وتجوز الإقالة في بعض المُسَلّم فيه أيضاً، لكن لَوْ أقاله في البَعْض ليعجل له الباقي، أو عجل المُسَلَّم إليه البعض لِيُقيله في الباقي فهي فاسدة 1.
وأما قوله: "ولا يتوقَّف الرد بالعيب... " إلى آخره، فقد ذكرته من قبل.
ونختم الباب بفروع:
أحدها: الثَّمن المُعين إذا خرج معيباً يرد بالعيب كالمبيع، فإن لم يكن معيباً فيستبدل ولا يفسخ العقد، سواء خرج معيباً بخُشونة أو سواد، أو ظهر أن سَكَّته مخالفة لسَكَّة النَّقْد الذي تناوله العقد أو خرج نحاساً أو رصاصاً.
ولو تَصَارفا وتقابضا، ثم وجد أحدهما بما قبض خَلَلاً فله حالتان:
إحداهما: أن يَرِدَ العقد على مُعَينين، فإن خرج أحدهما نحاساً فالعقد باطل؛ لأنه بَانَ أنه غير ما عقد عليه.
وقيل: إنه صحيح تغليباً للإشارة، وهذا إذا كان له قيمة، فإن لم يكن لم يجِئ فيه هذا الخلاف، وإن خرج بعضه بهذه الصِّفة بطل العقد فيه، وفي الباقي قَوْلا تَفْرِيق الصَّفقة إن لم تبطل فله الخيار، فإن أجاز والجنس مختلف، بأن تبايعا فِضَّةً بذهب، جاء القولان في أن الإِجَازة بجميع الثمن أو بالحِصّة، وإن كان الجنس متفقاً، فالإجازة بالحِصّة لا محالة لامتناع الفَضْل.
وإن خرج أحدهما خَشِناً أو أَسْوَدَ، فَلِمَنْ أخذه الخِيَارُ، ولا يجوز الاستبدال، وإن خرج بعضه كذلك فله الخِيَار أيضاً، وهل له الفسخ في المعيب والإجازة في الباقي؟ فيه قَوْلاً التَّفريق، فإن جوزنا فالإجازة بالحِصّة؛ لأن العقد صح في الكُل فإذا ارتفع في البعض كان بالقِسْط.
الحالة الثَّانية: أن يرد على ما في الذمة ثم يَحْضُرَا ويتقابضَا فإنْ خرج أحدهما نحاساً وهما في مجلس العقد استبدل، وإنْ تفرقا فالعقد باطل؛ لأن المقبوض غير ما ورد عليه العقد، وإن خرج خَشِناً أو أسود، فإن لم يتفرقا بعد فهو بالخيار بين الرِّضَا به وبين الاستبدال، وإن تفرقا فهل له استبداله؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه قبضه بعد التّفرق.
وأصحهما: نعم، كالمُسَلَّم فيه إذا خرج معيباً، وهذا لأن القبض الأول صحيح، إذ لو رَضِيَ به جاز، والبدل مأخوذ، فقام مقام الأول، ويجب أخذ البَدَل قبل التّفرق عن مجلس الرَّد.
وإن خرج البعض كذلك وقد تفرقا، فإن جوزنا الاسْتِبْدَال استبدله، وإلاَّ فهو بالخِيَار بين فسخ العقد في الكل والإجازة، وهل له الفسخ في ذلك القدر والإجازة في الباقي؟ فيه قولا التفريق.
ورأس مال السَّلَم حكمه حكم عوض الصَّرف، ولو وجد أحد المُتَصَارفين بما أخذ عيباً بعد تلفه، أو تبايعا طعاماً بطعام، ثم وجد أحدهما بالمَأْخوذ عيباً بعد تلفه، نظر إنْ ورد العقد على معَينين، أو على ما في الذِّمة وَعُين، وقد تفرقا ولم نُجَوِّز الاستبدال، فإن كان الجنس مختلفاً فهو كبيع العرض بالنّقد، وإن كان متفقاً ففيه الخلاف الذي سبق في مسألة الحُلِيّ، وإنْ ورد على ما في الذِّمة ولم يتفرّقا بعد غُرْم ما تلف عنده ويتسبدل، وكذا إنْ تفرقا وجوزنا الاستبدال.
ولو وجد المُسلّم إليه برأس مال السّلم عيباً بعد تَلَفِهِ عنده، فإن كان مُعيناً أو في الذمة وعين وقد تفرّقا ولم نجوّز الاستبدال، فيسقط من المُسلّم فيه بقدر نُقْصان العيب من قيمة رأس المال، وإن كان في الذّمة وهما في المجلس يقوم التالف ويستبدل، وكذا لو كان بعد التَّفرق إذا جوزنا الاستبدال.
الثاني: باع عَبْداً بألف وأخذ بالألف ثوباً، ثم وجد المشتري بالعبد عيباً ورده.
فعن القاضي أبي الطَّيِّب: أنه يرجع بالثوب؛ لأن الثوب إنما مَلَكه بالثمن، وإذا فسخ البيع سقط الثمن عن ذمة المشتري فيفسخ بيع الثوب به.
وقال الأكثرون: يرجع بالأَلْفِ، لأن الثَّوب مملوكٌ بعقد آخر، ولو مات العبد قبل القبض وانفسخ البيع.
قال ابن سُرَيجٍ: يرجع بالأَلْف دون الثوب؛ لأن الانْفِسَاخ بالتَّلَف يقطع العقد ولا يرفعه من أصله وهو الأصح.
وفيه وجه آخر.
الثالث: باع عصيراً حُلْواً فوجد المشتري به عيباً بعد ما تَخَمَّر، فلا سبيل إلى ردِّ الخَمْر، لكن يأخذ الأَرْش فإن تخلَّل فللبائع أنْ يسترده، ولا يدفع الأَرْش.
ولو اشترى ذِمِّي خمراً من ذمي ثم أَسْلما، وعرف المشتري بالخَمْر عيباً استرد جزءاً من الثمن على سبيل الأَرْش ولا رد، ولو أسلم البائع وحده فلا رَدَّ أيضاً، ولو أسلم المشتري وحده فله الرد قاله ابْنُ سُرَيجٍ، وعلّله بأن المُسَلّم لا يتملّك الخمر، ولكن يُزيل يده عنه.
الرابع: مُؤْنَة ردّ المَبِيع بعد الفسخ بالعيب على المشتري، ولو هلك في يده ضَمِنَهُ.
الخامس: لو اختلفا في الثمن بعد رد المبيع، فعن أبي الحسين أنَّ ابن أبي هريرة قال: أَعْيتني هذه المسألة.
والأَوْلى: أن يتحالفا وتبقى السِّلْعة في يد المشتري، وله الأَرْش على البائع، قيل له: إذا لم يتبين الثَّمن، كيف يُعْرف الأَرْش؟ قال: أَحْكُم بالأرش من القدر المتفق عليه، قاله أبو الحسين.
وحكى أبو محمد الفارسي عن أبي إسحاق: أن القول قول البائع؛ لأنه الغارم، كما لو اختلفا في الثمن بعد الإقالة، وهذا هو الصحيح.
ولو وقعت الحاجة إلى الرّجوع بالأَرْش فاختلفا فِي الثَّمَن، فالقول قول البائع أو المشتري.
روى القاضي ابن كَجٍّ فيه قولين، والأصح الأول.
السَّادس: أوصى إلى رجل ببيع عبده أو ثوبه وشراء جارية بثمنه وإعتاقها، ففعل الوَصِي ذلك ثم وجد المُشْتري عيباً بالعبد، فله رده على الوَصِي، ومطالبته بالثمن كما يرد على الوكيل والوصي يبيع العَبْد المَردود ويدفع الثمن إلى المشتري، ولو فرض الرد، بالعيب على الوكيل فهل للوكيل بيعه ثانياً؟ فيه وجهان:
أحدهما، وبه قال أبو حنيفة: نعم، كالوصي ليتمّ البيع على وجه لا يرد عليه.
وأصحهما: لا، لأنه امتثل المَأْمور، وهذا ملك جديد فيحتاج فيه إلى إذْن جَدِيد ويخالف الإِيْصاء، فإنه تَوْلِية وتفويض كُلِّي.
ولو وكله بأن يبيع بشرط الخيار للمشتري فامتثل ورد المشتري.
فإن قلنا: مِلْك البائع لم يزل فله بيعه ثانياً.
وإن قلنا: زال وعاد فهو كالرد بالعَيْب، ثم إذا باعه الوصي ثانياً، نظر إنْ باعه بمثل الثمن الأول فذاك، وإن باعه بأقَلَّ فالنقصان على الوصي، أو في ذمة المُوصي، فيه وجهان:
أَصحُّهما: الأول وبه قال ابن الحَدَّاد؛ لأنه إنما أمره بشراء الجارية بثمن العبد لا بالزيادة عليه، وعلى هذا لو مات العبد في يده كما رد غَرِم جميع الثمن.
ولو باعه بأكثر من الثمن الأول، فإن كان ذلك لزيادة قيمة أو رَغْبة رَاغبٍ دفع قدر الثمن إلى المشتري والباقي للوارث، وإن لم يكن كذلك، فقد بَانَ أنَّ البيع الأول باطل لِلْغَبْن.
ويقع عِتْق الجارية عن الوَصِي بأن اشترى الجارية في الذمة، فإن اشتراها بِعَيْن
ثمن العبد لم ينفذ الشراء ولا الإِعْتَاق، وعليه شراء جارية أخرى بهذا الثمن، وإعتاقها عن الموصي، هكذا أطلقه الأصحاب، ولاَ بُدَّ فيه من تَقْييدٍ وتأويل، لأن بيعه بالعَيْن وتسليمه عن علم وبصيرَةٍ بالحال خِيَانَةٌ، والأمين ينعزل بالخيانة، فلا يتمكّن من شراء جارية أخرى (1)، -والله أعلم-.
قال الغزالي: (النَّظَر
ُ الثَّالِثُ) فِي حُكْمِ العَقْدِ قَبْلَ القَبْضِ وَبَعْدَهُ،
وَلاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ حُكْم وَصُورَتهِ وَوُجُوبِهِ (أَمَّا الحُكُمُ) فَهُوَ انْتِقَالُ الضَّمَانِ إِلَى المُشْتَرِيَ وَالتَّسَلُّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ إِذِ المَبِيعُ قَبْلَ القَبْضِ في ضَمَانِ البَائِعِ (م)، وَلَوْ تَلِفَ انْفَسَخَ العَقْدُ، وَإِتْلاَفُ المُشْتَرِي قَبْضٌ مِنْهُ، وإِتْلاَفُ الأجْنَبِيِّ لاَ يُوجِبُ الانْفِسَاخ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَلَكنْ يَثْبُتُ الخِيَارُ لِلمُشْتَرِي، وَإِتْلاَف البَائِعِ كإِتْلاَفِ الأَجْنَبيِّ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: مقصود هذا النظر بَيَانُ حكم المَبِيع قبل القبض وبعده على ما فَصَّلناه في أول البيع، وتكلم حجة الإسلام -رحمه الله- فيه في ثلاثة أمور:
أحدها: حكم القَبْض وثمرته.
والثانى: أَنَّ القَبْضَ بِمَ يَحْصُل؟
والثَّالث: وجُوبُهُ والإِجْبَار عليه.
أما الأول فَلِلْقبض حكمان:
أحدهما: انتقال الضَّمَان إِلَى المُشْتَري، فإن المبيع قبل القبض مِنْ ضمان1
البائع 1، ومعناه: أنه لو تلف انفسخ العَقد وسقط الثمن.
وعنْ مالك وأحمد فيما رواه ابن الصَّبَّاغ أنه إذا لم يكن المبيع مَكيلاً ولا مَوْزُوناً ولا معدوداً فهو مِنْ ضمان المشتري، ومنهم منْ أطلق رواية الخلاف عنهما.
لنا أنه قبض مستحق بالبيع، فإذَا تعذَّر انفسخ البيع كما لو تفرقا في عقد الصَّرف قبل التَّقَابض.
إذا تقرَّر ذلك فلو أَبْرأ المشتري البائع عن ضمان المبيع قبل القبض، هل يَبْرَأ حتى لو تلف لا ينفسخ العقد ولا يسقط الثمن.
نقل صاحب "التَّهْذيب" فيه قولين:
أصحهما: أنه لاَ يَبْرَأُ، وحكم العقد لا يتغير، ثم إذا انفسخ البيع كان المَبِيْعُ هالكاً على ملك البائع، حتى لو كان عبدًا كان مُؤْنَة تجهيزه على البائع، وكيف التقدير؟
أنقول بانتقال الملك إليه قبل الهلاك، أو يرتفع العقد من أصله؟ فيه وجهان أخرجهما ابن سُرَيج:
أصحهما، وهو اختياره واختيار ابن الحَدَّاد: أنه لا يرتفع مِنْ أصله، كما في الرد بالعيب والزوائد الحادثة في يد البائع من الولد واللبن والبيض والكسب وغيرهما تخرج
على هذين القولين، وقد ذكرنا نظيرهما في الرد بالعيب قبل القبض، وطردهما طاردون في الإِقالة إذا جعلناها فسخاً، وخرجوا عليهما الزوائد.
والأصح: فيها جميعاً: أنها للمشتري، وتكون أمانة في يد البائع، ولو هلكت والأصل باقٍ فالبيع باقٍ بحاله، ولا خيار للمشتري، وفي معنى الزَّوَائِد الرِّكَاز الذي يجده العَبْد، وما وهب منه فقبله وقبضه، وما أَوْصى له فقبله، هذا حكم التالف بالآفة السَّماوية.
