العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 405-444

(1)، وفِيهِ أرْبَعَةُ أَبْوَابٍ

الْبَابُ الأَوَّلُ فِي التَّوْلِيَةِ وَالعَزْلِ،

وَفِيهِ فَصْلاَنِ قَالَ الغَزَالِيُّ: الأَوَّلُ فِي التَّوْلِيَةِ: وَفِيهِ مَسَائِل: الأُولَى: أَنَّ القَضَاءَ وَالإِمَامَةَ فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصَالِحَ العِبَادِ.1

قَالَ الرَّافِعِيُّ: نتيمن أولاً بإيراد طرف من الآيات والأخبار في الباب، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] وقال عزَّ اسمُه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] وقال تعالَى جدُّه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58] وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105]. ونُقِلَ عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ" 1. وأَيضَاً قال عَلَيْهِ السَّلامُ: "السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ اللهِ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وإِذَا سُئِلُوا بَذَلُوهُ، وَإِذَا حَكَمُوا لِلنَّاسِ، حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ" 2. وأَيْضاً: "إِذَا جَلَسَ الحَاكِم لِلْحَكْمٌ بَعَثَ اللهُ مَلَكَيْنِ يُسَدِّدَانِهِ وُيوَفِّقَانِهِ فَإِنْ عَدَلَ، أَقَامَا، وَإِنْ جَارَ، عَرَّجَا وَتَرَكَاهُ" 3. = أن المعنيين متلازمان فالصفة لا يتحقق مقتضاها بدون المعنى المصدري، والمعنى المصدري لا يتحقق إلا إذا وجدت هذه الصفة.
وعلى هذا فمن عرف المعنى المصدري يسهل عليه جداً معرفة الصفة الحكمية التي يتصف بها من يصدر نه ذلك المعنى.
ومن عرف الصفة التي ينشأ عنها ذلك المعنى لم يخف عليه الفعل الناشئ عنها، فلا غضاضة على واحد من الطرفين في سلوكه المسلك الذي اختاره؛ لأن كلاً منهما موصل لمعرفة القضاء.
والقضاء هو -على ما قال ابن عرفة.
صفة حكمية توجب لمرصوفها.
نفوذ حكمه الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين.

ويُروى أنه -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ عَلِيَّاً -كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ- إلى اليَمَنِ قَاضِيَاً فَقَال: "يَا رسول الله، بَعَثْتَنِي، أَقْضِي بَيْنَهُمْ وَأَنَا شَابٌّ لاَ أَدْرِي مَا القَضَاءُ؟ قال عليٌّ -عليه السلام- فَضَرَبَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فِي صَدْرِي وقال: "اللَّهُمَّ اهْدِهِ، وَثَبِّتْ لِسَانَهُ"، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ 1. وأَنه -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذَاً -رضي الله عنه- إلى اليمن قال له: "كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟؛ قال: أَقْضِي بكِتَابِ اللهِ، قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ " قال فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ.
قَالَ: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ " قَالَ أجْتَهِدُ رَأَيَي وَلاَ آلُو، فَضَرَبَ = يجر، فإذا جار عرجاً، وتركاه، وإسناده ضعيف، قال صالح جزرة: هذا الحديث ليس له أصل، وروى الطبراني معناه من حديث واثلة بن الأسقع، وفي البزار من رواية إبراهيم بن خيثم بن عراك عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: من ولي من أمر المسلمين شيئاً، وكل الله به ملكاً عن يمينه، أحسبه قال: وملكاً عن شماله، يوفقانه ويسددانه، إذا أريد به خيراً، ومن ولي من أمر المسلمين شيئاً، فأريد به غير ذلك، وكل إلى نفسه، قال: ولا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من حديث عراك وإبراهيم ليس بالقوي، وروى الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي، من حديث عبد الله بن أبي أوفى: إن الله مع القاضي ما لم يجر، زاد البيهقي: فإذا جار تخلى عنه، ولزمه الشيطان، وزاد ابن ماجة: فإذا جار وكله الله إلى نفسه، وللحاكم: فإذا جار تبرأ الله منه، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمران القطّان، قلت: وفيه مقال إلا أنه ليس بالمتروك، وقد استشهد به البخاري، وصحح له ابن حبان والحاكم، وروى الطبراني في الأوسط من رواية عبد الأعلى الثعلبي عن بلال بن أبي بردة الأشعري عن أنس: أن الحجاج أراد أن يجعل إليه قضاء البصرة، فقال أنس: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: من طلب القضاء واستعان عليه، وكل إلى نفسه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه، أنزل الله عليه ملكاً يسدده، وقال: لا يروى عن أنس إلا بهذا الاِسناد، تفرد به عبد الأعلى انتهى وقوله: بلال بن أبي بردة فيه نظر، فقد أخرجه البزار من طريق عبد الأعلى عن بلال بن مرداس عن خيثمة عن أنس، وقال: لا نعلمه عن أنس إلا من هذا الوجه، قال: وروي عن عبد الأعلى بغير ذكر خيثمة، قلت: طريق خيثمة أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم.

صَدْرَهُ وقال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِمَا يَرْضَاهُ رَسُولُ الله" 1. ونقول ثانياً: القضاءُ على ما ذكره أئمة اللغة والفقه، إحكام الشيء وإمضاؤه، ومنه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] والقضاء الإتمام، ومنه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200] والقضاء الفراغ، ومنه: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15] أي قَتَله وفرغ منه، ويُقَال: قضيت حاجتي.
وُسُمٌّ قَاضٍ أي قاتلٌ، فسُمِّيَ القضاء قضاءً؛ لأن القاضِيَ يتم الأمر بالفصل ويمضيه ويفرغ منه، وسُمِّيَ حَكَماً لما فيه من منع الظالم من الظلم، ومنه الحَكَمَةُ: ويقال: أحْكَمْتُ السَّفِيهَ إِذا أَخَذْتُ على يدِهِ ومَنَعْتُهُ.
ونقولُ ثالثاً: ترجمة الكتاب تتركَّب عن جُزَءَيْنِ أدب، وقضاء، ولا شَكَّ أن القَضَاء لا يَثْبُت للشخص من ذاته، وإنما هو ولايةٌ تَثْبتُ بالتَّوْلِيَة، وتزول بالعزل تارةً،

وبالانعزال أخرَى، ثم أدب القضاء وأعماله تنقسم إلى ما يشترك فيه القضاءُ على الحاضر، والقضاءُ على الغائب، وإلَى ما يختص بما إذا كان المقضى عليه غائباً، فأودع المُصَنِّفُ هذه الجملَ في ثلاثة أبواب.
باب في التولية والعزل، وباب في آداب القاضي وأعماله على العموم.
وباب فيما يتعلَّق بالقَضَاء على الغائب خاصَّة.
وأما البابُ الرابعُ المعقود في القسمة، فإنه أَتبع فيه الشافعيَّ -رضي الله عنه- والأصحاب -رحمهم الله- حيث أوردوا القسمة في خلال الأقضية، أو على أثرها، وسببه أن القاضي لا يَسْتغني عن القسام للحاجة إلى قسمة المُشْتَركات، بل القسام كالحاكم، لما سيأتي، فحسن الكلام في القسم مع الأقضية، هذا ضبط الأبواب، أما الباب الأول، فَفِيه فصلان: أحدهما: في طرف التولية، وأول ما افتتح به الفصْل أن القضاء والإمامة من فروض الكفايات، لا غنى عنهما بالإجماع 1 لأن الظُّلْم من شيم النفوس، ولا بدّ من حاكم ينتصف للمظلومين من الظالمين.
وأيضاً، لما يتعلَّق بهما من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد رُوِيَ أن

النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ اللهَ لاَ يُقَدِّسُ أمَّةً لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَأْخُذُ للِضَّعِيفِ حَقَّهُ" 1. ويجوز أن يوضع على لَفْظ المسألة من الكتاب واو, لأن بعض الأصحاب فيما حَكَى القاضي ابن كج ذهب إلى أن القضاء مكروهٌ؛ احتجاجاً بالأحاديث المُحَذَّرةِ في الباب.
كما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ جُعِلَ قَاضِيَاً، فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ" 2. وروي أنه قال: "يُجَاءُ بِالْقَاضِي الْعَدْلِ يَومَ القِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَاب مَا يَتَمَنَّى أَنَّه لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ" 3 ومن قال بظاهر المذهب قال: المقصود من التحذير بيانُ خطره، وأن من اسْتُقضِيَ، فقد حُمِلَ على أمر تام الوقْع، فإن جَارَ فيه هَلَك، وإن عدَل فاز بخير كثير، وهكذا يكون تبيانُ الأمورِ الخطيرة، وأيضاً، فإنَّ من الناس من يكره له القضاء، أو يحرم على ما سنبين من التفصيل، فليحمل التحذيرات

عليه جمعاً بين الأخبار، وإن قلنا: بالظاهر، فإذا قام بعض الصالحين للقضاء به، سقط الفرض عن الباقين، وإن امتنع الكلُّ أثموا، ثم الإِمام يجبر واحداً منْهم كَيْلاَ تتعطْل المصالح، أو لا يجبر؛ لِئَلاَّ يلتحق فرض الكفاية العين، فيه وجهان أشبههما الأول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: لَكِنْ فِيهِ خَطَرٌ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يقْدِمَ عَلَيْهِ إِلاَّ مَنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ، وَأَخْذُهُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ حَسَنٌ، وَأَخْذُهُ بِطَلَبٍ فِيهِ كَرَاهِيَةٌ، وَلَكِنْ إِنْ تَعَيَّنَ لِلولاَيَةِ وَلَمْ يَصْلُحْ غَيْرُهُ وَجَبَ الطَّلَبُ وَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الخِيَانَةَ لَكِنْ يَجَبُ عَلَيْهِ تَركُ الخِيَانَةِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ حَرُمَ الطَّلَبُ، فَإنْ قُلِّدَ فَفَي انْعِقَادِ الإِمَامَةِ لِلمَفْضُولِ خِلاَفٌ، وَفِي القَضَاءِ تَرَدُّدٌ، وَالأَصَحُّ أنَّهُ يُنْعَقِدُ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ جَازَ القَبُولُ وَكُرِهَ الطَّلَبُ إِذَا لَمْ يَكُن بِهِ حَاجَةٌ إلَى رِزْقٍ، وإنْ وَجَدَ مَنْ هُوَ دُونَهُ وَقُلْنَا: لاَ يَنْعَقِدُ لِلمَفْضُولِ وَجَبَ الطَّلَبُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَقِدُ لَمْ يَجِبْ وَجَازَ، وَفِي وُجُوبِ القَبُولِ إِذَا قُلِّدَ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَجْهَانِ، وَحَيْثُ لاَ يَجِبُ الطَّلَبُ فَإِنَّمَا يُبَاحُ القَبُولُ وَالطَّلَبُ إِذَا لَمْ بَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ الخِيَانَةَ، فَإِنْ خَافَ فَلْيَحْذَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "لكن فيه خَطَر" أراد به أن الولاية لَمَّا أنَّهَا تفيد قُوَّة بعْد ضَعْف، وقدرة بعد عجز، تَتَّخِذُها النَّفْسُ المجبولةُ على الشرِّ ذريعةً إلى الانتقام من العدوِّ، والنظر للصَّدِيق، وتتبع الأغراض الفاسدة، ولا يوثق بحسن عاقبتها وسلامة مجاوزتها، فالأولى ألا يطلب ما أمكن، ولذلك قَالَ -صلى الله عليه وسلم- لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ سَمُرَةِ: "لا تَسْأَل الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسَأَلةِ وُكِّلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا" 1 وتفصيل حال الناس فيه، أن الشخص، إما أَلاَّ يصلح للقضاء؛ فلا يجوز تقليده، ولا يجوز له التقليد الطلب، لهاما أن يصلح له؛ فإما أن يتعين، أو يكون هناك غيره.
الحالة الأولَى: إذا تعين للقضاء، وجب عليه القبول، ويجب عليه أن يطلبه 2، ويشهر نفسه عند الإِمام، إن كان خاملاً، ولا يعذر بأن يخاف من نفسه الميل والخيانة، بل عليه أن يقبل ويتحرز، فإن امتنع، عصى، وهل يجبره الإِمام عليه، قيل: لا، لِمَا روَي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّا لاَ نُكْرَهُ عَلَى الْقَضَاءِ أَحَدَاً" 3.

والأكثرون حملوا الحديث على حالة عدم التعيين، وحكموا بالإِجبار؛ لأن الناس مضطرُّون إلَى علمه ونظره، فأجبر على البذل كما يجبر المالك على بذل الطعام للمضطرِّ، وكما يجبر على القيام بسائر فروض الكفايات عند التعيين.
وربما تردد الناظر في الأخبار من جهة أن الامتناع من هذا الفَرْضِ الذي هو مناط المصالح العامة بعدما يعين يشبه أن يكون من الكَبَائِر، وحينئذٍ، فيُفَسَّق به، ويخرج عن أهلية القضاء، لفوات شرط العدالة، فكيف يولَّى ويجبر على القبول، ويمكن أن يكون المراد أنه يؤمر بالتوبة أولاً فإذا تاب يُولَّى 1. الحالة الثانية: ألا يتعين بل يكون هناك غيره ممن يَصْلُح للقضاء، فذلك الغير؛ إما أن يكون أصلح وأولَى منه، أو يكون مثله، أو دونه، إن كان أصلح، فيرتب على أن الإِمامة العظمَى، هل تنعقد للمفضول؟ وفيه قولان للمتكلِّمين والفقهاء: أحَدُهِما: المنعُ، رعايةً لزيادة الفضيلة.
وأصحُّهُما: الانعقادُ؛ لأن تلك الزيادة خارجةٌ عن حدِّ الإِمامة، فأشبه إمامة الصلوات وسائر المناصب الدينية، والقضاء أولَى بأن يجوز تفويضه إلى المفضول؛ لأن الغائب بِتَولِّي المفضولِ الإمامةَ لا يُتَدَارك، والغائب في القضاء يُتَدَارك بنظر من فوقه من الولاة، فإن لم نجوز للمفضول القضاء، حرمت توليته، وحرم عليه الطلب والقبول، وإن جوزناه، جاز القبول 2، وأما الطلب، فيكره أو يحرم فيه وجهان منْقُولاَن في "الوسيط": أظهرهما، وهو المذكور في "التهذيب": الاقتصار على الكراهة، فإذا كان الأصلح لا يتولى القضاء، فهو كما لو لم يوجدِ الأصلحُ، وإن كان هناك مِثْلُه، فله

