(1) وَفِيهِ بَابَانِ
البَابُ الأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهِ
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ
الرُّكنُ الأَوَّلُ: الحَالِفُ وَهُوَ كُلُّ زَوْجِ يُتَصَوَّرُ منْهُ الوِقَاعُ حُرًّا كَانَ أَوْ رِقِيقًا كافِراً كَانَ أَوْ مُسْلِماً كَانَتْ رَجْعِيَّةً أَوْ في صُلْبِ النِّكَاحِ كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضًا أَوْ صَحِيحاً أَوْ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبَ بَعْضِ الذَّكَرِ وَإِنْ جُبَّ جَمِيعُ ذَكَرِهِ فالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يَصِحُّ إيلاَؤُهُ وَقِيلَ: قَوْلاَنِ وَإِنْ آلى ثم جُبَّ انْقَطَعَ الإيلاَءُ وَقِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ وَلَوْ قَالَ لأَجْنَبِيَّة: وَاللهِ لاَ أُجَامِعُكِ ثُمَّ نَكَحَهَا لَمْ يَكُنْ مُوْلِيًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الإيلاء في اللُّغَة: الحلف، يقال آلَى يُولِي إيلاءً، وتَألَّى تَألِّيًا، والأَلِيَّة اليمين، والجمع آلاء، مثل عطية وعطايا.1
وفي الشرع هو: الحَلِف على الامتناع من وطء الزوجةُ مطلقاً مدَّةً تزيد على أربعةُ أشهر، وكان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية، فغَيَّر الشرعُ حكْمه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] الآية، ولما لم يكن بُدٌّ من معرفة الإيلاء الصحيح من غير الصحيح، ومن معرفة حكم الصحيح منه، رتب الكتاب على بَابَيْن:
أحدهما: في أركانه، وُيبَيَّن بها صحيحه من فاسده.
والثاني: في أحكام الصحيح، أمَّا الأركان، فهي أربعة؛ لأن التفسير المذكور يَعْتَمِد حالفًا، ومحلوفًا، ومحلوفًا على الامتناع منه، ومدة وهي ظرف الامتناع.
الركن الأول: الحالف، واعتبر فيه وصفين:
أحدهما: كونه زوجًا، فلو قال لأجنبية: واللهِ، لا أطَؤُك، تمحَّض ذلك يمينًا حتى لو وطئها قبل النكاح أو بعده، يلزمه كفَّارة يمين؛ ولا تَنْعقد الإِيلاء حتى إذا نَكَحها, لا تُضْرَب المدة.
وفي "التتمة" نقل وجْه: أنه يصير مُولياً إذا نَكَحها؛ لأن اليمين باقيةٌ، وهي مانعة من الوطء، تحتاج إلى رفع الضرر، ونسَبَ هذا الوجْه ناسبون إلى رواية صاحب "التقريب"، وبه قال مالك، والمذْهَب الأول: لأن الإيلاء، يختص بالنكاح؛ فلا ينعقد بخطاب الأجنبية؛ كالطلاق 1، ولأن ضَرْب المدة والمطالبة يتعلَّقان بالإيلاء عن الزوجة.
قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] وليست هذه الصورة في معناه؛ لأنه لا يتحقق قصْد الإيذاء، والإضرار وهي أجنبية.
ولو قال لها: إن تزوَّجْتك، فوالله لا أطؤك فهو كتعليق الطلاق بالملك، ويجيء فيه خلاف أبي حنيفة، ويصح الإيلاء من الرجعية كما يلحقها الطلاق، ولا تحتسب المدَّة عن الإيلاء، وإنما تضرب المدة من وقْتِ الرجعة؛ لأنها زمان العدة مفارقة جارية إلى البينونة، وعن أبي حنيفة، وأحمد: أن مدة العدة تُحْتَسَب من مدَّة الإيلاء.
والثاني: تصوُّر الوقاع، فمن جُبَّ ذكره، وآلَى هل يصحُّ إيلاؤه؟ فيه اختلاف، نص وذكر الأصحاب -رحمهم الله- طرقًا:
أظهرها: أن المسألة على قولَيْن:
أحدهما: أنه يصحُّ إيلاؤه، كما يصح إيلاء المريض العاجز؛ لعموم الآية.
والثاني: وهو اختيار المزنيِّ: أنه لا يصحُّ؛ لأنه لا يتحقَّق منه قصدُ الإيذاء، والإضرار؛ لامتناع الأمر في نَفْسه، وهذا أصحُّ على ما ذَكَره القاضيان أبو الطيِّب والرُّويانيُّ، وهو نصه -رضي الله عنه- في "الإملاء"، الأول عن الأُمِّ، والثاني: القطع بالمنع -كما في "الإملاء"، وحُمِلَ ما في "الأم" على أنه إذا آلى ثم جُبَّ ذكَرُه، لا يبطل الإيلاء، وسنذكره.
والثالث، حكاه أبو الفرج السرخسي -رحمه الله- القطع بالصِّحة، وحمل ما في "الإملاء" على أنه لا يُطَالَب بالوقاع؛ لعجزه، بخلاف إيلاء القادر، وإنما يؤمر بالفيئة باللسان؛ بأن يقول: نَدِمْت على ما قلت وزاد الشيخ أبو حامد -رحمه الله-؛ ولو قَدَرْتُ لَفَعَلْتُ 1، ولا يقول: إذا قَدَرْت، وطئت بخلاف المريض بعْد، إذا طولب؛ لأن قدرته متوقعة، وإن جُبَّ ذكره، فلها الخيار بالجب الطارئ على الأصحِّ على ما سَبَقَ في موضعه، وفي الإيلاء طُرُق:
أحدهما: أنه على القولين في الصورة السابقة، إن صحَّحنا الإيلاء هناك فض هاهنا أولى، وإلاَّ بَطَلَ.
والثاني: القطع بأنه لا يبطل.
والثالث: القطع بالبطلان، حكاه الإِمام، والأظهر هاهنا طريقة القولين، لكن الأظْهَر بقاء الإيلاء؛ لأن العَجْز عَرَض في الدوام، وكان قَصْد الإيذاء والإضرار صحيحاً منه في الابتداء، واختار الإِمام بطلانه، وقال: يستحيل بقاء اليمين مع استحالة الحنث، واحتج أيضًا بأنه لو بقي الإيلاء، لكانت المُطَالبة بالفَيْءِ باللِّسان، وهي أن يقول: لولا المانع، لوطئت.
قال: وهذا عندي في حُكْم العبث الذي لا يليق بمحاسن الشرع، وضرْبُ المدَّةِ لذلك فسْخٌ، والأشل ومن بقي من ذَكَره بعد الجب ما دون قدر الحشفة كالذي جُبَّ جميع ذكره، وإذا كانت المرأة رَتْقَاءَ أو قرناء، ففي صحَّة الإيلاء منها الخِلاَف المذْكُور في المجْبُوب.
قال في "الشامل": لكن إذا صحَّحناه، لا تضرب مدة الإِيلاء؛ لأن الامتناع بسبب من جهتها، كما إذا آلى عن الصغيرة، لا تضرب المدة حتَّى تدرك، وحُكِيَ عن أبي حنيفة أنه تُضْرَب المدَّة عقيب الإيلاء، وهذا قضية ما أورده في الكتاب في الباب الثاني على ما سيأتي، وفي شرح "مختصر الجُوَيْني" حكايةُ قول عن القديم: أنه لا يَصِحُّ الإيلاء عن الصغيرة والمريضة المضناة لامتناع الجماع كما في الرَّتْقَاء، ويشترط زيادة على الوصفين المذكورين كونه مُحَلَّفاً، فلا يصح إيلاء الصبيِّ والمجنون كطلاقهما, ولا
فرق في صحة الإيلاء بين الحُرِّ والرقيق، ولا بين الحُرَّة والرقيقة، ولا بيْن الزوجين المسلمَيْن والكافرين، ولا ينحل الإيلاء بإسلام الكافر خِلاَفاً لمالك، وإذا ترافع إلينا الزوجان الذميان، وقد آلى الزوج، فإن أوجبنا على حاكِمِنا الحُكْم بينهم، حَكَمَ كما يَحْكُم في المسلمين، وإن لم نُوجَبْ لم يَجْبرِ الحاكم الزوج على الفيئة ولا الطلاق، ولا تطلق عليه بل لا بد من رضاه؛ لأن الحكم على هذا القول إنَّمَا يجوز برضاهما، فإذا لم يرضيا ردَدْناها إلى حاكمهم.
ويصح إيلاء المريض كإيلاء الصحيح، وكذا إيلاء الخصيِّ والمجبوب بعْضُ ذكره، إذا بقي قَدْر الحشفة؛ لأنه قادرٌ على الجماع، ويصح إيلاء العرَبِيِّ بالعجمية، وبالعكس، إذا كان يعرف معنى اللفظ، والحكْمُ فيه على ما بينَّا في الطلاق.
وقوله في الكتاب "أو مجبوبُ بعْضِ الذَّكَر" محمول على ما إذا كان قدْر الحشفة باقيًا، وان كان اللفظ مطلقاً.
وقوله "فالصحيح أنه لا يصح إيلاؤُه" أي من الطريقين، واتبع الإمام في اختيار هذا الطريق، والظاهر عند الأصحاب طريقةُ القولَيْن، وقوله "لا يصح إيلاؤه" مُعْلَم بالحاء، فان أبا حنيفة يصحِّحه، وقوله فيما "إن آلى ثُمَّ جُبَّ، انْقَطَعَ الإيلاءُ، وقيل يَطْردِ القَوْلَين" يعبر عن الطريقة الأولى، والثالثة من الطُّرُق التي حكَيْنَاها في هذه الصورة وإيراده يُشْعِر بترجيح طريقة البطلان على موافقة الإِمام؛ والظاهرُ إثباتُ القولين، ثم الظاهر فيه أنه لا يَنْقَطِع الإيلاء، وهو الذي أورده جماعةٌ من الأصحاب منْهم صاحب "التهذيب"، وقوله "وقيل: يطرد القولين" إنما كان يحسن موقعه أن لو كان المذكور قبله الطريقة القاطعة بعَدَم الانقطاع؛ تنبيهاً على أن هذه الصورة أَوْلَى ببقاء الإيلاء من الصورة السابقة بالصحة؛ لقوة الدوام وتحقق قصد الإيلاء، في الابتداء، ثم يقول: "وقيل بطرد القولين" أي مع هذا التفاوت 1، فأما إذا كان المذكور في هذه الصورة الطريقتين المذكورتين في الأولى بعينهما، فالأَحْسَن أن يُقَالَ: ولو آلَى، ثم جُبَّ جرى الطريقان، وقوله "لم يكن مُولِيًا" معلمٌ بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّاني: المَحْلوفُ به) وَهُوَ الله تَعَالَى أَوْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ فَإِنْ حَلفَ بِاللهِ ثُمَّ وَطِئَ لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ عَلَى الجَدِيدِ وَلاَ يَخْتَصُّ الإيلاَءُ بِاليَمِينِ بِاللهِ عَلَى الجَدِيدِ بَلْ كُلُّ مَا فِيهِ الْتِزَامٌ مِنْ عِتْقٍ وَطَلاَقٍ أَوْ لُزُومِ صَوْمٍ وَصَدَقَةٍ وَعُلِّقَ بِالوَطْءِ فَهُوَ إِيلاَءٌ ثُمَّ إِذَا قَالَ: إِنْ وَطِئْتِ فَلِلَّهِ عَليَّ صَوْمٌ أَوْ صَدَقَةٌ فَهُوَ يَمِينُ لَجَاجٍ وَفِيمَا يَلْزَمُ فِيهِ أَقْوَالٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الامتناع عن الوطء من غير يمين لا يُثْبت حكْم الإيلاء، سواء كان
هناك عذرٌ أو لم يكُنْ؛ لأنه ليس فيه إيذاء وإضرار بنصب مانع من الوطء، فإذا حلف لا يطؤها أكثر من أربعة أشهر، ثم طالبته بالوطء بعد أربعة أشهر، فوطئ لزمه الكفارة وعن أحمد: أنه يلزمه كفارة اليمين؛ لأنه قد حلف باليمين بالله تعالى، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَليُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ"، وفي القديم قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: أنه لا كفارة عليه؛ لأن الإيلاء باقتضاء الفيئة أو الطلاق مُنْتَزَع من حُكْم الأيمان؛ فكان التضييق عليه الفيئة أو الطلاق قائم مقام المؤاخذة، أيضاً قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] وذلك يُشْعِر بالعفو، والصفح وانتفاء المؤَاخذة، فإن وطئها قبل مضي المدة، فمنهم من قَطَع بوجوب الكفارة؛ لأنه حانث باختياره غير محمول عليه، والوعدُ، والمغُفرةُ في الآية مرتَّب على الفيئة بعد المدة، ومنهم من أجرى فيه الخلاف، وقال: إنه مُبادِر إلى التدارك، معجِّل لم يُطَالَب به في ثاني الحال، فاستحق التخفيف، ولو حَلَف على ألاَّ يطأها أربعة أشهر فما دونها، ثم وطئ، فعليه الكفارة؛ لأنه لَيْس بمُولٍ؛ وفي "البسيط" و"الوسيط" أن بعضهم أجرى الخلاف فيه وهو ضعيف.
وهل يختص الإيلاء باليمين بالله تعالى وصفاته؟ فيه قولان:
القديم، وهو رواية عن أحمد: نعم؛ لأنه المعهود من إيلاء الجاهلية، وإنما غَيَّر الشرح حُكْمَه لا صورته.
والجديد أنه لا يختص به، بل إذا قال: إن وطئتك، فعبدي حرٌّ أو فأنت طالقٌ، أو ضَرَّتك طالقٌ، أو قال: فلله عليَّ إعتاق رقبةٌ، أو صومٌ، أو صلاةٌ، كان مُولِيًا؛ لأن العتق والطلاق المعلقان بالوطْء ينزلان لو وطئ، وإذا علق قُرْبَةٌ، تلزمه إمَّا كفارة اليمين، أو الوفاء بالملتزم أو يتخير بين الأمرين على ثلاثة أقوالٍ مذكورة في "كتاب الأيمان"، وإذا كان كذلك، كان ما يلزمه بالوطْء مانعًا له من الوطء، وكان هو بِتَعَلُّقِ المحْذُور به مُضِرًّا بها، فينبغي أن يثبت لها المطالبة بالفيئة أو الطلاق، كما لو حَلَف بالله تعالى؛ ولأن جميع ذلك يُسمَّى يميناً، فتناوله إطلاق آية الإيلاء، وبنى هذا الخلاف بعضهم على الخلاف في أنه إذا حَلَف بالله تعالى، ثم وَطِئَ، هل تلزمه كفارة يمين؟
إن قلنا: نعم، انعقد الإيلاء بهذه الالتزامات؛ لتعلق محذور بالوطء، وإن قلنا: لا، وتبعنا المعهود، لم يُحْكَم بانعقاد الإيلاء بها، وذكر بناء على هذا البناء أنه يلزمه تخريج قوله "في القديم على موافقة الجديد" لأن له في لزوم الكفارة قولَيْن:
أحدهما: موافقة الجديد.
وعند أبي حنيفة ينعقد الايلاء [بجميع ذلك، كما في الجديد إلا إذا كان المعلَّق به صلاة 1 وشرط انعقاد الإيلاء] بالالتزامات المذكورة أنْ يلزمه شيء، لو وطئ بعْد أربعة أشهر أما إذا كانت اليمين تنحل قبل مضي مدة الإيلاء، فلا ينعقد الإيلاء فلو قال: إن وَطِئْتُك، فلِلَّه عليَّ أن أصلي هذه الليلة، أو هذا الأسبوع أو أصوم هذا الشَّهْر، أو شَهْر كذا وذكر شهراً ينقضي قبل أربعة أشهر من وقت اليمين، لم ينعقد الايلاء.
قال في "التتمة": وليس هذا كما إذا قال: لله عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقْدَمُ فيه فلانٌ، فقَدِم، وهو مفطر؛ حيث يلزم قضاء ذلك اليوم على قَوْل، وهاهنا إذا وطئ، لا يلزمه بالقضاء، ولا تثْبُت أحكام الإيلاء، بسبب ذلك القضاء؛ لأن الوفاء ممكنٌ، بأن يعرف قدومه قبل ذلك اليوم، فيصبح فيه ناويًا صائماً، وهاهنا لا يمكن القضاء؛ لانقضاء وقت الصوم حين تتوجه المطالبة.