أما إذا أَتْلَف المبيع قبل القبض، فله ثلاثة أقسام:
الأول: أن يُتْلفه المشتري فهو قبض منه على المذهب 1، لأنه أتلف مِلْكه، فأشبه ما إذا أتلف المالك المغصوب في يد الغاصب يَبْرَأَ الغاصب من الضَّمَان، ويصير المالك مستردّاً بالإتلاف.
وحكى الشيخ أبو علي وغيره وجهاً: أن إتلافه ليس بقبض، ولكن عليه القيمة للبائع ويسترد الثمن، ويكون التَّلف من ضمان البائع، هذا عند العِلْم.
أما إذا كان جاهلاً بأن قدم البائع الطَّعام المبيع إلى المشتري فأكله، هل يُجعل قابضًا؟
قال القاضي حسين -رحمه الله- فيه وجهان تفريعاً على، لقولين، فيما إذا قَدّم الغَاصب الطعام المغصوب إلى المالك فأكله جاهلاً، هل يبرأ الغاصب؟
إن لم نجعله قابضًا، فهو كما لو أتلف البائع.
والثاني: أن يُتْلفه أجنبي ففيه طريقان: أظهرهما: أنه على قولين:
أحدهما: أنه كالتَّلف بآفة سَمَاوية لتعذُّر التسليم.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه ليس كذلك ولا ينفسخ البيع 1، لقيام القيمة مقام المبيع، لكن للمشتري الخيار، إنْ شاء فسخ واسترد الثمن ويغرم البائع الأَجنبي، وإنْ شاء أجاز وغرم الأَجنبي.
والثاني: القطع بالقول الثاني، ويحكى هذا عن ابن سُرَيْجٍ.
وإذا قلنا به، فهل للبائع حبس القيمة لأخذ الثمن؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما يحبس المُرْتَهَن قيمة المرهون.
وأظهرهما: لا؛ لأن الحبس غير مقصود بالعقد حتى ينتقل إلى البدل بخلاف الرهن، ولهذا لو أتلف الراهن المرهون غرم القيمة، والمشتري إذا أتلف المبيع لا يغرم القيمة ليحبسها البائع، وعلى الأول لو تلفت القيمة في يده بآفة سَمَاوِية، هل ينفسخ البيع لأنها بدل المبيع؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا.
والثالث: أن يتلفه البائع فطريقان:
أظهرهما: أنه على قولين.
أصحهما: انفساخ البيع كما في الآَفة السماوية؛ لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، فإذا أتلفه سقط الثمن، وبهذا قال أبو حنيفة.
والثاني: المنع كإتلاف الأجنبي؛ لأنه جنى على ملك غيره، فعلى هذا إِنْ شاء المشتري فسخ البيع وسقط الثمن، وإنْ شَاءَ أجاز وغرم البائع القيمة وأدى الثمن، وقد يقع ذلك في أقْوال النقاص.
والثاني: القطع بالقول الأول، فإن لم نحكم بالانفساخ عاد الخلاف في حبس القيمة.
وعن الشيخ أبي محمد: القطع بأنه لا حبس هاهنا لتعديه بإتلاف العين.
ولو باع شِقْصاً مِنْ عبد، وأَعْتَق باقيه قبل القبض وهو موسر، عتق كله وانفسخ البيع وسقط الثمن، إن جعلنا إِتْلاَف البائع كالآفة السماوية، وإن جعلناه كَإتلاف الأجنبي
فللمشتري الخيار، ولو استعمل البائع المبيع قبل القبض، فلا أجرة عليه إن جعلنا إِتْلافه كالآفة السَّمَاوِية، وإِلاَّ فعليه الأُجْرَة.
وَإِتْلاف الأَعْجَمِي والصَّبي الَّذي لا يميز بأمر البائع أو المُشْتري كإتلافهما وَإِتْلاَف المميز بأمرهما كإتلاف الأجنبي.
وذكر القَاضِي الحُسين -رحمه الله-: أن إذن المشتري للأجنبي في الإتْلاَف يلغو، وإذا أتلف فله الخيار، وأنه لو أذن البَائِع في الأكل والإِحْرَاف ففعل، كان التَّلف من ضمان البائع بخلاف ما إذا أذن للغاصب ففعل يَبْرَأ، لأن الملك ثم مستقر.
ورأيت في "فَتَاوى القَفَّال" أن إتلاف عَبْد البائع كإتلاف الأجنبي، وكذا إِتْلاَف عبد المشتري بغير إذنه، فإن أجاز جعل قابضاً، كما لو أتلفه بنفسه، وإن فسخ اتبع البائعُ الجاني، وأنه لو كان المَبِيع علفاً فاعتلفه حمار المشتري بالنَّهَار ينفسخ البَيْع، وإن اعتلفه باللَّيْل لا يَنْفَسخ وللمشتري الخيار، فَإِنْ أَجَاز فهو قابض، وإلاَّ طالبه البائع بقيمة ما أتلفه حماره، وفي بهيمة البائع أطلق القول بإتلافها كالآفة السماوية، قيل له: هلاَّ فرقت فيها أيضاً بين الليل والنهار؟ فقال: هذا موضع التَّروي.
ولو صال العبد المبيع على المشتري في يد البائع فقتله دفعاً، فعن الشيخ أبي علي: أنه لا يستقر الثَّمَن عليه.
وعن القاضي: أنه يستقر لأنه أتلفه في غرض نفسه 1.
ولو أَخَذَ المُشْتَرِي المبيع بغير إذن البائع، فللبائع الاسترداد إذا ثبت له حق الفَسْخ، فإِنْ أتلفه في يد المُشْتَرِي ففيه قولان عن رواية صاحب "التقريب":
أحدهما: أن عليه القيمة ولا خيار للمشتري لاستقرار العقد بالقبض، وإنْ كان ظالماً فيه.
والثاني: أنّه يجعل مستردّاً بالإتلاف كما أنَّ المشتري قابض بالإتلاف، وعلى هذا فينفسخ البيع أو يثبت الخِيَار للمشتري.
قال الإمام -رحمه الله-: الظَّاهر الثاني.
واعلم: أن وقوع الدَّرّة في البَحْر قبل القبض بمثابة التلف، يفسخ به البيع، وكذا انفلات الطَّير، والصيد المتوحش، كذا قاله في "التتمة".
ولو غرَّق البحر الأرض المشتراة، أو وقع عليها صخور عظيمة من جبل بَجَنْبِها،
أو ركبها رمل فهي بمثابة التَّلف أو أثرها ثبوت الخيار، فيه وجهان: الأَشْبَه الثاني.
ولو أبق العبد قبل القبض، أو ضاع في انتهاب العَسْكَر لم ينفسخ البيع لبقاء المالية ورجاء العود.
وفيه وجه: أنه ينفسخ كما في التَّلَفِ.
ولو غصبه غاصب فليس إلاَّ الخيار، فإن أجاز لم يلزمه تسليم الثمن، وإن سلمه فعن القَفَّال: أنه ليس له الاسترداد لتمكّنه من الفسخ، وإنْ أجاز ثم أراد الفسخ فله ذلك، كما لو انقطع المسلم فيه، فأجاز ثم أراد الفَسْخ؛ لأنه يتضرر كل ساعة، وحكي عن جواب القَفَّال مثله، فيما إذَا أَتْلَفَ الأجنبي المَبِيع قبل القبض، وأجاز المشتري ليتبع الجَاني، ثم أراد الفسخ.
وقال القاضي في هذه الصورة: وجب أَنْ لا يمكّن في هذه الصورة من الرجع؛ لأنه رَضِيَ بما في ذمة الأجْنَبِي فأشبه الحِوَالَة.
ولو جحد البائع العين قبل القبض، فللمشتري الفَسْخ لحصول التَّعذُّر.
وأَمَّا لفظ الكتاب فقوله: "أما الحكم فهو انْتِقَال الضَّمَان إلى المشتري، والتَّسْليط على التصرف" ترجمة لحكمي القبض معاً، وشرح الحكم الثَّاني وتفصيله يبتدئ من قوله، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما قبل ذلك يتعلّق بالحكم الأول، وقوله: "في ضمان البَائِعَ" معلّم بالميم والألف، وكذا قوله: "انفسخ العقد"، وقوله: "قبض منه" بالواو، وقوله: "على أصح القولين" بالواو للطريقة الجازمة، وقوله: "كإتلاف الأجنبي على الأصح"، جواب على طريقة إِثْبَات القَوْلين، فيجوز إعلام الأصح بالواو، وَإعْلام قوله: "كإتلاف الأجنبي" بالحاء لما سبق، ثم قضية ما ذكروه: أن يكون الأصح في إتلاف البائع ثبوت الخيار لا الانْفِسَاخ؛ لأن الأمر كذلك في إِتْلاَفِ الأجنبي، لكن جمهور الأصحاب -رحمهم الله- على أن الانفساخ أصح، فاعرف ذلك.
فرع: منقول عن فتاوى القاضي:
باع عبداً من رجل، ثم باعه مِنْ آخر وسلَّمه إليه، وعجز عن انتزاعه وتسليمه إلى الأول، فهذا جناية منه على المبيع، فينزل منزلة الجناية الحِسّية حتى ينفسخ البيع في قول، ويثبت للمشتري الخيار في الثاني، بين أنْ يفسخ وبين أن يجيز ويأخذ القيمة من البائع، ولو أنه طالب البائع بالتسليم وزعم قدرته عليه، وقال البائع: أنا عاجز حلف عليه، فإن نكل حلف المدعي على أنه قادر ثم حبس إلى أن يسلم أو يقيم بَيّنته على عجزه، ولو ادَّعى المشتري الأول على الثاني العلم بالحال فأنكر حلفه، فإن نكل حلف هو، وأخذه منه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإِنْ تَعَيَّبَ المَبِيعُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْلَ القَبْضِ فَلِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ، فَإِنْ
أَجَازَ يُجِيْزُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَلاَ يُطَالِبُ بالأَرْشِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّعَيُّبُ بِجِنَايَةِ أَجْنَبِيِّ فَيُطَالِبَهُ بِالأَرْشِ، وَكلدَا إِنْ كَانَ بِجَنَايَةِ البَائِعِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: ذكرنا حكم التَّلَف والإتلاف العاريين قبل القبض، فأما إذا طَرَأَ عيب أو نُقْصَانٌ، نظر إن كان بآفة سماوية، كما إذا عَمِي العبد أو شُلَّت يده أو سقطت، فللمشتري الخيار إن شاء فسخ وإلا أجاز بجميع الثمن، ولا أَرْشَ له مع القدرة على الفسخ، وإن كان بجناية جَانٍ عادت الأقسام الثلاثة:
أولها: أن يكون الجاني هو المشتري، فإذا قطع يد العبد مثلاً قبل القبض، فلا خيار له لحصول النقص بفعله، بل يمتنع بسببه الرَّد بسائر العيوب القديمة أيضاً، ويجعل قابضاً لبعض المبيع حتى يستقر عليه ضمانه، وإن مات العبد في يد البائع بعد الانْدِمَال، فلا يضمن اليد المقطوعة بأَرْشها المقدّر، ولا بما نقص من القيمة بالقطع وإنما يضمنها بجزء من الثَّمن كما يضمن الكل بالثمن، وفي مقداره وجهان:
أصحهما، وبه قال ابن سُرَيْج وابن الحَدَّاد: أنه يقوم العبد صحيحاً ثم يقوم مقطوعاً ويعرف التفاوت بينهما فيستقر عليه من الثمن بمثل تلك النسبة.
بيانه: إذا قوم صحيحاً بثلاثين ومقطوعاً بخمسة عشر، فعليه نصف الثمن، ولو قوم مقطوعاً بعشرين، فعليه ثلث الثمن.
والثاني، ويحكى عن القاضي أبي الطَّيب: أنه يستقر مِنَ الثمن بنسبة أَرْش اليد من القيمة وهو النصف، وعلى هذا لو قطع يديه وانْدَمَلَتَا، ثم مات العبد في يد البائع وجب على المشتري تَمَام الثمن، وهذا كله تفريع على المذهب الصحيح، وهو أن إتلاف المشتري قبض منه، وعلى الوجه المنسوب إلى رواية الشيخ أبي علي: أنه لا يجعل قابضاً لشيء من العبد، وعليه ضمان اليد بأرشها المقدر وهو نصف القيمة كالأَجنبي، وقياسه: أن يكون له الخيار.
وثانيها: إذا قطع أجنبي يده قبل القبض، فللمشتري الخيار إِنْ شاء فسخ وتبع البائع الجاني، وإن شاء أجاز البيع بجميع الثمن وغرم الجاني.
قال القاضي المَاوِرْدِيُّ: وإنما يَغْرَمُه إذا قبض العبد أما قبله فلا، لجواز موت العبد في يد البائع وانفساخ البيع، ثم الغرامة الواجبة على الأجنبي نصف القيمة ما نقص من القيمة بالقطع، فيه قولان جاريان في جِرَاحَ العبد مطلقاً، والأصح: الأول.
وثالثها: إذا قطع البائع يد العَبْدِ قبل التسليم، فإن جعلنا جنايته كالآفة السماوية، فللمشتري الخيار وإِنْ شاء فسخ واستردَّ الثمن، وإنْ شاء أجاز بجميع الثمن، وإن جعلناها كجناية الأجنبي فله الخيار أيضاً، إن فسخ فذاك، وإن أجاز رجع بالأَرْش على
البائع وفي قَدْره القولان المذكوران في الأجنبي، وصاحب الكتاب جعل القول الصَّائر إلى أنّ جناية البائع كجناية الأجنبي أصح، لكن معظم الأصحاب على ترجيح القَوْل المقابل له.