القبول، إذا قُلِّد، وفي الوجوب قولانِ قريبَانِ من الوجهين في أنَّه، إذا امتنع الكلُّ، هل يَجْبُر الإِمامُ أحدَهُم؟ والأظهر ههنا عدم الوجوب؛ لأنه قد يقوم به غيره، وأما الطالب فإن كان خامل الذكر، ولو ولي القضاء، لاشتهر وانتفع الناس بعلمه، فيستحب له الطلب، وإن كان مشهوراً ينتفع بعلمه، فإن لم يكن له كفاية ولو ولي، لصار مَكْفِيّاً من بيت المال.
فعبارة الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيِّب والمعظم -رحمهم الله- أنه يستحبُّ له الطلَبُ أيضاً لينتفع به، وضايق بعضهم في الاستحباب هاهنا، واقتصر على نفي الكراهية، وعن القَفَّال أنه لا يُسْتحبُّ الطلب بحالٍ لظاهرِ حديثِ عبْدِ الرحمَنِ بْنِ سمُرة، والأظهر الأول، وإن كان مع الشهرة مَكْفِيّاً، فيكره له الطلب.
ومنهم من لا يُطْلِق لفْظَ الكراهية، ويقتصر على أن الأولَى ألا يطلب، والسببُ فيه ما مرَّ من التحذيرات، وكما يكره الطلب، والحالة هذه يكره القبول.
ولو قُلِّدَ من غير طَلَبٍ تفريعاً على القول بعَدَم الوجوب، وعلى ذلك ينزل امتناع السَّلَف كامتناع ابن عمر -رضي الله عنهما- لَمَّا استقضاه عثمان -رضي الله عنه-، وكهرب أبي قِلاَبَة والثَّوْرِيِّ وأبي حنيفة -رحمهم الله-.
ويروى أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- أوصى المُزنيَّ -رحمهم الله- في مرض موته بأن لا يتولَّى القضاء، وعرض عليه كتاب الرشيد بالقضاء، وأنه لم يُجِبْه إليه، وانتهى امتناع أبي علي بن خيران، لما استقضاه الوزير ابن الفرات؛ حتى ختمت دوره بالطين أيَّاماً.
وإنْ كان هناك مَنْ هو دونه، فإن لم نجوز تولية المفضول، فهو كما لو تعيَّن، وإن جوزناه فيستحب له القبول، وفي الوجوب الوجهان، ويستحب له الطلب، إذا وَثِقَ بنفسه، وهكذا حيث استحببنا الطلب والتقليد أو أوجبناهما، فذلك عند الوثوق وغلبة الظن بقوة النفس، وأما عند الاستشعار، فينبغي أن يحترز، فإن أهم الغنائم حفظ السلامة، ثم اعْرِف ههنا أموراً: أحدها: التفصيل الذي ذكرناه في الطلب، فيما إذا لم يكن في الموضع المطلوب قضاؤه قاضٍ، فإن كان فيه من يلابس القضاء، نظر، إنْ لم يكن مستحَقّاً بجور أو جهل، فالحكم كما لو لم يكن قاضٍ، وإن كان مستحقاً، والطالب يروم عزله، قال أقضى القضاة الماوَرْدِيُّ هذا الطَّلب محظور، والطالب بالتعريض له مجروح.
والثاني: حكم الطلب من غير بذل ما بَيَّنَّاهُ، فأما إذا بَدَل مالاً ليتولى، فإن ابن القاص وآخرين أطلقوا القول بأنه محظور، وبأن قضاءه مردود، والأشبه تفصيل أورده القاضي الرُّويانيُّ -الله- وهو أنه إن تعيَّن عليه القضاء، أو كان ممن يُستَحبُّ له القضاء، فله بذل المال، ولكنَّ الآخذ ظالمٌ بالأخذ، وهو كما إذا تعذَّر الأمر برحمه المعروف إلا ببذل مال، فإن لم يتعيَّن عليه، ولا هو ممَّن يُستَحبُّ له القضاء، فلا يجوز له بذل

المال ليُوَلَّى ويجوز له بذْل المال بعد ما وُلِّيَ لئلا يُعْزَلَ.
والآخذ ظالم بالأخذ، وأمَّا بذل المال لعَزْل مَنْ هو ملابسٌ للقضاء؛ فإن لم يكنْ بصفاتِ القضاةِ، فهو مُستَحبٌّ لتخليص الناس منه، لكنَّ أخذه حرامٌ على الآخذ، وإن كان بصفات القضاة، فهو حرام، فإن فعل، وعزل الأول برشوة، وولى الباذل مكانه من غير رشوة، قال ابن القاصِّ: توليته باطلةٌ، والمعزولُ عَلَى قضائه؛ لأنَّ العزل بالرشوة حرامٌ، وتولية المرتشي الراشي حرامٌ، وليكن هذا محمولاً على الأصل الممهد في الشريعة، فأما عند الضرورات وظهور الفتن، فلا بدّ من تنفيذ التولية والعزل جميعاً كتولية الباغين.
والثالث: طرق الأصحاب مُتَّفِقَةٌ في تعيين الشخص للقضاء وعدم تعينه على النظر إلى البلد والناحية لا غير، وقضيته أَلاَّ يجب على من يصلُحُ للقضاء طَلَبُ القضاء ببلدة أخرَى لا صالح بها ولا قَبُولُه إذا وُلِّيَ ويجوز أن يُفَرَّقَ بينه وبين القيام بسائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر؛ كالجهاد وتعلم العلم، ونحوهما؛ بأنه يمكن القيام بتلك الأمور والعود إلى الوطن وعمل القضاء لا غاية له، فالانتقال له هجرة وتركٌ للوطن بالكلية.
وقوله في الكتاب: "وإن وُجِدَ مَنْ هو أصْلَحُ مِنْهُ، حَرُمَ الطَّلَبُ" إنما يظهر الحكم بحرمة الطلب مع الأصلح، إذا منعنا تولية المفضول، أما إذا جوزناها، فأظهر الوجهين على ما مرَّ؛ أنه يُكْرَهُ الطَّلَب، ولا يحرم، فيصح أن يُعلَم قوله "حرم" بالواو.
وكذلك قوله: "وفي القضاء تردد" يجوز أن يُعْلَم بالواو، لما بيَّنَّا أن الخلاف في القضاء مُرتَّب على الخلاف في الإمامة، والترتيبُ يفيد طريقةٌ قاطعةً بالجواز في القضاء، ويوضَّحه أنَّ الأصحاب -رحمهم الله- ربما احتجوا لقول انعقاد الإِمامة للمفضول؛ بأن القضاء ينعقد له، وإنما يصدر هذا الاحتجاج ممن يقطع بانعقاد القضاء له.
وقوله: "وكره الطلب إذا لم يكن به حاجةٌ إلى رزق" قضيته تعميم الكراهة، حيث لم يحتج إلى الرزق، لكنا بينا أن الخامل الذي لو ولى انتشر علمه، يُستحَب له الطلب، فلا بدّ من استثناء هذه الصورة.
واعلم أن نظم الكتاب مصرح بوجوب الطلب، إذا تعيَّن الشخصُ، للقضاء وبحرمة الطلب، إذا لم يتعيَّن، وكان غيره أصلح منه، وبالكراهية إذا كان مثله، وبالجواز إذا كان دونه، وإذا استوعبت الأحوال، تبين أنه متى يُكْرَه؟ ومتى لا يُكْرَه؟ فلا حاجة إلى قوله أولاً أخذه بطَلَب 1 فيه كراهية.

قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: لاَ بُدَّ للِقَاضِي مِنْ صِفَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حُرّاً ذَكَرَاً مُجْتَهِداً (ح) بَصِيراً (م و) عَدْلاً بَالِغاً، فلاَ يَجُوزُ قَضَاءُ المَرْأَةِ وَالأَعْمَى وَالصَّبِيِّ وَالفَاسِقِ وَالجَاهِلَ وَالمُقَلِّدِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالاجْتِهَادِ، وَالَّذِي يَجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ أَحَدِ الأَئِمَّةِ لَهُ الفَتْوَى عَلَى وَجْهٍ وَيَكُونُ مُقَلِّداً للإِمَامِ المَيِّتِ وَلاَ يَنْتَصِبُ لِلقَضَاءِ هَذَا هُوَ الأَصْلُ، فَإِنْ تَعَذَّرَتِ الشُّرُوطُ وَغَلَبَ عَلَى الْوِلاَيَاتِ مُتَغَلِّبُونَ فَسَقَةٌ، فَكُلُّ مَنْ وَلاَّهُ صَاحِبُ شَوْكَةٍ نَفَذَ حُكْمُهُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يَنْفُذْ حُكْمُ البغَاةِ وإن لَمْ يَصْدُرُ عَنْ رَأَي الإمَامِ، وَالظَّاهِرُ أَن قَضَاءَ الأُمِّيِّ الَّذِي لاَ يَكْتُبُ جَائِزٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود المسألة بيانُ الصفاتِ المشْرُوطة في القضاء، وقد تخلَّلها كلام في الفتوى، ونحْن نأتِي بفَصْلٍ من صفات القاضي وآخر بما يتعلَّق بالفتْوَى.
أما الفصل الأول، فإحْدَى الصَّفَات المشرُوطَة في القاضي الحرية؛ فلا يَصْلُح الرقيقُ للقَضَاء، قِنّاً كان، أو غَيْر قِنٍّ؛ لأنه ناقص، ولأنه لا يَتفرَّغ له.
والثانية: الذكورة، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون امرأةٌ قاضيةً فيما يُقْبَل شهادتها فيه.
لنا: ما رُويَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَليَتْهُمُ امْرَأَةٌ" 1 ولأنه لا يليق بحالها مجالسة الرجال، ورفع الصوت بينهم، ولا بدّ للقاضي من ذلك.
والثالثة: أهليَّة الاجْتهَاد، فلا يجوز تَوْلية الجَاهِل بالأحكام الشرعيَّة، وطرقها المحتاج إلى تقليد غيره لما روِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْقُضَاةُ ثَلاثةٌ؛ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، واثْنَانِ فِي النَّارِ، فَالَّذِي فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى به، واللَّذَانِ فِي النَّارِ رَجُلٌ عَرَف الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكِمْ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْل" 2 وعند أبي حنيفة: يجُوز تَوْلِيَةُ العَامِّيِّ، ثم هو يَسأل أهل العلْم ويقضي، واحتج الأصحاب عليه بأنه لا يَجُوز الفتوى بالتقليد، فكذلك القضاء، وبل أولى؛ لأنَّا نعتبر في القضاء ما لا نعتبر في الفتوى وعلى ما سيظهر.
وإنما تحصل أهلية الاجتهاد بالعلْم بأمور: أحدها: كتاب الله تعالى جَدُّه ولا يُعتبر العلْم بجميعه، بل ما يتعلَّق منه بالأحكام، ولا يُشتَرَطُ حفظه عن ظهر قلب، ومن الأصحاب من ينازع ظاهِرَ كَلاَمِه فيه.

والثاني: سنَّة رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لا جَمِيعُها، بل بما يتعلَّق منها بالأحكام، وينبغي أن يعرف منهما العامَّ، والخاصَّ، والمطلَقَ والمقيَّدَ، والمُجْمَل والمبيَّن، والنَّاسِخ والمَنْسُوخ ومِنَ السنةِ؛ المتواتر والآحاد والمرسل والمسند وحال الرواة قوةً وضعفاً.
والثالث: أقاويل علماء الصحابة -رضي الله عنهم- فمَنْ بعدهم إجماعاً واختلافاً.
والرابع: القياس فيعرف جليَّة، وخفيَّة، ويميِّز الصحيح منه من الفاسد.
والخامس: لسانُ العرب لغةً وإعراباً، فإن الشريعة ورَدَتْ بالعربية، ومِنْ هذه الجهة يُعْرَفُ عموم اللفظ وخصوصه، وإطلاقه وتقييده وإجماله وبيانه.
قال علماؤنا -رحمهم الله-: ولا يُعتبَرَ التبحُّر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة كل جمل منها، وزاد المصنِّف تحقيقاتٍ أوردها في أصول الفقه.
منها: أنه لا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرُّقها وانتشارها, ولكن يكفي أن يكون له أصل مصحح، وقعتِ العنايةُ فيه بجمع أحاديث الأحكام؛ كسنن أبي داود 1، ويكفي أن يعرف مواقع كلِّ باب، فيراجعه إذا احتاج إلى الفَتْوَى في ذلك الباب.
ومنها: أنه لا يحتاج إلى ضبْط جميع مواضع الإجْمَاع والاختلاف، بل يكفي أن يعرف في المسألة الَّتي يُفْتِي فيها أن قوْلَه لا يخالف الإجَماع، إما بأن يعلم أنه وافق قَوْلَ بعض المتقدِّمين، أو يغلب على ظنِّه أن الواقعة متولِّدَة في ذلك العصر، لم يخض فيها الأولون، وعلى هذا، قياس معرفة الناسخ والمنسوخ.
ومنها: أن كل حديث أجمع السَّلَف على قوله أو تواتَرَتْ عدالةُ رواتِهِ، فلا حاجة إلى البَحْث عن رواته، وما عدا ذلك فينبغي أن يكتفي في رواته بتعديل إمام مشهورِ عُرِف صحة مذهبه في التعديل، إلا، فَمَنْ دَرَجَ في الأحوال الماضِيَة، لا يُخْتُبَرُ، ولا

