العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 477-516

ما إذا رهن المعير العارية من المستعير ولزم الرَّهْن كما سبق، ففي البَرَاءة عن ضمان العارية وجهان عن حكاية صاحب "التقريب".
أصحهما: أنه لا يبرأ كما لا يبرأ عن ضَمَان الغَصْب.
والثاني: يبرأ؛ لأن ضمان العَارِية أخف أمراً من ضمان الغَصْب؛ لأن اليد فيها مستندة إلى رضي المالك، ورهن المقبوض على سبيل السَّوْم والشراء الفاسد من المُسْتَام والمشتري كرهن العارية من المستعير (1). والله أعلم.

فصل: في الطوارئ المؤثرة في العقد قبل القبض

قال الغزالي: أَمَّا الطَّوَارِئُ قَبْلَ القَبْضِ فَكُلُّ مَا يُزِيلُ المِلْكَ فَهُوَ رُجُوعٌ، وَالتَّزويجُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَإِجَارَتُهُ رُجُوعٌ إِنْ قُلْنَا: إِنَّها تَمْنَعُ مِنَ البَيْعِ، وَالتَّدْبيرُ رُجُوعٌ عَلَى النَّصِّ، وَعَلَى التَّخْرِيجِ لاَ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني من الباب القول في الطَّوَارئ التي يتأثر العَقْد بطروئها قبل القبض، وهي ثلاثة أنواع: الأول: ما ينشئه الرَّاهِن من التصرفات، وكل ما يزيل المِلْك كالبيع والإعتاق والإصْداق، وجعله أجُرْة في إجارة، فإذا وجد قبل القبض فهو رُجُوع عن الرَّهْن، وفي معناه الرَّهْن والهِبَة من غيره مع القبض، وكتابة العبد وَوَطْء الجارية مع الإحْبَال، ليس برجوع وكذا التزويج، إذ لا تعلق له بمورد الرَّهْن، بل رهن المزوجة ابتداء جائز.
وأما الإجارة إن قلنا: إن رهن المكرى وبيعه جائز، فهو كالتزويج وإلاَّ فهي رجوع، وحكى الإمام وجهاً آخر، أنها ليست برجوع بحال، كما لو دَبّر العبد المرهون، وَالنَّص أنه رجوع، وخرج الرَّبيع قولاً، أنه ليس برجوع، ولهذا مأخذان: أحدهما: البناء على النَّص والتخريج في رهن المُدَبّر.
والثاني: توجيه التَّخْرِيج بامكان الرُّجُوع عن التَّدْبير، ووجه النَّص وهو الأظهر بمنافاة مقصود التّدْبير لمقصود الرَّهْن وإشعاره بالرجوع 2.1

ولا يخفى عليك بَعْد مَعْرفة هذه الصور أن قوله في الكتاب: (ما لا يزيل كالتزويج) ليس برجوع غير معمول به على الإطلاق، وأن قوله: (وَإِجَارَته رجوع) بجواز إعلامه بالواو، والله تعالى أعلم.
قال الغزالي: وَالنَّصُّ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَلاَ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ المُرْتَهِنِ، فَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ لِتَرَدُّدِ الرَّهْنِ بَيْنَ البَيْعِ الجَائِزِ وَالوكَالَةِ، وَقِيلَ بِالفَرْقِ لأنَّ رُكْنَ الرَّهْنِ مِنْ جَانِبِ الرَّاهِنِ العَيْنُ وَهُوَ مُتَعَلِّقُ حَقِّ الوَرَثَةِ وَالغُرَمَاءِ، وَرُكُنُهُ مِنْ جَانِبِ المُرْتَهِنِ دَيْنُهُ وَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لاَ يَنْفَسِخُ بِجُنُونِ العَاقِدَيْنِ، وَبِالحَجْرِ عَلَيْهِمَا بِالتَّبْذِيرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: النوع الثاني: ما يعرض للمتعاقدين من الحالات، وفيه ثلاثة صور: إحداها: نص في "المختصر" أن الرَّهْن لا يبطل بموت المرتهن قبل القبض، ونقل نص أنه يبطل بموت الراهن، وفيهما طرق: أظهرهما: أن في موتهما قولين نقلاً وتخريجاً: أحدهما: أنه يبطل بموت كل واحد منهما؛ لأنه عقد جائز، والعقود الجائزة تَرْتَفِعُ بموت المتعاقدين كالوِكالَة.
وأصحهما: أنه لا يبطل؛ لأن مصيره إلى اللُّزُوم فلا يتأثر بموتهما كالبيع في زمان الخِيَار.
والثاني: تَقْرِير النَّصّين، وبه قال أبو إسحاق وفرقوا بأن المرهون بعد موت الرَّاهن ملك الورثة، ومتعلق حق الغُرَمَاء إنْ كان له غريم آخر، وفي اسْتِيفَاء الرَّهْن إضرار بهم، وفي صورة موت المرتهن يبقى الدين كما كان وإنما ينتقل الاستحقاق فيه إلى الورثة، وهم مُحْتَاجون إلى الوثيقة حاجة مورثهم.
والثالث: القطع بعدم البطلان، سواء مات الرَّاهن أو المرتهن وبه قال القاضي أبو حامد، ومن قال بهذا أول ما نقل في موت الراهن، وإذا أبقينا الرَّهْن قام ورثة الرَّاهن مقامه في الإِقباض، وورثة المرتهن مقامه في القبض، ووراء هذا في المَسْألة شيئان: أحدهما: اختلف المُثْبِتون للقولين في موضعهما، فقال ابْن أبي هريرة: موضع القولين رَهْنُ التبرع.
وأما الرَّهْن المَشْرُوط في البيع فإنه لا يبطل بالموت قطعاً لتأكده بالشرط واقترانه بالبيع اللاَّزِم، فلا يبعد أن يكتسب منه صفة اللُّزوم.
وقال أبو الطيب بن سلمة: القولان جاريان في النوعين وهو المشهور، وسواء قلنا بالبطلان، أو قلنا: إنه لا يبطل، ولم يتحقق الوفاء بالرهن المشروط، فيثبت الخيار في البيع.

والثاني: لك أنْ تستخرج الخلاف في طرف موت الرَّاهن من أصل سيأتي، إن شاء الله تعالى وهو أنَّ التركة الَّتِي تعلّقت بها الديون حكمها حكم المرهون أم لا؟ إن قلنا: نعم، فقد أخذ جميع التركة حكم المرهون، لغى العقد السابق.
وإن قلنا: لا، بقي الرَّهْن لظهور فائدته، ويجوز أن يعكس فيقال: إن قلنا: يأخذ حكم المرهون بقي الرَّهْن لتأكُّده بما عرض.
وإن قلنا: لا، لغى العقد السابق كيلا يتضرَّر الورثة.
الصُّورة الثَّانية: لو جُنَّ أحد المتعاقدين، أو أُغْمِيَ عليه قبل القبض ترتَّب ذلك على الموت.
إنْ قلنا: لا يؤثر الموت، فَالجُنُون أَوْلى.
وإنْ قلنا: يؤثر ففي الجُنُون وجهان: فإذا قلنا: لا يبطل الرَّهْن، فإن جُنّ المرتهن، قبض الرَّهْن مَنْ ينصبه القاضي قيماً في ماله، فإنْ لم يقبضه الراهن، وكأن الرَّهْن مشروطاً في بيع، فعل ما فيه الحظ من الفَسْخ والإجازة، وإن جن الراهن، فإن كان الرَّهْن مشروطاً في بيع، وخاف القيم فسخ المرتهن إن لم يسلمه، والحظ في الإمضاء سلمه، وإن لم يخف، أو كان الحظ في الفسخ لم يسلمه، وكذا لو كان الرَّهْن رهن تبرع، هكذا أطلقوه وهو محمول على ما إذا لم تكن ضرورة ولا غبطة؛ لأنهما يجوزان رهن مال المجنون ابتداء فالاستدامة أَولى.
الثالثة: لو طرأ الحَجْر على أحدهما لِسَفَهٍ أو فَلَسٍ، فهو لو كما طرأ المجنون، ولكن الخلاف فيه بالترتيب؛ لأن السَّفَهَ لا يوجب سقوط العبارة رأساً والجنون بوجه.
قال الغزالي: وَفِي انْفِسَاخِهِ بِانْقِلاَبِ العَصِير خَمْراً، وَبِاباقٍ العَبْدِ وَجِنَايَتِهِ وَجْهَانِ أَيْضاً، وَلاَ يَجُوزُ إِقْبَاضُهُ وَهُوَ خَمْرٌ فَلَوِ انْقَلَبَ خَمْرًا بَعْدَ القَبْضِ خَرَجّ عَنْ كَوْنِهِ مَرْهُوناً، فَإِذَا عَادَ خَلاًّ عَادَ مَرْهُوناً (و).
قال الرَّافِعِيُّ: النوع الثالث: ما يعرض في المرهون، وفيه صور: إحداها: أنه لو رهن عصيراً وأقبضه، فانقلب في يد المرتهن خَمْراً، فلا نقول بأنها مرهونة.
وللأصحاب عبارتان: قالت شرذمة: يتوقف إنْ عاد خلاًّ بان أن الرَّهْن لم يبطل، وإلا بان أنه يبطل.
وقال الجمهور: يبطل الرَّهْن لخروجه عن كونه مالاً، ولا خيار للمرتهن إنْ كان الرَّهْن مشروطاً في بيع لحدوثه في يده، ثم إذا عاد خَلاًّ يعود الرَّهْن كما يعود الملك.

وحكى القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الطيب بن سلمة؛ أنه يجيء فيه قول آخر: أنه لا يعود الرَّهْن إلاَّ بعقد جديد، وادَّعى أنه مذهب أبي حنيفة، وكان هذا النقل لم يبلغ القاضي حسين، فقال على سبيل الاحتمال: يجوز أن يجعل هذا على قياس عود الخبث، ويخرج فيه مثل ذلك الخلاف.
والمذهب الأول: وهو عود الرَّهْن، وتبين بذلك أنهم لم يريدوا ببطلان الرَّهْن اضْمحلال أثره بالكلية، وإنما أرادوا ارتفاع حكمه ما دامت الخَمْرِيّة.
ولو رهن شاة فماتت في يد المرتهن فدبغ جلدها فوجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ خَيْرَان، واختاره القاضي الرُّويَانِي أنه يعود الرَّهْن كما لو انقلبت الخَمْر خَلاًّ.
وأظهرهما عند الأكثرين: لا يعود؛ لأن ماليته مَجْلُوبة بالصّنْعَة والمُعَالَجَة، وليس العائد ذلك الملك.
ولو انقلب العَصِيرُ المرهون خمراً قبل القبض، ففي بطلان الرَّهْن البطلان الكلي وجهان: أحدهما: نعم، لاختلال المحل في حال ضعف الرَّهْن وجوازه.
والثَّاني: لا، كما لو تَخَمَّر بعد القبض وقبضه.
وإيراد الأئمة ترجيح هذا الوجه 1؛ لأنهم قَرَنُوا هذا الخلاف من الخلاف في صورة عُرُوض الجُنُون، أو بنوه عليه فقالوا: إنْ ألحقنا الرَّهْن بالوِكَالَة بطل بعروض الجُنُون، وانقلابه خَمْراً قبل القبض، وإنْ ألحقناه بالبيع الجائز لم يبطل، وقد مَرَّ أن الثاني أظهر.
قال في "التهذيب": وعلى الوجهين لو كان الرَّهْن مشروطاً في بَيْع ثبت للمرتهن الخيار؛ لأن الخَلَّ أنقص من العصير، ولا يصح الإقباض في حال الشِّدة، ولو فعل وعاد خلاًّ، فعلى الوجه الثَّاني لا بد من استئناف قَبْض، وعلى الأول لا بد من استئناف عقد.
ثم القبض فيه على ما ذكرنا في انقلاب العَصِير المرهون خمراً قبل القبض.
فرع: إذا انقلب المبيع خمراً قبل القبض، فالكلام في انقطاع البيع وعوده إذا عاد خَلاًّ على ما ذكرنا في انقلاب العصير المرهون خمراً بعد القبض 2.

الصورة الثانية: إذا جنى العبد المرهون قبل القبض، وتعلّق الأَرْش بِرَقَبَتِه، وقلنا: رهن الجاني ابتداءاً فاسد.
فعن الشيخ أبي علي أن في بطلان الرَّهْن وجهين إلحاقاً للجناية بِتَخْمِير العَصِير، والجامع عروض الحالة المانعة من ابتداء الرَّهْن قبل استحكام العقد، وهذه الصورة أولى بأنه لا يبطل الرَّهْن فيها لدوام المِلْك في الجاني بخلاف الخمر.
الثالثة: إذا أبق العبد المرهون قبل القبض.
قال الإمام: يلزم على مساق ما سبق تخريج وجهين فيه لانتهاء المرهون إلى حالة يمنع ابتداء الرَّهْن فيها.
وقوله في الكتاب (وجنايته وجهان) يجوز إعلامه بالواو، لأن الخلاف في صورة الجناية يتفرع على منع رَهْن الجاني.
أما إذا جَوَّزناه لا يأتي هذا الخلاف بحال.
وقوله: (عاد مرهوناً) مُعَلَّم بالواو لما قدمناه.
قال الغزالي: وَالتَّخْلِيلُ بِإلْقَاءِ المِلْحِ فِيهِ (ح) حَرَامٌ لِحَدِيث أَبِي طَلْحَةَ، وَبِالإمْسَاكِ غَيْر مُحَرَّمٍ، وَكَذَا بِالنَّقْلِ مِنْ ظِلٍّ إلَى شَمْسٍ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرَّافِعِيُّ: أشار في "المُخْتَصَر" إلى مَنْعِ التَّخْلِيل في هذا الموضع، وَتَأَسَّى به أكثر الأصحاب فذكروا مسائله هاهنا، وأول ما ينبغي أنْ يعرف أن الخمر قسمان: خمر محترمة: وهي التي اتخذ عصيرها لتصير خَلاًّ، وإنما كانت محترمة؛ لأن اتخاذ الخَلّ جائز بالإجماع، ولن ينقلب العَصِيرُ إلى الحُمُوضة إلاَّ بتوسط الشدة، فلو لم تحترم وَأُرِيْقَت في تلك الحَالة لتعذُّر إيجاد الخَلِّ.
وخمرة غير محترمة، وهي الَّتي اتّخذ عصيرها لغرض الخَمْرية، وفي كل واحد من القسمين ثلاث مسائل: إحداها: تَخْلِيل الخمر بطرح العَصِير أو الخَلّ أو الخبز الحَارّ أو غيرها فيها حرام، والخَلّ الحاصل نجس، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة، وعن مالك روايتان: إحداهما: كمذهبنا.
والأخرى: أنه يكره ولكن لو فعل جاز.
لنا ما روي عن أنس -رضي الله عنه- قال: "سُئِلَ رَسُولُ -صلى الله عليه وسلم- أَنَتَّخِذُ الْخَمْرَ خَلاًّ؟ قَالَ: لاَ" 1، وروى أَنَّ أبا طلحة -رضي الله عنه- "سَأَلَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: عِنْدِي خُمُورٌ لأيْتَامٍ، فَقَالَ: أَرِقْهَا، فَقَالَ: أَفَأُخَلِّلُهَا؟ قَالَ: لاَ" 2.