وقوله: "إلاَّ أن يكون التَّعَيُّب بجناية أجنبي" استثناء منقطع، فإنه لا يدخل فيما قبله حتى يحمل على حقيقة الاسْتِثْنَاء.
قال الغزالي: وَتَلَفُ أَحَدِ العَبْدَيْنِ بُوجِبُ الانْفِسَاخِ فِي ذَلِكَ القَدْرِ (و) وَسُقُوطُ قِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَالسَّقْفُ مِنَ الدَّارِ كَأَحَدِ العَبْدَيْنِ، لاَ كَالوَصْفِ عَلَى الأَظْهَرِ.
قال الرافعي: إذا اشترى عبدين وتلف أحدهما قبل القبض انفسخ البيع فيه، وفي الثاني قَوْلاً تَفْرِيق الصَّفقة فإن قلنا: لا يفسخ وأجاز، فبكم يجيزه؟
قد ذكرناه في باب التَّفْرِيق، وفيه ما يقتضي إعلام قوله: "قسطه من الثمن" بالواو وقد أورد المسألة في الكتاب، وإنّما أعادها ليبيّن أنَّ المسألة الثانية دائرة بين هذه المسألة وبين صور العيب، فلذلك تردد الأصحاب فيها.
وصورتها: أنْ يحترق سقف الدار المبيعة قبل القبض، أو يتلف بعض أَبْنِيَتِهَا، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه كتعيُّب المبيع، مثل عمى العبد وسقوط يده وما أشبههما.
وأظهرهما: أنه كتلف أحد العبدين حتى ينفسخ البيع، وفي الباقي الخلاف؛ لأن السّقف يمكن إفراده بالبيع بتقدير الانفصال بخلاف يد العبد.
قوله: "لا كالوصف"، فيه إشارة إلى أنَّ النُّقْصان ينقسم إلى فوات صفة وهو العيب، وإلى فوات جزء، وذلك ينقسم إِلَى ما لا ينفرد بِالقِيْمَة والمالية كيد العَبْد، وهي في معنى الاتباع والأوصاف، وإلى ما يفرد كأحد العبدين وأحد الصَّاعين، وذكر بعض المتأخرين: أنه إذا احترق من الدار ما يفوت الغرض المطلوب منها، ولم يبق الأطراف ينفسخ البيع في الكُل، ويجعل فوات البعض في مثل ذلك كَفَوات الكل.
قال الغزالي: وَقدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَلاَ يُقَاسُ عَلَى البَيْعِ العِتْقُ (و) وَالهِبَةُ (و) وَالرَّهْنُ، وَكَذَلِكَ لاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ الإجَارَةُ، وَالتَّزْوِيجُ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: الحكم الثَّانِي للقبض التَّسلط على التَّصرف، فلا يجوز بيع المَبِيع قبل القبض عقاراً كان أَوْ منقولاً، لا بإذن البائع ولا دونه، لا قبل أداء الثَّمَن، ولا بعده خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: يجوز بيع العَقَار قبل القبض، ولمالك -رحمه الله- حيث جَوَّزَ بيع غير الطَّعَام قبل القبض، وكذا بيع الطعام إذا اشتراه جزافاً،
ولأحمد -رحمه الله- حيث جوز بيع ما لَيْس بِمَكِيْل، ولا مَوْزون، ولا مَعْدُود، ولا مَذْرُوع قبل القبض، ويروى عن مالك وأحمد -رحمهما الله- ما بينه وبين هذه الرِّوَاية بعض التَّفَاوت.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ ابْتَاعَ طَعَاماً، فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ 1 ".
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- "أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُسْتَوفَى، قَالَ: وَلاَ أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ مِثْلَهُ" 2.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ" 3.
وَرُوِيَ أنَّهُ لَمَّا بَعَثَ عَتَّاباً إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: "انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا يَقْبِضُوا، وَرِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا" 4.
وذكر الأصحاب عن طريق المَعْنَى سَبَبَيْن:
أحدهما: أَن الملك قبل القبض ضعيف، لكون المَبِيع مِنْ ضَمَان البَائع وانفساخ البيع لو تلف، فلا يفيد وِلاَيَة التَّصرف.
والثَّاني: أنه لا يتوالى ضماناً عقدين في شيء واحد، ولو نفذنا البيع من المشتري لأفْضَي الأمر إليه، لأن المبيع مضمون على البائع للمشتري، وإذا نفذ منه صار مضموناً عليه للمشتري الثَّاني، فيكون الشَّيء الواحد مضموناً له وعليه في عقدين والاعتماد على الأخيار، وإلاَّ فللمعترض أن يقول: تعنون بضعف المِلْك الانْفِسَاخ لو فرض تلف أو شيئاً آخر، إن عنيتم شيئاً آخر فهو ممنوع، وإن عنيتم الأوَّل فلم قلتم: إنَّ هذا القدر يمنع صحّة البيع؟
وأما الثاني: فلا يعرف، لكون المبيع من ضمانه معنى سوى أنه لو تلف ينفسخ البيع ويسقط الثمن، فلم لا يجوز أن يصح البيع؟ ثم لو تلف في يد البائع ينفسخ البيعان ويسقط الثمنان، ويتبيَّن أنه هلك في يده.
إذا تقرر ذلك فهل الإعتاق كالبيع؟ فيه وجهان:
أحدهما، ويحكى عن ابن خَيْرَانَ: نعم؛ لأنه إزالة مِلْك كالبيع.
وأصحهما: لا، بل يصح الإِعْتاق ويصير قابضاً به لقوة العتق وغلبته، ولهذا يجوز إعتاق الآبِق دون بيعه، هذا إذا لمَ يكن للبائع حق الحَبْس، بأن كان الثمن مؤجلاً أو حالاً، وقد أداه المشتري، فإذا ثبت حق الحبس.
منهم مَنْ يُنْزله منزلة إعتاق الرَّاهن.
والصحيح: أنه ينفذ كما في الحالة الأولى بخلاف إِعْتاق الراهن، لأن الراهن حجر على نفسه بالرهن، والرهن أُنْشِئ ليحبسه المرتهن.
ولو وقف المبيع قبل القبض، ففي "التتمة": أنه يبنى على أن الوقف هل يفتقر إلى القبول؟ إن قلنا: نعم، فهو كالبيع.
وإن قلنا بالثَّاني، فهو كالإِعْتَاق، وبهذا أجاب صاحب "الحاوي" 1، وقال: إنه يصير قابضاً حتى لو لم يرفع البائع يده عنه يصير مضموناً بالقيمة، وكذا قال في إباحة الطَّعَام للفقراء والمَسَاكين، إذا كان قد اشتراه جُزَافاً، وللكتابة كالبيع في أصح الوجهين، إذ ليس له قوة العِتْق وغلبته، والاسْتيلاد كالعِتْق.
وفي هبة المَبِيع قبل القبض ورهنه وجهان، ويقال قولان:
أحدهما: أنهما صحيحان، لأن التسليم غير لازم فيهما بخلاف البيع، وهذا ما أورده في الكتاب.
وأصحهما عند عامة الأصحاب: المنع لضعف المِلْك، فإنه كما يمنع البيع يمنع الهِبَة، أَلاَ تري أنه لا يصح رَهْن المكاتب وهبته؟ كما لا يصح بيعه، وقطع بعضهم بمنع الرهن إذا كان محبوساً بالثَّمن، وإذا صححناهما فنفس العقد ليس بقبض، بل يقبضه المشتري من البائع، ثم يسلمه من المُتّهب، أو المرتهن، ولو أذن للمُتَّهب أو المرتهن حتى قبضه.
ففي "التهذيب": أن يكفي ذلك، ويتمّ به البَيْع والهِبَة والرَّهْن بعده.
وقال أقضى القُضَاة المَاوِرْديّ: لا يكفي ذلك للبيع وما بَعْده، ولكن ينظر إن قصد قبضه للمشتري صح قبض البيع، ولا بد من اسْتِئْنَاف قبض لِلْهِبَة، ولا يجوز أن يأذن له في قبضه من نفسه لنفسه، وإن قصد قَبْضَه لنفسه لم يحصل القبض للبيع ولا للهبة، فإن قبضها يجب أن يتأخر عن تَمَام البيع والإقراض والتصدق، كالهِبَة والرَّهْن، ففيهما الخلاف.
وفي إِجَارة المبيع قبل قبضه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأن مورد عقد الإجَارة غير مورد عقد البيع، فلا يتوالى ضماناً عقدين من جنس واحد.
والثاني: لا يصح، لضعف الملك ولأن التسليم مستحق فيها كما في البيع.
والأصح عند المعظم: الثاني، وعند صاحب الكتاب الأول.
وفي تزويج المشتري الجَارَية قبل القَبْض مثل هذين الوجهين، لكن الأصح في التَّزْوِيج الصِّحَّة بالاتِّفاق، ومنهم مَنْ أشار إلى وجه ثالث فارق بين أنْ يكون للبائع حق الحبس فلايصح التَّزويج؛ لأنه نقص، وبين أنْ لا يكون فيصح، وطرد مثله في الإِجَارة إذا كانت منقصة، وإذا صححنا التَّزْويج فوطء الزَّوج لا يكون قَبْضاً.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله-: أنه قبض، وكما لا يجوز بيع المبيع قبل القبض، لا يجوز جعله أُجْرَة في إجارة، وعوضاً في صلح، وكذا لا يجوز السّلم والإِشْرَاك والتَّوْلِية.
وعن مالك: أنه يجوز الإِشْرَاك والتَّوْلِية، وحكاه الشَّيْخ أبو عَلِيّ عن بعض الأصحاب.
وجميع ما ذكرناه فيما إِذَا تَصَرَّف مع غير البائع.
أما إذا باع من البَائع فوجهان:
أحدهما: الجواز، كبيع المَغْصُوب من الغاصب.
وأصحهما: المنع كالبيع من غيره 1.
والوجهان فيما إذا باع بغير جنس الثمن، أو بزيادة أو نقصان أو تفاوت صفة،
وإلاّ فهو إقالة بصيغة البيع، كذا قاله في "التتمة" 1. ولو وهب منه أو رهن فطريقان:
أحدهما: القطع بالمنع، لأنه يجوز أن يكون نائباً عن المشتري في القبض.
وأصحهما فيما نقل صاحب "التهذيب": أنه على القولين، فإن جوزنا فإذا أذن له في القبض عن الهِبَة أو الرَّهْن ففعل أجزأ، ولا يزول ضمان البيع في سورة الرَّهْن، بل إذا تلف ينفسخ العقد، ولو رهنه عن البائع بالثمن، فقد مَرَّ حكمه.
فرع لابن سُرَيْجٍ: باع عبداً بثوب وقبض الثوب، ولم يسلم العبد له بيع الثوب، وليس للآخر بيع العبد، فلو باع الثَّوب وهلك العبد في يده بطل العقد فيه، ولا يبطل في الثوب ويغرم قيمته لبائعه، ولا فرق بين أن يكون هلاك العبد بعد تسليم الثوب أو قبله، لخروجه عن ملكه بالبيع، ولو تلف العَبْد والثوب في يده، غرم لبائع الثوب القيمة ورد على مشتريه الثَّمن.
قال الغزالي: وَبَيْعُ المِيرَاثِ وَالوَصِيَّةُ وَالمِلْكُ العَائِدُ بِالفَسْخِ قَبْلَ القَبْضِ وَالاَسْتِرْدَادِ جَائِزُ، وَإِنَّمَا المَانِعُ يَدٌ تَقْتَضِي ضَمَانَ العَقْدِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الصَّدَاقِ قَبْلَ القَبْضِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الزَّوْجِ ضَمَانَ العَقْدِ، وَكَذَلِكَ في بَدَلِ الْخلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ.
قال الرافعي: المال المستحق للإنسان عند غيره قسمان: عَيْن في يده ودَيْن في ذمته.
أما الثَّاني: فيأتي في الفصل التَّالي لهذا الفصل -إن شاء الله تعالى-.
وأَمَّا القِسْم الأول: فما له في يد الغير إمّا أن يكون أمانة أو مضموناً.
الضرب الأول: الأمانات، فيجوز للمالك بيعها لتمام المِلْك عليها، وحصول القدرة على التَّسْليم، وهي كالوَدِيْعَة في يد المودع، ومال الشركة والقرَاض في يد الشَّرِيك والعَامِل، والمال في يد الوكيل بالبيع ونحوه، وفي يد المرتهن بعد انفكاك الرَّهْن، وفي يد المستأجر بعد إنقضاء المُدَّة، والمال في يد القيم بعد بلوغ الصَّبِي رشيداً، وما احتطبه العبد واكتسبه وقبله بالوصيّة، قبل أن يأخذه السيد.
ولو ورث مالاً فله بيعه قَبْلَ قبضه، إِلاَّ إذا كان المورث لا يملك بيعه أيضاً، مثل ما اشتراه ولم يقبضه.
ولو اشترى من مُورثه شيئاً ومات المُورث قبل التَّسْليم فله بيعه، سواء كان على المُورث دين أو لم يكن، وحق الغَرِيمِ يتعلق بالثَّمن، فإنْ كان لهُ وَارِث آخر لم ينفذ بيعه في قدر نصيب الآخر حتى يقبضه.