يُشاهَد حالُه، وتواتُر السنة لا يكاد يوجَدُ إلاَّ في جماعة معْدُودين 1. ومنها: اجتماع هذه العلوم، إنما يشترط في المجتهد المُطْلَق الذي يفتي في جميع أبواب الشَّرْع.
وَيَجُوزُ أن يكون للعالم منْصِبُ الاجتهاد في باب دون باب، فالناظر في مسألة المشتركة يكفيه معرفة أصول الفرائض، ولا يضرُّه ألا يعرف الأخبار الواردة في تحريم المسكر مثلاً، وعدَّ الأصحاب من شروط الاجتهاد معرفة أصول الاعتقاد، قال المصنِّف: وعندي يكفي اعتقاد جازم، ولا يشترط معرفتها على طرق المتكلمين والأدلة التي يحررونها؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- ما كانوا يُحْسِنُون تلْك الصناعة.
والصفة الرابعة: أن يكون بصيراً، فلا يجوز التفويض إلى الأعْمَى؛ لأنه لا يعرف الخصوم والشهود، وعن مالك -رحمه الله- تجويزه وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرُّويانيِّ وجهٌ يوافقه.
والخامسة: العدالة، فإنَّ الفاسقَ لا يصلح للشَّهادة، فللقضاء أولَى.
والسادسة: البلوغ، فالصبيُّ لا ينفذ قوله على نفسه، فعلَى غيره أولَى، وهل يجوز أن يكون القاضي أمِّيّاً، فيه وجهان: أحدهما: لا، للحاجة إلى مطالعة الحُجَجِ وإثباتها.
وأصحهما: نعم؛ لأن النبوة التي هي أصْل القضاء لا يُشْتَرَط فيها معرفة الخَطِّ.
هذه هي الصفات المذكورة في الكتاب.
ويُشْتَرَط وراءها صفات أُخَرٌ.
منها: الإسْلام، فلا يجوز تقليد الكافرِ القضاءَ لا على المسلمين ولا على الكفار، قال أقضْىَ القُضَاة الماوَرْدِيّ: وما جرت به عادةُ الولاةِ من نَصْب حاكمٍ بين أهل الذِّمَّة، فهو تقليدُ سياسة 2 وزعامة لا تقليد حكم وقضاء، وإنَّما يلزمهم حكمه بالتزامهم لا للزومه، وحُكِيَ عن أبي حنيفة أنه يجوز تقليد الكافر للقضاء بين أهْلِ دِينه.
ومنها: أنْ يكونَ ناطقاً سميعاً، فلا يجوز تقليدُ الأخرس الذي لا تُعْقَل إشارته،

وإن عُقِلَتْ فوجهان، خرجهما ابن القاصِّ، الأصح المنع أيضاً، ولا يُقلَّد الأصمُّ الذي لا يسمع أصلاً، وإن كان يسمع إذا صيح به، فيجوز تقليده.
ومنها: الكفاية 1، فلا يجوز قضاء المُغفَّل، والذي اختل رأْيُه ونظره بكبرٍ ومرضٍ ونحوهما.
ويُستَحَبُّ أن يكون القاضِي مع الصفات المشروطَة وافرَ العَقْل حليماً متثبتاً ذا فِطْنَةٍ وتيقظٍ كاملَ الحواسِّ والأعضاءِ عالماً بلغة الدين يَقْضِي بينهم.
بريئاً من الشحْنَاء بعيداً عن المطمع صَدُوقَ اللهجة، ذا رأيٍ ووفاءٍ وسكينةٍ ووقارٍ وألاَّ يكون جَبَّاراً تهابه الخصوم، فلا يتمكنون من استيفاء الحجة، ولا ضعيفاً يستَخِفُّون به، ويطمعون في جنبه والأولى أن يكون قُرَشياً، ورعاية العلم والتقى.
أولَى من رعالة النَّسَب.
إذا عُرِف ذلك، فلو أن الإِمام عَرَفَ فيمن يولِّيه الصفاتِ المشروطةَ، نذاك، وإلا، بَحَث عن حاله، واختبره، كما اختبر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- معاذاً -رضي الله عنه-.
ولو ولَّى مَنْ لَمْ يجتمعْ فيه الصفاتُ عَلَى عِلْمِ حالِهِ، توجَّه الجَرْح على المُوَلِّي والمُوَلَّى، ولم يَنْفُذْ قضاؤه بصواب ولا خطأ، هذا هو الأصل في الباب.
قال في "الْوَسِيط": لكنَّ اجتماعَ هذه الشروط متعذِّرٌ في عَصْرِنا؛ لخلُوِّ الْعَصْر عنِ المجْتَهد المستقل فالوجْه تنفيذُ قضاء كلِّ من ولاه سلطانٌ ذو شوكة، وإن كان جاهلاً أو فاسقاً؛ كيلا تتعطل مصالح الناس ويؤيده أنا ننفذ قضاء قاضي أهل البغي لمثل هذه الضرورة، وهذا حسن.
ولكن في بعض الشروح أن قاضي أهل البغْي، إن كان منهم، نُظِر، إن كان بغيهم لا يوجب الفسق؛ كبغي معاوية -رضي الله عنه- جاز قضاؤه، وإن أوجب الفسق، كبغي أهل النهروان، لم يجز 2، وذُكِرَ أن القاضي العادل، إذا استقضاه أمير باغ، أجابه إليه، فقد سُئِلتْ عائشة -رضي الله عنها- عن ذلك لمن استقضاه زياد، فقالت: إن لم

يقضِ لهم خياركم، قض لهم شراركم 1. فرع: من لا تقبل شهادته من أهل البدع لا يجوز تقليده القضاء، قال القاضي الماوَرْدِيُّ: وكذا لا يجوز تقليد من لا يقول بالإِجماع، أو لا يقول بأخبار الآحاد، وكذا القول في نفاة القياس، وهم الشيعة الدين لا يقولون بالاجتهاد أصلاً، بل يتتبعون النصوص، وإذا لم يَجِدُوا أَخَذُوا بقول سلفهم، وإن كانوا يجتهدون في فحوى الكلام، ويبنون الكَلاَمَ على عُمُوم النصوص وإشاراتها، ففي تقليدهم وجهان، والأظهر جوازه.
الفصْلُ الثاني: في الفتوى، ومهما لم يكن في الموضع إلا واحد يصلح للفتوى، تعيَّنَ عليه أن يفتي، وإن كان هناك غيره، فهو من فروض الكفايات، ومع ذلك فلا يحمد التسارع وإليه كانت الصحابة -رضي الله عنهم- مع مشاهدتهم التنزيل، يحيل = قال في القوت: قال ابن شداد: ما ذكره الغزالي لم أجده بغيره، وقال ابن أبي الدم لا تصح ولاية الفاسق ولا ينفذ حكمه ولا يقبل قوله لأن لا تقبل شهادته فرد حكمه أولى فلو ولاه الإِمام أو نائبه أو ذو الشوكة وحكم بين الناس على فسقه، لم تنفذ أحكامه قطعاً لا شك نيه لا يعرف فيه خلاف، وبه قطع العراقيون والمراوزة إلا الغزالي فقال: كذا ولا أعلم أحداً نقله غيره مع تصفح شروح المذهب والمصنفات فيه وجرى على ذلك ابن الصلاح، انتهى.
وقال في المهمات رداً على ابن شداد وابن الصلاح أن الرافعي حكى في البغاة عن المعتبرين أنه إذا كان قاضيهم لا يستحل دماء أهل العدل وأموالهم نفذ حكمه وإن استحلها لم ينفذ، ومنهم من أطلق نفوذه وبأن في البحر محتمل وجهين: أحدهما: لا ينفذ ويتحاكمون إلى من هو أهل للقضاء، فإن لم يجدوا أهلاً له نفذت أحكامه.
وقال الشيخ الإِمام البلقيني أن الدارمي سبق الغزالي إلى كلام أعم مما قال فقال في الاستذكار إن ولي من ليس بأهل فعلى كل واحد عزله وتولية غيره، فإن لم يقدروا وأقضى لهم فقوله قضى لهم يعني نفذ قضاؤه للضرورة.
انتهى.
وقال ابن الرفعة: الحق أنه إذا لم يكن ثم من يصلح للقضاء نفذ حكمه قطعاً وإلا فتردد.
وقال الشيخ البلقيني أيضاً في تصحيح المنهاج: التعذر فيما ذكره غير معتبر، فإن السلطان ذا الشوكة إذا ولى فاسقاً ينفذ قضاؤه للضرورة، فإن لم يتعذر جمع هذه الشروط، وإذا تعذر جمع هذه الشروط فتولية المقلد صحيحة، وإن صدرت من غير ذي الشوكة والعبارة السديدة في ذاك وإن تعذر المجتهد مع تولية المقلد وإن لم يتعذر وولى سلطان له شوكة مقلداً مع وجود المجتهد أو جاهلاً مع وجود عالم أو فاسقاً نفذ قضاؤه للضرورة.
انتهى وهو في غاية التحقيق.

بعضهم في الفتاوى على بَعْضٍ ويحترزون 1 عن استعمال الرأي والقياس ما أَمْكَنَ 2، ثم الكلام في ثَلاَثِ جُمَلٍ: إحداها: في طرف المُفْتِي؛ ويشترط فيه الإِسلام والبلوغ والعدالة، فإن الفاسق لا يوثق بفتواه، نعم، يعمل لنفسه باجتهاده، ويشترط فيه التيقظ وقوة الضبط؛ فلا تُقْبَلُ فتوى من تَغْلِب عليه الغفلة والسهو، ذكره أبو القاسم الصيمريّ.
ويُشتَرط أيضاً أهلية الاجتهاد؛ ليأخذ غيره بقوله، كما أنَّه يُشْتَرَط الاجتهاد في القبلة، ليقلده غيره 3 ممن لا يعرف القبلة، ويدل عليه ظاهرُ قَولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ سُئِلَ فَأَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقَدْ ضَلَّ وَأَضَلَّ" 4 فلو عرف عرف العاميُّ مسألةً أو مسائلَ بدليلها، لم يكن له أن يفتي فيها, ولم يكن لغيره أن يقلِّد فيها، ويأخذ بقوله، هذا هو الصحيح، ووراءه وجهان حكاهما الصيمريُّ، والقاضي الرويانيُّ في البَحْر: أحدهما: أنه يجوز؛ لأنه عرف الحكم والدليل.
والثاني: الْفَرْقُ بين أن يَكُون الدليل نقلياً، فيجوز، أو قياساً، فلا يجوز.
والعالم الذي لم يبلُغْ رتبةَ الاجتهاد، كالعاميِّ؛ في أنه لا يجوز تقليده على الصحيح، وموت المجتهد هل يخرجه عن أن يُقَلَّد، ويُؤْخَذَ بقوله؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لخروجه عن أهلية الاجتهاد، كما لو فسق بعد عدالته.
وأيضاً، فإنه لا قول له بعد موته، ألا ترى أن الواحد من الصحابة -رضي الله عنهم- إذا كان يخالف الباقين في مسألة، لم يكن اتفاق الباقين إجماعاً؟ فإذا مات ذلك الواحد، صار إجماعاً، فدلَّ على أنه لم يبق له قولٌ بَعْد موته.

وأصحُّهما: أنه يجوز تقليده، والأخْذُ بقوله، كما إذا شَهِدَ الشاهِدُ، ثم مات يجوز الحُكْم بشهادته، والمسألة المُسْتَشْهَدُ بها ممْنُوعة، ولو بَطَل قول القائل بموته، لَبَطَل الإِجْمَاع بمَوْت المجْمِعِين، ولصارت المسألة اجتهاديةً، وأيضاً فالخَلْق كالمتَّفقين على أنه لا مجتهد الْيَوْم 1 فلو مَنَعْنا من تقليد الماضيين لتركنا الناس حَيَارَى، وبنوا على هذين الوجهين، أنَّ مَن عَرَف مَذْهب بعض المجتهدين وتبحَّر فيه، لكنه لم يبلْغُ رتبة الاجتهاد، هل له أن يفتي؟ وهل يُؤْخَذُ بقوله؟ إن قلْنا بالوجه الأوَّل، فلا يجوز، وإن قلنا بالثاني، الأصح، يجوزُ الأخذ بقوله، كأنه لا يقلّده وإنَّما يقلد ذلك المجتهد، هكذا صوروا هذا الفرع.
ولك أن تقول: إنْ كان المأخَذُ ما بيَّنَّا، فلا فرق بين أن يكون متبحِّراً، أو غير متبحِّر، بل العامِّيُّ، إذا عَرَف حُكْم المسألة عنْد ذلك المجتهد، فأخبر عنه، وأخذ غيره به تقليداً للمجتهد الميت، وجب أن يجوز على الأصحِّ 2. إذا جوَّزنا الفتوَى إخباراً عن مذْهَب الميِّت، فإنْ عَلِم مِنْ حاله أنه يُفْتِي عَلَى مذْهبٍ واحدٍ معيَّنٍ كفى إطلاق الجواب منه، وإلا فلا بدّ أن يضيفه إلى صاحب المَذْهَب، وليس للمجتهد أن يقلِّد مجتهداً آخر لا ليعمل به، ولا لِيُفْتِيَ به غيره ولا إذا كان قاضياً ليقضي به، خلافاً لمالك وأحمد -رحمهما الله- فيما حكاه في "البَحْر"، ولأبي حنيفة -رحمه الله- في القَاضي.
لنا: أنه يجد ما يتوصّل به إلى معرفة الحُكْم، فلا يجوز له تَقْليد، كما في العقليات.

ولا فرق بين أن يخاف الفوات، لضيق الوقت، أو لا يخافه؛ لأن الاجتهاد فرض عليه، فلا يسقط بضيق الوقت، كما أن فرض العاميِّ، وهو الاستفتاء والسؤال لا يسقط لضيق الوقت، وقال ابن سُرَيْج، فيما حكاه عنه صاحب "التلخيص" سماعاً: يجوز له التَّقْلِيد عنْد ضيق الوَقْت؛ للعمل به، ولا يجوز لِيُفْتِيَ به غيره، وقياس ذلك أَلاَّ نجوزه للقضاء بطريق الأولَى، وفي "الشامل" و"التهذيب" طرد قول ابن سُرَيْج في التقْليد للقضاء، وصور ضيق الوقْت فيه فيما إذا تحاكَمَ إلَيْه مسافران، والقافلة تَرْتَحِل، ومَنْ قال به، فينبغي أن يطرده في الفَتْوَى.
وهل على المجتهد تجديدُ الاجتهاد، إذا وقعت الحادثةُ مرَّةً أخرَى، أو سئل عنْها مرةً أخْرَى؟ أو يقتنع بما أدَّى إلَيْه اجتهادُه؟ الأوَّل فيه وجهان، كما ذكرنا في الاجتهاد في القبلة 1. واعلم أن الَّذين يُقَال لهم أصحابُ الشافعيِّ وأصحابُ أبي حنيفة ومالك -رحمهم الله- ثلاثة أصناف العوامّ، وتقليدهم إياهم مفرَّع على جواز تقليد الميِّت، وقد عرفته، والبالغون درجة الاجتهاد، وقد ذكَرْنا أن المجتهد لا يُقلِّد المجتهد، وإنَّما يُنْسَبُ هؤلاء إلى الشافعيِّ -رضي الله عنه- وغيره؛ لأنهم يجرون على طريقته في الاجتهاد واستعمال الأدلة وترتيب بعضها على بعض، ويوافق اجتهادُهم اجتهادَ مُمَهِّدي تلْك الطرق، وإذا خالف أحياناً لم يُبَالَوا بالمخالفة، وهذا كما أن الشافعيَّ -رَضِيَ الله عَنْه- يقول في كلامه: وقال بعض أصحابنا: ويريد به مالكاً؛ لتوافقهما على اتباع السنة المأثورة عن رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.
والصِّنْف الثالث: المتوسِّطون بين الصِّنْفَيْن الأوَّلَيْن، وهم الذين لم يبلغوا رتبة الاجتهاد في أصل الشرع ولكنهم وقفوا على أصول الإِمام الذي ينتسبون إليه في الأبواب، وتمكنوا من قياس ما لم يجدوه منصوصاً له على ما وجد، وهؤلاء مقلِّدون له تفريعاً على تقليد الميت.
وكذا من يأخذ بقولهم من العوامِّ تقليداً له، والمشهور: أنه لا يقلِّدهم في أنفسهم؛ لأنهم مقلِّدون، وقد نَجِدُ ما يشعر بخلافه؛ هذا أبو الفتح الهَرَوِيُّ وهو من أصحاب الإِمام - قدَّس الله روحه- يقول في الأُصُول: مذْهَبُ عامة أصحابنا أن العاميَّ لا مذهب لَهُ، فإن وَجَدَ مُجتهداً قلده، وإلا ووجد متبحراً في مذْهَب، فإنه يفتيه على مذهب نفسه، وإن كان العاميُّ لا يعتقد مذهبه، وهذا قولٌ: بأنه يقلد المتبحِّر في نفسه، ثم ههنا فروع:

أحدها: المتبحران في مذهب واحد، قد يختلفان في المسألة؛ لاختلافهما في قياس أصوله، ومنْه يتولَّد وجوه الأصحاب، ونقول: بأيهما يأخذ العامي؟ هو كما سنذكره فيما إذا وجد مجتهِدَيْن.
الثاني: إنْ نَصَّ صاحب المذْهَب على الحُكْم والعلَّة، وألحق، بتلْك العلَّة غيْرَ المَنْصُوص بالمَنْصُوص، وإن اقتصر على الحُكْم، فهل يستنبط العلَّة، ويعدي الحكم بها؟ حُكي.
والذي عن الإِمام محمد بن يحْيَى -رحمهما الله- المنع من ذلك، وإنما جاز في نصوص الشارع؛ لأنه تعبدنا، وأمرنا بالقياس، والأشبه بصنيع الأصحاب خلافُه، ألا تراهم ينقلون الحكم ثم يختلفون في أن العلة كذا وكذا وكل منهم يطرد الحُكْم في فروع علَّته.
الثالث: اختار الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ -رحمه الله- أنه إذا نَصَّ في واقعة على حكم، وفي أخرى بشبهها على نقيضه، لم يجز نقل قوله من إحداهما إلى الأخرى، وتخريجها على قولين، وإن ما يقتصر على ما يقتضيه قول المجتهد، لا يجوز أن يُجْعَل قولاً له، إلا إذا لم يحتمل الفرق مثل أن يقول ثَبَتَتِ الشُّفْعَة في بيع الشِّقْص من الدار، فيجوز أن يُقَال: قوله في الحانوت كذلك.
والمشهور في المذهب خلافُ ما اختاره، نعم، الأَوْلَى أن يُقَالَ: إِنه قياسُ أصله أو قوله، ولا يُقال: إنه قوله.
ويجوز للمفْتِي أن يشدد في الجواب بلفظٍ هو مُؤَوَّلُ عنه زجراً وتهديداً في مواضع الحاجة 1. سُئل ابنُ عبَاس -رضي الله عنه- عن توبة القاتل فقال: لا توبة له، وسأَلَهُ آخر، فقال: له توبة ثم قال: رأيتُ في عَيْنَي الأول، أنَّه يقصد القتل، فمنعته، وكان الثاني صاحبَ واقعةٍ يطلب المَخْرَج.
الجملة الثانية في طرف المستفتي: وعليه مراجعة المُفْتِي، والسؤال عنه، وإنما تَسْأَل من عَرَفَ علمه وعدالته، فإذا لم يَعْرِف العلْم، بحث عنه بسؤال الناس، وإن لم يَعْرِف العدالة، فلصاحب الكتاب فيه احتمالان، ذكرهما في الأصول: أحدها: أن الجواب كذلك، وأشبههما الاكتفاء، فإن الغالب من حال العلماء

العدالة، بخلاف البَحْث عن العِلْم، فإنه ليس الغالب من حال الناس أن يكونوا علماء ثم ذكر احتمالين في أنه، إذا وجب البَحْث، فَيَفْتَقِرُ إلى عددِ التَّواتُر أم يكفي إخبار عدل أو عدلَيْن؟ أقربهما الثاني 1. وإذا وَجَد من المفتين اثْنَيْنِ فَصَاعداً، فهل عليه أنْ يجتهد فيسأل أعلمهم؟ فيه وجهان: أحدهما: ويُحْكَى عن ابن سُرَيْج: نعم, لأنه لا يتعذَّر عليه هذا القَدْر من الاجتهاد.
بخلاف الاجتهاد في الأحكام، وهذا ما اختاره القاضي ابن كج، وكذلك القَفَّال، قال القاضي الحُسَيْن: إنَّ رجلاً سأل القفَّال عَلَى رأس الحدادين بـ"مرو" عن مسألة، فقال القَفَّال: مَنْ أنا؟ فَقَال: أنتَ واحدٌ من الفقهاء، فقال: لا يحلُّ لك أَنْ تعمل بقَوْلي ما لم تَسْأَلْ عن الأعلم في البلد.
وأصحُّهما: عن عامة الأصحاب: أنه يتخيَّر، فيسأل من شاء منهم؛ لأن الأوَّلين كانوا يسألون علماء الصحابة، على تفاوتهم في الفضل والعلْم، ويعملون بقول من سألوه من غير نكير، وذكر صاحب الكتاب في الأصول: أنه إذا كان يعتقد أن أحدهم أعلم، بجزء أن يقلِّد غيره، وإن كان لا يجب عليه البَحْث عن الأعْلَم، إذا لم يعتقد اختصاص أَحَدِهِم بمزيد 2. وإذا سأل المستفتي، ووجد الجواب، فوقعت الحادثة مرةً أخرَى، نُظِرَ، إن عرف

استناد الجواب إلَى نَصٍّ أو إجماع، فلا حاجَةَ إلى السُّؤَال ثانياً وكذا لو كان المقلِّد ميِّتاً، وجوَّزناه، وإن عَرَفَ استناده إِلَى الرَّأْي والقياس، أو شَكَّ فيه والمقلِّد حَيٌّ، فوجهان: أحدهما: أنه لا يحتاج إلى السُّؤَال ثانياً؛ لأن الظاهر استمراره على الجواب الأول.
وأصحُّهما: أن عليه السؤالَ ثانياً، وهما كان ذكرنا في تجْديد المجتهد الاجتهاد، وفي الاجتهاد في القِبْلَة.
ولو اختلف علَيْه جوابُ اثْنيَنْ في المسألة، فإنْ أوجبنا البحث وتقليد الأعلم، لم يجب الجواب، وإن لم نوجبه فأوجه.
أصحُّهما: أنه يتخير، ويأخذ بقول أيهما شاء.
والثاني: يأخذ بأغلظ الجوابين احتياطاً.
والثالث: يأخذ بأخفِّهما.
والرابع: بقول من يبني قوله على الأثر دون الرَّأْي.
وفي "البحْر" وجه آخر: أنه يأخذ بقول من سأله أوَّلاً؛ لأنه لزمه حين سأل 1، وذكر وجهين في أن من استفتى فقيهاً، ولم تسكن نفسه إلى فتواه، يسأل ثانياً وثالثاً؛ لتسكن نفسه إليه، أم يجوز الاقْتِصَار على جواب الأوَّل، والقياسُ الثَّانِي؟.
الجملة الثالثة: فيما يتعلَّق بالطرفين؛ يجوز للمستفتي أن يسأل بنفسه، ويجوز أن يسأل برسول عدل يبعثه إليه، وبالرقعة، ويكفي ترجمان واحد، إذا لم يعرف لغته 2. ومِنْ آداب المستفتي أَلاَّ يسأل المفتي، وهو قائم أو مشغول بما يمنعه من إعطاء الفِكْرِ حقه، وَأَلاَّ يقول إذا أجابه هكذا قُلْتُ أنا وأَلاَّ يطالبه بالحُجَّة على الجواب، فإن أراد معرفة الحُجَّة، سأل عنها في وقْتِ آخَر، وإذا سأل بالرقعة، فليكن كاتبُها حاذقاً؛ ليبين موضع السؤال ولينقط مواضع الاشتباه؛ كيلا يذهب الوهم إلى غير ما وقع عنه السؤال، كما يُحْكَى أنه كتب غفلاً في زمان أبي الحسن الكَرْخيِّ -رحمه الله-: ما يقول الفقهاءُ في رَجُلٍ قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إنْ، ثم وقف عند "إنْ" فقرؤوه إن تمّ وقف عبدان، أجابوا بأنه إن تم وقفه، طُلِّقَتْ وإلاَّ، فلا، فَعُرِضَتِ الرقعةُ على الكَرْخِيِّ، فلما

تأمَّلها، عرف أنهم صحَّفُوا، وأن الكاتب أراد أنه قال: أنتِ طالق إن، ثم أمسك بعد إنْ، ولم يذكر شَرْطاً.
وليتأمل المفتي الاستفتاءَ كلمةً كلمةً، وليكن اعتناؤه بآخر الكلام أشدَّ لأنه موضع السؤال، وليتثبت في الجواب، واضحةً كانت المسألةُ أو مشكلةً، وحسن أن يشاور في الجواب من عنده، وهو يصلح لذلك، إلا أن يكون فيها ما لا يحسن إظهاره وله أن ينقط مواضع الإِشكال، وأن يصلح ما يرى فيه من خطأ ولحن فاحش، وإذا رأى في آخر بعض السطور بياضاً شغله بخط، بما قصد تغليطه كما يُقال: إنه كتب إلى القاضي أبي حامد، ما يقول فيمن مات وخلف بنتاً واحدةً؟ وجعلت هذه الكلمة في آخر سطر، وكُتِبَ في السطر الذي يليه، وابن عم، فأجاب؛ للبنت النصف، والباقي لابن العم، فألحق بموضع البياض، وأباً، وغلط في الجواب.
وليبين المفتي بخطِّه، وليكن قلمه بين قلمين ولو كتب مع الجواب حجَّةً من آية وخبر فلا بأس.
ولا يعتاد ذكر القياس وطرق الاجتهاد، ولكن لو تعلَّق الفتوى بقاضٍ، حسن أن يومئ إلى طريق الاجتهاد، وإذا رأى في الرقعة جواب من لا يستحق أن يفتي، لم يُفْتِ معه، قال الصيمَرِيُّ -رحمه الله-: وله أن يضرب عليه بإذن صاحب الرقعة ودون إذنه، ولا يحسبها إلا بإذنه، ولم يستحبُّوا أن يكون السؤال بخطِّ المفتي، ومهما تغيَّر اجتهاد المجتهد، دار المقلد معه، وعمل في المستقبل بقوله الثاني، ولا ينقض ما مضى، ولو نكح المجتهد امرأةً خالعها ثلاثاً؛ لأنه رأى الخُلعْ فسخًا، ثم تغير اجتهاده، قال صاحب الكتاب في "الأصول": يلزمه تسريحُها، وأبدى تردداً فيما إذا فعل المقلِّد مثل ذلك، ثم تغير اجتهاد مُقَلِّده قال: والصحيح أن الجواب كذلك، كما لو تغيَّر اجتهاد مقلده والمقلِّد في الصلاة، فإنه يتحوَّل.
ولو قال مجتهدٌ للمقلِّد والصورةُ هذه أخطأ بك من قلِّدتَّه، فإن كان الذي قلده أعلم من الثاني أو استويا، فلا أثر لقوله، وإن كان الثاني أعلم، فالقياس أنَّا إن أوجبنا تقليد الأعلم، فهو كما لو تغيَّرَ اجتهاد مقلَّده، وإلا فلا أثر له 1.

وإذا قلَّد الأعمى في القبلة، ويُحْرِم بالصلاة، فقال له من هو أعلم من مقلَّده: أخطأ بك، فالقياس، أن يخرج على هذا الخلاف، لكن أطلقوا الجواب أنه كتغير اجتهاد المجتهد، على ما مرَّ في باب الاستقبال.
فَرْع: لا يجبُ أن يكون للمجتهد مذْهَبٌ مدوَّن؛ فإنَّ علماء الصحابة -رضي الله عنهم- لم يدونوا، وإنما كانوا يجتهدون في النوازل بحسب الحاجة، وإذا دونت المذاهب، فهل يجوز للمقلِّد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب؟ إن قلنا: يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم وغلب على ظنه أن الثاني أعلم، وجب أن يجوز، بل يجب، وإن قلنا: يتخيَّر، فينبغي أن يجوز أيضاً، كما لو قَلَّدَ في القبلة هذا أياماَ، وهذا أياماً، ولو قَلَّدَ مجتهداً في مسائل وآخر من مسائل أخرى، واستوى المجتهدان عنده، أو قلنا: إنه يتخيَّر فالذي يقتضيه فعل الأولين الجواز؛ لأنهم كانوا يسألون تارَةً من هذا من غير نكير.
وأيضاً، فإن الأعمى إذا قلْنا: إنه لا يجتهد في الثياب والأواني، يجوز له أن يقلِّد في الأواني المشتبهة بصيراً، وفي الثياب غَيْرَه، لكن الأصوليون منعوا منه للمصلحة، وحكى الحناطي وغيره عن أبي إسحاق، فيما إذا اختار من كل مذهب ما هو أهون عليه، أنَّه يفسق به، وعن ابن أبي هريرة أنه لا يفسق 1، والله أعلم.
= الاجتهاد، فلا؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، ولا يعلم خلاف هذا لأصحابنا، وما ذكره صاحبا "المستصفى" و"المحصول"، فليس فيه تصريح بمخالفة هذا.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: وإن كان المفتي إنما يفتي على مذهب إمام معين، فرجع لكونه تيقن مخالفة نص إمامه، وجب نقضه، وإن كان اجتهادياً؛ لأن نص إمامه في حقه كنص الشارع في حتى المستقل، وأما إذا لم يعلم المستفتي برجوعه، فكأنه لم يرجع في حقه، ويلزم المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل، وذا بعده حيث يجب النقض، وإذا عمل بفتواه في إتلاف، ثم بان أنه أخطأ، وخالف القاطع، فقال الأستاذ أبو إسحاق الإِسفراييني: إن كان أهلاً للفتوى، ضمن، وإلا، فلا، لأن المستفتي مقصر، وهذا الذي قاله فيه نظر، وينبغي أن يخرج على قولي الغرور أو يقطع بعدم الضمان مطلقاً إذ لم يوجد منه الإِتلاف، ولا ألجأ إليه بإلزام.