ولو قال: إن وطئتك، فلله عليَّ أن أصوم شهراً أو عَيَّن شهراً متأخراً عن أربعة أشهر من وقت اليمين، فهو مُولٍ ولو قال: فعليَّ صوْم الشهر الذي وطئتك فيه، يلزمه أن يصوم بقيَّة ذلك الشهر، إن أوجبْنا في نَذْر اللَّجَاج، وفي قضاء اليوم الذي وطئ فيه وْجهان أخذاً من الخلاف في مسألة القُدُوم، ولو قال: فعلَيَّ صوم هذه السَّنة، فيكون مُوليًا إن بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر، وإلاَّ فلا, ولو قال: إن وطئتك فكل عبد يَدْخُل في مِلْكي حرٌّ، فهو لغُو؛ لأن تعليق العتاق بالملك لغو، وكذا لو قال: فعليَّ أن أُطلِّقك لأنه [لا] 2 يلزمه بالوطئ شيء، إذا قلنا بالجديد، ولو قال: إن وطئتك، فأنتِ طالقٌ إن دخلْت الدار، أو فعبدي حرٌّ بعد سنة، يكون مُوليًا؛ لأنه يلزمه بالوطء تعلُّق الطلاق بالدخول، والعِتْق بمضي السَّنة، كذا أطلقه 3 في "التهذيب" حَكَى الإِمام عن القاضي الحُسَيْن -رحمهما الله- القَطْع به، وعن الشَّيْخ أبي محمَّد: أنه على الخلاف فيما إذا قال: إن أصبْتُكِ، فوالله، لا أصبتك فيكون الراجح على ما سنذكره أنه [لا] 4 يلزمه شيْء بالوطء في الحال، وإنما يتعلَّق بسببه الطلاق بالدُّخُول كما يتعلَّق اليمين بالله تعالى بالوطء، وهذا أوْجَه، وبه قال الإِمام، والظاهر من ذلك الخلاف: أنه لا يكون مُولِيًا في الحال على ما سيأتي إن شاء الله [تعالى جَدُّه].
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: إِنْ جَامَعْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ العَبْدُ أَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ انْحَلَ الإِيلاَءُ وَإِنْ قَالَ: فَعَبْدِي حُرٌّ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ مُولِيًا وَلَكِنْ بَعْدَ انْقِضَاءِ شَهْرٍ مِنَ اللَّفْظِ
وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي وَكَانَ قَدْ ظَاهَرَ صَارَ مُوْليًا لالْتِزَامِهِ تَعْيينَ العَبْدِ وَتَعْجِيلَهُ فَإنْ وَطِئَ انْصَرَفَ العِتْقُ إِلَى الظِّهَارِ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ظَاهَرَ فَيَكُونُ مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ بِالظِّهَارِ فَيُعْتَقُ عَبْدُهُ إِنْ وَطِئَ وَيكُونُ مُوْلِياً وَإِنْ قَالَ: فَهُوَ حُرٌّ, عَنْ ظِهَارِي إِنْ تَظَاهَرْتُ فَإنَّمَا يَصِيرُ مُولِياً إِذَا ظَاهَرَ، لأَنَّهُ عُلِّقَ عَلَيْهِ ثُمَّ يُعْتَقُ عَبْدُهُ إِنْ وَطِئَ بَعْدَ ذَلِكَ لاَعَن الظِّهَار لأَنَّهُ قُدَّم تَعْلِيقَهُ عَلَى الظِّهَارِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى الظِّهَارِ لَمْ يُعْتَقْ لأَنَّهُ وَصَفَهُ بِمُحَالِ فَيَنْدَفِعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كلام الفصل ومسائل بعده تتفرع على الجديد الصحيح، وهو أن الإيلاء لا يختص بالحلف بالله تعالى، وبصفاته، ولا مجال لها على القول القديم، ويشتمل الفصل على مسألتين:
إحداهما: لو قال [إن] 1 وطئتك فعبدي حر، وجعلناه موليًا ثم مات العبد، أو أعتقه انحل الإيلاء لأنه لا يلزمه بالوطء شيء، ولو زال الملك عنه ببيع أو هبة فكذلك فإن ملكه بعد ذلك ففي عود الإيلاء قولا عود الحنث.
ولو دبر العبد، أو كاتبه لم ينحل الإيلاء؛ لأنه يعتق لو وطئها، وكذا لو علق بالوطء عتق جارية واستولدها, ولو قال: إن وطئتك فعبدي حر قبله بشهر، فإنما يصير موليًا إذا انقضى شهر من وقت تلفظه بذلك؛ لأنه لو وطئها قبل تمام شهر لم يحصل العتق فإن معلق العتق مستند إلى ما قبل الوطء بشهر، والعتق لا يتقدم على اللفظ، وينحل الإيلاء بذلك الوطء فإذا انقضى شهر من غير أن يطأها فتضرب مدة الإيلاء وتتوجه المطالبة في الشهر الخامس، هذا ما ذكروه هاهنا, ولا شك أنه الجواب الظاهر لكن ذكرنا فيما إذا قال إن قدم فلان فأنت طالق قبله بشهر، وقدم قبل مضي شهر ما يخرج منه وجه أنه يقع الطلاق في الحال فعلى ذلك الوجه لو وطئها قبل مضي شهر يعتق العبد، ويصير موليًا في الحال، ولا حاجة إلى مضي شهر، وإذا قلنا بالظاهر فلو وطئها في مدة الإيلاء أو بعد ما توجهت المطالبة بالفيئة، أو الطلاق حكم 2 بعتق العبد قبله بشهر، وإن طلقها حين طولب ثم راجعها ضربت المدة مرة أخرى، وإن جدد نكاحها بعد انقضاء العدة ففي عود الإيلاء قولاً عود اليمين ولا خلاف في أنه لو وطئها يحكم بعتق العبد قبله بشهر، وإن وقع الوطء على صورة الزنا, ولو باع العبد في الشهر الرابع فإن وطئ قبل تمام الشهر من وقت البيع بَانَ حصول العتق قبل البيع، وإن تم من وقت البيع شهر ولم يطئها ارتفعِ الإيلاء؛ لأنه لو وطئ بعد تمام ذلك لم يحصل العتق
قبله بشهر لقدم البيع على شهر، هذا ما ذكره أكثر الأئمة المتكلمين في هذه المسألة تصويرًا، وحكمًا، وحكى أبو القاسم الفوراني وجهاً: أنه يطالب بعد تمام أربعة أشهر من وقت اللفظ لأنه ربما يطلقها، والطلاق لا يستند، وتابعه أبو سعد المتولي في هذه الحكاية وزاد شيئاً آخر 1 وهو التصوير فيما إذا قال: عبدي حر.
قبل أن أطأك بشهر [وادعى أنه إذا قال: إن وطئتك فعبدي حر قبله شهر] فهي من صور اليمين الدائرة، وفيها الخلاف المشهور فإن ألغيت لم ينعقد الإيلاء وإن ألغي قوله قبله [وقدر] 2 كأنه قال: إن طلقتك فأنت طالق فهاهنا يكون موليًا في الحال، ويصير كما لو قال [إن] 3 وطئتك فعبدي حر [وإن صححنا اليمين الدائرة فالحكم 4 كما لو قال عبدي حر] قبل أن أطاك بشهر، فهذا شيء لا يتضح لي.
المسألة الثانية إذا علق بالوطء عتق العبد عن جهة الظهار فقال: إن وطئتك فعبدي حر عن ظهاري فإن كان قد ظاهر صار موليًا على الجديد لأنه، وإن لزمته كفارة الظهار فعتق ذلك العبد بعينه، وتعجيل الإعتاق عن الوطء زيادة التزمها بالوطء ليست هي من موجب الظهار ثم إذا وطئ في حدة الإيلاء، أو بعدها فهل يعتق العبد عن الظهار؟ فيه وجهان:
أحدهما لا؛ لأن العتق عن الظهار ينبغي أن يكون خالصاً للظهار، وهذا قد يتأدى به حق الحنث فلا يتأدى به حق الظهار وأصحهما نعم؛ لأن العتق المعلق بالشرط كالمنجز عند حصول الشرط فكأنه قال: عند الوطء أعتقتك عن ظهاري، وطرد هذا الخلاف في سائر التعليقات كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت حر عن ظهاري.
فإن لم يكن قد ظاهر فلا إيلاء ولا ظهار فيما بينه وبين الله تعالى، ولكنه مقر على نفسه بالظهار فيحكم في الظاهر بكونه مظاهرًا، وموليًا ولا يقبل قوله إني لم أكن مظاهرًا، وإذا وطئ عاد في كون العتق عن الظهار في الظاهر الوجهان ولو قال: إن وطئتك فعبدي حر عن ظهاري إن ظاهرت فلا يكون موليًا في الحال؛ لأنه لا يعتق العبد لو وطئها قبل الظهار، ولا يناله محذور فإذا ظاهر صار موليًا؛ لأن العتق حينئذ يحصل لو وطئ وذكر القاضي ابن كج والإمام أن من الأصحاب من جعل كونه موليًا في الحال على قولين لأن العتق معلق بوصفين الوطئ والظهار، ولو وجد الوطء الذي هو أحد الوصفين قرب حاله من الحنث، والقرب من المحذور محذور فيخرج على القولين فيما إذا قال لأربع نسوة والله لا أجامعكن هل يكون موليًا عن جميعهن في الحال لأنه يقرب
من الحنث بوطء أية واحدة وطئها، والظاهر الأول، ويوافق الطريقة الأخرى ما ذكر جماعة منهم "صاحب التتمة" أنه لو وطئ، ثم ظاهر عتق العبد كما لو ظاهر أولاً ثم وطئ؛ لاجتماع الصفتين المعلق عليهما, ولك أن تقول وجب أن ينظر في صيغة التعليق إن قال إن وطئتك إن ظاهرت منك فعبدي حرٌ أو قال: عبدي حر إن وطئتك إن ظاهرت منك، ويشترط أن يتقدم الظهار على الوطء، ولو تقدم الوطء ثم وجد الظهار فلا يعتق العبد كما ذكرنا فيما إذا قال: إن دخلت الدار إن كلمت زيداً فأنت طالق، أو قال أنت طالق إن دخلت إن كلمت، وإذا لم يحصل العتق عند تأخر الظهار عن 1 الوطئ لا يكون الوصف مقربًا من الحنث، وإن كان الصيغة إن وطئتك فعبدي حر عن ظهاري إن ظاهرت وهذه الصيغة هي التي استعملوها، وتكلموا فيها فهي محتملة يجوز 2 أن يريد بها أنه إذا وطئها تعلق عتقه بالظهار ويتحمل أن يريد بها أنه إذا ظاهر عنها تعلق العتق بالوطء والوجه أن يراجع الشخص كما ذكرنا فيما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً فإن أراد أنه إذا ظاهر تعلق عتق العبد بالوطء فعلى موجب ما مر في مسألة الطلاق لا يعتق العبد إذا تقدم الوطء على الظهار، ولا يكون الوطء مقرباً من الحنث، وإن أراد (3) أنه إذا وطئ تعلق العتق بالظهار فالذي قيل من حصول العتق إذا ظاهر بعد الوطء صحيح، والوطء حينئذ يكون مقربًا من الحنث فيتجه تخريجه على الخلاف المذكور والله أعلم بالصواب.
وقد ذكر "صاحب التتمة": أنه [لو] (4) قال: إن وطئتك فعبدي حر إن ظاهرت، ولم يقل عن ظهاري: يكون موليًا في الحال؛ لأنه التزم بالوطء تعليق العتق بالظهار، وهو كما تقدم أنه لو قال: إن وطئتك فعبدي حر بعد سنة يكون موليًا في الحال.
قال: ويخالف ما إذا قال: عن ظهاري؛ لأن هناك جعل العتق عن الظهار، وهاهنا علق بالوطء 3 تعلقه بالظهار [ولم يجعل العتق في مقابله شيء آخر ثم إذا قلنا بالظاهر] وهو أنه إنما يصير موليًا إذا ظاهر، فلو وطء في مدة الأيلاء، أو بعدها حصل العتق لوجود الظهار والوطء متأخر عنه، ولا يقع هذا العتق عن الظهار باتفاق الأصحاب، ولِمَ لا يقع قال أبو إسحاق؛ لأن تعليق [العتق] سبق الظهار، والعتق لا يقع عن الظهار [إلا بلفظ يوجد بعده وقال ابن أبي هريرة لأنه لا يقع خالصًا عن الظهار] 4 لتأدي حق الحنث به فأشبه ما إذا اشترى قريبه، ونوى أن يكون عتقه عن الكفارة والأول أصح عند الأئمة، وبنوا على التعليلين المذكورين الوجهين في وقوع العتق عن الظهار إذا كان قد ظاهر،
وقال: إن وطئتك فعبدي حر عن ظهاري ثم وطئ فعلى التعليل الأول يقع العتق عنه؛ لأن الظهار سابق هناك وعلى الثاني لا يقع 1 وكذا لو قال إن وطئتك فعبدي حر عن ظهاري إن ظاهرت وكان قد ظاهر ونسي فيكون موليًا في الحال فهذا وطئ عتق العبد عن الظهار على التعليل الأول دون الثاني هذا هو المنقول، وذكر صاحب الكتاب هاهنا وفي "الوسيط" احتمالاً: أنه [لا] 2 يعتق العبد إذا وطئ بعد الظهار؛ لأنه لا يمكن وقوع العتق عن الظهار وهو إنما أعتق عن الظهار وعلى هذا فلا يصير موليًا؛ لأنه لا يلزمه بالوطء شيء.
قال: في "الوسيط" إلاَّ أن يقال يلغى قوله عن ظهاري؛ لأنه جعل العتق محالاً ويبقى قوله فعبدي حر وقوله هاهنا "لأنه وصفه بمحال فيندفع" يعني الوقوع عن الظهار وهو محال فيندفع العتق، ولو قرئ "إلا أنه وصفه بمحال فيندفع" [كان جواب الاحتمال كما ذكره في الوصف أي فيندفع] 3 الوصف بكونه عن الظهار.
فرع: قال: لامرأته إن وطئتك فلله عليّ أن أعتق عبدي هذا عن ظهاري وكان قد ظاهر عنها أو عن غيرها وعاد فلزمته الكفارة فهل يكون موليًا يبنى على أنه إذا كان في ذمته إعتاق رقبة فنذر على وجه التبرر أن يعتق العبد الفلاني عما 4 هو عليه فهل يتعين ذلك العبد أم لا؟
النص فقول عامة الأصحاب أنه يتعين كما لو نذر ابتداء إعتاق عبد معين واختار المزني أنه لا يتعين وخرجه على أصل الشَّافعي -رضي الله عنه- واستشهد عليه بأنه لو كان عليه صوم فنذر صوم يوم الخميس عن الصوم الذي هو في ذمته لا يتعين ذلك اليوم وعدّ الإِمام ما ذكره قولاً في المذهب فقال تخريجه أولى من تخريج غيره 5 والذاهبون
إلى التعيين في العتق اختلفوا في الجواب عن مسألة الصوم فمنعها ابن أبي هريرة.
وقال: يتعين ذلك اليوم وسلمها الأكثرون وقالوا العتق أشد تعلقًا بعتق العبد من تعلق الصوم باليوم؛ ألا ترى أنه لو نذر في الابتداء صوم يوم بعينه ففاته الصوم فيه يقضي يوماً مكانه، ولو نذر عتق عبد بعينه فمات لا يلزمه أن يعتق غيره وأيضاً فإن العبد المعين صاحب حق في العتق فيراعى حقه بخلاف تغيير اليوم، ونقل الإمام أن القاضي الحُسين وَفّى بقضية هذا الفرق.
فقال: لو نذر أن يصرف زكاته إلى أشخاص معينين من الأصناف تعينوا رعاية لحقهم وأن الأكثرين قالوا لا يتعينون وربما فرقوا بقوة العتق وبأن غرض العتق أولى بالرعاية وبأن عتق العبد المعين بابتداء النذر يتعين فألحق التعيين في الدوام بالتعيين في الابتداء والمصرف إلى الفقراء المعنيين بخلاف ذلك، إذا عرف ذلك فإن قلنا إن العبد الذي عينه لا يتعين عما كان عليه فلا يكون موليًا؛ لأنه لا يلزمه بالوطء شيء وبه قال المزني رحمه الله.
وعن أبي حنيفة مثله وإن قلنا يتعين فقد اخرج الالتزام هاهنا مخرج نذر اللجاج والغضب فكان كما لو قال إن وطئتك فلله عليّ صوم أو صلاة فيكون موليًا في الحال على الجديد وهذا نصه رضي الله عنه في "الأم" ونقل المزني في "المختصر": أنه لا يكون موليًا فمن الأصحاب من حمل ما نقله على القول القديم في أن الإيلاء لا ينعقد إلاَّ بالحلف بالله تعالى وقال أكثرهم إنه لم يقصد الحكاية عن القديم لكنه أخطأ في النقل وإذا قلنا بصحة الإيلاء فإن طلق بعد المطالبة خرج عن موجب الإيلاء وكفارة الظهار في ذمته يعتق عنها ذلك العبد أو غيره وإن وطئ في مدة الايلاء أو بعدها فالواجب ما يلزم [في نذر] اللجاج فإن قلنا عليه كفارة يمين أو خيرناه فاختار كفارة اليمين [فإن] 1 أطعم أو كسا فعليه الإعتاق عن الظهار وإن أعتقه أو عبداً آخر عن اليمين فعليه الإعتاق عن الظهار وإن قلنا عليه الوفاء بما سمى أو خيرناه فاختار الوفاء وأعتق ذلك العبد عن ظهاره فقد خرج عن عهدة اليمين.