ولو أوصى له بمال فقبل الوَصِيّة بعد موت المُوصي، فله بيعه قبل أَخْذِه، ولو باعه بعد الموت وقبل القبول جاز، إنْ قلنا: الوصية تملك بالموت وإن قلنا: تملك بالقبول، أو هو موقوف فلا.
الضَّرْب الثَّاني: المضمونات، وهي ضَرْبَان مضمون بالقيمة، ومضمون بعوض في عقد مُعَاوَضَة.
الضَّرْب الأول: المضمون بالقيمة: وهذا الضَّمَان يسمى ضمان اليَدِ، فيصحّ بيعه قبل القبض أيضاً لتمام المِلك فيه، فإنه لو تلف تلف على ملكه، ويدخل فيه ما صار مضموناً بالقيمة بعقد مفسوخ وغيره، حتى لو باع عبداً فوجد المشتري به عيباً وفسخ البيع كان للبائع بيع العبد، وإنْ لم يسترده.
قال في "التتمة": إلاَّ إذا لم يؤد الثمن، فإن للمشتري حبسه إلى استرجاع الثمن.
ولو فسخ السَّلَم لانقطاع المسلّم فيه، فللمسلم بيع رأس المال قبل اسْتِرْداده، وكذا للبائع بيع المبيع إذا فسخ بِإِفْلاَس المشتري ولم يسترده بعد.
ويجوز بيع المال في يد المُسْتَعِير والمُسْتَام، في يد المشتري والمتّهب في الشراء والهبة الفاسدين، وكذا بيع المغصوب من الغاصب.
الضَّرب الثاني: المضمون بعوض في عقد مُعَاوضة، فلا يصحّ بيعه قَبْل القبض لتوهّم الانفساخ بتلفه، وذلك كالمبيع والأُجْرة، والعوض المصالح عليه عن المال.
وفي بيع المرأة الصَّداق قبل القبض، قولان مَبْنِيَّان على أَنَّ الصَّادق مضمون في يد الزوج ضمان اليد أو ضَمَان العَقْد، وموضع بيانهما "كتاب الصداق".
والأصح: أنه مَضْمُون ضمان العقد، والقولان جاريان في بيع الزوج بدل الخُلْع قبل القبض، وبيع العَافِي عن القود المال المعقود عليه قبل القبض لمثل هذا المأخذ، -والله أعلم-.
ووراء ما ذكرنا صورة أخرى إذا تأملتها لم يخف عليك، أنَّ كل واحدة منها من أي ضرب هي:
فمنها: حكى صاحب "التلخيص" عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أن الأرزاق التي يخرجها السّلطان للناس، يجوز بيعها قبل القبض.
فمن الأصحاب من قال: هذا إذا أفرزه السُّلْطَان، فتكون يد السُّلْطان في الحِفْظِ يد المفرز له، ويكفي ذلك لصحّة البيع.
ومنهم من لم يَكْتَفِ بذلك، وحمل النص على ما إذا وكل وكيلاً بقبضه فقبضه
الوكيل، ثم باعه الموكل، وإلاَّ فهو بيع شيء غير مملوك، وهذا ما أورده القَفَّال في الشَّرح 1.
ومنها: بيع أحد الغَانمين نصيبه على الإشَاعة قبل القبض، صحيح إذا كان معلوماً كما إذا كانوا خمسة، فالخمس لأهل الخمس، والباقي على خمسة أَسْهم، فيكون نَصِيب الواحد أَرْبَعَة من خمسة وعشرين، هذا إذا حكمنا بثبوت الملك في الغنيمة، وفيما تملك به الغَنِيمة خلاف سيذكر في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: إذا رجع فيما وهب لولده له بيعه قبل اسْتِرْداده.
وقال القاضي ابن كَجٍّ: ليس له ذلك.
ومنها: الشَّفِيع إذا تملّك الشَّقْص.
قال في "التهذيب": له بيعه قبل القبض، وقال في "التتمة": ليس له ذلك؛ لأن الأخذ بالشّفْعة معاوضة 2.
وللموقوف عليه أن يبيع الثمرة الخارجة من الشَّجرة الموقوفة قبل أن يأخذها.
ومنها: إذا استأجر صَبَّاغاً ليصبغ له ثوباً وسلَّمه إليه، فليس للمالك بيعه، ما لم يصبغه لأن له أَنْ يحبسه إلى أنْ يعمل ما يستحق به العِوض، وإذا صبغه فله بيعه قبل الاسْتِرْدَاد إن وَفَّى الأجرة، وإلاَّ فلا؛ لأنه يستحق حبسه إلى اسْتيفاء الأجرة.
ولو استأجر قصاراً لقصر وسلَّمه إليه، فلا يجوز بيعه ما لم يقصره، وإذا قصره فيبنى على أن القصَارة عين، فتكون كمسألة الصَّبْغ أو أثر فله البيع، إذ ليس للقَصَّار الحبس، وعلى هذا قياس صوغ الذّهب ورياضة الدَّابة ونسج الغَزْل.
ومنها: إذا قاسم شريكه فيبيع ما صار له قبل القَبْض من الشريك على أن القسمة بيع أو إفراز.
ومنها: إذا أثبت صَيْداً بالرَّمي أو وقع في شبكته، فله بيعه وإنْ لم يأخذه، ذكره صاحب "التلخيص" في هذا الموضع.
قال القفال: وليس هو مما نحن فيه فإنه إذا أثبته كان في قبضته حكماً.
فرع: تصرف المشتري في زوائد المَبِيع قبل القبض، مثل الولد والثَّمرة يبنى على أنَّهَا تعود إلى البائع لو عرض انفساخ أو لا تعود إن عادت لم يتصرف فيها كما في الأصل، وإلاَّ تصرف.
ولو كانت الجارية حاملاً عند البيع، وولدت قبل القبض، إن قلنا: الحمل يقابله قسط من الثمن لم يتصرف فيه، وإلاَّ فهو كالولد الحادث بعد البيع.
قال الغزالي: وَالمَبِيعُ سَوَاءٌ كَانَ مَنْقُولاً أَوْ عَقَاراً (ح) فَيَمْتَنِعُ (م) بَيْعُهُ قَبْلَ القَبْضِ، وَإِنْ كَانَ دَيْناً كَالمُسَلَّم فِيهِ فَكَمِثْلِ (م)، وَكُلُّ دَيْنٍ ثَبَتَ لاَ بِطَرِيقِ المُعَاوَضةِ بَلْ بِقَرْضٍ أَو بإِتْلاَف فَيَجُوزُ الاسْتِبْدَالُ عَنْهُ وَلَكِنْ بِشَرْطِ قَبْضِ البَدَلِ في المَجْلِسِ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ علَى الأَصَحِّ، وَالأَظْهَرُ مَنْعُ الحِوَالَةِ بَالمُسَلَّمِ فِيهِ، وَعَلَيْهِ لِأَنَّ فِي الحِوَالَةِ مَعْنَى الاعْتِيَاضِ، وَيَجُوزُ (و) أَنْ يَسْتَبْدِلَ عنِ النَّقْدِ بالنَّقْدِ وَإِنْ كَانَ ثَمَناً (و) لِلْحَدِيثِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّناً، فَإِنْ عُيِّنَ تَعَيَّنَ (ح)، وَامْتَنَعَ (ح) الاسْتِبْدَالُ عَنْهُ، وَانْفَسَخَ العَقْدُ بِتَلَفِهِ (ح).
قال الرافعي: قوله: "والمبيع سواء كان منقولاً أو عقاراً فيمتنع بيعه قبل القبض" كأنه قصد به التَّعرض لمذهب أبي حنيفة -رحمه الله- في العَقَار والتَّدرج به، إلى ذكر ما إذاً كان المَبِيْع دَيْناً، وإلاَّ فقد سبق ما يعرف منه امتناع بيع المبيع قبل القبض.
وشرح الفصل يحوج إلى تقديم وتأخير في مسائله، فلا نُبَال بذلك.
اعلم أن مِنْ مسائل القسم الأول، وهو أن يكون المستحق عَيْناً في يد الغير، ما إذا باع متاعاً بدراهم أو دنانير معينة، فليس للبائع التَّصرف فيهما قبل القَبْض، وذلك لأن الدَّرَاهم والدنانير متعينان بالتَّعيين كالمبيع، فلا يجوز للمشتري إبدالها بمثلها، ولو تلفت قبل القبض انفسخ البيع، ولو وجد البائع بها عيباً لم يستبدلها، بل يرضى بها أو يفسخ العقد، وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا تتعين، ويجوز إبدالها بمثلها، وإذا تلفت قبل القبض لا ينفسخ العقد، وإذا وجد بها عيباً له الاستبدال.
لنا القياس على طرف البيع، وأيضاً فإن الدراهم والدنانير يتعينان في الغَصْب والوديعة، فكذلك هاهنا.
ولو أبدلها بمثلها أو بغير جنسها برضا البائع، فهو كبيع المبيع من البائع.
القسم الثاني: الدَّيْن في ذمة الغير، وهو على ثلاثة أضرب؛ لأنه إمَّا أن يكون مثمناً أو ثمنًا أو لا مثمناً ولا ثمناً.
وقبل الشّروع في هذه الأضرب نذكر أصلاً، وهو: أن الثمن ماذا والمثمن ماذا؟
وجملة ما قيل فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الثمن ما ألصق به الباء، لأن هذه الباء تسمى باع التثمين ويحكى هذا عن القَفَّال.
والثاني: أن الثمن: هو النقد؛ لأن أهل العرف لا يطلقون اسم الثمن على غيره، والمثمن ما يقابل ذلك على اختلاف الوجهين:
والثالث، وهو الأصح: أن الثمن: هو النقد والمثمن ما يقابله، فإنْ لمْ يكن في العقد نقد، أو كان العوضان نقدين، فالثمن ما ألصق به الباء والمثمن ما يقابله.
ولو باع أحد النقدين بالآخر، فعلى الوجه الثاني، لا مثمن فيه، ولو باع عرضاً بعرض فعلى الوجه الثاني لا ثمن فيه، وإنما هو مقابضة.
ولو قال: بعتك هذه الدراهم بهذا العبد.
فعلى الوجه الأول العبد ثمن، والمثمن الدراهم.
وعلى الثاني والثالث في صحة العقد وجهان، كالسّلم في الدراهم والدنانير، لأنه جعل الثمن مثمناً، فإن صححنا فالعبد مثمن.
ولو قال: بعتك هذا الثوب بعبد ووصفه صح العقد.
فإن قلنا: الثمن ما ألصق به الباء فالعبد ثمن، ولا يجب تسليم الثَّوْب في المجلس، وإن لم نقل بذلك ففي وجوب تسليم الثوب وجهان.
في وجه: لا يجب، إذ لم يجر بينهما لفظ السلم.
وفي وجه: يجب اعتباراً بالمعنى.
إذا عرفت هذه المقدمة.
فالضرب الأول: المثمن وهو المسلّم فيه فلا يجوز الاستبدال عنه ولا بيعه 1 من غيره.
رُوِيَ عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فلاَ يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِه" 2.
وأيضاً فإن المبيع مع تعينه لا يجوز بيعه قبل القبض، فالمسلم فيه مع كونه مرسلاً في الذمة أولى، وهل للحِوَالة مدخل في المسلم فيه؟
إما به، بأن يحيل المسلم إليه بحقه على مَنْ له عليه دين قرض أو إتلاف.
وإما عليه، بأن يحيل المسلم من له عليه دين قرض أو إتلاف على المسلم إليه، فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: لا، لما فيه من تبديل المسلم فيه بغيره.
والثاني: نعم، تخريجاً على أن الحِوَالة استيفاء وإيفاء لا اعتياض.
والثالث: لا تجوز الحوالة عليه؛ لأنها بيع سلم بدين، وتجوز الحَوَالة به على القرض ونحوه؛ لأن الواجب على المسلم إليه توفير الحق على المسلم، وقد فعل هكذا.
حكى الوجه الثالث إمام الحرمين وهو حاصل ما رواه القاضي ابن كج عن أبي علي الطَّبَرِي، وأبي الحسين بعد رواية الوجه الثاني عن ابن الوكيل.
وعكس صاحب الكتاب -رحمه الله- الوجه الثالث في "الوسيط" وقال: تجوز الحوالة عليه؛ ولا تجوز به، ولا أخاله 1 ثبتاً.
الضرب الثاني: الثمن، فإذا باع بدراهم أو دنانير في الذمة، ففي الاستبدال عنها قولان:
القديم: أنه لا يجوز، لمطلق النهي عن بيع ما لم يقبض، وأيضاً فإنه عوض في معاوضة، فأشبه المسلم فيه.
والجديد: الجواز.
لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كُنْتُ أَبيعُ الإِبِلَ بالْبَقِيع بالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ مَكَانَهَا الْوَرِقَ، وَأَبِيعُ بالْوَرِقِ، وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ، فَأتَيْتُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ بِالْقِيَمَةِ".
ويروى أنه قال: "لاَ بَأْسَ إِذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ" 2.
وعن القاضي أبي حامد وأبي الحسين -رحمهما الله-: القطع بالقول الثاني.
وإذا باع شيئاً بغير الدراهم والدَّنانير في الذمة، فجواز الاستبدال عنه يبنى على أنَّ الثَّمن ما ألصق به باء التَّثْمين أَوْ غيره.
إن قلنا: إنه هو، فيجوز الاسْتِبْدَال عنه كالنقدين، وادعى في "التهذيب": أنه المذهب.