........................ = التصرف والاستنباط، وسواء الحر والعبد، والمرأة والأعمى والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: وينبغي أن يكون المفتي كالراوي في أنه لا تؤثر فيه القرابة والعداوة، وجر النفع، ودفع الضر؛ لأنه في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص، فكان كالراوي لا كالشاهد وفتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف حكم القاضي.
قال: ووجدت عن صاحب "الحاوي" أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصاً معيناً، صار خصماً معانداً، ترد فتواه على من عاداه، أما ترد شهادته.
قال الصيمري: ويقبل فتاوى أهل الأهواء والخوارج، ومن لا يكفر ببدعته ولا بفسقه، وذكر الخطيب هذا ثم قال: وأما الشراة وهم بضم الشين المعجمة، والرافضة الذين يسبون السلف، ففتاويهم مردودة، وأقاويلهم ساقطة.
ومن كان من أهل الفتوى وهو قاض، فهو كغيره، فلا يكره له الفتوى هذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور، وقيل: له أن يفتي في العبادات وغيرها، مما لا يتعلق بالأحكام، وفي الأحكام وجهان.
قال ابن المنذر: يكره فتراه في الأحكام دون غيرها، وهل يشترط في المفتي أن يعرف من الحساب ما يصح به المسائل الحسابية الفقهية؟ وجهان، حكاهما الأستاذ أبو إسحاق الإِسفراييني، وصاحبه أبو منصور البغداد.
ويشترط في المفتي المنتسب إلى مذهب إمام أما سبق أن يكون فقيه النفس، حافظاً مذهب إمامه، ذا خبرة بقواعده، وأساليبه ونصوصه، وقد قطع إمام الحرمين وغيره بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا يحل له الفتوى بمجرد ذلك، ولو وقعت له واقعة، لزمه أن يستفتي فيها، ويلتحق به المتصرف البحاث في الفقه من أئمة الخلاف، وفحول المناظرين؛ لأنه ليس أهلاً لإِدراك حكم الواقعة استقلالاً، لقصور آلته، ولا من مذهب إمام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر.
وإذا استفتى العامي عما لم يقع، لم يجب جوابه ولا يجوز للمفتي أن يتساهل في فتواه، ومن عرف بذلك، لم يجز أن يستفتي، وتساهله قد يكون بأن لا يثبت، ويسرع بالجواب قبل استيفاء الفكر والنظر، فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنه، فلا بأس بالإِسراع، وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من المسارعة، وقد يكون تساهله بأن تحمله أغراض فاسدة على تتع الحيل المحرمة المكروهة، والتمسك بالشبهة طلباً للترخيص على من يروم نفعه، أو الغليظ على من يروم ضره، ومن فعل هذا، فلا وثوق به.
وأما إذا صح قصده، فاحتسب في طلب حيلة لا شهة فيها، ولا تجر إلى مفسدة، ليخلص بها المستفتي من وريطة يمين ونحوها، فذلك حسن، وعليه يحمل ما جاء من بعض السلف من هذا.
وينبغي أن لا يفتي في كل حال تغير خلقه، وتشغل قلبه، وتمنعه التثبت والتأمل كحالة الغضب أو الجوع أو العطش والحزن والفرح الغالب، والنعاس، والملالة، والمرض المقلق، والحر المزعج، ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك، ومتى أحس بشغل قلبه، وخروجه عن الاعتدال، لم يفت، فإن أفتى في شيء من هذه الأحوال وهو يعتقد أن ذلك لم يمنعه من إدراك الصواب، صحت فتواه، وإن كان مخاطراً.
والأولى للمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك، ويجوز أن يأخذ عليه رزقاً من بيت المال إلا إذا تعين عليه، وله كفاية، فالصحيح أنه لا يجوز.
ثم إن كان له رزق لا يجوز له أخذ أجرة، وإن لم يكن له رزق، لم يجز له أخذ أجرة من أعيان المستفتين كالحاكم.
واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني في حيلة، فقال: يقول للمستفتي: يلزمني أن أفتيك قولاً، ولا يلزمني أن أكتب لك، فإن استأجره على الكتابة، جاز، وهذا الذي ذكره وإن كان مكروهاً، فينبش أن لا يأخذ من الأجرة إلا قدر أجرة كتابة ذلك =

....................... = القدر ولو لم يكن فتوى، لئلا يكون آخذاً زيادة بسبب الإفتاء.
قال الصيمري والخطيب وغيرهما: ولو اجتمع أهل البلد على أن جعلوا له رزقاً من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم، جاز.
وأما الهدية، فقال أبو المظفر السمعاني من أصحابنا: ويجوز له قبولها بخلاف الحاكم؛ لأنه يلزمه حكمه قال الشيخ أبو عمرو: وينبغي أن يحرم قبولها إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد، كما في الحاكم وسائر ما لا يقابل بالأعراض.
قال الخطيب: وعلى الإِمام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم أو للفتوى في الأحكام ما يغنيه عن التكسب، ولا يجوز أن يفتي فيما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والإِقرار والوصايا ونحوها، إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ أو نازلاً منزلتهم في الخبرة بمرادهم في العادة، وليس للمفتي والعامل على مذهب الإِمام الشَّافعي في المسألة ذات الوجهين أو القولين أن يفتي أو يعمل بما شاء منهما من غير نظر وهذا لا خلاف فيه، بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما إن علمه، وإلا فبالذي رجحه الشافعي، فإن لم يكن رجح أحدهما ولا علم السابق، لزمه البحث عن أرجحهما، فيعمل به، فإن كان أهلاً للترجيح، اشتغل به متعرفاً ذلك من نصوص الشافعي، ومآخذه وقواعده، وإلا فلينقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة، فإن لم يحصل له ترجيح بطريق، توقف.
وأما الوجهان فيتعرف أرجحهما بما سبق إلا أنه لا اعتبار بالتأخر إلا إذا وقعا من شخص واحد، وإذا كان أحدهما منصوصاً للشافعي، والآخر مخرجاً، فالمنصوص هو الراجح المعمول به غالباً، كما إذا رجح الشافعي في أحد القولين، بل هذا أولى.
ولو وجد من ليس أهلاً للترجيح خلافاً للأصحاب في الأرجح من القولين أو الوجهين، فليعتمد ما صححه الأكثر، والأعلم والأورع، فإن تعارض أعلم وأورع، قدم الأعلم، فإن لم يبلغه عن أحد ترجيح، اعتبر صفات الناقلين للقولين، والقائلين للوجهين فما رواه البويطي والمزني والربغ المرادي مقدم عند أصحابنا على ما رواها الربيع الجيزي وحرملة، كذا نقله الخطابي من أصحابنا عن أصحابنا، إلا أنه لم يذكر البويطي، وزدته أنا لكونه أجل من الربيع، وأقدم من المزني، وأخص بالشافعي منه.
قال الشيخ أبو عمرو: ويترجح أيضاً ما وافق أكثر أئمة المذاهب.
وحكى القاضي حسين فيما إذا كان للشافعي قولان، أحدهما كقول أبي حنيفة رضي الله عنه وجهين، قال الشيخ أبو حامد المخالف لأبي حنيفة رضي الله عنه أرجح، فلو لم يطلع الشافعي على معنى مخالف لما خالفه، والصحيح أن الموافق أولى، وبه قال القفال، وهذا إذا لم نجد مرجحاً مما سبق.
ولو تعارض جزم مصنفين، فهو كتعارض الوجهين، فيرجع إلى البحث كما سبق، ويرجح أيضاً بالكثرة، فإذا جزم مصنفان بشيء، وجزم ثالث مساوٍ لأحدهما بخلافهما، رجحناهما عليه.
واعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه، ووجوه المتقدمين من أصحابنا أتقن وأثبت من نقل أصحابنا الخراسانيين غالباً إن لم يكن دائماً وهذا مما يتعلق بما نحن فيه.
ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين أن يكون الشافعي رحمه الله ذكره في بابه ومظنته، والآخر جاء مستطرداً في باب آخر.
واعلم أن هذا الكتاب الذي اختصرته وهذبته محصل لك جميع ما ذكرته ولا أقول هذا تبجحاً بل نصيحة للمسلمين ومناصحة للدين، وهما واجبان عليّ وعلى سائر المكلفين.
واعلم أنه يكره للمفتي أن يقتصر في جوابه على قوله: فيه قولان، أو وجهان، أو خلاف ونحو ذلك، فإن هذا ليس جواباً صحيحاً للمستفتي، ولا يحصل به مقصوده، وهو بيان ما يعمل به لما =

...................... = ذكرنا، بل ينبغي أن يجزم بما هو الراجح، فإن لم يظهر له الراجح، انتظر ظهوره، أو امتنع من الإِفتاء في المسألة، كما فعله كثير من أصحابنا وغيرهم.
واعلم أنه متى كان قولان قديم وجديد، فالعمل على الجديد إلا في نحو عشرين أو ثلاثين مسألة قد أوضحتها مفصلة في أول شرح "المهذب" مع ما يتعلق بها ويترتب بها، ويترتب عليها، وبالله التوفيق، وإذا كان في رقعة الاستفتاء مسائل، فحسن أن يرتب الجراب على ترتيب الأسئلة، وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق الجواب، فإنه خطأ بالاتفاق، وليس له يكتب الجواب على ما يعلمه من صورة الواقعة إذا لم يكن في الرقعة تعرض له، بل يذكر جواب ما في الرقعة فإن أراد الجواب على خلاف ما فيها، فليقل، وإن كان هو المبتدئ بالافتاء في الرقعة، قال الصيمري وغيره: فالعادة قديماً وحديثاً أن يكتب في الناحية اليسرى؛ لأنه أمكن.
قال الصيمري وغيره: ولو كتب وسط الرقعة، أو في حاشيتها، فلا عتب عليه، ولا يكتب فوق البسملة بحال.
ويستحب عند إرادة الإِفتاء أن يستعيذ من الشيطان ويسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآية، ويستحب أن يكتب في أول فتواه: الحمد لله، أو الله الموفق، أو حسبنا الله، أو حسبي الله ونحو ذلك، نقل ذلك الصيمري عن كثيرين، قال: وحذفه آخرون.
قال: ولا يدع أن يختم جوابه بقوله: والله أعلم، أو وبالله التوفيق ونحوه.
قال: ولا يقبح أن يقول: الجواب عندنا، أو الذي عندنا، أو الذي نذهب إليه كذا؛ لأنه من أهله قال: وإذا كان السائل قد أغفل الدعاء للمجيب، أو الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في آخر الفتوى، ألحق المفتي ذلك بخطه فإن العادة جارية به، ويكتب بعد: والله أعلم، ونحوه: كتبه فلان، أو فلان بن فلان الفلاني، فينتسب إلى ما يعرف به من قبيلة أو بلد أو غيرهما، ثم ينتسب إلى المذهب، فيقول الشافعي أو الحنفي ونحوهما، قال الصيمري: وإن كانت الفتوى تتعلق بالسلطان، دعا له، فقال: وعلى السلطان أو على ولي الأمر وفقه الله، أو أصلحه، أو مدده، أو شد أزره، ولا يقول: أطال الله بقاءه، فإنه ليس من ألفاظ السلف.
وقد نقل النحاس اتفاق العلماء على كراهية أطال الله بقاءك.
وقد أوضحت هذه اللفظة وما يتعلق بها ويشبهها في آخر كتاب "الأذكار".
وينبغي أن يختصر جوابه، ويكون بحيث يفهم للعامة فهماً جلياً، قال الصيمري والخطيب وغيرهما: وإذا سئل عمن قال: أنا أصدق من محمد بن عبد الله، أو الصلاة لغو ونحو هذه العبارات، فلا يبادر بقوله: هذا حلال الدم، أو عليه القتل، بل يقول: إن ثبت هذا بإقراره، أو ببينة، استتابه السلطان، فإن تاب، قبلت توبته، وإلا فعل كذا وكذا وأشبع القول فيه، وإن سئل عن شيء يحتمل وجوهاً يكفر ببعضها دون بعض قال.
يسأل القاتل، فإن قال: أردت كذا، فالجواب كذا، وإن قال: أردت كذا، فالجواب كذا.
وإذا سئل عمن قتل أو قلع سناً أو عيناً، احتاط في الجواب، فيذكر الشروط التي يجب باجتماعها القصاص، وإذا سئل عمن فعل ما يقتضي تعزيره، ذكر ما يعزر به، فيقول: ضربه السلطان ما بين كذا وكذا, ولا يزاد على كذا، وينبغي أن يلصق الجواب بآخر الاستفتاء، ولا يدع بينهما فرجة مخافة أن يزيد السائل شيئاً يفسد الجواب.
وإذا كان موضع الجراب ورقة ملصقة، كتب على موضع الإِلصاق؛ وإذا ضاق آخر الورقة عن الجواب، لم يكتبه في ورقة أخرى، بل في ظهر هذه أو حاشيتها وأيهما أولى؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: هما سواء، والراجح أن حاشيتها أولى، وبه قطع الصيمري وغيره، وليحذر أن يميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه، ووجوه الميل معروفة.
ومنها أن يكتب ماله =