وإذا حرم التَّخْلِيل كان الخُلّ الحاصل نجساً؛ لأن الفعل الحرام لا يستباح به الغير المحظور كاصطياد المحرم، وأيضاً فإن المطروح في الخمر ينجس بملاقاتها، وتستمر نجاسته، إذْ لا مزيل لها ولا ضرورة إِلَى الحكم بانقلابه طاهراً بخلاف آخر الدَّنِّ 1، ولا فرق في هذه المَسْأَلة بين المُحْتَرمة وغيرها.
وحكى الإمام عن بعض الأصحاب جواز تَخْلِيل المحترمة؛ لأنها غير مستحقّة للإراقة، والمذهب الأول وفي حديث أبي طلحة -رضي الله عنه- كانت تلك الخمور محترمة؛ لأنها كانت مُبَاحَة مُتَّخذة قبل وُرُودِ التَّحْريم.
وهل يفرق بين الطَّرْح بالقصد وبين أن يتفق بغير قصد كطرح ريح؟ فيه اختلاف للأصحاب مبنى على أنّ المعنى تحريم التَّخْليل أو نَجَاسة المطروح فيه.
والأظهر أن لا فرق، هذا إذا كان الطرح في حال التَّخْمِير، أما إذا طرح في العَصِير بصلاً أو مِلْحاً واستعجل به الحُمُوضة بعد الاشْتِداد فوجهان: أحدهما: أنه إذا تخلّل كان طاهراً؛ لأن ما لاقاه إنَّما لاقاه قبل التّخْمِير فطهر بطهارته كأجزاء الدَّنِّ.
والثاني: لا؛ لأن المَطْرُوح فيه ينجس عند التَّخْمِير، وتستمر نجاسته بخلاف أجزاء الدَّن للضرورة.
قال في "التهذيب": وهذا أصح، ولو طرح العصير على الخَلّ وكان العصير غالباً يَنْغَمِرُ الخل فيه عند الاشتداد، فهل يطهر إذا انقلب خلاًّ؟ فيه هذان الوجهان، ولو كان الغالب الخَلّ، وكان يمنع العَصِيْر من الاشْتِدَاد فلا بأس.
المسألة الثانية: إمساك الخَمْر المحترمة إلى أنْ تصير خلاًّ جائز، وَالَّتِي لا تحترم تجب إِرَاقَتُها، لكن لو لم يرقها حتى تخلَّلت فهي طاهرة أيضاً؛ لأن النَّجَاسة والتحريم إنما ثبتا للشِّدة وقد زالت، هذا ما به الفتوى، وحكى الإمام -رضي الله عنه- عن بعض الخلافيين: أنه لا يجوز إِمْساك الخمرة المحترمة، بل يعرض عن العصير إلى أنْ يصير خلاًّ، فإن اتفقت رؤيته إياه وهو خمر أرقناه، وذكر الحَنَّاطي وجهاً: أنه لو أمسك التي لا تحترم حتى تَخَلَّلت لم تحل ولم تطهر؛ لأن إمساكها حرام فلا يستفاد به نعمة، ومتى عادت الطَّهَارة بالتَّخَلُّل فتطهر أجزاء الظّرف أيضاً للضرورة، وفي "البيان" أن الدَّارِكي قال: إن كان الظَّرْف بحيث لا يتشرب شيئاً من الخمر كالقَوَارِيرِ طهر، وإن كان مِمَّا يتشرب لم يطهر، والمذهب الأول، وكما يطهر ما يلاقي الخَلَ بعد التخليل يظهر ما

فوقه الَّذي أصابته الخَمْر في حالة الغَلَيَان، ذكره القاضي الحسين وأبو الربيع الإِيْلاَفي (1). الثالثة: لو كان ينقلها من الظِّلّ إلى الشّمس أو يفتح رأسها ليصيبها الهواء استعجالاً للحموضة فوجهان: أحدهما: لا تطهر كما لو طرح فيها شيئاً، وبهذا قال أبو سهل الصُّعْلُوكي.
وأصحهما: أنه يطهر لزوال الشِّدة من غير نجاسة تخلفها، وهذا في غير المحترمة، وفي المحترمة أولى بالجواز.
واعلم أنه ليس في لفظ الكتاب تعرض لانقسام الخمر إلى محترمة وغيرها.
وقوله: (التَّخْلِيل بِإلْقَاء المِلْح فيه حرام) يمكن إجراؤه فيه على إطلاقه على ما بيناه وإعلامه بالواو للوجه المنقول في المحترمة، وكذا مثله النقل من الظل إلى الشمس يمكن إجراؤه على إطلاقها، وأما قوله (والإمساك غير حرام) فلا يمكن إجراؤه على إطلاقه.
لأن الإمساك حرام في غير المحترمة، والإراقة واجبة والكلام في أنه لو اتفق الإمساك وتخلَّلت، هل تطهر؟ هذا هو المشهور، والذي في طريق الصَّيْدَلاَنِي من تجويز الإمساك على قصد أن لا يصير خلاًّ، وعدم وجوب الإرَاقَة فهو مما يستغرب، فإذا هو مخصوص بالمحترمة، لكنه غير مستحسن من جهة النَّظَم؛ لأنه على خلاف ما قبله وما بعده، وليس في اللَّفْظ ما يدل عليه.
فرع: عن الشيخ أبي علي ذكر تردد في بيع الخمرة المحترمة بناء على التردد في طهارتها، وقد حكيناه في باب النَّجَاسات، والعناقيد إذا استحالت أجواف حَبَّاتِها خَمْراً، فعن القَاضِي وغيره: ذكر وجهين في جواز بيعها اعتماداً على طهارة ظَاهِرِها في الحال، وتوقع فائدتها في المآل وطرودهما في البَيْضَة المُسْتحيل باطنها دَماً والمذهب المنع.

البَابُ الثَّالِثُ: فِي حُكْمِ المَرْهُونِ بَعْدَ القَبْضِ

قال الغزالي: وَهُوَ وَثِيقَةٌ المُرْتَهِنِ فِي عَيْنِ الرَّهْنِ تَمْنَعُ الرَّاهِنَ مِنْ كُلِّ مَا يَقْدَحُ فِيهِ وَالنَّظَرُ فِي أَطْرَاف ثَلاثَةٍ: الأَوَّلُ -جَانِب الرَّاهِنِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ قَوْلِيِّ يُزِيلُ المِلْكَ كَالبَيْعِ وَالهِبَةِ، أَوْ يُزَاحِمُ حَقَّهُ كَالرَّهْنِ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَنْقُصُ كَالتَّزْوِيجِ، أَوْ يُقَلِّلُ1

الرَّغْبَةَ كَالإِجَارَةِ الَّتِى لاَ تَنْقَضِي مُدَّتُهَا قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْن.
قال الرَّافِعِيُّ: صدر الباب يشير إلى مقدمة مرشدة إلى ضبط الأَطْرَاف الَّتي يتضمنها وإلى وجهة اقتضاء الدين لها، وهي أَنَّ الرَّهْن وثيقة لدين المرتهن في غير الرَّهْن أو بدله، وإنَّمَا تحصل الوثيقة بالحَجْر عن الراهن، وقطع سلطنة كانت له ليتحرك للأداء، وتجدد سلطة المرتهن لم يكن ليتوصّل بها إلى الاسْتِيْفَاء، ثم هذه الوثيقة ليست دائمة بل لها غاية ينتهي عندها، وكلام الباب فيما ينقطع من سلطنة الراهن، وفيما يحدث من سلطنة المرتهن، وفي غاية الرَّهْن فهي ثلاثة أطراف، والذي يشتمل عليه الفصل من الطرف الأول أن الراهن يمنع من كل تصرف يزيل الملك، وتنقل لمال الغير كالبيع والهِبَة ونحوهما؛ لأنا لو صَحَّحناها لفاتت الوثيقة، ومنع مِمّا يزاحم المُرْتَهن في مقصود الرَّهْن، وهو الرَّهْن من غيره ومن كل تصرف ينقص المرهون، ويقلل الرغبة فيه كالتزويج، فإنَّ الرغبة في الجَارِية الخَلِيّة فوق الرغبة في المُزَوَّجَة 1، وعند أبي حنيفة: يجوز التَّزْويج.
وأما الإجارة فينظر فإنْ كان الدَّين حالاً، أو كان مؤجلاً لكنه يحل قبل انقضاء مدة الإجارة، فعن بعض الأصحاب فيما رواه ابن القَطَّان بناء صِحَّة الإجارة على القولين في جواز بيع المستأجر، إنْ جوزناه صحَّت الإجارة، وإلاَّ فالمشهور بطلانها قطعاً.
أما إذا لم نجوز بيع المُسْتَأْجر فظاهر.
وأما إذا جوزناه؛ فلأن الإجارة تبقى وإنْ صح البيع، وذلك مما يقلّل الرغبة، ثم القائلون بالمَنْع لم يفصل الجمهور منهم.
وقال في "التتمة": يبطل في الأَجَل، وفي الزائد على الأجل قَوْلاَ تَفْرِيق الصَّفْقة، وإنْ كان الأجل يحل مع انقضاء مدة الإجارة أو بعدها صحَّت الإجارة، ثم لو اتفق حُلُول الدَّيْن قبل انقضائها بموت الراهن فوجهان: أحدهما: أن تنفسخ الإجارة رِعَايَةً لحق المرتهن فإنه أسبق ويُضَارِب المستأجر بالأُجْرة المدفوعة مع الغرماء.
والثاني: وهو اختيار أبي الحسين: أن المرتهن يصبر إلى انقضاء مدة الإجارة، كما يصبر الغرماء إلى انقضاء العدة لتستوفى المعتدة حق السُّكْنَى جمعاً بين الحَقَّين، وعلى هذا يُضَارب المرتهن بدينه مع الغُرَمَاء في الحال.

ثم إذا انقضت المدة وبيع المرهون قُضِيَ باقي دينه، فإن فَضَلَ شيء فهو للغرماء، هذا كله فيما إذا أجر المرهون من غير المرتهن.
أما إذا أجره منه فيجوز، ولا يبطل به الرَّهْن، وكذا لو كان مكري منه، ثم رهنه منه يجوز.
فلو كانت الإجارة قبل تسليم الرَّهْن ثم سلمه عنهما جميعاً جاز.
ولو سلم عن الرَّهْن وقع عنهما جميعاً؛ لأن القبض في الإِجَارة مستحق، كذا قاله في "التهذيب"، ولو سلمه عن الإجارة لم يحصل قبض الرَّهْن، وعند أبي حنيفة الرَّهْن والإجارة لا يجتمعان، والمتأخر منهما يرفع المتقدم ويبطله.
لنا: أن الإعارة من المرتهن لا تبطل الرَّهْن فكذا الإجارة.
وقوله في الكتاب: (كل تصرف قولي) أفهم بالقول أن ما يمنع منه الرَّهْن من التصرفات بعضها قَوْلِيّ وبعضها ليس بِقَوْلِيّ، فإنه قدم التصرفات القَوْلِية، ثم تعرض لغيرها كالوَطْءِ، ويجوز إعلام قوله: (كالإجارة التي لا تنقضي مدتها قبل حلول الدين) بالواو للطريقة الَّتِي قدمناها وفي هذه اللَّفظة شيء، فإن الإجَارة الَّتِي لا تنقضي مدتها قبل حلول الدَّين تارة تنقضي مدتها بعد حلول الدين، وتاَرة معه، والثانية صحيحة، فكان الأولى أن يقول: كالإجارة الَّتِي لا تنقضي مدتها بعد حلول الدين.
واعلم أن ما قدمناه من منع الراهن من البيع ونحوه من التَّصرفات، والحكم بإبطالها هو المذهب الجديد، وعلى القديم الَّذِي يجوز وقف العقود، تكون هذه التَّصَرفات موقوفة على الانفكاك وعدمه، ومال الإمام إلى شيء آخر، وهو تخريجها على الخلاف في بيع المفلس ماله، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَفِي الإِعْتَاقِ (ح) ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ المُوسِرِ وَالمُعْسِرِ، فَإِنْ نَفَّذْنَا غَرَّمْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُنَفِّذْ فَالأَقْيَسُ أَنْ لاَ يَعُودَ العِتْقُ إِنِ اتَّفَقَ فِكَاكُ الرَّهْنِ، وَحُكْمُ التَّعْلِيقِ مَعَ الصِّفَةِ فِي دَوَامِ الرَّهْنِ حُكْمُ الإِنْشَاءِ، فَإِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ بَعْدَ فِكاكِ الرَّهْنِ نَفَذَ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرَّافِعِيُّ: الفصل يتضمَّن مسألتين: مسألة في إِعْتَاق الرَّاهن العبد المرهون منجزاً.
ومسألة في تعليق إعتاقه.
أما الأُولى فالمنقول عن القديم ومختصر المزني الجزم بأنه لا ينفذ إِنْ كان الراهن معسراً، وقولان إن كان موسراً، وعن الجديد الجزم بنفوذه إن كان موسراً، وإن كان معسراً فقولان، فإذا ضرب البعض بالبعض خرجت ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه لا ينفذ بحال؛ لأن الرَّهْن عقد لازم حجر به الراهن على نفسه، فلا يتمكن من إبطاله مع بقاء الدين.
والثاني: ينفذ؛ لأنه إعتاق صَادَفَ الملْك فأشبه إعتاق المستأجر والزوجة، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، إلاَّ أنَّ أبا حنيفة يقول: يستبقى العبد في قيمته إنْ كان الراهن معسراً.
والثالث: وهو الأصح، وبه قال مالك: أنه إنْ كان موسراً نفذ، وإلاَّ فلا تشبيهاً لسريان العِتْق إلى حق المرتهن بسريانه من نصيب أحد الشريكين إلى الآخر، والمعنى فيه أن حق الوثيقة لا يتعطّل ولا يتأخر إذا كان موسراً.
التفريع: إنْ قلنا: لا ينفذ فالرهن بحاله، فلو انفك بإبراء أَوْ غيره فقولان أو وجهان: أظهرهما: أنه لا يحكم بنفوذه أيضاً؛ لأنه لا يملك إعتاقه فأشبه ما إذا أعتق المَحْجُور عليه بالسَّفَه ثم زال الحَجْر.
والثاني: يحكم بنفوذه؛ لأن المانع من النّفوذ في الحال حق المرتهن وقد زال، وقطع قاطعون بالثاني، والخلاف فيه كالخِلاَف فيما إذا أعتق المَحْجور عليه بالفَلَس عبداً ثم انفك الحجر عنه، ولم يتفق بيع ذلك العبد هل يعتق؟ وإنْ بيع في الدين ثم ملكه يوماً لم يحكم بالعِتْق، ومنهم مَنْ طرد فيه الخِلاَف المذكور في الصُّورة الأولى، وعن مالك أنه يحكم بنفوذ العِتْق في الصورتين.
وإن قلنا: ينفذ العتق مطلقاً فعلى الراهن قيمته باعتبار يوم الإِعْتَاق، ثم إنْ كان موسراً أخذت منه في الحال وجعلت رهناً مكانه، وإنْ كان معسراً نظَر إلى اليسار، فإذا أَيْسَرَ أخذت منه وجعلت رهنًا إنْ لم يحل الحق بعد، وإنْ حلّ طُوْلِبَ به ولا معنى للرهن، هكذا قاله أصحابنا العراقيون.
ولك أن تقول: كما أن ابتداء الرَّهْن قد يكون بالحال وقد يكون بالمؤجل، فكذلك قد تقتضي المَصْلَحة أخذ القيمة رهناً، وإن حل الحق إلى أنْ يتيسر استيفاؤه، وبتقدير صحَّة التَّفصيل الذي ذكروه، وجب أنْ يجري مثله في القيمة التي تؤخذ من المُوسر.
ثم قال الإمام: ومهما بدل القيمة على قصد المغرم صارت رهنًا، ولا حاجة إلى عقد مستأنف، والأعيان مقصد المُؤدّى، ومتى كان المُعْتق موسراً أو التفريع على القول الثَّاني أو الثَّالث ففي وقت نفوذ العِتْق طريقان: أحدهما: وهو الذي أورده القاضي ابن كَجٍّ: أنه على الأقوال في وقت نفوذ العِتْق في نَصِيب الشَّرِيك إذا أعتق الشَّريك نصيبه ففي قول: يتعجل، وفي قول: يتأخر إلى أن يغرم القيمة، وفي قول: يتوقف فإذا كرم أنفذنا العِتْق يقيناً.