وإن لم نَقْل بذلك فلا يجوز، لأن ما ثبت في الذمة مثمناً لا يجوز أن يستبدل
عنه، والأجرة كالثمن والصداق وبدل الخلع، كذلك إن قلنا: إنهما مضمونان ضمان عقد، إلاَّ فهما كبدل الإتلاف التفريع: إن منعنا الاستبدال عن الدراهم، فذاك في استبدال العروض عنها، فأما استبدال نوع منها عن نوع، أو استبدال الدَّنَانير عن الدراهم، ففيه وجهان عن صاحب "التقريب" لاستوائهما في مقصود الرَّواج، وإن جوزنا الاستبدال عنها وهو الصحيح فلا فرق بين بدل وبدل، ثم ينظر إن استبدل عنها ما يوافقها في علة الربا، كما إذا ااستبدل عن الدَّراهم الدَّنانير، فيشترط قبض البلد في المجلس، وكذا إذا استبدل عن الحِنْطة المبيع بها شعيراً، إن جوزنا.
ذلك ففي اشتراط تعين البدل عند العقد وجهان:
أحدهما: يشترط، وإلاَّ فهو بيع دين بدين.
وأصحهما: أنه لا يشترط كما لو تصارفا في الذمة، ثم عَيّنا وتقابضا في المجلس.
وإن استبد عنها ما لا يوافقها في علَّة الربا، كما إذا استبدل عن الدَّراهم طعاماً أو ثياباً، نظر إن عين البدل جاز، وهل يشترط قبضه في المجلس؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وهو اختيار الشَّيخ أبي حامد، ويحكى عن أبي إسحاق؛ لأن أحد العوضين دين فيشترط قبض الثَّاني كرأس مال السلم.
وأصحهما عند الإمام وصاحب "التهذيب": أنه لا يشترط، كما لو باع ثوباً بدرهم في الذمة، لا يشترط قبض الثوب في المجلس، ويحكى هذا عن ابن سُرَيج.
وإن لم يعين البدل، ولكن كان موصوفاً في الذمة، فعلى ما سبق من الوجهين إن جوزنا فلا بد من التَّعيين في المجلس، وفي اشتراط القبض الوجهان 1.
الضرب الثالث: ما ليس بثمن ولا مثمن كدين القَرْض والإتْلاف، فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف 2، كما لو كان في يده عين مال بِغْصب أو عَارِية، يجوز بيعه
منه ويفارق المسلم فيه فإنه غير مستقر لجواز أنْ يطرأ ما يقتضي انفساخ السلم، وهذا مستقر.
ثم الكلام في اعتبار التَّعيين والقبض على ما سبق.
وفي "الشَّامل" أن القرض إنما يستبدل عنه إذا استهلكه، أما إذا بقي في يده فلا، لأنا إنْ قلنا: إن القرض يملك بالقبض فبدله غير مستقر في الذمة؛ لأن للمقرض أن يرجع في عينه، وإن قلنا: يملك بالتصرف، فالمستقرض متسلّط عليه وذلك يوجب ضعف ملك المقرض، فلا يجوز الاعتياض عنه -والله أعلم-.
ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال ويجوز العَكْس، وكأن من عليه المؤجل قد عجله.
واعلم: أنَّ الاستبدال بيع ممن عليه الدّين وقد تبين حكمه، فأما بيعه من غير ممن عليه كما إذا كان على إنسان مائة، فاشترى من آخر عبدًا بتلك المائة فقولان:
أحدهما: أنه يجوز، كبيعه ممن عليه.
وأصحهما: المنع لعدم القدرة على التسليم، وعلى الأول يشترط أنْ يقبض مشتري الدَّين الدين ممن عليه، وأن يقبض بائع الدين العوض في المجلس، حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد 1.
ولو كان له دين على إنسان، ولآخر مثله على ذلك الإنسان، فباع أحدهما ما له عليه بما لصاحبه وقبل الآخر لم يصح، إن اتّفق الجنس أو اختلف.
"لِنَهْيِهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بالْكَالِئِ" 2. وقوله في الكتاب: "وكل دين ثبت لا بطريق المعاوضة، بل بقرض أو بإتلاف" لا شبهة أن دين الإتلاف ثبت لا بطريق المعاوضة.
وأما دين القرض فسيأتي في فصل القرض: -إن شاء الله تعالى- أنه ليس على سبيل المعاوضات أيضاً.
وقوله: "ولكن يشترط قبض البدل في المجلس على الأصح" أي: من الوجهين، وترجيح وجه الاشتراط خلاف ما ذكرنا عن اختيار الإمام وصاحب "التهذيب"، لكنه متأيد بظاهر نصه في "المختصر"، وبه قال جماعة من الأصحاب.
وقوله: "ويجوز أن يستبدل عن النقد بالنقد وإن كان ثمناً"، أي: استبدال أحد النقدين عن الآخر لا يختص بدين القرض والإتلاف، بل يجري في الثمن أيضاً، وليعلّم قوله: "وإن كان ثمناً" بالواو للقول الآخر، وأراد بالحديث ما رويناه عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
قال الغزالي: أَمَّا صُورَةُ القَبْضِ فَيُحْكَمُ فِيهِ بِالعَادَةِ، فَفِي العَقَارِ يَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ،
وَفي المَنْقُولِ يَكْفِي فِيهِ النَّقْلُ، وَلاَ يَكْفِي التَّخْلِيَةُ (م ح)، وَقَدْ قِيْلَ: يَحْصُلُ انْتِقَالُ الضَّمَانِ بِالتَّخْلِيَةِ، وَمَا يُشْتَرى مُكَايَلَةَ فَتَمَامُ القَبْضِ فِيهِ بِالنَّقْلِ، وَالكَيْلِ، فَإذَا اشْتَرَى مُكايَلَةً وَبَاعَ مُكايَلَةً فَلاَ بُدَّ لِكُلِّ بَيْعٍ (و) مِنْ كَيْلٍ جَدِيد لِيتمَّ القَبْضُ للحَدِيث.
قال الرافعي: قد تم بيان الأمر الأول، وهو حكم القبض وثمرته، وهذا أول الشُّروع في الأمر الثاني، وهو أن القبض بم يحصل؟ والقول الجملي فيه: أن الرجوع فيما يكون قبضاً إلى العادة، ويختلف بحسب اختلاف المال.
وتفصيله: أن المال إما أن يباع من غير اعتبار تقدير فيه، أو يباع معتبراً فيه تقدير.
الحالة الأولى: أن لا يعتبر فيه تقدير، إما لعدم إمكانه أو مع إمكانه، فينظر إنْ كان المبيع ممَّا لا ينقل كالدور والأراض، فقبضه بالتّخلية بينه وبين المشتري، وتمكينه من اليد وَالتَّصرف بتسليم المفتاح إليه، ولا يعتبر دخوله وتصرفه فيه، ويشترط كونه فارغاً عَنْ أمتعة البائع 1، فلو باع داراً فيها أمتعة للبائع توقف التسليم على تفريغها، وكذا لو باع سفينة مَشْحُونة بأمتعة لكون البائع مستعملاً للمبيع منتفعاً به 2.
ولو جمع البائع متاعه في بيت من الدار، وخلَّى بين المشتري وبين الدار، حصل القبض فيما عدا ذلك البيت.
وفي اشتراط حضور المتبايعين عند المبيع ثلاثة أوجه منقولة في "التهذيب".
أحدها: يشترط، فإن حضرا عنده، وقال البائع للمشتري: دونك هذا ولا مانع حصل القبض، وإلا فلا.
والثاني: أنه يشترط حضور المشتري عنده دون البائع ليتأتى إِثْبَات اليد عليه.
والثالث، هو الأظهر: أنه لا يشترط حضور واحد منهما؛ لأن ذلك قد يشق، فإذا خَلَّى بينه وبين المبيع، فقد أتى بما عليه فليتصرف، وعلى هذا فهل يشترط أن يمضي زمان إمكان المضي إليه؟ فيه وجهان:
الأصح: الاشْتِرَاط وفي معنى العَقَار الشجر الثَّابت، والتمرة المبيعة على الشجرة قبل أوان الجُذَاذ.
وإن كان المبيع من جملة المنقولات، فالمذهب المشهور، وبه قال
أحمد: أنه لا يكفي فيه التَّخلية، بل لا بد من النَّقْل والتَّحْويل.
وقال مالك وأبو حنيفة: إنه يكفي التَّخلية كما في العَقَار، وعن رواية حرملة قول مثله، وفيه وجه آخر: أنَّ التَّخلية كافية لنقل الضَّمان إلى المشتري غير كافية للتَّسلط على التصرف؛ لأن البائع أتى بما عليه والمقصر المشتري حيث لم ينقل، فليثبت ما هو حق البائع.
وجه ظاهر المذهب ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كُنَّا نَشْتَرِيَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جُزَافاً، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَبيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانه" 1.
وأيضاً فإن العادة في قبض المنقول النقل، فعلى هذا يأمر العبد بالانتقال من موضعه، ويسوق الدابة أو يقودها 2.
وإذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كَمَوات ومسجد وشارع، أو في موضع يختص بالمشتري، فالنقل من حَيِّز إلى حَيِّز كافٍ.
وإن كان في دار البائع أو في بقعة مخصوصة به، فالنقل من زاوية إلى زاوية، أو من بيت إلى داره أو من دار إلى بيت آخر بدون إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف، ولكن يكفي لدخوله في ضمانه، وإن نقل بإذنه حصل القبض، وكأنه استعار ما نقل إليه المال.
ولو اشترى الدَّار صَحَ أمتعة فيها صفقة واحدة، فخلَّى البائع بينه وبينها حصل القبض في الدار، وفي الأمتعة وجهان:
أصحهما: أنه لا بد فيها من النقل أما لو بيعت وحدها.
والثاني: أن القبض يحصل فيها أيضاً تبعاً، وبهذا أجاب الماوردي، وزاد فقال: لو اشترى صُبْرَة ولم ينقلها حتى اشترى الأرض الَّتي عليها الصُّبْرة، وخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الصبرة 3.
ولو لم يتفقا على القبض، ولكن جاء البائع بالمبيع وامتنع المشتري من قبضه أجبره الحاكم عليه، فإن أصر أمر الحاكم من يقبضه عنه، كلما لو كان غائباً 4.
ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري: ضعه، فوضعه بين يديه حصل القبض،
وإن وضعه بين يديه ولم يقل المشتري شيئاً أو قال: لا أريده، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحصل القبض، كما لا يحصل به الإيداع.
وأصحهما: يحصل لوجوب التَّسليم، كما لو وضع الغَاصِب المغصوب بين يدي المَالك يبرأ عن الضمان، فعلى هذا للمشتري التَّصرف فيه، ولو تلف فهو من ضمانه، لكن لو خرج مستحقّاً، ولم يجر إلاَّ وضعه بين يديه، فليس للمستحق مطالبة المشتري بالضمان؛ لأن هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب.
ولو وضع المديون الدين بين يدي مستحق الدين، ففي حصول التسليم خلاف مرتب على البيع، وهذه الصورة أولى بعدم الحصول لعدم تعيّن الملك.
وهل للمشتري الاستقلال بنقل المبيع؟ إنْ كان قد وفَّي الثمن، أوْ كان الثمن مؤجَّلاً فنعم، كما أنَّ للمرأة قبض الصَّداق بدون إذن الزوج إذا سلمت نفسها، وإلاَّ فلا وعليه الرد؛ لأن البائع مستحق الحبس لاسْتيفاء الثمن ولا ينفذ تصرفه فيه، لكن يدخل في ضمانه.
فرع: دفع ظرفاً إلى البائع، وقال: اجعل المبيع فيه ففعل لا يحصل التسليم، إذ لم يوجد من المشتري ما هو قبض والظَّرف غير مضمون عليه، لأنه استعمله في ملك المشتري بإذنه، وفي مثله في السَّلم يكون الظرف مضموناً على المسلم إليه؛ لأنه استعمله في مِلْك نفسه.
ولو قال للبائع: أَعِرني ظرفك، واجعل المبيع فيه ففعل، لا يصير المشتري قابضاً أيضاً.
الحالة الثانية: أن يباع الشيء مع اعتبار تقدير فيه كما إذا اشترى ثوباً، أو أرضاً مُذَارعة، أومتاعاً موازنة، أو صُبْرَة حِنْطَة مُكَايلة، أَوْ معدوداً بالعَدَد فلا يكفي للقبض ما مر في الحالة الأولى، بل لا بُدَّ مع ذلك من الذَّرع أو الوزن أو الكيل أو العد؛ وكذا لو أسلم في آصع أو إِنَاء من طعام، لا بد في قبضه من الكيل أو الوزن، فلو قبض جُزَافاً ما اشتراه مُكَايلة دخل المقبوض في ضمانه، وأما تصرفه فيه بالبيع ونحوه، فإن باع الكل لم يصح؛ لأنه قد يزيد على القدر المستحق.
وإنْ باع ما يستيقن أنه له، فوجهان عن أبي إسحاق: أنه يصح.
وقال ابن أبي هريرة، وساعده الجمهور: لا يصح لعدم القبض المستحق بالعقد.
وقبض ما اشتراه كيلاً بالوزن ووزناً بالكيل كقبضه جُزافاً.
ولو قال الدافع: خذه فإنه كذا، فأخذه مصدقاً له، فالقبض فَاسد أيضاً حتى يجري اكتيال صحيح، فإن زاد رد الزيادة، وإن نقص أخذ الباقي.
