليست الْكَفَاءَةُ شَرْطٌ للِصَّحَةِ خلافًا لأَحْمَدَ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وُيرْوَى عَن مَالِكٍ أيضًا اشتراطها، دليلنا أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "انْكِحِي أُسَامَةَ" 1 فنكحته وهو مولى وهي قرشية.
وُيرْوَى أنَّ بلالاً -رَحِمَه اللهُ- نَكَحَ هَالَةَ بِنَتِ عَوْفٍ أُخْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ 2. وإذا زوج الأقرب من غير كفء برضاها لم يكن للأبعد الاعتراض، فَلَوْ كَانَ الَّذِي يَلِي أَمْرَهَا السُّلْطَانُ، فَهَلْ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْر كُفْءٍ إِذَا الْتَمَسَتْهُ الْمَرْأَةُ؟.
فيه قولان أو وجهان: أحدهما: نعم، كالولي بالولاء والنسب، وَقَطَع بهذا الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ وقال: لاَ يَرْجِعُ إِلَى الْمُسْلِمِيْنَ مِنْهُ عَارٌ.

وأظهرهما: المنع؛ لأنه كالنَّائِب النَّاظِرِ لأولياء النَّسَبِ، فلا يترك ما فيه الحظ، ولو زوجها أحد الأولياء من غَيْرِ كُفْءِ برضاها دون رضَى الآخرين، فقد ذكر في "المختصر" و"الأم" أَنَّ النِّكَاحَ لا يثبت.
وَعَنْ نَصِّهِ في الإِمْلاَءِ أن للباقين الرَّدَّ وللأصحاب طَرُقٌ: أظهرهما: أَنَّ في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: أصحهما: أنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ؛ لأنهم أَصَحَابُ حُقُوقٍ في الكفاءة، فاعتُبِرَ إذنهم كإذن المرأة.
والثَّانى: يصح ولهم الخيار؛ لأن النقصان يقتضي الخيار لا البطلان كما لو اشترى شيئًا معيبًا.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول وحمل ما في "الإملاء" على أنَّ لَهُمْ الْمَنْعَ من التزويج من غَيْرِ الْكُفْءِ.
والثالث: القطع بالقول الثاني.
وقوله: "لا يثبت"، أي: لا يلزم ولا يستمر.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: يلزم النِّكَاحُ ولا اعتراض للآخرين، فَخَالَفَ القولين جميعًا، وأجرى صاحب "الْمَهَذَّبِ" القولين فيما إذا زوجها أحدهم بغير رضاها [أو زوجوها بغير رضاها] 1 وكان التَّصْوِيَرُ فيما إذا أذنت في التزويج من غير تعيين الزوج، وَجَوَّزَنَاهُ، ووجه البُطْلاَنِ بأنه عقد في حق غيره بغير إذنه، فلم يَصِحْ كبيع مال الغير بغير إذنه، وإذا زَوَّجَ الأَبُ أَوِ الْجَدُّ الْبِكْرَ الصَّغِيْرَةَ، أو البالغة من غير كفء بغير إذنها، فالقولان في الصَّحَّةِ معروفان، والأَصَحُّ البطلان؛ لأنه خلاف الغِبْطَةِ، وإذا لم يَصِحِّ التَّصَرُّفُ في المال على خلاف الغبْطة، فالتصرف في البضع أولى.
وَرَوَى القاضي ابنُ كَجٍّ طَرِيْقَةً أُخْرَى: وَهِي تَنْزِيلُ القولين على حالين إن علم الولي عدم الكفاءة، فالنِّكَاحُ باطل، وإلاَّ فَصَحِيْحٌ.
وعن أبي إسحاق وَأَبِي حَامِدٍ: القطع بالبطلان علم [الولي] 2 أو لم يعلم، وإذا قُلْنَا بالصَّحَةِ، فللمرأة الخيار إن كانت بالغة، وإن كانت صغيرة فإذا بلغت تَخيَّرَتْ.
وحكى الإِمَامُ وَجْهًا: أَنَّهَا لا تتخير، وعليها أن ترضى بعقد الأب، وهل للولي الخيار في صغرها؟.