وأظهرهما: القطع بنفوذه في الحال، والفرق أن العِتْق ثم يسري إلى ملك الغير ولا بُدَّ من تقدير انتقاله إلى المعتق فجاز أن يقول: إنما ينتقل إذا استقر ملك الشريك ويده على العوض، وإعتاق الراهن يصادف ملكه.
وأما المسألة الثَّانية: فينظر إنْ علق عتق المرهون بفِكَاك الرَّهْن نفذ عند الفِكَاك؛ لأن مجرد التَّعْليق لا يضرّ بالمرتهن، وحين ينزل العِتْق لا يبقى له حق، وإن علق بصفة أخرى فإنْ وجدت قبل انْفِكَاك الرَّهْن ففيه الأقوال المذكورة في التَّنْجيز، وإن وجدت بعده فوجهان: أصحهما: النفوذ؛ لأنه لا يبطل حق المرتهن.
والثاني: لا ينفذ أيضاً لا للتعليق مطلقاً كالتنجيز في قول، والوجهان مشتبهان بالخلاف فيما إذا قال العبد لزوجته: إنْ فعلت كذا فأنت طالق ثلاثاً، ثم عتق ثم فعلته، هل تقع الطلقة الثالثة؟ لكن ذلك الخلاف جارٍ، وإن علق بالعتق فقال: إن عتقت فأنت طالق ثلاثاً، فلا خلاف في تعليق العِتْق بالفِكَاك أنه ينفذ عند الفكاك.
قال الإمام: والفارق أنَّ الطلقة الثالثة ليست مملوكة للعبد، ومحل العتق مملوك للراهن، وإنما منع لحق المرتهن ولعلك لا تنقاد لهذا الفرق، وتقول: العتق غير مملوك للراهن، كما أن الطَّلقة الثالثة غير مملوكة لِلْعَبْد، ومحل الطَّلاق مملوك للعبد كما أنَّ محل العِتْق مملوك لِلرَّاهن فلا فرق، والله أعلم.
فرعان: أحدهما: لو رهن نصف عبده ثم أعتق نصفه، نظر إنْ أضاف العتق إلى النصف المرهون ففيه الخلاف، وإنْ أضافه إلى النصف الآخر أو أطلق عِتْقَ ما ليس بمرهون، وهل يَسْرِي إلى المرهون؟ إن جوزنا إعتاق المرهون فنعم، وإلاَّ فوجهان: أصحهما: أنه يسرى أيضاً؛ لأن أقصى ما في الباب تنزيل المرهون منزلة ملك الغَيْر، والعِتْق يسري إلى ملك الغير، وعلى هذا هل يفرق بين الموسر والمعسر؟ قال في "النهاية": قال المحققون: نعم، وفي "التتمة" أنه يسري سواء كان له مال آخر أو لم يكن؛ لأنه ملكه 1.

الثاني: في وقف المرهون طريقان: أحدهما: أنه كالعِتْق لما فيه من الغَرَر والتَّعليق الذي لا يقبل النَّقض.
وأظهرهما: القطع بالمنع، ويفارق العتق لقوة العِتْق بالسّرَاية وغيرها.
وقال المتَوَلِّي: إن قلنا: الوقف لا يحتاج إلى القبول فهو كالعتق.
وإن قلنا: يحتاج إليه فيقطع بالمنع وهذه طريقة ثالثة، والله أعلم.
قال الغزالي: وَيُمْنَعُ مِنَ الوَطْءِ خِيفَةَ الإِحْبَالِ المُنْقِصِ، وَالأَحْوَطُ (و) حَسْمُ البَابِ وإنْ كَانَتْ صَغِيرَةً (و) أَوْ آيسَةً (و) فَإِنْ فَعَلَ فَالوَلَدُ نَسِيبٌ، وَالاسْتِيلاَدُ مُرَتَّبْ (و) عَلَى العِتْقِ وَأَوْلى بِالنُّفُوذِ لأَنَّهُ فِعْلٌ، وَقِيلَ بَنَقِيضِهِ لأَنَّ العِتْقَ مُنَجَّزٌ، ثُمَّ إِذَا انْفَك فَالأَصَحُّ عَوْدُ الاسْتِيلاَدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: عرفت من قبل أنَّ المذهب الصحيح جواز رهن الجَوَاري على الإطْلاق، وعلى هذا فلو كانت الجَارِية المرهونة بِكْراً فليس للراهن وَطْؤها بحال؛ لأن الاَفْتِضَاض ينقص قيمتها، وإن كانت ثَيِّباً فكذلك إن كانت في سن تحبل، لأنها ربما حبلت فتفوت الوثيقة أو تتعرّض للهلاك في الطَّلق، ولنقصان الولادة فليس له أن يقول أَطَأُ وأَعْزِل؛ لأن الماء قد يسبق، وإنْ كانت في سن لا تحبل لصغر أو إِياس فوجهان.
قال أبو إسحاق: له أن يطأها كسائر الانتفاعات التي لا تضر بالمرتهن، وهذا الاختيار للقاضي ابن كَجٍّ، وقال ابن أبي هريرة والأكثرون: يمنع من وطئها احتياطاً لجسم الباب إذ العُلُوق ليس له وقت مَعْلُوم، وهذا كما أن العِدّة تجب على الصَّغِيرة والآَيِسَة، وإن كان القصد الأصلي اسْتِبْراء الرَّحم، ويجري الوجهان فيما إذا كانت حَامِلاً من الزنا؛ لأنه لا يخاف من وطئها الحَبَلُ نعم غَشَيَانُ مثل هذه المَرْأة مكروه على الإطلاق 1. فلو خالف ما ذكرناه ووطئ فلا حَدَّ ولا مهر، ولكن عليه أَرْشُ البَكَارة إذا افتض أما أنه لا حَدَّ ولا مهر فلأنه أصاب مِلْكه، ويخالف ما لو وطئ المُكَاتَبة حيث يغرم المَهْر لها؛ لأن المُكَاتبة قد استقلْت واضطرب الملك فيها لو زال، ولهذا لو وطئها أجنبي كان المهر لها، ولو وطئ المرهونة أَجْنَبِيّ كان المهر للسَّيد، وأما وجوب أَرْش البَكَارَة فلأن الافتضاض إتلاف جزء، ثم إنْ شاء جعله رهناً، وإنْ شاء صرفه إلى أداء الدَّين، وإذا أولدها فالولد نَسِيب حُرٌّ، ولا قيمة عليه لأن المرتهن لا حق له في ولد

المرهونة بحال، وهل تفسير أم ولد؟ فيه الأقوال المذكورة في الإعتاق، ثم منهم من جعل الخِلاَف بالترتيب، واختلفوا في كيفيته، فقال أبو إسحاق والأكثرون: الاستيلاد أولى بالنفوذ؛ لأنه فعل والأفعال أشد وأقوى نفوذاً، ولهذا ينفذ استيلاد المجنون والمحجور عليه ولا ينفذ إعتاقهما، وينفذ اسْتِيْلاَد المريض من رأس المال وإعتاقه من الثّلث.
وقال آخرون: الاستيلاد أولى بعدم النفوذ؛ لأنه لا يفيد حقيقة العِتْق، وإنما يثبت به حق العتق، وحق العِتْق دون حقيقة العتق المنجزة، فكان العتق أولى بالنفوذ، ومنهم من امتنع من الترتيب وسوى بينهما لتَّعَارض المعنيين، وبه قال الشيخ أبو حامد، ويخرج من هذه الاختلافات ثلاثة طرق كما أفصح بها صاحب "التتمة": أظهرها: طرد الخلاف.
والثاني: القطع بنفوذ الاسْتِيْلاَد.
والثَّالث: القطع بعدمه.
التفريع: إن قلنا: ينفذ الاستيلاد فعليه القِيْمَة، والحكم على ما مَرَّ في العِتْق، وإنْ قلنا: لا ينفذ فالرهن بحاله، فلو حل الحق وهي حامل بعد لم يجز بيعها؛ لأنها حامل بِحُرٍّ، وفيه وجه آخر، وقد ذكرنا ذلك في البيع، فإذا ولدت فلا تُبَاع حتى تسقى ولدها اللَّبأ 1، وإذا سقته ولم يوجد مرضعةً فلا تباع حتى توجد مرضعة خوفاً من أنْ يسافر بها المشتري لو بيعت فيهلك الولد، وإذا وجدت مرضعة فتباع الجارية، ولا يبالي بِالتَّفريق بين الأم والولد للضرورة، فإن الولد حُرٌّ وبيعه ممتنع.
ثم إن كان الدَّيْن يستغرق قيمتها بيع كلها، وإلاَّ بيع منها بقدر الدّين، وإن أفضى التَّشْقِيص إلى نقصان رعاية لحق الاسْتِيْلاَد، ويخالف ما إذا اتفق مثل ذلك في العبد القِنّ، بأن كانت قيمته مائة، وهو مرهون بخمسين، وكان لا يشتري نصفه إلاَّ بأربعين، ويشتري الكل بمائة حيث يباع الكل دفعاً للضَّرر عن المالك، وإنْ لم يوجد مَنْ يشتري البعض بيع الكل للضَّرورة.
وإذا بيع منها بقدر الدين انفك الرَّهْن عن الباقي واستقرَّ الاستيلاد، وتكون النَّفَقَة على المشتري والمستولد بحسب النَّصِيبين، والكسب بينهما كذلك، ومهما عادت إلى ملكه بعد ما بيعت في الدين فهل يحكم بنفوذ الاستيلاد؟ فيه طريقان:

أظهرهما: أنه على قولين، كما لو استولد جَارِيَةَ الغير بالشُّبهة ثم ملكها اختار المزني أنه لا يحكم به.
والمذهب المنصوص: أنه يحكم به، وفي مثل هذه الصورة في الاعتاق ذكرنا أن الأظهر عدم نفوذ العِتْق، والفرق أن الإعتاق قول يقتضي العتق في الحال فإذا رد لغى بالكلية، والاسْتِيْلاَد فعل لا يمكن رده، وإنما منع حكمه في الحال لحق الغُرَمَاء، فإذا زال حق الغيْر عمل عمله.
والطَّريق الثَّاني: القطع بنفوذ الاسْتِيْلاَد لنفوذه في المِلْك بخلاف استيلاد جارية الغير بالشبهة.
ولو انفك الرَّهْن عنها ولم يتفق بيعها بعد الاستيلاد ومنهم من خرجه على الخلاف المذكور فيما إذا بيعت ثم عادت إليه وعلى الخلاف المذكور في نظيره من الإعتاق.
والمذهب الأول، ويفارق ما إذا بيعت وعادت؛ لأن الملك هاهنا هو الملك الَّذِي تصرف فيه، ويفارق الأعتاق لما سبق، وليس لِلرَّاهن أنْ يهب هذه الجَارِية للمرتهن، وإنما تباع في الحق للضرورة، وهذا معنى قول الأئمة: إن الاستيلاد ثابت في حق الراهن والخلاف في أنه هل يثبت في حق المرتهن؟ والله أعلم.
وقوله في الكتاب: (مرتب على العتق) يجوز إعلامه بالواو للطريقة الثانية للترتيب وكذا قوله: (والأصح عود الاستيلاد للطريقة النافية للخلاف)، وليس لفظ العود هاهنا مستعملاً في حقيقته فإنه يستدعي ثبوتاً في الابتداء وزوالاً وليس الاستيلاد كذلك.
قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَتْ بِالطَّلْقِ فَعَلَيْهِ القِيمَةُ لأَنَّهُ مُهْلِكٌ بِالإِحْبَالِ، وَكَذَا إِذَا وَطِئَ أَمَةَ الغَيْرِ بشُبْهَةٍ، وَلاَ يَضْمَنُ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الزَّانِي بِالحُرَّةِ لأَنَّ الاسْتِيْلاَدَ كَأَنَّهُ إِثْبَاتُ يَدٍ وَهَلاَكٌ تَحْتَ اليَدِ المُسْتَوْليَةِ عَلَى الرَّحْمِ وَالحُرَّةُ لاَ تَدْخُلُ تَحْتَ اليَدِ وإلاَّ فَمُجَرَّدُ السَّبَبِ ضَعِيفُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ عَلَى رَأْيٍ يَجِبُ أَقْصَى القِيَمِ مِنْ يَوْمِ الإِحْبَالِ إِلَى المَوْتِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ يَوْمِ الإِحْبَالِ، وَقِيلَ: يَوْمُ (ح) المَوْتِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا ماتت الجارية التي أولدها الرَّاهن بالولادة والتفريع على أن الاستيلاد غير نافذ فعليه قيمتها لتكون رهناً مكانها؛ لأنه تسبب إلى إهلاكها بالإحْبَال لا عن استحقاق، والضَّمَان كما يجب بالمُبَاشرات يجب بالأَسْباب، كحفر البئر ونحوه، وعن أبي علي الطَّبَرِي وغيره وجه: أنه لا تجب عليه القيمة؛ لأن إضافة الهلاك إلى الوطء بعيدة، وإحالته على علل وعوارض تقتضي شدة الطلق أقرب وأظهر، والمذهب المشهور الأول.
ولو أولد أَمَةَ الغَيْرِ بالشُّبْهة وماتت بالولادة ففي وجوب القيمة هذا الخلاف.

ولو كانت حُرَّة ففي وجوب الدِّيَة وجهان.
قال الإمام: أقيسهما الوجوب؛ لأن طريق وجوب الضَّمَان لا يختلف بالرِّقِّ والحُرِّية.
وأشهرهما: المنع؛ لأن الوطء سبب ضعيف، وإنما أوجبنا الضَّمَان في الأمة؛ لأن الوطء استيلاء عليها والعُلُوق من آثاره، فأدمنا به اليد والاستيلاء كما إذا نفر المحرم صيداً فبقى نِفَارُهُ إلى التغير والهلاك، والحُرَّة لا تدخل تحت اليد والاسْتيلاء.
ولو أولد امرأة بالزنا وهي مكرهة فماتت بالولادة، فقد روى الشيخ أبو حامد في وجوب الضمان قولين حُرَّة كانت أو أَمَةً.
أحدهما: يجب لما سبق.
وأصحهما: المنع؛ لأن الولادة في الزِّنَا لا تَنْضَاف إلى وطئه؛ لأن الشرع قطع سبب الولد عنه، ولا خلاف في عدم وجوب الضَّمَان عند موت الزَّوْجة من الولادة لتولُّد عن مستحق، وحيث أوجبنا الضَّمَان في الحُرَّة فهو الدِّيَة مضروبة على العاقلة، وحيث أوجبنا القيمة فالاعتبار بأية قيمة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بأقصى القيم من يوم الإِحْبَال إلى الموت تنزيلاً له منزلة الاسْتِيْلاَد والغَصْب.
وثانيها: وبه قال ابن أبي هريرة: بقيمة يوم الموت؛ لأن التَّلَف حينئذٍ متحقق.
وأصحهما: بقيمة يوم الإِحْبَال؛ لأنه سبب التَّلَف فصار كما لو جَرَحَ عبداً قيمته مائة وبقي مثخناً حتى مات وقيمته عشرة، فإنَّ الواجب مائة، ويقال: إن ابن أبي هريرة ألزم هذه المسألة فمنعها وطرد قياسه ولا يخفى بعده.
ولو لم تَمُت الجارية ونقصت قيمتها بالولادة فعليه الأَرْش ليكون رهناً معها، وله أن يصرف القيمة أو الأَرْش إلى قضاء الحق ولا يرهن.
قال الغزالي: وَلاَ يَمْنَعُ مِنَ الانْتِفَاع (ح) بِسُكْنَى الدَّارِ أَوِ اسْتِكْسَابِ العَبْدِ أَوَ اسْتِخْدَامِهِ أَوْ إنْزَاءِ الفَحْلِ عَلَى الإِنَاثِ إِنْ لَمَ يَنْقُضْ قِيْمَتُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: افتتح الكلام في نوع آخر من تصرفات الراهن، وهو ما سوى الوَطْء من الانتفاعات، وجملته أن المنافع الَّتِي لا يضر استيفاؤها بالمرتهن لا تعطل من المرهون، بل هي مُسْتَوْفاة لِلرَّاهن خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: هي معطلة، وروى في "الشامل" عن مالك مثل مذهبنا، وعن أحمد: اختلاف رواية.
لنا: ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الظَّهْرُ يُرْكَبُ إِذَا كَانَ مِرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُهُ

نَفَقَتُهُ" 1. وروي أنه قال: "الرَّاهِنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ" 2. وفي الفصل صور: إحداها: يجوز السُّكْنَى في الدار وركوب الدَّابة واسْتِكْسَاب العبد ولبس الثوب المرهونة إلاَّ إذا كان ممَّا ينقص باللبس.
الثانية: الفَحْل المرهون يجوز إِنْزَاؤُه على الإناث، كالركوب إِلاَّ إذا أثر ذلك في القيمة، والأُنْثَى يجوز الإنْزَاء عليها كذلك إنْ كان يحل الدَّيْن قبل ظهور الحمل أو تلد قبل حُلُول الدين، فإنْ كان يحل بعد ظهور الحمل وقبل الولادة فإن قلنا: إن الحمل لا يعرف جاز أيضاً؛ لأنها تباع مع الحمل، وإن قلنا: يُعْرَف، وهو الصحيح لم يجز؛ لأنه لا يمكن بيعها دون الحَمْل والحمل غير مرهون.
الثالثة: ليس للراهن أَنْ يبني في الأرض المرهونة، ولا أنْ يغرس؛ لأنه ينقص قيمة الأرض.
وفي "النهاية" ذكر وجه: أنه يجوز إنْ كان الدين مؤجلاً وزرع ما ينقص قيمة الأرض لاستيفاء قوتها ممنوع، وما لا ينقص إنْ كان بحيث يحصد قبل حلول الأجل فلا منع منه ثم إنْ تأخر الإدراك لعارض ترك إلى الإدراك، وإنْ كان بحيث يحصد بعد الحُلُول أو كان الدَّيْن حالاً منع منه لنُقْصَان الرغبة في الأرض المزروعة، وعن الرَّبِيْع حكاية قول: أنه لا يمنع منه، لكن يُجْبَرُ على القَلْعِ عند الحُلُول إن لم يَفِ بيعها مزروعة دون الزَّرع بالدَّيْن، وفي هذا الْتِفَات إلى أن الأرض المزروعة هل يجوز بيعها أم لا؟ ولو خالف ما ذكرناه فَغَرَس أو زرع حيث منعناه منه فلا يقلع قبل حلول الأجل فلعله يقضي الدَّين من موضع آخر، وفيه وجه أنه يقلعه، وبعد حلول الدَّيْن ومَسَاس الحاجة إلى البَيْع يقلع إنْ كانت قيمة الأرض لا تفي بدينه، وتزداد قيمتها بالقلع، نعم لو صار الراهن محجوراً عليه بالإفلاس ففي القَلْع وجهان، بخلاف ما لو نَبَتَ النَّخْل من النَّوَى في حَمِيل السَّيْل حيث جزمنا بأنه لا يقلع في مثل هذه الحالة؛ لأنا منعناه هاهنا فخالف كذا قاله الإمام.
قال الغزالي: وَيُمْنَعُ عَنِ المُسَافَرَةِ بِهِ لِعِظَمِ الحَيْلُولَةِ كَمَا يُمْنَعُ زَوْجُ الأَمَةِ عَنِ السَّفَرِ بِهَا، بِخِلاَفِ الحُرِّ فَإنَّهُ يُسَافِرُ بِزَوْجَتِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِكْسَاب العَبْدِ فِي يَدِهِ لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْ يَدِهِ جَمْعاً بَيْنَ الحَقَّيْنِ، وَمَهْمَا انْتَزَعَ فَعَلَيْهِ الإِشْهَادُ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ عَدَالَتُهُ ظَاهِرَةً فَفِي تَكْلِيفِهِ ذَلِكَ خِلاَفٌ.