ولو تلف المقبوض، فزعم الدافع أنه كان قدر حقه أو أكثر؛ وزعم المدفوع إليه أنه كان دون حقه أو قدره، فالقول: قوله.
قال الشيخ أبو حامد وغيره: ومعنى التصديق المذكور في صورة المسألة أنْ يحمل خبره على الصدق، ويأخذه بناء عليه، فأما إذا أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه، وفسر إمام الحرمينْ البيع مُكَايلة، بأن يقول: بِعْتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم، وهو من صورها.
ومنها: أن يقول: بعتكها على أنها عشرة آصع.
ومنها: أن يقول: بعتك عشرة آصع منها، وهما يعلمان صيعانها أو لا يعلمان إذا جوزنا ذلك.
وإذا اعتبر في المبيع كيل أو وزن، فليس على البائع الرِّضا بكيل المشتري، وعلى المشتري الرِّضَا بكيل البائع، بل يتفقان على كيال، فإن لم يتراضيا نصب الحاكم أميناً يتولاه ذكره في "الحاوي".
ولو كان لزيد طعام على رجل سلماً، ولآخر مثله على زيد، فأراد زيد أن يوفي ما عليه مما له على الآخر، فقال: اذهب إلى فلان، واقبض لنفسك مما لي عليه، فقبضه فهو فاسد، وكذا لو قال: احضر معي لأقبضه وأكتاله لك وفعل، لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً ومسنداً أنه: "نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، يَعْنِي صَاعَ البَائِعِ وَصَاعَ الْمُشْتَرِي" 1.
وعلى هذا الخبر بناء مسائل الباب.
وإذا فسد القبض فالمقبوض مضمون على الآخذ، وهل تبرأ ذمة الدافع عن حق زيد؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، وهما مبنيان على القولين، فيما إذا باع نجوم الكتابة وقبضها المشتري، هل يعتق المكاتب؟
فإن قلنا: لا يبرأ، فعلى القابض رد المقبوض إلى الدافع.
ولو قال زيد: اذهب إليه واقبضه لي، ثم اقبضه منى لنفسك بذلك الكيل، أو قال: احضر معي لأقبضه لنفسي، ثم تأخذه أنت بذلك الكيل ففعل، فقبضه لزيد في المسألة الأولى، وقبض زيد لنفسه في الصورة الثانية صحيح، وتبرأ ذمة الدافع عن حقه، والقبض الآخر فاسد، والمقبوض مضمون عليه، وفي قبضه لنفسه في الصورة
الأولى وجه آخر: أنه صحيح، وسنذكره في نظائره، ويؤيده أنه لو كان المبيع في يد المشتري عند البيع صح قبضه لنفسه على تفصيل سيأتي -إن شاء الله تعالى- في "الرهن" فإن حجة الإسلام ذكر طرفاً منه هناك.
ولو اكتال زيد وقبضه لنفسه، ثم كاله على مشتريه وأقبضه، فقد جرى الصَّاعَان وصح القبضان، ثم إن كان وقع في الكَيْل الثَّاني زيادة أو نقصان، ينظر إن كان قدر ما يتفق بين الكيلين، فالزيادة لزيد والنقصان عليه ولا رجوع له، وإن كان كثيراً تبيّن أن في الكيل الأول غلطاً أو تغليطاً فيرد زيد الزيادة، ويرجع بالنقصان.
ولو أن زيداً لما اكتاله لنفسه لم يخرجه من المكيال وسلّمه كذلك إلى مشتريه فوجهان:
أحدهما: أنه لا يصح القبض الثَّاني، حتى يخرجه ويبتدئ كيلاً.
وأظهرهما عند الأكثرين: أن استدامته في المكيال كابتداء الكيل، وهذه الصورة كما تجري في دَيْني السلم تجري أيضاً فيما إذا كان أحدهما مستحقاً بالسلم، والآخر بِقَرْض أو إتلاف.
ونختم شرح الفصل بكلامين في شرح لفظ الكتاب:
أحدهما: قوله: "فتمام القبض فيه بالنقل والكيل"، لفظ التمام إنما كان يحسن أن لو اقتصر على ذكر الكيل ليكون ذلك إشارة إلى النقل الكافي، فما سبق غير كافٍ هاهنا، بل لا بد من تتمة له وهو الكيل، أما إذا وقع التعرض للأمرين جميعاً، فلفظ التمام مستغنى عنه.
والثاني: قوله: "فلو اشترى مكايلة وباع مكايلة"، يمكن تنزيله على صورة السلم، ويمكن أن يكون شراء المعين وبيعه مراداً، ولكن البيع حينئذ يقع بعد ما اكتاله لنفسه، وإلاَّ فهو باطل لكونه قبل القبض، وظاهر قوله: "فلا بد من كيل جديد"، يوافق الوجه الذاهب إلى أن استدامته في المكيال غير كافية.
وقوله: "ولا تكفي التخلية"، يجوز إعلامه بالحاء والميم والواو لما رواه حرملة.
وقوله: "يحصل انتقال الضمان بالتخلية" بالألف.
فرع: مؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبض على البائع، كمؤنة إحضار المبيع الغائب، ومؤنة وزن الثمن على المشتري لتوقف التسليم عليه، ومؤنة نقد الثمن هل هي على البائع أو المشتري، وحكى صاحب "الحاوي" فيه وجهين 1.
قال الغزالي: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ (و) أَنْ يَقْبِضَ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَيَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، إلاَّ الوَالِدَ يَقْبِضُ لِوَلدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَلنَفْسِهِ مِنْ وَلَدِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ في طَرَفَي البَيْعِ.
قال الرافعي: للمشتري أن يوكل بالقبض، كما له أن يوكل بالعقد، وكذا للبائع أن يوكل بالإقباض، ويعتبر في ذلك أمران:
أحدهما: أن لا يوكل المشتري من يده يد البائع كعبده ومُسْتَولدته ولا بأس بتوكيل ابنه وأبيه ومُكَاتبه، وفي توكيل عبده المأذون في التِّجارة وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز.
ولو قال للبائع: وَكِّل من يقبض لي منك ففعل جاز، ويكون وكيل المشتري، وكذا لو وكل البائع بأن يأمر من يشتري منه للموكل.
والثاني: ألاَّ يكون القابض والمُقْبِض واحداً، فلا يجوز أن يوكل البائع رجلاً بالإقْباض وَبِوِكالة المشتري بالقبض كما لا يجوز أن يوكله هذا بالبيع، وذاك بالشراء ليتولى الطرفين.
ولو كان عليه طعام أو غيره من سلم أو غيره، فدفع إلى المستحق دراهم، وقال: أشتر بها مثل ما تستحقه واقبضه لي ثم اقبضه لنفسك، ففعل صَحَّ الشراء والقبض للموكل، ولا يصح قبضه لنفسه لاتحاد القابض والمقبض، وامتناع كونه وكيلاً لغيره في حق نفسه، هذا هو المشهور.
وحكى المسعودي وجهاً: أنه يصح قبضه لنفسه، وإنما المُمْتنع أن يقبض من نفسه لغيره، ولو قال: اشتر بهذه الدَّراهم لي واقبضه لنفسك، ففعل صحَّ الشراء ولم يصح قبضه لنفسه؛ لأن حق الإنسان لا يتمكن الغير من قبضه لنفسه، ويكون المقبوض مضموناً عليه، وهل تبرأ ذمة الدافع عن حق الموكل، فيه ما مر من الوجهين.
ولو قال: اشتر لنفسك، فالتوكيل فاسد، إذ كيف يشتري بمال الغير لنفسه، وتكون الدراهم أمانة في يده؛ لأنه لم يقبضها ليمتلكها، فإن اشترى نظر إن اشترى في الذِّمة وقع عنه، وأذى الثمن من ماله، وإن اشترى بعينها فهو باطل، وذكر ابن سُرَيْجٍ وجهاً: أنه صحيح.
ولو أذن لمستحق الحِنْطة أن يكتال من الصُّبْرة حقه، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز؛ لأن الكيل أحد رُكْني القبض، وقد صار نائباً فيه من جهة البائع متأصلاً لنفسه.
والثانى: يجوز؛ لأن المقصود منه معرفة المقدار والمقبض هو البائع.
ويستثنى عن الشرط الثاني ما إذا اشترى الأب لابنه الصغير من مال نفسه، أو
لنفسه من مال ابنه الصغير، فإنه يتولى طرفي القبض كما يتولى طرفي البيع، وهل يحتاج إلى النقل والتَّحويل في المنقول؟ روى القاضي الماوردي فيه وجهين:
والأظهر: اعتباره كما يعتبر الكيل إذا باع بالكيل.
وقوله في الكتاب: "وليس لأحد أن يقبض لنفسه" يجوز إعلامه بالواو لما رواه المسعودي، ثم هذا اللفظ غير مُجْرى على إطلاقه لما ستعرفه -إن شاء الله تعالى- فيما إذا كان المبيع في يد المشتري.
وقوله: "إلاَّ الوالد يقبض لولده من نفسه، استثناء منقطع، وإلاَّ فهو غير داخل في قبض الإنسان لنفسه من نفسه، هذا تمام الكلام في صورة القبض.
وينبغي أن نتذكر الآن مَا مَرَّ أن إِتْلاف المشتري المبيع 1 قبض، وإنْ لم توجد فيه هذه الصورة.
وقبض الجزء الشَّائع إنما يحصل بتسليم الجَمِيع، ويكون ما عدا المبيع أمانة في يده 2، ولو طلب القسمة قبل القبض.
قال في "التتمة": يجاب إليه.
أما إذا جعلنا القِسْمَة إفرازاً فظاهر.
أما إذا جعلناها بيعاً، فإن الرِّضا غير معتبر فيه؛ لأن الشَّرِيك يجبر عليه، وإذا لم يعتبر الرِّضا جاز أن لا يعتبر القبض كما في الشّفْعة.
-والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا وُجُوبُ التَّسْلِيم يَعُمُّ الطَّرَفَيْنِ وَالبَدَاءَةُ بِالبَائِعِ (ح م) فِي قَوْلٍ، وَبِالمُشْتَرِي في قَوْلٍ، وَيَتَسَاوَيَانِ (م ح) فِي أَعْدَلِ الأَقْوَالِ فمنِ ابْتَدَأَ أَجْبَرَ صَاحِبَهُ، فَإِنْ سَلَّم البَائِعُ طَالَبَ المُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ مِنْ سَاعَتِهِ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِباً أَشْهَدَ عَلَى وَقْفِ مَالِهِ أَيْ حَجَرَ عَلَيْهِ (و)، فَإِنْ وَفَّى أَطْلَقَ الوَقْفَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَهُوَ مُفْلِسٌ، وَالبَائِعُ أَحَقُّ (ح) بِمَتَاعهِ هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-، وَهَذَا حَجْرٌ سَبَبُهُ مَسِيسُ الحَاجَةِ إِلَيْهِ خِيفَةَ فَوَاتِ أَمْوَالِهِ بَتصَرُّفِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ امْتِنَاعِ الفَسْخُ بالفَلْسِ، وَقِيلَ بِإنْكارِ الحَجْرِ لَكنَّهُ خِلاَفُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-.
قال الرافعي: الأمر الثالث: وجوب لتسليم.
لا شك أن على كل واحد من المُتَبايعين تَسْليم العوض الذي استحقه الآخر، لكن لو اختلفا فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أؤدي الثَّمن حتى أقبض المبيع، ففيه أربعة أقوال:
أحدها: أن الحاكم يجبرهما على التَّسْليم، فيأمر كل واحد منهما بإحضار ما عليه فإذا أحضرا سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري لا يضره بأيهما بدأ ويأمرهما بالوضع عند عدل ليفعل العدل ذلك، ووجهه أن كل واحد منهما يستحق قبض ما عند الآخر، فلا سبيل إلى تكليف الإِبْقَاء، فيؤمر بِإبْقَائه كما لو كان لكل واحد منهما وَدِيْعَة عند الآخر وتنازعا هكذا.
والثاني: أنه لا يجبر واحداً منهما، ولكن يمنعهما من التَّخاصم، فإذا سلم أحدهما ما عليه أجبر الآخر، ووجهه أن على كل واحد إيفاء واسْتِيفاء، ولا سبيل إلى تكليف الإيفاء قبل الاستيفاء.
والثالث، وبه قال مالك وأبو حنيفة: أنه يجبر المشتري على تسليم الثمن أَوَّلا؛ لأن حقه متعين في المبيع، وحق البائع غير متعين في الثمن، فيؤمر بِالتَّعيين.
والرابع: وبه قال أحمد، وهو الأصح: يُجْبر البائع على تسليم المَبِيع أولاً؛ لأنه لا يخاف هلاك الثمن، فملكه مستقر فيه وتصرفه فيه بالحِوَالة والاعْتِياض نافذ، وملك المشتري في المبيع غير مستقر، فعلى البائع التَّسْليم ليستقر.
وفي المسألة طريقة أخرى وهي: القَطْع بالقول الرَّابع، وحمل الأول والثَّاني على حكاية مذهب الغير، وما روي عن نصِّه في "الأم" واستغربه.
وأما الثَّالث: فهو من تخريج بعضهم، وليس منصوصاً عليه.
واختار الشَّيْخ أبو حامد هذه الطَّريقة، ومنقول المزني في "المختصر" يمكن تنزيله على القول الرابع، وبه قال الأكثرون، ويمكن تنزيله على الأَوَّل وبه قال المسعودي، وهذا كله فيما إذا كان الثَّمن في الذِّمة.