وهل يجزئه عن الظهار فيه وجهين:
أصحهما وبه قال أبو إسحاق نعم.
والثاني وبه قال أبو علي بن أبي هريرة والطبري: لا؛ لأنه لا يتأدى به حق الحنث فلا يخلص للظهار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا فَهُوَ مُوْلٍ فَإن وَطِئَ فَعَلَيْهِ
النَّزْعُ عِنْدَ تَغْيِيبِ الحَشَفَةِ وَقِيلَ: يَحْرُمُ بِهِ الوَطْءُ لأَنَّ النَّزْعَ مِنَ الجِمَاعِ وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِهَا: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَقَعَ بِالوَطْءِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ لاِقْتِرَانِ المَسِيسِ بِالطَّلاَقِ وَلَوْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُكَ فَضَرَّتُكِ طَالِقٌ فَهُوَ مُوَلٍ فَإنْ مَاتَتِ الضَّرَّةُ انْحَلَ الإِيلاَءُ وَإِنْ أَبَانَهَا فَكَمِثْلِ وَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا وَقُلْنَا: يَعُودُ الحِنْثُ فَيَعُودُ الإيلاَءُ وَتُبنَى العِدَّةُ عَلَى مَا مَضَى فَلاَ تُسْتَأْنَفُ وَلَوْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُ إحْدَاكُمَا فَالأُخْرَى طَالِقٌ وَأَبَى الفَيْئَةَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُطَلِّقَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الإِبْهَامِ ثُمَّ عَلَى الزَّوْجِ أنْ يُبَيِّنَ مَا نَوَى أَوْ يُعَيِّنَ وَقِيلَ: لاَ يَصِحُّ دَعْوَاهُمَا مَعَ الإِبْهَامِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصْل فيما إذا علَّق بالوطء الطلاق، فأمَّا طلاق الموطوءة أو طلاق زوجة أُخْرى، فقد ذكرنا أنه ينعقد به الإيلاء على القول الجديد، وفي الفَصْل صُورٌ:
إحداها: إذا قال: إن وطئتك، فكنت طالقٌ أو فأنت طالقٌ ثلاثاً، فيطالب بعد مُضيِّ المدة، وَبِمَ يطالب؟ فيه وجهان:
أحدهما، وهو قول ابن خيران: أنه يُطالَب بالطلاق على التعيين، ويمتنع من الوطء؛ لأن الطلاق يقَع بعد تغيب الحَشَفة، والنزع يقع بعد وقوع الطلاق، وأنه نوع استمتاع، ولا يجوز الاستمتاع بالمطلَّقة، وأيضاً فإنه لا يتأتى وصْل النزع بآخِر التغيب، بل يقع بينهما فصْلٌ، وهي في تلك الحالة محرَّمة عليْه، وأيضاً فإن الصائم إذا خشي طلوع الفجر ووقوع النَّزْع بعد الطلوع، يمنع من الوطء، فكذلك هاهنا.
وأظهرهما، وقد نَصَّ عليه: أن يُطَالب بالفيئة أو الطلاق.
وقال في "الوسيط" ويبيَّن أن عليه النزع، كما غابت الحشفة، ولا يمنع من الوطْء بتعليق الطلاق [به] 1؛ لأن الوطء يقع فيْ النكاح، والذي يقع بعد وقوع الطلاق هو النزع، والنزع تَرْك الجماع والخروج عن المعصية، وشُبِّه ذلك بما لو قال لغيره: ادْخُلْ دارِي، ولا تقم فيه، يجوز له الدخول، والقول بأنه يقع بينهما فصْل لا حاصل له، فإن التكليف بما في الوُسْع، والفَصْل الذي [لا يحس]، لا عبرة به، ومسألة الصوم ممنوعةٌ، إن تحقَّق وقوع الإيلاج في الليل، ولا فرق بين الصورتين، وإذا وطئ إمَّا قبل مضي المدة، وإما بعدها، فإن نَزَع كما غيب الحشفة، فذاك، وإن مكث، فلا حَدَّ؛ لأنه وطءٌ كان ابتداؤه مباحاً، وفيه وجه عن رواية ابن القطَّان وغيره: أنه يجب الحدُّ إذا كان عالماً بالتحريم تنزيلاً للاستدامة منزلة الابتداء، كما يجب بدأ الكفارة في رمضان، واختاره القاضي الرُّويانيُّ، والمذهب الأول وفي وجوب مَهْر المِثْل بالمُكث اختلافٌ قد
[مَرَّ] ذِكْره 1 في "كتَاب الصَّوْم"، والظاهر أنه لا يجب، وإن نزع ثم أولج، فلا حَدَّ إن كان رجعيةٌ، وحكم المَهْر ما ذكَرْنا في الرجْعة، وإن كان قد عَلَّق به الطلاق الثلاث، فإن كانا جاهلَيْن بالتحريم؛ بأن اعتقدا أن الطَّلاق لا يقع إلاَّ بالاستيعاب، فلا حد للشبهة، ويجب المهر، ويثبت النسب والعدة، وإن كانا عالِمَيْن بالتحريم، فوجهان:
أحدهما: أنه يجب الحد؛ لأنه وطء مستأنفٌ خالٍ عن الشبهة، وعلى هذا، فلا مهر ولا نسب ولا عدة.
والثاني: المَنْع؛ لأن الناس يعدون الإيلاجات 2 المتتابعة وطأة واحدةً، وعلى هذا، يجب المهر، ويُحْكى هذا الوجه عن أبي الطيِّب بن سلمة، ورجَّح الشيخ أبو حامد ومن تابعه هذا، والأول أقوى، وهو اختيار القَفَّال، والقاضيين الطبري والروياني.
وبترجيحه قال الإِمام وصاحب "التهذيب" -رحمهم الله-، وإنْ علم الزَّوْج التحريم دون الزوجة، فلا حدَّ عليها, ولها المَهْر، وكذا لو علِمَتْ، ولم تَقْدِر على الدَّفْع، وفي وجوب الحد على الزَّوْج الوجْهَان، وإن كان الزَّوْج جاهلاً بالتحريم، وهي عالمة قادرةً على الدفْع، فأظهر الوجْهَيْن: أنه يجِبُ عليها الحدُّ، ولا يجب لها المَهْر.
وأما قوله في الكتاب: "ولو قال لغير المدخول بها: إن وطِئْتُك، فأنت طالقٌ واحدةً، وقَع بالوطْء طلقةٌ رجعيَّة"، فهذا فَرْع ذكره الإِمام -رحمه الله- في هذا المَوْضع، ووافَقَه صاحب الكتاب، وحظُّ الإيلاء منْه أن يكونَ موليًا بهذا التَّعْليق، فأما أنَّ الطلاق يقَع رجعيًّا فلا اختصاص له بالباب، وإنما كان رجعيًّا؛ لأن الطَّلاَق المعلَّق بالصِّفة، إن وقع مترتِّباً علَيْها، متأخِّراً عنْها، فهذا طلاقٌ وقَع بعْد المسيس، فيكون رجعيّاً، وإن وقع مقارنًا لها، وهذا ما تعرَّض له في الكتاب؛ بقوله: "لاقتران المسيس بالطلاق" والوطْء الجاري يقتضي العدة؛ فيكون الطلاق مع العدَّة، وذلك يقتضي ثُبُوت الرجْعة ربما قَبْل الوطْء والطلاق، وإن تَقَاربا، لكن الوطْء مقرر، والطلاق مُبَيّن، فإذا اجتمعا يُغَلَّب جانب تقرير النكاح، والصورة شيبهة بما سَبَق أن العَبْد لو قال لزوجته: إذا مات سيدي فأنْتِ طالقٌ طلقتين وقال السَّيِّد: إذا متُّ، فأنْت حرٌّ [لا] يحتاج في نكاحها إلى المُحلِّل؛ لمقارنة الطلقتَيْن، وقد ذكَرْنا هناك وجْهًا آخر، ولا يبعد مجيء مثله هاهنا, ولفْظ الواحدة من قَوْله "فَأنْتِ طالقٌ واحدةً" غير محتاج إليه في التصوير؛ فإن
قضية قوله "فأنتِ طالقٌ" هي قضية قوله "أنتِ طالقٌ واحدةً".
الصورة الثانية: إذا قال: إنْ وطِئتكِ، فضَرَّتُك طالقٌ، فهو مُولٍ عن المخاطبة في الجديد، معلِّق طلاق ضَرَّتها بوطئها، فإن وطئ المخاطبة قبل مضيِّ المدة أو بعدها، طُلِّقت الضَّرَّة، وانحل الإيلاء، وإنْ طلَّقها بعد المطالبة، ولم يطأها سقَطَت المطالبة.
ولم يطأها، وخَرَج عن موجب الإيلاء، فإن راجَعها بعد ذلك عاد الإيلاء، فهذا حكْم كل الإيلاء على ما سيَأْتي، وإن بانَتْ فجدَّد نكاحها، ففي عَوْد الإيلاء أقوالُ عَوْدِ اليمين، وهذا يشملُ كلَّ إيلاء، وقد ذكَرْناه في "الطلاق"، فإن قلنا يَعود الإيلاء، استُؤْنِفَت المدة من يَوْم النكاح.
نصَّ عليه القاضي أبو الطيِّب وغيره.
وسواءٌ قلْنا يعُود الإيلاء أو لا يَعُود، فطلاَقُ الضرَّة يبقى معلَّقاً بوطء المخاطبة، حتى إذا وطِئ المخاطبة بعد الرَّجْعة أو التجديد وقع بلا 1 خلاف، وكذا لو وَطِئَها، وهي بائن زانياً، ولا يعود الإيلاء، لو نَكَحها بعد ذلك لانْحلاَل اليَمِين.
بوطء الزنا ولو ماتت الضرة، انحلَّ الإيلاء؛ لأنه حينئذ لا يلْحَقه محذورٌ بوطئها, ولو طلَّقها لم يرتفع الإيلاءُ ولا المطالبة ما دامَتْ في عدة الرجْعة؛ لأَنَّه لو وَطِئ المخاطبة، لَطُلِّقت، فإذا انقضتْ أو أبان الضَرَّة بالخلع، أو بطلاق بأن كانَتْ غير مدخول بها، أو باستيفاء الثَّلاَث، فيرتفع وتسْقُط المطالبة، وإن كان ذلك بعد مضيِّ مدة الإيلاء؛ لأنه لو وَطِئَها بعْد ذلك، لم يقَع الطَّلاق، ثم إنْ وَطِئ المخاطبة، انحلَّت اليمين، ولا يعُود إيلاَؤُها لو نُكِح الضرة.
وإن نَكِحَ الْضَرَّة قبل أن يطأَها، فعلى الخلاف في عَوْد اليمين، إن قلْنا: لا يعود، ولا تُطلَّق في النكاح بوطْء المخاطبة [لم يعد] الإيلاء، وإن قلنا: تعود عاد، وإنْ حكْمنا بعَوْد الإيلاء، فيستفتح المدة أو يبني على ما مضى، قال الإِمام: الظاهرُ عندنا: أنها لا تسْتَفْتِح وتبنى على ما مَضَى، بخلاف ما إذا طُولِبَ المولَى بالفَيْئة أو الطَّلاق، وطلَّقها ثم راجَعَها حَيْث تَضْرب مدة مستفتحة على ما سيَأْتي: أنه لو طولب بما يَدْفع الضرر، إما بالرجوع إليها أو بتخلعيها، فإذا طلَّقها فقد سعَى في التخليص، وأسْعَف بأحد طَرَفِي المطلوب، فأثَّر الطلاق في استحداث مدَّةٍ أخْرَى، وأمّا إبانة الضَّرَّة، فلَيْس إسْعافًا بوجه من وجُوه الطلب.
هذا ما أورده صاحب الكتاب قال الإِمام: وقد يتجه المصير إلى استفتاح المدة، فإن الزوج بإبانة الضرة، رفع المانع من الوطء، فكان ذلك قطعاً لسبب الضرر وتسهيلاً للإقدام على الوطء، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ويشبه أن يكون هو
الأظْهَر، فليُعْلَمْ لذلك قوله وتبنى العدة على ما مَضَى، فلا تستأنف المدة بالواو.
الثالثة: إذا قال لامْرأتيه: إن وطئْت إحداكما، فالأخرى طالق، فإما أن يُعيِّنَ بقلبه واحدةً منهما، أو لا يعين، إن عيَّن، فهو مُولٍ عنها وحْدها, لكن الأمر في الظاهر مبهم، فيقال له بعد المدة؛ مَنِ التي أردتها، وألَيْتَ عنها؟ فإن بيَّن، فلها مطالبته بالفيئة أو الطلاق، ولا إشكال، والقول قولُه مع يمينه في أنَّه لم يُرِدِ الأخرى، وإن لم يبيِّن، وطالبناه جميعاً، قال له القاضي: فيء [إلى] التي آليت عنها أو طلِّقها، فإن امتنع، طلَّق قال له القاضي: فيء [إلى] التي آليت عنها أو طلِّقها، فإن امتنع، طلَّق القاضي إحداهما على الإبهام.
تفريعًا على أن القاضي يُطْلِق على المُولي إذا امتنع، وهذا ما أجاب به ابن الحدَّاد في المسألة، وعن القفَّال: أنه لا يُطلِّق القاضي إحداهما على الإبهام واعترض على ما قاله ابن الحدَّاد بأنهما معترفان بالإشكال، فدعواهما أنه آلَى عن إحداهما مبهمة غير مسموعة، كما إذا أحْضَرَ رجلان عنْد القاضي، وقالا لأحدنا على هذا كذا، وزاد في "التتمة"، فقال: هذا إن جاءنا معاً وادعتا كذلك، فإن انفردت كلُّ واحدة، وقالت: آلى عنِّي، فإن أقر بها قالتا: أُخِذَ بمُوجب إقراره، وإن كذَّب الأولى منهما، تعيَّن الإيلاء في الثانية، وتعجَّب الإِمام من الشيخ أبي علي، حيث لم يحل اعتراض القَفَّال، مع أنه من أقْدَم أصحابه، وأنه تَبَسَّط في نَقْل ما قِيلَ، ولا تعترض علَيْه من تلقاء نفسه.