....................... = دون ما عليه، وليس له أن يعلم أحدهما ما يدفع به حجة صاحبه، وإذا ظهر له أن الجواب خلاف غرض المستفتي، وأنه لا يرضى بكتابته في ورقته، اقتصر على مشافهته بالجواب، ويجب عليه عند اجتماع الرقاع أن يقدم الأسبق فالأسبق، كالقاضي وهذا فيما يجب فيه الإِفتاء، فإن تساووا وجهل السابق، أقرع والصحيح أنه يجوز تقديم المرأة، والمسافر الذي شد رحله، ويتضرر بتخلفه عن رفقته إلا إذا كثر المسافرون والنساء بحيث يتضرر غيرهم تضرراً ظاهراً، فيقدم حينئذٍ بالسبق، ثم القرعة، ثم لا يقدم أحداً إلا في فتيا واحدة.
قال الصيمري وكمِره: إذا سئل عن ميراث، فالعادة أن لا يشترط في الورثة عدم الرق والكفر والقتل وغيرهما مما يمنع الإِرث، بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما إذا أطلق الإِخوة والأخوات، ولا بدّ أن يقول في الجواب: من أبوين أو أب أو أم، وإذا سئل عن المنبرية وهي زوجة وأبوان وبنتان، لا يقول: للزوجة الثمن، ولا التسع؛ لأنه لم يطلقه أحد من السلف، بل يقول: لها الثمن عائلاً، وهو ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهماً، أولها ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين، وإذا كان في المذكورين من لا يرث أفصح بسقوطه، فقال: وسقط فلان، فإن كان سقوطه في حال دون حال، قال: في هذه الحالة ونحو ذلك، لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال.
قال: وينبغي أن يكون شديد الاحتراز في جواب المناسخات.
قال الصيمري وغيره: وحسن أن يقول: تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا، قالوا وإذا رأى في الرقعة فتوى غيره ممن هو أهل للافتاء، وخطه موافق لما عنده، كتب تحته الجواب صحيح، أو جوابي مثل هذا، أو بهذا أقول وله أن يكتب الجواب بعبارة أخصر من عبارة السابق.
وإن كان فيها خط من ليس بأهل، قال الصيمري وغيره: لم يفت معه؛ لأن ذلك تقرير للخطأ، بل يضرب عليه، وينهر المستفتي، ويعرفه قبح ما فعله، وأنه وإن واجباً عليه البحث عن أهل الفتوى.
لأن رأى فيها اسم من لا يعرفه.
سأل عنه، فإن لم يعرفه، فله الامتناع خوفاً مما قلناه.
والأولى أن يأمر صاحبها بإبدالها، فإن أبى، أجابه شفاهاً، وإذا خاف فتنة من الضرب عليها, ولم تكن فتياه خطأ، امتنع من الإفتاء معه.
وهل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء، نظر إن كان منتسباً إلى مذهب، بني على وجهين، حكاهما القاضي حسين في أن العامي هل له مذهب أم لا؟ أحدهما: لا؛ لأن المذهب لعارف الأدلة، فعلى هذا له أن يستفتي من شاء، وأصحهما عند القفال له مذهب، فلا تجوز مخالفته.
وإن لم يكن منتسباً، بني على وجهين، حكاهما ابن برهان بفتح الباء من أصحابنا في أن العامي هل يلزمه التقيد بمذهب معين؟ أحدهما: لا، فعلى هذا هل له أن يقلد من شاء أم يبحث عن أسد المذاهب.
فيقلد أهله وجهان، كالبحث عن الأعلم.
والثاني وبه قطع أبو الحسن إلْكِيَا: يلزمه.
وهو جار في كل من يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم، لئلا يتلفط رخص المذاهب بخلاف العصر الأول، ولم تكن مذاهب مدونة، فيتلقط رخصها.
فعلى هذا يلزمه أن يختار مذهباً يقلده في كل شيء، وليس له التمذهب بمجرد التشهي، ولا بما وجد عليه أباه، هذا كلام الأصحاب.
والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، أو من اتفق، لكن من غير تلقط للرخص، ولحل من منعه لم يشق بعدم تلقطه.
وإذا استفتى وأفتاه المفتي، فقال أبو المظفر السمعاني: لا يلزمه العمل به إلا بإلزامه، قال: ويجوز أن يقال: يلزمه إذا إخذ في العمل به، وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه صحته، قال: وهذا أولى الأوجه، والمختار ما نقله الخطيب وغيره، أنه إذا لم يكن هناك مفت آخر، لزمه بمجرد فتواه، =

وأما لفظ الكتاب فليعلم قوله "ذكَراً" بالحاء.
وقوله: "مجتهداً" كذ لك.
وقوله: "بصيراً" بالميم والواو.
وقوله: "والجاهل والمقلِّد" لا ضرورة إلى الجمع بين اللفظين، فإنه لو اقتصر على المقلِّد لتناول العامِّيَّ الصَّرْف وغيره، بل أهل الأصول يجعلون المقلِّد، كيف كان، جاهلاً، ويخصون في اصطلاح الباب اسم العالم بالمجتهد، وإذا جمع بينهما، فكأنه أراد بالجاهل العامِّيَّ، الصرف وبالمقلِّد الذي حصل شيئاً من العلم، ولم يبلُغْ رتبة الاجتهاد.
وقوله: "والذي يجتهدُ في مذهب أحد الأئمة، له الفتوى على وجه، ويكون مقلداً للإِمام الميت" قد عرفت أنه إذا كان المأخذ أن الميت، هل يُقَلِّد، فلا حاجة إلى كونه مجتهداً في المذهب، وليس قوله "إلا إخباراً عن مذهب الغير" وأمَّا قوله: "فلا ينتصب للقضاء فإنه يوافق ما سبق من اشتراط الاجتهاد؛ لأنه مقلد، وإن كان مجتهداً في مذهب ذلك الإِمام، قال في "الوسيط ": ويجب تقديمه للقضاء على مَنْ لم يبلغ رتبة الاجتهاد في المذهب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثَة: إِذَا نُهِيَ القَاضِي عَنْ الاسْتِخْلاَفِ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَطْلَقَ التَّوْلِيَةَ فَفِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يَسْتَخْلِفُ إِنِ اتَّسَعَتِ الخُطَّةُ وَإِلاَّ فَلاَ، وَيُشْتَرَطُ فِي الخَلِيفَةِ صِفَاتُ القُضَاةِ إِلاَّ إِذَا لَمْ يُفَوَّضْ إِلَيْهِ إِلاَّ سَمَاعُ شَهَادَةٍ وَنَقْلٍ فَلاَ يُشْتَرَطُ إِلاَّ عَلَى ذَلِكَ القَدْرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى النَّائِبِ الحُكْمِ بِخِلاَفِ اجْتِهَادِهِ أَوْ بِخِلاَفِ مُعْتَقَدِ صَاحِبِهِ إِذَا جَوَّزْنَا تَوْلِيَةَ المُقَلِّدِ عِنْدَ الضَّرُوةِ.
= وإن لم تسكن نفسه، وإن كان هناك آخر لم يلزمه بمجرد إفتائه، إذ له أن يسأل غيره، وحينئذٍ فقد يخالفه، فيجيء فيه الخلاف السابق في اختلاف المفتيين، وينبغي للمستفتي أن يبدأ من المفتين بالأسن الاعلم وبالأولى فالأولى فإن أراد جمعهم في رقعة، وإن أراد إفرادهم في رقاع، وبدأ بمن شاء، وتكون رقعة الاستفتاء واسعة، ويدعو في الورقة لمن يستفتيه، ويدفع الورقة إلى المفتي منشورة، ويأخذها منشورة، فيريحه من نشرها وطيها، وإذا لم يجد صاحب الواقعة مفتياً في بلده ولا غيره، ولا من ينقل حكمها، قال الشيخ أبو عمرو: هذه مسألة فترة الشريعة الأصولية، وحكمها حكم ما قبل ورود الشرع، والصحيح في كل ذلك أن لا تكليف ولا حكم في حقه أصلاً، فلا يؤاخذ إذا صاحب الواقعة شيء بصنعه.
فهذا آخر النبذ التي يسر الله الكريم إلحاقها وهي وإن كانت طويلة بالنسبة إلى هذا المختصر فهي قصيرة بالنسبة إلى ما ذكرته في شرح "المهذب"، وموضع بسطها والزيادات والفروع هناك.
وهذا الفصل مما يكثر الاحتياج إليه، فلهذا بسطناه أدنى بسط.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسْتَحَبُّ للإِمام إذا ولى رجلاً للقضاء، أن يأذن له في الاصتخلاف؛ ليكون أسهل عليه، وأقضى إلى فصل الخصومات، فإن لم يأذن، فأما أن يطلق التولية، أو ينْهَاه عن الاستخلاف.
الحالة الأولى: إذا أطلق التولية، فيُنْظَر، إن كان ما فوَّضَه إليه مما يمكنه القيام به، كقضاء بلدة صغيرة فوجهان: أصحّهما: أنه ليس له الاستخلاف؛ لأن الإِمام لم يرض بنظر غيره.
والثاني: وبه قال مالك -رحمه الله- فيما حكى الإِصطخري: أنه يجوز؛ لأنه ناظر في المصالح العامة، فَيُمكَنَّ من الاستخلاف، كالإِمام، وإن لم يمكنه القيام بما فوضه إليه؛ كقضاء بلدتين فصاعداً، أو قضاء البلدة الكبيرة فله أن يستخلف؛ لأن قرينة الحال مشعرة بالإِذن.
وشبهوه بما إذا دفع متاعاً إلى إنسان ليبيعه، وهو ممَّن لا يعتاد الطواف بالأمتعة والنداء عليها، فإنه يكون إذناً في دفعه إلى من يقوم بذلك، ثم فيم يستخلف في القدر الزائد على ما يمكنه القيام أم في الكل فيه؟ وجهان: أصحّهما: الأول؛ لأن ذلك القدر هو المعلوم في القرينة، والقياس فيما إذا أذن له في الاستخلاف، أن يكون في القدر المستخْلَف فيه هذان الوجهان إلا أن يصرح بالإِذن في الكل، وقطع القاضي ابن كج بأنه عند الإِذن المطلق يستخلف في الكل.
الثانية: إذا نهاه عن الاستخلاف، لم يجز له الاستخلاف، فإن كان ما فوَّضَه إليه أكثر مما يمكنه القيام به، ففي "الشامل": أن القاضي أبا الطَّيِّب جعل وجُود النَّهْي كعدمه، والأقرب أحد احتمالين، إما بطلان التولية، ويحكَى هذا عن ابن القَطَّان، أو اقتصاره على ما يقدر عليه، وترك الاستخلاف 1. وجميع ما ذكرنا في الاستخلاف العام، أما في الأمور الخاصَّة كتحليف وسماع بينة، فمنهم من جعله على الخلاف، وهو قضية إطلاق الأكثرين، وعن القَفَّال: القطع بجوازه؛ لأن القاضي لا يُسْتَغْنَى عنه، وهو جارٍ مجرى التوكيل.
وقوله في الكتاب "وإن أطلق التولية ففيه ثلاثة أوجه وفي الثالث يستخلف، إن اتسعت الحطّة، وإلا فلا" فيه إثبات وجهين مطلقين: أحدهما: الجواز، إن اتسعت خطة الولاية، وتعذَّر القيام بما فُوِّض إليه، أو لم يتَّسِع.

والثاني: المنع في الحالين والوجهان فيما إذا لم يتسع، ولم يتعذَّر مشهوران، فأما مع الاتساع والتعذر، قليلاً ما يُوجَد للأئمة -رحمهم الله- حكايةُ الخِلاَف فيه، وإنما الذي ذكروه جواز الاستخلاف، كما بيَّنَّا، لكنَّ إثبات الخلاف فيه يتأيد، بأن جواز التوكيل مع كثرة التصرفات وتعذر القيام بها يختلف فيه كما سبق في الوكالة 1، فكذلك هاهنا، ثم يتعلق بالاستخلاف فُرُوعٌ: أحدها: يشترط في الخليفة ما يشترط في القاضي، قال الشيخ أبو محمد، وغيره؛ لو فوض إليه أمراً خاصّاً، كفاه من العلم ما يحتاج إليه في ذلك الباب، حتى أن نائب القاضي في القرى إذا كان المفوَّض إليه سَمَاعَ البينة ونقلها دون الحكم، كفاه العلم بشرائط البينة، فلا يشترط فيه رتبة الاجتهاد.
الثاني: قال القاضي الرُّويانيُّ في "التجربة": نَصُّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في "المبسوط" يدل على أن الحاكِمَ الشافعيِّ لا يجوز أن يستخلف من يخالفه، والمذهب المشهور خلافه؛ لأن الحاكم يعمل بما يؤديه إليه اجتهاده، بل لو شرط على النائب أن يخالف اجتهاده ويحكم باجتهاد المنيب، لم يجز، وكذا إذا جاز تولية المقلِّد للضرورة فاعتقاد مقلده في حقه كاجتهاد المجتهد، فلا يجوز أن يشترط عليه الحكم بخلاف اعتقاد مقلّده.
ولو خالف، وشرط الحنفي على النائب الشافعيِّ الحُكْمَ بمذهب أبي حنيفة، قال في "الوسيط": له الحكم في المسائل المتفقة بين الإِمامَيْن، وفي المختلف فيها لا يحكم، أما بمذهب أبي حنيفة، فلأنه يخالف معتقده، وأما بمذهب الشافعيِّ -رضي الله عنه- فلأنه غير مأذون فيه، وهذا حكم بصحة الاستخلاف، ورعاية للشرط، ولكن أقْضَى القُضَاة الماوَرْدِيَّ، وصاحِبَي "المهذَّب" و"التهذيب"، وغيرهم قالوا: لو قلَّد الإِمام رجلاً القضاءَ على أن يقضي بمذهب عَيَّنَه، بطل الشَّرْط والتقليد جميعاً، فقضية هذا: بطلان الاستخلاف هناك.
وفي فتاوى القاضي الحسين: أن الإِمام الحنفيَّ، إذا ولى شافعياً بشرط أَلاَّ يقضي بشاهد ويمين، ولا على غائب تصح التولية، ويلغو الشرط، حتى يقضي بما يؤدي إليه اجتهاده، فقضية هذا: ألا يراعى الشرط هناك، قال الماوَرْدِيُّ: ولو لم تجز صيغة الشرط، ولكن قال الإِمام: قلدتك القضاء، فاحْكُم بمذهب فلان، ولا تحكم بمذهب فلان، صح التقليد، ويلغو الأمر والنهي، وكان يجوز أن يجعل هذا الأَمْر شرطاً وتقييداً، كما لو قال: قلَّدتُّك القضاء، فاقْضِ في موضع كذا، وفي يوم كذا.
ولو قال: لا تحكم في قتل المسلم بالكافر، والحرِّ بالعبد، جَازَ، وكان قَصْراً