فيه وجهان.
وفي رواية القاضي أبي الطَّيِّب قَوْلاَنِ: أحدهما: نَعَم، كما لو اشترى الصغير معيبًا.
الثاني: لا؛ لأنه يتعلق بالشهوة والطبع، فلا تجزئ فيه النيابة.
وهذا الْخِلاَف فَيْما رَوَى الْحَنَّاطِيُّ وصاحب "التَّهْذِيبِ" ورأى الإِمام مخصوص بما إذا جهل الولي حال الزوج، فإن علم فلا خيار، وطرده الَقاضي ابنُ كَجٍّ، وآخرون في حالتي الْجَهْلِ وَالْعِلْمِ وقالوا: إنه لَيْسَ عاقدًا لنفسه، حَتَّى يَلْزَمَ حكم علمه.
وليعلم قوله في الكتاب "ولا ينعقد النِّكَاحُ أصلًا" مع الحاء بالألف؛ لأن مَذْهَبَ أَحْمَدَ كالقول الأول.
وقوله: "ولا يجوز تزويج الأب الصغيرة من غير كُفْءٍ" بالحاء، وكذا قوله: "ولها الخيار إذا بلغت"؛ لأن عَنَ أَبِي حَنِيْفة -رضي الله عنه- أنه يصح النِّكَاحُ، ولا خيار، لها إذا بلغت، وسائر المواضع المحتاجة إلى العلامات بينة مما قدمنا، ثم صاحب "الكتاب" خَتَمَ الْفَصْلَ بأن قال: ويجوز أن يزوج من الصغير من غير كفء، وليس الأمر على هذا الإِطلاق، بل ينظر فيما لم يوجد فيها من خصال الكفاءة، فإن قَبِلَ لابنه الصغير نكاح معيبة بالعيوب المثبتة للخيار، فعلى قولين كما في تزويج البنت الصغيرة من غير كفء.
والصحيح أنَّهُ لا يصح النِّكَاحُ.
وعن بعضهم: القطع [بالبطلان] 1 في قبول النكاح الرَّتْقَاءِ والقرناء لما فيه من بذل الْمَالِ في [مقابلة] 2 البضع الذي لا ينتفع به، بخلاف تزويج الصغيرة من المجنون، فإن قَبِلَ له نكاح أمة لم يصح؛ لأنه لم يؤخذ خوف العنت، وإن قَبِلَ له نكاح من لا تكافئه بجهة أخرى فوجهان كالقولين في تَزْوِيج الْبِنْتِ الصَّغِيْرَةِ ممن لا يكافئها، لكن الأشبه هاهنا الصِّحَّةُ، وهو الموافق لما في الكتابَ؛ لأن الْمَرْأَةَ تتعير بأن يَسْتَفْرِشُهَا من لا يكافئها والرجل لا يتعير بأن يستفرش من لا تكافئه.
وإذا قلنا بالصِّحَّةِ، فالتفريع كما مَرَّ هناك وإن قَبِلَ له نكاح عمياء ففي كتاب القاضي ابنُ كَجٍّ إثبات الوجهين فيه.
ونقل "صاحب التَّهْذِيبِ" إجراءهما فيما لو قبل نِكَاحَ عَجُوزٍ أو مفقودة بعض الأطراف، ويجب أن يَكُونَ من تزويج الصَّغِيْرَةِ من الأعمى والأقطع والشيخ الهم مثل هذا الخلاف.

ولو قبل لابنه المجنون نِكَاحَ أَمَةٍ جاز إن كان معسراً، وكان يُخْشَى عليه الْعَنَتُ وفيه وجه: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يخشى وطئاً يوجب حداً، أو إِثماً وإن كان النقصان بسببٍ آخرَ، فعلى ما ذكرنا في القبول للصغير، وإن زوج ابنته من خنثى، أو قبل لابنه نِكَاحَ خُنْثَى فإن أثبتنا الخيار بهذا السبب فهو كالتزويج من المجنون، وقبول نكاح المجنونة وإلا فَكَالأَعْمَى 1. فَرْعٌ: للسيد أنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ من الرقيق، ودَنَيَّ النَّسَبِ، ولا يزوجها ممن به عيب من العيوب المثبتة للخيار، ولا ممن لا يكافئها بسَبَبٍ آخَرَ فإن فعل فيبطل أو يصح، ولها الخيار فيه مثل هذا الخلاف السابق، وفيه وَجْهٌ آخَرُ ضَعِيْفٌ: أنه يصح ولا خيار لها وإن زوجها ممن به عَيَبٌ برضاها لم يكن لها الامتناع من التمكين منه، وله بيعها ممن به بعض تلك العيوب؛ لأن الشراء لا يتعين للاستمتاع، ثم هل لها الامتناع من التمكين؟ فيه وَجْهَانِ؛ لأن الوطء في ملك اليمين بِمَثَابَةِ نَفْسِ النِّكَاحِ 2. تم الجزء السابع، ويليه الجزء الثامن وأوله: القول في اجتماع الأولياء