وقال كثير من الأصحاب: إن ما قاله ابن الحدَّاد جيِّدٌ، ووجَّهوه بأن الضرر حاصلٌ مع اعترافهما بالإشكال، ولا سبيل إلى إهمال الواقعة، ولا إلى تطليق واحدة بعينها، فأدت الضرورة إلى ما ذكره، وإذا قيل به، فلو قال الزوج: راجَعْت التي وَقَع عليها الطَّلاق، ففي صحة الرَّجعة هكذا وجْهان سَبَقا في "الرَّجعة"، وبالصحة أجاب ابن الحدَّاد؛ وعلى هذا تضرب المدة مرةً أخرى، ويُطلِّق القاضي مرة أخرى على الإبهام، وهكذا إلى استيفاء الثلاث، والأظهر أن الرَّجعة لا تَصِحُّ على الإبهام بل تبين المطلقة أولاً ثم يراجع إن شاء، ولو أنه وطئ واحدةً منهما قبل البيان قال الشيخ أبو علي -رحمه الله-: لا يُحْكَم بطلاَق الأُخرى؛ لأنا لا ندري أن التي عناها هي الموطوءة أو الأخرى، ويبقى الأمر بالبيان، كما كان فإن قال: أردت الأخرى، لم تُطلَّق واحدة منهما، ويطالب لهما بالفيئة أو الطلاق، فإن وطئها، طُلِّقت الموطوءة الأولى، وإن قال: أردت الإيلاء عن الموطوءة، طُلِّقت الأخرى، وخرج عن موجب الإيلاء، فهذا إذا كان قد عيَّن بقلبه واحدة منهما أما إذا قال: إن وطئت إحداكما، فالأخرى طالقٌ، ولم يعين بقلبه واحدةٌ منهما، فالذي ذكره الشيخ أبو علي وأورده صاحب "التهذيب" أنه يكون مُولِياً عنهما؛ لأنَّ أية واحدةٍ [منهما وطئها] تُطلَّق الأخرى، ويلحقه المحذور، ويشبه أن يُقال: إنه يكون مُولِيا عن واحدة منهما، ويؤمر
بالتعيين كما في الطلاق 1، وسيأتي مثله 2 فيما إذا قال: لنسائه والله، لا أجامع واحدةً منكن، ولا يُعيِّن واحدة بقلبه، ويوافق هذا كلام صاحب الكتاب لأنه قال "فللقاضي أن يُطلِّق إحداهما على الإبهام"، ولم يُفَرِّق بيْن أن يعيِّن واحدةً بقلبه أو لا يعيِّن، ولو كان مُولِيًا عنهما جميعاً، لَطَلَّق كل واحدة منهما عند إلامتناع، وقد صرَّح به الشيخ أبو علي؛ بناء على ما ذكره، وقوله "ثم على الزوج أن يبيِّن ما نوى أو يعيِّن" أراد به أن يبيِّن التي عناها، إن كان قد عَيَّن واحدةً بقلبه والطلاق الذي أوقعه القاضي يَقَع مصادفاً لها أو يعيّن الآن 3 إن لم يكن قد عَيَّن واحدة عنْد اللفظ، ويكون ما أوقعه القاضي بيْنهما إلى أن يعيِّن، كما لو أبهم بنَفْسه، ثم ذكر الشيخ -رحمه الله- بناءً على جوابه أنه إذا طُولِب بالفيئة أو الطلاق، فلو وطئَ واحدةً منهما، طُلِّقَت الأخرى، وتَخلَّص عن الإيلاَءَيْن، ولو طلَّق واحدةً منهما، لم يسقط حكم الإيلاء، في الثانية: لأن بالوطء تنحل اليمين، وبالطلاق لا تنحل، حتى لو وطئ الَّتي لم يِطَلِّقْها، وقَعت طلقة أخرى على الَّتي طلَّقها إذا كانَتْ في عدَّة الرَّجعة 4. ولو قال: كما وطئْت إحداكما، فالأخرى طالقٌ، ووطِئَ بعْد المطالبة إحداهما وطُلِّقت الأخرى، يتخلص عن موجب الإيلاء في حقِّ الموطوءة، ولا يتخلَّص بالكلية
في حقِّ الأخرى، وان سقطت المطالبة في الحال بوقوع الطلاق، وإنما لا يحصل الخلاص الكليُّ في حق الأخرى، لبقاء اليمين في حقها، واقتضاء اللفظ التَّكرار، فإذا راجَعَها عاد فيها الإيلاء، وحكى "صاحب الشامل" كلام ابن الحدَّاد في المسألة، ثم قال: ومِنَ الأصحاب -رحمهم الله- مَنْ قال: إنه يكون مُولِياً عنهما جميعاً، وهذا أصحُّ ولم يُفرِّق بين ما إذا عيَّن واحدةً بقلبه، وما إذا لم يعيِّن، ولا وجه لكونه مُوليًا عنْهما مع تعيين واحدة بالقلب بحال.
قَال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ لأَرْبَعِ نِسْوَةٍ: وَالله لاَ أُجَامِعُكُنَّ فَإِنْ جَامَعَ ثَلاَثًا صَارَ مُولِيًا عَنِ الرَّابِعَةِ وَالكَفَّارَةُ تَجِبُ بِوَطْءِ الجَمِيعِ وَبِوَطْءِ وَاحِدَةٍ يَقْرُبُ مِنَ الحِنْثِ وَلاَ يَحْنَثُ وَالقُرْبُ مِنَ الحِنْثِ مَحْذُورٌ وَلَكِنَّهُ لاَ يَصِيرُ بِهِ مُوليًا عَلَى الجَدِيدِ وَلَوْ قَالَ: وَاللهِ لاَ أُجَامِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ فَهُوَ مُولٍ إِذْ يَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ بِوَطْءٍ أَيِّ وَاحِدَةٍ وَطِئَهَا وَلَوْ قَالَ: وَاللهِ لاَ أُجَامِعُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ وَأَرَادَ لُزُومَ الكَفَّارَةِ بِوَطْءِ أَيِّ وَاحِدَةٍ كَانَتْ فَهُوَ مُولٍ وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً فَهُوَ مُولٍ وَلَكِنْ لَهُ أَن يُعَيِّنَ وَاحِدَةً فيَخْتَصُّ الإِيلاَءُ بِهَا وَيَقُولُ: هِيَ الَّتي أَرَدتُّهَا وَأَنْشَأْتُ تَعْيِينَهَا عَنِ الإبْهَام وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يَكُونُ مُوليًا لأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَرْجُو أنْ لاَ تَكونَ هِيَ المعَيَّنَةَ وَلَوْ أَطلَقَ اللَّفْظَ فَعَلَى أَيِّ الاحْتمَالَيْنِ يُحْمَلُ فِيهِ وَجْهَانِ وَلَوْ قَالَ: لاَ أُجَامِعُكِ في السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإذَا وَطِئَ مَرَّةً صَارَ مُوليًا إنْ بَقِيَ مِنَ السَّنَةِ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لاَ أُجَامِعُكِ إِلاَّ عَشْرَ مَرَّاتٍ أَوْ مِائَةً فَإذَا اسْتَوْفَى العَدَدَ صَارَ مُوليًا إنْ بَقِيَتِ المُدَّةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفَصْل مسألتان مبنيتان على أصل، وهو أنه قد تبيَّن في الباب أن المُوْليَ مَن علَّق بالوطء مانعًا منه مِن حنث في يمين أو عتق أو طلاق، فإذا كان الوطء بهذه المثابة، كان الشخص مُولِيًا، أما إذا لم يتعلَّق الحنث بالوطء، لكنه كان مقرباً من الحنث، فهل يكون مُولياً؟ فيه قولان:
أصحهما، وهو الجديد، وأحد قولَي القديم: لا؛ لأنه لا يتعلَّق به لزوم شيء، ولا يلحقه به ضرر.
والثاني، وهو الثاني من قولي القديم: نعم؛ لأن القُرْب من الحنث محذورٌ أيضاً، فأشبه ما إذا تعلَّق به نفسْ المحذور، إذا عُرِف ذلك، فالمسألة الأولى: إذا كانت تحته أربع نسوة، فقال: والله، لا أجامعكن، فالكلام فيما يَتعلَّق باليمين والحنث، ثم في الإيلاء أما الأوَّل، فلا يحْصُل الحنث، إلا بجماعهن جميعاً؛ لأن اليمين معقودةٌ على الكلِّ وإذا وَطئهن، لم يلْزَمْه إلا كفَّارة واحدةٌ؛ لأن اليمين واحدةٌ، ولو مات بعضهن
قبل الوطء، انحلت اليمين؛ لأنه تحقق امتناع الحنث، ولا نظر إلى تصور الإيلاج بعد الموت؛ فإنَّ اسم الوطء يُطْلَق على ما يقع في الحياة، وفي كتاب القاضي ابن كج ورواية الشيخ أبي علي -رحمهما الله-: أن البِرَّ والحنث يتعلقان بوطء الميتة أيضاً، وأشار بعضهم إلى وجه فارق [بين] 1 ما قبل الدفن وما بعده، ولا أَثَر لِمَوْت بعْضهم بعْد الوطء.
قال الإِمام: والذي أراه أن الاتيان في غير المأتَي كهو في المأتي؛ في حصول الحنث 2، ولو طلقهن أو بعضهن قبل الوطء، لم تنحل اليمين، بل تجب الكفارة بالوطء بعد البينونة، وإن كان زنا؛ لأن الاسم يشمل الحلال والحرام، وأما الإيلاء، فقد نقل المزنيُّ -رحمه الله- في المسألة أنَّه يكون مُولِيًا عنهم كلهن، ويُوقَف لكل واحدة منهن، واعترض عليه، وقال: القياس أنه ليس بمُولٍ حتى يطأ ثلاثة منْهن، فيكون مُولِيًا من الرابعة، وهذا بقوله أوْلَى، وللأصحاب في نقله واعتراضه ثلاثةُ طرق:
أحَدُها: قال أبو إسحاق وجماعة: المَذْهَب ما قاله المزنيُّ أنه لا يلزمه شَيْءٌ بوطء ثلاث منهن، وإنما الحنث بوطء الرابعة، وأولوا ما نقله على أنه خالف على وطئهن [و]
يوقف لكل واحدة منهن، إذا واقعت رابعة، وربما قالوا: المراد أنَّه يوقف لكل واحدة، إذا تعلَّق الحنث بوطئها، وذلك إذا تقدَّم وطء الثلاث، وربما عبَّروا عنه بأنه مُولٍ عن كل واحدة منهن على البدل، وبأن كل واحدة منهن بمَحَلٍّ أن يكون مُولِياً عنها.
الثاني، وبه قال أبو يعقوب الأبيوردي أن الذي نقله أحدُ قولَيْه في القديم: أنه إذا كان الوطء مقربًا من الحنث، كان مُولِياً، والأمر كذلك هاهنا، فإن وطء كل واحدة منْهن، يقرب من الحنث، واعتراضُه يوافق الجديد.
والقول الثاني من القديم، ووجه كونه مُوليًا بأنه منَع نَفسَه من وطْئهن باليمين بالله تعالى، فكان مُولِياً كما لو قال: والله، لا أطَأُ كل واحدة منْكن، وقول المنع أنه متمكن منْ وطْء كلِّ واحدة منهن بغير حنث، فصار كما لو لم يحلف.
والثالث ذكر في "الشامل": أن بعض الأصحاب قال إن قوله الجديد ما نقله المزنيُّ، وعلى هذا، ففي الجديد قولان، كما في القديم، والطريق الثاني أقرب، ونظْم الكتاب يوافقه، وظاهر المَذْهب، وإن ثبت الخلافُ أنه لا يكون مُولِياً في الحال، وقال: ولو وَطِئَ ثلاثاً منهن، صار مُولِياً عن الرابعة، وهذه رواية عن أبي حنيفة -رحمه الله- والأظهر أنه مُولٍ عن جميعهن في الحال، وبه قال أحمد، وعن مالك مثله.
التفريع: إن قلنا: إنه لا يكون مُولِياً عنْهن في الحال، فلو مات بعضُهن قبْل الوطء، ارتفع حكم الإيلاء على المذهب؛ لحصول الياس من الحَنث، ولو مات بعْضُهن بعد الوطء، لم يرتفع، ولو طَلَّق بعضهن قبل الوطء، أو بعده، فكذلك، حتى لو أبان ثلاثًا، ووطئهن بعد البينونة زنيا صار مُولِيًا عن الباقية في نكاحه، ولو أبان واحدة قبل الوطء، ووطئ الثلاث في النكاح، ثم نَكَح المطلقة، ففي عَوْد الإيلاء قولاَ عَوْد اليمين، وحكم اليمين باق لا محالة، حتى يلزمه الكَفَّارة إذا وطئها، وان جعلْناه مُولِياً عنْهن في الحال، ضُرِبت المدة، ولجميعهن المطالبة بعْد المدة، فإن وطئهن أو طلقَّهن، تخلَّص من الإيلاء، وإن وطئ بعضَهُن دون بعض، ارتفع الإللاء في حقِّ من وطئها، ولا يرتفع في حقِّ من طلَّقها، بل إذا راجَعَها، تُضْرب المدة لها ثانياً.
وقوله في الكتاب "ولكنه لا يصير به مُوليًا في الجديد" ليعلم بالحاء والميم والألف؛ لِمَا نقلْنا من مذهبهم، ويجوز أن يُعْلَم بالواو أيضاً؛ لطريقة من قال: إن مذهبه الجديد ما نقله المزنيُّ -رحمه الله- ووراء الصورة المذكُورة في الكِتَاب صورتان في المسألة:
إحداهما: إذا قال للنسوة الأربع: والله، لا أجامع كلَّ واحدة منكن، فالذي ذكَره الأصحاب: أنه يكون مُولِيًا عنهن جميعاً؛ لتعلق المحذور بوطء كل واحدة منهن، وهو الحنث ولزوم الكفارة، وقالوا: تضرب المدة في الحال، فإذا مضت، فلِكل واحدة
مطالبته بالفيئة أو الطلاق، فإن طلَّقهن سَقَطت المطالبة، ثم تضرب المدة ثانياً لو راجَعَهن، وإن طلَّق بعضهم، فالباقيات على مطالبتهن، وإن وطئ واحدة منهن، تنحل اليمين حتى يرتفع الإيلاء في حَقِّ الباقيات، وفيه وجهان عن الشيخ أبي حامد -رحمه الله-: أنه لا يرتفع، وعن أبي إسحاق وابن أبي هريرة وغيرهما: أنه يرتفع كما سنَذْكر فيما إذا قَالَ: والله، لا أجامع واحدةً منكن، وبالأول أجاب الإِمام، وقال: قوله "والله لا أجامع واحدةً منكن" يتضمن تخصص كل واحدة بالإيلاء، على وجْه لا يتعلَّق بصواحباتها حتى أفرد كل واحدة بيمين، كأنه قدر قائلاً: والله، لا أجامع هذه، ووالله، لا أجامِعُ هذه، إلى آخرهن، ونقل الوجه الثاني عن القاضي الحُسَيْن، نقل الشيْء المستبعد، وأحاله على خطأ الناقل، لكن الأظهر عند الأكثرين انحلال اليمين، وارتفاع الإيلاء في حقِّ الباقيات، ولم يورد صاحب "التهذيب" غيره، وجعلوا على هذا الخلاف، ما لو قال: والله، لا كلَّمتْ واحداً من هذيْن الرجلَيْن ونظائره، ولك أن تقول: إن أراد بقوله "والله، لا أجامع كلَّ واحدةٍ منكن" [مثل] 1 المعْنَى الَّذي قدَّره الإِمام، فالوجه بقاء الإيلاء في حق الباقيات، وإلاَّ فينبغي أن يَكُون لحُكْم في هذه الصورة كالحكم فيما إذا قال: والله، لا أجامِعُكن حتَّى لا يحصل الحنث، ولا يلزم الكفارة إلاَّ بوطء الجميع، ويكون صيرورته مُولِياً في الحال على الخلاف المذكور هناك؛ لوجهين [أحدهما] 2:
أنه إذا وطئ بعضهم كالواحدة مثلاً صَدُق أن يقال إنَّه لم يطأ كل واحدة منهن، وإنما وطئ واحدةً [منهن] 3 كما يُصدَّق أنَّه لم يظاهر، وإنما وطئ إحداهن، وذلك يَدُلُّ على أن مفهوم اللفظين واحدٌ، والثاني أن قوْل القائل "طلقت نسائي" [وقوله] 4 "طلقت كل واحدة من نسائي".
يؤديان معنى واحداً، وإذا اتحد معناهما في طرف الإثبات، فكذلك في طرف النفي؛ فيكون معنى قوله "لا أجامع كل واحدة منكن" معنى قوله "لا أجامعكن" الصورة الثانية.
إذا قال: والله، لا أجامع واحدة منكن، وله ثلاث أحوال:
إحداها: أن يريد الامتناع عن كل واحدة منْهن؛ فيكون مُولِياً عنهم جميعاً، قال الإِمام: -رحمه الله- وليس التعميم هاهنا كالتعميم في قوله: واللهِ، لا أجامعكن؛ فإن اللفظ هناك تَنَاوَل كُلَّهن، ولا يَحْصُل الحنث بجماع بَعْضِهن، وهاهنا اليمين يتعلق بآحادهن، وينزل على كل واحدة منهن على البدل، فيكون مُوليًا عنهن جميعياً؛ لتعلُّق الكفارة بوطء أيَّة واحدة وطئها, ولهن المطالبة بعْد المدة، فإن طلَّق بعضهن، بقي 5
الإيلاء في حق الباقيات، وإن وطئ بعضَهن، حَصَل الحنث؛ لأنه خالف قوله "لا أجامع واحدةً منكن" فتنحل اليمين، ويرتفع الإيلاء في حق الباقيات.
الثانية: إذا قال: أردتُّ الامتناع عن واحدة منهن لا غير، فيُقْبل قوله: لاحتمال اللفظ له، وعن الشيخ أبي حامد -رحمه الله- أنه لا يُقْبل، ووجَّهه في "التتمة" بأن اللفظ يقع على كل واحدةٍ على البدل، وهو متهم في إخراج بعْضِهن عن موجب اللفظ، والظاهر الأول، ثم لا يخلو إمَّا أن يريد واحدةً بعينها أو واحدةً غيْر معيَّنَة [إن أراد واحدةً معيَّنة]، فهو مولٍ ويؤمر بالبيان كما في الطلاق، وإذا بين واحدة، فإن صدَّقه الباقيات، فذاك، وإن ادَّعَتْ غيرُها أنَّه عناها، وأنكر، فهُو المصدَّق بيمينه، فإن نكل حلَفَت المدعية، وحُكِم بكونه مُولِيًا عنْها أيضًا، فلو أقَرَّ في جواب الثانية، بأنه عناها، وآخذناه بموجب الإقرارين وطالَبْناه بالفيئة أو الطلاق، فلا يُقْبل رجوعه عن الأولى، وإذا وطئهما في صورة إقراره، تعدَّدت الكفارة، وإن وطئهما في صورة نكوله، ويمين المدعية، لم تَتعدَّد؛ لأن الإيلاء عنْها لا يصلح لإلزام الكفارة عليْه، ولو ادعت واحدةٌ أولاً أنَّكَ عنَيْتَني، فقال ما عنيتك أو ما آليت عنْك وبمثله؛ أجاب ثانية، وثالثةً، تعيَّنت الرابعة للإيلاء، وإن أراد واحدةً مبهمة، فيؤمر بالتعيين.