لعمله على بقية الحوادث، وحكى وجهين فيما لو قال: لا تقضِ فيهما بالقصاص: أنه يلغو، أو يكون منعاً له من الحكم بالقصاص نفياً وإثباتاً.
الثالث: حيث لا يجوز الاستخلاف، فلو استخلف، فحكم الخليفة باطل، نعم، لو ترافع إليه الخصمان ورضيا بحكمه، فيكون كالحكم، وليس للقاضي إنفاذ حكمه، بل يستأنف الحكم بين الخصمين، وعن أبي حنيفة فيما حكاه صاحب "التلخيص": إذا أنفذ القاضي حكمه، نفذ وإذا جاز الاستخلاف، فلو استخلف من لا يصلح للقضاء، فحكمه باطل أيضاً، ولا يجوز إنفاذه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: لَوْ نُصَّبَ فِي البَلَدِ قَاضيَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ يَخْتَصُّ بِطَرَفٍ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَ اتَّفَاقَهُمَا فِي كُلِّ حُكْمٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَثْبَتَ الاسْتِقْلاَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَوَجْهَانِ، ثُمَّ إِذَا تَنَازَعَ الخَصْمَانِ فِي الاخْتِيَارِ أَوْ ازْدَحَمَ مُتَدَاعِيَانِ فَالْقُرْعَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا نصب الإِمام قاضيين في بلد واحد، نُظِرَ؛ إن خصص كل واحد منهما بطرف من البلد، أو عين لكل واحد منهما زماناً، أو جعل أحدهما قاضياً في الأموال والآخر في الدماء والفروج، جاز قال القاضي ابن كج: وكذا لو ولاَّهما على أن يَحْكُم كلُّ واحدٍ منهما في الواقعة التي يرفعها إليه المتخاصمان، وإن عمم ولايتهما مكاناً وزماناً وحادثة، فإن شرط عليهما الاجتماع في الحكم، لم يجز؛ لأن الخلاف في مواقع الاجتهاد مما يكثر، فتنفى الخصومات عن مقصوده.
وإن أثبت لكل واحد منهما الاستقلال، فوجهان: أحدهما: لا يجوز، كما في الولاية العظْمَى ولأن الخصمين يتنازعان في اختيارهما، وفي إجابة داعيهما.
وليس أحدهما بأولَى من الآخر بخلاف الإِمام مع القاضي، والقاضي مع الغائب، فعلى هذا إن ولاهما معاً، بطلت توليتهما.
وإن ولى على التعاقب، صحَّت تولية الأول، وأصحُّهما الجواز، كنصب الوكيلين والوصيين، فعلى هذا يُجابُ من سبق داعيه، فإن جاءا معاً، حكمت القرعة، وإذا تنازعا في اختيار القاضيين، أطلق في الكتاب أنه يحكم بالقرعة.
وقال القاضي الماوَرْدِيُّ: القول قول الطالب دون المطلوب، فإن تساويا، حَضَرَا عنْد أقرب القاضيين إليهما، فإن استويا في القرب، ففي أحد الوجهين يقرع، وهو الأظهر، وفي الآخر، يُمنعَان من التخاصم، حتى يتفقا على أحدهما، وإن أطلق، نصب اثنين، ولم يشترط عليهما الاجْتِمَاعَ، ولا صرح بالاستقلال، فعن صاحب "التقريب" يحمل على إثبات الاستقلال 1، تنزيلاً للمُطْلَق على ما يجوز، وعن غيره: أنَّ التولية

فاسدةٌ، ما لم يصرح بإثبات الاستقلال والله أعْلَمُ 1. قَالَ الغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ التَّحْكِيِمُ جَائِزٌ عَلَى أَضْعَفِ القَوْلَيْنِ فِي الأَمْوَالِ، وَفِي النِّكَاحِ خِلاَف مُرَتَّبٌ وَأَوْلَى بِالمَنْعِ، وَفِي العُقُوَياتِ أَوْلَى بِالمَنْعِ مِنَ النِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَ فِي البَلَدِ قَاضٍ فَهُوَ أَبْعَدَهُ، ثُمَّ إِنْ جَوَّزْنَا فَلَيْسَ لَهُ الحَبْسُ وَاسْتِيفَاءُ العُقُوَبةِ، وَلاَ يَنْفُذْ حُكْمُهُ عَلَى غَيْرِ المُتَراضِيَيْنِ حَتَّى لاَ يَضْرِبَ دِيَةَ الخَطَأَ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّاضِي بِحُكْمِهِ، وَهَلْ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الرِّضَا بعَدْ الحُكْمِ لِنُفُوذِهِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هل يجوز أَن يُحَكِّم الخصمان واحداً من الناس ليحكم بينهما: وهل لحكمه اعتبار؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن تقليد القضاء من مناصب الإِمام، فلا يثبت للآحاد، ولأن فيه تفويت الحكومات على القاضي، وتفويت رأيه ونظره فيها.
والثاني: نعم؛ لما رُوِيَ أن عُمَرو أبَيِّ بْنَ كعْبٍ -رضي الله عنهما- تحاكما إلى زيْدِ بْن ثابتٍ 2، وأن عثمان وطلحة تحاكَمَا إلى جُبَيرْ بن مُطْعم -رضي الله عنه 3 - ورُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضياً بِهِ، فَلَمْ يَعْدِلْ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ" 4 ولو لم يكن لحكمه اعتبار ولزوم، لَمَا كان لَهذَا التهْديد معنى، وهذا أضعف القولين عند الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- وأقواهما عند المُعْظَم، منْهم الشيخ = شئت أو إلى فلان ولم يقل عني ولا عنك، فصحح البغوي أنه يحمل على كونه عن الوصي حتى لا يصلح ولم ينزل المطلق على ما يجوز.
قال في هامش أسنى المطالب: قلت ويمكن الفرق بأن المصنف منع وصاية الوصي إلا أن صرح الموصي بأن يوصي عنه بخلاف تولية القضاء فإنه جائز والظاهر من اللفظ إرادة الاستغلال.

أبو حامد وأتباعه والقاضي الرُّويانيُّ -رحمهم الله- ثم اختلفوا في محلِّ القولين من وجهين: أحدهما: هل يجري القولان في جميع ما يقع فيه التداعي؟ فيه طريقان: أحدهما: وهو اختيار القاضي ابن كج -لا، بل يختص بالأموال، فأما النكاح واللعان والقصاص وحد القذف، فلا يجوز التحكيم فيها؛ لأنها أمور خطيرة، فَتُنَاطُ بنَظَر القاضي ومنْصِبِه.
والثاني: وبه قال الأكثرون أن الخلاف جارٍ في جميع ما يقع فيه التَّداعِي؛ لإِطلاق الخبر السابق، وحدودُ اللهِ تعالَى لا يُحْكَم فيها، إذْ لَيْسَ لها طالبٌ معيَّن، وفي "التهذيب" وغيره ما يقتضي ذهاب بعضهم إلى إجراء الخلاف فيها.
والثاني: هل من فرق بين أن يكون في البلد قاضٍ أو لا يكون؟ فيه طرق: أظهرهما: أنه لا فرق، وقال قائلون: القولان فيما إذا كان هناك قاضٍ، أما إذا لم يَكُنْ، فيجوز للضرورة، وعكس عاكسون، فقالوا: القولان فيما إذا لم يكن قاض، فإن كان، لم يَجُزْ بلا خلاف محافظةً على منصب القاضي.
التفريع: إذا جوزنا التحكيم، فيشترط في المُحَكَّم صفاتُ القاضي ولا ينفذ حكمه إلا على مَنْ رضي بحُكْمه، حتى لا يضرب دية القتل الخطأ على العاقلة، إذا لم يرضوا بحكمه، ولا يكفي رضى القاتل، وفيه وجه آخر: أنه يكفي، والعاقلة تبع له.
قال الشيخ أبو الفَرَجِ السَّرْخَسِيُّ: هذان الوجهان مخصوصان بقولنا: إن الدية تجب على الجاني، ثم على العاقلة يتحمَّلُون عنه.
فأما إن قلْنا: إنها تجب على العاقلة ابتداءً، فلا خلاف في أنه لا تُضْرَب عليهم عنْد عَدَم الرِّضى وهذا حسن.
وذَكَرَ في الفَصْل شيئين آخرين: أحدهما: أن رضا المتحاكمين إنَّما يُشْتَرَطُ، إذا لم يكن أحد المتحاكِمَيْنِ القاضِي نَفْسَه، فإن كان فهل يُشترَط رضا الآخر؟ حكى فيه اختلاف نص، وأن الظاهر أنه لا يُشْتَرط، وليكن هذا مَبْنِيّاً على جواز الاستخلاف، إن جاز، فالمرجوع إليه نائب القاضي.
والثاني: أنه يُشْتَرَطُ على أحد الوجهين أَنْ يكُونَ المتحاكِمَان، بحيث يجوز للمحكَّم أن يحكم لكل واحد منهما، حتى إذا كان أحدهما ابنه أو أباه، لم يجز التحكيم وليس للمحكَّم الحبس، بل عليه الإثبات والحكم، وفيه وجه بعيدٌ: أنه يحبس كالقاضي، وبم يلزم حكمه؟ فيه قولان، ويُقَالُ وجهان: أحدهما: بتراضيهما بعد الحكم، وبه قال المزنيُّ؛ لأن رضاهما مُعْتَبَرٌ في

الحكم، فكذلك في لزومه، وهذا أشبه بما قيل في قسمة من تراضي الشريكان بقسمته على ما سيأْتي.
وأصحُّهما: على ما ذكر القاضي الرويانيُّ، ويُحكَى عن أبي حنيفة ومالك وأحمد -رحمهما الله- أنه يلزم بنفسه كحكم الحاكم، ويدل عليه الخبر الذي سبق.
ومهما رَجَعَ أحد الخصمين قبل أن يحكم، امتنع عليها الحكم حتى لو أقام المُدعي شاهدين، فقال المدَّعَى عليه: عَزَلْتُكَ، لم يكن له أن يحكم، وعن الإصطخري -رحمه الله- فيما إذا أحسَّ المدَّعَى عليه بالحكم تخريج وجهين؛ في أَنَّه هلَ يُمَكَّن من الرجوع والظاهر الأول، وإذا جوَّزْنا التحكيم في غير الأموال، فإذا خطب رجلٌ امرأةً وحكما رجلاً في التزويج، كان له أن يزوج، قال الرويانيُّ: وهذا هو الأصح، واختيار الأستاذ أبي إسحاق وأبي طاهر الزيادي، وغيرهما من المشايخ، وإنَّمَا يجوز فيه التحْكِيم، إذا لم يكن لها ولِيٌّ خاصٌّ من نسيب أو مُعْتَق، وشرط في بعض الشروح أَلاَّ يكون هناك حاكم.
وحكى صاحب "العدة".
القاضي أبو المكارم الطبريُّ ابن أخت الروياني وجهين في اشتراطه، وليكن هذا مبنياً على الطريقة الفارقة بين أن يكون في البلد حاكمٌ أو لا يكون، وإذا رُفِعَ حُكْمُ المحكِّم إلى القاضي، لم ينقضه إلا بما ينقض قضاء غيره، وقال أبو حنيفة: له نقضه إذا لم يوافق رأيه، بخلاف قضاء القاضي وقوله في الكتاب "وفي النكاح خلاف مرتب" إلى آخره، يشير إلى الطريقتين المذكورتين في أن الخلاف، هل يجري في غير الأموال؟ ووجه ترتيب النكاح على الأموال أنه أتم خَطَراً، وأجدر بالاحتياط، ووجه ترتيب العقوبات على النكاح؛ أنه يسعى في دفعها, ولا يُوَسّع بابها.
وقوله: "فَلَيْسَ له الحبس" معلم بالواو.
وقوله "واستيفاء العقوبة"، أراد به أنه وإن حكم بشيء من العقوبات كالقصاص وحد القذف، فإنَّه لا يستوفيه، قال في "الوسيط": لأن ذلك يخرم أبَّهة الولاة.
هذا شرحُ الفَصْلِ الأولِ المعقودِ في التولية ونختمه بمسائل أُخر تتعلق بالتولية.
يجب على الإِمام نصب القاضي في كل بلدة وناحية عَرَفَ أنها خاليةٌ عن القاضي؛ إما بأن يبعث إليهم قاضياً من عنده، أو بأن يختار منهم من يصلح لذلك، ثم إن عرف من حال من يوليه عِلْماً وعدالةً، فذاك، وإلا أحضره وجمع بينه وبين أهل العلم؛ لِيَقِفَ عَلَى قَدْر علمه، ويسأل عن سيرته جيرانَه وخلطاءه، وإذا وَلَّى من لا يعرف حاله، لم تنعقد التوليةُ، وإن عرف من بعد أَنَّه بصفات القضاة.

ويجوز أن يجعل الإِمام نصب القاضي إلى والي الإِقليم، وأمين البلدة، وإن لم يكن المجعول إليه صالحاً للقضاء؛ لأنه سفير محقق، وكذا لو فرض إلى رجل من عُرْض الناس اختيار قاض، وليس له أن يختار والدَهُ ووَلَدَهُ، كما لا يختار نفسه، ولو قال لأهل بَلْدَةٍ: اختاروا رجلاً منكم، وقلَّدوه القضاء؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهين.
أشبههما: الجواز، ولا بدّ في التولية من تعيين محِّل ولايته من بلدةٍ أو قريةٍ أو ناحيةٍ؛ ولا بدّ من تعيين المُوَلَّى، فلو قال وَلَّيْتُ أحد هذين، أو من رغب في القضاء ببلدة كذا من علمائها, لم يجز، ولو قال: فوضت إلى فلان وفلان، فهذا نصب قاضيين.
وفي كتاب "الأحكام السلطانية" للقاضي الماوَرْدِيِّ -رحمه الله- أن تولية القضاء تنعقد بما ينعقد به الوكالة، وهو المشافهة باللفظ، والمراسلة، والمكاتبة عند الغيبة، ويجيء في المراسلة والمكاتبة خلاف كما مرَّ في الوكالة، وإن كان الظاهر ما ذكره، وفيه أن صريح اللفظ قوله: وليتك، واستخلفتك، واسْتَنَبْتُكَ، ولم يذكر التفويض بصيغة الأمر، بأن يقول: اقضِ بين الناس، أو احكم ببلدة كذا.
وهو ملحق بالصريح كما في الوكالة، وفيه أن الكنايات اعتمدت عليك في القضاء، أو عولت عليك أو رَدَدتُّه إليك, أو فُوَّضْتُ، أو وكَّلت، أو أسنِدت، فينبغي أن يقترن بها ما يلحقها بالصريح، ولا يكاد يتضح فرق بين أن يقول: وليتك القضاء، وبين أن يقول: فوضته إليك 1 وفيه أن عند المشافهة يُعْتَبَرُ القَبُول على الفور، وفي المراسلة والمكاتبة: لا يُعْتَبَرُ الفَوْر، كما سبق في الوكالة، خلاف في أنه هل يُشتَرط القبول؟ وذكرنا أنه إن كان شرطاً، فالأظهر أنه لا يُعتبَر فيه الفور، فليكن كذلك هاهنا.
ويجوز تعميم التولية وتخصيصها، إما في الأشخاص، بأن يوليه القضاء بين سُكَّان محله أو قبيلةٍ أو في خصومات شخصين معينين، وكذا لو ولاَّه القضاء بين من يرده في داره، أو مسجده من الخصوم، وإما في الحوادث، بأن يوليه في الأنكحة دون الأموال، أو في قدر معيَّن من المال، وإمَّا في طرف الحكم؛ بأن يوليه القضاء بالإقرار دون البينة، وإما في الأمكنة، وهو ظاهر، وإما في الأزمان؛ بأن يوليه سنةً أو يوماً معيناً أو يوماً سماه من كل أسبوع، وذكر القاضي ابن كج وجهاً: أنه إذا قال: قَلَّدتُّك سنةً، بطَلَتِ التَّوْلِيَّةُ، كما في الإِمامة، والظاهر الأول تشبيهاً بالوكالة، ولو كان كالإِمامة، لما جاز سائر التخصيصات.
ومن ولى القضاء مطلقاً، استفاد بالتولية المطْلَقَةِ سَمَاعَ البَيِّنَة والتحليف، وفصل