قال الرَّافِعِيُّ: أصل الفصل أن اليد على المرهون مستحقة للمرتهن، فإنها الرُّكْن الأعظم وفي التَّوَثُّق مما لا منفعة به مع بقاء عينه كالنقود والحبوب لا تزال يد المرتهن عنه، وإنْ أَمْكَن تحصيل الغَرَض مع بقائه في يد المُرْتهن يصار إليه جمعاً بين الحَقّين، وإنما تزال يده عند اشتداد الحاجة إليه.
إذا عرفت ذلك فإنْ كان العبد محترفاً وتيسر استكسابه هناك، ولم يخرج من يده إِنْ أراد الراهن الاستكساب، وإنْ أراد الاسْتِخْدام أو الركوب أو شيئاً من الانتفاعات التي يحوج استيفاؤها إِلَى إخراجه من يده فعن رواية صاحب "التقريب" قول قديم أنه لا يخرج من يده، ولا نوهن وثيقته، والمشهور أنه يخرج ثم ينظر إن استوفى تلك المنافع بإعارة من عدل أو إجارة بالشرط الذي سبق فله ذلك، وإن أراد استيفاءها بنفسه.
قال في "الأم": له ذلك، ومنع منه في القديم، فحمل حاملون الأول على الثقة المأمون جحوده، والثاني على غيره، فأجراهما مُجْرون قولين مطلقين 1، ووجهوا الثَّاني بما يخاف من جُحُوده وخيانته لو سلم إليه، والأول بأن ماله استيفاؤه بغيره له استيفاؤه بنفسه، ويشبه أن يكون هذا أظهر، ويتفرّع عليه ما نقله إمام الحرمين وصاحب الكتاب، وهو أنه وثق المُرْتهن بالتسليم فذاك، وإلاَّ أشهد عليه شَاهِدَيْن أنه يأخذه للانتفاع فإنْ كان مشهور العَدَالة موثوقاً به عند الناس فوجهان: أشبههما: أنه يكتفي بظهور حاله، ولا يكلف الإِشْهَاد في كل أخذة لما فيه من المشقة، ويزداد في أخذ الجَارِيَة للاستخدام نظر آخر، وهو أنَّ الراهن إنما يمكن منه إذا أمن غشيانه إياها بأن كانت محرماً له، أو كان ثقة وله أهل كما تقدم نظيره، ثم إنْ كان إخراج المرهون من يد المرتهن لمنفعة يدام استيفاؤها فذاك، فإن كان لمنفعة تستوفى في بعض الأوقات كالاستخدام والركوب فتستوفى نهاراً وترد إلى المرتهن ليلاً.
وليس لِلرَّاهن أنْ يسافر بالمرهون بحال طاهر سفره أم قصر لما فيه من الخَطَر والحَيْلُولة القوية من غير ضرورة، ولمثل هذا منع زوج الأَمَة من المسافرة بها، وإنما جاز لِسَيِّدها أنْ يسافر بها لحقه المتعلّق بالرَّقَبَة، ولئلاَّ يتكاسل في تَزْوِيْجِها، ويجوز لِلْحُرِّ أنْ يسافر بزوجته رعاية لمصالح النِّكَاح التي لها فيها الحظ الوافر.
واعلم أن لفظ الكتاب هاهنا وفي "الوسيط" يدل على أنه لا ينزع العبد من يد المرتهن إذا أمكن اسْتِكْسَابه وإن طلب الراهن منه الخدمة، ولم يتعرض الأكثرون لذلك، وقضية كلامهم أن له أن يستخدم مع إمكان الاستكساب 2، والله تعالى أعلم.

فرع: لا تزال يد البائع عن العبد المحبوس بالثمن بسبب للانتفاع؛ لأن ملك المشتري غير مستقر قبل القبض، وملك الراهن مستقر، وهل يستكسب في يده للمشتري أم تعطل منافعه؟ فيه اختلاف للأصحاب 1. قال الغزالي: وَكُلُّ مَا مُنْعَ مِنْهُ فَإِذَا أَذِنَ المُرْتَهِنُ جَازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لاَ يَعْدُوهُمَا، ثُمَّ إِذَا أَذِنَهُ فِي العِتْقِ سَقَطَ الغُرْمُ عَنْهُ، وَفِي البَيْعِ قَبلَ حُلُولِ الأَجَلِ يَمْنَعُ (ح) تَعَلُّقَهُ بِالثَّمَنِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ البَيْعِ، وَكَذَا إِذَا أَذِنَ فِي الهِبَةِ وَوَهَبَ وَلَمْ يَقْبِضْ فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ شَرَطَ فِي الإِذْنِ فِي البَيْعِ جَعَلَ الثَّمَنَ رَهْناً لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الأَصَحِّ؛ لأِنَّهُ نَقْلٌ لِلوَثِيقَةِ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُعَجِّلَ حَقَّهُ مِنَ الثَّمَنِ فَسَدَ الإِذْنُ (و) لأِنهُ إِذْنٌ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ، بِخِلاَف مَا لَوْ شَرَطَ لِوَكِيلِهِ أُجْرَةً مِنْ ثَمَنِ مَا يَبِيعُهُ إِذْ لَيْسَ، العَوضُ هَاهُنا فِي مُقَابَلَةِ الإِذْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الفصل يشتمل على قاعدتين: إحداهما: التصرفات الَّتِي يمنع منها الراهن لحق المرتهن إذا اقترنت بإذن المرتهن نفذت، فإذا أذن له في الوطء حل له الوطء، ثم إنْ وَطئ ولم يُحْبل فالرهن بحاله، وإن أحبل أو أعتق أو باع بالإذن نفذت هذه التَّصرفات وبطل الرَّهْن، ويجوز أن يرجع المرتهن عن الإذن قبل تصرف الراهن كما يجوز للمالك أن يرجع قبل تصرف الوكيل، فإذا رجع فالتَّصرف بعده، كما لو لم يكن إذن ولو أذن في الهِبَة والإقْبَاض ورجع قبل الإقباض صح، وامتنع الإِقْبَاض؛ لأن تمام الهِبَة بالإِقْبَاض، ولو أَذن في البيع فباع الراهن بشرط الخِيَار فرجع المرتهن فوجهان: أحدهما: يصح رجوعه؛ لأن العقد لم يلزم بعد، كالهِبَة قبل الإقباض.
وأصحهما: المنع؛ لأن مبنى البيع على اللزوم والخِيَار دخيل، وإنَّما يظهر أثره في حق من له الخيار، وفي الهِبَة الركن الأقوى إنما هو الإقباض، ولو رجع المرتهن ولم يعلم به الراهن فتصرف ففي نفوذه وجهان مبنيان على أنَّ الوكيل هل ينعزل بالعزل قبل بلوغ الخبر؟ الأصح: الانعزال، ومهما أحبل أو أعتق أو باع، وقال: فعلته بالإذن وأنكر المرتهن، فالقول قول مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن وبقاء الرَّهْن، فإنْ حلف فهو كما لو تصرف بغير إذنه، وإن نكل فحلف الرَّاهِن فهو كما لو تَصَرَّف بإذنه، فإن نكل فهل يرد اليمين على الجارية أو العبد؟ فيه طريقان:

إحداهما، وبه قال ابن القَطَّان: فيه قولان، كما لو نكل الواوث عن يمين الرَّدِّ هل يحلف الغُرَمَاء؟ وأشبههما، وبه قال أبو إسحاق وأبو حامد: القَطْع بالرد؛ لأن الغرماء يثبتون الحق للميت أولاً، والجارية والعَبْد يثبتان لأنفسهما، ولو وقع هذا الاختلاف بنن المُرْتَهِن وورثة الرَّاهن حلفوا على نفى العلم ولو اختلف المرتهن وورثة الراهن حلفوا يمين الرَّد على البَتّ، وهل يثبت إذن المرتهن برجل وامرأتين؟ حكى القاضي ابن كَجّ فيه وجهين، والقياس المنع، كالوِكَالة والوِصَايَة، ولو حصل عند الجارية المرهونة ولد فقال الراهن: قد وطئتها بإذنك فاتت بهذا الولد منى وهي أم ولد، وقال المرتهن: بل هو من زوج أو زنا، فالقول قول الراهن بعد أنْ يسلم له المرتهن أربعة أمور: أحدها: الإذن في الوطء.
والثَّانى: أنه وطء.
والثالث: أنها ولدت.
والرَّابع: أنه مضى مدة إمكان الولد منه، فإنْ لم يسلم الإذن فقد ذكرنا أن القول قوله، وإنْ لم يسلم أنه وطئ وسلم الإذن فوجهان، الذي ذكره المعظم أن القول قوله أيضاً؛ لأن الأصل عدم الوَطْء وبقاء الرَّهْن.
وقال القاضي ابن كَجٍّ والإمام: الأصح أن القول قول الراهن؛ لأنه أخبر عما يقدر على إنشائه، وإنْ سلمهما وقال: ما ولدته ولكن التقطته فالقول قوله، وعلى الراهن البَيِّنة على الولادة أيضاً، ولو سلم الوِلاَدَة وأنكر مضى الإمكان فالقول قوله أيضاً، ومهما سلم الأمور الأربعة فالقول قول الراهن من غير يمين؛ لأنه إذا أقر بأن الولد منه لم يقبل رجوعه فكيف يحلف عليه، ولو لم يتعرض المُرْتَهن لهذه الأمور منعاً وتسليماً، واقتصر على إنكار الاسْتِيْلاَد فالقول قوله أيضاً، وعلى الرَّاهن إثبات هذه الوسائط.
الثانية: إذا أعتق أو وهب بإذن المرتهن بطل حقه من الرَّهْن سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وليس عليه أنْ يجعل قيمته رهناَ مكانه ولو باع بإذنه، والدَّيْن مؤجل فكذلك، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمه أن يرهن ثمنه مكانه أو يقضي الدَّيْن.
لنا: القياس على الإِعْتَاق والهبة ولو كان الدَّين حالاً قضى حقه من ثمنه وحمل إذنه المطلق على البيع في عرضه، يخطيء وقته، ولو أذن في البيع بشرط أَنْ يجعل الثمن رهناً مكانه فقولان، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً: أحدهما: يصح الإذن والبيع، وعلى الراهن الوفاء بالشَّرْط، وبهذا قال أبو حنيفة والمزني وأصحاب أحمد؛ لأن الرَّهْن قد ينتقل من العَيْن إلى البَدَل شَرْعاً، كما لو أتلف المَرْهُون فجاز أن ينتقل إليه شرطاً.
وأصحهما عند المُحَامِلِيّ وصاحب الكتاب أنها فاسدة.

أما الشرط فلأن الثمن مجهول عند الإذن فأشبه ما إذا أذن بشرط أن يرهن به مالاً آخر مجهولاَ، وإذا بطل الشرط بطل الإذن فإنه وقف الإذن على حصول الوَثِيْقَة في البَدَل، وإذا بطل الإذن بطل البيع، ولو أذن في الإِعْتَاق وشرط جعل القيمة رهناً أو في الوطء بهذا الشرط إنْ أحبل ففيه القولان.
ولو أذن في البيع بشرط أن يعجل حقه من ثمنه وهو مؤجل فالمنصوص فساد الإذن والبيع لفساد الشرط.
وقال أبو حنيفة والمزني وأصحاب أحمد: يصح الأِذْن والبيع ويجعل الثمن رهناً مكانه، وعن أبي إسحاق تخريج قول من المسألة السَّابقة، واحتج المُزَنِيّ بأن فساد الشَّرْط لا يوجب فساد الإِذْن والبيع، أَلَا ترى أنه لو وكل وكيلاً يبيع عبده على أن له عشر ثمنه يصح الإذن والبيع مع أن الشرط فاسد لكون الأُجْرَة مجهولة، ويرجع الوكيل إلى أجرة المِثْل، وأجاب الأصحاب بأن الموكل لم يجعل لنفسه في مقابلة الإذن شيئاً، وإنما شرط للوكيل جُعْلاً مَجْهُولاً فاقتصر الفساد عليه، فهاهنا المرتهن شرط لنفسه شيئاً في مقابلة إذنه وهو تعجيل الحق فإذا فسد فسد ما يقابله، ولهذا المعنى قدح قادحون في تخربج أبي إسحاق وقالوا: الشَّرط صحيح في المسألة الأولى على قول فصح الإذن المقابل له، وهاهنا المرتهن شرط لنفسه شيئاً في مقابلة إذنه وهو تعجيل الحق، فالشرط فاسد بالاتفاق، فلا يمكن تصحيح ما يقابله، ولو اختلفا فقال المرتهن: أذنت في البيت بشرط أن ترهن الثمن، وقال الراهن: بل أذنت مطلقاً، فالقول قول المرتهن، كما لو اختلفا في أصل الإذن، ثم إنْ كان الاختلاف قبل البيع فليس له البيع، وإنْ كان بعده وحلف المرتهن، فإنْ صححنا الإذن فعلى الراهن رهن الثمن، وإلاَّ فإنْ صدق المُشْتَرِي المرتهن فالبيع مردود وهو مرهون كما كان، وإنْ كذبه نظر إنْ أنكر أصل الرَّهْن حلف وعلى الراهن أنْ يرهن قيمته، وإنْ أقر بكونه مرهوناً، وادَّعى مثل ما ادعاه الراهن فعليه رد المبيع، ويمين المرتهن حجة عليه أيضاً.
قال الشيخ أبو حامد: ولو أقام المرتهن بَيّنة على أنه كان مرهوناً فهو كما لو أقر المشتري به، والله أعلم.
وقوله في الكتاب: "لأنه نقل للوثيقة" ليس تعليلاً لقول المنع خاصة وإنما أشار به إلى كلام ذكره الإمام وهو أن الخلاف في المسألة يترتب على الخلاف في رهن ما يتسارع إليه الفساد بالدين المؤجل، فإن منعناه بذلك لصرنا إلى امتناع نقل الوثيقة من عين إلى عين، فعلى هذا لا يجوز الإذن بشرط النقل، وإنْ صححناه وقد احتملنا نقل الوثيقة فيجوز شرطه، فهذا ما أراده إلاَّ أنَّ لك أنْ تمنع قوله، إذا منعنا رهنه بالدين المؤجل فذلك لمصيرنا إلى امتناع نقل الوثيقَة من عين إلى عين، وتقول: بل ذلك لامتناع النقل من غير التعرض للنقل، ولهذا يصح رهنه بالدين المؤجل بشرط البيع عند الإشراف على الفساد، وهاهنا وجد التعرض للنقل.