قال أبو الفرج السرخسي؛ ويكون مُولِياً عن إحداهن لا على التعيين، وإذا عيَّن واحدة، لم يكن لغيرها المنازعة، ويكون ابتداء المدَّة من وقْت التعيين أو من وقْت اليمين، فيه وجْهانِ؛ بنَاءً عَلى أن الطلاق المُبْهم إذا عيَّنَه يَقَع عنْد التعين أو يسند إلى اللفْظ، وإن لم يعيِّن ومَضَت أربعة أشْهُر، فقد ذكروا أنَّه يطالَبُ، إذا طالَبْنَ 1 بالفيئة أو الطَّلاق، وإنما يُعْتير طلَبهُن؛ ليكون طلَب المُولِي عنْها حاصلاً، فإن امتنع طلَّق السلطان واحدةٌ على الإبهام، ومُنِعَ منْهن إلى أن يعيِّن المطلَّقة، وإن فاء إلى واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو طلَّق، لم يخْرُج عن موجب الإيلاء؛ لاحتمال أن المُولَى عنْها الرابعةُ، وإن قال: طلَّقت التي آلَيْت عنها، خرج [عن] 2 موجب الإيلاء لكن المطلَّقة مبهمة، [من غير تعيين] 3 فعليه التعيين، والذي ذَكَروه في المطالبة بعْد مضيِّ أربعة أشهر من غَيْر تعيين، يُمْكن أن يكون بنَاءً على أن المُدة تُحْتَسَب من وقت اليمين، ويمكن أن يقال: الخلاف [في] أن المدَّة تُحْتَسَب منْ وقْت اليمين فيما إذا امتثل ما أمرناه به من التَّعْيين، فأما إذا امتَنَع، فتُحْتَسَب من اليمين لا محالة، ولا يمكن [من الإضرار 4 بهنَّ، ويجيء] في طلبهن ما سَبَق من الإشكال في المدَّعية المستحقة، هذا ظاهر المذهب في الحالة
الَّتي نحن فيها، واعرف معه 1 شيئين: أحدهما: نقل في "التتمة" فيما إذا أراد واحدةً لا يعيِّنها: أن عامَّة الأصحاب قالوا: نضرب المدَّة في حقِّ الكل، وإذا مضَتْ، ضيق الأمر عليه في حق مَنْ طالَب منْهن؛ لأنه ما مِن امرأة منْهن إلا من الجائز أن يُعيِّن الإيلاء فيها، وظاهر هذا القوْل: أنه لا يكون مُوليًا عنْهن جميعًا، وهو بعيد.
والثاني: حَكَى صاحبُ الكتاب هاهُنَا وفي "الوسيط" وجْهًا أنَّه لا يكون مُولِيًا عن واحدة منْهن حتى يبين إن أراد معيَّنة أو يُعيِّن إن أراد واحدةً لا يعيِّنها؛ لأن قصْد الاضرار حينئذ يتحقق، فأما قبْل ذلك، فكل واحدة يجوز أن يكُون المُولَى عنها 2 غَيْرَها، فلا تكون آيسةً عن الفيئة، يقْرُب من هذا ما ذكر في "التتمة" أن القاضي الحُسَيْن قال فيما إذا أراد واحدة غيْرَ معينة: إنه لا تضرب المُدَّة في الحال، وإنما تُضْرب بعد التعيين، ولم يعبر في "النهاية" هكذا عن هذا الوجه، [و] لكن قال: روى الشيخ أبو عليٍّ وجهاً: أنَّه إذا قال: أردتُّ واحدةً منهن، لا يؤمر بالبيان، ولا بالتعيين، بخلاف إيهامه الطلاق؛ لأن المطلَّقة خارجة عن النكاح، فإمساكها على صورة المنكوحات من غيْر نكاح منكر والإيلاء بخلافه.
وقوْله في الكتاب "وإن أراد واحدةً مبهمةً، فهو مُولٍ ولكنْ له أن يُعَيِّن" أي فهُوَ مولٍ لا عن جميعهن، كما كان في الصورة السابقة، وهي أن يريد لُزُوم الكفارة بأية واحدة، ولكنَّه مولٍ عن واحدة، فله أن يعيِّنها، ويختص الإيلاء بها، هذا وجْه الاستدراك بكلمة "لكن" وقوله "ويقول هي الَّتي أردتها" أي في الابتداء، والمقصود ما إذا كان عيَّن واحدةً بقلْبه، وقوله "وأَنْشَأْتُ تَعْيِينَهَا عنِ الإبْهام" يعني ويقول: أنشَأْتُ، والمقصود ما إذا أراد واحدةٌ لا يعيِّنها، وجعل التعيين شاملاً للحالتين، وحيث قال بتعيين "واحده" فيختص الإيلاء بها، إمَّا بقوله "أردتَّ" أو بقوله "أنْشَأْتُ" وذلك لأن الذي يأتي به يزيل الإشكال والتردُّد، وتختص الواحدة منْهن بالإيلاء، والأشهر من الاصطلاح تخصيصُ لَفْظ التعيين بما إذا أراد واحدةً لا يعيِّنها, ولفْظ البيان بما إذا أراد واحدةً يعينها.
الحالة الثالثة: إذا أطْلَق اللفظ، فلم ينو التعميم ولا التخصيص بواحدة، ففيه وجهان عن رواية الشَّيخ أبي عليِّ:
أحدهما: أنَّه يُحْمَل على التخصيص بواحدة؛ لأن اللفظ محتمل له، وهو أقلُّ المحملين؛ وعلى هذا فيَكُون الحُكْم كما لو أراد واحدةً لا يعينها.
وأشبههما الحَمْل على التعميم، وبه قال القاضي أبو حَامِد؛ لأنه المعنى المشهور
عنْد الإطلاق والاستعمال؛ ولذلك يقال: النكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْي تَعُمُّ 1، وهذا ما أورده صاحِبُ "التهذيب" وغيره، والله أعلم.
المسألة الثانية: إذا قال: والله، لا أجامعك سنةً إلا مرَّة، فهل يكون مُولياً في الحال؟
فيه قولان: الجديد، واحد قولَي القديم، لا لأنه لا يَلْزمه بالوطء شيء؛ لاستثنائه للوطء مرة، فإذا وطئها نُظِرَ؛ إن بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر، فهو مُولٍ من يومئذٍ؛ لحصول الحنث ولزوم الكفارة لو وَطِئ، وإن بقي أربعة أشهر فما دونها، فهو حالفٌ، وليس بمولٍ.
والثاني: أنه يكون مُولِيًا في الحال؛ لأن الوطأة الأولَى، وإن لم يتعلَّق بها الحنث، فهي مُقرِّبة من الحنث، وعلى هذا، فيطالَبْ بعْد مضي مدة الإيلاء، فإن وطئ، فلا شَيْء عليه؛ لأن الوطأة الواحدة مستثناةٌ، وتضرب المدَّة ثانيةً، إن بقي من السَّنة مدَّة الإيلاء وعلى هذا القياس: لو قال: لا أجامعك إلا عَشْر مرات أو عدداً آخر، فعلى الصحيح: لا يكون مُولِياً في الحال، وإنَّما يكون مُولِياً، إذا استوفى ذلك العدد، وبقي من السنة مدَّة الإيلاء، وعلى القَوْل الآخر [يكون] 2 مُولياً في الحال؛ لأن كل وطأة مقرّبة بعض التقريب، ولو قال: إن أصَبْتُكِ فوالله، لا أصَبْتُك، ففيه طريقان:
أحدهما: إجراء القولين في كونه مُوليًا في الحال؛ لأنه التزم بالوطء الحَلِف بالله سبحانه وتعالى على الامتناع من الوطء، فكان الوطء مُقَرَّبًا من الحنث.
وأصحُّهما: القَطْع بالمنع، والفرق أن في الصورة السابقة عقْدَ اليمين، واستثنى وطأة واحدة، وهاهنا اليمينُ غيْر معقودة في الحال، وإنَّما ينقعد إذا أصابها، وإثبات الإيلاء قبْل انعقاد اليمين بعيدٌ، ويجري الخلاف فيما إذا قال: إن وطئتك، فوالله، لا دَخَلْتُ الدار، ولو قال: لا أجامعك سنَةً إلا يوماً، فهو كما قال إلا مرَّة.
وقوله في الكتاب "لا أجامعك في السنة إلاَّ مرة" وذكر السنة معرفة، وهكذا صَوَّر كثير من الأصحاب، لكن قدْ مرَّ في الطَّلاق أن السنة إذا ذكرت معرَّفَةً، انصرفت إلى السنة العربية، والمقصود ما إذا قال: لا أجامعك إلى سنة أو سنة، كما ذكرنا في افتتاحِ المسألة، وكذلك لفْظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في "المختصر"، وبتقدير أن يُعَرِّف الحالف، فيقع النظر أولاً، في أن الباقي من السنة عند اليمين [أو بقي] دون مدة الإيلاء، فلا يكون مُولياً بلا خلاف، وإن بَقِيَ مدة الإيلاء، ففي كونه مُولِياً في الحال
القولان ولْيعَلّم قوله "فإذا وطئ مرَّة" وقوله "فإذا استوفى العدد" كلاهما بالواو؛ إشارة إلى القَوْل الذاهب إلى كونه مُولِياً في الحال.
فرع: حكى القاضي ابن كج وجهَيْن فيما إذا مَضَت السنة من غير وطء، وقد قال: لا أجامعك سنةً إلا مرةً، هل يلزمه الكفارة؟
في وجه، نعم؛ لأن اللفظ يقتضي أن يُفْعَل مرة، وفي وجْه لا؛ لأن المقصود باليمين أن لا يزيد على واحدةٍ، ولو وطئَ في هذه الصورة، ثم نَزَع، ثم أولج ثانياً، لزمته الكفارة بالإيلاج الثاني، وهو وطءٌ مجدد، وقد ذكرنا وجهاً فيما إذا علَّق الطلاق بالوطء، فوطئ، ونزع، ثم أولج: أنَّه لا يجب الحدُّ، ويجعل الايلاج ثانياً، كالاستدامة، وذلك الوجْه جاد هاهنا.
قال الإِمام: -رحمه الله- وهو أقرب فيما نحن فيه؛ لأن الأيمان يُرْجَع فيها إلى العرف، والإيلاجات المتتابعة في العُرْف تُعَدُّ وطأة واحدةً، كما أن اسْم الأكلة يقع على ما تحويه [جلسته] 1 على الاعتياد.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ آلَى عَن امْرَأَةٍ ثُمَّ قَالَ لأُخْرَى: أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا وَنَوَى لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرُ اسْم الله تَعَالَى وَلاَ صَرَّحَ بِالْتِزَامٍ وَفِي الطَّلاَقِ يُمْكِنُ الاشْتِرَاكُ وَفِي الظِّهَارِ خِلاَفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أنَّه يَغْلِبُ فِيهِ اليَميِنُ أَوْ الطَّلاَقُ وَلَوْ قَال: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لِغَيْرِهَا: أَشْرَكْتُكِ وَأَرَادَ تَعْلِيقَ طَلاَقِهَا بِدُخُولِهَا نَفْسِهَا فَهَلْ يَصحُّ هَذِهِ الكنَايِةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا آلى عن امرأة، بأن قال: واللهِ، لا أجامعك، ثُمَّ قال لامرأة أخرى: أشرَكْتُك معَها، أو أنت شريكتها أو مثْلُها، ونوى [بذلك] 2 الإيلاء عنها, لم يَصِرْ مُولِيًا عن الثانية؛ لأن عماد اليمين بالله تعالى ذكْر اسم معظَّم؛ فلا ينعقد في الكناية بالمحلوف "به"، حتى لو قال "به" لأفعلن كذا، ثم قال: أردت بالله، لم تنْعَقِد يمينه 3 عن امرأته، [وإن آلى منها] بالتزام طلاق أو عتاق، ثمَّ قال للأخرى: أشركْتُك معها، فيُرَاجَع، ويُبْحَث عمَّا أراده، فإن قال: أردتُّ أن الأُولَى لا تُطَلَّق إلاَّ إذَا أصَبْتُ الثانية مع إصابة الأولى، وجعلتها شريكةَ الأولى في كَوْن إصابتها شرطاً لطَلاَق الأولى، كما أن
إصابة الأولى شرطٌ لطلاقها, لم يُقْبَل، وإذا وطئ الأولى، طُلِّقت؛ لأن الطلاق إذا تعلَّق بصفة لا يجوز نقض ذلك التعليق، وضم أخرى إليها، وإن 1 قال: أردتُّ أني [إذا] أصبت الأولى، طُلِّقت الثانية أيضاً، فجعلها شريكةً للأولى، فإنه يقع طلاقُها بوطء الأولى، كطلاق الأُولى، قُبل؛ لأن الطلاق يقع بالكناية، فإذا وطئ الأولى، طُلِّقتا جميعاً، وفي الحالين لا يكون مُولِيًا عن الثانية، وإن قال: أردتُّ تعليق طلاق الثانية بوطئها نَفْسِها كما علقت طلاق الأولى بوطئها، ففي صحة هذا التشريك وجْهان:
أحدهما: المَنْعُ؛ لأنه تشريك في اليمين، فأشبه التشريك في اليمين بالله تعالى.
وأظهرهما: الصحة، وبه أجاب القاضي أبو الطيِّب، والشيخ أبو حامد وغيرهما، لأن التشريك جائزٌ في تنجيز الطلاق، فكذلك في تعليقه، فعلى هذا يكون مُولِياً عن الثانية، إذا قلْنا بالجديد، ويجري 2 هذا التفصيل فيما إذا علَّق طلاق امرأة بدخول الدار وسائر الصفات، ثم قال لأخرى: أشركتك معها, ولو قال: إنْ دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، لا بل هذه، وأشار إلى امرأة أخْرَى، فإن قَصَد أن يُطلَّق الثانية، إذا دخلَت الأولى الدار، طُلِّقتا جميعاً عند دخولها، سواءٌ قَصَدَ ضَمَّ الثانية إلى الأولى، أو قَصَد أن يُطلَّق الثانية عند دخول الأولى، لا الأولى؛ لأَن الرجوع عن تعليق طلاق الأول لاغٍ، وإن قال: أردتُّ تعليق طلاق الثانية بدخول نفسها، ففي قبوله وجهان، كما ذكر في لفظ الإشراك في اليمين واختار القفَّال منْهما على ما ذكر الإِمام أنه لا يُقْبَل، ويحمل على تعليق طلاقها بدخول الأولى حتى إذا دخلَتْ، طُلِّقتا جميعاً، قال: وإذا تعلَّق طلاق واحدةٍ بدخول النار، ثم قَالَ لأخرى أشْرَكْتُك معها، وقلنا: إنه لا يصحُّ التشريك، فلا يقع طلاقها بدخول الأولى؛ لأن قوله "لا بل هذه" مترتب على كلام صريح في الطلاق منتظم معه انتظامًا يقتضي الطلاق.
وقوله "أشركتك معها [أو] 3 وأنت شريكتها" كلام مبتدأ متردِّد، فإذا لم يكن المحمل صحيحاً، بطل اللفظ والمحمل.
ولو قال رجل لآخر: يميني في يمينك، ففي "التهذيب" وغيره: أنَّه إن أراد أنه إذا حَلَف الآخر صرت حالفاً لم يصر حالفاً إذا حفل الآخر سواء فرض ذلك في الحلف بالله تعالى، أو في الحَلف بالطلاق، وإذا كان ذلك الرجل قد طلَّق امرأته، أو حَلَف بالطلاق، وحَنَث فقال ذلك، وأراد أن امرأته طالق، كامرأة الآخر، طُلِّقت، وإن أراد أنه متى طلَّق الآخر [امرأته] طُلِّقت امرأته فإذا طلَّق الآخر، طُلِّقت هذه.
وقوله في الكتاب "ولو آلى عن امرأة.... " إلى آخره المراد ما إذا كان الإيلاء بالله سبحانه وتعالى على ما بيَّنا.
وقوله "لأنه لم يذكر اسْم الله تعالى ولا صرَّح بالتزام أي، ولم يلتزم شيئاً من الطلاق أو عتاق، حتى يجعله مُولِيًا.