فإن كان معيناً سقط القول الثَّالث.
سقط القول الثالث 1 وإن تبايعا عرضا بعرض سقط القول الرَّابع أيضاً.
وبقي قولان:
أحدهما: أنهما يُجْبران.
والثاني: لا يُجْبران، ويشبه أن يكون الأول أظهر، وبه قال أحمد، وهو الذي أورده في "الشامل".
التفريع: إن قلنا: يجبر البائع على تسليم المبيع أولاً، أو قلنا: لا يجبر، ولكنه تبرع وابتدأ بالتَّسليم أجبر المشتري على تسليم الثَّمن في الحال، إن كان حاضراً في المجلس، وإلاَّ فللمشتري حالتان:
إحداهما: أن يكون مُوسِرًا فإن كان ماله في البَلَد يُحجر عليه، إلى أن يسلم الثَّمن 1 كيلا يتصرّف في أملاكه بما يفوت حق البائع، وحكى صاحب الكتاب هاهنا وفي "الوسيط" وجهاً: أنه لا يحجر عليه، ويمهل إلى أن يأتي بالثمن، ولم أر لغيره نقل هذا الوجه على هذا الإطلاق.
فإن قلنا بالمذهب المشهور، ففيم يحجر عليه؟ قال عامة الأصحاب: يحجر عليه في المبيع وفي سائر أمواله.
ومنهم من قال: لا يحجر عليه في سائر أمواله إن كان ماله وافياً بديونه، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وعلى هذا فهل يدخل المبيع في الاحتساب؟ فيه وجهان: = ثانيها: أن يكون كل منهما عقد لنفسه، فإن كان وكيلاً عن البائع لم يجئ القول المخرج ولا عدم إجبارهما، فإن كانا معاً وكيلين تعين القول بإجبارهما.
حكاه الإمام في التفليس.
قيل: وقضيةكلام الحاوي مجيء القولين الأولين.
ثالثها: أن لا يكون تصرفه مبنياً على الاحتياط فالمكاتب لا يسلم المبيع قبل القبض كما ذكره الشيخ في باب الكتابة وفي معناه ولي اليتيم.
رابعها: أن لا يتعلق بعقده حق لغيره كالرهن والفلس، فإذا باع الحاكم مال المفلس لا يسلم حتى يقبض الثمن ويجبر المشتري قطعاً.
قاله ابن القطان، وعن أبي إسحاق أنه يجيء قول بإجبارهما.
خامسها: أن يكون الثمن في الذمة حالاً فإن كان مؤجلاً أجبر البائع قطعاً.
سادسها: أن يكون المبيع في يد البائع فلو كان المبيع عند العقد في يد المشتري والثمن المعين في يد البائع فالمشهور أنه لا حق للآخر في التعليق به بل يتسلط على التصرف فيما ملكه لا بمجرد لزوم العقد.
سابعها: أن يمكن تسليم كل منهما فلو أبق العبد لم يجبر المشتري على تسليم الثمن قطعاً.
أشبههما: أنه يدخل 1.
وإن كان ماله غائباً عن البلد، فينظر إن كان على مسافة القَصْر، فلا يكلف البائع الصّبر إلى إحضاره، وفيما يفعل؟ وجهان:
أحدهما: أنه يباع في حقه، ويؤدي من ثمنه.
والأظهر عند الأكثرين: أن له أن يفسخ البيع لتعذُّر تحصيل الثمن كما لو أفلس المشتري بالثمن، فإن فسخ فذاك، وإن صبر إلى الإحضار فالحجر على ما سبق.
وحكى الإمام عن ابن سُرَيجٍ: أنه لا فسخ، ولكن يرد المبيع إلى البائع، ويحجر على المشتري ويمهل إلى الإحضار، وادعى في "الوسيط": أنه الصحيح.
وإن كان دون مسافة القَصْر، فهو كما لو كان في البلد، أو كما لو كان على مسافة القَصْر فيه وجهان 2.
الحالة الثانية: أن يكون معسراً، فهو مفلس والبائع أحق 3 بمتاعه [هذا هو الصحيح المنصوص].
وفيه وجه: أنه لا فسخ ولكن تباع السِّلْعة ويوفى من ثمنها حق البائع، فإن فضل شيء فهو للمشتري، والمنصوص الأول.
وأما لفظ الكتاب: فقوله: "والبداءة بالبائع" معلّم بالميم والحاء، وكذا قوله: "ويتساويان"، وقوله: "وبالمشتري" بالألف، ويجوز أن يعلّم لفظ "الأقوال" بالواو إشْعَاراً بالطريقة النافية للخلاف.
وقوله: "هذا لفظ الشافعي" -رضي الله عنه- ليس هو هو لكنه قريب منه، ولفظه في "المختصر"؛ فإن غاب ماله أشهد على وقف ماله، وأضهد على وقف السلعة، فإذا دفع أطلق عنه الوقف، فإن لم يكن له مال فهو مفلس والبائع أحق بسلعته.
واعلم: أن هذا النص ظاهر في أنه إذا حجر عليه يحجر في السِّلْعة المبيعة، وفي
سائر الأموال سواء كانت وافية بالدُّيون أو لم تكن، ويمكن الاحتجاج به لما نقله الإمام عن ابن سريج، وهو أنه لا فسخ عند الغيبة، فإنه لم يثبت في الغَيْبة إلا الحجر، وخص أحقيته بالمتاع بحالة الإفلاس.
وقوله: "وذلك عند امتناع الفسخ بالفلس"، أراد به أنَّه لا حَجْر عند إمكان الفسخ بالفلس، وادعى في "الوسيط" الوفاق فيه، لكن ذكرنا أن من أثبت الفسخ عند الغيبة قال: إن اختار الصَّبر إلى الإحضار يحجر عليه، وجميع ما ذكرنا من الأقوال، والتفريع جار فيما إذا اختلف المكرى والمكتري في البَدَاءَة بالتسليم بلا فرق، ثم هاهنا أَمْرٌ مُهِمٌ لا بد من ذكره، وهو: أن طّائفة توهَّمت أن الخلاف في البَدَاءة بالتسليم خلاف في أن البائع هل له حق الحبس أم لا؟
إن قلنا: البداءة بالبائع، فليس له حبس المبيع إلى اسْتِيفَاء الثمن وإلا فله ذلك، ونازع الأكثرون فيه، وقالوا: هذا الخلاف مفروض فيما إذا كان نزاعهما في مجرد البَدَاءَة، وكان كل واحد منهما يبذل ما عليه ولا يخاف فوت ما عند صاحبه، فأما إذا لم يبذل البائع المبيع، وأراد حبسه خوفاَ من تعذر تحصيل الثمن فله ذلك بِلاَ خِلاف، وكذلك للمشتري حق حبس الثمن خوفاً من تعذُّر تحصيل المثمن، نص على ذلك الشيخ أبو حامد، وأقضى القضاة الماوردي -رحمهما الله-.
والمُثْبِتُون من المتأخرين قالوا: إنما يحبس البائع المبيع إذا كان الثمن حالاً، أما المؤجل فليس له حبسه لاستيفائه لرضاه بتأخيره، ولو لم يتفق التسليم حتى حلّ الأجل فلا حبس أيضاً، ولو تبرع بالتسليم لم يكن له رده إلى حبسه، وكذا لَوْ أعاره من المُشْتَري في أَصَحِّ الوجهين 1، ولو أودعه إياه فله ذلك، ولو صالح من الثمن على مال، لم يسقط حقّ الحَبْس لاستيفاء العوض.
ولو اشترى بوكالة اثنين شيئاً، ووفى نصف الثمن عن أحدهما لم يجب على البائع تسليم النصف بناءً على أن الاعتبار بالعاقد.
ولو باع بوكالة اثنين، فإذا أخذ نصيب أحدهما من الثمن فعليه تسليم النصف، هكذا ذكره في "التهذيب"، وفيه كلامان:
أحدهما: أن العبد المشترك بين الرجلين إذا باعه مالكاه، ففي انفراد أحدهما يأخذ نصيبه من الثمن وجهان، وكان أخذ الوكيل لأحدهما مبنياً على ثبوت الانفراد لو باعا بأنفسهما.
الثاني: أنا إذا قلنا: إن الاعتبار في تعدد الصَّفْقة واتحادها بالعاقد، فينبغي أن
يكون تَسْليم النصف على الخلاف فيما إذا أخذ البائع بعض الثمن، هل عليه تسليم قسطه من المبيع؟ وفيه وجهان ذكرناهما في "باب التفريق"، -والله أعلم-.
هذا وليعلم المُطَّلع على هذا السِّفْر الجليل أنه ضاق المُقَام في هذا الجزء عن أن ندون به باقْي كتاب البيوع من شرح العزيز على متن "الوجيز" للإمام الأمجد والعلامة الأوحد الإمام الرافعي -رحمه الله رحمة واسعة ولقد ألجأتنا الضَّرورة حتى وقفنا على موقف كان لا يحسن الوقوف عليه، فإلى هنا نختم هذا الجزء، ونفتتح الجزء التالي -إن شاء الله تعالى- بقول المصنف: النظر الرابع في موجب ألفاظ الكتاب المطلقة، وتأثيرها باقتران العرف -والله ولي التوفيق-.
[النظر الرابع]
قال الغزالي: النَّظْر
ُ الرَّابعُ مِنَ الكِتَابِ فِي مُوجِبِ الأَلْفَاظِ المُطْلَقَةِ وَتَأثِيرِهَا بِاقْتِرَانِ العُرْفِ،
وَهِيَ ثَلاثةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: مَا يُطْلَقُ فِي العَقْدِ، فَمَن اشْترَى شَيْئاً بِمَائَةٍ فَقَالَ لِغَيْرِهِ: وَلَّيْتُكَ هَذَا العَقْدَ انْتقلَ اَنتَقَلَ المِلْكُ إِلَيْهِ بِالمَائَةِ، وَسَلَّمَ الزَّوَائِدَ للأَوَّلِ (و)، وَتَتَجَدَّدُ الشُّفْعَةُ بِجَرَيَانِ هَذَا البَيْعِ (و)، وَلَوْ حَطَّ عَنِ المِائَةِ لَحِقَ الحَطُّ (و) المُشْتَرِيَ الثَّانِي؛ لأَنَّهُ فِي حَقِّ الثَّمَنِ كَالبِنَاءِ.
قال الرافعي: عرفت في أول البيع أن كلام هذا النظر فيما يقع والألفاظ المتأثرة بالقرائن المنضمة إليها تنقسم إلى: راجعة إلى مطلق العقد، وإلى راجعة إلى الثمن خاصة.
أما القسم الأول فمقصوده بيان لفظين يشتمل الفصل على أحدهما، وهي التولية 1.
والتولية: أن يشتري شيئاً ثم يقول لغيره: ولَّيتك هذا العقد فيجوز، ويشترط قبوله في المجلس على قاعدة التَّخَاطب بأن يقول: قبلت أو تَولَّيت، ويلزمه مثل الثمن الأول جنساً وقدراً ووصفاً، ولا يشترط ذكره إذا علماه؛ فإنْ لم يعلمه المشتري أعلمه أولاً ثم ولاه العقد، وهذا العَقْد بيع يشترط فيه القدرة على التَّسليم والتقابض إذا كان صرفاً، وسائر الشروط، ولا يجوز قبل قبض المبيع على ما مر في النَّظَر الثَّالث.
والزوائد المُنْفَصِلة قبل التَّوْلِيَة، تبقى للمولِّي، ولو كان المبيع شِقْصاً مَشْفُوعاً، وعفى الشَّفيع، تجددت الشُّفْعة بالتَّوْليَة.
ولو حظ البائع بعد التَّولية بعض الثَّمن، انحط عن المولَّى أيضاً، ولو حط 2 الكل فكذلك؛ لأنه وإن كان بيعاً جديداً فخاصيَّته وفائدته التنزيل على الثمن الأول.
وعن القاضي حسين: أن الوجه التردد في جميع هذه الأحكام فعلى رأي يجعل
المولي نائباً عن المولى فتكون الزوائد للمولِّي، ولا تتجدد الشُّفْعة ويلحق الحط المولى وعلى رأي تعكس هذه الأَحْكَام، وتقول: هي بيع جديد، وظاهر المَذْهب الفرق بين الزَّوائد والشّفْعَة وبين الحَطّ، وعلى هذا لو حط البعض قبل التَّوْلية لم تَجُز التَّولية إلاَّ بالباقي، ولو حط الكُل لم تصح التَّوْلية.
ومن شرط التولية: أن يكون الثمن مثلياً ليأخذ المولى مثل ما بذل، فلو اشتراه بعرض لم يجز فيه التولية.
قال في "التتمة": إلاَّ إذا انتقل ذلك العرض من البائع إلى إنسان فولاّه العقد.
قال: ولو اشتراه بعرض وقال: قال عليَّ بكذا وقد ولَّيتك العقد بما قام عليَّ، أو أرادت المرأة عقد التَّولية على صَدَاقها بلفظ القيام، أو أراد الرجل التولية على ما أخذه من عوض الخُلُع، ففي جميع ذلك وجهان.
ولو أخبر المولِّي عَمَّا اشترى به وكذب، فمنهم من قال: هو كالكذب في عقد المُرَابَحَة 1 وسيأتي إن شاء الله ومنهم من قال: يُحطّ قدر الخِيَانة قولاً واحداً.