فرع منقول عن "الأم": لو أذن المرتهن لِلرَّاهن في ضرب العَبْد المرهون فهلك في الضرب فلا ضمان عليه لتولده من مأذون فيه، كما لو أذن في الوَطْء وأحبل بخلاف ما إِذا ضرب الزَّوْج زوجته أو الإمام إنساناً تعزيزاً؛ لأن المأذون فيه هناك ليس مطلق الضرب وإنما هو ضرب التَّأْديب وهاهنا أيضاً لو قال: أدبه فضربه حتى هلك فعليه الضَّمَان.
قال الغزالي: وَالتَّرِكَةُ إِذَا تَعَلَّقَتِ الدُّيُونُ بِهَا كَالمَرْهُونِ فِي مَنْعِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَالعَبْدِ الجَانِي، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ فَظَهَرَ دَيْنٌ بِرَدِّ عِوَضٍ بَعْدَ تَصَرُّفِ الوَرَثَةِ فَفِي تَتَبُّعِهِ بِالنَّقْصِ خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: لا شَكَّ في أن الدُّيُون على المتوفى تتعلّق بتركته، وفي كون ذلك التَّعلق مانعًا أو أمن الإرث خلاف ذكرناه في الزكاة، وبينا أن الأصح أنه لا يمنع وعلى هذا في كيفيته قولان، ويقال وجهان: أحدهما أنه كتعلُّق الأَرْش برقبة الجاني؛ لأن كل واحد منهما يثبت شرعاً من غير اختيار المالك.
والثاني: أنه كتعلّق الدين بالمرهون؛ لأن الشارع إنما أثبت هذا التعلّق نظراً للميت لتبرأ ذمته فاللائق به أَلاَّ يسلط الوارث عليه، وهذا أظهر فيما ذكره الإمام وغيره، فلو أُعتق الوارث أو باع وهو معسر لم يصح، سواء جعلناه كالعَبْد الجاني أو كالمَرْهُون، ويجيء في هذا الإعتاق خلاف، وإنْ كان موسراً نفذ في وجه بناء على أن التعلق كتعلّق الأَرْش، ولم ينفذ في وجه بناء على أَنَّ التَّعَلّق كتعلّق الدَّيْن بالمرهون، وحكى الشيخ أَبُو عَلِيّ وجهاً ثالثاً، وهو أنهما موقوفان إن قضى الوارث الدَّين تبينا النفوذ، وإلاَّ فلا، ولا فرق بين أَنْ يكون الدَّيْن مستغرقاً للتركة أو أقل منها على أظهر الوجهين، كما هو قياس الديون والرهون.
والثَّاني: أنه إِنْ كان الدين أقل فقد تصرف الوارث إلى أَنْ لا يبقى إلا قدر الدين؛ لأن الحَجْر في مال كثير بشيء حقير بعيد، وإذا حكمنا ببطلان تصرّف الوارث فلو لم يكن في التَّركة دين ظاهر فتصرف ثم ظهر دين بأن كان قد باع شيئاً وأكل ثمنه فرد بالعيب ولزم رد الثمن أو تردى متردٍ في بئر كان قد احتفرها عدواناً فوجهان: أحدهما: أنه يتبيّن فساد التصرف إلحاقاً لما ظهر من الدين بالدين المقارن لتقدم سببه.
وأظهرهما: أنه لا يتبين؛ لأنه كان مسوغاً لهم طاهراً فعلى هذا إنْ أدى الوارث الدين فذاك وإلاَّ فوجهان: أظهرهما: أنه يفسخ ذلك التَّصرُّف ليصل المستحق إلى حقه.

والثاني: لا يفسخ، ولكن يطالب الوارث بالدَّين ويجعل كالضَّامن، وعلى كل حال فللوارث أنْ يمسك عَيْنَ التركة، ويؤدي الدُّيُون من خالص ماله، نعم لو كمن الدين أكثر من التركة فقال الوارث: آخذها بقيمتها، والتمس الغرماء بيعها على توقع زيادة راغب فوجهان بنوهما على أن السيد يَفْدي العبد الجاني بأَرْش الجناية، أو بأقل الأمرين من قيمته وأَرْش الجناية.
والأصح: أن المجاب هو الوارث؛ لأن الظاهر أنها لا تشتري بأكثر من القيمة وفي تعلّق حقوق الغرماء بزوائد التركة كالكَسْب والنِّتَاج خلاف يتفرع على ما مر أن الدَّين هل يمنع الميراث إن منعه ثبت التعلّق وإلا فلا 1؟ وقوله في الكتاب: (ففي بيعه بالنقص خلاف) أراد به أَنَّا هل نتبين الفساد على ما هو مبين "الوسيط"، ويمكن حمله على الخلاف في أَنَّا هل نفسخه تفريعاً على الصحة، واللفظ أقرب إليه، ولا يخفى أنه ليس لهذا الفَصْل كبير تعلُّق بباب الرَّهْن ولا شبه منه بهذا الموضع، لكن صاحب الكتاب اقتدى بإمام الحرمين في إبداع هذا الباب إلاَّ أنه رسمه فروعاً في آخره.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِى جَانِبَ المُرْتَهِنِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌ إِدَامَةَ اليَدِ وَلاَ تَزَال يَدُهُ إلاَّ لأَجْلِ الانْتِفَاعِ (ح) نَهَاراً ثُمَّ يُرَدُ عَلَيْهِ لَيْلاً، وَلَوْ شَرَطَ التَّعْدِيلَ عَلَى يَدِ ثَالِثٍ لِيَثِقَ كُلُّ وَاحِدٍ بِهِ جَازَ، ثُمَّ لَيْسَ للِعَدْلِ تَسْلِيمُهُ اِلى أَحَدِهِمَا دُونَ إِذْنِ صَاحِبِه، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ لِلآخَرِ، وَلَو تَغَيَّرَ حَالَهُ بِالفِسْقِ أَوْ بِالزِّيادَةِ فِيه فَلِكُّلِّ وَاحِدٍ طَلَبُ التَّحْوِيلِ مِنْهُ إلَى عَدْلٍ آخرَ.
قال الرَّافِعِيُّ: اليد في الرَّهْن بعد لزومه مستحقة للمرتهن، فإنَّ قوام التوثق بها، ولا تزال يده إلا للانتفاع كما سبق، ثم يرد إليه ليلاً، وإن كان العبد ممن يعمل باللَّيل كالحارس فيرد إليه نهاراً، ولو شرطا في الابتداء وضعه في يد ثالث جاز، فربما لا يثق أحدهما بالآخر ولو شرط وضعه عند اثنين فإنْ نصَّا على أن لكل واحد منهما الانفراد بالحفظ، أو على أن يحفظاه معاً في حِرْز اتبع الشرط، وإنْ أطلقا فوجهان لابن سُرَيْج: أصحهما: أنه ليس لأحدهما أن ينفرد بالحِفْظ، كما لو أوْصَى إلى رجلين، أو وكّل رجلين بشيء لا يستقل أحدهما، فعلى هذا يجعلانه في حِرْز لهما.

والثَّاني: يجوز الانفراد كيلا يشق عليهما، فعلى هذا إن اتفقا على كونه عند أحدهما فذاك، وإنْ تنازعا والرهن مما ينقسم قسم وحفظ كل واحد نصفه، وإن كان مِمَّا لا ينقسم حفظه هذا مدة وهذا مدة.
ولو قسماه بالتَّرَاضي والتَّفْريع على الوجه الثَّاني، ثم أراد أحدهما أَنْ يرد ما في يده علي صاحبه ففي جوازه وجهان لابن سُرَيْجٍ 1. وجه المنع: أن المشقة قد اندفعت بما جرى، وإذا أراد العَدْل الذي وضع الراهن عنده رده إليهما أو إلى وكيلهما، فإن كان غائبين ولا وكيل فهو كرد الوديعة وسيأتي إن شاء الله تعالى، وليس له دفعه إلى أحدهما دون إذن الآخر، فإنْ فعل ضمن، واسترد منه إن كان باقياً، وإنْ تلف في يد المدفوع له نظر إنْ دفعه إلى الراهن رجع المرتهن بكمال قيمته، وإن زادت على حقه ليكون رهناً مكانه ويغرم من شاء من العَدْل والرَّاهن والقرار على الراهن، فإن غرم العَدْل فله أن يكلف الرَّاهن قضاء الدَّيْن لفك المَأْخُوذ منه، وإن دفعه إلى المُرْتَهِن فلِلرَّاهن أنْ يغرم من شاء من العدل والمرتهن قيمته ليكون رهناً والقرار على المرتهن؛ فإنْ كان الحق حالاً والدين من جنس القيمة وقع الكلام في التَّقاص، ولو غصب المرتهن الرَّهْن من يد العدل ضمن، فلو رده إليه برئ، وحكى الإمام في "النهاية" وجهاً: أنه لا يبرأ إلا بالرَّدِّ إلى المالك أو بإذن جديد للعدل في أخذه والمذهب الأول، وكذلك الجَوَاب لو غصب الوَدِيعة من المودع أو العَيْن المُكْرَاة من المكتري أو الرَّهْن من المرتهن ثم رد إليهم.
ولو غصب اللّقَطَة من الملتقط لم يبرأ بالرد إليه، ولو غصب من المستعير أو المُسْتَام ثم رد فوجهان؛ لأنهما مَأْذُونَان من جهة المالك لكنهما ضامنان.
ولو اتفق المتراهنان على نقل الرَّهْن إلى يد عدل آخر جاز، فإنْ طلبه أحدهما فلا يجاب إلاَّ أنْ يتغير حاله بفسق أو يضعف عن الحفظ بينه وبين أحدهما عَدَاوَة فيطلب نقله، فحينئذٍ ينقل إلى يد آخر يتفقان عليه، فإنْ تشاحا وضعه الحاكم عند مَنْ يراه، فلو كان من وضعاه عنده فاسقاً في الابتداء فازداد فسقًا فهو كما لو كان عدلاً ففسق، وكذا لو مات وأراد أحدهما إخراجه من يد وارثه، وكذا لو كان في يد المرتهن فتغير حاله أو مات كان للراهن نقله، وفي "النهاية" نقل وجه أنه إذا مات المرتهن لا تزال يد ورثته، ولكم إذا لم يرض الرَّاهن بيدهم ضمَّ القاضي إليهم مشرفاً.
وإذا ادَّعى العدل هلاك الرَّهْن في يده أو رده فالقول قوله مع يمينه كالمودع، ولو أتلف الرَّهْن عمداً أخذت منه القيمة، ووضعت عند آخر، ولو أتلفه مخطئاً أو أتلفه غيره

أخذت القيمة ووضعت عنده، هكذا ذكره الأكثرون وفرقوا بينه وبين ما إذا كان مأذوناً في بيعه حيث لا يتمكّن من بيع القيمة المأخوذة بأن المأذون في بيع شيء لا يكون مأذوناً في بيع بدله والمُسْتَحْفِظ في شيء يكون مستحفظاً في بدله، وهذا غير محل السلام ولضعفه ذهب الإمام إلى أنه لا بد من استحفاظ جديد، وقياسه أن يقال: لو كان الرَّهْن في يد المُرْتَهن فأتلف وأخذ بدله كان للراهن إِلاَّ يرضى بيده في البدل.
وقوله في الكتاب: (فإن تغير حاله بالفسق) لا يمكن صرف الكناية فيه إلى العدل في قوله: (ثم ليس للعدل تسليمه) لأن العدل لا يكون فاسقاً حتى يتغير حاله بالزيادة فيه، بل هي منصرفة إلى الثالث في قوله على يد ثالث وما أشبه ذلك.
قال الغزالي: وَللْمُرتَهِنِ اسْتِحْقَاقُ البَيْعِ تَقَدُّماً بِهِ عَلَى الغُرَمَاءِ عِنْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ وَلَكِنْ لاَ يَسْتَقِلُّ بِهِ دُونَ إِذْنِ الرَّاهِنِ، بَلْ يُرفَعُ اِلَي القَاضِي حَتَّى يُطَالِبَ الرَّاهِنَ أَوْ يُكَلِّفَهُ البَيْعَ، وَلَوْ أَذِنَ لِلْعَدْلِ وَقْتَ الرَّهْنِ فِي البَيْعِ لَمْ يَجِبْ مُرَاجَعتُهُ ثَانِياً عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ ضَاعَ الثَّمنُ فِي يَدِ العَدْلِ فَهُوَ أَمَانَةٌ، فَإنْ سَلَّم إلَى المُرْتَهِنِ بِإذْنِ الرَّاهِنِ وَلَكِنْ أَنْكَرا تَسْلِيمَهُ فَهُو ضَامِنٌ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ فَفِي ضَمَانِهِ لِتَقْصِيرِهِ فِي الإِشْهَادِ خِلاَفٌ، وَلاَ يَبيعُ العَدْلُ إلاَّ بِثَمنِ المِثّلِ، فَإِنْ طَلَبَ بِزِيَادَةٍ فِي مَجْلِسِ العَقْدِ حَوَّلَ العَقْدَ إلَى الطَّالِبِ.
قال الرَّافِعِيُّ: المُرْتَهِن يستحق بيع المَرْهُون عند الحاجة، ويتقدم بثمنه على سَائِر الغُرَمَاء، وإنما يبيعه الرَّاهِن أو وكيله بإذن المُرْتَهِن فلو لم يأذن المُرْتَهِن وإن أراد الرَّاهن بيعه وَأَبى المرتهن قال له القَاضي: آئذن في بَيْعِه، وخُذْ حَقَّك من ثمنه أو أبرئه، وإنْ طلب المُرْتَهن البيع وأبى الرَّاهن ولم يقبض الدين أجبره الحاكم على قضائه، أو البيع إما بنفسه أو بوكيله، فإن أصَرَّ باعه الحاكم، وعند أبي حنيفة لا يبيعه، ولكن يحبس الراهن حتى يبيع ولو كان الراهن غائباً أثبت الحال عند الحاكم حتى يبيعه، فإن لم تكن له بيّنة، أو لم يكنْ في البلد حاكم فله بيعه بنفسه، كما أنَّ مَنْ ظفر بغير جنس حقه من مال المديون وهو جاحد ولا بينة له أن يبيع ويأخذ حقه من ثمنه.
ثم في الفصل مسائل: إحْدَاها: لو أذن الرَّاهن للمرتهن في بيعه بنفسه فباع في غيبة الراهن فوجهان: أحدهما، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى: أنه يصحّ البيع، كما لو أذن له في بيع مال آخر.
وأصحهما: المنع؛ لأنه يبيعه لغرض نفسه، فيكون متهمًا في الاسْتِعْجَال وترك النظر، وإنْ باعه بحضوره صَحّ لانقطاع التُّهْمة هذا ظاهر النَّص، حيث قال: ولو شرط لِلْمُرْتَهِن إذا حلّ الحق أنْ يبيعه لم يجز أن يبيع لنفسه، إلاَّ بأن يحضر رب الرَّهْن.