وقوله "وفي الطلاق يمكن الاشتراك" يعني أنه إذا قال لواحدة: أنت طالقٌ، ثم قال للأخرى: أشركتك معها، ونوى، طُلِّقت الثانية أيضاً، وقد مر ذلك في "الطلاق"، وكنا أخَّرْنا الاشتراك في تعليق الطلاق؛ لأنه ذكره هاهنا.
وقوله [و] في الظهار خلافاً أي إذا ظاهر عن امرأة، وقال للأخرى أشركتك معَها، ونوى، يصير بنيته مظاهرًا، يبني على أنه يغلب في الظهار مشابهة 1 الأيمان أو الطلاق؟، إن قلْنا بالأول، لم يَصِرْ مظاهرًا عن الثانية، وإن قلْنا: بالثاني، صار مظاهرًا، وهو أصحُّ، وهذا أصل يتبين في "كتاب الظهار"، [إن شاء الله تعالى،] 2 وقوله "وأراد تعليق طلاقها بدخولها نفسها" أشار بهذه اللفظة إلى أنَّه أراد التعليق بدخول الأولى، [ويبقى طلاق الثانية أيضاً عنْد دخول الأولى] 3 على ما قدَّمناه، ولم يذكر الأصحاب -رحمهم الله- الخلاف في هذه الصورة، لكن التوجيه المذكور لأحد الوجهين فيما إذا أراد تَعْليق طلاقها بمثل ما عَلَّق به طلاق الأولى، وهو الإلحاق بالحلف بالله سبحانه وتعالى، من حيث إنَّه اشتراك في اليمين يقتضي مجيء الخِلاَف، فيما إذا أراد تَعْليق طلاقها، يعين ما علق به طلاق الأولى؛ فإنه تعليقٌ ويمينٌ أيضاً، ولفْظُ الاشتراك يحتمل الأمرين جميعاً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى الإِيلاَءَ انْعَقَدَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ وَرَدَ في الكِتَابِ لإيجَاب الكَفَّارَةِ وَلَوْ قَالَ: وَاللهِ لاَ أُجَامِعُكِ إِنْ شِئْتِ فَقَالَتْ: شِئْتُ صارَ مُولِيًا وَهَلْ يَخْتَصُّ المَشِيئَةُ بِالْمَجْلِسِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَالإيلاَء يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ حَالِ الغَضبِ وَلاَ يَنْعَقِدُ بِمِثْلِ قَوْلهِ: إِنْ وَطِئْتُ فَأنَا زَانٍ أَوْ أَنْتِ زَانيَةٌ إِذْ لاَ يُتَعَرَّضُ بسَبَبِهِ لِلُزُومٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه الفيئة صور أربعٌ: أحدها: ذكَرْنا في الطلاق أنَّه لو قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرامٌ، ونوى الطلاق أو الظهار، كان كما نوى، وأنه لو نوى تحريم عينها, لزمَتْه كفارة يمين، وأن الصحيح وجوب تلْك الكفارة في الحال.
وفي وجْه: إنما يجِبُ إذا أصابها، وأنه على هذا الوجه يكون مُولياً [إذا] 1 نوى تحريم عيْنها، ويُنْسب هذا الوجه إلى تخريج ابْنِ الوكيل وابن سلمة، وأنه لو أراد بقوله "أنتِ عليَّ حرامٌ" الامتناع عن الوطء، ففي قبوله وجهان، وهذه الصورة هي قوله هاهنا، "ولو قال: أنتِ عليَّ حرامٌ، ونوى الإيلاء" فأحد الوجهَيْن: أنَّه يكون مُولِياً؛ لأن هذه اللفظة ورَدَت في كتاب الله مقرونةً بكفارة اليمين، فهي من حيث إيجابها للكفارة نازلةٌ منزلة القسم شرعاً، وأظهرهما: أنه لا يكُون مُولِياً لما ذكَرْنا أن اليمين باللهِ تعالى لا تنعقد بالكنايات، ولا بُدَّ منْ ذكْر اسم معظَّم؛ وعلى هذا فيلزمه الكفَّارة في الحال، إذا قلْنا: إن مُطْلَق هذه اللفظة تُوجب الكفارة، ولو قال: أردتُّ بقولي "أنتِ عليَّ حرامٌ إن وطئتك، فأنْتِ عليَّ حرامٌ" فالمشهور أنَّه لا يُقْبل منْه ذلك في الحُكْم؛ لأنه يريد تأخُّر الكفارة، وظاهر اللفْظ يقتضي وجُوبَها في الحال، وفي "التتمة" أن هذا مبنيٌّ على أن للإمام أن يأمره بإخراج الكفَّارة، أما إذَا قُلْنا: ليْسَ له الأمر بالإخراج، فلا يتعرض له، ورأى صاحب "التتمة" وابن الصباغ أن يؤاخذ بموجب الإيلاء، لإقراره بأنه مُولٍ.
ولو قال: إن جامعتك، فأنتِ عليَّ حرام، فإن أراد الطلاق أو الظهار، كان مُولِيًا إذا فرَّعنا على الجديد، كما إذا صرَّح؛ فقال: إنْ وطئتك، فأنتِ طالقٌ أو فأنْتِ عليَّ كظَهْر أمي، وإن أراد تحريم عَيْنها أو أطلق، وقلنا: إن مطلقه يوجب الكفَّارة فكذلك؛ لأن ضَرَر وجُوب الكفَّارة يمْنعه من الوطء، فيتحقق 2 الأضرار، وإن قلْنا: إن مُطْلقه لا يوجب الكفَّارة، فلا يكون مُولياً.
الثانية: الإيلاء يَقْبل التعليق؛ كالطَّلاق وكالأيمان، فلو قال: إن دخَلْتُ الدار، فوالله، لا أجامعك، يصير مُولِيًا عند الدخول، ولو قال: والله، لا أجامعك، إن شئْتِ، وأراد تعليق الإيلاء بمشيئتها، كأنه قال: إن شِئْتِ أن لا أجامعك، فوالله، لا أجامعك، فلا بد من مشيئتها؛ ليكون مُوليًا، وقد ذكَرْنا في "الطلاق": أنه لو قال: أنتِ طالقٌ، إنْ شئْتِ، يعتبر الفور في المشيئة على ظاهر المذهب، وهاهنا في اعتبار الفَوْر وجهان بُنِيَا على أن اعتبار الفور هناك؛ لأن التعليق بالمشيئة استدعاءُ رَغْبة، وجواب منها، فيكون كالقبول في العُقود أو لأنَّه يتضمن تمليكها البُضْع، فيكون كقوله: طَلِّقي نفْسَك إن قلْنا بالثاني، لم يُعْتَبر الفور، وإن قلْنا بالأَول، فيعتبر، وهو الأظهر، وأعلم قوله في الكتاب "صار مُولِيًا" بالميم؛ لأن عند مالك -رحمه الله- أنه لا يكون مُولِياً إذا علَّق بمشيئتها [فشاءت]؛ لأنه لم يقْصِد الإضرار، إنما فوَّض الأمر إلَيْها، فرضيت به، وأجاب
الأصحاب بأن الإيلاء لا يختلف حكْمُه بالرضا والسخط؛ ألا ترى أنها لو رضِيَتْ بعد المدة، كان لها أن تَعُود إلى المطالبة.
وقوله "وهل يختص المشيئة بالمجلس"؟ لفظ المجلس يقع على مجْلس التواجُب، وهو [على] 1 مناط الخيار، والظاهر أن الاعتبار بالأوَّل، وعلى ما سَبَق في "الخُلْع"، ولو علَّق على وجْه المخاطبة؛ بأن قال: والله، لا أجامع زَوْجتي، إن شاءت، أو قال لأجنبي: لا أجامعها، إن شِئْتَ، وفرَّعنا على اعتبار الفور لو خاطبها، وقال: شِئْت، ففي اعتبار الفور الخِلاَف المذكور في مثله في الطلاق، ولو قال: إن شاء فلانٌ، لم يعتبر الفور، وكذا لو قال: متى شئْت، لا يعتبر الفور، وكل ذلك على ما ذكَرْنا في الطلاق، هذا إذا أراد تعليق الإيلاء بالمشيئة، أما إذا قَصَد تعليق فعْل الوطء بمشيئتها، فكأنه قال: لا أجامِعُك إن شِئْت أن لا أجامِعَك، فلا يكون مُولِياً، كما لو قال: لا أجامعك إلا برضاك؛ لأنها مهْما رَغِبَتْ، ورَضِيت، فوطئها, لا يلزَمُه شيْء.
قال الإِمام: ولو قال: لا أجامعك [متي شئت، وأراد أني أجامعك متى] 2 أردتّ، فلا يكون مُولِياً، وإنما هو إعراب عن مقتضى الشرع، وحَلِفٌ عليه، وحكى وجهَيْن فيما إذا أطْلَق أنَّه هل ينزل على تعليق الإيلاء؟
ولو قال: لا أجامعك إلاَّ أن تشائي أو ما لم تشائي، وأراد الاستثناء عن اليمين أو تعليقها ففي "التهذيب" وغيره: أنه يكون مُولِياً لأنه حَلَف وعلَّق رفْع اليمين بالمشيئة، فان شاءت أن يجامِعَها على الفَوْر، ارتفع الإيلاء، وإن لم تشأ أو شاءت في غيْر وقْت المشيئة، فالإيلاء بحاله، وكذا الحكم فيما لو قال: لا أجامِعُك حتَّى يشاء فلانٌ، إن شاء أن يجامعها قبْل مدة الإيلاء أو بعدها، ارتفعت اليمين، وإن لم يشأ المجامعة حتَّى مضَت مدة الإيلاء، سواءٌ شاء إلاَّ يجامعها أو لم يشأ شيئاً، هل يُحْكم بكونه مُولِياً؛ لحصول الضرر 3 في المدة؟ فيه وجهان يأتيان في نظائرها، وإن مات فلان قبْل المشيئة صار مُولِياً، ثم إن قلنا في حال الحياة إذا مضَت المدة من غَيْر مشيئة، يجعل مُولياً، فهاهنا تحسب المدَّة من وقْت اللفظ، فإن مات فلانٌ بعْد تمامها، توجَّهت المطالبة في الحال، وإن قلنا: هناك، لا يُجْعل مُولِياً، فتضرب المدة من وقْت الموت.
ولو قال: لا أجامعك، إن شئْت أن أجامعك، فإنما يصير مُولِياً إذا شئت أن
يجامعها، وفي اعتبار الفور ما سبق أوإذا أطلق قوله: إن شئت، حملناه على مشيئة عدم المجامعة كما سبق؛] 1 فإنه السابق إلى الفَهْم عنْد الإطلاق.
الثالثة: لا فرق في الإيلاء بيْن حالة الرضا والغضب؛ لأن آية الإيلاء مُطْلَقة، ولأنه لا فرق في الطلاق والظهار والإيمان بين الحالتين، فكذلك هاهنا.
وعن [مالك] أنه يختص بحالة الغضب.
الرابعة: لو قال: إن وطئتك، فأنا زان -وأنتِ زانيةٌ، لم يكْن موليًا؛ لأنه لا يتعرَّض بذلك للزوم شَيْء، لو وطئ، ولا يصير قاذفًا بوطئها؛ لأن القذف المعلّق لا يُلْحِق عارًا، وذكر أبو الفرج السرخسي أنَّه يلزمه التعزير، كما لو قال: المسلمون كلهم زناة، ولزوم التعزير لا يجْعَلهُ مُولِياً؛ لأنه يتعلَّق بنفس اللفظ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ في المُدَّةِ) وَالإِيلاَءُ أنْ يَحْلِفَ عَلَى الامْتِنَاعِ مُطْلَقاً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَوْ قَالَ: واللهِ لاَ أُجَامِعُكِ ثَلاَثةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (ح) لاَ يَكُونُ مُولِياً فَلَوْ أَعَادَ اليَمِينَ فِي آخِرِ الأَشْهُرِ مَرَّةً أُخْرَى وَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُولٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: وَاللهِ لاَ أُجَامِعُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَإِذَا انْقَضَت فَوَالله لاَ أُجَامِعُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرَ وَهَكَذَا مَرَّاتٍ لَمْ يَكُنْ مُولِياً إذِ المُطَالَبَةُ بَعْدَ المُدَّة تَقَعُ بَعْدَ انْحِلاَلِ اليَمِينِ وَلَوْ قَالَ: لاَ أُجَامِعُكِ خَمْسَةَ أَشْهُرِ وَإِذَا انْقَضَتْ فَوَاللهِ لاَ أُجَامِعُكِ سَنَةٌ فَيُطَالَبُ بِالفَيْئَةِ فِي الشَّهْرِ الخَامِسِ وَإِنْ تُرِكَتْ حَتَّى انْقَضَى الخَامِسُ سَقَطَتِ المُطَالَبَةُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أُخْرَى تَنْقَضِي مِنَ اليَمِينِ الثَّانِيَةِ وَلَوْ طَلَّقَ ثُمَّ رَاجَعَ في الخَامِسِ لَمْ تعُد المُطَالَبَةُ لأَنَّهُ قَدْ دَفَعَ طَلَبُهُ اليَمينَ الأُولَى لَكِنْ بَعْدَ الخَامِسِ يُسْتَأْنَفُ عَلَيْهِ اليَمِينِ الثَّانِيَة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالف على الامتناع من وطء زوجته، إما أن يُطْلِق الامتناع، فيحمل على التأييد، فيه يحصل الانتفاء المُطلَق، ويكون مُولِياً، وإما أن يقيِّده، فهو ضَرْب من التأكيد، وإما أن يقيِّده بالتأقيت، إما بزمانٍ مقدَّر؛ كشهر وسنة أو بالتعليق بأمْر مستقبل، لا يتعين وقته، فهما قسمان [أما] الأول إذا قدر زمانًا، يُنْظَر؛ إن كان أربعة أشهر فما دونها, لم يكن مُولِياً، والذي جرى يمين، أو تعليق كما يجري في سائر الأفعال، وقال أبو حنيفة: إذا حَلَف على الامتناع أربعة أشهر، كان مُولِياً، والخلاف مبنيٌّ على أصل سيأتي، إن شاء الله تعالى، وهو أن الفيئة عنْده في الأشهر الأربعة، فإذا مضت ولا فيئة، طُلِّقت، وعندنا هذه المدَّة مدة المهلة، ولا يَقع الطلاق بانقضائها،
ولكن يُطَالَب عند إنقضائها بالفيئة أو الطلاق، وإذا قُدِّر الامتناع بأربعة أشهر فما دونها، كانَتِ اليمين منحلَّة بعد الأربعة، ولا مطالبة بَعْد انحلال اليمين كما إذا امتنع عن غير يمين.
قال الأصحاب: وإنما تقدر المهلة بهذه المدة، ولا تَتَوجَّه المطالبة إذا حَلَف على الامتناع أربعة أشهر فما دونها؛ لأن المرأة تصبر على الزَّوْج مدة أربعة أشهر، وبعد ذلك يَفْنَى صبرها أو يشق عليها الصَّبْر، ورووا أن عمر -رضي الله عنه- كان يطوف ليلاً، فسمع امرأة تقول في جوف بيتها [الطويل]:
أَلاَ طَالَ هَذَا اللَّيْلُ وَأزْوَرَّ جَانِبُهْ... وَأَرَّقَنِي أَنْ لاَ خَلِيلَ ألاَعبُهْ
فَوَاللهِ لَولاَ اللهُ لاَ شَيْءَ فَوقَهُ... لَزُعْزعَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ
مَخَافَةُ رَبِّي وَالحَيَاءُ يَصُدُّنِي... وأُكرِمُ بَعْلِي أنْ تُنَالَ مَرَاكِبُهْ
فبحث عمر -رضي الله عنه- عن حالها، فأخبر أن زوجها غائب فيمن غزا فسأل عُمَر -رضي الله عنه- النساء كم تصبر المرأة عن زوْجها؟ تصبر شهراً؟ فقلْنَ: نعم، فقال: تصْبِر شهْرَيْن؟ فقلن: نعمْ، فقال: ثلاثة أشهر؟ فقلن: نعم، ويقلُّ صبرها.
قال: أربعة أشهر؟ قلن: نعم، ويفْنَى صبرها، فكتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابُوا عن نسائهم أربعة أشهر؛ أن يردوهم، وروي أنَّه سأل عن ذلك حفْصة -رضي الله عنهما-، فأجابت 1 بذلك قال الإِمام: وإذا زاد مدَّة الامتناع على أربعة أشهر، اكتفى بأقلِّ القليل، ولا يعتبر أن تكون الزيادة بحَيْث تتأتى المطالبة بمثلها، وإذا كانت الزيادة لحْظةً لطيفةً، لم تتأت المطالبة؛ لأنها إذا مضَت، تنحل اليمين، [ولا مطالبة بعْد انحلال اليمين]، وأثَّر كونه مُولِياً، والصورةُ هذه أنَّه يأْثَم بإيذائها والإضرار بها، يقْطَع طمعها
بالحلف عن الوطء في المدَّة المذكورة، ثم في الفصل مسألتان.