قال الغزالي: ولَوْ قَالَ: أَشْرَكْتُكَ فِي هَذَا العَقْدِ علَى المُنَاصَفَةِ كَانَ توليةً فِي نِصْفِ المَبِيعِ، وَلَو لَمْ يَذْكُرِ المُنَاصَفَةَ فَالأَصَحُّ التَّنْزِيلُ علَى الشَّطْرِ.
قال الرافعي: اللفظة الثَّانية: الاشتراك وهو أَنْ يشتري شيئاً ثم يشرك غيره فيه ليصير بعضه له بقسطه من الثَّمَن، ثم إن نص على المُنَاصَفَة أو غيرها فذاك، وإنْ أطلق الاشتراك فوجهان:
أحدهما: أنه يفسد العقد للجهل بمقدار العوض كما لو قال: بعتك بمائة ذهباً أو فضة.
والثَّاني: يصح ويحمل على المُنَاصَفَة كما لو أقر بشيء لزيد وعمرو يحمل على المناصفة.
والأول: هو الذي أورده في "التهذيب" والثاني: أصح عند صاحب الكتاب وهو ما أورده في "التتمة" والإشراك في البعض كالتولية في الكُلِّ في الأحكام التي ذكرناها 2.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي مَا يُطْلَقُ في الثَّمَن مِنْ أَلْفَاظِ المُرَابَحَةِ، فَإذَا قَالَ: بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَربح ده يازده وَكَانَ قَدْ اشْتَرَى بِمَائَةٍ اسْتَحَقَّ مِائَةً وَعَشَرَةً، وَلَوْ قَال بحط ده يازده وَكَانَ قَدِ اشتَرَى بِمَائَةٍ وَعَشَرَةٍ اسْتَحَقَّ مِائَةٌ (و).
قال الرَّافِعِيُّ: بيع المُرَابَحَة جائز من غير كراهة، وهو عقد يبنى الثمن فيه على ثمن المبيع الأول مع زيادة مثل أن يشتري شيئاً بمائة، ثم يقول لغيره: بِعْت هذا بما اشتريته وربح ده يازده أو بربح درهم لكل عشرة، أو في كل عشرة ويجوز أن يَضمَّ إلى رأس المال شيئاً ثم يبيعه مُرَابحة، مثل أن يقول: اشتريته بمائة، وقد بعتكه بمائتين وربح ده يازده وكأنه قال: بعت بمائتين وعشرين.
وكما يجوز البيع مرابحة يجوز مُحَاطة مثل أن يقول: بعت ما اشتريت بحطّ ده يازده وفي القدر المَحْطُوط وجهان:
أحدهما: أنه يحطّ من كل عشرة واحد [كما زيد في المُرَابحة على كل عشرة واحد] 1.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يحط من كل أحد عشر واحد؛ لأن الربح في المُرَابحة جزء من أحد عشر، فليكن كذلك الحَطّ في المُحَاطة وليس في حط واحد من العشرة رعاية لنسبة ده يازده.
فإذا كان قد اشترى بماءة فالثمن على الوجه الأول تسعون، وعلى الثَّاني تسعون وعشرة أجزاء في أحد عشر جزءاً من درهم حطّا لتسعة من تسعة وتسعين ولجزء من أحد عشر جزءاً من الدرهم الباقي.
ولو كان قد اشترى بمائة وعشرة فالثمن الآن على الوجه الأول تسعة وتسعون، وعلى الثَّاني مائة وعلى هذا القِيَاس، وصوَّر كثير من العراقيين وغيرهم المسألة فيما إذا قال: بعت بما اشتريت بحط درهم من كل عشرة وأوردوا فيها الوجهين.
قال إمام الحرمين: وهو غلط فإن في هذه الصّيغة تصريحاً بحطّ واحد من كل عشرة فلا مَعْنَى للتَّردد فيه وإنما موضع التردد لفظ ده يازده وهذا اعتراض بَيِّنٌ.
وذكر القاضي الماوردي وغيره: أنه إذا قال بحط درهم من كل عشرة فالمَحْطُوط واحد من عشرة، ولو قال بحط درهم لكل عشرة فالمحطوط واحد من أحد عشر.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِمَا قَامَ عَلَيَّ اسْتَحَقَّ مَعَ الثَّمَنِ مَا بَذَلَهُ مِنْ أُجْرَةِ
الدَّلاَّلِ وَالكَّيَّالِ وَكِرَاءِ البَيْتِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ مَا أَنْفَقَهُ في عَلَفِ الدَّابَّةِ، وَلاَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ أَوْ كَانَ البَيْتُ مِلْكَهُ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَرْجِ التِّجَارَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: بيع المُرَابحة يفرض بعبارات أكثرها دوراناً على الألسن ثلاث:
إحداها: بعت بما اشتريت، أو بما بذلت من الثمن، وربح كذا.
والثانية: بعت بما قام عليّ وربح كذا، ويختلف حكم العبارتين في الدَّاخل تحتهما، وفيما يجب الإخبار عنه كما سنفصله من بعد، فإذا قال: بعت بما اشتريت لم يدخل فيه سوى الثمن، وإذا قال: بما قام عليّ، دخل فيه مع الثمن أجرة الكَيّال والدَّلاَّل والجَمَّال والحارس والقَصّار والدّفاء والصَّبَّاغ وقيمة الصَّيغ وأُجْرة الختَان وتَطْبِين الدَّار، وسائر المؤونات التي تلتزم للاسترباح وأُلْحِقَ بها كِرَاءُ البيت الذي فيه المتاع.
قال الإمام: لأن التَّربص ركن في التَّخاير وانتظار الأَسْعار.
وأما المؤونات التي يقصد بها اسْتبْقاء الملك دون الاسْتِرْباح كنفقة العبد وكسوته وعَلَف الدَّابة فلا تدخل فيه، ويقع في ذلك مقابلة المَنَافِع والفوائد المُسْتَوْفاة من المبيع.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنها تدخل أيضاً، والمشهور الأول، نعم العلف الزائد للتَّسمين يدخل فيه ذكره القاضي حسين وغيره، وأُجْرة الطَّبيب إن اشتراه مريضاً كأُجرة القَصَّار ونحوها لزياد قيمته بزوال المرض، فإن حدث المرض في يده فهي كالنَّفقة وفي مُؤْنة السَّائس تردد عند الإمام.
والأظهر: إلحاقها بالعَلَف.
ولو قصر الثوب بنفسه أو كَالَ أو حَمَلَ أو طَيَّن الدار بنفسه لم تدخل الأُجرة فيه؛ لأن السّلْعة لا تعد قَائمة عليه إلاَّ بما بذل، وكذا لو كان البَيْت ملكه، وكذا لو تطوَّع متطوع بالعمل أو بإعارة البيت فإن أراد استدراك ذلك فسبيله أَنْ يقول: اشتريت، أو قام علي بكذا، وعملت فيه ما أجرته كذا، وقد بعتك بهما وربح كذا.
والعبارة الثالثة: أن يقول: بعتك برأس المال وربح كذا، فالمذهب الظَّاهر أنه كما لو قال بما اشتريت، لأن السَّابق إلى الأفهام مِنْ رأس المال الثَّمن، وعن القاضي أبي الطَّيب أنه كما لو قال بعت بما قام عليّ وهو اختيار ابن الصَّبّاغ.
وذكر صاحب "التتمة" أن المَكْس 1 الذي يأخذه السّلطان يدخل في لفظة القيام، وإن في دخول الفداء إذا جنى العبد ففداه وجهين.
والذي أورده الأكثرون: أنه لا يدخل فداء الجناية، ولا مَا أَعطاه واسترد به المَغْصُوب في شيء من الألفاظ والعبارات الثَّلاث 1 تجري في المُحَاطة جريانها في المُرَابحة.
قال الغزالي: فَلَوْ كَانَ مِقْدَارُ مَا اشْتَرَى بِهِ أَوْ قَامَ عَلَيْهِ مَجْهُولاً للمُشْتَرِي الثَّانى عِنْدَ العَقْدِ بَطُلَ (و) عَقْدُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: ينبغي أن يكون رأس المال أو ما قامت به السِّلعة عليه معلوماً عند المتبايعين في بيع المُرَابحة، فإن تبايعا وأحدهما جاهل به، ففي صحة العقد 2 وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يصحُّ للجهل بالثَّمن كما في غير المُرَابحة، وعلى هذا فلو أزيلت الجهالة في المجلس لم ينقلب العقد صحيحاً، وفيه وجه أنه ينقلب صحيحاً، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أنه يصحّ؛ لأن الثَّمن فيه مبني على الثَّمَن في العقد الأول، والرجوع إليه سهل فصار كالشَّفِيع بطلب الشُّفعة قبل الإحَاطة بمبلغ الثَّمَن يجوز لسهولة معرفته، وعلى هذا ففي اشْتراط إزالة الجَهَالة في المجلس وجهان.
ومهما كان الثمن دراهم مُعَينة غير معلومة الوزن، ففي جواز بيعه مرابعة الخلاف المذكور.
والأصح: المنع حتى يعرف.
وإذا تأملت ما ذكرنا تبيَّن لك أن قوله للمشتري الثاني ليس لتخصيص الحكم بالمشتري، بل لو كان مجهولاً للبائع لكان الحكم كذلك.
قال الغزالي: وَيَجِبُ (ح) عَلَى البَائِعِ حِفْظُ الأَمَانَةِ بِالصِّدْقِ فِي قَدْرِ مَا اشْتَرِى بِهِ وَبالإخْبَارِ عَمَّا طَرَأَ فِي يَدِهِ مِن عَيْبٍ مُنْقِصٍ أَوْ جِنَايَةٍ (ح)، وَلاَ يَلْزمُ الإِخْبَارُ عَنِ الغَبْنِ (و) فِي العَقْدِ، وَلاَ عَنِ البَائِعِ وَإِنْ كَانَ وَلَدَهُ (ح و)، وَيَجِبُ ذِكْرُ تَأَجِيلِ الثَّمَنِ.
قال الرَّافعِيُّ: بيع المُرَابَحَة مبني على الأمانة لاعتماد المُشْترى نظر البائع
واسْتِقْصَاه ورضاه لنفسه ما رضيه البائع مع زيادة يَبْذلها، فعلى البائع الصّدق في الإخبار عما اشترى به وعما قام به عليه إن كان يبيع بلفظ القيام.
ولو اشترى بمائة وخرج عن مِلْكه، ثم اشتراه بخمسين فرأس ماله خمسون، ولا يجوز ضَمّ الثمن الأول إليه.
ولو اشتراه بمائة وباعه بخمسين، ثم اشتراه ثانياً بمائة فرأس ماله مائة، ولا يجوز أنْ يخبر بمائة وخمسين من قبل خسارته خمسين.
ولو اشتراه بمائة وباعه بمائة وخمسين، ثم اشتراه بمائة فإنْ كان يبيعه مُرابحة بلفظ رأس المال، وبلفظ ما اشتريت أخبر بمائة، ولا يلزمه أن يحطّ منه ربح البيع الأول، كما لم يجز في الصورة الأولى ضم الخُسْران إلى المائة، وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يجب حط ربح البَيْع الأول، وإن باعه بلفظ "قام عَلَيَّ" فوجهان:
أحدهما ويحكى عن ابن سُرَيْجٍ: أنه لا يخبر إلا بخمسين، فإنَّ أهل العرف يعدون السِّلعة والحالة هذه قائمة عليه بذلك.
وأصحهما: أنه يخبر بمائة، لأن المِلْك الأخير قائم عليه بمائة.
ويكره أن يواطئ وكيله ببيع ما اشتراه منه، ثم يشتريه بأكثر ليخبر به في المُرَابَحَة ولو فعل.
قال ابن الصَّبّاغ: يثبت للمشتري الخيار وخالفه غيره.
ولو اشترى سلعة ثم قبل لزوم العقد ألحقا بالثمن زيادة أو نُقْصاناً، وصححناه، فالثمن ما استقر عليه العقد، وإن حطّ عنه بعض الثَّمن بعد لزوم العقد وباع بلفظ "ما اشتريت" لم يلزمه حط المحطوط عنه، خلافاً لأبي حنيفة، وإنْ باعه بلفظ "قام عليّ" لم يخبر إلاَّ بالباقي.
فإن حط الكل، لم يجز بَيْعه مُرَابَحَة بهذا اللفظ، ولو حط عنه بعض الثمن بعد جريان المُرَابحة لم يلحق الحَطَّ المشترى منه.
وعن الشيخ أبي محمد وجه: أنه يلحق كما في التَّوْلِيَة والإِشْرَاك.
ولو اشترى شيئاً بعرض وباعه مُرَابَحَة بلفظ الشراء أو بلفظ القيام، ذكر أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، ولا يقتصر على ذكر القيمة، لأن البائع بالعرض يشدد فوق ما يشدد البائع بالنَّقْد.
ولو اشتراه بدين على البائع، فإن كان مليئاً غير مماطل لم يجب الإخبار عنه وإن كان مماطلاً وجب لأنه يشتريه بالزيادة للتَّخلُّص من التَّقَاضي.
ويجوز أن يبيع مُرَابَحَة بعض الشيء الَّذي اشتراه ويذكر قسطه من الثمن، وكذا لو اشترى قَفِيزي حِنْطة ونحوها، وباع إحداهما مُرَابَحَة.
ولو اشترى عبدين أو ثوبين وأراد بيع أحدهما مُرَابَحة، فسبيله أن يعرف قيمة كل واحد منهما يوم الشراء، ويوزع الثمن على القيمتين، ثم يبيعه بحصَّته من الثمن.