وفيه وجه: أنه لا يصحّ أيضاً؛ لأنه توكيل فيما يتعلق بحقه، فعلى هذا لا يصح توكيله ببيعه أصلاً، ويتفرع عليه أنه لو شرط ذلك في ابتداء الرَّهْن، فإنْ كان الرَّهْن مشروطاً في بيع فالبيع باطل، وإنْ كان رهن تبرع فعلى القَوْلَين في الشروط الفاسدة التابعة للمرتهن أنها هل تبطل الرَّهْن؟ وعلى الأول، وهو المذهب في نَصّ لفظ الرَّهْن في الإذن تفصيل مذكور في الكتاب من بعد.
وإذن الوارث لِغُرَمَاء الميت في بيع التركة، كإذن الرَّاهن للمرتهن، وكذا إذن السيد للمجني عليه في بيع العبد الجاني، قاله الشيخ أبو حامد، والله أعلم.
واعلم أن صاحب الكتاب قَدّر صحة البيع في المُرْتَهِن مفروغاَ منه متفقًا عليه، وتكلم في أنه لا يستقل به المُرْتَهن، كذلك ساق الإِمَام وأول النص الذي سبق على شيء آخر سنذكره إنْ شاء الله تعالى.
الثانية: إذا وضعا الراهن عند عدل بشرط أن يبيعه عند المحل جاز، ثم في اشتراطه مراجعة الراهن، وتجديد إذنه عند البيع وجهان: أحدهما، وبه قال ابن أبي هريرة: يشترط، لأنه قد يكون له غرض في اسْتِبْقَاء المرهون، ويريد قضاء الحق من غيره.
وأصحهما: عند الإمام وصاحب الكتاب، وبه قال أبو إسحاق: لا يشترط، لأن الأصل دوام الإذن الأول.
وأما المرتهن فجواب العراقيين: أنه لا بد من مراجعته ويحصل إذنه ثانياً، ولم يجروا فيه الخلاف، ووجهوه بأن المرهون إنّما يباع لإيصال حقه إليه، وذلك يستدعي مطالبته بالحق، فيراجع ليعرف أنه مطالب أو ممهل أو مبرأ.
وقال الإمام: لا خلاف في أنَّ المرتهن لا يراجع؛ لأن غرضه تَقْوية الحَقّ بخلاف الراهن، فإنه قد يستبقي العين لنفسه، فتأمل بعد إحدى الطرفين عن الأخرى.
ولو عزل الرَّاهن العدل قبل البيع انعزل، وبه قال أحمد كسائر الوكلاء في سائر الأَعْمَال.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا ينعزل ولو عزله المُرْتَهن فوجهان: أحدهما: وهو ظاهر النَّص: أنه ينعزل كما لو عزله الرَّاهن؛ لأنه يتصرف لهما جميعاً.
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق: لا ينعزل؛ لأنه وكيل الراهن، إذ المرهون له، وإذن المرتهن شرط جواز التَّصرف، ولا كلام في أنه لو منعه من البيع لم يبع، وكذلك لو مات أحدهما.

فإذا قلنا: لا ينعزل بعزل المُرْتهن، فلو عاد إلى الإِذْن جاز البيع، ولم يشترط تجديد توكيل من الراهن.
قال في "الوسيط": ومساق هذا أنه لو عزله الرَّاهن ثم عاد ووكل افتقر إلى تجديد إذن لِلْمُرْتهن، ويلزم عليه أنْ يقال: لا يعتد بإذن المرتهن قبل توكيل الرَّاهن، ولا بإذن المرأة للوكيل قبل تَوْكيل الوَلِيّ إياه، والكل محتمل.
الثَّالثة: إذا باع العدل، وأخذ الثمن فهو أمين، والثمن من ضَمَان الرَّاهِن إلى أنْ يتسلمه المرتهن، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة ومالك، حيث قالا: هو من ضمان المرتهن.
لنا: أنَّ الثمن ملك الراهن والعدل أمينه، فما تلف في يده يكون من ضمان المالك، ولو تلف الثَّمَن في يد العَدْل ثم خرج الرَّهْن مستحقّاً، فالمشتري بالخيار بين أنْ يرجع بالثمن على العَدْل، وبَيْنَ أَنْ يرجع على الرَّاهِن، ولو كان العَدْل قد باع بإِذن الحاكم لموت الرَّاهِنِ أو غيبته وتلف الثمن، وخرج المَرْهُون مستحقّاً، فللمشتري الرجوع في مال الراهن، ولا يكون العَدْل طريقاً للضَّمَان في أصَحِّ الوجهين؛ لأنه نائب الحاكم، والحاكم لا يطالب فكذلك نائبه.
والثاني: يكون طريقاً الوكيل والوصي.
وإذا ادَّعى العدل تلف الثمن في يده، قبل قوله مع يمينه، فإن ادعى تسليمه إلى المرتهن وأنكر المرتهن، فالقول قول المرتهن مع يمينه.
وعن أبي حنيفة أنَّ القول قول العدل مع يمينه، وإذا حَلَفَ المرتهن أخذ حقه من الراهن، ويرجع الراهن على العدل، وإنْ كان قد أذن له في التسليم، نعم لو أذن أَوَّلاً وصدقه في التَّسْليم فوجهان: أظهرهما: أنه يضمن أيضاً لتقصيره بترك الإِشْهاد.
والثاني: لا، لاعتراف الراهن بأنه امتثل ما أمره به، والمُرْتَهِن ظالم فيما يأخذه، وبهذا قال ابْنُ الوَكِيل، والوجهان فيما إذا أطلق الإذن في التسليم.
فأما إذا شرط عليه الإشْهَاد فتركه ضمن بلا خلاف، وإذا ضمن بترك الإِشْهاد، فلو قال: أشهدت، وماتت شهودي وصدقه الرَّاهن فلا ضمان، وإنْ كذبه فوجهان، نشرحهما مَعَ مَا يُنَاسب هذه الصُّورة في الضَّمَان إنْ شاء الله تعالى.
الرابعة: إذا جاز لِلْعَدْل البيع لم يبع إلاَّ بثمن المِثْل، أو بما دونه في قدر ما تَتَغَابَن به النَّاس، وليكن ذلك من نَقْد البلد حالاً، فإن أجل بشيء من هذه الشُّرُوط لم يصح البيع، وعن القاضي أبي حامد حكاية وجه: أنه لو باع نَسِيْئَةٍ صَحَّ ولا اعتبار به، ولو سلّم إلى المشتري صار ضامناً.
ثم للمبيع حالتان:

إحداهما: أنْ يكون باقياً فيسترد ويجوز لِلْعَدْل بيعه بالإذن السابق، وإنْ صار مضموناً عليه، فإذا باعه وأخذ الثمن لم يكن الثمن مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعد فيه.
الثانية: أن يهلك في يده، فإن كان قد باع بغير نقد البلد أو نَسِيْئَة، فالرَّاهن بالخِيَار في تَغْرِيم من شاء من العَدْل أو المشتري كمال قيمته، وإنْ باع بدون ثمن المثل فقولان.
أصحهما، وبه قال أبو إسحاق: أن الحكم كذلك؛ لأنه أخرجه من يده على وجه غير متبوع.
والثاني: أنه إِنْ غرم العدل حطّ النُّقْصان الَّذي كان محتملاً في الابتداء.
مثاله: لو كان ثمن مثله عشرة، وكان يتغابن فيه بدرهم فباعه بثمانية يغرمه تسعة، ويأخذ الدرهم الباقي من المشتري، هكذا نقلوه وغالب الظَّن طرد هذا الخِلاَف في البيع بغير نقد البلد والنَّسِيئة، وإن اتَّفق النَّص على القولين في الغَبْن، ويؤيده أنَّ صاحب "التهذيب" في آخرين جعلوا كبقية تغريم الوَكِيْل إذا بَاعَ على أحد هذه الوجوه، وسلم على الخِلاَف، وسووا بين الصُّوَر الثَّلاَث، ومعلوم أَنَّه لا فرق بين العَدْل في الرَّهْن وبين سائر الوكلاء، وعلى كل حال فالقرار على المشتري لحصول الهلاك عنده.
فرع: لو قال أحد المرتهنين: بعه بالدّراهم، وقال الآخر: بالدَّنَانير لم يبع بواحد منهما لاختلافهما في الإذن، لكن يرفعان الأمر إلى الحاكم ليبيع بِنَقْدِ البلد، ثم إنْ كان الحَق مِنْ جنس نقد البلد فذاك، وإلاَّ صرف نقد البلد إليه، ولو رأى الحَاكِم أنْ يبيعه بجنس حق المرتهن جاز.
الخامسة: إذا باع بثمن المِثْل، ثم زاد راغب قبل التفرق، فليفسخ البيع وليبعه منه، فإنْ لم يفعل فوجهان: أحدهما: أن البيع لا ينفسخ.
لأن حصول الزِّيَادة غير موثوق بها.
وأصحهما: الانفساخ؛ لأن مجلس العقد كَحَالَة العَقْد، وليس له أن يبيع بثمن المثل.
وهناك من يبذل زيادة فعلى هذا.
فلو بدا للراغب نظر إنْ كان قبل التمكن من البيع منه، فالبيع الأوّل بحاله، وإنْ كان بعده فقد ارتفع ذلك البيع فلا بد من بيع جديد، وفي طريقة الصيدلاني أنه إذا بدا له بأن البيع بحاله، كما لو بذل الابْن الطَّاعة لأبيه في الحج، وجعلناه مستطيعاً به، ثم رجع عن الطَّاعة قبل أنْ يحج أهل بلده، فإنَّا نتبين عدم الوجوب، ولو لم ينفسخ العَقْد في البيع الأول وباع من الراغب، ففي كونه فسخًا لذلك البيع، ثم في صحته في نفسه خلاف سبق في البيع، وأشار الإمام في المسألة إلى شيء آخر، وهو أنَّ الوكيل بالبَيْع لو باع ثم فسخ البيع هل يتمكن مِنَ البيع مرة أخرى؟ فيه خلاف، والأَمْر بالبيع من الرَّاغب هاهنا جواب على أَنَّهُ يتمكّن منه أَوْ مفروض

فيما إذا صَرَّح بالاذن بذلك، وأكثر هذه المَسَائل يطّرد في جميع الوِكَالاَت 1. قال الغزالي: وَعلَى الرَّاهِنِ مَؤُنَةُ المَرْهُونِ، وَأُجْرَةُ الإِصْطَبْلِ، وَعَلَفُ الدَّابَّةِ، وَسَقْيُ الأَشْجَارِ، وَمُؤنَةُ الجِذَاذِ مِنْ خَاصِّ مَالِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقيلَ: إِنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ المَرْهُونِ، فَإنْ كَانَ بِحَيْثُ تُهْلِكُهُ النَّفَقَةُ يُبَاعُ كَمَا يَفْعَلُ بِمَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الفَسَادُ، وَلاَ يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنَ الفَصْدِ وَالَحِجَامَةِ وَالخِتَانِ، وَيُمْنَعُ مِنْ قَطْعٍ سِلْعَةٍ فِيهِ خَطَرٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: مؤنات الرَّهْن الَّتِي بها يبقى لها الرَّهْن، كنَفَقة العبد وكسوته وعَلَف الدَّابة على الراهن؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يغْلَقُ الرَّهْنُ، مَنْ رَاهَنَهُ عَلَيْهِ غُرْمُه وَلَهُ غُنْمُهُ" 2.

قوله: "من راهنه" أي: من ضمان راهنه، وفي معناه سقى الأَشْجَار والكُرُوم ومؤنة الجُذَاذ، وتَجْفيف الثمار، وأُجْرة الإصْطَبل، والبيت الذي يحفظ فيه المتاع المرهون، إذا لم يتبرع به المُرْتَهن أو العَدْل، وأجرة من يرد العبد من الإباق وما أشبه ذلك، ثم حكى الإمام والمُتَولي وجهين في أنَّ المؤنات، هل يجبر الرَّاهِن عليها حتَّى يقوم بها من خالص ماله؟ أصحهما: الإِجْبَار استبقاء لوثيقة المرتهن.
= الرَّهْن وقال "أبو بكر الرازي": الغرم الدين فيكون تفسيراً لقوله لا يغلق الرَّهْن -أي لا يملك بالشرط عند محل الأجل ولصاحبه إذا جاء زيادته وعليه دينه الذي هو مرهون به وفي التمهيد قال أبو عبيد لا يجوز في كلام العرب أن يقال الرَّهْن إذا ضاع قد غلق إنما يقال قد غلق إذا استحقه المرتهن فذهب به، وهذا كان من فعل الجاهلية فأبطله النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "لا يغلق الرَّهْن" وقال "مالك": تفسيره فيما نرى أن يرهن شيئاً فيه فضل فيقول للمرتهن: إن جئتنا بحقك إلى كذا وإلا فالرهن لك بما فيه فهذا لا يحل وهو الذي نهى عنه وبنحوه هذا فسره الزهري، والنخعي، والثوري، وطاوس، وشريح -وفي القواعد "لابن رشد" أن "أبا حنيفة" وأصحابه تأولوا غنمه بما فضل منه على الدين وغرمه بما نقص ومعنى قوله وعليه غرمه عند "مالك" ومن قال بقوله أي نفقته وحكى صاحب التمهيد عن "أبي حنيفة" و"مالك" وأصحابهما في تأويل الحديث كما حكاه "ابن رشد" فالحاصل أن "الشافعي" احتج بمرسل ابن المسيب وأوله بتأويل أنكر عليه وأقل الأحوال أنه يجعل غير ما ذكر مما تقدم من التأويلات، وترك القول بالتضمين مع أنه منصوص عليه في عدة أحاديث قد تأيد بعضها وتأيدت أيضاً بأقوال السلف من الصحابة والتابعين.
على أن مذهب "ابن المسيب" بخلاف ما تأول الشافعي حديثه به قال صاحب التمهيد: قال شريح والشعبي: وغير واحد من الكوفيين يذهب الرَّهْن بما فيه كانت قيمته مثل الدين أو أكثر منه أو أقل ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء.
وهو قول الفقهاء السبعة المدنين إذا هلك وعميت قيمته ولم تقم بينة.
فإن قامت بينة ترادا الفضل وهكذا قال الليت: وقال بلغني ذلك عن علي بن أبي طالب انتهى كلامه -وابن المسيب من الفقهاء السبعة بلا خلاف- وفي مصنف عبد الرزاق أنا معمر عن الحسن والزهري، وقتادة، وابن طاوس عن أبيه قالوا من ارتهن حيواناً فهلك فهو بما فيه -وقال أبو بكر الرازى: اتفقت الصحابة على أنه مضمون وإن اخلفوا في كيفية الضمان فالقول بأنه أمانة خلاف لاجماعهم -وروى "الطحاوي"- بسنده عن أبي الزناد قال كان من أدركت من فقهائنا الدين ينتهي إلى قولهم منهم "ابن المسيب" وعروة، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة، وعبيد الله بن عبد الله في مشيخة من نظرائهم أهل فقه وصلاح وفضل فذكر ما جمع من أقاويلهم في كتابه أنهم قالوا الرَّهْن بما فيه هلك وعميت قيمته ويرفع ذلك منهم الثقة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- "قال الطحاوي": فهؤلاء أئمة المدينة وفقهاؤها يقولون الرَّهْن يهلك بما فيه ويرفعه الثقة منهم إليه -صلى الله عليه وسلم- انتهى كلامه وظهر من هذا أن "ابن المسيب" يقول: بضمان الرَّهْن على التفصيل المتقدم ومذهب "الشَّافعي" أن من روى كان أعلم بتأويله.
"البيهقي" 6/ 42.