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في اجتماع الأولياء

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّامِنُ فِي تَزَاحُم الأَوْلِيَاءِ) فَإذَا أجْتَمَعَ إِخْوَةُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّزْوِيجِ منْ كُفْءٍ بِرِضَاهَا لَكِنَّ الأَوْلَى التَّفْوِيضُ إِلَى الأَسَنِّ وَالأَفْضَل، وَإنْ نَزَاحَمُوا أَقْرعَ بَيْنَهُمْ، فَإنْ بَادَرَ مَنْ لَمْ تَخرُجْ قُرْعَتُهُ انْعَقَدَ.
قال الرَّافعيُّ: إذا اجتمع لِلْمَرْأَةِ أولياء في درجة واحدة كالإِخوة وَبَنِيْهِم والأعمام وبنيهم، فَألأَوْلَى أن يزوجها أشبههم وأفضلهم بالفقه أو بالورع برضا الآخرين، أَمَّا تقديم الأَسَنَّ فلزيادة تَجْرِبَتِهِ، وَأَمَّا الأورع فإنه أشفق وأحرص على طلب الْحَظِّ، وأما الأفقه فإنه أعلم بشَرَائِطِ النِّكاح، وأما رِعَايَهِ رضا الآخرين فلتجتمع لآراء، ولا يتأذَّى بعضهم باستثار البعض.
وإذا تعارضت هذه الخِصَالِ، فيقدم الأَفْقَهُ، ثُمَّ الأَوْرَعَ، ثم الأَسَنَّ، ولو زوج منهم غير الأسن والأفضل برضا الْمَرْأَةِ من كفء صح، ولا اعتراض للباقين، وليست هذه الولاية كولاية القِصَاصِ حيث يشترط اتفاق الأولياء على الاستيفاء؛ لأَنَّ القِصَاصَ مبني على الدرء والإِسقاط، والنَّكَاحُ مَبْنِيٌّ على الإِثبات والإِلزام، ولهذا لو عضل واحدِ من الأولياء زوج الآخرون، ولو عفا واحد عن القِصَاصِ سقط حَقُّ الكل، ولو أنهم اشتجروا وأراد كل واحد منهم أن يزوج نظر إن تعدد الخاطب، فالتزويج ممن ترضاه المرأة، فإن رضيتهما جميعاً نَظَرَ الْقَاضِيُ في الأصلح وأمر بالتزويج منه.. ذكره "صَاحِبُ التَّهْذِيبِ" وغيره.
وإن اتحد الخاطب، وتزاحموا على العَقْدِ أُقْرعَ بينهم، فمن خرجت قُرْعَتُهُ زوجها، وإن بادر غيره وزوجها.
فوجهان: أحدهما: أنه لا يصح النِّكَاحُ ليظهر فائدة القرعة، وهذا الوجه يختص بما إذا أخرجوا القرعة من غير ارتفاع إلى مجلس الحكم، أم يختص [بقرعة

ينشئها] 1 السلطان؟ فيه تردد للإمام.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنَّ النِّكَاحَ صَحِيْحٌ وليست الْقُرْعَةُ لسلب ولاية البعض، وإنما هي لقطع المنازعة، وهذا إذا كانت قد أذنت لكل واحد منهم على الانفراد، وفي معناه أن تقول: أذنت [في تزويجي] 2 من فلان فمن شَاءَ من أوليائي زَوَّجَني منه ولو قالت: زَوَّجَونِي منه.
فهل يشترط اجتماعهم؟.
فيه وجهان: أظهرهما: نعم، ولو قالت: راضيت أن أُزَوَّجَ، أو رضيت بفلان زوجاً، فأحد الوجهين: أنه ليس لأحد منهم تزويجها؛ لأنها لم تأذن لجميعهم بلفظ عام، ولا خاطبت واحداً منهم على التَّعَيْينِ، فأشبهت ما إذا قالت: رضيت بأن يباع مالي.
وأظهرهما: أنه يكتفي به، ولكل واحد منهم تزويجها؛ لأن الأولياء متعينون للتصرف شرعاً، والمشروط الرضا من جهتها وقد وجد.
وعلى هذا فلو عَيَّنَتْ بعد ذلك واحداً هل ينعزل الآخرون؟.
فيه وجهان؛ لأن في التخصيص اشعاراً يرفع الأِطلاق.
والمذكور من الوجهين في "الرقم" انعزال الآخرين.
وفي "التَّهْذِيْبِ" مقابله، ورأى بعض متأخري الأصحاب بناء الوجهين على أن المفهوم هل هو حجة أم لا؟.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإنْ بَادَرَ اثْنَانَ وَعَقَدَا مَعَ شَخْصَيْنِ فَالصَّحِيحُ السَّابِقُ، وَإِنْ أَمْكَنَ وُقُوعُهُمَا مَعاً انْدَفَعَا، فَإِنْ سَبَقَ وَاحِدٌ ونَسِينَا السَّابِقَ بَقيَ النِّكَاحُ (و) مَوْقُوفاً أبَداً، وَإنْ يُعْرَفِ السَّابِقُ مِنْهُمَا أَصْلاً يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِلتَّعذُّرِ في قَوْلٍ، وَيَتَوَقَّفُ فِي قَوْلٍ، وَالقَاضِي يُنْشِئُ الفَسْخَ، وَقِيلَ: لِلمَرْأةِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لِلزَّوْجَيْنِ أَيْضاً ذَلِكَ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ (و) قَبْلَ الفَسْخِ لِلحَبْسِ، وَلاَ مَهْرَ لِعَدَمِ اليَقِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أَذِنَتِ الْمَرْأَةُ لأحد الوَليَيْنِ في التزويج من زيد، وللآخر في التزويج من عمرو، أو أطلقت الإذن لهما وجوزناه فزوجها أحدهما من زيد، والآخر من عَمْرو، أو وكل الولي المخير رجلاً بالتزويج، فزوجها الوكيل من زيد، والولي من عمرو، أو وَكَّلَ اثنين فزوج أحدهما من زيد، والآخر من عمرو فللمسألة خَمْسُ صُوَرٍ: إحداها: أنْ يسبق أَحَدُ النَّاكِحِيْنَ، فالصحيح السابق والثاني: باطل سواء دخل بها الثاني، أو لَمْ يَدْخُلْ.