إحداهما: إذا حلف ألاَّ يجامعها أربعة أشهر فما دونها، ثم أعاد اليمين بعْد مضيِّ تلْك المدة مرَّة أخرى، وهكذا فعَل مراراً، فلا يكون مُولِياً؛ لأن هذه الأيمان ليس في واحدة منها ما يتضمَّن الإيذاء، والإضرار بها في المدة المذكورة، ولو وصَل اليمين باليمين، فقال: والله، لا أجامعك أربعة أشهر أو ثلاثة [أو سنة] 1 [فإذا مضيت، فوالله، لا أجامعك أربعة أشهر أو ثلاثة أو سنة]، وهكذا مراراً، فهل يصير موليًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه لو وطئها يحنث، وذلك يمنعه من الوطء، ويوجب قطْع الطمع، وحصول الضرر.
وأصحهما، وهو المذْكُور في الكتاب: أنه لا يكون مُولِياً؛ لأن بعْد مضيِّ أربعة أشهر، لا يمكن المطالبة بموجب 2 اليمين الأولى؛ لانحلالها ولا بموجب الثانية, لأنه لم تمض المهلة من وقْت انعقادها، وأيضًا فكل يمين تُعْطَى حكم نفسها, لو انفردت، وشبه ذلك بما إذا اشْتَرَى أَوْسُقًا كبيرةً في صفقات متعدِّدة على صورة العرايا، يجوز، وإن كان لا يجوز شراؤها في صفقة واحدة، ولا تُجْعَل الصفقات المتعدِّدة كالصفقة المتحدة، قال الإِمام -رحمه الله- وهل يأثم المُولِي بين الأيمان كما ذكَرْنا فيما إذا زادَتْ مدة الإيلاء على أربعة أشهر بلحظة لطيفة، يحتمل أن يقال: لا يَأثم؛ لأنه لا إيلاء، ويحتمل أن يقال: يأثم ولكن إثْمَ الإيذاء والإضرار، لا إثْمَ المولين 3.
الثانية: إذا قال: والله، لا أجامعك خمسة أشهر، فإذا انقضت، فوالله، لا أجامعك سنة، فقد أتى بيمينين كلُّ واحدة منهما يشتمل على مدة الإيلاء، فلها المطالَبَة بعْد مضيِّ أربعة أشهر بموجب اليمين الأولى، فإن أخَّرت المطالبة حتى مضَى الشهر الخامس، فلا مطالبة لموجب تلك اليمين؛ لانحلالها، وإن طالَبَتْه في الخامس، ففاء إليها، خَرَج عن موجب الإيلاء الأول، فإذا مضى الشهر الخامس، استحقت مدة الإيلاء الثاني، وإن طلَّق، سقَطت عنْه المطالبة في الحال، ثم إن راجَعَها في الشهر الخامس، لم تضرب المدة في الحال؛ لأن الباقي من مدَّة اليمين الأولى قليلٌ، فإذا انقضى الخامِسُ، ضُربت المدة للإيلاء الثاني ولو وطئها بعْد الرجعة في باقي الشهْر، انحلت اليمين، والظاهِر لزوم الكفارة، وإن قلنا: إن المُولِي إذا فاء، لا يلزمه
الكفارة؛ لأن ذلك الخلاف في الوطء الَّذي تحصَّل به الفيئة التي هو مطالب بها، وهاهنا، قد خَرَج بالطلاق عن موجب الإيلاء، وسَقَطت عنْه المطالبة، وإن راجَعَها بعْد الشهر الخامس، نُظِر؛ إن راجع بعْد سنة من انقضاء الشهر الخامس، فلا إيلاء؛ لانقضاء المدتين، وانحلال اليمينين، وإن راجَع قَبْل تمام السنة، فإن بقي منْها أربعة أشهر، أو أقَلُّ فلا إيلاء، وإن بقي أكثر منها عاد الإيلاء، وضُرِبَت المدة في الحال، ولو جدَّد نكاحها بعد البينونة، ففي عَوْد الإيلاء حيْث يعود الإيلاء، لو راجَعَها، الخِلاف المَذْكور في عود الحنث، وتبقى اليمين ما بَقِيَ شيْء من المدَّة، وإن لم يعد الإيلاء حتَّى لو راجع، وقد بقي من السّنة أقلُّ من أربعة أشهر، فوطئها في تلْك الباقية، يلزمه الكفارة، ولو عقَد اليمين على مدتين تدخل إحداهما في الأخرى، كما إذا قال: والله، لا أجامعك خمسة أشهر، [ثم قال والله لا أجامعك سنة فإذا مضت أربعة أشهر] فَلهَا المطالبة، فإن فاء انْحلَّت اليمينان، وإذا أوْجَبْنا الكفارة، فالواجب كفارة واحدة أو كفارتان؟ فيه خلاف يجري في كل يمينين يحنث الحالف فيهما بفِعْل واحدٍ، كما إذا حَلَف أن لا يأكل الخبز، وحَلَف أن لا يأْكُل طعام زيد، فأكل خبزه، وسيأتي ذلك، وإن طَلَّقها، ثمَّ راجَعَها أو جدَّد نكَاحَها، فإن بقي من السنة أربعة أشهر أو أقل، لم يَعُد الإيلاء، وتبقى اليمين، وإن بقي أكثر من أربعة أشهر يعود الإيلاء في الرجعية، وفي التجديد الخلاف في عود الحنث، هذا ظاهر المَذْهَب وفي "التتمة" أن السنة تحسب بعْد انقضاء الأشهر الخمسة؛ فيكون الحُكْم كما في الصورة السابقة، ولو قال: إذا مَضَتْ خمسة أشهر، فوالله، لا أجَامِعُك، فيَكُونُ مُولِياً بعْد انقضاء الخمسة، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ أَطَؤُكَ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَوْ يَخْرُجَ الدَّجَّالُ أَوْ يَقْدمَ فُلاَنٌ وَهُوَ عَلَى مَسَافَةٍ يَعْلَمُ تَأَخُّرَ قُدُومِهِ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ وَلَوْ قَالَ: حَتَّى يَدْخُلَ زَيْدٌ الدَّارَ فَمَضَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَدْخُلْ لَمْ يَكُنْ لَهَا المُطَالَبَةُ لأَنَّهُ يُنْتَظَرُ دُخُولُهُ كُلَّ سَاعَةٍ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُطَالَبُ وَلَوْ قَالَ: إِلَى أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتِي فَهُوَ مُولٍ وَلَوْ قَالَ: إِلَى أَنْ يَمُوتَ زيْدٌ فَهُوَ كَالتَّعْلِيقِ بِدُخُولِ زَيْدٍ وَقُدُومِهِ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وَقِيلَ: إِنَّهُ كَالتَّعْلِيقِ بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: تقييد الامتناع عن الوطء بأمر مستقبل لا يتعيَّن، فينظر إن كان المعلَّق به أمراً يُسْتَبْعَد في الاعتقادات حُصُوله في أربعة أشهر، وإن كان محتملاً، كما لو قال: حتى يَنْزل عيسَى -عليه السلام- أو حتَّى يخرج الدَّجَّال أو يأجوج ومأجوج، أو تَطلُع الشمس من المغرب، أو أمرًا يُعْلَم تأخُّره عن أربعة أشهر، كما لو
قال: حتى يَقْدَمَ فلان أو حتى آتِيَ مكَّة، والمسافة بعيدة لا تُقطع في أربعة أشهر، فهو مُولٍ، وإذا حصل الإيلاء في مثْل هذه الصورة، فلو علَّقه بما لا يتَكَوَّن ويُعَد من المستحيلات؛ مثْل أن يقول حتَّى تَطِيري أو تَصْعَدي السماء، فهو أولى [لحصول] 1 الإيلاء، فلو قال في مسألة القدوم: ظننت أنَّه على مسافة قريبةٍ، فهل يُصدَّق بيمينه ذكر الإِمام فيه احتمالين، والأقرب: القَبُول، وفي الشرح "مختصر الجويني" للموفَّق ابن ظاهر: أن في التعليق بنُزول عيسى -عليه السلام- وما في معناه لا يُقْطَع بكونه مُولِياً في الحال، ولكن يترقب فإذا مضت أربعة أشهر، ولم يُوجَد المعلَّق به، بيّنا أنه كان مُولِياً، ومكَّنَّا الزوجة من المطالبة، والمشهور الأول، وإن كان المعلَّق به مما يتحقَّق وجوده قبْل أربعة أشهر، كذبول البقل، وجفاف الثوب، وتمام الشهر أو يغلب على الظنِّ وجود كمجيء المَطَرِ في وقْت غلبة الأمطار، ومجيء زَيْد من القرية، وعادَتُه الحضور في الجمعات، أو قدوم القافلة، والغَالِبُ تردُّدها في كلِّ شهر، فلا يتعلَّق به إيلاء، وإنما هو يمين، وإن كان المعلَّق به مما لا يستبعد حصوله في أربعة أشهر، ولا يتحقَّق، ولا يظن حصوله، كما لو قال: حتى يدْخُل فلان الدار أو أخرجك من البلد أو أمرض أو يمرض فُلاَنٌ أو يَقْدم، وهو على مسافة قريبة، وقد يَقْدُم، وقد لا يَقْدَم، فلا يحكم بكونه مُولِياً في الحال، فإن مضَتْ أربعة أشهر، ولم يوجد المعلَّق به، ففيه وجْهان:
أحدهما: أنه يُحْكم بكونه مُولِياً ويثبت 2 لها المطالبة؛ لحصول الضرر، وأيضاً فقد تبيَّن إمداد مدة اليمين أكثر من أربعة أشْهر.
وأظهرهما، وبه قال المزنيُّ -رحمه الله- المنعُ: لأنه لم يتحقَّق قصْد المُضارَّة في الابتداءِ وإحكامُ الإيلاء مَنُوطَة به، لا بمجرَّد الضرر بالامتناع عن الوطء، ألا ترى أنه لو امتنع من غَيْر يمين، لا يكون مُولياً، ولا خلاف في وجُوب الكفارة لو وَطئ قبل وجُود المعلَّق به [ولا في ارتفاع اليمين؛ لوجود المعلّق به] 3 قبْل الوطء.
ولو قال: لا أجامعك حتَّى أموت أو تموتي أو قال: عمري وعمرك، فهو مُولٍ، لحصول اليأس مدة العمْر، وهو كما لو قال: لا أجامِعُك أبداً؛ فإنَّ أبَدَ كُلِّ إنسان عُمْره، ولو قال: حتى يموت فلان، فوجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأن الموت كالمستبعد في الاعتقادات، فيلحق بالتعليق بنزول عيسى -عليه السلام- وخُروج الدجال.
والثاني: أنه كالتعليق بالمَرَض ودخول الدار، ولَفْظُ الكتاب يُشْعِر بترجيح هذا الوجْه، وحكاه القاضي ابن كج عن اختيار أبي الحُسَيْن بن القطان؛ والأكثرون على ترجيح الأول؛ وقالوا: الموت يُسْتَبْعَد في الاعتقادات، والتعليقُ به بعيد يبعد، بخلاف المرض ودخول الدار، ولو قال: لا أجامعك حتَّى تفطمي ولدَكِ، نقل المزنيُّ عن الشَّافعي -رضي الله عنه- أنه يكون مُولِياً، قال: وقال في موضوع آخر: لا يَكُونُ مُولِياً، واختاره فأوهم أن المسألة على قولَيْن، وبه قال ابْنِ القطَّان.
والجمهور، قالوا: لا خِلاَف في المسألة، ولكن يُنْظَر، إن أراد وقْت الفِطَام، فإن بقي أكثر من أربعة أشهر إلى تمام الحولَيْن، فهو مولٍ، وإلاَّ فليس بمولٍ، وإن أراد، فعل الفطام، فإن كان الصبيُّ لا يحتمله إلا بعْد أربعة أشهر؛ لصِغَر أو ضَعْفِ بنيته، فهو مولٍ، وإن كان يحتمله لأربعة أشهر فما دونها، فَهُو كالتعليق بدخول الدار وما في معناه، والنص الأول محمُولٌ على الحالة الَّتي هي مول، والثاني على الحالة الَّتي هي غير مولٍ.
ولو قال: حتى تَحْبَلِي، فإن كانت صغيرةً أو آية، فهو مولٍ، وإلا فهو كالتعليق بالقُدُوم من مسافة قريبة ودخول الدار.
وإذا علَّق بالقدوم أو الفطام، ولم يحكم بكونه مُولِياً، فلو مات المعلَّق بقدومه قبل القدوم، أو الصبي قَبْل الفطام، فهو كما لو قال: حتى يشاء فلانٌ، فمات قبل المشيئة، وقد قدَّمناه.
والله أعلم.
فَرْعٌ: لو قال: والله، لا أجامعك، ثم قال: أردتُّ شهراً أو شهرين دِينَ ولم يُقْبل ظاهرًا 1؛ لأن المفهوم منْه التأبيد، بخلاف ما إذا قال: لَيَطُولَنَّ تَرْكي لجماعك، ثم فسر بشَهْر وشهرين، حيْث يُقْبَل؛ لوقوع اسم التطويل علَيْه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الرَّابعُ في الْمَحلُوف عَلَيْهِ) وَهوَ الجِمَاعُ وَلَفْظُهُ الصَّريِحُ الَّذِي لاَ يَدِينُ مُتَأوِّلُهُ تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ فِي الفَرْجِ وَإيلاَجُ الذَّكَرِ وَالنَّيْكُ أَمَّا الجِمَاع وَالوَطْءُ فَيَدِينُ فِيهِ النَّاوِي وَلاَ يُقْبَلُ ظَاهراً وَأَمَّا المُبَاضَعَةُ وَالمُلاَمَسَة وَالمُبَاشَرَةُ فَقَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَالجِمَاعِ وَالآخَرُ أنَّهُ كِنَايَةٌ كَقَوْلهِ: لاَ يَجْمَعُ رَأْسِي وَرَأْسَكِ وِسَادَةٌ وَقَوْلِهِ: لأَبْعُدَنَّ عَنْكِ وَالإِصَابَةُ قَرِيبَةٌ مِنَ المُبَاشَرَةِ وَالقُرْبَانُ وَالغَشَيَانُ وَالإِتْيَانُ بِالكِنَايةِ أَشْبَهُ وَقِيلَ: هِيَ كَالمُبَاشَرَةِ وَالمُبَاضَعَةِ وَلَوْ قَالَ: لاَ أُجَامِعُكِ في الحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَفِي الدُّبُرِ فَهُوَ مُحْسِنٌ وَلَيْسَ بِمُولٍ أَصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذَكرنا أن الإيلاء في الشريعة الحَلِف على الامتناع [من الجماع، فالحَلِف على الامتناع عن] سائر الاستمتاعات ليس بإيلاء، والألفاظ المستعملة في الجِماع قسمان صريحٌ وكنايةٌ.
فمن الصريح لفْظ النَّيْك، وكذا قوله: لا أُغَيِّب ذَكَري أو حَشَفتي 1 أو لا أُدْخِل أو لا أُولِجُ في فرجِك، ولا أجامِعُك بذَكَري، وللبِكْر: لا أفتضك بذَكَري؛ فيحصل الإيلاء بهذه الألفاظ ولو قال: أردتُّ بها غير الجِمَاع، لم يدين؛ لأنها لا تَحْتَمِل غيْره، ولفظ الجماع والوطء أيْضاً صريحان مستغنيان عن النيَّة لاشتهارهما في ذلك عُرْفًا وشرعاً، ولكن لو قال: أردتُّ بالجماع الاجتماع، وبالوطء الوطء بالقَدَم، دين؛ لاحتماله، بخلاف ما إذا قال: لا أجامعك بذَكَري، فإنَّه لا يُقْبَل في الظاهر، هذا ظَاهِرُ المذهب في لفْظ الجماع والوطء، وفي "التهذيب" [وغيره] طريقة أخرى في لفْظ الوطء أنَّ في كونه صريحاً الخلاَفَ الَّذِي سنَذْكُره في المباشرة، وما في معناها، ويقال: إن الشيخ أبا محمَّد ذهَب إليها، وفي كتاب القاضي ابن كج أن ابْنِ سُرَيج طرد ذلك الخِلاَف في لفْظ الجماع أيْضاً، فيجوز أن يُعْلَم لذلك قوْلُه: "فيدين فيه الناوي، ولا يقبل ظاهرًا" بالواو؛ لأنا إن جعلناهما كنايتين قبلنا، قوله "لم أنْو" بل إنَّما يحكم بالإيلاء إذا قال "نَوَيْتُ".