والثاني عن الشيخ أبي محمد وغيره: أنه لا يُجْبَر عند الامتناع، ولكن يبيع القَاضِي جزءاً من المَرْهُون بحسب الحاجة.
وقد فرع الإمام على هذا أنَّ النفقة لو كانت تأكل الرَّهْن قبل الأجل ألحق بما يفسد قبل الأَجل فيباع، ويجعل ثمنه رهناً.
ولك أنْ تقول: هذا إما أنْ يلحق 1 بما لا يتسارع إليه الفساد، ثم عرض ما أفسده، أو بما يتسارع إليه الفساد، لا وجه للأول؛ لأن العارض ثم اتفاقي غير متوقع، والحاجة إلى هذه المُؤنات معلومة محققة، وإنْ كان الثَّاني لزم إثبات الخِلاَف المذكور في رهن ما يتسارع إليه الفَسَاد في رَهْن كل ما يحتاج إلى نفقة، أو مكان يحفظ فيه، وأنه بعيد وبه يظهر ضعف الوجه من أصله، وإذا قلنا بالأصح، فلو لم يكن لِلرَّاهن شيء أو لم يكن حاضراً، باع الحاكم جزءاً من المرهون، واكترى به بيتاً يحفظ فيه الرَّهْن، هكذا قاله الأئمة رحمهم الله تعالى وقد مرّ في مؤنة السَّقْي والجُذَاذ والتَّخفِيف مثله، وأما المُؤْنَات الدَّائِمة فيشبه أن يقال: حكمها حكم ما لو هرب الجِمَال وترك الجِمَال المُكْتَرَاة، أو عجز عن الإِنْفَاق عليها 2، هذه إحدى مسألتي الفصل.
والثانية: أنه لا يمنع الرَّاهن منْ أن يفعل بالمرهون ما فيه مصلحته، كفَصْد العبد وحِجَامته، وتَوْدِيج الدَّابة وبَزْغها، والمُعَالَجة بالأدوية والمَرَاهم، لكن لا يجبر عليها بخلاف النفقة، وأجرى صاحب "التتمة" الوجهين في المُدَاوَاة، ثم إنْ كانت المداواة فيما يرجى نفعه ولا يخاف منه غائلة فذاك، وإنْ كان يخاف، فعن أبي إسْحَاق أنَّ للمرتهن المنع منه، وقال أبو علي الطَّبَرِي: لا يمنع 3، ويكتفي بأن الغالب منه السَّلاَمة، واختاره القاضي أبو الطَّيب، ويجري الخلاف في قطع اليد المتآكلة إذا كان في قطعها وتركها خطر، فإنْ كان الخطر في التَّرْك دون القطع فله القطع، وليس له قطع سلعة، وأصبح لا خطر في تركها إذا خيف منه ضرر، فإنْ كان الغالب السَّلاَمة ففيه الخلاف، وله أنْ يختن العبد والأمة في وقت اعتدال الهواء، إن كان يَنْدَمِل قبل حلول الأجل، لأنه أمر لا بد منه والغالب فيه السَّلامة، وإن كان يندمل وكان فيه نقص لم

يجز، وكذلك لو كان به عارض يخاف معه من الخِتَان 1. ووراء هذه صورتان: إحداهما: له تَأْبِير النَّخْل المرهونة، ولو ازدحمت.
وقال أهل الخبرة 2: تحويلها أنفع جاز تحويلها، وكذا لو رأى قطع البعض لصلاح الأكثر، ثم ما يقطع منها لو يجف يبقى مرهوناً، بخلاف ما يحدث من السَّعَف ويجف، فإنَّ الراهن يختص بها، وينزل منزلة الثِّمَار، وما كان ظاهراً منها عند الرَّهْن.
قال في "التتمة": فهو مرهون وقال في "الشامل": لا فرق 3. الثانية: لا يمنع من رعي المَاشِيَة في وقت الأمن، وتأوي ليلاً إلى يد المُرْتَهِن أو العدل، وإذا أراد الراهن أن يبعد في طلب النُّجْعَة 4 وبالقرب ما يبلغ منها مبلغاً، فللمرتهن المنع، وإلاَّ فلا منع، وتَأْوي إلى يد عدل ينفقان عليه، أو ينصبه الحاكم، وإنْ أراد المرتهن ذلك وليس بالقرب ما يكفي فلا منع، وكذا لو أراد نقل المتاع من بيت غير مُحْرز إلى مُحْرز، ولو بيعا بهما المكان، وأرادا الانتقال نظر، إن انتقلا إلى أرض واحدة فلا إشكال، وإلاَّ جعلت الماشية مع الرَّاهن، ويحتاط ليلًا كما سبق.
وقوله في الكتاب: (وأجرة الإصْطَبْل) معلم بالحاء لأن عنده مؤنة البيت والإصْطَبْل على المرتهن، إنْ لم يزد الرَّهن على قدر الدَّين، فإنْ زاد فقسط الزيادة على الراَهن، وبمثله أجاب في المُدَاوَاة وأجرة رد الآبِق.
وقوله: (على الأصح) يتعلّق به من خالص ماله، لا بأصل لزوم المُؤْنة عليه، فالمقابل للأصح قوله: وقيل: يباع إلى آخره.
قال الغزالي: وَالمَرْهُونُ أَمَانَةٌ (ح) فِي يَدِهِ، وَلاَ يَسْقُطُ (ح) بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّيْنِ، وَلَو أَذِنَ لَهُ فِي الغِرَاسِ بَعْدَ شَهْرٍ فَهُوَ بَعْدَ الغِرَاسِ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ

مَبِيعاً مِنْهُ بَعْدَ شَهْر بِالدَّيْنِ فَهُوَ بَعْدَ الشَّهْرِ مَضْمُونٌ لأَنَّهُ مبِيعٌ بَيْعاً فَاسِداً، وَلِلْفَسَادِ حُكْمُ الصِّحَّةِ فِي ضَمَانِ العُقُودِ، وَلَو ادَّعَى المُرْتَهِنُ تَلَفاً أَو رَدّاً فَهُوَ كَالمُودِعِ عِنْدَ المَرَاوِزَةِ، وَالقَوْلُ قَوْلُهُ، وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِي المُسْتَأْجِرِ، وَكُلُّ يَدٍ هِيَ غَيْرُ مُضْمَنَةٍ، وَقَالَ العِرَاقِيُّونَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالوَدِيعَةِ وَبِالوَكِيلِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَمِنْ عَدَاهُمَا يُطَالَبُ بِالبَيِّنَةِ قِيَاساً لأَنَّ المُودِعَ وَقَعَ الاعْتِرَافُ بِصِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالمُرْتَهِنُ مِنَ الغَاصِبِ عِنْدَ المَرَاوِزَةِ كَالمُودِع مِنَ الغَاصِبِ يُطَالَبُ وَلاَ يَسْتَقِر الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَإِنْ تَلَفَ فِي يَدِهِ، وَكَذَا المُسْتَأَجِرُ بِخِلاَفِ المُسْتَعِيرِ وَالمُسْتَامِ، وَعنْدَ العِرَاقِيِّينَ فِي مُطَالَبَتِهِمْ وَجْهَانِ، ثُمَّ فِي قَرَارِ الضَّمَانِ بَعْدَ المُطَالَبَةِ وَجْهَانِ آخَرَان.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل أصْلاَن وفروع: أحد الأصلين: أن المرهون أمانة في يد المرتهن لا يسقط بتلفه شيء من الدين، ولا يلزمه ضمانه إلاَّ إذا تعدى فيه وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: هو مضمون بالأقل من قيمته أو الدَّيْن فإن كانت قيمته أقل سقط بتلفه من الدَّيْن بقدر قيمته، وإلاَّ سقط الدين ولا يضمن الزيادة.
وقال مالك: ما يظهر هلاكه كالحيوان والعَقَار والأشجار أمانة، وما يخفى هلاكه كالنُّقُود والعروض مضمون بالدين؛ لأنه يتهم فيه.
لنا أن بعض المرهون أمانة، فكذلك كله كالوديعة، وأيضاً فإن الرَّهْن شرع وثيقة لِلدَّين أيضاً في يد المرتهن، ولا يصير مضموناً عليه إلاَّ إذا امتنع من الرد بعد المطالبة.
وقال ابن الصباغ: ينبغي أن يكون المرتهن بعد الإبْراء كمن طيرت الرِّيح ثوباً إلى داره حتى يعلم المرتهن به أو يرده؛ لأنه لم يرض بيده إلاَّ على سبيل الوثيقة.
والأصل الثاني: أن كل عقد يقتضي صحيحه الضّمان، فكذلك فاسده، وما لا يقتضي صحيحه الضمان، فكذلك فاسده.
وأما الطرف الأول؛ فلأن الصحيح إذا أوجب الضَّمان فالفاسد أولى باقتضائه.
وأما الثاني؛ فلأن من أثبت اليد أثبته عن إذن المالك، ولم يلزم بالعقد ضَمَانًا، ولا يكاد يوجب التَّسْليم والتسلم إلاَّ من معتقدي الصحة.
وأما الفروع فأربعة: أحدها: لو أعار المرهون من المرتهن لينتفع به ضمنه وعند أبي حنيفة يخرج عن كونه مضموناً بناء على أنَّ العارية غير مَضْمُونة.
ولو رهنه أرضاَ وأذن له في الغِرَاس بعد شهر، فهي بَعْدَ الشَّهْر عارية وقبله أمانة

حتى لو غرس قبله قَلَعَ ولو غرس بعده فَسَيَأْتي الحكم في العَارِية.
وقوله في الكتاب: (وهو بعد الغِرَاس عارية) يجب تأويل؛ لأنه بعد الشَّهْر عَارِيَة غرس أو لم يغرس.
وثانيها: لو رهن منه مالاً على أنه إذا حل الأجل فهو مبيع منه، أو على أن يكون مبيعاً منه بعد شهر، فالرَّهْن والبيع فاسدان، أما الرُّهْن فلكونه مؤقتاً.
وأما البَيْع فلكونه مشروطاً، ويكون المال أمانة في يده قَبْل دخول وقت البيع وبعده مضمونًا، لأن البَيْع عقد ضمان ونقل وجهاً في "النهاية": أنه إنما يصير مضموناً إذا أمسكه عن جهة البَيْع، أما إذا أمسكه على موجب الرَّهْن فلا، والمذهب الأول، فلو كان أرضاً فغرس فيه المرتهن، أو بني قبل دخول وقت البيع قلع مجاناً، وكذا لو غرس بعده وهو عالم بفساد البيع، وإنْ كان جاهلاً لم يقلع مجاناً لوقوعه بإذن المالك وجهله بعدم الجواز، فيكون الحكم كما لو غَرَسَ من المُسْتَعِير ورجع المعير.
وثالثها: إذا ادَّعى المرتهن تلف الرَّهْن في يده قبل قوله: مع يمينه، وعن مالك أنه إنْ أخفى هلاكه لم يقبل، وإن ادَّعى ردّه إلى الرَّاهن: فطريقة العراقيين من أصحابنا أنَّ القول قول الرَّاهن مع يمينه، ولا يقبل قول المرتهن إلاَّ ببيّنة؛ لأنه أخذه لمنفعة نفسه فأشبه المستعير، ويخالف دعوى التَّلف لأنه لا يتعلق بالاختيار، ولا تساعده فيه البَيّنة، قالوا: وكذا الحكم في المستأجر إذا ادَّعى الرَّد، ويقبل قول المودع والوكيل بغير الجُعْل مع اليمين؛ لأنهما أخذا المال بمحض غرض المالك، وقد ائتمنهما فليصدقهما، وفي الوكيل بالجُعْل والمُضَارب، والأجير المشترك إذا لم يضمنه ذكرنا وجهين: أحدهما: أنهم مطالبون بالبينة؛ لأنهم أخذوا لغرض أنفسهم في الأجرة والربح.
وأصحهما: أنه يقبل قولهم مع أيمانهم؛ لأنهم أخذوا العيْن لمنفعة المالك، وانتفاعهم بالعمل في العَيْن لا بالعَيْن، بخلاف المُرْتهن والمستأجر، وهذه الطريقة هي الَّتِي سلكها أكثر الأصحاب سيما قدماؤهم، وتابعهم القاضي الرُّوياني، وذهب بعض الخُرَاسَانيين من المَرَاوِزَة وغيرهم: أن كل أمين يصدق في دعوى الرد كالمودع، قالوا: ولا عبرة بمنفعته في الأخذ، كما لا عبرة بها في وجوب الضَّمَان عند التلف بخلاف المستعير والمستام واعرف في لفظ الكتاب من الفرع شيئين: أحدهما: أنه سوى بين التَّلف والرد، وساق الطريقين في دعواهما جميعاً، وليس كذلك بل الكُلّ مطبقون على تَصْدِيقه في دعوى التَّلَف، وإنَّمَا الاختلاف في الرد.
واعلم: أن قولنا: يقبل قوله في التلف نريد به القبول في الجملة، وله تفصيل نذكره في كتاب "الوديعة" إن شاء الله تعالى.

والثَّاني: أنه لم يَحْكِ طريقة العراقيين بتمامها، ولم يستوعب مواضع الوِفَاق والخِلاَف بالذَّكْر، ولفظه في تَخْصِيص التَّصْديق بالمودع والوَكِيل بغير جُعْل لا يستمر إلاَّ على أحد الوَجْهَيْن الذين نقلوهما.
وقوله: (لأن المودع وقع الاعتراف بصدقه وأمانته) لا يتضح به الفرق، إذ لا بعد في أن يقال: كل أمين يقع الاعتراف بصدقه وأمانته، والَّذي ذكروه في الفرق أن الوَدِيْعة ائتمان محض لا غرض للآخذ فيها كما مرّ.
ورابعها: لو رهن الغَاصِب المغصوب من إنسان فتلف في يد المرتهن، فللمالك تَضْمِيْنُ الغاصب، وفي تَضْمِييْن المرتهن طريقان.
قاله العراقيون: فيه وجهان لابن سُرَيْج: أحدهما: أنه لا يطالب بالضَّمَان؛ لأن يده يد أمانة.
وأصحهما: أنه يطالب لتفرغ يده على يد الغاصب، وعدم ائتمان المالك إياه، وعلى هذا فيستقر الضَّمَان عليه أم يرجع على الغاصب؟ فيه وجهان: أحدهما: يستقر لحصول التلف عنده، فينزل التلف منزلة الإتلاف في المَغْصُوبات.
وأظهرهما: أنه يرجع لِتَغْرير الغَاصِب إياه وعدم التَّعدِّي منه، هذه طريقة، وعن المَرَاوزة القَطْعُ بالمُطَالَبَة وعدم الاسْتِقْرَار، والطَّرِيقَان جاريان في المُسْتأْجر من الغَاصِب والمودع منه والَمُضَارب والذي دفع المغصوب إليه ووكّله ببيعه، وكل ذلك فيما إذا جهلوا كونه مغصوباً، فإنْ علموا فهم غاصبون أيضاً، والمُسْتَعْيرِ منه والمُسْتَام فيطالبان، ويستقر عليهما الضمان؛ لأن يد كل واحد منهما يد ضمان، وهذه الصور تعود في الغَصْب إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب: (وعند العراقيين في مطالبتهم وجهان) يرجع إلى المرتهن والمستأجر والمودع، دون المستعير والمُسْتَام.
ومن الفروع التي تندرج في الفصل: أنه لو رهن بشرط أن يكون مضمونًا على المرتهن يفسد الشرط والرهن، ثم لا يكون مضمونًا عليه.
ومنها: لو قال: خذ هذا الكيس واسْتَوْفِ حقك منه، فهو أمانة في يده قبل أن يستوفى حقه، فإذا اسْتَوْفَى حَقَّه منه كان مَضْمُوناً عليه، ولو قال: وفيه دراهم خُذْه بدراهمك، وكانت الدراهم التي فيه مَجْهُولة القَدْر، أو كَانَتْ أكثر من دراهمه لم يملكه، ودخل في ضمانه بحكم الشِّرَاء الفاسد وَإِنْ كانت مَعْلُومة، وبقدر حقه ملكها، ولو قال:

خذ هذا العبد بحقك، ولم يكن سليماً فقبل ملكه، وإنْ لم يقبله وأخذه دخل في ضمانه بحكم الشراء الفاسد.
قال الغزالي: وَالمُرْتَهِنُ مَمْنُوعٌ مِنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ قَوْلاً وَفِعْلاً فَإِنْ وَطِئَ فَهُوَ زَانٍ، وإنْ ظَنَّ الإِتاحَةَ فَوَاطِئٌ بِالشُّبْهِةِ، فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ وَعَلِمَ التَّحْرِيمَ فَزَانٍ، وَقِيلَ: مَذْهَبُ عَطَاءٍ فِي إِبَاحَةِ الجَوَارِي بِالإِذْنِ شُبْهَةٌ، وَإِنْ ظَنَّ حِلاّ فَوَاطِئٌ بِالشُّبْهَةِ، وَفِي وُجُوبِ المَهْرِ عَلَيْهِ وَقِيمَةِ الوَلَدِ عَلَيْهِ وَجْهَان مِنْ حَيْثُ إنّ الإِذْنَ ضَعِيفُ الأثرِ فِي الوَطْءِ بِدَلِيلِ المُفَوِّضَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ليس للمرتهن في المرهون سوى حق الاستيثاق.
أما البيع وسائر التصرفات القولية والانتفاعات وسائر التَّصرفات العَقْلية، فهو ممنوع من جميعها، فلو وَطِئَ الجارية المرهونة لم يخل إما أنْ يطأ بدون إذْنِ الراهن أو بإذنه.
الحالة الأولى: أن يطأ بدون إذنه، فهو كما لو وطئ غير المرهونة وإن ظنها زوجته أو أمته، فلا حَدَّ وعليه المهر والولد حُرٌّ نسيب، وعليه قيمته للراهن، وإنْ لم يظن ذلك ولم يدع جَهْلاً، فهو زَانٍ يلزمه الحَدِّ كما لو وطئ المستأجر الجارية المُكْراة، ويجب المَهْر إنْ كانت مدكرهة، وإنْ كانت مطاوعة لم يجب على الأصح، وهذا الخلاف بتوجيهه مذكور في الغَصْب.
وإن ادَّعى الجهل بالتَّحْريم، لم يقبل إلاَّ أنْ يكون حديث العَهْد بالإِسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن بلاد المُسْلِمِين، فقبل قوله لدفع الحد، وحكى المسعودي في قبوله لثبوت النَّسب خلافاً للأصحاب، وأجرى مسألة في حُرِّيَّة الولد ووجوب المَهْر، والأصح ثبوت الكل؛ لأن الشُّبْهة كما تدرأ الحَدّ تثبت النَّسب والحرية، وإذا سقط الحَدّ وجب المهر.
والثانية: أنْ يَطَأَ بإذنه فإنْ علم أنه حرام، فظاهر المذهب أنه يجب عليه الحَدّ، وفيه وجه: أنه لا يجب لاختلاف العلماء، فإن عطاء بن أبي رباح -رضي الله عنه- كان يجوز وطء الجارية بإذن مالكها، وإن ادَّعى الجهل بالتَّحريم، فوجهان: أحدهما: أنه لا يقبل إلاَّ أن يكون حديث العهدب بالإسلام، أو من في معناه كما في الحالة الأولى.
وأصحهما، وبه قال القاضي أبو الطيب: أنه يقبل ويرفع الحَدّ، وإنْ نشأ بين المسلمين؛ لآن التحريم بعد الإذْن لما خفى على عَطَاء، مع أنه من علماء التَّابِعِين لا يبعد خفاؤه على العَوَام، وإذا اندَفع الحَدّ فهل يلزمه المَهْر؟