وقال مالك -رَضِي اللهُ عَنْهُ-: إنْ دَخَلَ بها الثَّاني، فهي زوجة الثاني.
لنا: ما روي عن سَمُرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالأَوَّلُ أَحَقُّ" 1 ويروى: "أَيُّ امْرَأَةِ زَوَّجَهَا وَليَّانِ فَهِيَ للأَوَّلِ مَنْهُمَا" وإنما يعرف السبق، إما بالتقار أو ببينة تقوم عليه.
الثانية: إذا وقعا معاً، فهما باطلان فإنَّ الجمع ممتنع، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فأشبه ما لو نكح أختين في عقد واحد.
فَرْعٌ: لو اتَّحَدَ الْخَاطِبُ، وَأَوْجَبَ كُلُّ وَاحِدٍ من الوليين النِّكَاحَ معاً، فأظهر الوجهين: الصحة، ويقوي كل واحد من الإِيجابين بالثاني وحكى أبو الحسن العبادي عن القاضي وغيره: أنه لا يصح؛ لأنه ليس أحدهما أولى بالاعتبار من الثَّاني فتدافعا.
الثالثة: إذا لم يعلم السبق، ولا المعية، واحتمل الأمران معاً فالنكاحان باطلان؛ لأنهما إنْ وَقَعا مَعاً تَدَافَعَا، وإن كان بينهما تَرَتُّبٌ، فلا اطِّلاَعَ على السَّابِقِ منهما، وإذا تعذر إمضاء العقد لغا، وأيضاً فإن المعية محتملة، والأصل في الأَبضاع الْحُرْمَةُ فيستدام إلى أن يتيقن النكاح هكذا أطلقه الأكثرون ونقل الإِمام وغيره وجهاً: أنَّهُ لا بُدَّ من إنشاء فسخ؛ لأن الترتيب محتمل، وبتقدير الترتيب فالسابق من العقدين صحيح، فيحتاج إلى الفسخ ليرتفع، وشبه هذا الخلاف بالخلاف في أنَّ البيع بعد تحالف المتبايعين يَنْفَسِخُ، أو يُفْسَخُ.
الرابعة: إذا سبق واحد معين، ثم التبس، وأشكل الأمر، فيوقف حتَّى يتبين الحال، ولا يجوز لواحد منهما غشيانها، ولا لثالث نكاحها قبل أن يطلقاها، أو يموتا أو يطلق أحدهما، ويموت الثاني 2 وعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ وغيره: أن من الأصحاب مَنْ أَجْرَى القولين المذكورين في الصُّورَةِ الخامسة من هذه الصورة إذا تحقق اليأس باليقين.
الخامسة: إذا عرف سبق أحدهما، ولم يعلم أيُّهما سَبَقَ فالنَّصُّ وظاهر المذهب أَنَّ الحكم كما لو احتمل السبق، والمعية لتعذر الإِمضاء، والعلم بتقدم أحدهما لا يُغني إذا لم يعلم المتقدم.
وهذا كما أن المتوارثين إذا غرقا وماتا لا يفترق الحال بين ألاَّ يعرف السبق والمعية، وبين أن يُعرفَ سبقُ أحدهما من غير تعيين، وقد سبق في

جارٍ التحميل