الخصومات بحكم باتٍ أو يصلح عن تراضٍ، واستيفاء الحقوق، والحبس عند الحاجة، والتعزير وإقامة الحدود، وتزويج اللواتي ليس لهن وليٌّ خاصٌّ، والولاية في مال الصغار والمجانين والسفهاء، والنظر في الضَّوال، وفي الوقوف حفظاً للأصول، وأيضاً إيصالاً للغلات إلى مصارفها بالفحص عن حال المتولِّي، إذا كان لها متولَّى، وبالقيام به، إذا لم يمكن، قال القاضي الماوَرْدِيُّ: ويعمم في الوقوف العامة والخاصة؛ لأن الخاصة ستنتهي إلى العموم أيضاً، والنظر في الوصايا، وتعيين المصروف إليه، إذا كانت الوصية لجهة عامة، بالقيام بها، إن لم يكن وصيٌّ، وبالفحص عن حاله، إن كان، والنظر في الطرق، والتعدي فيها بالأبنية، وإشراع ما لا يجوز إشراعه من الأجنحة، قال القاضي أبو سعد الهرويُّ: ونصب المفتيين المُحتسبين وأخذ الزكوات.
وفصل الماوَرْدِيُّ أمر الزكوات؛ فقال: إن أقام الإِمام لها ناظراً، أخرجت من عموم ولاية القاضي، وإلا، فوجهان، ويشبه أن يطرد هذا التفصيل في المحتسبين، وكذلك القول في إمامة صلاة الجمعة والعيدين، ويقرب من هذه الأمور نصب الأئمة في المساجد، وليس للقاضي جباية الخراج والجزية بالتولية المطلقة في أظهر الوجهين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي العَزْلِ: وَفِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: أَنَّ طَرِيَانَ الجُنُونِ وَالعَمَى وَالنِّسْيانِ يُوجِبُ الانْعِزَالَ، وَكَذَا طَرَيَانُ الفِسْقِ علَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ عَادَتْ وِلايَتُهُ عَلَى أَضْعَفِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في عزل القاضي وانعزاله مسائل: إحداها: إذ جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه أو عمي أو خرس أو خرج عن أهلية الضبط والاجتهاد بغفلة أو نسيان لم ينفذ حكمه في هذه الأحوال 1، وكذا لو فسق في أصح الوجهين، بخلاف الإِمام الأعظم إذا فسق، لما في إبطال ولايته من اضطراب الأمور وحدوث الفتن.
وإذا طرأت هذه الأحوال وزالت، ففي عود ولاية القاضي وجهان، قد ذكرناهما في باب الوصاية.

وأصحهما: أنها لا تعود إلا بتولية مستأنفة، وبالثاني أجاب صاحب "التلخيص" تخريجاً من قول الشافعيِّ -رضي الله عنه- في أهل البَغْي؛ لأنهم لا يقاتَلُون حتى يناظَرُوا ويُسْأَلُوا ماذا يَنْقِمُون؟ فقد يَسْأَلُون عزل عامل يذكرون جَوْرَة، فلو كان العامل ينعزل بالجور، لقال: يَدَعُون انعزاله بالجَوْر، ولم يقل يَسْأَلون عزله، إلا أنه لم يطرد جوابه في صورة الردة، وسلم أنه إذا تاب بعد الردة، احتاج إلى عقد جديد.
قال الشيخ أبو زيد: والقياس: التسوية، وفي "أمالي أبي الفرج السرخسي": القطع بأنه إذا زال الإِغماء، عادت الولاية، بخلاف الجنون، ولو أخبر الإِمام بموت القاضي أو فسقه، فولى قاضياً، ثم بان خلافه، لم يقدح ذلك في تولية الثاني.
وقوله في الكتاب "يوجب الانعزال" أراد بالانعزال بطلان الحكمِ والنظرِ في الحال، لا البطلان الكلِّي؛ إذ لو أراد البطلان الكُلِّي، لم يحسن ذكر الوجهين بَعْد ذلك في عود الولاية.
ومسألة عود الولاية بعد الإِفاقة من الجنون، قد ذكرناها مرة في باب الوصاية، وكذا مسألة طريان الفسق، إلا أَنه لم يذكر الخلاف هناك، واقتصر على الجواب الأصح، ولفظ الانعزال في ذلك الباب أيضاً محمول على ما ذكرناه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ العَزْلُ عِنْدَ ظُهُورِ خَلَلٍ، وَيَجُوزُ بِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ غيْرِ خَلَلٍ، وَبِمِثْلِهِ وَمَنْ دُونَهُ لاَ يَجُوزُ إلاَّ لِمَصْلَحَةٍ لَكِنْ إِنْ فَعَلَ نَفَدَ لِلمَصْلَحَةِ وَطَاعَةِ السُّلْطَانِ، وَهَلْ يَقِفُ الانْعِزَالُ عَلَى بُلُوغِ الخَبَرِ؟ قِيلَ: هُوَ كَالوَكيلِ، وَقِيلَ: يُقْطَعُ بَأَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ للِضَّرَرِ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَأَنْتَ مَعْزُولٌ انْعَزَلَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَنْعَزِلُ قَبْلَ القِرَاءَةِ، وَيَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ كُلُّ مَأْذُونٍ فِي شُغُلٍ مُعَيَّنٍ، وَفِي نَائِبِهِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ خِلاَفٌ، وَالقْضَاةُ لاَ يَنْعَزِلُونَ بِمَوْتِ الإِمَامِ وَانْعِزَالَهِ للِضَّرَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود المسألة بيان أمور: أحدها: أن العزل متى يجوز؟ فإن ظهر من القاضي خَلَل، فللإمام عزله، قال في "الوسيط": ويكفي فيه غلبة الظن، وإن لم يظهر خلل، فإن لم يكن ثَمَّ مَنْ يصلح للقضاء، فلا يجوز عزله، ولو عزله، لم ينعزل، وإن كان هناك صالح آخر، فإن كان أفضل، جاز عزله به، وانعزل المفضول، وإن كان مثله، أو دونه، قال الإِمام: يُنْظَرُ؛ إن كان في العزل به مصلحةٌ من تسكين فتنة ونحوه، فللإِمام أن يعزله به، وإن لم يكن فيه مصلحة لم يجز عزله به، ولو فعله، هل ينفذ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا, لأنه لا خلل في الأول ولا مصلحة في عزله.

وأشبههما: نعم، للمصلحة وطاعة السلطان، وهذا هو المذكور في الكتاب واختيار الإِمام.
ومهما كان العزل في محل النظر، واحتمل أن يكون فيه مصلحة، فلا اعتراض فيه على الإِمام، ويُحكم بنفوذه، وفي بعض الشروح: ذكر وجهين في أن تولية قاض بعد قاض، هل يكون عزلاً للأول؟ وليكونا مبنيين على أنَّه، هل يجوز أن يكون في بلد قاضيان؟ وللقاضي أن يعزل نفسه كالوكيل، وفي الإقناع للماوَرْدِيِّ: أنه إذا عزل نفسه، لم يُعْزَلْ إلا بعلْمِ مَنْ قَلَّده.
والثاني: هل ينعزل القاضي قبل أن يبلغه خبر العزل؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على قولين، كالوكيل، وبهذا قال صاحب "التلخيص" والقاضي ابن كج.
وأصحُّهما: وبه قال أبو زيد: القطع بأنه لا ينعزل؛ لِعِظَمِ الضرر في ردِّ أقضيته 1 بعد العزل، وقبل بلوغ الخبر، ثم الخلاف فيما إذا عزله لفظاً أو كتب إليه: أني عزلتك، أو أنت معزولٌ، فأما إذا كتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا، فأنت معزول، فلا ينعزل قبل أن يأتيه الكتاب بحال، وإن كتب: إذا قرأْتَ كتابي، فأنت معزول، فلا ينعزل قبل القراءة.
ثم إذا قرأ بنفسه، فذاك، وإن قُرِئَ عليه، فوجهان: أحدهما: لا ينعزل كصورة اللفظ.
وأصحُّهما: الانعزال، وهو المذكور في الكتاب 2؛ لأن غرض الإِمام إعلامه

صورة الحال لا قِرَاءَتُهُ بنفسه، ففي مثله في الطلاق، الأظهر ألاَّ يقع الطلاق؛ لأن الطلاق قد يعلق على قرائتها خاصةً فيتبع اللفظ، ولو كان أميّاً؛ تفريعاً على جوازه، فقُرِئَ عليه، فالحكْمُ بالانعزال أولَى، والظاهر في مثله من مسألة الطلاق الوقوعُ.
والثالث: فيمن ينعزل بموت القاضي وانعزاله وينعزل به كلُّ مأذون له في شغل معين؛ كبيع على ميت أو غائب، وسماع شهادة في حادثة معينة، وأما من استخلفه في القضاء، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: ينعزل كالوكيل بموت الموكِّل، وهذا ما أورده القاضي الرُّويانيُّ.
والثاني: المنع رعايةً لمصلحة النَّاس.
وأظهرها: أنه ينعزل، إن لم يكن القاضي مأذوناً في الاستخلاف لأن الاستخلاف في هذه الحالة، إنما يجوز لحاجته إلى من يعاونه في العمل، فإذا زالت ولايته بَطَلَت المعاونة، وإن كان مَأْذوناً في الاستخلاف، فَيُنْظَرُ؛ إن قال: استخلف عني، فاستخلف عنه، لم ينعزل خليفته؛ لأنه مأذون من جهة الإِمام، وكان الأول سفيراً في التولية، وإن قال: استخلف عن نفسك، أو أطلق، فينعزل؛ لظهور غرض المعاونة وبطلان المعاونة ببطلان ولايته.
ولو نصَّب الإِمام بنفسه نائباً عنه، فقد ذكر الشيخ أبو الفرج السرخسيُّ: أنه لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون من جهة الإِمام، ويجوز أن يُقَالَ: إذا كان الإِذن مقيَّداً بالنيابة، ولم يبق الأصل، لا يبقى النائب، ويتخرج على هذا الخلاف والتفصيل؛ أن القاضي هل له أن يعزل الخليفة.
القوَّام على الأيتام والأوقاف جعلهم صاحب الكتاب في "الوسيط" في معنى الخلفاء، والمشهورُ أنَّهُمْ لا ينعزلون بمَوْتِ القاضي وانعزاله من غير خلاف.
كَيْلاَ تختلَّ أبواب المصالح، وصار سبيلهم سبيلَ المُتَوَلِّين المنصوبين من قبل الواقفين 1. = والمصنف في الروضة تبعاً له ولم أكن مستحضراً لذلك حين كتابتي هذا في القاضي، وإذا كان هذا في الزوجة مع أن مراعاة حقائق الألفاظ في تعليق الطلاق معتبرة، ففي القاضي أولى، انتهى.

والقضاةُ والولاةُ لا ينعزلون بموت الإِمام الأعظم وانعزاله، لشدة الضرر؛ في تعطيل الحوادث إلى أن يُنَصَّبَ إمامٌ، وتُنَصَّب قضاة والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالثَةُ: لَوْ قَالَ بَعْدَ العَزْلِ: قَضَيْتُ بَكَذَا لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ إلاَّ بحُجَّةٍ، وَلَوْ شَهِدَ مَعَ عَدْل أَنَّ هَذَا قَضَى بِهِ قَاضٍ وَلَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ فَوَجْهَانِ، وَقَبْلَ العَزْلِ يُقْبَل قَوْلَهُ بِغْيِر حُجَّةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ.
إذا قال القاضي بعد العزل: كنْتُ حكَمْتُ لفلان بكذا، لم يُقْبَلْ؛ لأنه لا يملك الحكمَ حينئذٍ، فلا يقبل إقراره به، وإنما يثبت حكمه بالبينة 1، فإن شهد مع آخر على أنه حكم به، ففي قبول شهادته وجهان: أحدهما: وبه قال الإِصطخري: أنها تُقْبَلُ؛ لأنه لا يُجْرِي بشهادَتِهِ نفعاً إلى نفْسِه، ولا يدفع ضرراً.
والثاني: لا يُقْبَل؛ لأنه يشهد على فعل نفسه 2 وهذا أصح باتفاق الأصحاب.
كما إذا شهدت المرضعة على فعْلِ نَفْسِها؛ فقالت: أرضعتها، ففي قبول شهادتها وجهان مذكوران في "الرِّضَاع" واختلفوا في الراجح منهما؛ فمن رجح الوجه الذاهب إلى عَدَمِ القبول هناك؛ استوى البابان عنده، ومَنْ رجَّح القبول؛ فرق بأنَّ فعْلَ الحاكم مقصود، وفعل المرضعة لا اعتبار به، وإنما المعتبر وصول اللبن إلى الجوف، وبأن شهادته على حكمه يتضمن تزكية نفسه؛ لأن الحاكم لا بدَّ وأن يكون عَدْلاً، والمرضعة بخلافه، وإن قلْنا: بالأصح، فلو شهد المعزُولُ مع غيره أن حاكماً جائز الحكم حَكَم بكذا, ولم يضف إلى نفسه فوجهان: = لو شرطه لزيد ثم لعمرو فنصب زيد لنفسه نائباً فيه ثم مات زيد فإنه ينعزل نائبه لا محالة ويصير النظر لعمرو بالشرط، انتهى.
وهذا موضع مهم ثم رأيت كلام الشيخ البلقيني في ذلك فقال: ويستثنى من ذلك ما إذا شرط الواقف النظر لقاضي البلدة فلأن ما تام عنه ناظراً ثم مات القاضي فإنه ينعزل الناظر الذي أقامه من جهته لأنه ليس نظره بوصف القضاء مطلقاً بل بوصف القضاء بقيد تعيينه، فإذا زال عنه القضاء بعزل وانعزال أو بموت انعزل نائبه لأنه ليس نائب نظر قضاء صرف وصار نائب النظر المعين ينعزل بانعزاله.
انتهى، وهذا ضرب غير الضربين الأولين من جهة تعيينه.

جارٍ التحميل