أما إذا كانت مطاوعة فلا، لانضمام إذن المستحق إلى طواعيتها.
وأما إذا كانت مُكْرَهة فقولان: أحدهما: أنه لا يجيب أيضاً؛ لأن مستحق الرَّهْن قد أذن، فأشبه ما لو زَنَتِ الحرة.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة: يجب، لأن وجوب المهر حيث لا يجب الحَدّ حق الشرع، فلا يؤثر فيه الإذْن، كما أن المُفَوضة تستحق المَهْر بالدخول مع تفويضها، وإنْ كان قد أَوْلَدها بوطئه فاَلولد حُرٌّ نسيب، وفي وجوب قيمة الولد طريقان: أحدهما: أنه على القولين في المهر.
وأصحهما: الوجوب جزماً والفرق أنَّ الإذن في الوطء رضا بِإتْلاَف المنفعة، وليس رِضاً بالإحبال جزماً 1 وأيضاً فإِنَّ الإذن لا أثر له في حرية الولد، وإنَّمَا الموجب له ظن الواطئ فحسب، ولا تصير الجَارِية أم ولد للمرتهن بحال، وإنْ ملكها يوماً من الدَّهْر ففيه قولان، إذا كانت الصُّورة صورة ثبوت النَّسب.
وقوله في الكتاب: (فهو زان)، يمكن إعلامه بالحاء؛ لأنه لا حَدَّ عليه في رواية عن أبي حنيفة.
وقوله: (فإن ظن إباحته، فوطئ بالشبهة) غير مجرى على إطلاقه، بل المراد ما إذا كان حديث العَهْد بالإسلام أو من في معناه.
وأما قوله: (وفي وجوب المَهْر وقيمة الوَلَد وجهان) ففيه نظران: أحدهما: أنَّ الخلاف في المهر قولان لا وجهان، وقد نص عليهما في "المختصر".
والثاني: أنه أجاب بطريقة إثبات الخلاف في القيمة، والأصح عند الأئمة الطَّريقة النافية للخلاف، ويجوز إعلام "القيمة" بالواو إشارة إليها.
فرع: زعم المرتهن بعد الوَطْء أن الراهن قد باعها منه أو وهبها وأقبضها، فأنكر الراهن فالقول قوله مع يمينه، فإنْ حلف فهي والولد رقيقان له، ثم لو ملكها يوماً من الدهر فهي أم ولد له والولد حُرٌّ لإقراره السَّابق، كما لو أقر بحرية عَبْد الغير، ثم اشتراه فإنْ نكل الرَّاهن وحلف المرتهن فالولد حر، وهي أم ولد له.
قال الغزالي: وَهَذِهِ الأَحْكَامُ تَثْبُتُ في عَيْنِ الرَّهْنِ وَبَدَلِهِ الوَاجِبِ بِالجِنَايَةِ عَلَى

المَرْهُونِ إِذْ يَسْرِي إِلَيْهِ حَقُّ الرَّهْنِ حَتَّى لاَ يَنْفَذَ إبْرَاءُ الرَّهْنِ اسْتِقْلاَلاً وَلاَ إبْراءُ المُرْتَهِنِ إِذْ لاَ دَيْنَ لَهُ، وَلاَ يَسْرِي إلَى الكَسْبِ وَالعُقْرِ (ح) وَالزِّيَادَاتِ العَينية (ح) كَالَّلبَنِ وَالوَلَدِ (ح) وَالصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ (ح)، فَإِنْ كَانَ الوَلَدُ مُجْتنًا حَالَةَ البَيْعِ وَالعَقْدُ كَانَ تَابِعاً، وإِنْ كَانَ مُجتَناً في إحْدَى الحَالَتَيْنِ فَفِي تَبَعِيَّتهِ خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: مقصود هذه البقية بيان ما يتعلّق به حق الوثيقة، وتثبت فيه أحكامها ولا شك في تعلّقه بِعَيْنِ الرَّهْن، والكلام وراءها في بدل الرَّهْن وزوائد المرهون.
الفصل الأول: في بدله، ومهما جنى على المرهون، وأخذ من الجاني الأرْش انتقل حق الرَّهْن إليه كما ينتقل المِلْك لقيامه مقام الأصل، ويجعل في يد مَنْ كان الأصل في يده مِنَ المُرْتَهن أو العَدْل، وإلى أن يؤخذ هل يقال بأنه مرهون؟ قال قائلون: لا؛ لأنه دين والدُّيون لا تكون مرهونة، فإذا تعيّن صار مرهوناً، والحالة المتخلّلة كتخمُّر العَصِير وتخلّله بعده، وقال آخرون: هو مرهون كما كان؛ لأنه مال بخلاف الخمر، ومنعوا خروجه عن كونه مرهوناً بخروجه عن كونه عَنباً، وإنما المُسَلَّم أنه لا يرهن الدَّين ابتداء 1، والخَصْم في بدل المرهون إنما هو الراهن؛ لأنه المالك كما لو جنى على العبد المستأجر أو المودع يكون الخَصْم فيها المالك، فلو قعد عن الخُصُومة فقولان في أن المرتهن هل يخاصم؟ قال في "التهذيب" أصحهما عند الأصحاب، وبه قال القفال: أنه لا يخاصم 2 قال: ورأيت بخطّ شيخي أنَّ للمرتهن أنْ يدعي ويخاصم فيه، وكذلك المستأجر إذا دعى العَيْن، وقال لمن في يده: إنها ملك فلان أجرها منى، وإنما لا يدعي المُسْتأجر القيمة؛ لأن حقه لا يتعلّق بها، قال وهو القياس: وإذا خاصم الراهن فللمرتهن أنْ يحضر خصومته، لتعلّق حقه بما يأخذه، ثم إنْ أقر به الجَانِي أو أقام الرَّاهن البَيّنة، أو حلف بعد نُكُول المُدّعي عليه ثبتت الجناية، وإنْ نكل الراهن فهل يحلف المرتهن؟ فيه قولان، كما إذا نكل المُفْلس هل يحلف الغُرَمَاء؟ وإذا ثبتت الجِنَاية فإنْ كانت عمداً فلِلرَّاهن أن يقبض، ويبطل حقّ المبرتهن، وإنْ عَفَا عن القِصَاص مطلقاً ثبت المال، إن قلنا: مطلق العفو يوجب المال، وإلاَّ لم يجب وهو الأصح، هكذا قاله صاحب "التَّهذيب"، وإن عفا على أنْ لا مال.
فإن قلنا: إنّ موجب العمد أحد الأمرين لم يصح عفوه عن المال.

وإن قلنا: إنّ موجبه القَوَدُ، فإن قلنا: إن مطلق العَفْو لا يوجب المال، لم يجب شيء.
وإن قلنا: يوجبه فوجهان: أحدهما: يجب لِحَقّ المرتهن.
وأصحهما: المنع؛ لأن القتل لم يوجبه، وإنما يجب بعفوه المطلق أو بعفوه على المال، وذلك نوع اكْتِسَاب منه وليس عليه الاكْتِسَاب للمرتهن، وإنْ لم يقبض في الحَال ولم يعف، ففي إِجْبَارِهِ على أحدهما طريقان: أحدهما: يجبر ليكون المرتهن على ثبت من أمره.
والثَّاني: إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين أجبره.
وإن قلنا: موجبه القَوَدُ لم يجبر؛ لأنه يملك إسقاطه فتأخيره أولى بأن يملكه 1 وإن كانت الجناية خطأ أو عفا، ووجب المال فعفا عن المال، لم يصح عفوه لحق المرتهن، وفيه قول أنَّ العفو موقوف، ويؤخذ المال في الحال لحق المرتهن، فإن انفك الرَّهْن ردَّ إِلَى الجاني، وبان صحة العَفْو وإلاَّ بان بطلانه، ولو أراد الرَّاهن أنْ يصالح عن الأَرْش الواجب على جِنْس آخر لم يَجُز إلاَّ بإذن المرتهن، فإذا أذن صح وكان المأخوذ مرهوناً، هكذا نقلوه.
ولك أن تقول: قد مَرَّ أنه إذا أذن في البيع والدَّين مؤجل فباع، يرتفع الرَّهْن ولا يكون الثَّمن رهناً، وأنه إذا أذن بشرط أنْ يكون الثمن رهناً ففي كونه رهناً قولان، وقياسه أنْ يكون المصالح عليه كذلك؛ لأن الصُّلْح بيع.
ولو أَبْرأ المرتهن الجاني لم يصح؛ لأنه ليس بمالك، وهل يسقط حقه عن الوثيقة بهذا الإِبْرَاء؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، ويخلص المأخوذ للراهن كما لو صرح بِإِسْقَاط حقّ الوثيقة.
وأصحهما: لا.
لأنه لم يصح إبرازه، فلا يصح ما يتضمنه الإبراء، كما لو وهب المرهون من إنسان لم يصح، ولا يبطل الرَّهْن.
الفصل الثاني: في زوائد المرهون، وهي إما متصلة كَسِمَنِ العبد وكِبَرِ الشجرة والثّمرة، فتتبع الأصل في الرَّهْن أو منفصلة كالثمرة والولد واللَّبن والبَيْض والصُّوف، فلا يسري إليها الرَّهْن وبه قال أحمد، وعند أبي حنيفة يسري.

وقال مالك: الولد مرهون والثمرة غير مرهونة.
لنا القياس على ولد الجارية الجانية، فإن الأرش لا يتعلق به بالاتفاق، وكما أنَّ هذه الزَّوَائد غير مرهونة، فكذلك مَهْرُ الجَارِية إذا وطئت بالشُّبْهة بل أولى، لأنه غير حاصل من نَفْس المرهون، وعند أبي حنيفة هو مرهون أيضاً، ولا خلاف في أن كَسْب العبد ليس بمرهون، هذا في الزوائد الحادثة بعد الرَّهْن.
ولو رهن حاملاً، أو مست الحاجة إلى البيع وهي حامل بعد فيباع كذلك في الدين؛ لأنا إنْ قلنا: الحمل يعلم فكأنه صرح برهنها، وإلاَّ فقد رهنها والحمل مَحْض صفة، ولو ولدت قبل البيع فهل الولد رهن؟ فيه قولان مبنيان على أن الحمل هل يعلم؟ إن قلنا: لا، فهو كالحادث بعد العقد.
وإن قلنا: نعم، فهو رهن يباع مع الأم كما لو رهن شيئين.
وزاد الشيخ أبو محمد فقال: إن قلنا: نعم، ففي كونه مرهوناً قولان لضعف الرَّهْن عن الاسْتِتْبَاع وقد سبق نَظَائِره، فإن قلنا: الولد لا يكون مرهوناً، فلو صرح في العقد وقال: رهنتها مع حملها.
قال الإمام: فيه تردد للأصحاب، والظَّاهر أنه لا يكون مرهوناً أيضاً، إذ لو جاز ذلك لجاز إفراده بالرَّهْن، ولو حبلت بعد الرَّهْن وكانت حاملاً عند الحاجة إلى البيع.
فإن قلنا: الحمل لا يعلم بيعت حاملاً، وهو كزيادة متصلة.
وإنْ قلنا: يعلم لم يكن الولد مرهوناً وتعذر بيعها؛ لأن استثناء الحمل لا يمكن ولا سبيل إلى بيعها حاملاً، ويوزع الثمن على الأم والحمل؛ لأن الحمل لا تعرف قيمته، فلو رهن نخلة فأطلعت فطريقان: أحدهما: أن بيعها مع الطَّلْع على قولين كما في الحمل.
والثاني: القطع بأن الطَّلْع غير مرهون؛ لأنه يمكن إفراده بالعقد فلا يجعل بيعاً، فإذا قلنا: إنه غير مرهون تباع النَّخْلة، ويستثنى الطَّلْع بخلاف الجارية الحامل، ولو كانت مطلعة وقت الرَّهْن ففي دخول الطَّلْع ما سبق في الباب الأول، فإن أدخلناه فجاء وقت البيع وهو طلع بعد بيع مع النخيل، ولو أبرت فطريقان: أحدهما: أن الحكم كما إذا ولدت الحامل.
والثاني: القطع ببيعه مع النَّخْل؛ لأنه معلوم مشاهد وقت الرَّهْن.

وقوله في الكتاب: (والزيادات العينية) أراد به الزيادات الحَادِثَة من العين، لا كالكسب والمهر.
وقوله: (حالة البيع) (1) يقتضي اعتبار نفس العقد في مقارنة الولد وحدوثه بعده، والأمر على ما يدل عليه ظاهره، وكذك القول في سائر الزَّوَائد.
وحكى الإمام وجهاً آخر: أن الاعتبار بحالة القبض؛ لأن الرَّهْن به يتم.
فرع: أَرْش الجناية على المرهونة، وافتضاض البكر مرهونان؛ لأنهما بدل جزء من المرهون وليسا من الزوائد.
فرع: لو ضرب الجَارَيةَ المرهونة ضارب، فألقت جنيناً ميتاً، فعلى الضارب عشر قيمة الأم، ولا يكون مرهونًا؛ لأنه بدل الولد وإن دخلها نقص لم يجب بسببه شيء آخر، ولكن قدر أَرْش النُّقْصَان من العشر يكون رهناً، وإنْ ألقته حيّاً ومات ففيما يجب على الجاني؟ قولان: أصحهما: قيمة الجنين حيّاً وأَرْش نقص الأم إن انتقصت، فعلى هذا القيمة للراهن والأَرْش مرهون.
والثاني: أكثر الأمرين من أَرْش النَّقْص أو قيمة الجنين، فعلى هذا إنْ كان الأرش أكثر فالمأخوذ رهن كله، وإنْ كانت القيمة أكثر فقدر الأَرْش من المأخوذ رهن، والبهيمة المرهونة إذا ضربت فألقت جنيناً ميتاً، فلا شيء على الضَّارب سوى أَرْش النُّقْصَان إن نقصت ويكون رهناً.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي فَكِّ الرَّهْنِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالتَّفَاسُخِ، وَفَوَاتِ عَيْنِ المَرْهُونِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَيَلْتَصِقُ بِهِ مَا إِذَا جَنَى العَبْدُ وَبِيعَ فِي الدَّيْنِ فَإِنَّهُ فَاتَ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَكَمَا يُقَدَّمُ حَقُّ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ علَى حَقِّ المَالِكِ يُقَدَّمُ علَى حَقِّ المُرْتَهِنِ.

أسباب انفكاك الرَّهْن

قال الرَّافِعِيُّ: الرَّهْن ينفك بأسباب: أحدها: الفسخ منهما أو من المرتهن وحده، فإن الرَّهْن جائز من جهته.
والثاني: تلف المرهون بآفة سَمَاوِية، ولو جنى العبد المرهون لم يبطل الرَّهْن بمجرد الجِنَاية، ولكن ينظر أتتعلق الجناية بأجنبي أم بالسيد؟1

جارٍ التحميل