ولو قال للبكر: لا أفتضك، ولم يَقُل "بذَكَري" فهو صريح 2 كالجماع؛ لاشتهاره، فلو قال: لم أرد الجماع، لم يُقْبَل في الظاهر، وفي التدين وْجهان:
أظهرهما، وبه قال القاضي أبو حامد: أنه يُدين؛ لاحتمال أن يريد الافتضاض بالإصبع وغيره 3، وبالثاني قال الشيخ أبو حامد، وذكر الإِمام: أنه لو قال أردتُّ به
الضَّمَّ والالتزام، فالأصح أنه لا يدين، وفي المباضعة والملامسة والمباشرة قولان:
الجديد أنها كناياتٌ تفتقر إلى النيَّة؛ لأن لها حقائقَ غَيْر الجماع، ولم تشهُر فيه اشتهار الجماع والوطء.
والقديم، وهو اختيار المزنيِّ: أنه صريح، كالجماع، وبه قال أحمد، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "كناية" بالألف؛ لذلك، وبالحاء أيْضاً؛ لأن ابن الصبَّاغ حكَى عن أبي حنيفة أن لَفْظ المباضعة صريح؛ لأنه مأخوذ من البُضْع، وقيل: بل هو مأخوذ من البضعة، وهي القطعة، ويجوز أن يُعْلَم قوله "فقولان" بالواو؛ لأن في المباضعة طريقةً قاطعةً؛ بأنها كناية، ولو قال: لا أُمْسِك، ولا أفضي إلَيْك أو أُبَاعِلك، فعلى القولَيْن، وأَلْحَق بها في "التتمة" قولَه لا أفْتَرِشُكِ، ولا أَدْخُلُ بكِ، وفي المباعلة طريقة قاطعة، كما في المباضعة، وفي لفظ الإصابة طريقان:
أحدهما: أنه على القولَيْن، وإليه أشار في الكتاب بقوله "والإصابة قريبةٌ في المباشرةِ" ويجوز أن يُعْلَم 1 بالواو للثاني والثاني: أنَّه كالجماع حتَّى يكون صريحاً على المَذْهب الظاهر، وبالأول قال القاضي أبو الطيِّب، والثاني أرجح فيما يقتضيه إيراد "التهذيب"، وبه قال الشيخ أبو عليٍّ والشيخ [أبو] 2 حامد وأكثر العراقيين والشيخ أبو حاتم القزوينيُّ، وفي القربان والغشيان والإتيان طريقان:
أحدهما: القطعُ بأنهما كنايات، وهذا أشبه عنْد صاحب الكتاب.
والثاني: أنها على القولَيْن، كالمباشرة والملامسة، وهو الأقوى، وبه قال ابْن القطَّان "وصاحب الإفصاح"، وهو الَّذي أورده القاضي [الرُّويانيُّ و] 3 ابن كج، وأورد صاحب "التهذيب" في القربان والإتيان، الطريقة الأولى، وفي الغشيان الثانية، ولا يتضح بينهما فَرْق، والفعل من القربان: قَرِبَ يَقْرَبُ مثْل غَضِبَ يَغْضَبُ، يقال: قَرِبْتُ منْه أقْرَبُهُ قُرْبَاناً أي دَنَوْت منه، وقَرَّب الشَّيْء يُقَرِّب قرباناً 4 إذا أدناه وليكن قولُه "لا أقرب منك" كناية لا محالة، بخلاف قوله "لا أقربك" وقوله "لا يجمع رأسي ورأسك وسادة" كناية بلا خلاف؛ لأنه ليس من ضرورة الجماع اجتماع الرأسين على وسادة، وكذا لو قال "لا يساقف رأْسي ورأْسك" أي لا يجتمعان تحْت سَقْف، ومن الكنايات قولُه "لأَبْعَدَنَّ عنْكِ" وهذا يُحتَاج فيه إلى نيَّة الجماع والمُدَّة جميعاً، ولو قال "لتَطُولَنَّ غيبتي عنْك أو لأسوأنَّكِ أو لأغصبنك" فهو كناية في الجماع والمدة أيضاً، ولو قال: ليَطُولَنَّ تَرْكي لِجِماعك أو لَأُوئِسَنَّكِ من الجماع، فهو صريحٌ في الجماع، كناية في المدة.
ولو قال: لا أغتسل عنْكِ، سئل عما أراد، فإن قال: أردتُّ أن لا أجامِعَها، فهو مُولٍ، وإن قال: أردتُّ الامتناع عن الغُسْل أو أردتُّ أني لا أمكث إلى أن أنْزل، وعنْدي أن الجماع من غَيْر إنزال لا يُوجِب الغُسْل أو إني أُقْدِم على وطئها، وَطِئَ غيرها، فيكون الغسل عن الأولى؛ لحصول الجنابة بوطئها، قبل: ولم يكن مُولياً، ولو قال: لا أجَامِعُك في الحيض أو في النفاس أو في الدُّبُرْ، لم يكن مُولِياً، بل هو مُحْسن فيما قال؛ لأنه ممنوع من ذلك، فأكَّد الممنوع منه بالحَلِف، ولو قال: لا أجامع إلا في الدُّبُر، فهو مولٍ، قال أبو الفرج السرخسي: ولو قال: إلا في الحَيْض والنفاس، لم يكن مُولِياً؛ لأنه لو جامَع في هذه الحالة، حَصَلت الفيئة، فاستثناؤه يَمْنع انعقاد الإيلاء، والذي أجاب صاحب "التهذيب" في "فتاويه" أنه يكون مُولِياً، وكذا لو قال: إلا في نهار رمضان -أو إلا (1) في المسجد؛ لأن الوطء حرام في هذه الأحوال،- قال: فإن فاء إليها في الحَيض وما في معناه، سَقَطت (2) المطالبة في الحال، ولكن لا تَرْتَفِع اليمين، فتُضْرب المدة ثانياً، ولو قال: لا أجامعك جماع سوء، لم يكن مُولِياً، وكذا لو قال: لا جامعتك جماع سُوء؛ لأنه لم يمتنع عن (3) سائر أنواع الجماع، فصار كما لو قال: لا أجامِعُ في هذا الَبيْت، أو قال: لا أجامِعُكِ في القُبُل إلاَّ من الدُّبُر، ولو قال: لا أجامِعُك إلا جِمَاعُ سِوء، رُوجِع، فإن أراد أن لا يجامعها إلا في الموضع المكروه، أو فيما دون الفَرْج أو لا يَغِيب إلى ما فَوْق الحَشَفة، فهو مُولٍ، وإن أراد الجماع الضعيف، لم يكن مُولِياً؛ لأن ضعْف الجماع كقوته في الحُكْم، ولو حَلَف لا يُجَامِع بعْضَها، فالحُكْم ما سيأتي في "الظهار" والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (البَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِهِ)
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ: ضَرْبُ المُدَّةِ) فِإِذَا قَالَ: وَاللهِ لا أُجَامِعُكِ أَمْهَلنَاهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ لَمْ يَطَأْ رَفَعَتْهُ إِلَى الَقاضِي لِيَأْمُرَهُ بِالفَيْئِةِ فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ (ح) القَاضِي عَلَيْهِ وَلاَ تَحْتَاجُ المُدَّةُ إِلَى ضَرْبِ القَاضِي بِخِلاَفِ العُنَّةِ وَتَرَبُّصُ الأَمَةِ أرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (ح) كَالحُرَّةِ وَالتَّرَبُّصِ عَنِ العَبْدِ (م) كَهُوَ عَنِ الحُرِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: للزَّوْج مهْلة بعد انعقاد الإيلاء لا يُطَالب فيها بشَيْء، ثم للمرأة مطالبته ورفعُه إلى القاضي، ليَفِيَ أو يُطَلِّق، ويحتاج فيما ذكرنا [هـ] إلى معْرفة مدة المهلة، وكيفية المطالبة، وأحكامها ومعرفة ما به المطالبة، وأن الفيئة بم يُحْصُل؟ فهذه أربعة أمور عَبَّر عنها بأحكام الإيلاء.
الأوَّل: ضرب المدة، وهي أربعة أشهر على ما نَصَّ عليه في القرآن.123
قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: وهذه المدَّة حقُّ الزوج، كالأجل في الدَّيْن المؤجل؛ فإنَّه حقُّ المديون، وتحتسب 1 من وقْت الإيلاء، ولا يحتاج إلى ضَرْب القاضي، بخلاف مدة العُنَّة لِمَا ذكرنا [هـ] هناك، ولا فَرْق فيها بَيْن أن يكون الزوجان حُرَّيْن أو رقيقَيْنِ أو أحدهما والآخر رقيقاً؛ لأنَّها شرعت لأمر جِبِلِّيٍّ، وهو قلَّة الصبر عن الزوج، وما يتعلق بالجبلة والطبع لا يختلف بالحُرِّيَّة والرِّق، كم ذكَرْنا في مدة العُنَّة، وكمُدَّتَي الرضاع والحيض.
وعند أبي حنيفة ومالك -رحمهما الله- تنتصف بالرِّق، ثم أبو حنيفة ينصفها برق الزوجة، ومالكٌ برِقِّ الزَّوج، كما هو مذهبهما في الطلاق، وعن أحمد روايتان: إحداهما: كمذهبنا، والأخرى: كمذهب أبي حنيفة، فيجوز أن يُعْلَم؛ لذلك قولُه "وَتَرَبُّصُ الأَمَةِ أَرْبَعَةُ أَشْهَرٍ" بالحاء والألف، وقوله "كهو عن الحُرِّ" بالميم، وقوله في الكتاب "فإذا قال: والله لا أُجامِعُك" إلى قوله "طَلَّق القاضي عليه" غير محتاج إلَيْه في هذا الموضع، أما التصويرُ بقَوْله ["فإذا قال:] 2 والله، لا أجامِعُك" فظاهر؛ لأن صورة الإيلاء قد تقرَّرت، وتكررت، وأمَّا ما سواه فلأن المقصود هاهنا الكلام في المدَّة، فلو قال: ضرب المدة، فيُمْهَلَ المُولِي أربعة أشهر ووصل قوله ولا تحتاج المدة إلى ضرب القاضي تبين أنَّه لو وَطئَ في المُدَّة، انحلت اليمين، ولا مطالبة ولا رفع بعد انقضائها، والثانية: قوله "ليأمره بالفيئة، فإن أبى طلَّق القاضي عَليْه" يبين أنه لا يطالبه بالطلاق ابتداءً وإنما تطالب المرأة بالاستمتاع الذي هو حقُّها، فإذا لم يُوفِ، يأمْره الحاكم بإزالة الضَّرر عنها بالطلاق، وهذا لفْظ صاحب "التتمة" وعلى هذا فحَيْث قلْنا "يأمره القاضي بالفيئة أو الطلاق" يعبر عن مجموع ما يأمره به، ويجوز أن يُعْلَم قوله "رفعته إلى القاضي" بالحاء؛ لما مر أن عنْده تَطلَّق بنفس مُضيِّ المدة؛ فلا حاجة إلى الرفع، وقوله "طَلَّق القاضي علَيْه" يجوز إعلامه بالواو، ويقول آخر سيأتي إن شاء الله تعالى في الحكم الثَّالث.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتَنْقَطِعُ المُدَةُ بِالطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ وَالرِّدَّةِ فَإِذَا رَاجَعَهَا أَوْ عَادَتِ اسْتُؤْنِفَتِ المُدَّةُ لِيَتَوَالَى الإِضْرَارُ وَكَذَلِكَ إِذَا طَلَّقَ طَلاَقاً رَجْعِيًّا بَعْدَ المُدَةِ وَكَذَلِكَ لَوِ ارْتَدَّ اسْتأْنفِ المُدَّةَ عِنْدَ العَوْدِ وَأَمَّا طَرَيَانُ الصَّوْمِ وَالإِحْرَامِ عَلَيْهِ لاَ يَقْطَعُ المُدَّةَ وَكَذَلِكَ مَرَضُهُ وَحَبْسُهُ وَجُنُونُهُ فَإِنْ كَانَ المَانِعُ فيهَا مَنْعَ احْتِسَابِ المُدَّةِ كَصِغَرِهَا وَجُنُونِهَا وَحَبْسِهَا وَمَرَضِهَا العَظِيمِ وَلَكِنْ لَوْ طَرَأَتْ ثُمَّ زَالَتْ المُدَّةَ بَلْ تَبْنِي عَلَى المَاضِي فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ أَمَّا إِذَا طَرَأَت بَعْدَ المُدَّةِ مُنِعَتِ المُطَالَبَة فِي الحَالِ وَلَكِنْ إِذَا زَالَ لَمْ
يُوجِبِ اسْتِئْنَافَ المُدَّةِ بِخِلاَفِ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ وَالرِّدَّةِ أَمَّا صَوْمُهَا فَلاَ يَمْنَعُ مِنَ احْتِسَابِ المُدَّةِ وَلاَ حَيْضُهَا وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ طَلَبَ الوَطْءِ فِي الحَالِ.
قَالَ الرَّافِعِي: مقصود الفصْل بَيَان ما يَمنع الاحتساب بالمدَّة، إما بأن يقارن ابتداء الإيلاء، فيمنع ابتداء الاحتساب أو يطرأ في أثناء المُدَّة، فيقطعها، ويمنع استدامة الاحتساب، وفيه مسألتان:
إحداهما: قد مر في أول الكتاب أنَّه إذا آلَى عن الرجعية، صحَّ، والمدة إنما تُحْتَسَب من وقْت الرجعة لا من وقت اليمين، ولو آلى عن زوجته، ثم طلَّقها طلاقًا رجعيًا، انقطعت المدة، لاختلال النكاح، وجريانها إلى حال البينونة، وإذا كانت في زمان يقتضي [قضية] البينونة، لم يجز احتسابه من مدَّةٍ تَقْتَضِي مُضيُّها المطالبَةَ بالوطء، فلو راجعها بعْد ذلك، استؤنفت المدة؛ لأن المطالبة مَنُوطَةٌ بالإضرار والإيذاء في الأشهر الأربعة على التوالي في النكاح السليم.
وقوله في الكتاب "ليتوالى الإضرار" أي لا بد من إضرار هذا حاله؛ لتتمكَّن من الطَّلب ولو ارتد أحَدُ الزوجين بعْد الدخول في المدة، فتنقطع المدة أيضاً، ولا يُحْتَسب زمان الردَة منها؛ لأن الردة تؤَثّر في قَطْع النكاح، كالطلاق، وإذا عاد من ارتد منهما إلى الإِسلام قبْل انقضاء مدة العدة، استؤنفت المدة، هذا هو المذهب المشهور، وفي رِدَّة الرجُل وجْه أنَّه إذا عاد بني على المدة، ولا يستأنف، بخلاف الطلاق؛ لأنه إذا عاد المرتد إلَى الإسْلاَم، تبيَّن أن النكاح لم يتحرَّم، وبالرجعة لا يهدم الطلاق الماضي، وفي كتاب القاضي ابن كج أن أبا القاسم الأنماطيَّ ذكر ذلك على سبيل الاحتمال فيما علَّق عنْه أبو العبَّاس بن سُرَيْج، وحكى أبو الفرج السرخسي وجْهًا: أن ردته لا تَقْطَع الاحتساب، كمرضه وسائر الأعذار فيه، وزاد صاحب "التتمة" فنقل في الرَّجعة أيضاً وجْهًا مُخرَّجًا أنه يبني المدة على ما مَضَى، ولا يستأنف؛ أخذاً من الخلاف فيما إذا راجَع المُطلَّقة، ثم طلَّقها أخْرَى قَبْلَ أن يدْخل بها، يستأنف العدة أو يبني، ولْيُعْلَم؛ لذلك قولُه في الكتاب "استؤنفت المدة" ولو جدَّد النكاح بعْد ما بَانَت الرَّجعيَّة أو كان الطلاق بائنًا أو بَعْد حصول البينونة بالردة، إما بالإضرار أو بأن كانت الردة قبْل الدخول، وقلنا: يعود الإيلاء، فتستأنف المدة أيضاً، وهذه الصورة أولى بالاستئناف، لأنه نكاح آخر، ولو طلقها بعد مضي المدة طلقةً رجعية، إما بمطالبتها، أو ابتداء 1 ثمَّ راجعها، فيعود الإيلاء، وتستأنف المدة، إن كان اليمينُ علَى التأييد، أو كانت مؤقتةً، وقد بقي من وقت اليمين مدة الإيلاء؛ لأن المَنَافِع من وقْت الوطء باقية والمضارّة
حاصلةً، وكأنه راجع ثم حَلَف ثانياً، قال الإِمام: وكان ينقدح في القياس أن يُقَال: كما راجعها يعود الطلبة؛ لاتحاد النكاح، لكنه لمَّا طلَّق، فقد أتى بأحد الأمرين اللَّذَيْن طولب بأحدهما فأثر ذلك في سقوط الطلبة، ولو ارتد أحد الزوجين بعْد مضيِّ المدة، وعاد إلى الإِسلام قبْل انقضاء العدَّة، فيعود الإيلاء، وتستأنف 1 المدة أيضًا وألحق في